النص المفهرس

صفحات 561-580

٥٦٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
BeSee
بذلك، فلم يكونوا يقرؤون معه فيما يجهر به. قال أبو داود: وسمعت محمد بن
يحيى بن فارس قال: قوله: ((فَانْتَهَى النَّاسُ)) من كلام الزهري. وقال البيهقي في
((معرفة السنن)): قوله: ((فَانْتَهَى النَّاسُ عَنِ الْقِرَاءَةِ»، من قول الزهري. قاله محمد
ابن يحيى الذهلي صاحب ((الزهريات))، ومحمد بن إسماعيل البخاري، وأبو
داود، استدلوا على ذلك برواية الأوزاعي حين ميزه من الحديث، وجعله من قول
الزهري. وكيف يصح ذلك عن أبي هريرة وأبو هريرة يأمر بالقراءة خلف الإمام
فیما جهر به وفیما خافت، انتهى.
وقال في جزء القراءة: رواية ابن عيينة عن معمر دالة على كونه من قول
الزهري. وكذلك انتهاء الليث بن سعد وهو من الحفاظ الأثبات الفقهاء مع ابن
جريج برواية الحديث من الزهري إلى قوله: (مَالِي أَنَازَعُ الْقُرْآنَ) دليل على أن ما
بعده ليس في الحديث، وأنه من قول الزهري، ففصل كلام الزهري من الحديث
بفصل ظاهر. وقال الحافظ في ((التلخيص)): قوله: ((فَانْتَهَى النَّاسُ)) إلى آخره،
مدرج في الخبر من كلام الزهري، بيَّنه الخطيب، واتفق عليه البخاري في
((التاريخ))، وأبو داود ويعقوب بن سفيان والذهلي والخطابي، وغيرهم، انتهى.
وانظر ((السنن الكبرى)) للبيهقي (ج ٢: ص ١٥٧ - ١٥٩) وإذا ثبت أن قوله:
((فَانْتَهَى النَّاسُ ... )) إلخ من كلام الزهري التابعي فلا يصح الاستدلال به؛ لأن قول
التابعي ليس بحجة بالاتفاق. على أنه إن كان المراد بقوله: ((فانتهى الناس ... ))
إلخ. أن جميع الصحابة تركوا القراءة خلفه في الصلوات الجهرية فهو كذب
محض؛ لأن الصحابة اختلفوا في ذلك، وقد ذهب أكثرهم إلى قراءة الفاتحة خلف
الإمام في جميع الصلوات الجهرية والسرية وجوبًا أو ندبًا، وإن كان المراد:
((فَانْتَهَى النَّاسُ))، أي: الذين حضروا هذه الصلاة معه وَّ لا جميع الصحابة، فهو
أيضًا ليس بصحيح؛ لأن أبا هريرة قد شهد هذه الصلاة والقصة، وهو لم يترك قراءة
الفاتحة خلف الإمام، بل كان يفتي بها في جميع الصلوات سرية كانت أو جهرية.
ولو سلم أن قول الزهري هذا صحيح، وأن قول التابعي حجة، فلا يثبت به ما ذهب
إليه الحنفية من كراهة قراءة الفاتحة خلف الإمام في جميع الصلوات، ومنعها
مطلقًا، بل قول الزهري هذا يبطل دعواهم، لأنه يدل على أنهم كانوا يقرؤون سرًّا

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ
ـيزعم
٥٦١
فيما لا يجهر فيه الإمام كما تقدم. وأما ما قيل: من أن قوله: ((فَانتهي الناس ... ))
إلخ. ليس مما قاله الزهري من عند نفسه؛ لأنه لم يشهد هذه القصة. والظاهر بل
المتعين: أن هذا قول بعض الصحابة الذين حضروا هذه الصلاة وسمعوا قوله وَالآتي :
((مَالِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ))، وقد علم هذا الصحابي ترك قراءتهم خلفه في الجهرية
باطلاعهم إياه على ذلك، فلا محالة من أن يقال: إنه سمع الزهري هذا الكلام من
هذا الصحابي، ومن المعلوم أن مثل هذا الكلام من الصحابي يكون في حكم
المرفوع، فيكون قول الزهري هذا أيضًا مرفوعًا حكمًا غاية ما فيه أنه مرسل؛ لأنه
لم يذكر الصحابي الذي سمعه منه هذا القول ولا حرج. ففيه: أنه لا نسلم أن
الزهري سمع هذا القول ممن شهد هذه القصة قطعًا، فإنه يحتمل أن يكون سمع
ذلك من تابعي، ولا يدري أن التابعي الذي سمعه منه ثقة أو ضعيف، مقبول أو
مردود. وأيضًا قد تقدم أن هذا القول كذب؛ لاختلاف الصحابة في ذلك. ولو
صرفنا النظر عن جميع ذلك فلا شك أنه مرسل، ومرسل الزهري كالريح ليس
بشيء .
قال الذهبي في ((التذكرة)) (ج١: ص٩٨): قال قدامة السرجسي: قال يحيى بن
سعيد: مرسل الزهري شر من مرسل غيره؛ لأنه حافظ، وكلما قدر أن يسمي
سمى، وإنما يترك من لا يستجيز أن يسمي.
وقال ابن أبي حاتم في ((كتاب المراسيل)) (ص٢): حدثنا أحمد بن سنان قال:
كان يحيى بن سعيد القطان لا يرى إرسال الزهري وقتادة شيئًا، ويقول: هو بمنزلة
الريح. وقال السيوطي في ((التدريب)) (ص٧٠): مراسيل الزهري قال ابن معين
ويحيى بن سعيد القطان: ليس بشئ. وكذا قال الشافعي، قال: لأنا نجده يروي عن
سليمان بن الأرقم. وروى البيهقي، عن يحيى بن سعيد قال: مرسل الزهري شر
من مرسل غيره، لأنه حافظ كلما قدر أن يسمي سمى، وإنما يترك من لا يستحب أن
يسميه، انتهى. واستدلال المالكية بقوله وَله: ((مَالِي أَنَازَعُ الْقُرْآنَ)) على منع القراءة
خلف الإمام، إذا جهر الإمام بالقراءة. وفي الاستدلال به على هذا المطلوب نظر
ظاهر؛ لأنه لا يدل على منع القراءة خلف الإمام المتنازع فيها، وهي القراءة في
النفس وبالسر بحيث لا يفضي إلى المنازعة بقراءة الإمام، نعم، يدل على منع
القراءة بالجهر خلفه، وهي ممنوعة بالاتفاق.

٥٦٢
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْخُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال القرطبي: والمعنى في حديث - أي: حديث أبي هريرة هذا -: لا تجهروا
إذا جهرت؛ فإن ذلك تجاذب وتخالج، اقرؤوا في أنفسكم. بينه حديث عبادة.
وأفتى الفاروق برأي أبي هريرة الراوي للحديثين، فلو فهم المعنى جملة من قوله
لما أفتى بخلافه، انتهى. وقال ابن عبد البر في ((التمهيد)): لا تكون المنازعة إلا
فيما جهر فيه المأموم وراء الإمام. ويدل على ذلك قول أبي هريرة: ((اقرأ بها في
نفسك يا فارسي))!، وقال الشيخ عبد الحي اللكنوي في ((غيث الغمام)) (ص ٣٠):
غاية ما فيه أن النبي وَلّ قال: ((مَالِي أَنَازَعُ الْقُرْآنَ))، فهو إن دل على النهي، فإنما
يدل على نهي القراءة المفضية إلى المنازعة في الجهرية، انتهى.
وقال الشوكاني في ((النيل)): استدل به القائلون: بأنه لا يقرأ المؤتم خلف الإمام
في الجهرية، وهو خارج عن محل النزاع؛ لأن محل النزاع هو القراءة خلف الإمام
سرًّا، والمنازعة إنما تكون مع جهر المؤتم لا مع إسراره. وقد حاول بعض الحنفية
الاستدلال بقوله: ((مَالِي أَنَازَعُ الْقُرْآنَ)) على ترك القراءة خلف الإمام بالسر وفي
السرية، قائلًا: بأن المنازعة مع الإمام في القراءة تتحقق مع قراءة المأموم بالسر
وفي الصلاة السرية أيضًا؛ لأن معنى المنازعة: هو أن يشارك المأموم الإمام في
القراءة، ويشتغل بالقراءة حال قراءة الإمام، ولا يترك الإمام أن ينفرد بالقراءة.
وفيه: أن الاستدلال به على ذلك باطل؛ لأنه لو كان معنى المنازعة ما بيَّنه هذا
البعض لما كان يقرأ الصحابة خلف الإمام سرًّا في الصلوات السرية كما يدل عليه
قول الزهري، وهو في حكم المرفوع عند الحنفية. وقد تقدمت رواية البيهقي
والبخاري بلفظ: فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر فيه الإمام، وقرؤوا في أنفسهم
سرًّا فيما لا يجهر فيه الإمام. ويبطله أيضًا فيه حديث عبادة عند أبي داود
والدار قطني بلفظ: ((وَأَنَا أَقُولُ: مَالِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ، فَلَا يَقْرَأَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا مِنَ
الْقُرْآنِ إِذَا جَهَرْتُ بِالْقِرَاءَةِ، إِلَّا بِأَمِّ الْقُرْآنِ))؛ لأنه لو كان معنى المنازعة ما ذكره هذا
المستدل لما أمرهم ◌َ له بقراءة الفاتحة خلف الإمام بالسر بعد ما أنكر عليهم
المنازعة، بقوله: ((مَالِي أَنَازَعُ الْقُرْآنَ))، ويبطله أيضًا: أن أبا هريرة، وعبادة، وعمر
كانوا يفتون بقراءة الفاتحة خلف الإمام في جميع الصلوات، وهم ممن رووا
حديث المنازعة، فظهر بذلك أن معنى المنازعة ليس كما ذكره هذا البعض.
قال الشيخ اللكنوي في ((غيث الغمام)): ومن الناس من توهم أن معنى المنازعة،

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ
٥٦٣
هو أن يقرأ المؤتم حال قراءة الإمام، وهو متحقق في السرية أيضًا مطلقًا، وهو
مبني على الغفلة عن كتب اللغة وشروح الحديث للأئمة، انتهى. ولو سلم أن
حديث أبي هريرة هذا يدل على ترك القراءة خلف الإمام بالسر أيضًا، فهو محمول
على ما عدا الفاتحة، جمعًا بين الأحاديث، ويدل عليه حديث عبادة بن الصامت:
((لَا تَفْعَلُوا إِلَّ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ؛ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا)). ويدل عليه أيضًا فتوى
أبي هريرة: اقرأ بها في نفسك يا فارسي! وانظر كتاب ((القراءة)) (ص٩٩) للبيهقي،
وكتاب ((الاعتبار)) للحازمي (ص١٠١). وعن الاستدلال بهذا الحديث على ترك
القراءة خلف الإمام في الجهرية أو مطلقًا أجوبة أخرى ذكرها الشيخ في ((تحقيق
الكلام)) [ص ٣٥٣ - ٣٩٣]، فارجع إليه .
(رَوَاهُ مَالِك وَأَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ) وحسنه. ونقل المنذري تحسين
الترمذي وأقره، وصححه أبو حاتم الرازي وابن حبان وابن القيم. (وَالنَّسَائِيُّ)
وأخرجه أيضًا الشافعي والبيهقي والطحاوي وابن حبان. (وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ نَحْوَهُ)
أي: معناه .
٨٦٢، ٨٦٣ - [٣٥، ٣٦] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ وَالبَيَاضِي قَالَا: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ: ((إِنَّ الْمُصَلِّيَ يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلْيَنْظُرْ مَا يُنَاجِيهِ بِهِ، وَلَا يَجْهَرْ
بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْقُرْآنِ».
[رَوَاهُ أَحْمَدُ] {صحيح}
الشّرْحُ
٨٦٢، ٨٦٣ - قوله: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَالبَيَاضِي) الواو عاطفة، والبياضي -
بفتح الباء الموحدة والياء المنقوطة بالاثنتين من تحت، والضاد المعجمة -
منسوب إلى بياضة بن عامر بن زريق، بطن من الأنصار، اسمه فروة - بفتح الفاء
وسكون الراء - ابن عمرو - بفتح العين - ابن ودقة - بفتح الواو وسكون الدال -
ابن عبيد بن عامر بن بياضة، شهد العقبة وبدرًا وما بعدها مع رسول اللَّه وَ ل، آخى
رسول اللَّه ◌َ لَهبينه وبين عبد الله بن مخرمة العامري، وكان يبعثه النبي ◌ُّ لخرص
(٨٦٢)، (٨٦٣) مَالِك (٢٩) فِي ((المُوَطَّأ))، وَأَحْمَد (٣٤٤/٤) عَنْهُ.

٥٦٤
**
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
النخل، وكان ممن قاد مع رسول اللَّه وَ ليل فرسين في سبيل الله، وكان يتصدق في
كل عام من نخله بألف وسق، وكان من أصحاب علي يوم الجمل.
(قَالَ رَسُولُ اللهِ بَّهِ: إِنَّ الْمُصَلَّيَ) وسبب هذا القول أن رسول اللَّه وَّةٍ كان
معتكفًّا في العشر الأواخر من رمضان في قبة على بابها حصير، والناس يصلون
عصبًا عصبًا، فأخرج منها رأسه ذات ليلة، وقد علت أصواتهم بالقراءة بالجهر،
فقال: (إِنَّ الْمُصَلِّيَ) إذا صلَّى. (يُنَاجِيَ رَبَّهُ) أي: يحادثه ويكالمه، وهو كناية عن
كمال قربه المعنوي. وقيل: هي عبارة عن إحضار القلب، والخشوع في الصلاة.
وقيل: هي إخلاص القلب، وتفريغ السر بذكره. وقيل: مناجاة العبد: أداء الأفعال
والأقوال المطلوبة في الصلاة، ومناجاة الرب لعبده: إقباله عليه بالرحمة
والرضوان. والمقصود: التنبيه على الخشوع في الصلاة.
(فَلْيَنْظُرْ) أي: فليتفكر وليتأمل. (مَا يُنَاجِيهِ بِهِ) ما استفهامية والضمير المنصوب
في (يُنَاجِيهِ) راجع إلى الرب، وفي (بِهِ) إلى (مَا) و((ما)) مفعول (فَلْيَنْظُرْ). قال
القاري: وفي نسخة: ((مَا يُنَاجِي بِهِ)) ((ما)) استفهامية أو موصولة. أي: ما يناجي
الرب تعالى من الذكر، والقرآن، والحضور، والخشوع، والخضوع، انتهى.
والمقصود: التنبيه على تحصيل الخشوع بمواطأة القلب اللسان، والإقبال
إلى اللَّه بشرا شره، وذلك إنما يحصل إذا لم ينازعه صاحبه بالقراءة، ولم يجهر
بعضهم على بعض بالقرآن؛ لأن المنازعة وجهر بعض على بعض بالقراءة مفوت
للخشوع، ومن ثم عقبه بقوله: (وَلا يَجْهَرْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْقُرْآنِ) فإن ذلك
يؤذي ويمنع من الإقبال على الصلاة، والنهي يتناول من هو داخل الصلاة
وخارجها. قال الطيبي: عدى بعلى لإرادة معنى الغلبة، أي: لا يغلب ولا يشوش
بعضكم على بعض جاهرًا بالقراءة، انتهى. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) أما حديث ابن عمر
فأخرجه (ج٢: ص٣٦، ٦٧، ١٢٩) وسنده صحيح، وأخرجه أيضًا البزار
والطبراني في الكبير.
قال الهيثمي: وفيه محمد بن أبي ليلى، وفيه كلام. وأما حديث البياضي
فأخرجه (ج ٤: ص٣٤٤) وأخرجه أيضًا مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد، عن
محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبي حازم التمار، عن البياضي. ومن

كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلاةِ
٥٦٥
طريق مالك أخرجه أحمد، قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، انتهى. فلو عزاه
المؤلف إلى ((الموطأ)) كان أولى. وللحديث شاهد من حديث أبي سعيد عند
النسائي .
قال ابن عبد البر: حديث البياضي وأبي سعيد صحيحان ثابتان، انتهى. وفي
الباب عن على عند أحمد وأبي يعلى، وعن أبي هريرة، وعائشة عند الطبراني في
((الأوسط))، ذكرهما الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج٢: ص٢٦٥، ٢٦٦).
٨٦٤ - [٣٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِفَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((إِنَّمَا
جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا)).
[ْرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ] {صحيح}
الشَّرْخُ
٨٦٤- قوله: (إِنَّمَا جُعِلَ) ببناء المجهول، وكلمة (إِنَّمَا) للحصر للمبالغة
والاهتمام. (الإِمَامُ) أي: إمامًا، فالمفعول الثاني لقوله: (جُعِلَ) محذوف،
والتقدير: إنما جعل الإمام إمامًا، والمفعول الأول قام مقام الفاعل، أو (جُعِلَ)
بمعنى: نصب، واتَّخَذَ، فلا حاجة إلى التقدير. (لِيُؤْتَّمَّ بِهِ) أي: ليقتدى به.
والمعنى: أن الائتمام يقتضي متابعة المأموم لإمامه، فلا يجوز له المقارنة
والمسابقة، والمخالفة إلا ما دل الدليل الشرعي عليه، كصلاة القاعد خلف القائم
ونحوها، وقد ورد النهي عن الاختلاف بخصوصه بقوله: ((لا تختلفوا علیه)).
(فَإِذَا كَبَّرَ) أي: للإحرام أو مطلقًا، فيشمل تكبير النقل. (فَكَبِّرُوا) زاد في رواية:
((وَلَا تُكَبِّرُوا حَتَّى يُكَبَِّ))، أي: حتى يفرغ منه. وقيل: حتى يأخذ في التكبير. (وَإِذَا
قَرَأَ فَأَنْصِتُوا) احتج به القائلون: أن المؤتم لا يقرأ خلف الإمام في الصلاة
الجهرية. قلتُ: الاستدلال بذلك على هذا المطلوب موقوف على أن تكون هذه
اللفظة ثابتة محفوظة صحيحة، وقد اختلفوا في ذلك؛ فصححها مسلم، ومال إليه
(٤ ٨٦) أَبُو دَاوُد (٦٠٤)، النَّسَائِي (٢/ ١٤٢)، ابن مَاجَهْ (٨٤٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهَا .

٥٦٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
المنذري، وصححها ابن حزم أيضًا. وضعفها البخاري وأبو داود وأبو حاتم وابن
معين وابن خزيمة والحاكم والدارقطني. واجتماع هؤلاء الحفاظ النقاد على
تضعيفها مقدم على تصحيح مسلم.
قال البيهقي في ((المعرفة)): قد أجمع الحفاظ على خطأ هذه اللفظة في
الحديث: أبو داود وأبو حاتم وابن معين والحاكم والدار قطني، وقالوا: إنها
ليست بمحفوظة، انتهى. وروى في كتاب ((القراءة)) بإسناده عن ابن أبي حاتم،
قال: سمعت أبي، وذكر حديث أبي خالد الأحمر عن ابن عجلان - يعني: حديث
أبي هريرة هذا - فقال أبي: ليست هذه الكلمة محفوظة، هي من تخاليط ابن
عجلان، انتھی.
قلتُ: محمد بن عجلان هذا مدلس، وروي هذا الحديث عن زيد بن أسلم
معنعنًا، فلا يجوز الحكم بصحته حتى يثبت سماعه من زيد بن أسلم لهذا الحديث.
وأيضًا ابن عجلان ليس بحافظ، بل هو سيئ الحفظ، وقد تفرد بهذه الزيادة، ولم
يتابعه عليها أحد من الثقات، وقد روي حديث أبي هريرة هذا بالأسانيد الصحيحة
الكثيرة، ليس في واحد منها هذه الزيادة. أما كونه مدلسًا، فقد صرح به برهان
الدين الحلبي في ((التبيين لأسماء المدلسين)).
وقال الحافظ في ((طبقات المدلسين)): محمد بن عجلان المدني تابعي صغير
مشهور، من شيوخ مالك، وصفه ابن حبان بالتدليس. وأما كونه سيئ الحفظ فقال
الحافظ في مقدمة ((الفتح)): فيه مقال من قبل حفظه. وقال الذهبي في ((الكاشف)):
وثقه أحمد، وابن معين، وقال غيرهما: سيئ الحفظ. وقال في الميزان: وقد تكلم
المتأخرون من أئمتنا في سوء حفظه، انتهى. ولعل الشيخين لم يحتجا به لأجل
ذلك. قال الذهبي في ((التذكرة)): لم يحتج الشيخان بحديث محمد، انتهى. وأما
كونه متفردًا بهذه الزيادة في هذا الحديث، فهو ظاهر لمن تتبع طرق الحديث.
قال البيهقي في كتاب ((القراءة)) (ص٩١): قال ابن خزيمة: قال محمد بن يحيى
الذهلي: خبر الليث أصح متنا من رواية أبي خالد، يعني: عن ابن عجلان، ليس
في هذه القصة عن النبي وَالَّ ((وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا)) بمحفوظ؛ لأن الأخبار متواترة عن
أبي هريرة بالأسانيد الصحيحة الثابتة المتصلة بهذه القصة، ليس في شيء منها:

كِتَابُ الصَّلَاةِ
=* E
بَابُ الْقِرَاءَةِ فى الصَّلاةِ
٥٦٧
((وإذا قرأ فأنصتوا))، إلا خبر أبي خالد ومن لا يعتد أهل الحديث بروايته. ثم رواها
ابن خزيمة من حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. ومن حديث
الأعمش، عن أبي صالح عن أبي هريرة. ومن حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه،
عن أبي هريرة. وليس في شيء منها هذه الزيادة، وهي في الصحيح من حديث
الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، ومن حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه
عن أبي هريرة. ومن حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة. ومن حديث
همام بن منبه وأبي علقمة الهاشمي، وأبي يونس مولى أبي هريرة كلهم، عن أبي
هريرة، ليس في شيء من هذه الروايات: ((وإذا قرأ فأنصتوا))، انتهى.
فإن قلتَ: قال ابن التركماني في ((الجوهر النقي)) (ص١٥٣): قد تابعه عليها
خارجة بن مصعب ويحيى بن العلاء، كما ذكره البيهقي فيما بعد، انتهى. وكذلك
قال العيني في ((شرح البخاري)) (ج٦: ص١٥) قلتُ: لا اعتداد بمتابعتهما. قال
الحافظ في ((التقريب)) في ترجمة خارجة بن مصعب: متروك وكان يدلس عن
الکذابین، ویقال: إن ابن معین کذبه، انتھی.
وقال الذهبي في ((الميزان)) في ترجمة يحيى بن العلاء: قال الدار قطني: متروك،
وقال أحمد بن حنبل: كذاب يضع الحديث. وقال الخزرجي في ((الخلاصة)) في
ترجمته: كذبه وكيع وأحمد، انتهى. وقال البيهقي في كتاب ((القراءة)): وقد رواه
يحيى بن العلاء الرازي، عن زيد بن أسلم. ويحيى بن العلاء متروك، جرحه یحیی
ابن معين وغيره من أهل العلم بالحديث. وروي بإسناد ضعيف عن عمرو بن
هارون، عن خارجة بن مصعب، عن زيد بن أسلم. ولا يفرح بمتابعة هؤلاء في
خلاف أهل الثقة والحفظ، انتهى.
تنبيه:
ذكر العيني في ((شرح البخاري)) و((البناية شرح الهداية)): أن ابن خزيمة أيضًا
صحح حديث ابن عجلان، يعني زيادة: ((وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا))، وقد نقله عنه الشيخ
اللكنوي في ((إمام الكلام))، والنيموي في ((آثار السنن))، وغيرهما من العلماء
الحنفية في تصانيفهم، وهذا خطأ فاحش ووهم قبيح، فإن ابن خزيمة لم يصحح
هذه الزيادة أبدًا بل هو ممن ضعفها جدًّا.

٥٦٨
asers
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال البيهقي في كتاب ((القراءة)) (ص٩١): قال أبو بكر محمد بن إسحاق بن
خزيمة: هذا خبر - ذكر قوله: ((وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا)) - فيه وهم. وقد روى الليث بن
سعد - وهو عالم أهل مصر وفقيههم، أحد علماء زمانه، غير مدافع، صاحب حفظ
وإتقان وكتاب صحيح - هذا الخبر عن ابن عجلان، فذكر الرواية التي ذكرها
البخاري، وليس في شيء منها: ((وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا)).
قال ابن خزيمة: قال محمد بن يحيى الذهلي: خبر الليث أصح متنًا من رواية
أبي خالد - يعني ابن عجلان - ليس في هذه القصة عن النبي وَّةِ ((إِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا))
بمحفوظ ... إلخ. وقد ذكر ابن خزيمة فصلا مستقلا لإثبات أن هذه الزيادة غير
محفوظة، كما قال البيهقي في كتاب ((القراءة)) (ص ٩٥) فارجع إليه. ولو سلم أن
زيادة: (وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا) في حديث أبي هريرة صحيحة ثابتة محفوظة، فقد ذكرنا
عنها أجوبة في شرح حديث أبي موسى الأشعري فتذكر.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وقال: هذه الزيادة (وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا)) ليست بمحفوظة. الوهم
عندنا من أبي خالد، وتقدم أن أباحاتم قال: هي من تخاليط ابن عجلان، يعني: أن
الوهم عنده من ابن عجلان، ولم يبين بعض الحفاظ الذين صرحوا بكونها غير
محفوظة، أن الوهم ممن هو؟ فإن قلتَ: إختلافهما في نسبة الوهم، وسكوت
بعضهم عن تعيين الواهم يؤدي إلى طرح القولين، والرجوع إلى صحة هذه
الزيادة .
قلتُ: إن الحفاظ النقاد إذا حكموا على حديث بأنه غير محفوظ، واختلفوا في
نسبة الوهم، فبعضٌ نسبوه إلى أحد، وبعضهم إلى آخر، فهذا الاختلاف لا يؤدي
إلى طرح القولين، ولم يقل به أحد، كيف، وقد تقرر في موضعه أن المحدثين
المعللين القائمين بمعرفة فن المعلول الذي هو من أغمض أنواع علوم الحديث
وأدقها، إذا اتفقوا على حديث أنه معلول فدعواهم مقبولة، وإن اختلفوا في توجيه
التعليل، بل وإن أخطأ بعضهم في توجيهه، فإنه قد يقصر عبارة المعلل عن إقامة
الحجة على دعواه، كالصيرفي في ((نقد الدينار والدرهم))، وهذا الجواب على
تقدير تسليم كون أبي خالد وابن عجلان ثقتين، حافظين، لكن قد تقدم أن ابن
عجلان مدلس، وقد روی هذا الحديث عن زيد بن أسلم معنعنًا، ومع كونه مدلسًا

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ
٥٦٩
ليس بحافظ، بل هو سيئ الحفظ. وقد تفرد بهذه الزيادة، ولم يتابعه عليها أحد من
الثقات. وأما أبو خالد الأحمر سليمان بن حيان الأزدي فهو أيضًا سيئُ الحفظ.
قال الحافظ في مقدمة ((الفتح)): قال ابن معين: أبو خالد صدوق، ليس بحجة.
وقال ابن عدي: وإنما أتي من سوء حفظه فيغلط، ويخطئ. وقال أبو بكر البزار:
اتفق أهل العلم بالنقل أنه لم يكن حافظًا. وقال الحافظ في ((التقريب)): صدوق
يخطئ. (وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) وأخرجه أيضًا أحمد.
٨٦٥- [٣٨] وَعَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى
النَّبِيِّ وَِّ، فَقَالَ: إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آَخُذَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا، فَعَلِّمْنِي مَا
يُجْزِئُنِي. قَالَ: ((قُلْ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَنْبَرُ،
وَلَاَ حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّ بِاللَّهِ)) قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا لِلَّهِ، فَمَاذَا لِي؟ قَالَ :
(قُلْ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي، وَعَافِي، وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي)) فَقَالَ هَكَذَا بِيَدِيْهِ
وَقَبَضَهُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ: ((أَمَّا هَذَا فَقَدْ مَلَأَ يَدَيْهِ مِنَ الْخَيْرِ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {حسن}
- وَانْتَهَتْ رِوَايَةُ النَّسَائِي عِنْدَ قَوْلِهِ: ((إِلَّا بِاللهِ)).
الشرحُ
٨٦٥- قوله: (وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى) هو عبد الله بن أبي أوفى، علقمة بن
خالد بن الحارث الأسلمي أبو إبراهيم، أو أبو محمد أو أبو معاوية، صحابي ابن
صحابي، شهد عبد الله بيعة الرضوان، وخيبر، وما بعد ذلك من المشاهد، ولم
يزل بالمدينة حتى قبض رسول اللَّه وَالخير، ثم تحول إلى الكوفة، وهو آخر من بقي
بالكوفة من الصحابة، مات سنة (٨٧) بالكوفة، وكان قد كف بصره، روى خمسة
وتسعين حديثًا، اتفقا على عشرة، وانفرد البخاري بخمسة ومسلم بواحد، روى
عنه جماعة. (أَنْ آخُذَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا) أي: أتعلم وأحفظ من القرآن شيئًا أقرأه في
(٨٦٥) أَبُو دَاوُد (٨٣٢)، وَالنَّسَائِي (٢ / ١٤٣) فِيهَا عَنْ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي أَوْفَى.

٥٧٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الصلاة، أو آخذ شيئًا من القرآن وِرْدًا. (مَا يُجْزِتُنِي) أي: يكفيني عن القراءة في
الصلاة، أو عن ورد القرآن. (قَالَ) وفي بعض النسخ: ((فقال)). وكذا وقع في أبي
داود. (قُلْ: سُبْحَانَ اللَّهِ ... ) إلخ؛ فإن هذه الكلمات أحب الكلام إلى الله، وأفضل
الذكر بعد كلام الله. (هَذَا لِلَّهِ) أي: ما ذكر من الكلمات ذكر لله، مختص له،
أذكره به. (فَمَاذَا لِي؟) وفي أبي داودٍ: ((فما لي؟)) أي: علمني شيئًا يكون لي فيه دعاء
واستغفار أذكره لي عند رَبِّي. (اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي) أي: بترك المعاصي أبدًا، أو
بغفرانها وعفوها. (وَعَافِي) من آفات الدارين. (وَاهْدِنِي) أي: ثبتني على دين
الإسلام، أو دلني على متابعة الأحكام. (وَارْزُقْنِي) أي: رزقًا حلالًا طيبًا، كافيًا
مغنيًا عن الأنام، أو التوفيق والقبول، وحسن الاختتام. (فَقَالَ) أي: فعل الرجل.
(هَكَذَا) قال الطيبي: أي أشار إشارة مثل هذه الإشارة المحسوسة. (بِيَدَيْهِ) تفسير
وبيان. (وَقَبَضَهُمَا) قال القاري: وفي نسخة: ((فقبضهما))، فقيل: أي: عَدَّ تلك
الكلمات بأنامله، وقبض كل أنملة بعدد كل كلمة. وقال ابن حجر: ثم بين الراوي
المراد بالإشارة بهما، فقال: ((وقبضهما)) أي: إشارة إلى أنه يحفظ ما أمر به كما
يحفظ الشيء النفيس بقبض اليد عليه. وظاهر السياق أن المشير هو المأمور، أي:
حفظت ما قلت لي وقبضت عليه، فلا أضيعه. ويؤيده قول الراوي.
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: أَمَّا هَذَا) أي: الرجل. (فَقَدْ مَلأَ يَدَيْهِ مِنَ الْخَيْرِ). قال ابن
حجر: كناية عن أخذه مجامع الخير بامتثاله لما أمر به. قلتُ: وقع في رواية
لأحمد (ج٤: ص٣٥٣): ثم أدبر وهو ممسك كفيه، بدل قوله: فقال هكذا بيديه
وقبضهما. ورواية أحمد هذه ظاهرة في أن الإشارة باليدين كانت من هذا الرجل لا
من الرسول وَّر، فالمأمور هو المشير.
واعلم: أنهم اختلفوا في تعيين محمل الحديث، فقال الطيبي: الظاهر أنه أراد
أنى لا أستطيع أن أحفظ شيئًا من القرآن، وأنَّخذه وِرْدًا لي، فعلمني ما أجعله وردًا
لي، فأقوم به آناء الليل وأطراف النهار، فلما علمه ما فيه تعظيم لله تعالى طلب ما
يحتاج إليه من الرحمة، والعافية، والهداية، والرزق. ويؤيد ما ذكرنا من أن
مطلوبه ما يجعله وردًا له لا يفارقه أبدًا، قبضه بيديه. أي: أنِّي لا أفارقه ما دمت
حيًّا. وتوهم بعضهم من إيراد هذا الحديث في هذا الباب أن هذه القصة في
الصلاة، فقال: لا يجوز ذلك في جميع الأزمنة؛ لأن من قدر على تعلم هذه

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ
eas
٥٧١
الكلمات يقدر على تعلم فاتحة الكتاب لا محالة، بل تأويله أني لا أستطيع أن أتعلِم
شيئًا من القرآن في هذه الساعة، وقد دخل علي وقت الصلاة فقال له رسول الله
وَه: ((قُلْ: سُبْحَانَ اللهِ))، إلخ. فمن دخل عليه وقت صلاة مفروضة ولم يعلم
الفاتحة، وعلم شيئًا من القرآن، لزمه أن يقرأ بقدر الفاتحة عدد آيات وحروف،
فإن لم يعلم شيئًا منه يقول هذه الكلمات، فإذا فرغ من تلك الصلاة لزمه أن يتعلم.
وفيه بُعد؛ لأن عجز العربي المتكلم بمثل هذا الكلام عن تعلم ما تصح به صلاته من
القرآن مستبعد جدًّا، وأنى كان رسول اللَّه ◌َ ل يرخص في الاكتفاء بالتسبيح على
الإطلاق من غير أن یبین ماله وما عليه، انتهى.
ونقل مَيْرَك عن زين العرب أنه قالَ: وكل هذا خلاف الظاهر، بل قوله: ((فَعَلِّمْنِي
مَا يُجْزِتُنِي)) مع إيراد المحدثين لهذا الحديث في هذا الباب، يدل أيضًا على أن
المراد: القدر المجزئ في الصلاة، وإلا لكان إيراده في باب التسبيح أليق، وما
ذكره من الاستبعاد فغير بعيد، لأنه كما أن من العرب من هو في غاية الفصاحة
والبلاغة، فمنهم من هو في غاية الجلافة والبلادة، انتهى.
قلتُ: الظاهر: أن الحديث وارد في الصلاة؛ لما مر من حديث رفاعة للترمذي
في باب صفة الصلاة. قال: ((إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَتَوضَّأْ كَمَا أَمَرََكَ اللهُ بِهِ، ثُمَّ
تَشَهَّدْ، فَإِنْ كَانَ مَعَكَ قُرْآنٌ فَاقْرَأُ، وَإِلَّا فَاحْمَدِ اللهَ، وَكَبِّرْهُ، وَهَلَّلْهُ، ثُمَّ ارْكَعْ))، فإنه
يدلُّ على أنَّ من لم يحفظ القرآن يجزئه الحمد، والتكبير، والتهليل، وهو مع
حديث الباب دليل على أن هذه الأذكار قائمة مقام الفاتحة وغيرها لمن لا يستطيع
أن لا يتعلم القرآن، وليس فيه ما يقتضي التكرار، فظاهره أنها تكفي مرة، وقد
ذهب البعض إلى أنه يقولها ثلاث مرات.
قال الخطابي في ((المعالم)) (ج١: ص٢٠٧): الأصل أن الصلاة لا تجزئ إلا
بقراءة فاتحة الكتاب؛ لقوله وَله : (لَا صَلَاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ))، ومعقول أن
وجوب قراءة فاتحة الكتاب، إنما هو على من أحسنها دون من لا يحسنها، فإذا كان
المصلي لا يحسنها، وكان يحسن شيئًا من القرآن غیرها، كان عليه أن يقرأ منه قدر
سبع آيات؛ لأن أَوْلَى الذكر بعد فاتحة الكتاب ما كان مثلًا لها من القرآن، فإن كان
رجل ليس في وسعه أن يتعلم شيئًا من القرآن؛ لعجز في طبعه أو سوء حفظه أو
عُجْمَة لسانٍ، أو آفة تعرض له، كان أولى الذكر بعد القرآن ما علمه النبي وَّ من

٥٧٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
التسبيح، والتحميد، والتهليل، والتكبير. وقد رُوي عن رسول اللّه وَّل أنه قال:
((أَفْضَلُ الذُّكْرِ بَعْدَ كَلَامِ اللَّهِ رَ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحُمْدُ للهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ
أكبر))، انتهى.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وسكت عليه، وأخرجه أيضًا أحمد وابن الجارود وصححه ابن
حبان، والحاكم والدار قطني. ومدار الحديث على إبراهيم بن عبد الرحمن بن
إسماعيل السكسكي أبي إسماعيل الكوفي مولى صخير. قال الحافظ في
((التلخيص)) (ص٨٩): هو من رجال البخاري، لكن عيب عليه إخراج حديثه،
وضعفه النسائي. وقال ابن القطان: ضعفه قوم فلم يأتوا بحجة. وذكره النووي في
((الخلاصة)) في فصل الضعيف. وقال في ((شرح المهذب)): رواه أبو داود والنسائي
بإسناد ضعيف، وكان سببه كلامهم في إبراهيم. وقال ابن عدي: لم أجد له حديثًا
منكر المتن، انتهى. ولم ينفرد به بل رواه الطبراني وابن حبان في ((صحيحه)) أيضًا
من طريق طلحة بن مصرف، عن ابن أبي أوفى، ولكن في سنده الفضل بن موفق
ضعفه أبو حاتم، انتهى كلام الحافظ .
قلتُ: إبراهيم السكسكي هذا ضعفه أحمد، وقال ابن القطان: كان شعبة
یضعفه، کان یقول: لا يحسن يتكلم. وقال النسائي: ليس بالقوي، یکتب حديثه.
وقال ابن عدي: لم أجد له حديثًا منكر المتن، وهو إلى الصدق أقرب منه إلى
غيره، ويكتب حديثه كما قال النسائي، وذكره العقيلي في ((الضعفاء)) وابن حبان في
((الثقات)). وهذا يدل على أنه صدوق ثقة عند البخاري وابن القطان وابن عدي وابن
حبان، وليس ممن لا يحتج بأحاديثهم، وهو الراجح، والله أعلم.
٨٦٦ - [٣٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿ّ: أَنَّ النَّبِيِ وَِّرَ كَانَ إِذَا قَرَأَ: ﴿سَبِّح
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ] {صحيحٍ}
اسْمَ رَبِّكَ اُلْأَعْلَى﴾ قَالَ: ((سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى)).
الشَّرْحُ
٨٦٦- قوله: (كَانَ إِذَا قَرَأَ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ اُلْأَعْلَى﴾) في الصلاة أو غيرها،
(٨٦٦) أَبُو دَاوُد (٨٨٣) عَنْهُ فِيهَا، وَقَالَ: إِنَّهُ رُوِيَ مَوْقُوفًا.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
rienneaxE
بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ
٥٧٣
فريضة كانت الصلاة أو نافلة، ففيه دليل على أن للقارئ في الصلاة أو غيرها إذا مرَّ
بآية فيها تسبيح أن يسبح. وإليه ذهب الشافعي، وهو الحق؛ لأن قوله: ((كَانَ إِذَا
قَرَأَ)) عام يشمل الصلاة وغيرها، ويؤيده ما روي عن علي ابن أبي طالب: قرأ ﴿سَيِّح
(١) [الأعلى: ١] فقال: سُبحان ربي الأعلى، وهو في الصلاة. فقيل
اُسْمَ رَبِّكَ اُلْأَعْلَى
له: أتزيد في القرآن؟ فقال: لا، إنما أمرنا بشيء فقلته. وروى البيهقي عنه أنه قرأ
في الصبح ب﴿َسَبِحِ أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾﴾ فقال: سبحان ربي الأعلى، الحديث. وعن
أبِي مُوسى الأشعَرِيِّ: أنه قرأ في الجُمُعة ﴿سَيِّحِ أَسْمَ رَبِّكَ اُلْأَعْلَى ﴾﴾ فقال: سبحان
ربي الأعلى. وعن سعيد بن جبير قال: سمعت ابنَ عمر يقرأ ﴿سَيِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى
﴾﴾ فقال: سبحان ربي الأعلى. وعن عمر مثله. وعن ابن الزبير: أنه قرأ ﴿سَبِّح
أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾﴾ فقال: سُبحان ربي الأعلى، وهو في الصلاة.
وحديث ابن عمر رواه الحاكم أيضًا (ج٢: ص٥٢١) وقال: صحيح على شرط
الشيخين، ووافقه الذهبي. ولا دليل لمن حمل حديث ابن عباس هذا على خارج
الصلاة أو خصه بصلاة النافلة، بل يرد قوله ما تقدم من آثار الصحابة، ثم إنه قيل :
يستحب أيضًا للسامع أن يقول: سبحان ربي الأعلى إذا سَمِع من القارئ: ﴿سَِّحٍ
أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾﴾؛ لأنه لا دليل في الحديث على اختصاص هذا القول بالقارئ
أو بالإمام، ولم يقل رسول اللَّه وَ ليل هذا القول لكونه إمامًا أو قارئًا، بل لأن مقتضى
هذه الآية أن يقول: كل من قرأها أو سمعها في جوابها: سبحان ربي الأعلى؛
امتثالاً للأمر. قال المناوي في ((شرح الجامع الصغير)): أَخِذ من ذلك أن للقارئ أو
السامع كلما مرَّ بآية تنزيه أن ينزِّه الله، أو تحميد أن يحمده، أو تكبير أن يكبره،
وَقِسْ علیه .
(رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ) من طريق وكيع عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن مسلم
البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وأخرجه أيضًا الحاكم (ج١: ص٢٦٤)
والطبراني وابن مردويه والبيهقي، وصحَّحه الحاكم ووافقه الذهبي، وقال
العزيزي: هو حديث صحيح. وقال أبو داود: خُولف وكيع في هذا الحديث. رواه
أبو وكيع - يعني: الجراح بن مليح والد وكيع المذكور - وشعبة عن أبي إسحاق
عن سعيد بن جبير عن ابن عباس موقوفًا، انتهى.

٥٧٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
EX
وأخرجه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير عنه: ((أنه
كان إذا قرأ: ﴿سَبِّحِ أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾﴾ قال: سبحان ربي الأعلى)). وفي لفظ لعبد
ابن حميد عنه قال: ((إذا قرأتَ: ﴿سَيِّحِ اسْمَ رَبِّكَ اُلْأَعْلَى ﴾﴾ فقل: سبحان ربي
الأعلى)). قيل: الموقوف له حكم المرفوع؛ لأنه لا مسرح للاجتهاد فيه، والرفع
زيادة ثقة فتقبل.
٨٦٧- [٤٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِ ثَُّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَنْ قَرَأَ
)﴾ فَانْتَهَى إِلَى: ﴿أَلَيْسَ اَللَّهُ بِأَخَّكَمِ الْحَكِمِينَ
مِنْكُمْ: بـ ﴿وَالِيْنِ وَالزَّيْتُونِ
فَلْيَقُلْ: بَلَى، وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ، وَمَنْ قَرَأَ: ﴿لَا أُقِْمُ بِّوْمِ الْقِيَمَةِ
فَلْيَقُلْ : بَلَى، وَمَنْ
فَانْتَهَى إِلَى: ﴿أَيْسَ ذَلِكَ بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ يُحِىَ المُؤَّقَى (
قَرَّأَ ﴿وَالْمُرْسَلَتِ﴾ فَبَلَغَ: ﴿فَبِأَتِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾، فَلْيَقُلْ: آمَنَّا بِاللَّهِ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ إِلَى قَوْله: ((وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ))] {ضعيف}
الشَّرْجُ
٨٦٧- قوله: (مَنْ قَرَأَ) أي: في الصلاة أو خارجها. (﴿وَالِنِّيْنِ وَالزَّيْتُونِ
أي: بهذه السورة. فانتهى إلى (﴿أَلَيْسَ اَللَّهُ بِأَمَّكَمِ الْحَكِمِينَ ﴾﴾) أي: أقضى
القاضين يحكمُ بينك وبين أهل التكذيب بك يا محمد. (فَلْيَقُلْ: بَلَى) أي: نعم.
قال المناوي: لأنه قول بمنزلة السؤال، فيحتاجُ إلى الجواب، ومن حقِّ الخطاب
أن لا يترك المخاطب جوابه فيكون السامع كهيئة الغافل، أو كمن لا يسمع إلا دعاء
ونداء من الناعق به، صم بكم عمي فهم لا يعقلون، فهذه هيئة سيئة. ومن ثَمَّ ندبوا
لمن مرَّ بآية رحمة أن يسأل الله الرحمة، أو عذاب أن يتعوَّذ من النار، أو يذكر
الجنة بأن يرغب إلى الله فيها، أو النار أن يستعيذ به منها، انتهى.
(وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ) أي: كونك أحكم الحاكمين. (مِنَ الشَّاهِدِينَ) أي: أنتظم في
سلك من له مشافهة في الشهادتين من أنبياء الله وأوليائه. قال ابن حجر: وهذا أبلغ
من: أنا شاهد. ومن ثم قالوا في: ﴿وَكَانَتْ مِنَ اُلْفَئِنَ﴾ [التحريم: ١٢] وفي ﴿وَإِنَّهُ فِ
(٨٦٧) أَبُو دَاوُد (٨٨٧)، وَالتِّرْ مِذِي (٣٣٤٧) عَنْهُ.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْقِرَاءَةِ فى الصَّلَاةِ
eese ** ceserexces
٥٧٥
اُلْأَخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠] أبلغ من: وكانت قانتة. ومن: أنه في الآخرةِ
صالح؛ لأنَّ من دخل في عداد الكامل وساهم معهم الفضائل ليس كمن انفرد
عنهم. (أَلَيْسَ ذَلِك) أي: الذي جَعل خلق الإنسان من نُطفة تمنى في الرحم.
(فَلْيَقُلْ: بَلَى) قال القاري: وفي رواية ((بَلَى، إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ))، انتهى.
وأخرج ابنُ النجار في ((تاريخهٍ)) عن أبي أمامة: أنَّه سمعَ رسولَ اللَّهِ وَله يقول عند
قراءته لهذه الآية: ((بَلَى وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ)).
(﴿فَبِأَتِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ﴾) أي: بعد القرآن؛ لأنه آية مبصرة، ومعجزة باهرة، فحين
لم يؤمنوا به، فبأي كتاب بعده يؤمنون؟ (فَلْيَقُلْ: آمَنَّا بِاللَّهِ) أي: به وبكلامه،
ولعموم هذا لم يقل: آمنا بالقرآن. وقال الطيبي: أي قل: أخالف أعداء اللَّه
المعاندین، انتهى.
والحديث: يدل على أن مَن يقرأ هذه الآيات يستحب له أن يقول تلك الكلمات،
سواء كان في الصلاة أو خارجها. وأما قولها للسامع المقتدي أو غير المقتدي فلم
أقف على حديث مرفوع صريح يدل على ذلك، لكن قد تقدم أن هذه الآيات بمنزلة
السؤال، فتحتاج إلى الجواب، ومن حقِّ الخطاب أن لا يترك المخاطب جوابه،
فيستحب الجواب عند تلاوة هذه الآيات للقارئ والسامع كليهما إمامًا أو مأمومًا أو
﴾ إمامًا كان أو غيره
منفردًا. قال ابن عباس: مَن قرأ: ﴿سَيِّحِ أَسْمَ رَيِّكَ الْأَعْلَى
فليقل: سبحان ربي الأعلى، ومَن قرأ: ﴿لَّ أُقِْمُ بِيَوْمِ الْقِيَمَةِ
آخرها، فليقل: سبحانك اللهم، بلى، إمامًا كان أو غيره، ذكره الخطيب.
[ القيامة: ١] إلى
قال الحفناوي: قوله: إِمَامًا كان أو غيره. يقتضي أنَّ هذه الكلمة وهي: بَلَى. لا
تبطل الصلاة، وهو كذلك؛ لأنها ذكر تقديس وتنزيه لله تعالى، كذا في ((فتح
البيان)) (ج ١: ص ١٣٠).
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) من طريق ابن عيينة عن إسماعيل بن أمية، قال: سمعتُ أعرابيًّا
يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول اللّه وَله: ((مَنْ قَرَأَ ... )) إلخ. وأخرجه
أيضًا أحمد (ج٢: ص٢٤٩) وابن المنذر وابن مردويه، والبيهقي. وفي إسناده
رجل مجهول، فالحديث ضعيف. (والتِّرْمِذِيُّ) أي: ورواه الترمذي. وفي نسخة :
وللترمذي. وهو الظاهر، قال الترمذي بعد ما أخرجه مختصرًا: إنما يَرْوِي بهذا

SCCHE
٥٧٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
الإسناد عن هذا الأعرابي، عن أبي هريرة، ولا يُسمى، انتهى. قال في ((فتح
الودود)): وهذا الأعرابي لا يعرف، وفي الإسناد جهالة. وقال الحافظ في
((المبهمات من التقريب)): إسماعيل بن أمية، عن أعرابي، عن أبي هريرة لا
يعرف. وسماه كما في المستدرك (ج٢: ص ٥٩٠) يزيد بن عياض أحد المتروكين
أبا اليسع، وهو معدود فيمن لا يعرف. وقال الذهبيُّ في ((الميزان)) (ج٣: ص٣٨٨)
والحافظَ في ((اللسان)) (ج٦: ص٤٥٤): أبو اليسع لا يدرى من هو، والسند بذلك
مضطرب، انتهى. والعجب من الذهبي أنه وافقَ الحاكم في ((التلخيصٍ في
تصحيح الحديث)) فقال: صحيح.
٨٦٨- [٤١] وَعَنْ جَابِرِ رَوَّهُ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ وَ عَلَى
أَصْحَابِهِ، فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ سُورَةَ الرَّحْمَنِ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا، فَسَكَنُوا، فَقَالَ:
(لَقَدْ قَرَأْتُهَا عَلَى الْجِنِّ لَيْلَةَ الْجِنِّ فَكَانُوا أَحْسَنَ مَرْدُودًا مِنْكُمْ، كُنْتُ كُلَّمَا
قَالُوا: لَا بِشَيْءٍ مِنْ نِعَمَِ
أَتَيْتُ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿فَأَقِّ ءَالَآءِ رَيَّكُمَا تُكَذِّبَانِ
[رَوَاهُ التِّْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيب] (حسن)
رَبَّنَا نُكَذِّبُ فَلَكَ الْحَمْدُ)).
الشّرْحُ
٨٦٨- قوله: (فَسَكَتُوا) أي: الصحابة مستمعين. (لَيْلَةَ الْجِنِّ) أي: ليلة
اجتماعهم به. (فَكَانُوا) أي: الجن. (أَحْسَنَ مَرْدُودًا) أي: أحسن ردًّا وجوابًا لما
تضمنه الاستفهام التقريري المتكرِّر فيها بـ((أي)). (مِنْكُمْ) أيها الصحابة. قال
الطيبي: المردود بمعنى الرد كالمخلوق والمعقول، نزل سكوتهم وإنصاتهم
للاستماع منزلة حسن الرد، فجاء بأفعل التفضيل. ويوضحه كلام ابن الملك حيثُ
قال: نزل سكوتهم من حيث اعترافهم بأن في الجن والإنس من هو مكذب
بآلاء الله، وكذلك في الجنِّ مَن يعترف بذلك أيضًا، لكن نفيهم التكذيب عن
أنفسهم باللفظ أيضًا أدل على الإجابة، وقبول ما جاء به الرسول من سكوت
الصحابة أجمعين، ذكره القاري.
(٨٦٨) التِّرْمِذِي (٣٢٩١) عَنْهُ، وَقَالَ: غَرِيبٌ.

*
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْقِرَاءَةِ في الصَّلَاةِ
٥٧٧
(كُنْتُ) أي: تلك الليلة. (عَلَى قَوْلِهِ) أي: على قراءة قوله تعالى: (فَبِأَِّّ آَلَاءِ
رَبِّكُمَا تُكَذَّبَانٍ) الخطاب للإِنس والجن، أي: بأي نعمة مما أنعم الله به عليكم
تكذبون وتجحدون نعمه بترك شكره، وتكذيب رسله، وعصيان أمره؟ (لَا بِشَيْءٍ)
متعلق بـ((نكذب)) الآتي. (رَبََّا) بالنصبِ على حذف حرف النداء. (نُكَذَّبُ) أي: لا
نكذب بشيء منها. (فَلَكَ الْحَمْدُ) أي: على نعمك الظاهرة والباطنة، ومن أتمها
نعمة الإيمان والقرآن.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وأخرجه أيضًا البزار وابن المنذر والحاكم وصححه، والبيهقي .
(وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) لا نعرفُهُ إلا مِن حديث الوليد بن مسلم عن زهير بن
محمد، ثم حكى عن الإمام أحمد أنه كان لا يعرفه، وينكر رواية أهل الشام عن
زهير بن محمد هذا.
قلتُ: حديث جابر هذا رواه الوليد بن مسلم - وهو من أهل الشام - عن زهير
ابن محمد، ففي الحديث ضعف، لكن له شاهد من حديث ابن عمر، أخرجه ابن
جرير والخطيب في ((تاريخه))، والبزَّار والدار قطني في ((الأفراد)) وغيرهم، وصحَّح
السيوطي إسناده، كما في ((فتح البيان)) (ج٩: ص ١٦٧) قيل: أورد المصنف
حديث ابن عباس وأبي هريرة لاحتمالهما داخل الصلاة وخارجها، وذكر حديث
جابر هذا تبعًا لهما واطرادًا في حكمهما.

EECHE
٥٧٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثالث
٨٦٩- [٤٢] عَنْ مُعَاذِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيِّ قَالَ: إِنَّ رَجُلًا مِنْ جُهَيْنَةَ
أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ قَرَأَ فِي الصُّبْحِ: ﴿إِذَا زُْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾ فِي
الرَّكْعَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا، فَلَا أَدْرِي أَنَسِيَ أَمْ قَرَأَ ذَلِكَ عَمْدًا؟
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {صحيحٍ}
الشّرْحُ
٨٦٩- قوله: (عَنْ مُعَاذِ بْنِ عَبْدِ اللَّه الْجُهَنِيّ) بضمِّ الجيم وفتح الهاء، المدني
تابعي صدوق، ربما وهم، قاله الحافظ. ووثَّقه ابن معين وأبو داود. وذكره ابن
حبان في ((الثِّقات)). وقال الدارقطني: ليسَ بذلك. (أَخْبَرَهُ) الضمير المستتر راجع
إلى الرجل، والبارز إلى مُعاذ. ولا يضرُّ الجهل به؛ لأنه صحابي، والصحابة كلهم
عدول. (أَنَّهُ) أي: الرجل. (فِي الرَّكْعَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا) تأكيد لدفع توهم التبعيض،
أي: قرأ في كل من ركعتيها: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ [ الزلزلة: ١] لكمالها. (أَنَسِيَ) بهمزة
الاستفهام، أي: أنه قرأَ في الأولى ﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ﴾. (أَمْ قَرَأَ ذَلِكَ عَمْدًا) تردّد الصحابي
في أنَّ إعادة النبي ◌َّ للسورة، هل كان نسيانًا لكون المعتاد من قراءته أن يقرأ في
الركعة الثانية غير ما قرأ به في الأولى، فلا يكون مشروعًا لأمَّته، أو فعله عمدًا لبيان
الجواز، فتكون الإعادة مترددة بين المشروعية وعدمها؟ وإذا دارَ الأمرُ بين أن
يكون مشروعًا وغير مشروع؛ فحمل فعله وَّ على المشروعية أولى؛ لأنَّ الأصل
في أفعاله التشريع، والنسيان خلاف الأصل، ونظيرُهُ ما ذكره الأصوليون فيما إذا
تردّد فعله وَلَه بين أن يكون جبليًّا أو لبيان الشرع، والأكثر على التأسي به. كذا في
((النيل)). وقال ابن حجرٍ: الظاهرُ أنه فعل عمدًا ليبين به حصول أصل السنة بتكرير
السورة الواحدة من قصار المفصل في الركعتين.
(٨٦٩) أَبُو دَاوُد (٨١٦) عنه فيها .

كِتَابُ الصَّلَاةِ
HENTS
بَابُ الْقِرَاءَةِ فِى الصَّلاةِ
HEREE
ee
٥٧٩
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وسكتَ عنه هو والمنذري، قال الشوكاني: ليس في إسنادِهِ
مطعن، بل رجاله رجال الصحيح.
٨٧٠- [٤٣] وَعَنْ عُرْوَة قَالَ: إِنَّ أَبَا بَكْرِ الصِّدِّيقَ رَوْتَهُ صَلَّى الصُّبْحَ
[رَوَاهُ مَالِكٌ] (ضعيف)
فَقَرَأَ فِيهِمَا بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي الرَّكْعَتِينِ كِلْتَيْهِمَا.
الشّرْحُ
٨٧٠- قوله: (وَعَنْ عُرْوَةَ) أي: ابن الزبير التابعي المشهور. (فَقَرَأَ فِيهِمَا) أي:
في ركعتي الصبح. وفي نسخةٍ: ((فِيهَا)). كما في ((الموطأ))، وهو الظاهر، أي: في
صلاة الصبح، والمراد بعد فاتحة الكتاب، واستغنى عن ذكرها لشهرتها بين الناس
ولعلم الناس بذلك. (بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا) يعني: على توزيع
السورة وتقسيمها. وفي حديث أنسٍ قال: ((صلَّى بنا أبو بكر صلاة الفجر، فافتتح
سُورة البقرة، فقرأَ بها في ركعتين، فلما سلّم قام إليه عمر، فقال: ما كدت تفرغ
حتى تطلع الشمس. قال: لو طلعت لألفتنا غير غافلين)). وهذا إجماع منهم.
وفيه: ردٌّ على مَن قال باستحباب الإسفار، وأفضلية تأخير صلاة الفجر إلى
الإِسفار، وتاييدٌ لما ذكرنا في معنى: ((أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ)) نقلاً عن الطحاوي وابنٍ
القيِّم من أن المراد به الإسفار دوامًا لا ابتداء فيدخل فيها مغلسًا، ويطول القراءة،
فيخرج منها مسفرًا جدًّا. قال الحافظُ: روى عبد الرزاق بإسنادٍ صحيح عن أبي بكر
الصديقِ، أنه أم الصحابة في صلاة الصبح بسورة البقرة فقرأها في الركعتين، وهذا
إجماع منهم، انتهى. وفيه: دليلٌ على جوازٍ قسم السورة الواحدة بين الركعتين في
الفريضة من غير كراهة.
(رَوَاهُ مَالِلٌ) وهو منقطع؛ لأنَّ عُروة ولد في أوائل خلافة عثمان، لكنَّه ورد
برواية أنس أخرجه الخلال، كما في ((المغني)) والبيهقي (ج٢: ص٣٨٩)
وعبد الرزاق بسندٍ صحيحٍ.
(٨٧٠) مَالِك (١/ ٨٢/ ٣٣) عنه فيها.