النص المفهرس

صفحات 521-540

٥٢٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
عقبيًّا، وأربعون بدريًّا، قاله ابن حزم، قال: ولا يحفظ عن غيرهم من الصحابة
امتناع ذلك، بل قال معهم بالجواز عمر، وابن عمر، وأبو الدرداء، وأنس
وغيرهم.
وأما قول الطحاوي: لو سلمنا جميع ذلك لم يكن فيه حجة لاحتمال أن ذلك كان
في الوقت الذي كانت الفريضة فيه تصلى مرتين، أي: فيكون منسوخًا بما روي
عن عمر: أن رسول اللَّه وَل نهى أن تصلى فريضة في يوم مرتين. فجوابه: أنه
يتضمن إثبات النسخ بالاحتمال وهو لا يسوغ.
وأما حديث ابن عمر: ففي الاستدلال به نظر، لاحتمال أن يكون النهي عن أن
يصلوها مرتين على أنها فريضة في كل مرة، وبذلك جزم البيهقي جمعًا بين
الحديثين، بل لو قال قائل: هذا النهي منسوخ بحديث معاذ لم يكن بعيدًا. وأما
تقوية بعضهم بكون حديث معاذ منسوخًا، بأن صلاة الخوف وقعت مرارًا على
صفة فيها مخالفة بالأفعال المنافية في حال الأمن، فلو جازت صلاة المفترض
خلف المتنفل لصلى النبي ◌َّ بهم مرتين على وجه لا تقع فيه منافاة، فلما لم يفعل
ذلك دل على المنع. فجوابه: أنه ثبت أنه رَّ صلى بهم صلاة الخوف مرتين كما
أخرجه أبو داود عن أبي بكرة صريحًا، وصرح فيه أنه سلم على الركعتين الأوليين،
ولمسلم عن جابر نحوه، لكن ليس في روايته تصريح بالسلام على الركعتين، وأما
صلاته بهم على نوع من المخالفة فلبيان الجواز.
وأما قول بعضهم: كان فعل معاذ للضرورة لقلة القراء ذلك الوقت. فهو ضعيف
كما قال ابن دقيق العيد؛ لأن القدر المجزئ من القراءة في الصلاة كان حافظوه
كثيرًا، وما زاد لا يكون سببًا لارتكاب أمر ممنوع منه شرعًا في الصلاة، انتهى.
وأما ما رواه أحمد، والطحاوي، وابن عبد البر، عن معاذ بن رفاعة، عن سليم
رجل من بني سلمة: أنه أتى النبي وَ له فقال: يارسول اللَّه وَ لَ إِن معاذ بن جبل
يأتينا ... الحديث، وفي آخره: ((يَا مُعَاذُ لَا تَكُنْ فَتَّانًا، إِمَّا أَنْ تُصَلِّيَ مَعِي، وَإِمَّا أَنْ
تُخَفِّفَ عَلَى قَوْمِكَ))، واستدل به الطحاوي على أنه يَّ نهى معاذًا عن ذلك، وادعى
أن قوله: ((إِمَّا أَنْ تُصَلِّيَ مَعِي، وَإِمَّا أَنْ تُخَفِّفَ عَلَى قَوْمِكَ)) معناه: إما أن تصلي معي
ولا تصلي بقومك، وإما أن تخفف بقومك، أي: ولا تصلي معي. ففيه: أن في
صحة هذه الرواية كلامًا .

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْقِرَاءَةِ في الصَّلَاةِ
٥٢١
قال ابن حزم في ((المحلى)) (ج٤: ص٢٣٠): هذا خبر لا يصح؛ لأنه منقطع؛
لأن معاذ بن رفاعة لم يدرك النبي ◌ُّ، ولا أدرك هذا الذي شكا إلى رسول اللَّه ◌ُعَليه
بمعاذ؛ لأن هذا الشاكي - أي سليمًا صاحب القصة - قتل يوم أحد. ثم في صحة ما
ذكره الطحاوي في معنى قوله: ((إِمَّا أَنْ تُصَلَّيَ مَعِي، وَإِمَّا أَنْ تُخَفِّفَ عَلَى قَوْمِكَ)) كلام
أيضًا.
قال الحافظ في ((الفتح)): وأما دعوى الطحاوي أن معناه: إما أن تصلي معي ولا
تصل بقومك، وإما أن تخفف بقومك ولا تصل معي، ففيه نظر؛ لأن لمخالفه أن
يقول: بل التقدير: إما أن تصلي معي فقط إذا لم تخفف، وإما أن تخفف بقومك
فتصلي معي. وهو أولى من تقديره لما فيه من مقابلة التخفيف بترك التخفيف؛ لأن
هو المسئول عنه المتنازع فیه، انتهى.
قلتُ: ورواية عبد الرزاق والشافعي وغيرهما بزيادة: ((هِيَ لَهُ تَطَوُّعٌ وَلَهُمْ
فَرِيْضَةٌ)). تؤيد المعنى الذي بيَّنه الحافظ، وتوهن المعنى الذي بينه الطحاوي.
واستدل الحنفية على عدم جواز اقتداء المفترض بالمتنفل بما روي مرفوعًا: ((إِنَّمَا
جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ))، قالوا: لا اختلاف أشد من الاختلاف في
النيات في صلاة فرضين، أو تنفل الإمام وافتراض المقتدي.
وأجيب: بأن الاختلاف المنهي عنه مقصور على الاختلاف في الأفعال
الظاهرة؛ لأن الاختلاف في النيات لا يظهر به مخالفة الإمام عند الناس؛ ولأن
رسول اللّه وَليل قد بين في هذا الحديث نفسه المواضع التي يلزم الائتمام بالإمام
فيها، ويحرم الاختلاف عليه فيها، وهي قوله ◌ِلَّمَ: ((فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ
فَارْكَعُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلَّوا فُعُودًا))، فهاهنا أَمَرَ مِلَُّ
بالائتمام فيه، وعدم الاختلاف عليه لا في النية. وأيضًا: لو عمم هذا الاختلاف
المنهي عنه للزم عدم جواز اقتداء المتنفل بالمفترض لوجود الاختلاف في النيات،
فظهر أن الحديث ليس بمحمول على العموم عندهم أيضًا، ولو سلمنا: أنه يعم كل
الاختلاف لكان حديث معاذ أو نحوه مخصصًا له. واستدلوا أيضًا بقوله وَالآتى:
((الْإِمَامُ ضَامِنٌ)) بمعنى يضمنها صحة وفسادًا، والمفترض أقوى حالًا من المتنفل فلا
يتضمنه ما هو دونه. وفيه: أن معنى الضمان هنا هو الحفظ والرعاية في الأفعال

٥٢٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الظاهرة لا التكفل في الصحة والفساد، والمعنى أن الإمام يحفظ ويراعي الصلاة
وعدد الركعات، وغير ذلك من الأفعال الظاهرة على القوم، والله أعلم.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) واللفظ لمسلم، وأخرجه البخاري مطولًا في غير موضع بألفاظ
مختلفة، وأخرجه أيضًا أحمد، وأبو داود، والنسائي وغيرهم.
٨٤٠ - [١٣] وَعَنِ الْبَرَاء قَالَ: سَمِعْتُ النَِّيَّ وَلَ يَقْرَأُ فِي الْعِشَاءِ:
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
﴿ وَالِيْنِ وَالزَّيْتُونِ ﴾﴾، وَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ صَوْتًا مِنْهُ.
الشّرْحُ
٨٤٠ - قوله: (سَمِعْتُ النَّبِيَّ وََّ- يَقْرَأُ فِي الْعِشَاءِ) أي: في الركعة الأولى من
صلاة العشاء، كما في رواية النسائي: ﴿وَالِّينِ وَالزَُّونِ ﴾﴾ وقرأ في الثانية ﴿إِنَّاً
أَنزَلْنَهُ﴾ وهما من قصار أوساط المفصل، وإنما قرأ في العشاء بقصار الأوساط
لكونه مسافرًا، ففي رواية للبخاري: أن النبي ◌َّ كان في سفره، فقرأ في العشاء في
إحدى الركعتين ب﴿التِّينِ وَالزَّيُونِ ﴾﴾. والسفر يطلب فيه التخفيف، وقصة معاذ
كانت في الحضر، فلذلك أمر فيها بقراءة أوساط المفصل، وهذا يدل على أن
القراءة في صلاة السفر ليست كالقراءة في صلاة الحضر.
والمفصل: من الْحُجُرَاتِ إلى آخر القرآن على القول الراجح، وطواله: من
سورة الْحُجُرَاتِ إلى الْبُرُوج. وأوساطه: من الْبُرُوجِ إلى سورة ﴿لَّمْ يَكُنْ﴾.
وقصاره: من سورة ﴿لَمْ يَكُنْ﴾ إلى آخر القرآن. وسُمِّيَ مفصلًا؛ لكثرة الفصل بين
سوره بالبسملة. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي
وابن ماجه.
(٨٤٠) الْبُخَارِي (٧٦٧) (٦٧٩) (٧٥٤٦)، مُسْلِم (١٧٨ /٤٦٥)، أَبُو دَاوُد (١٢٢١)، التِّرْمِذِي (٣١٠)،
النَّسَائِي (١٧٣/٢)، ابن مَاجَهْ (٨٣٤) عَنْهُ فِيهَا .

كِتَابُ الصَّلَاةِ
ge
بَابُ الْقِرَاءَةِ فى الصَّلَاةِ
٥٢٣
HOME *
٨٤١ - [١٤] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ النَِّيُّ وَ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ
بِ: ﴿قَّ وَاَلْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ ﴾﴾ وَنَحْوِهَا، وَكَانَتْ صَلَاتُهُ بَعْدُ تَخْفِيفًا.
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشَّرْجُ
٨٤١- قوله: (كَانَ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ بـ: ﴿قَّ وَالْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ ﴾﴾ وَنَحْوِها)
بالجر، وهو ظاهر، وقيل: بالنصب عطفًا على محل الجار والمجرور، وقوله:
(كَانَ يَقْرَأُ ... ) إلخ. ينبغي أن يحمل على الغالب من حاله وََّ، أو تحمل: ((كَانَ))
على أنها لمجرد وقوع الفعل لا للاستمرار والدوام؛ لأنه قد ثبت أنه قرأ في الفجر:
﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوْرَتْ ﴾﴾ وثبت أنه وَِّ صلى بمكة الصبح فاستفتح سورة الْمُؤْمِنِينَ
كما سيأتي. وأنه قرأ ب﴿اُلُوَرَ﴾. ذكره البخاري تعليقًا من حديث أم سلمة، وأنه
كان يقرأ في ركعتي الفجر، أو إحداهما ما بين الستين إلى المائة. أخرجه الشيخان
من حديث أبي برزة، وأنه قرأ الرُّومَ أخرجه النسائي. وأنه قرأ الْمُعَوِّذَتَيْنِ أخرجه
٤﴾ [الفتح: ١]، أخرجه عبد الرزاق
النسائي أيضًا، وأنه قرأ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (
عن أبي بردة(*)، وأنه قرأ الْوَاقِعَةَ أخرجه عبد الرزاق أيضًا، وأنه قرأ بيونس وهود
أخرجه ابن أبي شيبة في ((مسنده))، وأنه قرأ: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ أخرجه أبو داود، وأنه
قرأ: ﴿الّ ﴾ تَزِيلُ﴾ السَّجْدَةَ و﴿هَلْ أَنَ عَلَى الْإِنسَنِ﴾ كما سيأتي. والجمع بين هذه
الروايات: أنه وقع ذلك منه وَله باختلاف الحالات والأوقات، والأشغال عدمًا
ووجودًا. (وَكَانَتْ صَلَاتُهُ بَعْدُ) أي: بعد صلاة الفجر. (تَخْفِيفًا) يعني: أن قراءته
في بقية الصلوات الخمس كانت أخف من قراءته في صلاة الفجر. وقيل: أي بعد
ذلك الزمان، فإنه عمليَّا كان يطول أول الهجرة لقلة أصحابه، ثم لما كثر الناس
وشق عليهم التطويل؛ لكونهم أهل أعمال من تجارة وزراعة خفف رفقًّا بهم، قاله
القاري. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد.
(٨٤١) مُسْلِم (١٦٨ /٤٥٨) (٤٥٨/١٦٩) عَنْهُ فِيهَا.
(*) هكذا في الأصل والصواب أبي بردة، كما في ((مسند عبد الرزاق)).

٥٢٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
٨٤٢- [١٥] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ: أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ◌َلَ يَقْرَأُ فِي
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
[التكوير: ١٧].
الْفَجْرِ: ﴿وَأَلَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ
الشَّرْجُ
٨٤٢ - قوله: (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ) مصغرًا، ابن عمرو بن عثمان بن عبد الله
ابن عمر بن مخزوم القرشي، أبو سعيد المخزومي الكوفي، صحابي صغير. له
ثمانية عشر حديثًا، انفرد له مسلم بحدیثین.
قال ابن عبد البر: رأى النبي وَّل، وسمع منه، ومسح برأسه، ودعا له بالبركة.
قيل: قبض النبي وَّل وهو ابن ثنتي عشرة سنة. نزل الكوفة وابتنى بها دارًا،
وسكنها، وولده بها. وكان قد ولي إمارة الكوفة لزياد، ولابنه عبيد الله بن زياد،
مات بها سنة (٨٥). روی عنه ابنه جعفر وغيره.
(يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ: ﴿وَأَلَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (٣)) أي: يقرأ بالسورة التي فيها: ﴿وَلَّلِ
﴾ [التكوير: ١٧] لا أنه اقتصر على هذه الآية واكتفى بها. ذكر في ((شرح
إِذَا عَسْعَسَ
(٥) - بناء على أن قراءة
السنة)) أن الشافعي قال - يعني به: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوَّرَتْ
السورة بتمامها وإن قصرت أفضل من بعضها وإن طال، قاله الطيبي. فالمعنى: قرأ
سورة هذه الآية فيها، والغالب من قراءته ليّل السورة التامة، بل قال بعضهم: لم
ينقل عنه قَالَّ قراءته السورة في الفرائض إلا كاملة، ولم ينقل عنه التفريق إلا في
المغرب، قرأ فيها الأعراف في ركعتين. وسيأتي مزيد الكلام في شرح حديث
عبد الله بن السائب.
ومعنى: (عَسْعَسَ) أدبر. وقيل: أقبل ظلامه. وقيل: هو من الأضداد. ويقال:
إذا أقبل وإذا أدبر. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أبو داود والنسائي وابن ماجه.
(٨٤٢) مُسْلِم (١٦٤ / ٤٥٦) عَنْ عَمْرو بْنِ حُرَيْثٍ فِيهَا .

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ
٥٢٥
٨٤٣ - [١٦] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: صَلَّى لَنَا النَّبِيُّ ◌َه
الصُّبْحَ بِمَكَّةَ، فَاسْتَفْتَحَ سُورَةَ الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى جَاءَ ذِكْرُ مُوسَى وَهَارُونَ - أَوْ
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
ذِكْرُ عِيسَى - أَخَذَتِ النَّبِيَّ نَّهِ سَعْلَةٌ فَرَكَعَ.
الشَّرْحُ
٨٤٣- قوله: (وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ السَّائِبِ) بن أبي السائب صيفي بن عائذ بن
عبد الله بن عمر بن مخزوم المكي، له ولأبيه صحبة، وكان أبوه شريك النبي وَل،
وكان ابنه عبد الله قارئ أهل مكة، أخذ عنه أهل مكة القراءة، قرأ عليه مجاهد
وغيره. مات بمكة سنة بضع وستين قبل قتل عبد الله بن الزبير، وهو عبد الله بن
السائب قائد ابن عباس، أفرده صاحب ((الكمال)) بالذكر وهو هو، وله سبعة
أحاديث، انفرد له مسلم بحديث، روى عنه عطاء وغيره. (بِمَكّةَ) أي: في فتحها
كما في رواية النسائي. (فَاسْتَفْتَحَ سُورَةَ الْمُؤْمِنِينَ) أراد به: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ .
(حَتَّى جَاءَ ذِكْرُ مُوسَى) بالرفع، قال القاري: وفي نسخة بالنصب، أي: حتى
وصله النبي ◌ّ. (وَهَارُونَ) أي: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَرُونَ﴾
[المؤمنون: ٤٥]. (أَوْ ذِكْرُ عِيسَى) أي: ﴿وَجَعَلْنَا أَبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَُّرْ ءَايَةٌ ﴾ [المؤمنون: ٥٠]. و(أَوْ)
للشك من محمد بن عباد بن جعفر الراوي. (سَعْلَةٌ) بفتح السين، ويجوز الضم،
أي: سعال، وهي حركة تدفع بها الطبيعة أذى عن الرئة والأعضاء التي تتصل بها .
قال الطيبي: السعلة فعلة من السعال، وإنما أخذته من البكاء، يعني: عند تدبر
تلك القصص بكى حتى غلب عليه السعال ولم يتمكن من إتمام السورة. وفي رواية
ابن ماجه: فلما أتى على ذكر عيسى أصابته شرقة. قال السندي: أي : شرق بدمعه،
يعني: للقراءة. وقيل: شرق بريقه. وفي ((القاموس)): شرق بريقه كفرح غص،
انتهى. واستدل بالحديث على أن السعال لا يبطل الصلاة، وهو واضح فيما إذا
غلبه. ويؤخذ منه: أن قطع القراءة لعارض السعال ونحوه أولى من التمادي في
القراءة مع السعال أو التنحنح، ولو استلزم تخفيف القراءة فيما استحب فيه
(٨٤٣) مُسْلِم (١٦٣ / ٤٥٦) عَنْهُ فِيهَا .

٥٢٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
تطويلها. واستدل به على جواز قراءة بعض السورة في الفريضة. وفيه: أن
الاقتصار على بعض السورة هاهنا للضرورة، فالاستدلال به على الاقتصار بلا
ضرورة لا يتم، فالأولى الاستدلال بقراءته وَله بسورة الأعراف في المغرب حيث
فرقها في ركعتين، فإنه لم يذكر ضرورة، ففيه القراءة بالأول وبالأخير، وروى
عبد الرزاق بإسناد صحيح عن أبي بكر الصديق: أنه أم الصحابة في صلاة الصبح
بسورة البقرة فقرأها في الركعتين. وهذا إجماع منهم. وروى محمد بن عبد السلام
الخشني من طريق الحسن البصري قال: غزونا خراسان ومعنا ثلاثمائة من
الصحابة، فكان الرجل منهم يصلي بنا، فيقرأ آيات من السورة ثم يركع. أخرجه
ابن حزم محتجًّا به. وروى الدار قطني بإسناد قوي عن ابن عباس: أنه قرأ الفاتحة
وآية من البقرة في كل ركعة، كذا في ((الفتح)). قال شمس الدين أبو الفرج ابن
قدامة في ((الشرح الكبير على متن المقنع)) (ج١: ص٦١٨): المشهور عن أحمد أنه
لا يكره قراءة أواخر السورة، وأوساطها في الصلاة، نقلها عنه جماعة لقول الله
تعالى ﴿فَقْرَءُوا مَا تَسَرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠]؛ ولأن أبا سعيد قال: أمرنا أن نقرأ فاتحة
الكتاب وما تيسر. رواه أبو داود، وروى الخلال بإسناده: أن ابن مسعود كان يقرأ
في الآخرِ من صلاة الصبح آخر آلٍ عِمْرَانَ وآخر الْفُرْقَان وقال أبو برزة: كان
رسول اللّه وَله يقرأ بالستين إلى المائة.
ففيه: دليل على أنه لم يكن يقتصر على قراءة سورة. ولأن آخرها أحد طرفي
السورة فلم يكره كأولها. وعن أحمد: أنه يكره في الفرض. نقلها عنه المروذي
وقال: سورة أعجب إلي، وقال المروذي: وكان لأبي عبد الله قرابة يصلي به،
فكان يقرأ في الثانية من الفجر بآخر السورة، فلما أكثر قال أبو عبد الله: تقدم أنت
فصل، فقلتُ: هذا يصلي بكم منذ كم؟ قال: دعنا منه يجيء بآخر السور، و کرهه.
قال شيخنا: ولعل أحمد إنما أحب اتباع النبي وَّ فيما نقل عنه، وكره المداومة
على خلاف ذلك، فإن المنقول عن النبي وَّر قراءة السورة، أو بعض السورة من
أولها، ونقل عنه رواية ثالثة أنه يكره قراءة أوسط السورة دون آخرها؛ لما روينا في
آخر السور عن عبد الله بن مسعود، ولم ينقل مثل ذلك في وسطها. قال الأثرم:
قلت لأبي عبد الله: الرجل يقرأ آخر السورة في الركعة، فقال: أليس قد روي في
هذا رخصة عن عبد الرحمن بن يزيد وغيره؟ قال: فأما قراءة أوائل السور فلا

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْقِرَاءَةِ في الصَّلَاةِ
٥٢٧
خلاف في أنه غير مكروه؛ فإن النبي وَل قرأ من سورة المؤمنين إلى ذكر موسى
وهارون، ثم أخذته سعلة فركع، وقرأ سورة الأعراف في المغرب فرقها مرتين.
رواه النسائي، انتهى.
قلتُ: لا شك أنه يجوز القراءة في الفريضة من أوائل السورة وأواخرها
وأوساطها؛ لأن الكل كتاب الله، لكن الأولى والأفضل قراءة السورة كاملة، فإنه
الغالب من فعله وَ لّه. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا النسائي، وابن ماجه. وذكره
البخاري في (صحيحه)) معلقًا بقوله: ويذكر عن عبد الله بن السائب، للاختلاف
في سنده مع كون مما تقوم به الحجة.
٨٤٤ - [١٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيِ وَ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ يَوْمَ
الْجُمُعَةِ بِ: ﴿الََّ ﴾ تَزِلُ﴾ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَفِي الثَّانِيَةِ: ﴿هَلْ أَ عَلَى
اُلْإِنسَنِ﴾.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
الشَّرْحُ
٨٤٤- قوله: (كَانَ النَّبِيُّ وَ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ) أي: في صلاة الفجر. (يَوْمَ
الْجُمُعَةِ) لعل السر في قراءة هاتين السورتين في صلاة فجر يوم الجمعة، أنهما
تضمنتا ما كان وما يكون في يومها، فإنهما اشتملتا على خلق آدم، وعلى ذكر
المبدأ والمعاد، وحشر العباد، وأحوال يوم القيامة، وكل ذلك كان، وسيقع يوم
القيامة، ففي قراءتهما تذكير للعباد ليعتبروا بذكر ما كان، ويستعدوا لما يكون.
(ب: ﴿الّ ﴾ تَزِيلُ﴾) بضم اللام على الحكاية، وزاد في رواية: السَّجْدَةَ بالنصب
عطف بيان. (﴿هَلْ أَنَ عَلَى الْإِسَنِ﴾) أي: بكمالها ويسجد فيها كما في ((المعجم
الصغير)) للطبراني من حديث علي: أنه وُّ سجد في صلاة الصبح في: ﴿يَزِيلُ﴾
السَّجْدة. لكن في إسناده ضعف.
قال الحافظُ: في الحديث دليل على استحباب قراءة هاتين السورتين في هذه
(٨٤٤) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٨٩١)، مُسْلِم (٦٥ / ٨٨٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهَا .

٥٢٨
Bei
Nearut*
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ
الصلاة من هذا اليوم؛ لما تشعر الصيغة به من مواظبته وَّلول على ذلك، أو إكثاره
منه، بل ورد من حديث ابن مسعود التصريح بمداومته ويل# على ذلك. أخرجه
الطبراني، ولفظه: يديم ذلك. وأصله في ابن ماجه بدون هذه الزيادة، ورجاله
ثقات، لكن صوب أبو حاتم إرساله، انتهى.
قال ابن حجر: تصويب أبي حاتم إرساله لا ينافي الاحتجاج به، فإن المرسل
يعمل به في مثل ذلك إجماعًا، على أن له شاهدًا أخرجه الطبراني أيضًا في ((الكبير))
عن ابن عباس بلفظ: كل جمعة، انتهى. وبالجملة فالزيادة المذكورة نص في
ذلك، فدل على السنية. وبه أخذ الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وقال به أكثر أهل
العلم من الصحابة والتابعين، كما نقله ابن المنذر وغيره. وقال صاحب المحيط
من الحنفية: يستحب قراءة هاتين السورتين في صبح يوم الجمعة بشرط أن يقرأ غير
ذلك أحيانًا؛ لئلا يظن الجاهل أنه لا يجزئ غيره. وقريب منه قول الطحاوي؛ فإنه
خص الكراهة بمن يراه حتمًا لا يجزئ غيره، أو يرى القراءة بغيره مكروهة. وأما
صاحب ((الهداية)) منهم، فذكر أن علة الكراهة هجران الباقي وإيهام التفضيل.
قلتُ: كل ما ذكره الحنفية والمالكية في تعليل الكراهة مردود؛ لكونه في مقابلة
النص، والحق: أن قراءة هاتين السورتين في صبح يوم الجمعة، والمداومة عليهما
مع اعتقاد جواز غيرهما سنة، ولله در السندي فقد باح بالحق حيث قال: على كل
تقدير المداومة عليهما خير من المداومة على تركهما. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) واللفظ
المسلم، وأخرجه أيضًا أحمد والنسائي، وابن ماجه، وفي الباب عن ابن عباس :
أخرجه أحمد، ومسلم، والترمذي، وأبو داود، والنسائي. وابنُ مسعود: أخرجه
ابن ماجه، والطبراني. وسعد بن أبي وقاص: أخرجه ابن ماجه. وعليٍّ: أخرجه
الطبراني في ((الصغير)) و((الأوسط)).

كِتّابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ
se
٥٢٩
٨٤٥ - [١٨] وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِيِ رَافِعِ قَالَ: اسْتَخْلَفَ مَرْوَانُ أَبَا
هُرَيْرَةَ عَلَى الْمَدِينَةِ، وَخَرَجَ إِلَى مَكَّةَ، فَصَلَّى لَنَّا أَبُو هُرَيْرَةَ الْجُمُعَةَ، فَقَرَأَ
سُورَةَ الْجُمُعَةِ فِي السَّجْدَةِ الْأُولَىِ، وَفِي الْآخِرَةِ: ﴿إِذَا جَاءَكَ اٌلْمُنَفِقُونَ﴾،
فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَ هِ يَقْرَأُ بِهِمَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ. [رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشّرْجُ
٨٤٥ - قوله: (وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ) المدني مولى النبي وَّ روى عن
أبيه وأمه سلمى، وعن علي، وكان كاتبه، وَّأبي هريرة. وهو ثقة، من الطبقة
الوسطى من التابعين. (اسْتَخْلَفَ مَرْوَانُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَلَى الْمَدِينَةِ) أي: جعله خليفته
ونائبه عليها. (وَخَرَجَ) أي: مروان. (الْجُمُعَةَ) أي: صلاتها. (فِي السَّجْدَةِ الْأُولَى)
أي: الركعة الأولى. (﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَفِقُونَ﴾) أي: سورتها، أو إلى آخرها. (فَقَالَ)
أي: أبو هريرة. (يَقْرَأُ بِهِمَا) أي: تينك السورتين. (يَوْمَ الْجُمُعَةِ) أي: في صلاة
الجمعة. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد، والترمذي، وأبو داود، وابن ماجه.
٨٤٦ - [١٩] وَعن النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ێ يَقْرَأُ فِى
الْعِيدَيْنِ، وَفِي الْجُمُعَةِ بِ﴿سَيِّحِ اسْمَ رَبِّكَّ الْأَعْلَى ﴾﴾ وَ﴿هَلْ أَتَلِكَ حَدِيثُ
قَالَ: وَإِذَا اجْتَمَعَ الْعِيدُ وَالجُمُعَةُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ قَرَأَ بِهِمَا فِي
اُلْغَشِيَةِ
الصَّلَاتَيْنِ.
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشّرْجُ
٨٤٦ - قوله: (بـ﴿سَبِّحِ أَسْمَ رَبِّكَ﴾) أي: في الركعة الأولى. (وَ﴿هَلْ أَتَنْكَ حَدِيثُ
الْغَشِيَةِ ﴾﴾) أي: في الركعة الثانية. وروى مالك، وأحمد، ومسلم، وغيرهم
(٨٤٥) مُسْلِم (٦١ / ٨٧٧)، أَبُودَاوُد(١١٢٤)، التِّرْ مِذِي (٥١٩)، ابن مَاجَهْ (١١١٨)، النَّسَائِي في ((الكبرى))
(١٧٣٥) عَنْ عبيد الله بن أبي رافع ... بِهِ فِيهَا.
(٨٤٦) مُسْلِم (٦٢ / ٨٧٨) عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بِشير فِيهَا .

٥٣٠
WEMeeseNt
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحَ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
عن النعمان بن بشير، وسأله الضحاك: ما كان رسول اللَّه وَ له يقرأ يوم الجمعة على
فتحصل من
أثر سورة الجمعة؟ قال: كان يقرأ: ﴿هَلْ أَتَئِكَ حَدِيثُ اٌلْغَشِيَةِ
أحاديث الباب أن السنة أن يقرأ الإمام في صلاة الجمعة في الركعة الأولى
بالجمعة، وفي الثانية بالمنافقين، أو في الأولى ب﴿سَيِّجِ آَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾﴾ وفي
الثانية ب﴿هَلْ أَتَلِكَ حَدِيثُ الْغَشِيَةِ ﴾﴾ أو في الأولى ((بالجمعة))، وفي الثانية:
. قال السندي: الاختلاف محمول على جواز الكل
بـ﴿هَلْ أَتَنَكَ حَدِيثُ الْغَشِيَةِ
واستنانه، وأنه فعل تارة هذا وتارة ذاك، فلا تعارض في أحاديث الباب، انتهى.
وإنما خص هذه السور بالجمعة: لما في سورة الجمعة من الحث على
حضورها، والسعي إليها، وفي سورة المنافقين من توبيخ أهل النفاق وحثهم على
التوبة؛ فإن المنافقين يكثر اجتماعهم في صلاتها، وفي سورة الأعلى والغاشية من
التذكير بأحوال الآخرة والوعد والوعيد ما يناسب قراءتها في تلك الصلاة
الجامعة. (قَالَ) أي: النعمان. (قَرَأَ بِهِمَا) أي: بالسورتين.
(فِي الصَّلَاتَيْنِ) قال النووي: فيه استحباب القراءة في العيدين والجمعة ب﴿سَبِّحِ
أَسْمَ رَبِّكَ اُلْأَعْلَى
﴾﴾ و﴿هَلْ أَتَنكَ حَدِيثُ اُلْغَشِيَةِ
)﴾. وفي الحديث الآخر -
يعني: حديث أبي واقد الآتي - القراءة في العيد ب﴿قل﴾ و﴿اقْتَرَتِ﴾، وكلاهما
صحيح، فكان رَّ في وقت يقرأ في الجمعة: الْجُمُعَة والْمُنَافِقِينَ، وفي وقت:
﴿َسَبِجٍ﴾ و﴿هَلْ أَنَكَ﴾. وفي وقت يقرأ في العيد: ﴿قَدْ﴾ و﴿اقْتَبَتِ﴾، وفي
وقت: (سَبِحٍ﴾ و﴿هَلْ أَنَكَ﴾، انتھی.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: يقرأ الإمام في الجمعة والعيدين بعد الفاتحة أيَّ
سورة شاء، ولو قرأ هذه السور في أغلب الأحوال تبركًا بالاقتداء برسول الله وَئية.
فحسن، ولكن لا يواظب على قراءتها، بل يقرأ غيرها في بعض الأوقات كي لا
يؤدي إلى هجر الباقي، ولا يظنه العامة حتمًا، كذا في ((البدائع)) وغيره من كتب
الحنفية. وهذا يدل على أن قراءة هذه السور في الجمعة والعيدين ليست بسنة عند
الحنفية، خلافًا لما ذهب إليه الجمهور. وقول الجمهور هو الحق والصواب؛ لأنه
تواترت الروايات بذلك عن النبي وَّر كما قال ابن رشد وابن عبد البر، ولم يصح
عنه غير ذلك، فلا شك في كونها سنة.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ
٥٣١
وتعليل الحنفية بأن المواظبة على قراءتها تؤدي إلى هجران الباقي، وظن العامة
واعتقادهم قراءتها فيها حتمًا، باطل - لأنه لو صح هذا التعليل، لزم أن لا يكون
قراءة قصار المفصل في المغرب سنة؛ لإفضاء المواظبة عليها إلى هجران بقية
القرآن، واعتقاد العامة قراءة القصار فيها حتمًا. وأيضًا على فرض حصول هذه
المفسدة الأخيرة على ما زعموا تدفع بالتنبيه والتعليم كما هي عادة الرسول وق الاته، لا
بالترك والهجران: (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد، والترمذي، وأبو داود،
والنسائي.
٨٤٧- [٢٠] وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سَأَلَ أَبَا وَاقِدٍ
اللَّيِْيَّ: مَا كَانَ يَقْرَأُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ فِي الْأَضْحَى وَالفِطْرِ؟ فَقَالَ: كَانَ يَقْرَأْ
﴾﴾ وَ﴿اقْتَتِ السَّاعَةُ﴾. [رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
فِيهِمَا بِ﴿قَّ وَالْقُرْءَانِ اُلْمَجِيدِ
الشّرْحُ
٨٤٧- قوله: (وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) هو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود
الهذلي المدني، الإمام التابعي الأعمى، أحد فقهاء المدينة السبعة، ثقة، فقيه،
ثبت، مأمون، شاعر مجيد، جامع للعلم. قال ابن عبد البر: كان أحد الفقهاء
العشرة ثم السبعة الذين يدور عليهم الفتوى، وكان عالمًا فاضلا مقدمًا في الفقه،
تقيًّا، شاعرًا محسنًا، لم يكن بعد الصحابة إلى يومنا فيما علمت فقيه أشهر منه، ولا
شاعر أفقه منه. مات سنة (٩٤) وقيل: (٩٨) وقيل: (٩٩).
(أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) هذه الرواية منقطعة، فإن عبيد اللَّه لم يدرك عمر ◌َضْ لَهُ،
لكن الحديث صحيح متصل بلا شك، فإنه وقع في رواية أخرى لمسلم عن
عبيد اللّه عن أبي واقد، قال: سألني عمر بن الخطاب. فإنه أدرك أبا واقد بلا
شك، وسمع منه بلا خلاف. (سَأَلَ أَبًا وَاقِدٍ اللَّيْثِيَّ) صحابي قديم الإسلام،
مختلف في اسمه؛ فقيل: الحارث بن مالك، وقيل: ابن عوف، وقيل: عوف بن
الحارث. عداده في أهل المدينة، وجاور بمكة سنة، ومات بها سنة (٦٨) وهو ابن
(٨٤٧) مُسْلِم (١٤ / ٨٩١) فِي العِيدَيْنِ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْئِيِّ: أَنَّ عُمَرَ رَوَهُ سألُهُ.

٥٣٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(٨٥) سنة. له سبعة وعشرون حديثًا، اتفقا على حديث، وانفرد مسلم بآخر. وسأله
عمر رَّتَهُ اختبارًا له، هل حفظ ذلك أم لا؟ أو لزيادة التوثيق، ويحتمل أنه نسي.
وأما الاحتمال أنه ما علم بذلك أصلاً، فيأباه قرب عمر منه وَلاته .
قال القاضي وغيرهم: يحتمل أن عمر شك في ذلك فاشتبه عليه، أو أراد إعلام
الناس بذلك، أو نازعه غيره ممن سمعه يقرأ في ذلك ب﴿سَيِّح﴾ و﴿هَلْ أَنَكَ﴾ فأراد
عمر الاستشهاد عليه بما سمعه أيضًا أبو واقد، أو نحو ذلك. قال العراقي: ويحتمل
أن عمر كان غائبًا في بعض الأعياد عن شهوده، وأن ذلك الذي شهده أبو واقد كان
في عيد واحد أو أكثر. قال: ولا عجب أن يخفى على الصاحب الملازم بعض ما
وقع من مصحوبة؛ كما في قصة الاستئذان ثلاثًا، وقول عمر: ((خفي علي هذا من
رسول اللَّه ◌َّر؛ ألهاني الصفق بالأسواق))، انتهى.
(مَا كَانَ يَقْرَأُ بِهِ رَسُولُ اللهِ نَّهِ فِي الْأَضْحَى وَالْفِطْرِ؟) أيُّ شيء كان يقرأ في
ركعتيهما. (فَقَالَ) أي: أبو واقد. (يَقْرَأُ) أي: رسول اللّه ◌َله. (فِيْهِمَا بـ﴿قَّّ
وَالْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ ﴾﴾) في الركعة الأولى. وَ﴿اقْتَرَتِ السَّاعَةُ﴾ في الركعة الثانية.
فيه: دليل للشافعي وموافقيه أنه تسن القراءة بهما في العيدين.
والحكمة في قراءتهما: لما اشتملتا عليه من الإخبار بالبعث، والإخبار عن
القرون الماضية، وإهلاك المكذبين، وتشبيه بروز الناس للعيد ببروزهم للبعث،
وخروجهم من الأجداث كأنهم جراد منتشر، وأما سورة: ﴿سَبِّحٍ﴾ و﴿هَلْ أَنَئِكَ﴾
فقيل: إن ذلك لما في سورة ﴿سَّح﴾ من الحث على الصلاة، وزكاة الفطر على ما
قال سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز في تفسير قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزََّى
وَذَكَرَ أُسْمَ رَبِّهِ، فَصَلَّى ﴾﴾ فاختصت الفضيلة بها كاختصاص الجمعة بسورتها .
١٤
وأما: ((الْغَاشِيَة)) فللموالاة بين (سَيِّحٍ﴾ وبينها كما بين ((الْجُمُعَةِ)) و((الْمُنَافِقِينَ))،
والله أعلم.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا مالك، والشافعي، وأحمد، والترمذي، وأبو داود،
والنسائي، وابن ماجه.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ
bese *
٥٣٣
٨٤٨ - [٢١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ قَرَأَ فِي رَكْعَتَي
الْفَجْرِ: ﴿قُلْ بَأَيُّهَ اُلْكَفِرُونَ﴾ وَ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ﴾. [رَوَاهُ مُسْلِمْ] (صحيح}
الشَّرْحُ
٨٤٨- قوله: (قَرَأَ فِي رَكْعَتَي الْفَجْرِ) أي: في سنة الفجر وهي المشهورة.
بهذا الاسم (﴿قُلْ يَأَتُهَا الْكَفِرُونَ﴾) وَ(﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾) أي: كل سورة في
ركعة بعد الفاتحة إلا أنه تركها الراوي لظهورها، وهذا شائع كثير في الأحاديث
المرفوعة القولية والفعلية ذكر فيها السور دون الفاتحة، لظهورها وشهرتها، وهذا
يدل على تأكد وجوب الفاتحة. وفي الحديث دليل على استحباب قراءة سورتي
الإِخْلَاص في ركعتي الفجر. ويدل عليه أيضًا ما رواه أحمد، والترمذي، وابن
ماجه، وابن أبي شيبة، وابن عدي، والطحاوي عن ابن عمر، قال: رمقت
النبيِ وَّ شهرًا، فكان يقرأ في الركعتين قبل الفجر ب﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ
و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ﴾﴾ ورواه الطبراني في ((الكبير))، وأبو يعلى الموصلي بلفظ
آخر. وللترمذي عن ابن مسعود، أنه قال: ما أحصي ما سمعت من رسول اللَّه ◌َاله
يقرأ في الركعتين ... الحديث وسيأتي.
ولابن ماجه والدارمي وابن أبي شيبة، عن عائشة قالت: كان رسول اللّه ◌َائِه.
يصلي ركعتين قبل الفجر، وكان يقول: ((نِعْمَ السُّورَتَانِ هُمَا يُقْرَأُ بِهِمَا فِي رَكْعَتَي
﴾، ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ ﴾﴾))، وأخرج البزارَ
الْفَجْرِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ
والطحاوي، عن أنس: أن النبي ◌َّ كان يقرأ في ركعتي الفجر ب﴿قُلْ يَأَيُهَا الْكَفِرُونَ
﴾﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ﴾﴾ وأخرج ابن حبان في ((صحيحه))، والطحاوي عن
جابر في قراءة سورتي الإِخْلَاص حديثًا تقريريًّا، ذكره الحافظ في ((الفتح)). وهذه
الأحاديث دليل صريح لمذهب الجمهور، أنه يستحب أن يقرأ فيهما بعد الفاتحة
سورة، ويستحب أن تكون هاتان السورتان، أو الآيات المذكورة في حديث ابن
عباس، وحديث أبي هريرة الآتيين كلها سنة، فالمصلي مخير، إن شاء قرأ مع
(٨٤٨) مُسْلِم (٩٨/ ٧٢٦) فِي الصَّلَاةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

٥٣٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحَ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
فاتحة الكتاب في كل ركعة ما في هذه الأحاديث، وإن شاء قرأ ما في حديث ابن
عباس وحديث أبي هريرة الآتيين. وقال مالك وجمهور أصحابه: لا يقرأ فيهما غير
الفاتحة .
وقال بعض السلف: لا يقرأ فيهما شيئًا، وكلاهما خلاف هذه الأحاديث التي لا
معارض لها. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
٨٤٩ - [٢٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ وَ يَقْرَأُ فِي رَكْعَتَى
الْفَجْرِ: ﴿قُولُواْ ءَامَنَا بِلَّهِ وَمَآ أُنْزِلَّ إِلَيْنَا﴾ وَالتِي فِي آلِ عِمْرَانَ: ﴿قُلْ يَأَهْلَّ
اُلْكِنَبِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ .
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشَّرْخُ
٨٤٩ - قوله: (﴿قُولُواْ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾) أي: يقرأ في الأولى منهما
الآية التي في البقرة وتمامها: ﴿وَمَآ أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ
وَمَآ أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَآ أُوْتَِ النَّبِيُّونَ مِن ◌َّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَتَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾
[البقرة: ١٣٦]. (وَالّتِي فِي آلٍ عِمْرَانَ) في الركعة الثانية (﴿قُلْ يَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْاْ إِلَى
كَلِمَةٍ سَوَآْ﴾) أي: مستوية.
(بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ) أي: لا يختلف فيها القرآن، والتوراة، والإنجيل وقيل: إنما
خاطبهم بهذا باعتبار مزعومهم ودعواهم، فإن النصارى أيضًا يَدَّعُونَ التوحيد مع
شركهم الجَلَيِّ، وكذلك اليهود، وكذلك أكثر المشركين لا يؤمنون بالله إلا وهم
مشركون، ولكن هؤلاء كلهم يدعون التوحيد بأفواههم وألسنتهم، فدعاهم في هذه
الآية إلى التوحيد الصحيح الخالص بعد اشتراكهم فيه بحسب الصورة، وبقية
الآية: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ، شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضَا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن
تَوَلَّوْ فَقُولُواْ أَشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤].
وفي حديث أبي هريرة عند أبي داود: أنه سمع النبي ◌َّ يقرأ في ركعتي الفجر:
(٨٤٩) مُسْلِم (١٠٠ / ٧٢٧) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهَا.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ
٥٣٥
﴿قُلْ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَمَآ أَنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ [آل عمران: ٨٤] في الركعة الأولى، وفي الركعة
الأخرى بهذه الآية: ﴿رَبَّنَآ ءَامَنَا بِمَا أَنزَلْتَ وَأَتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ
﴾ [آل عمران: ٥٣]، أو ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُشْئَلُ عَنْ أَصْحَبِ الْحَحِيمِ
٥٢
١١٩
[البقرة: ١١٩] شك الدراوردي، أي: عبد العزيز بن محمد.
والحديث: دليل على جواز قراءة بعض السورة بل أوسطها، لكن في النافلة .
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أبو داود، والنسائي.

٥٣٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
الفصل الثاني
٨٥٠- [٢٣] عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلِلّه يَفْتَتِحُ صَلَاتَهُ
بِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الََّنِ الرَّحَيَـ
[ْرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِذَاكَ]
الشَّرْحُ
٨٥٠- قوله: (يَفْتَتِحْ صَلَاتَهُ بِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ﴾) ظاهره يدل
على أن رسول اللَّه وَال كان يجهر بالبسملة، ولذلك بوب الترمذي عليه: باب من
لکن الحدیث ضعیف کما
رأى الجهر ب﴿يِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَيَزِ ٤
سيأتي. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وأخرجه أيضًا الحاكم، والدار قطني وابن عدي.
(لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِذَالَكَ) أي: بذاك القوى. قال الطيبي: المشار إليه: (بِذَالَكَ) ما في
ذهن من يعتني بعلم الحديث، ويعتد بالإسناد القوي، انتهى. قلتُ: في سنده
إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان عن أبي خالد، وإسماعيل بن حماد هذا وثقه ابن
معين. وقال أبو حاتم: شيخ يكتب حديثه. وقال العقيلي: ضعيف، حديثه غير
محفوظ، ويحكيه عن مجهول. وقال البزار: إسماعيل لم يكن بالقوي. وقال
الأزدي: يتكلمون فيه. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال الحافظ في
((التقريب)): صدوق. وأبو خالد هو الوالبي، واسمه هرمز، وقيل: هرم، كوفي.
قال ابن عدي: هو مجهول، والحديث غير محفوظ، وقال أبو زرعة: لا أعرف
أباخالد، وقال العقيلي: مجهول، وقال الذهبي: أبو خالد عن ابن عباس لا يعرف.
وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال الحافظ في ((التقريب)): مقبول من كبار
التابعين، وفد على عمر. وقيل: حديثه عنه مرسل، فيكون من أوساط التابعين.
وقال أبو داود: هو حديث ضعيف. وللحديث طريق أخرى عن ابن عباس،
(٨٥٠) التِّرْ مِذِي (٢٤٥) فِي الصَّلَاةِ، وَقَالَ: لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِذَاكَ.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ
٥٣٧
رواها الحاكم بلفظ: كان يجهر في الصلاة ب﴿بِسْمِ اللَّهِ الَّعْمَنِ الرَّحِيَةِ
﴾﴾. وصححها الحاكم هذه الطريق، وخطأه الحافظ في ذلك؛ لأن في إسنادها
عبد الله بن عمرو بن حسان، وقد نسبه ابن المديني إلى الوضع للحديث. وقد رواه
الدار قطني وإسحاق بن راهويه في ((مسنده))، عن يحيى بن آدم، عن شريك. ولم
يذكر ابن عباس في إسناده بل أرسله، وهو الصواب من هذا الوجه، قاله الحافظ
في التلخيص (ص٨٨)، وقال أبو عمر: الصحيح في هذا الحديث أنه روي عن ابن
عباس من فعله، لا مرفوعًا إلى النبي وَ له.
٨٥١ - [٢٤] وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلَهِ يَقْرَأُ :
وَغَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾َّ فَقَالَ: ((آمين)) مَذَّ بِهَا صَوْتَهُ.
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ] {صحيح}
الشَّرْحُ
٨٥١- قوله: (وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ) بتقديم الحاء المهملة المضمومة على
الجيم الساكنة، صحابي جليل، كان من ملوك اليمن من بقية أولاد الملوك بحضر
موت، قَدِمَ على النبي ◌َّرَ فأنزله، وأصعده معه على المنبر، وأقطعه القطائع،
وكتب له عهدًا، وقال: «هذا وائل بن حجر سيد الأقیال، جاءكم حبًّا لله ولرسوله)).
ثم سكن الكوفة، ومات في خلافة معاوية، وتقدم ترجمته بأبسط من هذا. (فَقَالَ:
آمِين) فيه دليل على أن الإمام يقول: ((آمين))، خلافًا لما رواه ابن القاسم عن
مالك: أن الإمام لا يقول: ((آمين))، وإنما يقول ذلك من خلفه، وهو قول
المصريين من أصحاب مالك، وقال جمهور أهل العلم: يقولها الإمام كما يقولها
المنفرد والمأموم، وهو قول مالك في رواية المدنيين، وقول الجمهور هو الحق.
(مَدَّ بِهَا صَوْتَهُ) أي: رفع بكلمة «آمين» صوته وجهر، ورواه أبو داود بإسناد
صحيح بلفظ: فجهر بـ((آمين)). ورواه أيضًا بإسناد صحيح بلفظ: كان رسول الله
وَّه إذا قرأ ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾. قال: ((آمِينَ))، ورفع بها صوته. فظهر أن المراد من
(٨٥١) أَبُو دَاوُد (٩٣٢)، وَالتِّرْمِذِي (٢٤٨) عَنْهُ فِيهَا .

٥٣٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحَ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
SB
قوله: و(مَدَّ بِهَا صَوْتَهُ) جهر بها ورفع صوته بها، فإن الروايات يفسر بعضها بعضًا،
ولهذا قال الترمذي عقب رواية الحديث بلفظ: مَدَّ بِهَا صَوْتَهُ. وبه يقول غير واحد
من أهل العلم من أصحاب النبي ◌َّ والتابعين، ومن بعدهم، يرون أن يرفع الرجل
صوته بالتأمين ولا يخفيها .
وقال الشيخ عبد الحق الدهلوي في ((اللمعات)): قوله: (مَدَّ بِهَا صَوْتَهُ) أي:
بكلمة ((آمين)»، يحتمل الجهر بها، ويحتمل مد الألف على اللغة الفصيحة.
والظاهر هو الأول بقرينة الروايات الأخر، ففي بعضها: يرفع بها صوته. هذا
صريح في معنى الجهر، انتهى. قلتُ: حمل هذا اللفظ على رفع الصوت والجهر
متعين للروايات الأخر لهذا الحديث، ولأن لفظ المد مع الصوت لا يطلق إلا على
رفع الصوت والجهر، كما لا يخفى على من تتبع مظان استعمال هذا اللفظ
وموارده. فالحديث حجة قوية لمن قال باستنان الجهر بالتأمين ورفع الصوت به.
وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق، وهو القول الأرجح القوي المعول عليه؛ لأنه
لم يثبت في الإسرار بالتأمين وترك الجهر به شيء، لا عن رسول اللّه وَ ل﴾ ولا عن
أحد من الصحابة كما ستعرف. وقد ورد في الجهر به أحاديث كثيرة أكثرها
صحيحة :
فمنها: حديث وائل هذا. ومنها: حديث أبي هريرة السابق: ((إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ
فَأَمِّنُوا)) وقد تقدم تقريره. وقال ابن القيم في إعلام الموقعين: قال الربيع: سئل
الشافعي عن الإمام هل يرفع صوته بآمين؟ قال: نعم، ويرفع بها من خلفه
أصواتهم. فقلتُ: ما الحجة؟ قال: أنا مالك ... وذكر حديث أبي هريرة المتفق
على صحته، ثم قال: ففي قول رسول اللّه وَ له: ((إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا)) دلالة على
أنه أمر الإمام أن يجهر بـ((آمين))؛ لأن من خلفه لا يعرفون وقت تأمينه إلا أن يسمع
تأمينه، ثم بيَّنه ابن شهاب فقال: وكان رسول اللَّه ◌َل يقول: ((آمِينَ))، فقلت
للشافعي: فإنا نكره للإمام أن يرفع صوته بـ((آمين))، فقال: هذا خلاف ما روى
صاحبنا وصاحبكم عن رسول اللَّه وَلّره، ولو لم يكن عندنا وعندهم علم إلا هذا
الحديث الذي ذكرناه عن مالك، فينبغي أن يستدل على أن النبي وَّ كان يجهر
بـ((آمين))، وأنه أمر الإمام أن يجهر بها، فكيف ولم يزل أهل العلم عليه، وروى

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ
Heree
٥٣٩
وائل بن حجر أن النبي ◌َّ كان يقول: ((آمِينَ))، يرفع بها صوته، ويحكي مده
إياها، انتهى .
ومنها: حديث آخر لأبي هريرة أخرجه الدار قطني (ص١٢٧) والحاكم (ج١ :
ص٢٢٣) عنه، قال: كان رسول اللَّه ◌َ له، إذا فرغ من قراءة أم القرآن رفع صوته
وقال: ((آمِينَ))، قال الحافظ في ((التلخيص)) بعد ذكر هذا الحديث: قال
الدارقطني: إسناده حسن. والحاكم: صحيح على شرطهما. والبيهقي: حسن
صحيح، انتهى. وقال ابن القيم في ((إعلام الموقعين)): رواه الحاكم بإسناد
صحيح، انتهى. قلتُ: في سنده إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الزبيدي، قال أبو
حاتم: شيخ لا بأس به، ولكنهم يحسدونه، سمعت ابن معين أثنى عليه خيرًا، وقال
النسائي: ليس بثقة. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وأخرجه أبو داود وابن ماجه
من طريق بشر بن رافع، عن أبي عبد الله بن عم أبي هريرة، عن أبي هريرة قال:
كان رسول اللَّهِوَسَّه إذا تَلَا: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِينَ﴾ قال: ((آمِينَ))،
حتى يسمع من يليه من الصف الأول. ولفظ ابن ماجه: إذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ
عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: آمين، حتى يسمعها أهل الصف الأول فيرتج بها
المسجد. وبشر بن رافع وثقه ابن معين، وابن عدي كما في ((الخلاصة))
للخزرجى، وضعفه غير واحد، وأبو عبد الله ابن عم أبي هريرة مقبول كما في
((التقريب)).
قال النيموي في رسالته ((الحبل المتين)) (ص١٧): حديث أبي داود هذا حسن
لغيره، وأخرجه الحمیدی من طريق سفيان، عن سعيد المقبري، وقد صرح النيموي
في تلك الرسالة (ص١٦) بصحة هذا الطريق حيث قال بعد ذكره: هذا حديث
مرفوع، صحيح الإسناد، انتهى. ولأبي هريرة حديث ثالث في الجهر بالتأمين،
أخرجه النسائي وغيره عن نعيم المجمر، قال: صليت وراء أبي هريرة فقرأ:
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَةِ﴾، ثم قرأ بأم القرآن حتى إذا بلغ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ
عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِينَ﴾ فقال: ((آمِين))، فقال الناس آمين ... الحديث. وفي آخره:
وإذا سلم قال: والذي نفسي بيده، إني لأشبهكم صلاة برسول الله وَ له. وإسناده
صحيح، ويثبت من هذا الحديث الصحيح أنه وَّر كان يجهر بالتأمين، ويثبت منه
أيضًا: أن الصحابة والتابعين كانوا يجهرون بالتأمين خلف أبي هريرة.