النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
التسميع ذكر النهوض والرفع، والتحميد ذكر الاعتدال، واستدل به على أنه يشرع
الجمع بين التسميع والتحميد لكل مصل من إمام، ومنفرد، ومؤتم؛ إذ هو حكاية
لمطلق صلاته وَ الخير، وإن كان يحتمل أنه حكاية لصلاته وَ له إمامًا؛ لكون ذلك هو
الأكثر الأغلب من أحواله، إلا أنه لو فرض هذا فإن قوله ◌َّله: ((صَلَّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي
أُصَلِّي)) أمر لكل مصل أن يصلي كصلاته ◌ّ من إمام ومنفرد ومؤتم، ثم إن هذا
الحديث مفسر للأحاديث التي فيها: كان يكبر في کل خفض ورفع.
(ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي) بفتح أوله وكسر ثالثه، أي: حين يسقط ساجدًا. وفيه: أن
التكبير ذكر الهوي فيبتدئ به من حين يشرع في الهوي بعد الاعتدال. (ثُمَّ يَفْعَلُ
ذَلِك) أي: جميع ما ذكر ما عدا التكبيرة الأولى التي للإحرام. (فِي الصَّلَاةِ كُلُّهَا)
أي: جميع ركعاتها. (حَتَّى يَقْضِيَهَا) أي: يتمها ويؤديها .
والحديث: يدل على إتمام التكبير بأن يوقع في كل خفض ورفع مع التسميع في
الرفع من الركوع، وقد كان وقع من بعض أمراء بني أمية تركه تساهلًا، فقد روى
أحمد عن مطرف، قال: قلنا - يعني: لعمران بن حصين - يا أبا نجيد، من أول من
ترك التكبير؟ قال: عثمان بن عفان حين كبر وضعف صوته. وهذا يحتمل إرادة ترك
الجهر. وروى الطبراني عن أبي هريرة: أن أول من ترك التكبير معاوية. وروى أبو
عبيد أن أول من تركه زياد، وهذا لا ينافي الذي قبله؛ لأن زيادًا تركه بترك معاوية،
وكان معاوية تركه بترك عثمان، وقد حمل ذلك جماعة من أهل العلم على
الإخفاء، لكن حكى الطحاوي أن قومًا كانوا يتركون التكبير في الخفض دون
الرفع. قال: وكذلك كانت بنوأمية تفعل، ثم استقر العمل من الأمة على فعله في
كل ركعة خمس تكبيرات كما عرفته من لفظ هذا الحديث، ويزيد في الرباعية
والثلاثية تكبير النهوض من التشهد الأوسط، فيتحصل في المكتوبات الخمس
بتكبيرة الإحرام أربع وتسعون تكبيرة، ومن دونها تسع وثمانون تكبيرة.
قال البغوي في ((شرح السنة)): اتفقت الأمة على هذه التكبيرات؛ فقال النووي:
هذا مجمع عليه اليوم، وقد كان فيه خلاف من زمن أبي هريرة. واختلف العلماء
في حكم تكبير النقل. فقيل: واجب، وهو المشهور عنٍ أحمد، وإليه ذهب داود
وإسحاق، وابن حزم؛ لأنه وَلَه داوم عليه، وقد قال: ((صَلَّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّ))؛

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ
heese
٤٠١
BESE
ولأنه ورد تعليم ذلك في حديث المسيء في صلاته عند أبي داود وغيره كما سلف
منا. واستدل لمن قال بندب تكبير الانتقال - وهم الجمهور - بما رواه أحمد وأبو
داود، عن ابن أَبْزَى عن أبيه، أنه صلى مع النبي وَّ، فكان لا يتم التكبير. وفي لفظ
لأحمد: ((إذا خفض ورفع)). وفي رواية: ((فكان لا يكبر إذا خفض)) يعني: بين
السجدتين. قيل: هذا يدل على عدم الوجوب؛ لأن تركه وَ لجلال له في بعض الحالات
لبيان الجواز والإشعار بعدم الوجوب.
وأجيب عنه: بأن في إسناده الحسن بن عمران. قال أبو زرعة: شيخ، وذكره ابن
حبان في ((الثقات)). ونقل البخاري في (التاريخ)) عن أبي داود الطيالسي أنه قال:
هذا عندنا باطل. وقال الطبري في ((تهذيب الآثار))، والبزار: تفرد به الحسن، وهو
مجهول. وهذا لا يعارض الأحاديث التي فيها تكبيرات النقل؛ لكثرتها وصحتها
وكونها مثبتة، ومشتملة على الزيادة، وكون بعضها دالة على الوجوب. وقيل:
المراد في حديث ابن أَبْزَى: لم يتم الجهر أو لم يمده. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا
أبو داود والنسائي.
٨٠٦ - [١١] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((أَفْضَلُ الصَّلَاةِ
طُولُ الْقُنُوتِ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشَّرْحُ
٨٠٦ - قوله: (أَفْضَلُ الصَّلَاةِ طُولُ الْقُنُوتِ) أي: أفضل أركان الصلاة وأفعالها
طول القنوت، أو أفضل الصلاة صلاة فيه طول القنوت، أو صلاة ذات طول
القنوت، والقنوت يجيء لمعان كثيرة، والمراد هنا طول القيام. قال النووي:
باتفاق العلماء فيما علمت.
وقال ابن العربي في ((شرح الترمذي)) (ج١: ص١٧٨، ١٧٩): تتبعت موارد
القنوت فوجدتها عشرة: الطاعة، العبادة، دوام الطاعة، الصلاة، القيام، طول
(٨٠٦) مُسْلِم (١٦٤ / ٧٥٦)، وَالتِّرْ مِذِي (٣٨٧) عَنْ جَابِرٍ فِيهَا .

٤٠٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
القيام، الدعاء، الخشوع، السكوت، ترك الالتفات. وكلها محتملة، أولاها
السكوت، والخشوع والقيام، وأحدها في هذا الحديث القيام، انتهى. ويدل على
ذلك تصريح أبي داود في حديث عبد الله بن حبشي: أن النبي وَل# سئل أي الأعمال
أفضل؟ قال: ((طُولُ الْقِيَام))، والحديث فيه دليل على أن القيام أفضل من الركوع
والسجود وغيرهما. واختلف العلماء في أن القيام أفضل أو السجود:
فقالت طائفة، ومنهم الشافعي: إن القيام أفضل، فيكون تكميله وتطويله أهم؛
لحديث جابر هذا وما في معناه، ولأنه أدخل في الخدمة والمشقة، ولأنه وَلّ كان
في صلاة الليل يطول قيامه، ولو كان السجود أفضل لكان طوله، ولأن الذكر الذي
شرع في القيام أفضل الأذكار - وهو القرآن - فيكون هذا الركن أفضل الأركان.
وقالت طائفة: السجود أفضل؛ لأنه أدل على الذلة والخضوع، ولأنه روي عن أبي
هريرة مرفوعًا: ((أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ))، أخرجه أحمد ومسلم
وأبو داود والنسائي؛ ولقوله وَّه لمن سأل مرافقته في الجنة: ((أَعِنِّي بِكَثْرَةِ
السُّجُودِ))، ولحديث ((مَا تَقَرَّبَ الْعَبْدُ إِلَى اللَّهِ بِأَفْضَلَ مِنْ سُجُودٍ خَفِيٌّ))، ولا يخفى
أن هذه الأحاديث لا تعارض حديث جابر ومن وافقه.
أما الحديث الأول، فلأنه لا يلزم من كون العبد أقرب إلى ربه حال سجوده
أفضليته على القيام؛ لأن تلك الأقربية في حال السجود، إنما هي باعتبار استحبابه
الدعاء كما يقتضيه قوله: ((فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ)) وهو لا ينافي أفضلية القيام.
وأما الحديث الثاني، فلأن غاية ما فيه أنه يدل على فضل السجود، ولا يلزم من
فضل السجود أفضليته على طول القيام.
وأما الحديث الثالث، فلأنه لا يصح لإرساله، كما قال العراقي؛ لأن في إسناده
أبا بكر بن أبي مريم وهو ضعيف. وقيل: هما متساويان. وتوقف أحمد في المسألة
ولم يقض فيها بشئ.
وقال إسحاق بن راهويه: أما في النهار فتكثير الركوع والسجود أفضل؛ لأنه يقرأ
جزءه، ويربح كثرة الركوع والسجود. قال ابن عدي: إنما قال إسحاق هذا؛ لأنهم
وصفوا صلاة النبي ◌َّر في الليل بطول القيام، ولم يوصف من تطويله بالنهار ما
وصف من تطویله باللیل، انتهى.

٤٠٣
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صِفَةِ الصَّلاةِ
قال العراقي: الظاهر أن حديث أفضلية طول القيام محمولة على صلاة النفل
التي لا تشرع فيها الجماعة، وعلى صلاة المنفرد، فأما الإمام في الفرائض
والنوافل، فهو مأمور بالتخفيف المشروع إلا إذا علم من حال المأمومين
المحصورين إيثار التطويل، ولم يحدث ما يقتضي التخفيف من بكاء صَبِيٍّ ونحوه،
فلا بأس بالتطويل، وعليه يحمل صلاته في المغرب بالأعراف، انتهى.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي وابن ماجه.

٤٠٤
** *
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثاني
٨٠٧- [١٢] عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِي قَالَ فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَصْحَابِ
الشَِّّ وَّهِ: أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِصَلََّةِ رَسُولِ اللَّهِ وَلَ، قَالُوا: فَاعْرِضْ. قَالَ: كَانَ
النَّبِيِّ ◌ََّ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ ثُمَّ يُكَبِّرُ، ثُمَّ
يَقْرَأُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ يَرْكَعُ، وَيَضَعُ رَاحَتَيْهِ
عَلَى رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ يَعْتَدِلُ فَلَا يُصَبِّي رَأْسَهُ وَلَا يُقْنِعُ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ فَيَقُولُ: ((سَمِعَ
اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ)) ثُمَّ يَرْفَعُ بَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ مُعْتَدِلًا، ثُمَّ يَقُولُ:
((اللَّهُ أَكْبَرُ)) ثُمَّ يَهْوِي إِلَى الْأَرْضِ سَاجِدًا، فَيُجَافِي بَدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، ويَفْتَخُ
أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَثْنِي رِجْلَهُ الْيُسْرَى، فَيَقْعُدُ عَلَيْهَا، ثُمَّ يَعْتَدِلُ
حَتَّى يَرْجِعَ كُلَّ عَظْم فِي مَوضِعِهِ مَعْتَدِلًا، ثُمَّ يَسْجُدُ، ثُمَّ يَقُولُ: ((اللَّهُ أَكْبَرُ))
وَيَرْفَعُ وَيَثْنِي رِجْلَهُ الْيُسْرَى فَيَقْعُدُ عَلَيْهَا ثُمَّ يَعْتَدِلُ حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عَظْم إِلَى
مَوْضِعِهِ، ثُمَّ يَنْهَضُ، ثُمَّ يَصْنَعُ فِي الركعة الثانية مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ إِذَا قَامَ مِنَ
الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ كَمَا كَبَّرَ عِنْدَ افْتِتَاحِ
الصَّلاَةِ، ثُمَّ يَصْنَعُ ذَلِكَ فِي بَقِيَّةِ صَلَاتِهِ حَتَّى إِذَا كَانَتِ السَّجْدَةُ الَّتِي فِيهَاً
التَّسْلِيمُ أَخَّرَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَقَعَدَ مُتَوَرِّكًا عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ، ثُمَّ سَلَّمَ. قَالُوا:
صَدَقْتَ هَكَذَا كَانَ يُصَلِّي.
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِي وَرَوَى التّرْمِذِي
وَابْنُ مَاجَةٌ مَعْنَاهُ، وَقَالَ التِّرْمِذِي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيح] {صحيح}
- وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثٍ أَبِي حُمَيْدٍ: ثُمَّ رَكَعَ فَوَضَعَ بَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ
كَأَنَّهُ قَابِضٌ عَلَيْهِمَا، وَوَتَّرَ يَدَيْهِ، فَتَخَّاهُمَا عَنْ جَنْبَيْهِ، وقَالَ: ثُمَّ سَجَدَ، فَأَمْكَنَ أَنْفَهُ
وَجَبْهَتَهُ الأَرْضَ، وَنَخَّى يَدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَفَرَّجَ بَيْنَ
فَخِذَيْهِ غَيْرَ حَامِلِ بَطْنَهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَخِذَيْهِ حَتَّى فَرَغَ، ثُمَّ جَلَسَ فَافْتَرَشَ رِجْلَهُ
الْيُسْرَى، وَأَقْبَلَ بِصَدْرِ الْيُمْنَى عَلَى قِبْلَتِهِ، وَوَضَعَ كَفَّهُ الْيُمْنَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى،
وَكَفَّهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى، وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ - يعني: السبابة - (*).
(٨٠٧) أَبُو دَاوُد (٧٣٠)، وَالتِّرْمِذِي (٣٠٤) (٣٠٥) عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ.
(*) أَبُو دَاوُد (٧٣٤) (٧٣٥) عَنْهُ فِيهَا .

** E
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ
٤٠٥
MAIBE
- وَفِي أُخْرَى لَهُ: وَإِذَا قَعَدَ فِ الرَّكْعَتَيْنِ قَعَدَ عَلَى بَطْنٍ قَدَمِهِ الْيُسْرَى،
وَنَصَبَ الْيُمْنَى، وَإِذَا كَانَ فِي الرَّابِعَةِ أَفْضَى بِوَرِكِهِ الْيُسْرَى إِلَى الْأَرْضِ،
وَأَخْرَجَ قَدَمَيْهِ مِنْ نَاحِيَةٍ وَاحِدَةٍ (*).
الشَّرْجُ
٨٠٧- قوله: (فِي عَشَرَةٍ) أي: في محضر عشرة، يعني: بين عشرة أنفس
وحضرتهم. (أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ وَ ل﴾ فيه مدح الإنسان لنفسه لمن يأخذ
عنه ليكون كلامه أوقع، وأثبت عند السامع. قال الحافظُ: في الحديث جواز
وصف الرجل نفسه بكونه أعلم من غيره إذا أمن الإعجاب، وأراد تأكيد ذلك عند
من سمعه، لما في التعليم والأخذ عن الأعلم من الفضل. وزاد في رواية: ((قَالُوا:
فَلِمَ؟ فَوَاللَّهِ مَا كُنْتَ أَكْثَرَنَا له تَبِعَةً، وَلَا أَقْدَمَنَا لَهُ صُحْبَةً، وللطحاوي: قالوا: من
أین؟ قال: رقبت ذلك منه حتی حفظت صلاته.
(فَاعْرِضْ) بهمزة وصل، أي: إذا كنت أعلمنا فاعرض علينا ما تعلم، لنرى هل
أصبت أو لا؟ قال في ((النهاية)): يقال: عرضت عليه أمر كذا، أو عرضت له الشيء:
أظهرته وأبرزته إليه. اعرض بالكسر لا غير، أي: بين علمك بصلاته وَّ إن كنت
صادقًا لنوافقك إن حفظناه، وإلا استفدناه.
(قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَله ... ) إلخ. هذا يدل على أن أباحميد حكى صلاته وَجَل
بالقول، وروي عنه أنه وصف صلاته بالفعل كما في رواية الطحاوي وابن حبان.
قال الحافظُ: ويمكن الجمع بين الروايتين، بأن يكون وصفها مرة بالقول ومرة
بالفعل. (حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا) أي: بكفيه. (مَنْكِبَيْهِ) ويكون رؤوس الأصابع بحذاء
أذنيه. (ثُمَّ يُكَبِّرُ) قال ابن حجر: (ثُمَّ) هاهنا بمعنى الواو لرواية البخاري السابقة:
((حِينَ يُكَبِّرُ)). وقدمت؛ لأنها أصح وأشهر. وفيه: دليل على وجوب وقوع جميع
تكبيرة الإحرام في القيام كما مرّ. (ثُمَّ يَقْرَأ) قال القاري: لعل القراءة هاهنا تعم
(*) أَبُو دَاوُد (٧٣١) عَنْهُ فِيها .

٤٠٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
التسبيح ودعاء الاستفتاح، أو التقدير: ثم يأتي بدعاء الافتتاح والتعوذ كما ثبت من
روايات أخر، ثم يقرأ الفاتحة، ثم السورة كما ثبت من روايات أخر أيضًا.
(وَيَضَعُ رَاحَتَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ) أي: ويفرج أصابعه، ففي رواية لأبي داود: وفرج
بين أصابعه. (ثُمَّ يَعْتَدِلُ) أي: في الركوع بأن يسوي رأسه وظهره حتى يَصِيرًا
كالصفحة، وتفسيره قوله: (فَلَا يُصَبِّي) بالتشديد، أي: لا ينزل. (رَأْسَهُ) أي: عن
ظهره. يقال: صَبَّى الرجل رأسه يُصَبِّيْهِ إذا خفضه جدًّا. قال في ((المجمع)): وفيه أنه
لا يصبي رأسه أي لا يخفضه كثيرًا، ولا يميله إلى الأرض، من صبا إليه يصبو، إذا
مال، وصبى رأسه تَصْبِيَةً، شدد للتكثير. وقيل: هو مهموز من صبأ إذا خرج من
دين. ويروى لا يصب، انتهى. ويروى أيضًا لا يصوب من التصويب، وكل من
التصبية والصب والتصويب بمعنى. وقال القاري: الظاهر أن التشديد في التصبية
للتعدية .
(وَلَا يُقْنِعُ) من أقنع رأسه إذا رفع ونصب. أي: لا يرفع رأسه حتى يكون أعلى
من ظهره. (ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ) أي: بالقومة إلى الاعتدال. (مُعْتَدِلًا) حال من فاعل
يرفع. (ثُمَّ يَهْوِي) أي: ينحط وينزل بعد شروعه في التكبير. والهوي السقوط من
علو إلى سفل. (سَاجِدًا) أي: قاصدًا للسجود. (فَيُجَافِي) أي: يباعد في سجوده.
(يَدَيْهِ) أي: مرفقيه. (وَيَفْتَخُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ) بالخاء المعجمة المفتوحة أي: يثنيها
ويلينها فيوجهها إلى القبلة، وأصل الفتخ: الكسر واللين، والمراد: أنه ينصبها مع
الاعتماد على بطونها، ويجعل رؤوسها للقبلة لخبر البخاري: ((أنهعلِّلُ سجد
واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة)). ومن لازمها الاستقبال ببطونها، والاعتماد
عليها. (ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ) أي: مكبرًا. (وَيَثْنِى) بفتح الياء الأولى، أي: يعطف.
(ثُمَّ يَعْتَدِلُ) أي: جالسًا. (حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عَظْم فِي مَوْضِعِهِ) أي: يستقر فيه.
(مُعْتَدِلًا) أي: في الجلوس. وهو حال مؤكدة، وَفيه: الجلوس بين السجدتين
والطمأنينة فيه. (ثُمَّ يَسْجُدُ) أي: بعد التكبير. (ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ وَيَرْفَعُ) أي :
رأسه من السجدة الثانية.
(وَيَثْنِي رِجْلَهُ الْيُسْرَى فَيَقْعُدُ عَلَيْهَا، ثُمَّ يَعْتَدِلُ ... ) إلخ. فيه ندب جلسة الاستراحة
في كل ركعة لا تشهد فيها، وقد تقدم بيانها مفصلًا. (مِثْلَ ذَلِكَ) أي: مثل ما صنع

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ
٤٠٧
في الركعة الأولى إلا ما استثني. (ثُمَّ إِذَا قَامَ) أي: شرع في القيام، أو أراده. (مِنَ
الرَّكْعَتَيْنِ کَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ ... ) إلخ. فيه: استحباب رفع اليدين في القيام من الركعتين
بعد التشهد، وهو الموطن الرابع من المواطن الأربعة التي شرع فيها الرفع. (ثُمَّ
يَصْنَعُ ذَلِكَ) أي: ما ذكر من الكيفيات.
(حَتَّى إِذَا كَانَتِ السَّجْدَةُ الَّتِي فِيهَا) أي: في عقبها. (التَّسْلِيمُ أَخَّرَ) أي: أخِرِج.
(رِجْلَهُ الْيُسْرَى) أي: من تحت مقعدته إلى الأيمن. (وَقَعَدَ مُتَوَرِّكًا عَلَى شِقِّهِ الأَيْسَرِ)
أي: مفضيًا بوركه اليسرى إلى الأرض غير قاعد على رجليه. فيه سنية التورك في
القعدة الأخيرة، وأن هيئة الجلوس في التشهد الأخير مغايرة لهيئة غيره من
الجلسات. وإليه ذهب الشافعي، وأحمد. وعند الحنفية يفترش في الكل. وعند
المالكية يتورك في الكل. واستدل به الشافعية أيضًا على أن تشهد الصبح والجمعة
وغيرهما من الثنائية كالتشهد الأخير في غير الثنائية؛ لعموم قوله: ((إِذَا كَانَتِ
السَّجْدَةُ الَّتِي فِيهَا التَّسْلِيمُ)) ولقوله: ((إذا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ)). عند البخاري.
وفي هذا الاستدلال عندي نظر قوي، لا يخفى على المتأمل، واختلف فيه قول
أحمد، والمشهور عنه اختصاص التورك بالصلاة التي فيها تشهدان.
قيل: الاختلاف بين الشافعي وأحمد مبني على علة التورك؛ فهي تطويل التشهد
عند الشافعي، والتفريق بين التشهدين عند أحمد، فما ليس فيه إلا تشهد واحد لا
حاجة فيه إلى التفريق. وقيل: مدار التورك عند الشافعي تعقيب السلام، كما يظهر
من كلام النَّووي في ((شرح مسلم))، حيث قال: قال الشافعي: السنة أن يجلس كل
الجلسات مفترشًا إلا التي يعقبها السلام، فلو كان مسبوقًا وجلس إمامه متورًا
جلس المسبوق مفترشًا؛ لأن جلوسه لا يعقبه بسلام، انتهى.
قلتُ: ويؤيد ذلك قوله: ((إِذَا كَانَتِ السَّجْدَةُ الَّتِي فِيهَا التَّسْلِيمُ))، وقوله: ((الرَّكْعَةِ
الْآخِرَةِ». (قَالُوا) أي: العشرة من الصحابة (صَدَقْتَ) أي: فيما قلت. (رَوَاهُ أَبُو
دَاوُدَ والدَّارِمِيُّ) قال القاري: أي: بهذا اللفظ، وفيه نظر؛ لأن بين السياق الذي
ذكره المصنف تبعًا للبغوي، وبين سياق أبي داود والدارمي فرقًا في عدة مواضع.
والحديث أخرجه أيضًا أحمد (ج٥: ص٤٢٤) وابن حبان، والبيهقي، وابن
خزيمة. (وَرَوَى التِّرْ مِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مَعْنَاهُ) وهو عندهم جميعًا من طريق عبد الحميد

٤٠٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
*Bac
ابن جعفر، عن محمد بن عمرو بن عطاء، سمعت أباحميد الساعدي في عشرة من
أصحاب رسول اللَّه وَ له، منهم أبو قتادة، قال أبو حميد: (أَنَا أَعْلَمُكُمْ ... ) إلخ.
(وَقَالَ الَّتْرِمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وقال النووي: إسناده على شرط
مسلم. وقال أبو حاتم في (علله)) (ج١: ص١٦٣): أصله صحيح. وقال الحافظ في
((الفتح)) (ج ٣: ص ٤٠٥): صححه ابن خزيمة وابن حبان. وأخرجه البخاري في
((صحيحه)) مختصرًا، وقد تقدم. وضعفه ابن التركماني بثلاثة وجوه: الأول: أن
في سنده عبد الحميد بن جعفر، قال ابن التركماني: وهو مطعون في حديثه، كذا
قال يحيى بن سعيد، وهو إمام الناس في هذا الباب. والجواب عنه: أن عبد الحميد
هذا ثقة، صدوق، صالح للاحتجاج، من رجال مسلم، ولا وجه لطعن من طعن
فيه. قد وثقه أحمد، وابن معين، وابن المديني، وابن سعد، وابن حبان.
وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن عدي: أرجوا أنه لا بأس به وهو ممن
يكتب حديثه، وقال أبو حاتم: محله الصدق. وقال الساجي: ثقة صدوق.
واختلفت الرواية فيه عن يحيى بن سعيد؛ ففي ((تهذيب التهذيب)) (ج٦: ص١١٢):
قال الدوري عن ابن معين: ثقة ليس به بأس كان يحيى بن سعيد يضعفه. قلت
ليحيى: فقد روى عنه، قال: قد روى عنه وكان يضعفه، وكان يرى القدر. وقال
ابن أبي خيثمة عن ابن معين: كان يحيى بن سعيد يوثقه، وكان الثوري يضعفه.
قلت ما تقول أنت فيه؟ قال: ليس بحديثه بأس وهو صالح، انتهى. والظاهر أن
تضعيفه إياه إنما هو؛ لأنه كان يرى القدر، والطعن في حديثه لذلك ليس بشيء كما
لا يخفى، وضعفه الثوري؛ لأنه کان ممن خرج مع محمد بن عبد الله بن حسن.
قال الذهبي في ((الميزان)) (ج٢: ص٩٤): وقد نقم عليه الثوري خروجه مع
محمد بن عبد الله، انتهى. وهذا أيضًا ليس مما يطعن في حديثه لأجله. قال
البيهقي في كتاب ((المعرفة)): أما تضعيف الطحاوي لعبد الحميد فمردود بأن يحيى
ابن معين وثقه في جميع الروايات عنه. وكذلك أحمد بن حنبل، واحتج به مسلم
في ((صحيحه)) انتهى. فقد ظهر بهذا كله أن توثيق عبد الحميد بن جعفر هو الحق
والصواب؛ لأنه اتفق أئمة الجرح والتعديل كأحمد، وابن معين، وابن المديني،
وابن سعد، وغيرهم على توثيقه إلا الثوري، ولا وجه لطعنه فيه. واختلف فيه قول

كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ
٤٠٩
يحيى بن سعيد القطان. الوجه الثاني: أن الحديث منقطع؛ لأنه لم يسمعه محمد
ابن عمرو بن عطاء عن أبي حميد، ولا من أحد ذكر مع أبي حميد. وذكر محمد بن
عمرو في الحديث أنه حضر أبا قتادة، وسنه لا يحتمل ذلك، فإن أبا قتادة قتل مع
علي وصلى عليه علي .
قال الحافظ في ((الفتح)) (ج٤: ص٤٤٩): زعم ابن القطان تبعًا للطحاوي أنه غير
متصل لأمرين:
أحدهما: أن عيسى بن عبد الله رواه عن محمد بن عمرو بن عطاء فأدخل بينه
وبين الصحابة عباس بن سهل. أخرجه أبو داود وغيره.
وثانيهما: أن في بعض طرقه تسمية أبي قتادة في الصحابة المذكورين، وأبو
قتادة قدیم الموت یصغر سن محمد بن عمرو بن عطاء عن إدراكه.
والجواب عن ذلك: أما الأول: فلا يضر الثقة المصرح بسماعه أن يدخل بينه
وبين شيخه واسطة، إما لزيادة في الحديث وإما ليثبت فيه. وقد صرح محمد بن
عمرو المذكور بسماعه، فتكون رواية عيسى عنه من المزيد في متصل الأسانيد.
وأما الثاني: فالمعتمد فيه قول بعض أهل التاريخ، إن أبا قتادة مات في خلافة
علي، وصلى عليه علي، وكان قتل على سنة أربعين، وإن محمد بن عمرو بن عطاء
مات بعد سنة عشرين ومائة، وله نيف وثمانون سنة، فعلى هذا لم يدرك أبا قتادة.
والجواب: أن أبا قتادة اختلف في وقت موته، فقيل: مات سنة أربع وخمسين،
وعلى هذا فلقاء محمد له ممكن، وعلى الأول فلعل من ذكر مقدار عمره ووقت
وفاته وهم، أو الذي سمى أبا قتادة في الصحابة المذكورين وهِمَ في تسميته، ولا
يلزم من ذلك أن يكون الحديث الذي رواه غلطًا؛ لأن غيره ممن رواه معه عن
محمد بن عمرو بن عطاء أو عن عباس بن سهل قد وافقه، انتهى. وقال البيهقي: أما
ما ذكر من انقطاعه فليس كذلك، فقد حكم البخاري في ((تاريخه)) بأنه سمع
أباحميد، وأبا قتادة، وابن عباس. وقوله: إن أبا قتادة قتل مع علي. رواية شاذة
رواها الشعبي، والصحيح الذي أجمع أهل التاريخ أنه بقي إلى سنة أربع وخمسین،
ونقله عن الترمذي، والواقدي، والليث، وابن منده في الصحابة، وأطال فيه، كذا
في ((نصب الراية)) (ج١: ص٤١١، ٤١٢) ولفظ البيهقي في ((معرفة السنن)):

٤١٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
واستشهاده على ذلك بوفاة أبي قتادة قبله خطأ؛ لأنه إنما رواه موسى بن عبد الله بن
يزيد أن عليًّا صلى على أبي قتادة فكبر عليه سبعًا، وكان بدريًّا. ورواه أيضًا الشعبي
منقطعًا، وقال: فكبر عليه ستًّا. وهو غلط لإجماع التواريخ على أباقتادة الحارث
ابن ربعي، بقي إلى سنة أربع وخمسين، وقيل: بعدها ... إلخ.
وفي ((تهذيب التهذيب)) (ج ١٢: ص٢٠٤): قال الواقدي: توفي أبو قتادة بالكوفة
سنة أربع وخمسين، وهو ابن سبعين سنة. ولم أر بين علمائنا اختلافًا في ذاك. قال
وروى أهل الكوفة أنه مات بالكوفة وعلي بها وصلى عليه. وحكى خليفة: أن ذلك
كان سنة ثمان وثلاثين وهو شاذ، والأكثر على أنه مات سنة أربع وخمسين.
قال الحافظُ: ومما يؤيد ذلك أن البخاري ذكره في ((الأوسط)) في فصل من مات
بعد الخمسين إلى الستين، ثم روى بإسناده إلى مروان بن الحكم قال: كان واليًا
على المدينة من قبل معاوية، أرسل إلى أبي قتادة ليريه مواقف النبي
صَلى الله
وَسِلمُ
وأصحابه، فانطلق معه فأراه.
وقال في ((الإصابة)) (ج٤: ص١٥٩): ويدل على تأخره أيضًا ما أخرجه
عبد الرزاق عن معمر عن عبد الله بن محمد بن عقيل، أن معاوية لما قدم المدينة
تلقاه الناس، فقال لأبي قتادة: تلقاني الناس كلهم غيركم يا معشر الأنصار،
انتھی .
وقال في ((التقريب)) في ترجمة أبي قتادة: مات سنة أربع وخمسين. وقيل: سنة
ثمان وثلاثين. والأول أصح وأشهر. وهذا كله يدل على أن الراجح في سنة وفاة
أبي قتادة هو أنه توفي سنة أربع وخمسين، وهو أيضًا يدل على رجوع الحافظ مما
ذكر في ((التلخيص)) (ص١٦٠): أن الراجح عنده هو أن أبا قتادة مات في خلافة
علي، والله أعلم. الوجه الثالث: أن الحديث مضطرب والمتن، أما الأول: فلأنه
رواه عطاف بن خالد عن محمد بن عمرو بن عطاء، فجعل بينه وبين أبي حميد رجلًا
مجهولاً . ورواه عيسى بن عبد الله، عن محمد بن عمرو، عن عباس بن سهل، أنه
كان في مجلس فيه أبوه سهل بن سعد وأبو هريرة وأبو أسيد وأبو حميد، وفي رواية
عن عباس أو عياش بن سهل، وفي رواية أن عيسى بن عبد الله رواه عن عباس بن
سهل عن أبي حميد، فلم يذكر محمدًا في سنده. وأما الثاني: فقد وقع الاختلاف

٤١١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
res **
بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ
في ذكر التورك في روايات الحديث، فإن عبد الحميد بن جعفر ومحمد بن عمرو
ابن حلحلة ذكرا التورك في الجلسة الأخيرة في روايتهما عن محمد بن عمرو بن
عطاء. وأما عيسى بن عبد اللَّه فذكر التورك في الجلسة بين السجدتين ولم يذكره
في غيرها من القعدة الأخيرة والأولى. ولم يذكر جلسة الاستراحة؛ لأنه قال: ولم
يتورك أي مثل توركه بين السجدتين. وهذا في رواية الحسن بن الحر، عن عیسى،
وأما عتبة بن حكيم عن عيسى، وفليح عن عباس بن سهل فلم يذكرا التورك أصلًا لا
في الجلسة الأولى والثانية، ولا بين السجدتين، ولا في جلسة الاستراحة.
والجواب عن ذلك: أن هذا الاختلاف ليس بموجب للاضطراب القادح في صحة
الحديث؛ لأن الجمع أو الترجيح ممكن بل متحقق، فإن رواية عيسى بواسطة
العباس بن سهل محمولة، على أنها من المزيد في متصل الأسانيد كما تقدم،
ورواية الجزم قاضية على رواية الشك، والرجل المبهم هو عباس بن سهل، ورواية
الحسن بن الحر عن عيسى عن محمد بن عمرو بن عطاء عن عباس أقوى وأرجح من
رواية عتبة عن عيسى، عن عباس؛ لأن عتبة وإن كان صدوقًا لكنه يخطئ كثيرًا.
وأما الحسن بن الحر فهو ثقة فاضل ويمكن أن عيسى سمعه أولًا من محمد بن
عمرو عن عباس ثم لقي عباسًا فسمع منه بلا واسطة، ويحتمل عكسه، وهذا ليس
ببعيد، بل يؤيده قول ابن المبارك: أرى فليحًا ذكر عيسى بن عبد الله أنه سمعه من
عباس بن سهل قال: حضرت أبا حميد. وأما الاختلاف في ذكر التورك فالجواب
عنه: أن رواية عبد الحميد أرجح وأصح من جميع الروايات، وأيضًا المثبت مقدم
على النافي، وأيضًا السكوت لا يعارض الذكر.
(وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ ... ) إلخ. أخرجها أبو داود من طريق
عبد الملك بن عمرو، أخبرني فليح، حدثني عباس بن سهل قال: اجتمع أبو حميد
وأبو أسيد وسهل بن سعد ومحمد بن مسلمة فذكروا صلاة رسول اللَّه وَل فقال أبو
حميد: (أَنَا أَعْلَمُكُمْ ... ) إلخ. (وَوَتَّرَ يَدَيْهِ) أي: عوجهما، من التوتير، وهو جعل
الوتر على القوس. (فَتَخَّاهُمَا عَنْ جَنْبَيْهِ) من نحى ينحي تنحية إذا أبعد، وفي أبي
داود: ((فَتَجَافَی عَنْ جَنْبَيْهِ)). يعني: أبعد مرفقیه عن جنبیه حتی کان يده كالوتر
وجنبه كالقوس. وفي ((النهاية)): أي: جعلهما كالقوس من قولك: وترت القوس
وأوترته، شبه يد الراكع إذا مدها قابضًا على ركبتيه بالقوس إذا أوترت.

٤١٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(فَأَمْكَنَ أَنْفَهُ وَجَبْهَتَهُ الْأَرْض) بنزع الخافض أي منها، أي: وضعهما على الأرض
مع الطمأنينة وتحامل عليهما. (وَوَضَعَ كَفَّيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ) قد تقدم حديث وائل
بلفظ: سجد بين كفيه. ومن يصنع كذلك يكون يداه حذاء أذنيه، ورواية النسائي
بلفظ: جعل كفيه بحذاء أذنيه. صريحة في ذلك فيعارض حديث أبي حميد هذا،
فقيل: السنة أن يفعل أيهما تيسر جمعًا للمرويات، بناءًا على أنه كان تُالَّلا يفعل هذا
أحيانا وهذا أحيانًا إلا أن بين الكفين أفضل؛ لأن فيه من تخليص المجافاة المسنونة
ما ليس في الآخر. وقد أسلفنا الكلام في المسألة بأزيد من هذا. (وَفَرَّجَ) بتشديد
الراء، أي: فرق. (غَيْرَ حَامِلٍ) أي: غير واضع. (بَطْنَهُ) بالنصب مفعول حامل.
(حَتَّى فَرَغَ) أي: من سجودهً. (ثُمَّ جَلَسَ) أي: في التشهد الأول.
(فَاقْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى) أي: وجلس على بطنها. (وَأَقْبَلَ بِصَدْرِ الْيُمْنَى عَلَى
قِبْلَتِهِ) أي: وجه أطراف أصابع رجله اليمنى إلى القبلة، قاله الطيبي. ونقل مَيْرَك
عن ((الأزهار)): أي: جعل صدر الرجل اليمنى مقابلًا للقبلة، وذلك بوضع باطن
الأصابع على الأرض مقابل القبلة مع تحامل قليل في نصب الرجل.
(وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ) فيه: دليل على مشروعية الإشارة في التشهد، ويجيء الكلام
فيها مفصلاً في باب التشهد. (يَعْنِي: السََّّابَةَ) الظاهر أن هذا التفسير من المصنف
وهي فَعَّالَة من السبِّ، فإن عادة العرب كانت عند السب، والشتم الإشارة بالإصبع
الذي يلي الإبهام. (وَفِي أَخْرَى لَهُ) أي: في رواية أخرى لأبي داود وقد أخرجها من
طريق ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن محمد بن عمرو بن حلحلةٍ، عن
محمد بن عمرو العامري، قال: كنت في مجلس من أصحاب رسول اللَّه ◌ِله
فتذاكروا صلاته وَله، فقال أبو حميد ... إلخ.
(وَإِذَا قَعَدَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ) أي: الأوليين يعني بعدهما. (قَعَدَ عَلَى بَطْنِ قَدَمِهِ
الْيُسْرَى) هذا هو الافتراش. (أَفْضَى بِوَرِكِهِ الْيُسْرَى) أي: أوصلها. (إِلَى الْأَرْضِ)
أي: مس بأليته اليسرى الأرض. قال الجوهري: أفضى بيده إلى الأرض إذا مسها
ببطن راحته. (وَأَخْرَجَ قَدَمَيْهِ مِنْ نَاحِيَةٍ وَاحِدَةٍ) وهي ناحية اليمنى، وإطلاق الإخراج
على اليمنى تغليب؛ لأن المخرج حقيقة هو اليسرى لا غير. كذا في ((المرقاة)).
واعلم: أن للحديث طرقًا كثيرة وألفاظًا متقاربة تستفاد من ((سنن أبي داود)) ومن
الجزء الثاني من ((السنن الكبرى)) للبيهقي، ذكرت مواضعها في فهرسة مفصلة.
ـجدة

٨٠٨ - [١٣] وَعَنْ وَائِل بْنِ حُجْرٍ: أَنَّهُ أَبْصَرَ النَِّيَّ نَِّ حِينَ قَامَ إِلَى
الصَّلَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى كَانَتَا بِحِيَالٍ مَنْكِبَيْهِ، وَحَاذَى إِبْهَامَيْهِ أُذُنَيْهِ، ثُمَّ كَبَّرَ.
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {ضعيف}
- وَفِي رِوَايَةٍ لَّهُ: يَرْفَعُ إِبْهَامَيْهِ إِلَى شَحْمَةٍ أُذُنَيْهِ(*).
الشَّرْحُ
٨٠٨- قوله: (رَفَعَ يَدَيْهِ) حال بتقدير ((قد)) وقوله: (حِينَ قَامَ) ظرف له، أي:
رآه حال كونه رافعًا يديه حين قام إلى الصلاة. (حَتَّى كَانَتَا) أي: كَفَّاهُ. (بِحِیَالٍ
مَنْكِبَيْهِ) بكسر مهملة وفتح تحتية خفيفة، أي: إزائهما ومقابلهما. (وَحَاذَى) عطف
على كانتا، أي: قابل النبي ◌ِّه. (إِبْهَامَيْهِ أَذُنَيْهِ) أي: جعل إبهاميه محاذيين
لأذنيه، والمراد: شحمتيهما لما يأتي صريحًا. (ثُمَّ كَبَّرَ) ثم بمعنى الواو، أو معنى
كبر، انتهى التكبير، فيكون ابتداء التكبير والرفع متقاربين.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وأخرجه أيضًا النسائي كلاهما من حديث عبد الجبار بن وائل
عن أبيه، وعبد الجبار ولد في حياة أبيه لكن لم يسمع منه شيئًا، فالحديث منقطع.
قال ابن معين والبخاري: لم يسمع عبد الجبار من أبيه شيئًا. وقال ابن حبان في
((الثقات)): من زعم أنه سمع أباه فقد وهم. وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله،
قليل الحديث، ويتكلمون في روايته عن أبيه، ويقولون: لم يَلْقَهُ، وبمعنى هذا قال
أبو حاتم وابن جرير الطبري والجريري ويعقوب بن سفيان ويعقوب بن شيبة
والدار قطني والحاكم، وقبلهم ابن المديني وآخرون. وقال المزي والذهبي: قد
صح. أي: عند أبي داود، وقال: حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة الجشمي: ثنا
عبد الوارث بن سعید، ثنا محمد بن جحادة، حدثني عبد الجبار بن وائل، عن عبد
الجبار أنه قال: كنت غلامًا لا أعقل صلاة أبي، كذا في (تهذيب التهذيب)).
(٨٠٨) أَبُو دَاوُد (٧٢٤) عَنْهُ فِيهَا .
(*) أَبُو دَاوُد (٧٣٧) عَنْهُ فِيهَا .

٤١٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
(وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ) أي: لأبي داود. (يَرْفَعُ إِبْهَامَيْهِ إِلَى شَحْمَةٍ أُذُنَيْهِ) أي:
شحمتيهما. وهي مَا لَانَ من أسفلهما. وفي رواية للنسائي: رفع يديه حتى تكاد
إبهاماه تحاذى شحمة أذنيه. وحديث وائل هذا يؤيد ما تقدم من الشافعي في الجمع
بين الروايات، وقد مر كلام السندي أنه لا حاجة إلى الجمع لعدم التناقض،
والمنافاة بين الأفعال المختلفة؛ لجواز وقوع الكل في أوقات متعددة، فيكون
الكل سنة .
٨٠٩ - [١٤] وَعَنْ قُبَيْصَةَ بْنِ هُلْبٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلَه
يَؤُمُّنَا فَيَأْخُذُ شِمَالَهُ بِيَمِينِهِ.
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ مَاجَهْ] {حسن}
الشّرْحُ
٨٠٩- قوله: (وَعَنْ قَبِيصَةَ) بفتح القاف وكسر الموحدة. (بْنِ هُلْبٍ) بضم
الهاء وسكون اللام، هكذا ضبط المحدثون. وضبط اللغويون بفتح الهاء وكسر
اللام بوزن كتف، وهو الذي نص عليه ابن دريد في ((الاشتقاق)) (ص٢٧٣) وعلله
بأن الهلب - بالضم - هو الشعر. وقال: الهلب رجل كان أصلع فمسح النبي وَل
يده على رأسه فنبت شعره، فسمي الهلب. وقول اللغويين هو الذي صوبه الفيروز
آبادي صاحب (القاموس)) ورجح شارحه ما قاله المحدثون. وقال: لأنه من باب
تسمية العادل بالعدل مبالغة خصوصًا، وقد ثبت النقل وهم العمدة.
قال الشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقه على الترمذي (ج٢: ص٣٢): وهذا هو
الصحيح، انتهى. وقبيصة هذا طائي كوفي. قال ابن المديني والنسائي: مجهول.
وذكر مسلم في الوحدان، وابن المديني أنه لم يرو عنه غير سماك بن حرب. وقال
العجلي: تابعي ثقة. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال الحافظ في ((التقريب)):
مقبول من أوساط التابعين. (عَنْ أَبِيهِ) أي: هلب الطائي. ويقال: إن هلبا لقب
غلب عليه، واسمه يزيد بن عدي بن قنافة الطائي، صحابي وفد على النبي وَلّ وهو
أقرع فمسح رأسه فنبت شعره، سكن الكوفة، وذكره ابن سعد في طبقة مسلمة
(٨٠٩) التِّرْ مِذِي (٢٥٢)، وَابن مَاجَهْ (٨٠٩) عَنْهُ فِيهَا .

كِتَابُ الصَّلَاةِ
BeeKExcea *
بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ
٤١۵
الفتح. قال ابن دريد: كان أقرع فصار أفرع يعني كان بالقاف فصار بالفاء،
والأهلب الكثير الشعر. له هذا الحديث فقط.
(فَأْخُذُ شِمَالَهُ بِیَمِينِهِ) أي: ويضعهما على صدره، فعند أحمد من طريق يحيى بن
سعيد القطان عن سفيان عن سماك عن قبيصة بن هلب عن أبيه: ورأيته يضع هذه
على صدره، وصف يحيى بن سعيد اليمنى على اليسرى فوق المفصل. وهذا إسناد
حسن، وزيادة: ((عَلَى صَدْرِهِ)). زيادة ثقة، فيجب قبولها. قال شيخنا في ((أبكار
المنن)) (ص ٢٣٩): يحيى بن سعيد القطان ثقة حافظ متقن، وزيادته: ((عَلَى
صَدْرِهِ)). ليست منافية لرواية غيره من أصحاب سفيان عن سماك، فهي مقبولة عند
المحققين .
قال السندي في ((حاشية ابن ماجه)): قوله: (فَيَأْخُذُ شِمَالَهُ بِيَمِينِهِ) وقد جاء حديث
قبيصة بن هلب في ((مسند أحمد)) قال: ((رأيت رسول اللّه ◌َ ل يضع يده على صدره،
ويأخذ شماله بيمينه)). وقد جاء في ((صحيح ابن خزيمة)) عن وائل بن حجر، قال:
صليت مع رسول اللَّه ◌َ ليل، فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره. وقد
روى أبو داود عن طاوس، قال: كان رسول اللّه وَ ل يضع يده اليمنى على يده
اليسرى ثم يشد بهما على صدره وهو في الصلاة. وهذا الحديث، وإن كان مرسلًا
لكن المرسل حجة عند الكل. وبالجملة: فكما صح أن الوضع هو السنة دون
الإرسال ثبت أن محله الصدر لا غير. وأما حديث: إن من السنة وضع الأكف على
الأكف في الصلاة تحت السرة. فقد اتفقوا على ضعفه. كذا ذكره ابن الهمام نقلًا
عن النووي، وسکت عليه، انتهى كلام السندي.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ مَاجَهْ)، وأخرجه أيضًا أحمد والدار قطني. وقال الترمذي:
حدیث هلب حديث حسن .

٤١٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٨١٠- [١٥] وَعَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ فَصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ،
ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِ نَِّ فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((أَعِدْ صَلَاتَكَ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلُّ)).
فَقَالَ: عَلِّمْنِ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أُصَلِّي؟ قَالَ: ((إِذَا تَوَجَّهْتَ إِلَى الْقِبْلَةِ فَكَبِّرْ،
ثُمَّ اقْرَأُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَمَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَقْرَأَ، فَإِذَا رَكَعْتَ، فَاجْعَلِ رَاحَتَيْكَ عَلَى
رُكْبَتَيْكَ، وَمَكِّنْ رُكُوعَكَ، وَامْدُدْ ظَهْرََكَ، فَإِذَا رَفَعْتَ فَأَقِمْ صُلْبُلَكَ، وَارْفَع
رَأْسَكَ حَتَّى تَرْجِعَ الْعِظَامُ إِلَى مَفَاصِلِهَا، فَإِذَا سَجَدتَ فَمَكِّنِ السُّجُودِ، فَإِذَا
رَفَعْتَ فَاجْلِسْ عَلَى فَخْذَِكَ الْيَسْرَى، ثُمَّ اصْنَعْ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَة وَسَجْدَةٍ
حَتَّى تَطْمَئِنَّ».
[هَذَا لَفْظِ الْمَصَابِيحِ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مَعَ تَغْيِرٍ يَسِيرٍ،
وَرَوَى الْتَّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مَعْنَاهُ] {صحيحَ}
- وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِي قَالَ: ((إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَتَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَكَ اللَّهُ
بِهِ، ثُمَّ تَشَهَّدْ فَأَقِمْ، فَإِنْ كَانَ مَعَكَ قُرْآنٌ فَاقْرَأْ، وَإِلَّا فَاحْمَدِ اللَّهَ وَكَبِّرْهُ وَهَلِّلْهُ،
ثُمَّ ارْکَعْ)).
الشَّرْخُ
٨١٠- قوله: (وَعَنْ رِفَاعَةَ) بكسر راء وخفة فاء وإهمال عين. (بْنِ رَافِع) بن
مالك بن العجلان أبو معاذ الزرقي الأنصاري المدني، بَدْرِيُّ جليل، له أحاديث،
انفرد له البخاري بثلاثة أحاديث. قال ابن عبد البر: شهد رفاعة مع علي الجمل
وصفين. مات في أول خلافة معاوية، وأبوه أول من أسلم من الأنصار، وشهد هو
وابنه رفاعة العقبة (جاءَ رَجُلٌ) هو أخوه خلاد بن رافع، كما تقدم الكلام عليه في
أول الباب. (فَصَلَّى) صلاة خفيفة لم يتم ركوعها ولا سجودها.
(فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ وَِّ) فَرَدَّ النبيِ نََّ وقال: ((وَعَلَيْكَ
السَّلَامُ))، وفي رواية لأحمد: جاء رجل ورسول اللَّه ◌َل جالس في المسجد،
فصلى قريبًا منه، ثم انصرف إلى رسول اللّه وَ له، فقال رسول اللّهُ وَ: ((أَعِدْ
صَلَاتَكَ))، (أَعِدْ) أمر من الإعادة (صَلَاتَكَ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلَّ) أي: صلاة صحيحة،
(٨١٠) أَبُو دَاوُد (٨٥٩) عَنْهُ فِيهَا .

٤١٧
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ
وفيه دلالة واضحة على فرضية التعديل؛ لأنه أمره بالإعادة، ومطلق الأمر
للفرضية؛ ولأن الإعادة لا تجب إلا عند فساد الصلاة، وفسادها بفوات الركن،
ولأنه نفى كون المؤدى صلاة. (فَقَالَ) أي: الرجل في المرة الرابعة. (كَيْفَ
أُصَلِّي؟) وفي رواية أحمد؛ ((كَيْفَ أَصْنَعُ))؟ (إِذَا تَوَجَّهْتَ إِلَى الْقِبْلَةِ) وفي رواية
أحمد: ((إِذَا اسْتَقْبَلْتَ الْقِبْلَةَ))، (فَكَبِّرْ) للتحريمة. (ثُمَّ اقْرَأْ بِأَمِّ الْقُرْآنِ) أي:
الفاتحة، وقراءة الفاتحة فرضٍ عند الجمهور، وهو الحق خلافا للحنفية. (وَمَا شَاءَ
اللَّهُ أَنْ تَقْرَأَ) أي: ما رزقك الله من القرآن بعد الفاتحة. وفيه: أنه يجب قراءة ما زاد
على الفاتحة كما هو مذهب الحنفية خلافا للشافعي، فإن ضم السورة وما قام
مقامها سنة عنده .
قال ابن حجر: ويجاب بحمل ذلك على التأكيد لا الوجوب للخبر الصحيح وهو
قوله ظلَّ: ((أُمُّ الْقُرْآنِ عِوَضٌ عَنْ غَيْرِهَا، وَلَيْسَ غَيْرُهَا عِوَضًا عَنْهَا))، انتهى. قال
الطيبي: وضع ((مَا شَاءَ اللَّهُ)) موضع ((مَا شِئْتَ))؛ لأن مشيئته مسبوقة بمشيئة الله،
كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلََّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] انتهى.
قلتُ: وفي رواية أحمد: ((ثُمَّ اقْرَأْ بِمَا شِئْتَ))، (فَاجْعَلْ رَاحَتَيْكَ) تثنية راحة وهي
الكف. (عَلَى رُكْبَتَيْكَ) فيه رد على أهل التطبيق. (وَمَكَّنْ) من التمكين. (رُكُوعَكَ)
أي: من أعضائك، يعني: تمم بجميع أعضائك، قاله الطيبي. وقال ابن الملك:
أي: اركع ركوعًا تاما مع الطمأنينة. وفي رواية لأحمد: ((مَكِّنْ لِرُكُوعِكَ))، ونقل
الحافظ هذه الرواية من أحمد بلفظ: ((تَمَكَّنْ لِرُكُوعِكَ)). يقال: مكنته من الشيء
وأمكنته منه، أي: جعلت له عليه سلطانًا وقدرة. وتمكن من الأمر، واستمكن منه
أي: قدر وقوي علیه، أو ظفر به.
(وَامْدُدْ) بضم الدال من باب نصر، أي: ابسط. (فَإِذَا رَفَعْتَ) أي: رأسك من
الركوع. (فَأَقِمْ صُلْبَكَ) أي: سَوِّ ظهرك. (حَتَّى تَرْجِعَ الْعِظَامُ) برفعها وتنصب بناء
على أنه لازم ومتعد، أي: تعود أو ترد أنت. (فَمَكِّنْ) أي: يديك. (لِلسُّجُودِ) أي:
اسجد سجودًا تامًّا مع الطمأنينة، قاله ابن الملك. ووضع اليدين في السجود سنة
عند الحنفية، وفرض عند الشافعي، وقال ابن حجر: معناه: فمكن جبهتك من
مسجدك، فيجب تمكينها بأن يتحامل علها بحيث لو كان تحتها قطن انكبس. (فَإِذَا
رَفَعْتَ) أي: رأسك من السجود.

٤١٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(فَاجْلِسْ عَلَى فَخِذِكَ الْيُسْرَى) أي: ناصبًا قدمك اليمنى وهو الافتراش المسنون
في غير الجلسة الأخيرة. (ثُمَّ اصْنَعْ ذَلِكَ) أي: جميع ما ذكر. (فِي كُلِّ رَكْعَةٍ
وَسَجْدَةٍ) أي: ركوع وسجود. (حَتَّى تَطْمَئِنَّ) قال ابن الملك: يريد به الجلوس في
آخر الصلاة، فإنه موضع الاستقرار، يعني: حتى يفرغ.
وقال ابن حجر: راجع إلى جميع ما مرّ، فيفيد وجوب الطمأنينة في الركوع،
والاعتدال، والسجود، والجلوس بين السجدتين. قلتُ: اقتصر أحمد في روايته
على قوله: (ثُمَّ اصْنَعْ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَسَجْدَةٍ)) بدون ذكر قوله: (تَطْمَئِنَّ)). (هَذَا
لَفْظُ الْمَصَابِيحِ) قلتُ: أخرجه أحمد (ج٤: ص ٣٤٠) بهذا اللفظ إلا ما تقدم من
الاختلاف في بعض الألفاظ كما نبهنا على ذلك. (وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مَعْنَاهُ)
وقال الترمذي: حديث رفاعة حديث حسن.
وقال ابن عبد البر: هذا حديث ثابت. وقال الحاكم بعد روايته إياه من طريق
همام، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن علي بن يحيى بن خلاد عن أبيه عن
عمه رفاعة بن رافع: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، بعد أن أقام همام بن
يحيى إسناده، فإنه حافظ ثقة، ووافقه الذهبي. والحديث أخرجه أيضًا الشافعي في
((الأم)) والدارمي وابن الجارود وابن حزم في ((المحلى)) والحاكم والبيهقي.
(وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ) فيه نظر، فإن هذه الرواية ليست للترمذي خاصة بل
أخرجها أبو داود أيضًا. (إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ) أي: أردت القيام فوضع المسبب
موضع السبب. (كَمَا أَمَرَكَ اللهُ بِهِ) أي: في سورة المائدة. (ثُمَّ تَشَهَّدْ) أي: قل:
أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، بعد الوضوء.
(فَأَقِمْ) أي: الصلاة. وقيل: معنى تشهد أذن؛ لأنه مشتمل على كلمتي
الشهادة، فأقم على هذا يراد به الإقامة للصلاة، كذا نقله مَيْرَك عن ((الأزهار))،
قلتُ: الظاهر أن المراد بقوله: ((ثُمَّ تَشَهَّدْ فَأَقِمْ)) الأذان والإقامة، يدل عليه ما زاده
الترمذي في روايته من لفظ: ((أَيْضًا)) بعد قوله: ((فَأَقِمْ)).
(فَإِنْ كَانَ مَعَكَ قُرْ آنٌ فَاقْرَأْ) أي: ما تيسر. وقد تقدم أن تمسك الحنفية على عدم
ركنية الفاتحة ليس بصحيح؛ لأن الفاتحة وإن لم تكن ركنًا لكنها واجبة عندهم

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ
٤١٩
أيضًا، والسياق سياق التعليم، فلو فرضنا أنه لم يعلمه يلزم درجة كراهة التحريم في
سياق التعليم، ولا يجوز أصلًا مع أنها مذكورة في حديث رفاعة صراحة. كما
تقدم آنفًا، وإن كانت مجملة في حديث أبي هريرة. وكذا في بعض طرق حديث
رفاعة. ثم أقول: إن قوله هذا كان لكون الرجل بدويًّا أعرابيًّا لا يدري أنه كان عنده
شيء من القرآن أم لا ، وحينئذٍ ينبغي أن يكون التعبير هكذا؛ ولذا قال: (وَإِلَّا فَاحْمَدٍ
اللَّهَ وَكَبِّرْهُ) فدل على أنه كان ممن لا يستبعد منه أن لا يكون عنده قرآن أصلاً. وإذن
لا يلائمه أن يأمره بالفاتحة والسورة تفصيلاً، وإِنما أليق بحاله الإجمال، فيقرأ بما
يقدر، قاله الشيخ محمد أنور الكشميري. (وَإِلَّا) أي: وإن لم يكن معك قرآن.
(فَاحْمَدِ اللَّهَ) أي: قل: الحمد لله. (وَكُبِّرْهُ) أي: قل: الله أكبر. (وَهَلِّلْهُ) أي:
قل: لا إله إلا الله. وفيه: دليل على أن الذكر المذكور يجزئ من لم يكن معه شيء
من القرآن، وليس فيه ما يقتضي التكرار فظاهره أنها تكفي مرة، وسيأتي الكلام فيه
مفصلًا في باب القراءة في الصلاة.
٨١١- [١٦] وَعَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وٍَّ :
((الصَّلَاةُ مَثْنَى مَثْنَى. تَشَهَّدُ فِي كُلُّ رَكْعَتَيْنٍ، وَتَخَشَّعُ، وَتَضَرَّعُ، وَتَمَسْكَنُ،
وَتَذَرَّعُ، وَتُقْنِعُ يَدَيْكَ - يَقُولُ: تَرْفَعُهُمَا - إِلَى رَبِّكَ مُسْتَقْبِلًا بِبُطُونِهِمَا
وَجْهَكَ، وَتَقُولُ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَهُوَ كَذَا وَكَذَا)). وفي
رواية: ((فَهِوَ خِدَاجٌ )).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ] {ضعيف}
الشَّرْحُ
٨١١- قوله: (الصَّلَاةُ مَثْنَى مَثْنَى) قيل: الصلاة مبتدأ ومثنى مثنى خبره،
والأول تكرير والثاني توكيد، وقوله: (تَشَهَّدُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ) خبر بعد خبر،
كالبيان لمثنى مثنى، أي: ذات تشهد، وكذا المعطوفات، ولو جعلت أوامر اختل
النظم، وذهبت الطراوة والطلاوة، قاله الطيبي. وقال التوربشتي: وجدنا الرواية
(٨١١) التِّرْ مِذِي (٣٨٥) عَنْهُ فِيهَا .