النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثالث
٨٢٦ - [٩] عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَّهَ إِذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ كَبَّرَ، ثُمَّ
قَالَ: ((إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ
وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ اهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَعْمَالِ وَأَحْسَنِ
الْأَخْلَاقِ لَا بَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَقِنِي سَبَِّ الْأَعْمَالِ وَسَيَِّ الْأَخْلَاقِ لَا
يَقِي سَيَِّهَا إِلَّا أَنْتَ)).
[رَوَاهُ النَّسَائِيُّ] {صحيح}
الشّرُْ
٨٢٦- قوله: (إِذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ كَبَّرَ) أي: للتحريمة. (وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي)
أي: أحوالي فيهما. (وَبِذَلِكَ) أي: الإِخلاص. (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) كذا في
جميع النسخ الموجودة عندنا. وفي ((النسائي)): ((وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ))، وأما ما هنا
(أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) فهي رواية الدارقطني، وهي الصواب.
قال الطيبي: هذا أي: (أَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) لفظ التنزيل حكاية عن قول إبراهيم -
عليه الصلاة والسلام -، وإنما قال: ((أول المسلمين)) لأن إسلام كل نبي مقدم على
إسلام أمته، انتهى. والظاهر من القرآن أن نبينا - عليه الصلاة والسلام - مأمور
بهذا القول؛ فإنه تعالى قال له: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِ وَنُشْكِ﴾ [الأنعام: ١٦٢] الآية، لكن كان
يقول هذا تارة، ((وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)) أخرى تواضعًا حيث عد نفسه واحدًا منهم،
كما قال: ((احْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ)»، قاله القاري.
(لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا) أي: المذكورات من النوعين. (وَقِنِي) بكسر القاف، أمر
من وقى يقي. (سَيِّ الأَعْمَالِ ... ) إلخ. في العدول عن الأسوء المقابل للأحسن إلى
السيئ نكتة لا تخفى. (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) وأخرجه أيضًا الدار قطني (ص١١٢) وسنده
صحيح.
(٨٢٦) النَّسَائِي (٢ / ١٢٩) عنه في الصَّلاة.

٤٦١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ مَا يُقْرَأُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ
٨٢٧- [١٠] وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ كَانَ إِذَا
قَامَ يُصَلِّي تَطَوُّعًا قَالَ: ((اللَّهُ أَكْبَرُ، وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ
وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)) وَذَكَرَ الْحَدِيثَ مِثْلَ حَدِيثِ جَابِرٍ ، إِلَّا
أَنَّهُ قَالَ: ((وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)) ثُمَّ قَالَ: ((اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لَا إِلَهَ إِلََّّ أَنْتَ
سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدَِ)) ثُمَّ يَقْرَأُ.
[رَوَاهُ النَّسَائِيُّ] {صحيح}
الشرْحُ
٨٢٧- قوله: (وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ) بفتح الميم واللام، ابن سلمة الأنصاري
الحارثي الدوسي، أبو عبد الله المدني، صحابي مشهور. قال ابن عبد البر: كان
من أفضل الصحابة، وهو أحد الثلاثة الذين قتلوا كعب بن الأشرف، شهد
المشاهد كلها إلا تبوك، واستخلفه النبي وَ لّ في بعض غزواته على المدينة، ولم
يشهد الجمل ولا صفين. وكان من الذين أسلموا على يد مصعب بن عمير، وهو
أكبر من اسمه محمد من الصحابة، له ستة عشر حديثًا، انفرد له البخاري بحديث.
مات بالمدينة سنة (٤٣) وقيل غير ذلك، وهو ابن (٧٧) سنة.
وقال ابن شاهين عن أبي داود: قتله أهل الشام لكونه اعتزل عن معاوية في
حروبه. (إِذَا قَامَ يُصَلَّي تَطَوُّعًا) قال القاري: ظاهره يؤيد مذهبنا المختار أنه يقرأ:
بـ((وَجَّهْتُ وَجْهِيَ)) في النوافل والسنن. وقال صاحب ((اللمعات)): هو دليل على
المخصوصية بالتطوع كما هو مذهبنا، انتهى.
قلتُ: قد تقدم الجواب عن هذا الاستدلال فتذكر. قال شيخنا في ((أبكار المنن))
(ص١١٦ / ٢٦٠): ليس فيه دليل على المخصوصية بالتطوع، كيف وقد ثبت في
أكثر روايات علي أنه ◌ّ كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة قال: ((وَجَّهْتُ
وَجْهِي ... ))، إلخ. وقد تقدم ذكر هذه الروايات، على أنه لو كان في هذا دليل على
المخصوصية بالتطوع لكان الدعاء الذي اختاره الحنفية للفرض كان أيضًا
مخصوصًا بالتطوع، فإن الترمذي وأبا داود قد رويا عن أبي سعيد الخدري، أن
(٨٢٧) النَّسَائِي (٢/ ١٣١) عنه فيها.

٤٦٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
النبي ◌َّ كان إذا قام من الليل كبر، ثم يقول: ((سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدَِ ... ))،
الحديث - انتهى. (وَذَكَرَ) أي: محمد بن مسلمة. (الْحَدِيثَ مِثْلَ حَدِيثٍ جَابِرٍ ، إِلَّا
أَنَّهُ) أي: محمدًا.
(قَالَ: ((وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ))) بدل: ((وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ)) وفيه نظر؛ لأن النسخ
الموجودة عندنا من ((سنن النسائي)) من طبعة الهند ومصر كلها مطبقة على عكس ما
ذكره المصنف، فقوله: ((وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)) إنما هو في حديث جابر، لا في
حديث محمد بن مسلمة، ولفظ ابن مسلمة: (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ)، وهذا عكس
ما قال المصنف، ولا أدري هل وقع الخطأ في نسخ ((سنن النسائي)) الموجودة
الحاضرة عندنا، أو زاغ بصر المصنف فأخطأ وسها في بيان الفرق بين الروايتين؟
الله أعلم.
(ثُمَّ قَالَ) أي: رسول اللّه وَّهِ. (سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدَِ) قال في ((اللمعات)): اعلم
أن: (سُبْحَانَك) مصدر مضاف مفعول مطلق للنوع، أي: أسبحك تسبيحًا لائقًا
بجنابك الأقدس، والباء في: (بِحَمْدَِ) للملابسة، والواو للعطف، والتقدير:
وأسبحك تسبيحًا متلبسًا بحمدك. فيكون المجموع في معنى: ((سُبْحَانَ اللَّهِ
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ)) وهو أظهر الوجوه، انتهى. (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ).

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ
٤٦٣
١٢ - بَابُ الْقِرَاءَةِ في الصَّلَاةِ
(بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ) اعلم أن القراءة في الصلاة فرض عند جمهور علماء
الأمة، فعند الشافعي ومالك، وأحمد في المشهور، والصحيح من مذهبه: في
كلها، وعند الحنفية في الركعتين فقط. والحق: ما ذهب إليه الأئمة الثلاثة كما
سيأتي. ثم الفرض عند الحنفية مطلق القراءة، والفاتحة ليست بفرض بل هي
واجبة، يأثم من يتركها، وتجزئ الصلاة بدونها، وقالت الأئمة الثلاثة بتعيين
الفاتحة، فهي فرض عندهم، لا تصح الصلاة بدونها، وهو الحق.
قال ابن قدامة في ((المغني)) (ج١: ص٥٢٨): يجب قراءة الفاتحة في كل ركعة في
الصحيح من المذهب، وهذا مذهب مالك والأوزاعي والشافعي، وقال ابن حزم في
((المحلى)) (ج٣: ص٢٣٦): وقراءة أم القرآن فرض في كل ركعة من كل صلاة إمامًا
كان أو مأمومًا أو منفردًا، والفرض والتطوع سواء، والرجال والنساء سواء، انتهى.
الفصل الأول
٨٢٨- [١] عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ: ((لَا صَلَاةَ
لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ)).
[مُتَّفَق عَلَيْهِ].
- وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِم: ((لِمَنْ لَمْ يَقْرَأُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَصَاعِدًا))(*).
الشَّرْحُ
٨٢٨- قوله: (لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ) أي: فيها، كما في ((مسند
(٨٢٨) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٧٥٦)، ومُسْلِم (٣٤/ ٣٩٤) عَنْ عُبَادَةَ فِي الصَّلاَةِ.
(*) الأربعة عنه في الصلاةِ.

٤٦٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
se
الحميدى)) ورواية البيهقي والإسماعيلي وأبي نعيم، وهذا يعين أن المراد: قراءة
الفاتحة في نفس الصلاة، وسميت فاتحة الكتاب؛ لأنه يبدأ بكتابتها في
المصاحف، ويبدأ بقراءتها في الصلاة، وفاتحة كل شيء مبدأه الذي يفتح به ما
بعده؛ افتتح فلان كذا ابتدأ به. قال ابن جرير في ((تفسيره)» (ج١: ص٣٥): وسميت
فاتحة الكتاب؛ لأنها يفتتح بكتابتها المصاحف ويقرأ بها في الصلاة، فهي فواتح
لما يتلوها من سور القرآن في الكتابة والقراءة، وسميت أم القرآن؛ لتقدمها على
سائر سور القرآن غيرها، وتأخر ما سواها خلفها في القراءة والكتابة، وذلك من
معناها شبيه بمعنى فاتحة الكتاب، وإنما قيل لها لكونها كذلك أم القرآن، لتسمية
العرب كل جامع أمرًا أو مقدمًا لأمر إذا كانت له توابع تتبعه، هو لها إمام جامع :
أمَّا، انتهى.
وقال ابن منظور في ((لسان العرب)) (ج١: ص٢٩٧): وأم الكتاب فاتحة؛ لأنه
يبتدأ بها في كل صلاة، قال: وجاء في الحديث: أن أم الكتاب هي فاتحة الكتاب؛
لأنها هي المقدمة أمام كل سورة في جميع الصلوات، وابتدئ بها في المصحف
فقدمت، انتهى. والحديث: دليل على أن قراءة الفاتحة في الصلاة ركن من
أركانها وفرض من فروضها، وأنه لا تصح صلاة من لم يقرأ بفاتحة الكتاب فيها .
قال الشاه ولي الله في ((حجته)) (ج ٢: ص٤) تحت قوله: الأمور التي لا بد منها في
الصلاة: وما ذكره النبي وَلّ بلفظ الركنية كقوله: (لاَ صَلاَةَ إِلَّ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ))
وقوله: ((لَا تُجْزِئُ صَلَاةُ الرَّجُلِ حَتَّى يُقِيمَ ظَهْرَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ)) وما سمى
الشارع الصلاة به، فإنه تنبيه بليغ على كونه ركنًا في الصلاة، انتهى. وحديث عبادة
هذا رواه الدار قطني وابن خزيمة وابن حبان، وغيرهم بإسناد صحيح بلفظ: ((لَا
تُجْزِئُ صَلَةٌ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ))، وهذه الرواية نص صريح في ركنية
الفاتحة لا تحتمل تأويلاً. وأجاب من قال بعدم فرضية الفاتحة - وهو الحنفية - عن
حديث الباب: بأن المراد بالنفي في قوله: (لَا صَلَاةَ) نفي الكمال، أي: لا صلاة
كاملة. وَرُدَّ هذا الجواب بوجهين :
الأول: أن رواية الدار قطني وغيره بلفظ: ((لاَ تُجْزِئُ صَلاَةٌ لاَ يُقْرَأُ فِيهَا بِفَاتِحَةٍ
الْكِتَابِ)) لا تحتمل تأويلاً، بل هي تبطل تأويلهم هذا إبطالًا صريحًا؛ لأن النفي فيها
نفي الإجزاء - أي: نفي الكفاية - فلا يصح حملها على الكفاية مع نفي الكمال.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ
٤٦٥
EXODE
EX
والثاني: أن النفي في قوله: (لَا صَلَاةَ) إما أن يراد به نفي الحقيقة، أو نفي
الصحة أو نفي الكمال، فالأول حقيقة، والثاني والثالث مجاز، والثاني - أعني :
نفي الصحة - أقرب المجازين إلى الحقيقة، والثالث - أعني: نفي الكمال -
أبعدهما، فحملُ النفي على الحقيقة واجبٌ إن أمكن، وإلا فحمله على أقرب
المجازين واجب ومتعين، ومع إمكان الحقيقة أو أقرب المجازين، لا يجوز حمله
على أبعد المجازين .
قال الشوكاني: الحديث يدل على تعيين الفاتحة في الصلاة، وأنه لا يجزئ
غيرها؛ لأن النفي المذكور في الحديث يتوجه إلى الذات إن أمكن انتفاؤها، وإلا
توجه إلى ما هو أقرب إلى الذات وهو الصحة، لا إلى الكمال؛ لأن الصحة أقرب
المجازين، والكمال أبعدهما، والحمل على أقرب المجازين واجب، وتوجه
النفي هاهنا إلى الذات ممكن كما قال الحافظ في ((الفتح))؛ لأن المراد بالصلاة
معناها الشرعي لا اللغوي، لما تقرر من أن ألفاظ الشارع محمولة على عرفه؛
لكونه بعث لتعريف الشرعيات لا لتعريف الموضوعات اللغوية، وإذا كان المنفي
الصلاة الشرعية استقام نفي الذات؛ لأن المركب كما ينتفي بانتفاء جميع أجزائه
ينتفي بانتفاء بعضها، فلا يحتاج إلى إضمار الصحة ولا الإجزاء ولا الكمال كما
روي عن جماعة؛ لأنه إنما يحتاج إليه عند الضرورة، وهي عدم إمكان انتفاء
الذات، ولو سلم أن المراد هنا الصلاة اللغوية فلا يمكن توجه النفي إلى الذات؛
لأنها قد وجدت في الخارج كما قاله البعض، لكان المتعين توجيه النفي إلى
الصحة أو الإجزاء لا إلى الكمال، أما أولًا فلما ذكرناه، وأما ثانيًا فرواية
الدار قطني المذكورة في الحديث، فإنها مصرحة بالإجزاء فتعين تقديره، انتهى.
وقال الحافظُ: إن سلمنا تعذر الحمل على الحقيقة، فالحمل على أقرب
المجازين إلى الحقيقة أولى من الحمل على أبعدهما، ونفي الإجزاء أقرب إلى نفي
الحقيقة وهو السابق إلى الفهم، ولأنه يستلزم نفي الكمال من غير عكس فيكون
أولى، ويؤيده رواية الإسماعيلي بلفظ: ((لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِفَاتِحَةٍ
الْكِتَابِ))، وأخرجه الدار قطني أيضًا بهذا اللفظ، وله شاهد من حديث أبي هريرة
مرفوعًا بهذا اللفظ، أخرجه ابن خزيمة وابن حبان وغيرهما. ولأحمد من طريق
عبد الله بن سوادة القشيري، عن رجل، عن أبيه مرفوعًا: ((لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ لَا يُقْرَأُ فِيهَا

٤٦٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بِأُمِّ الْقُرْآنِ))، وقال ابن الهمام في ((فتح القدير)) (ج١: ص ١٢٠): وفيه - أي: في
تقدير: كاملة - نظر؛ لأن متعلق المجرور الواقع خبرًا استقرار عام، فالحاصل: لا
صلاة كائنة، وعدم الوجود شرعًا هو عدم الصحة، هذا هو الأصل، بخلاف: ((لاَ
صَلَةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إِلَّ فِي الْمَسْجِدِ .. )) إلخ، ((لَا صَلَاةَ لِلْعَبْدِ الآبِقِ)) فإن قيام الدليل
على الصحة أوجب كون المراد كونًّا خاصًّا أي: كاملة، وعلى هذا فيكون من
حذف الخبر لا من وقوع الجار والمجرور خبرًا، فلذا عدل المصنف عنه إلى الظنية
في الثبوت، وبه لا يثبت الركن؛ لأن لازمه نسخ الإطلاق بخبر الواحد، وهو
يستلزم تقديم الظني على القاطع، وهو لا يحل، فيثبت به الوجوب، فيأثم بترك
الفاتحة ولا تفسد، انتهى.
وقال الشيخ الآلوسي في تفسيره (روح المعاني)) (ج٩: ص٢١٠): ومنها
قوله وَله: ((لَا صَلَاةَ إِلَّ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ)) وهو ظاهر في المقصود؛ إذ التقدير: لا
صلاة صحيحة إلا بها، واعترض بجواز أن يكون التقدير: لا صلاة كاملة، فإنه لما
امتنع نفي مسمى الصلاة لثبوته دون الفاتحة، لم يكن بد من صرفه إلى حكم من
أحكامها، وليس الصرف إلى الصحة أولى من الصرف إلى الكمال. وأجيب: بأنا لا
نسلم امتناع دخول النفي على مسماها؛ لأن الفاتحة إذا كانت جزءًا من ماهية الصلاة
تنتفي الماهية عند عدم قراءتها فيصح دخوله على مسماها، وإنما يمتنع لو ثبت أنها
ليست جزءًا منها، وهو أول المسألة سلمناه، لكن لا نسلم أن صرفه إلى الصحة ليس
أولى من صرفه إلى الكمال، بل هو أولى؛ لأن الحمل على المجاز الأقرب عند تعذر
الحمل على الحقيقة أولى بل واجب بالإجماع، ولا شك أن الموجود الذي لا يكون
صحيحًا أقرب إلى المعدوم من الموجود الذي لا يكون كاملًا، انتهى.
وقال الشيخ أبو الحسن السندي في ((حاشية النسائي)) (ج٢: ص١٣٧) وابن
ماجه (ج١: ص ٢٧٧): ثم قد قرروا أن النفي لا يعقل إلا مع نسبته بين أمرين،
فيقتضي نفي الجنس أمرًا مستندًا إلى الجنس ليستقل النفي مع نسبته، فإن كان ذلك
الأمر مذكور في الكلام فذلك، وإلا يقدر من الأمور العامة كالكون والوجود،
وأما الكمال فقد حقق الكمال ضعفه؛ لأنه مخالف لا يصار إليه إلا بدليل،
والوجود في كلام الشارع يحمل على الوجود الشرعي دون الحسي، فمؤدى
الحديث نفي الوجود الشرعي للصلاة التي لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فتعين نفي

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْقِرَاءَةِ فى الصَّلَاةِ
٤٦٧
FREE
الصحة. وما قاله أصحابنا: أنه من أحاديث الآحاد، وهو ظني لا يفيد العلم، وإنما
يوجب الفعل فلا يلزم منه الافتراض، ففيه: أنه يكفي في المطلوب أنه يوجب
العمل بمدلوله لا بشيء آخر، ومدلوله عدم صحة صلاةٍ لم يُقرأ فيها بفاتحة
الكتاب، فوجوب العمل به يوجب القول بفساد تلك الصلاة وهو المطلوب،
فالحق: أن الحديث يفيد بطلان الصلاة إذا لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، انتهى.
واعلم: أنه قد تأول بعض الحنفية رواية الدار قطني المذكورة، بأن المراد نفي
الإجزاء الكاملة. قال القاري: هو محمول على الإجزاء الكاملة. وقال الشيخ
محمد أنور: لِمَ لا يجوز أن يكون المراد من نفي الإجزاء نفي كمال الإجزاء كما في
قوله: ((ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان)). عند البخاري في الجهاد وفي
المغازي من حديث سهل بن سعد قال: ليجعله نظيرًا لقوله وَله: ((لَا تُجْزِئُ صَلَاةُ
مَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ)).
قلتُ: حمل الإجزاء في رواية الدارقطني على الإجزاء الكامل تحكم صريح،
وادعاء محض، وتعصب بحت، بل هو تحريف للحديث؛ لأنه ليس بعد الإجزاء
إلا البطلان، فلا يجوز حمله على نفي كمال الإجزاء، ولا يصح أن يجعل قول
القائل: مَا أَجْزَأَ مِنَّا الْيَوْمَ أَحَدٌ .. إلخ، في حديث سهل نظيرًا لما في رواية
الدار قطني؛ لأن قوله: كَمَا أَجْزَأَ فُلَانٌ، قرينة صريحة على أن المراد بنفي الإجزاء
فيه نفي إجزاء مخصوص، أي: إجزاء يشبه إجزاء فلان، لا نفي الإجزاء رأسًا،
بخلاف رواية الدارقطني فإنه ليس فيها شيء يشير إلى حمله على الإجزاء
المخصوص، بل فيها نفي الإجزاء مطلقًا من غير تقييد وتخصيص، فحمله على
الإجزاء الكامل تحكم محض ليس عليه أَثَارَةٍ من علم فهو مردود على قائله.
تنبيه:
قد تقدم أن مذهب الحنفية: أن قراءة الفاتحة ليست بفرض بل هي واجبة.
قالوا: الفرض عندنا مطلق القرآن؛ لقوله تعالى: ﴿فَاقْرَهُواْ مَا نَسَرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾
[المزمل: ٢٠]. فقد أمر الله تعالى بقراءة ما تيسر من القرآن مطلقًا، وتقييده بالفاتحة
بالسنة زيادة على النص القرآني، وذا لا يجوز؛ لأنه نسخ فعملنا بالكتاب والسنة
فقلنا: إن أدنى ما يطلق عليه القرآن فرض لكونه مأمورًا به، وقراءة الفاتحة واجبة

٤٦٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
يأثم من يتركها، وتجزئ الصلاة بدونها ولا تفسد.
وأجاب عنه شيخنا في ((شرح الترمذي)): بأن إثبات فرضية مطلق القرآن بهذه الآية
مبني على أن المراد من قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا﴾ قراءة القرآن بعينها وهو ليس بمتفق
عليه بل فيه قولان؛ قال الرازي في تفسيره (ج٨: ص ٣٤٥): فيه قولان: الأول: أن
المراد من هذه القراءة الصلاة، أي: فصلوا ما تيسر عليكم. والقول الثاني: أن
المراد قراءة القرآن بعينها، انتهى. وهكذا في عامة كتب التفسير، والقول الثاني فيه
بُعد عن مقتضى السياق. قال الشيخ الآلوسي البغدادي في تفسيره (ج٩: ص٢٠٩):
أي: فصلوا ما تيسر لكم من صلاة الليل، عبر عن الصلاة بالقراءة كما عبر عنها
بسائر أركانها. وقيل: الكلام على حقيقته من طلب قراءة القرآن بعينها، وفيه بُعد
عن مقتضى السياق، انتهى كلامه. فلما ظهر أن في قوله تعالى: ﴿فَاقْرَهُ واْ مَا تَسَّرَ مِنَ
اُلْقُرْءَانِ﴾ [المزمل: ٢٠] القولين المذكورين، وأن القول الثاني فيه بُعد، لاح لك أن
الاستدلال به على فرضية مطلق القراءة غير صحيح، ولو سلمنا أن المراد هو القول
الثاني - أعني: قراءة القرآن بعينها - فحديث الباب مشهور بل متواتر، قال الإمام
البخاري في جزء القراءة (ص٤): تواتر الخبر عن رسول اللّه وَالَ: ((لَا صَلاَةَ إِلَّا
بِقَرَاءَةٍ أُمِّ الْقُرْآنِ))، والزيادة بالحديث المشهور جائز عند الحنفية على أن قوله
تعالى: ﴿فَاقْرَءُواْ مَا تَبَشَّرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾ عام مخصوص منه البعض فهو ظني، فلا يدل
على فرضية مطلق القراءة، ويجوز تخصيصه ولو بالآحاد.
قال الملاجيون في ((تفسيره)): ثم أقل القراءة فرضًا عندنا آية واحدة طويلة كآية
، وهذا هو الأصح.
الكرسي وغيرها، أو ثلاث آيات قصيرة ك﴿ مُدْهَآَمَتَانِ
وقيل : إنه واحدة، طويلة كانت أو قصيرة، وذلك مما لا يعتد به، ينادي علیه كتب
الفقه. وعلى كل تقدير: يكون ما دون الآية مخصوصًا من هذا العام، فيكون العام
ظنيًّا، فينبغي أن لا يدل على فرضية القراءة، وأن يعارضه الحديث حجة للشافعي،
انتهى كلامه. وأما ما قيل: من أن ما دون الآية لا يسمى قراءة القرآن عرفًا،
والعرف قاض على الحقيقة اللغوية، فهذا دعوى لا دليل عليها، ويلزم أن يكون
﴿4﴾ [الرحمن: ٦٤] التي هي كلمة واحدة قراءة القرآن، ولا يكون أكثر آية
مُدْهَآمَتَانِ
المداينة التي هي كلمات كثيرة قراءة القرآن، وهذا كما ترى، وأيضًا يلزم منها أنه
لو قرأ أحد نصف آية المداينة في الصلاة لا تجوز، وعامة الحنفية على جوازها.

٤٦٩
كِتَابُ الصَّلَاةِ
EXE
بَابُ الْقِرَاءَةِ في الصَّلَاةِ
قال ابن الهمام في ((فتح القدير)): ولو قرأ نصف آية المداينة، قيل: لا يجوز لعدم
الآية، وعامتهم على الجواز، انتهى. قلتُ: وقد رد أيضًا الشيخ محمد أنور
استدلال الحنفية بقوله: ﴿فَقْرَءُواْ مَا تَبَتَرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾ على فرضية مطلق القرآن،
حيث قال: ما زعمه الحنفية من أن المراد من النص - أي: قوله تعالى: ﴿فَقْرَهُ وأَمَا
تَسَّرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾ - القراءة مطلقًا ولو بآية مرجوح؛ لأن المراد منه ما تفعله الأمة
الآن، أي: الفاتحة مع السورة، وإلا يلزم حمل القرآن على الكراهة ودرجها في
النظم. نعم، كون هذا المراد مرادًا بالنص ظني، ولذا كانت قراءة الفاتحة مع
السورة واجبة. وقال: إن الله تعالى لما علم الاستثقال عليه في القيام بالليل رخص
لهم أن لا يطولوه كما كانوا يفعلونه في الليل كله أو أكثره، بل لهم أن يقوموه حسب
ما تيسر لهم، فهذا تيسير في حصص الليل لا في الفاتحة كما فهموه، انتهى.
تنبيه آخر:
قد استدل بحديث عبادة على فرضية قراءة الفاتحة على المقتدي، وهو استدلال
صحيح؛ لأن لفظ: (مَنْ)) فيه من ألفاظ العموم، فهو شامل للمأموم قطعًا كما هو
شامل للإمام والمنفرد، ولم يرد دليل على تخصيصه بمصل دون مصل. قال ابن
عبد البر في ((التمهيد)): وقال آخرون: لا يترك أحد من المأمومين قراءة فاتحة
الكتاب فيما جهر الإمام بالقراءة؛ لأن قول رسول اللّه ◌َ له: (لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأُ
بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ)) عام لا يخصه شيء؛ لأن رسول اللّه ◌َ ل لم يخص بقوله ذلك مصليًا
من مصلٍّ، انتهى.
وقال الكرماني في ((شرح صحيح البخاري)): وفي الحديث دليل على أن قراءة
الفاتحة واجبة على الإمام والمنفرد والمأموم في الصلوات كلها، انتهى. ولأن لفظ
صلاة في قوله: (لَا صَلَاةَ) عام فيشمل كل صلاة فرضًا كانا أو نفلاً، سرية كانت أو
جهرية، صلاة الإِمام كانت، أو صلاة المأموم، أو صلاة المنفرد.
قال الحافظ في ((الفتح)) تحت حديث عبادة: واستدل به على وجوب قراءة
الفاتحة على المأموم سواء أسر الإمام أم جهر؛ لأن صلاته صلاة حقيقة فتنتفي عند
انتفاء القراءة، انتهى. وتخصيص من خص هذا الحديث بالإمام والمنفرد مما لا
يلتفت إليه؛ لأن لا دليل على هذا التخصيص لا من كتاب ولا من سنة، وقول

٤٧٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
رسول اللَّه ◌َ له لا يخص إلا بدليل من الكتاب والسنة، ولا يجوز تخصيصه بقول
أحد كائناً من كان. قال الخطابي بعد ذكر ما رواه أبو داود عن عبادة يبلغ به
النبيِ وَّه قال: ((لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَصَاعِدًا))، قال سفيان لمن
يصلي وحده ما لفظه: قلت: هذا عموم لا يجوز تخصيصه إلا بدليل، انتهى.
وقيل: أراد سفيان بذلك قوله: ((فَصَاعِدًا)) كأنه خص ما يفهم منه من قراءة ما زاد
على الفاتحة بالفذ والمنفرد، ويؤيده الأحاديث التي فيها المنع للمأموم من قراءة
غير الفاتحة. وأما الاستدلال على التخصيص بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ
فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] وبقوله عليه السلام: ((وَإِذَا قُرِئَ فَأَنْصِتُوا))، وبما
روي: ((مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَإِنَّ قِرَاءَتَهُ لَهُ قِرَاءَةٌ» فسيأتي الجواب عنه.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه
وغيرهم. وأخرجه البيهقي في كتاب ((القراءة)) بلفظ: ((لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةٍ
الْكِتَابِ خَلْفَ الْإِمَام)) قال: إسناده صحيح، والزيادة التي فيه صحيحة مشهورة من
أوجه كثيرة. (وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِم) والنسائي من طريق معمر عن الزهري. (لِمَنْ لَمْ
يَقْرَأُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ) سميت بها؛ لكونها أصلًا ومنشًأ له، إما لمبدئيتها له، وإما
لاشتمالها على ما فيه من الثناء على اللَّه ◌َ، والتعبد بأمره ونهيه، وبيان وعده
ووعيده، أو على جملة معانيه من الحكم النظرية والأحكام العملية. (فَصَاعِدًا) من
الصعود وهو الارتفاع من سفل إلى علو، والصاعد اسم فاعل منه، ومعنى الصاعد
هنا: الزائد، وهو منصوب على الحال بفعل واجب الإضمار، أي: فصعد القراءة
صاعدًا، يقال: أخذته بدرهم فصاعدًا، نصب صاعدًا في قولهم هذا على الحال،
وحذف صاحب الحال والعامل فيه تخفيفًا لكثرة الاستعمال، والتقدير: أخذته
بدرهم فذهب الثمن صاعدًا، فالثمن صاحب الحال، والفعل الذي هو ((ذهب))
العاملُ في الحال.
قال في ((الحاشية العصامية على الفوائد الضيائية)): قوله: ويجب حذف
العامل ... إلخ. وكذا في حال تبين ازدياد ثمن أو غيره مما دخله الفاء أو ثم؛
نحو: بعته بدرهم فصاعدًا، وقرأت جزءًا من القرآن فصاعدًا، أي: فذهب القراءة
في الصعود يعني: ذهبت القراءة الزائدة، وبنحوه ذكر الرضي في ((شرح الكافية))
(ص١٥٣)، وسيبويه في ((الكتاب)) (ج١: ص١٤٧) وهذا اللفظ لا يتغير سواء كان

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ
٤٧١
حالاً من مذكر أو مؤنث، وتقدير الكلام: لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن فقط، أو
بأم القرآن في حال كون قراءته زائدة على أم القرآن. والمراد: أن أقل ما تجزئ به
الصلاة، وأدنى ما يترتب عليه الجواز الفاتحة، فإن زاد فهو حسن. وقيل:
(فصاعدًا) صفة وقعت مقام المصدر. كما تقول: قم قائمًا، وقع قائمًا موضع
قيامًا، وعلى هذا (فصاعدا) منصوب على أنه مفعول مطلق لفعل مقدر، أي : اصعد
صاعدًا، أي: إلى ما عدا أم القرآن، يعني: اقرأ قراءة زائدة على الفاتحة لكن الأمر
بقراءة ما زاد على الفاتحة ليس للوجوب؛ لما سيأتي من الأحاديث الدالة على عدم
وجوب ما زاد، والفاء في هذه الصورة زائدة لكنها لازمة؛ لأنه لم ترد هذه الكلمة
في لغة العرب إلا بالفاء أو بثم، وفي الصورة الأولى عاطفة، والعطف لا يقتضي
التشريك من كل الوجوه، فهو من عطف غير الواجب على الواجب، والمقصود
حصر صحة الصلاة في الفاتحة، سواء كان معها سورة أخرى أو لا . وقيل: تقدير
الكلام: فما كان صاعدًا فهو أحسن، وعلى هذا ((صَاعِدًا)) خبر لكان المحذوف.
قال بعض الحنفية: قوله: (فَصَاعِدًا) يدل على أن قراءة ما زاد على الفاتحة من
السورة واجبة في الصلاة، وعند الجمهور ليس هذا الحكم إلا لمن كان إمامًا أو
يصلي وحده، لا على المأموم. فكذلك يحمل حكم قراءة الفاتحة عليهما لا على
المأموم، ويؤيده ما روى أحمد وغيره عن أبي هريرة، أن النبي وَّ أمره أن يخرج
فينادي: (لَا صَلَاةَ إِلَّا بِقِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَمَا زَادَ))، وأخرج أبو داود وغيره عن أبي
سعيد، قال: أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر، انتهى. قلتُ: الاستدلال
بقوله: (فَصَاعِدًا) على وجوب ما زاد على الفاتحة، وجعله قرينة لحمل قوله: (لَا
صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ) على الإمام والمنفرد خاصة دون المقتدي، لیس
بصحيح، فإن هذه الزيادة معلولة؛ قال في ((التلخيص)) (ص٨٧): قال ابن حبان:
تفرد بها معمر عن الزهري، وأعلها البخاري في جزء القراءة، انتهى.
قلتُ: قال البخاري في ((جزء القراءة)) (ص٢): عامة الثقات لم يتابع معمرًا في
قوله: (فَصَاعِدًا) وقوله: (فَصَاعِدًا) غير معروف. ويقال: إن عبد الرحمن بن
إسحاق تابع معمرًا، وأن عبد الرحمن ربما روى عن الزهري، ثم أدخل بينه وبين
الزهري غيره، ولا نعلم أن هذا من صحيح حديثه أم لا. وقال (ص١٧): وليس
هذا - يعني: عبد الرحمن بن إسحاق - ممن يعتمد على حفظه إذا خالف من ليس

٤٧٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بدونه، وقال إسماعيل بن إبراهيم: سألت أهل المدينة عن عبد الرحمن فلم يُحْمَدْ
مع أنه لا يعرف له بالمدينة تلميذًا، إلا أن موسى الزمعي روى عنه أشياء في عدة
منها اضطراب، انتهى. وأما ما ذكر من متابعة سفيان بن عيينة عن الزهري، عند أبي
داود. ففيه: أن هذا الحديث من هذا الطريق - أعنى: من طريق سفيان بن عيينة عن
الزهري - أخرجها البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه والدار قطني
وابن أبي شيبة وأبو عوانة وغيرهم، لكن ليس في رواية واحد منهم هذه الزيادة،
وأيضًا قد روى البخاري في ((جزء القراءة)) حديث عبادة من طريق سفيان، ثم ذكر
زيادة معمر هذه، وقال: عامة الثقات لم يتابع معمرًا في قوله: (فَصَاعِدًا)، فهذا
يدل على أن هذه الزيادة لم يعرفها البخاري في رواية سفيان، فالظاهر أن زيادة
قوله: (فَصَاعِدًا) في رواية سفيان وَهْمٌ من أبي داود أو ممن فوقه؛ بأن أدرج زيادة
معمر في رواية سفيان، ولا بُعد فيه؛ فإن الثقة قد يَهِمْ. وأما ما قيل: من أن زيادة
قوله: (فَصَاعِدًا) زيادة ثقة غير منافية لمن هو أوثق منه فتقبل. ففيه: أن قبول الزيادة
من الثقة ليس مجمعًا عليه بل فيه خلاف مشهور، فمن الناس من يقبل زيادة الثقة
مطلقًا، ومنهم من لا يقبلها .
قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (ج١: ص٣٣٦): والصحيح التفصيل؛ وهو أنها
تقبل في موضع دون موضع، ومن حكم في ذلك حكمًا عامًا فقد غلط، بل كل
زيادة لها حكم يخصها، ففي موضع يجزم بصحتها، وفي موضع يغلب على الظن
صحتها، وفي موضع يجزم بخطئها؛ كزيادة معمر ومن وافقه قوله: ((وَإِنْ كَانَ مَائِعًا
فَلاَ تَقْرَبُوهُ)) وإن كان معمر ثقة، فإن الثقة قد يغلط، وفي موضع يغلب على الظن
خطؤها؛ كزيادة معمر في حديث ماعز الصلاة عليه، رواها البخاري في
((صحيحه))، وسئل: هل رواها غير معمر؟ فقال: لا. وقد رواه أصحاب السنن
الأربعة عن معمر وقال فيه: ولم يصل عليه. فقد اختلف على معمر في ذلك،
والراوي عن معمر هو عبد الرزاق، وقد اختلف عليه أيضًا، والصواب أنه قال:
ولم يصل عليه. وفي موضع يتوقف في الزيادة كما في أحاديث كثيرة، انتهى كلام
الزيلعي مختصرًا. ومما يجب التنبيه عليه أن الاطلاع على وهم الثقة وخطئه،
والحكم بكون الزيادة من الثقة صحيحة في موضع، وخطأ ووهمًا في موضع،
وكذا التوقف في أمرها في موضع، ليس إلا من شأن البخاري وأمثاله ممن

كِتَابُ الصَّلَاةِ
*
بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ
٤٧٣
EXESE
رزقهم الله فهمًا ثاقبًا، وحفظًا واسعًا، ومعرفة تامة بمراتب الرواة، وملكة قوية
بالأسانيد والمتون، فلا يقبل في ذلك إلا قول البخاري، ومن كان من أهل هذا
الشأن كـ: علي بن المديني، وأحمد بن حنبل، وأبي زرعة، والدار قطني وأبي حاتم
وأمثالهم. وإذا كان الأمر كذلك فكون زيادة قوله: (فَصَاعِدًا) معلولة غير
صحيحة، هو الراجح بل هو المتعين. ولو سلم صحتها فليست فيها دلالة على أن
قراءة ما زاد على الفاتحة واجبة. قال الحافظ في ((الفتح)): استدل به على وجوب
قدر زائد. وتعقب: بأنه ورد لدفع توهم قصر الحكم على الفاتحة. قال البخاري
في ((جزء القراءة)): هو نظير قوله: ((تُقْطَعُ الْيَدُ فِي رُبْع دِينَارٍ فَصَاعِدًا))، انتهى.
يعني: أن قوله: ((فَصَاعِدًا)) لبيان أدنى ما يترتب عليه الحكم مع شموله على فائدة
أخرى؛ وهي دفع توهم قصر الحكم على ما قبله؛ فكما أن ربع الدينار أدنى ما تقطع
به اليد، كذلك قراءة الفاتحة أدنى ما تجزئ به الصلاة، ولا يقتصر حكم صحة
الصلاة على الفاتحة، بل تصح الصلاة في صورة الزيادة على الفاتحة أيضًا.
وقال المظهر: قوله: (فَصَاعِدًا) أي: فزائدًا، وهو منصوب على الحال، أي: لا
صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن فقط، أو بأم القرآن حال كون قراءته زائدة على أم
القرآن، انتهى. وهذا يدل على أنه فهم منه التخيير فيما زاد على الفاتحة. وقال
الشيخ عبد الحق الدهلوي في ((أشعة اللمعات) في تفسير قوله: (فَصَاعِدًا): بس
بخواند فوق فاتحة وزيادة برآن، يعني: فاتحة البتة مي بايد خواند، ومقتصر بر
فاتحة هم نيست، واکر یزي زیادہ کند نیز درست است(*)، انتهى.
وقال السندي في ((حاشية النسائي)): لعلهم - أي: الذين ذهبوا إلى عدم وجوب
ما زاد على الفاتحة - يحملونه على معنى: فما كان صاعدًا فهو أحسن، والله
أعلم. وقال صاحب ((العرف الشذي)) (ص١٤٥): زعم الأحناف مراد الحديث
وجوب الفاتحة ووجوب ضم السورة، ولكنه يخالف اللغة، فإن أرباب اللغة
متفقون على أن ما بعد الفاء يكون غير ضروري، وصرح به سيبويه في باب
الإضافة، انتھی.
(*) يعنى: أنه يقرأ فوق الفاتحة وزيادة عليها. أي: ليقرأ الفاتحة البتة، ولا يقتصر عليها فقط؛ بل إن زاد
عليها شيئًا يجوز. (أبو القاسم).

٤٧٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ومما يدل على كون قوله: (فَصَاعِدًا) لدفع توهم قصر الحكم وعدم وجوب ما
زاد، ما روى ابن أبي شيبة عن عائشة مرفوعًا: ((لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ
وَآيَتَيْنِ فَصَاعِدًا))، وعن عمران بن حصين قال: لا يجوز صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة
الكتاب وآيتين فصاعدًا. وروى ابن عدي عن ابن عمر: لا تجزئ المكتوبة إلا
بفاتحة الكتاب وثلاث آيات فصاعدًا. كذا في ((كنز العمال)) (ج٤: ص٩٦). وهذه
الروايات، وإن كانت ضعيفة لكنها تؤيد ما تقدم من أن قوله: (فصاعدًا) لدفع توهم
قصر الحكم على ما قبله، وأنه ليس فيه دلالة على وجوب ما زاد على الفاتحة. وأما
حديث أبي هريرة بلفظ : ((لاَ صَلاَةَ إِلاَّ بِقِرَاءَةٍ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَمَا زَادَ)) فهو ضعيف؛
فإن مداره على جعفر بن ميمون. وقال أحمد فيه: ليس بقوي في الحديث. وقال
ابن معين: ليس بذلك. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال البخاري: ليس بشيء.
وذكره يعقوب بن سفيان في باب من يرغب عن الرواية عنهم. وقال العقيلي في
روايته عن أبي عثمان، عن أبي هريرة في الفاتحة: لا يتابع عليه. وأما حديث أبي
سعيد بلفظ: أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر. فقد صحح الحافظ سنده في
((الفتح)) و((التلخيص)) لكن فيه نظر؛ لأن فيه قتادة وهو مدلس، وهو روى الحديث
عن أبي نضرة بالعنعنة، فإن كان روايته عنه عند غير أبي داود بالتحديث فهي
صحيحة، وإلا ففي صحتها نظر.
قال البخاري في ((جزء القراءة»: روى همام، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي
سعيد، قال: أمرنا نبينا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر، ولم يذكر قتادة سماعًا من
أبي نضرة في هذا، انتهى. وأيضًا قد عارض حديثي أبي هريرة وأبي سعيد ما رواه
الحاكم عن عبادة مرفوعًا: ((أُّ الْقُرْآنِ عِوَضٌ عَنْ غَيْرِهَا، وَلَيْسَ غَيْرُهَا عِوَضًا مِنْهَا»،
ذكره الحافظ في ((التلخيص)). قال: وله شواهد فساقها. وما رواه ابن خزيمة عن
ابن عباس، أن النبي وَليّقام فصلى ركعتين، لم يقرأ فيهما إلا بفاتحة الكتاب. ذكره
الحافظ في ((الفتح)). وما رواه البخاري في (صحيحه)) عن أبي هريرة يقول: في كل
صلاة يقرأ، فما أسمعنا رسول اللَّه و ليرأسمعناكم، وما أخفى عنَّا أخفينا عنكم، وإن
لم تزد على أم القرآن أجزأت، وإن زدت فهو خير، انتهى. وعلى هذا فلا يصح
الاستدلال بقوله: ((وَمَا زَادَ وَمَا تَيَسَّرَ)) على وجوب قراءة ما زاد على الفاتحة، ولا
يكون هو قرينة لحمل حكم قراءة الفاتحة للإمام والمنفرد دون المقتدي.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْقِرَاءَةِ في الصَّلَاةِ
٤٧٥
واعلم: أنه ضم السورة مع الفاتحة ليس بواجب عند الجمهور بل هو مستحب.
قال الشيخ سلام الله الدهلوي في المحلى شرح ((الموطأ)): قال الجمهور: إن ضم
السورة بعد الفاتحة سنة، وبه قال الشافعي، ومالك، وأحمد، انتهى. وقال
الحافظ في ((الفتح)): وفيه - أى: في حديث أبي هريرة: ((وَإِنْ لَمْ تَزِدْ عَلَى أُمِّ الْقُرْآنِ
أَجْزَأَتْ ... )) إلخ استحباب السورة أو الآيات مع الفاتحة، وهو قول الجمهور في
الصبح والجمعة والأوليين من غيرهما، وصح إيجاب ذلك عن بعض الصحابة وهو
عثمان بن أبي العاص، إلخ. وبهذا ظهر أن ما تقدم من بعض الحنفية نسبة القول
بوجوب ما زاد على الفاتحة من السورة إلى الجمهور ليس بصحيح.
٨٢٩ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ: ((مَنْ صَلَّى
صَلَّةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ - ثَلَاثًا - غَيْرُ تَمَام)) فَقِيلَ لِأَّبِي
هُرَيْرَةَ: إِنَّا نَكُونُ وَرَاءَ الْإِمَامِ. قَالَ: اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ
رَسُولَ اللَّهِ وَلَيهِ يَقُولُ: ((قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي
نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ
٢
◌ِ﴾ قَالَ اللَّهُ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿الََّنِ الرَّحَـ
قَالَ اللَّهُ
تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿مِلِكِ يَوْمِ الدِّيْنِ
تَعَالَى: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ
اُلْمُسْتَقِيمَ
صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا
قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ)).
الضَّالِّينَ
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}.
الشَّرْحُ
٨٢٩- قوله: (مَنْ صَلَّى) إمامًا كان، أو مأمومًا، أو منفردًا (صَلَاةً) جهرية
(٨٢٩) مُسْلِم (٣٨/ ٣٩٥)، وَأَبُو دَاوُد (٨٢١)، والتِّرْ مِذِي (٢٩٥٣)، والنَّسَائِي (٢/ ١٣٥)، وابن ماجَهْ
(٨٣٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهَا.

٤٧٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
كانت أوسرية، فريضة أو نافلة. (لَمْ يَقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ) أي: فاتحة الكتاب.
(فَهِيَ) أي: صلاته. (خِدَاجٌ) بكسر الخاء المعجمة، أي: ناقص نقص فساد
وبطلان. قال المناوي في ((شرح الجامع الصغير)): أي ذات خداج - بكسر الخاء -
مصدر خدجت الناقة، إذا ألقت ولدها ناقصًا فلا تصح، فاستعير للناقص، أي :
فصلاته ذات نقصان، أو خديجة، أي: ناقصة نقص فساد وبطلان، انتهى.
وقال العزيزي: فهي خداج - بكسر المعجمة - أي: فصلاته ذات نقصان نقص
فساد وبطلان، فلا تصح الصلاة بدونها ولو لمقتدٍ عند الشافعي وجمهور العلماء.
وقال الزمخشري في ((أساس البلاغة)): ومن المجاز خدج الرجل فهو خادج إذا
نقص عضو منه، وأخدجه الله فهو مخدج، وكان ذو الثدية مخدج اليد، وأخدج
صلاته نقص بعض أركانها، وصلاتي مخدجة وخادجة وخداج وصفًا بالمصدر،
انتهى. وقال الخطابي في ((معالم السنن)) (ج١: ص٢٠٣): (فهي خداج) معناه
ناقصة نقص فساد وبطلان، تقول العرب: أخدجت الناقة إذا ألقت ولدها وهو دم
لم يستبن خلقه فهي مخدج، والخداج اسم مبني منه، انتهى. وقال البخاري في
((جزء القراءة)): قال أبو عبيد: أخدجت الناقة إذا أسقطت، والسقط ميت لا ينتفع
به، انتھی .
وقال الجزري: الخداج النقصان، يقال: خدجت الناقة إذا ألقت ولدها قبل
أوانه وإن كان تام الخلق، وأخدجته إذا ولدته ناقص الخلق، وإن كان لتمام
الحمل، انتهى. وقال جماعة من أهل اللغة: خدجت (كنصر وضرب)، وأخدجت
إذا ألقت ولدها قبل أوانه لغير تمام أيام الحمل، وإن كان تام الخلق.
قلتُ: والمراد من إلقاء الناقة ولدها لغير تمام الحمل وإن تم خلقه إسقاطها،
والسقط ميت لا ينتفع به كما عرفت، فظهر من هذا كله أن المراد من قوله:
(خِدَاجٌ) نقصان الذات، أعني: نقصان الفساد والبطلان، ويدل عليه ما رواه
البيهقي في ((كتاب القراءة)) عن أبي هريرة مرفوعًا: ((لَا يُجْزِئُ صَلَاَةٌ لَا يُقْرَأُ فِيْهَا
بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ))، قلتُ: فإن كنت خلف الإمام؟ قال: فأخذ بيدي وقال: اقرأ في
نفسك يا فارسي قال البيهقي: رواه ابن خزيمة عن محمد بن یحیی محتجًّا به علی
أن قوله في سائر الروايات: ((فَهِيَ خِدَاجٌ)) المراد به: النقصان الذي لا تجزئ معه،
انتھی .

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ
٤٧٧
قال ابن عبد البر في ((الاستذكار)): في حديث أبي هريرة هذا من الفقة إيجاب
القراءة بالفاتحة في كل صلاة، وأن الصلاة إذا لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي
خداج، والخداج النقصان والفساد، من ذلك قولهم: أخدجت الناقة، إذا ولدت
قبل تمام وقتها وقبل تمام الخلقة، وذلك نتاج فاسد.
وقال الأخفش: خدجت الناقة إذا ألقت ولدها لغير تمام، وأخدجت إذا قذفت به
قبل وقت الولادة، وإن كان تام الخلق، وقد زعم من لم يوجب قراءة الفاتحة في
الصلاة أن قوله: (خِدَاجٌ) يدل على جواز الصلاة؛ لأنه النقصان، والصلاة الناقصة
جائزة، وهذا تحكم فاسد، والنظر يوجب في النقصان أن لا تجوز معه الصلاة؛
لأنها صلاة لم تتم، ومن خرج من صلاته قبل أن يتمها فعليه إعادتها تامة كما أُمِرَ،
ومن ادعى أنها تجوز مع إقرار بنقصها فعليه الدليل؛ ولا سبيل له إليه من وجه يلزم،
انتهى. (ثَلَاثًا) أي: قالها ثلاثًا. (غَيْرُ تَمَام) بیان (خداج) أو بدل منه، وقيل تأكید.
قال الزرقاني: فهو حجة قوية على وجوب قراءتها في كل الصلاة، انتهى.
قلتُ: قوله (غَيْرُ تَمَام) يدل على تعين الفاتحة في الصلاة، وأنها لا يجزئ
غيرها، ولا يقوم مقامهاً قراءة غيرها من القرآن؛ لأن لفظ التمام يستعمل في
الإجزاء، ويطلق بحسب الوضع على بعض ما لا تتم الحقيقة إلا به، ففيه دليل على
كون الفاتحة من أجزاء الصلاة وأركانها. (فَقِيلَ لِأَّبِي هُرَيْرَةَ) القائل هو أبو السائب
عبد الله بن السائب الأنصاري الراوي للحديث عن أبي هريرة، ففي رواية قال -
أي: أبو السائب: قلتُ: يا أبا هريرة! (إِنَّا نَكُونُ وَرَاءَ الْإِمَام) أي: فهل نقرأ أم لا؟
قال: (اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ) أي: سرًّا غير جهر، قاله القاري.
وقال الباجي: أي: بتحريك اللسان بالتكلم وإن لم يسمع نفسه. رواه سحنون
عن ابن القاسم، قال: ولو أسمع نفسه يسيرًا لكان أحب إلى، انتهى. وقال البيهقي
في ((كتاب القراءة)) (ص١٧): المراد بقوله: (اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ) أن يتلفظ بها سرًّا
دون الجهر بها، ولا يجوز حمله على ذكرها بقلبه دون التلفظ بها؛ لإجماع أهل
اللسان على أن ذلك لا يسمى قراءة، ولإجماع أهل العلم على أن ذكرها بقلبه دون
التلفظ بها ليس بشرط ولا مسنون، فلا يجوز حمل الخبر على ما لا يقول به أحد،
ولا يساعده لسان العرب، انتهى. وقال النووي: معناه اقرأ سرًّا بحيث تسمع

٤٧٨
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
نفسك، وأما ما حمله بعض المالكية وغيرهم أن المراد تدبر ذلك وتذكره، فلا
يقبل؛ لأن القراءة لا تطلق إلا على حركة اللسان بحيث يسمع نفسه، ولهذا اتفقوا
على أن الجنب لو تدبر القرآن بقلبه من غير حركة لسانه لا يكون قارئًا مرتكبًا لقراءة
الجنب المحرمة، انتهى.
وقال الشيخ عبد الحق الدهلوي في ((أشعة اللمعات)): (اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ)
بخواني فاتحة را بس أمام نيز، أما آهسته جنانجه بشنوائي خودرا(*)، انتهى.
قلتُ: حقيقة القراءة في النفس هي القراءة سرًّا من غير جهر، قال تعالى: ﴿وَاذْكُر
رَّبَّكَ فِى نَفْسِكَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]. قال السيوطي: أي سرًّا. قال الجمل: أي أسمع
نفسك. وقال في ((الهداية)): إلا أن يقرأ الخطيب قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
صَلُّواْ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦] الآية، فيصلي السامع في نفسه، انتهى. قال في ((الكفاية)):
قوله: فيصلي السامع في نفسه أي: فيصلي بلسانه خفيًّا، انتهى.
واعلم أنه قال بعض الحنفية: أن المراد بالقراءة في النفس: أن يقرأ على وجهه
وعلى حياله، لا معاملة له مع غيره، ولا يقصد إسماعه، ويكون أمير نفسه، يقرأ
لنفسه، يعني: يقرأ حال كونه منفردًا وفذًّا لا مأمومًا. وتعقب: بأن حقيقة القراءة
في النفس، إنما هي الإسرار بالقراءة لا غير، وهو الذي فهمه مالك كما يظهر من
تبويبة في ((الموطأ)) على هذا الحديث، وأما ما ذكره هذا البعض فهو معنى لنفسه لا
في نفسه، ولذلك لم يخطر ما قاله هذا البعض ببال أحد ممن تقدم قبله من شراح
الحديث وأصحاب المذاهب مع تداول الحديث وشهرته فيما بينهم، قال النووي:
قول أبي هريرة هذا يؤيد وجوب الفاتحة على المأموم، انتهى.
وقال شيخنا في ((أبكار المنن)) (ص١٣٩/ ٣٠٨): وفي رواية أبي عوانة: فقلت
لأبي هريرة: فإني أسمع قراءة القرآن. فغمزني بيده فقال: يا فارسي، أو ابن
الفارسي؛ اقرأ بها في نفسك. وفي رواية للبخاري في ((جزء القراءة)) قلتُ: يا أبا
هريرة، كيف أصنع إذا كنت مع الإمام وهو يجهر بالقراءة؟ قال: ويلك يا فارسي!
اقرأ بها في نفسك. وكذلك في رواية للبيهقي في ((جزء القراءة))؛ فظهر بهذه
الروايات أن أبا هريرة كان يفتي بعد وفاة النبي ◌َّ بقراءة الفاتحة خلف الإمام في
(*) معناه: اقرأ الفاتحة خلف الإمام أيضًا، إما سرًّا حيث تسمع نفسك. (أبو القاسم).

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ
٤٧٩
جميع الصلوات سرية كانت أو جهرية، وفي إفتائه بهذا دلالة واضحة على أن
حديثه: ((مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأُ [فيها] بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ)) باق على عمومة،
شامل للإمام والمأموم والمنفرد؛ لأن راوي الحديث أعرف بالمراد منه من غيره،
انتھی .
(فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَلِهِ يَقُولُ) هذا استدلال من أبي هريرة على ما أفتى به
من القراءة للمأموم، وعدول إلى الحديث الآتي لبيان دليل آخر على وجوب
الفاتحة. (قَالَ اللهُ تعالى: قَسَمْتُ) بصيغة المتكلم. (الصَّلَاةَ) بالنصب على
المفعولية، قال العلماء: المراد بالصلاة هنا: الفاتحة، سميت بذلك؛ لأنها لا
تصح إلا بها؛ كقوله وَالَ: ((الْحَجُّ عَرَفَةُ))، ففيه دليل على وجوبها بعينها في
الصلاة، والمراد قسمتها من جهة المعنى؛ لأن نصفها الأول تحميد لله تعالى
وتمجيده، وثناء عليه، وتفويض إليه، والنصف الثاني سؤال وطلب وتضرع
وافتقار، قاله النووي. وقال السندي: وجه الاستدلال - أي: على افتراض قراءة
الفاتحة - هو أن قسمة الفاتحة جعلت قسمة للصلاة، واعتبرت الصلاة مقسومة
باعتبارها، ولا يظهر ذلك إلا عند لزوم الفاتحة فيها، انتهى.
وقال الخطابي في ((المعالم)) (ج١: ص٢٠٣): المراد بالصلاة: القراءة، يدل
على ذلك قوله عند التفسير له والتفصيل للمراد منه ((إِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿اُلْحَمْدُ لِلَّهِ
رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾، يَقُولُ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي))، إلى آخر السورة، وقد تسمى القراءة
صلاة لوقوعها في الصلاة، وكونها جزءًا من أجزائها؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ
بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَفِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] قيل: معناه القراءة. وقال: ﴿وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ إِنَّ
قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] أراد صلاة الفجر فسمى الصلاة مرةً قرآنًا
والقرآن مرةً صلاةً؛ لانتظام أحدهما الآخر، يدل على صحة ما قلناه قوله: ((بَيْنِي
وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنٍ)) والصلاة خالصة لله لا شرك فيها لأحد، فعقل أن المراد به
القراءة، وحقيقة هذه القسمة منصرفة إلى المعنى، لا إلى متلو اللفظ؛ وذلك أن
السورة من جهة المعنى نصفها ثناء ونصفها مسألة ودعاء، وقسم الثناء ينتهي إلى
قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ وهو تمام الشطر الأول من السورة، وباقي الآية وهو
قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسَتَعِينُ﴾ من قسم الدعاء والمسألة، ولذلك قال: وهذه الآية
بيني وبين عبدي. ولو كان المراد به قسم الألفاظ والحروف لكان نصف الآخر يزيد