النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
نسبوهم بعظم الجسارة بهذا القول، وكما وقع الطعن من هذا الوجه، وقع على
أشد من ذلك من حيث استلزام هذا القول منهم تقديم الرأي على السنة الثابتة عن
رسول اللَّه ◌َ لير، وعدم التعبد في كلام الشارع المعصوم ◌ّ، فإن السند فيه باب
القياس، وتعويلهم على رأي من يجوز عليه الخطأ والرجوع عن رأيه في ساعة.
وقد جروا على ذلك في حديث المصراة من مسند أبي هريرة، وقد أجبنا عنه في
وَرَيْقَاتٍ بما يتبين به وفاق القياس بالحديث من غير خافية. ثم ذكر ما عللوا به
تقديم القياس على السنة، وبسط الكلام في الرد عليه، ثم قال: وإذ تبين أنه لا أثر
لفقه الراوي في صحة الحديث وقوته على حديث غير الفقية، وأن أصحاب أبي
حنيفة - أي: المتأخرين - إنما يرون الأثر لكثرة الفقه وقلته من جهة أخرى غير
ترجيح المروي - وهي تقديم القياس على فساده - فنسبة القول بترجيح رواية الفقيه
على غير الفقيه إلى أبي حنيفة في هذه الحكاية من أمارات الاختلاق عليها.
الرابع: كما دل العقل على أن فقه الراوي لا أثر له في صحة الرواية، فلا يستند
قول ذلك إلى أبي حنيفة دل النقل من الثقات على أنه قول موضوع مختلق على
السلف الصالح، ومستحدث من المتأخرين ممن لا يعبأ بقوله على وضوح فساده.
شهد بذلك فخر الإسلام، والشيخ الأجل عبد العزيز صاحب الكشف والتحقيق،
وهو شيخ الإمام ابن الهمام. وصرح بذلك في ((التحقيق)). قال: ولم ينقل من أحد
من السلف اشتراط الفقه من الراوي، فثبت أنه قول مستحدث، انتهى. وإذا اجتمع
العقل والنقل قويت الأمارات، وصارت دليلاً قطعيًّا على كذب الحكاية
واختلاقها. الخامس: سلمنا أن لفقه الراوي أثرًا على ترجيح مرويه على مروي غير
الفقيه - كأبي هريرة وأنس وجابر عند المتجاسرين من بعض الحنفية - فلا نسلم أن
رجال حديث ابن عمر غير فقهاء، ترجح على مرويهم حديث ابن مسعود لفقه
رواته، وكون رجاله أفقه من رجال ابن عمر، إن سلم فلا نسلم حصول الترجيح
بحديث ابن مسعود بحيث يترك به رأسًا حديث ابن عمر؛ لرجوعه إلى باب خلاف
الأضبط مع الضابط، والترجيح الحاصل بكثرة الضبط مع إتقان ضبط المخالف
على ما يدفع مخائل الخطأ عنه لا يوجب ترك المرجوح رأسًا، وعدم العمل به أصلاً
حتى يعد من مكروهات الصلاة، بل البدعة الحادثة !! على أن حديث ابن عمر في
الرفعات قد عرفت فيما سبق أنه قل حديث يوازيه في القوة، وأنه من المتواترات،

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ
٣٦١
فهو طور موطر لا يزعزعه عاصفات الرياح فضلاً عن غيرها. ولقد صدق ابن
الجوزي حيث قال: ما أبلد من يحتج بهذه الأحاديث - يعني: التي تروى في عدم
الرفع - إلا مرة في التحريم؛ ليعارض بها الأحاديث الثابتة، حكاه الحافظ ابن
حجر في تخريج ((مسند الرافعي)) (ص٨٣). وحاصل الكلام هاهنا: أن هذه
الحكاية عن أبي حنيفة بعد كونها معلقة غير مقبولة قد قامت الدلائل الواضحة على
عللها القادحة، فيستغرب الإقدام ممن يقدم على إيرادها في محل الاحتجاج أو
الاعتبار. انتهى كلام الشيخ محمد معين مختصرًا. ومنها: ما قال هذا البعض
أيضًا: أن مقتضى القياس ترجيح روايات الترك؛ لأن الشرع جعل لانتقالات
الصلاة علامة، وهي التكبير والذكر، وجعل لابتداء الصلاة وانتهائها علامة أخرى
أيضًا مع الذكر، وهي الرفع عند البداية، وتحويل الوجه عند السلام، فينبغي أن
يكون حكم الانتقالات واحدًا على وفق نظائرها، وحكم الطرفين واحدًا.
وفیه کلام من وجوه:
الأول: أن المصير إلى القياس إنما يكون إذا تعارض النَّصَّانِ، وهو هاهنا منتف
لما تقدم مرارًا من عدم موازاة أحاديث الترك لأحاديث الرفع، ولو سلم التعارض
فالرجوع إلى القياس، إنما يكون إذا لم يمكن الجمع، وأما إذا أمكن يلزم أن
يجمع، وهاهنا العمل بكلتيهما ممكن كما حققه السندي والشيخ عبد الحي
اللكنوي وغيرهم ممن لم يقل بنسخ جواز الرفع، وإذا كان الأمر كذلك، فمرجع
هذا الوجه ترك السنة الصحيحة الثابتة المتواترة بمجرد القياس، ولا يجتريء عليه
إلا مقلد جاهل، أو عالم متعصب لرأي إمامه.
والثاني: أن الشرع الذي جعل لابتداء الصلاة علامة الرفع مع الذكر، قد جعل
لانتقالاتها أيضًا هذه العلامة، وهذا مما لا يمكن إنكاره لأحد كائنًا من كان،
فالإقرارُ بشرعية هذه العلامة في موضع، وإنكارها في موضع آخر، مع أنهما
ثابتان بتواتر الإسناد والعمل - بعيدٌ من العاقل.
والثالث: أن القياس يقتضي ترجيح روايات الرفع في المواضع الثلاثة، أي:
عند الركوع، وبعد رفع الرأس منه عند إرادة الهوي للسجود، وعند القيام إلى
الركعة الثالثة؛ ليكون حكم جميع الانتقالات واحدًا. وإليه أشار الشاة ولي الله

EECE
٣٦٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
حيث قال: السر في ذلك أن رفع اليدين فعل تعظيمي، ينبه النفس على ترك
الأشغال المنافية للصلاة والدخول في حيز المناجاة، فشرع ابتداء كل فعل من
التعظيمات الثلاث؛ لتنتبه النفس لثمرة ذلك الفعل مستأنفًا، انتهى.
والرابع: أن قوله: فينبغي أن يكون حكم الطرفين واحدًا. يقتضي أن يشرع
الرفع عند السلام أيضًا ليكون الطرفان متشابهين، ولا إغراب في ذلك؛ لأن هذا
من نتائج تحكيم القياس والاعتماد على الرأي مع وجود النص الصريح الصحيح.
ومنها: ما ذكر هذا البعض أيضًا نقلًا عن الباجي: أن كل تكبير شرع في الصلاة
يكون عند عمل قرن به للانتقال من حال إلى حال، فلما لم يكن عند تكبيرة الإحرام
عمل من الانتقال عن حال إلى حال قرن به رفع اليدين، كما قرن بالسلام الإشارة
بالوجه والرأس لما لم يكن عنده الانتقال من حال إلى حال، انتهى.
وحاصله: أن مقتضى القياس أن لا يشرع الرفع مع التكبير المقرون بعمل من
الانتقال من حال إلى حال؛ لعدم الاحتياج إلى عمل الرفع مع وجود عمل الانتقال،
لكون هذا العمل كافيًا للدلالة على الانتقال، بخلاف التكبير الغير المقرون مع
عمل الانتقال، فإن عدم وجود عمل دال على الانتقال هناك يقتضي أن يشرع الرفع
منه؛ ليكون عمل الرفع علامة الانتقال من حال إلى حال، فترك الرفع في غير
الافتتاح موافق للقياس من هذه الجهة بخلاف الرفع، فيترجح الترك ورواياته على
الرفع ورواياته. وفيه: أن القياس الصحيح يرجح الرفع لا الترك؛ لما تقدم أن رفع
اليدين فعل تعظيمي ينبه النفس على ترك الأشغال المنافية للصلاة، والدخول في
حيز المناجاة، ولذلك ابتدأ به في الصلاة، فينبغي أن يشرع ابتداء كل فعل من
التعظيمين أيضًا به؛ لتنتبه النفس لثمرة ذلك الفعل مستأنفًا، وليكون التعظيمات
الثلاث في حكم واحد، وليتقوى العبادة بتوافق القول وعمل الجوارح، ولما تقدم
أيضًا أن ترك الرفع عدمي محض وترك عبادة، بخلاف الرفع فإنه وجودي وعبادة،
فيترجح على الترك. وقد ظهر من هذا أن القياس الذي أبداه الباجي، ثم نقله هذا
البعض عنه لترجيح الترك مردود؛ لما فيه من إهمال أحاديث الرفع الصحيحة الثابتة
المتواترة وطرحها، بخلاف ما ذكرنا من الوجهين لترجح الرفع؛ فإنه موافق لهذه
الأحاديث ومؤيد بها، فلا يشك في كونه صحيحًا ومقبولًا .

كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ
٣٦٣
ومنها: ما ذكر هذا البعض أيضًا نقلًا عن الطحاوي، وذكره الزيلعي أيضًا في
((نصب الراية)). قال الطحاوي: مذهبنا أيضًا قوي من جهة النظر؛ فإنهم أجمعوا
على أن التكبيرة الأولى معها رفع، وأن التكبيرة بين السجدتين لا رفع بينهما،
واختلفوا في تكبيرة الركوع وتكبيرة الرفع منه، فألحقهما قوم بالتكبيرة الأولى،
وألحقهما قوم بتكبيرة السجدتين. ثم إنا رأينا تكبيرة الافتتاح من صلب الصلاة، لا
تصح بدونها الصلاة، والتكبيرة بين السجدتين ليست بذلك، ورأينا تكبيرة الركوع
والنهوض ليستا من صلب الصلاة فألحقناهما بتكبيرة السجدتين، انتهى.
وفيه نظر من وجوه :
أولها: أن الرفع عند التكبيرة الأولى ليس بمجمع عليه؛ فإن مالكًا قال في رواية
عنه: أنه لا يستحب، نقله صاحب ((التبصرة))، وحكاه الباجي عن كثير من
متقدميهم، كذا في ((الفتح)) (ج ٣: ص٤٠٣). وفي ((المنتقى شرح الموطأ)) لأبي
الوليد الباجي: ذهب جمهور الفقهاء إلى أن رفع اليدين عندها مشروع، وروي عن
بعض المتقدمين المنع عن ذلك، انتهى. واستدل لهم بحديث جابر بن سمرة:
((مَالِي أَرَى رَافِعِي أَيْدِيكُمْ))، وبما روى الطحاوي عن الأسود قال: صليت مع عمر
فلم يرفع يديه في شيء من صلاته. وبما نقل بعض الحنفية عن الطحاوي أنه روى
عن إبراهيم قال: كان عبد الله بن مسعود لا يرفع يديه في شيء من الصلاة.
ثانيها: أن ترك الرفع بين السجدتين أيضًا ليس بمجمع عليه، فقد ذهب إلى
شرعيته أيوب السختياني وطاوس ونافع وعطاء وغيرهم. وقد قال به من الشافعية:
ابن المنذر وابن خزيمة وأبو علي الطبري وغيرهم.
وثالثها: أن الذين قالوا بالرفع عند تكبيرة الركوع ورفع الرأس منه؛ إنما
اعتمدوا في ذلك على ما ورد فيه من الأحاديث الصحيحة، لا على قياس تكبيرة
الركوع والنهوض على التكبيرة الأولى وإلحاقهما بها.
رابعها: أن تكبيرة الركوع والنهوض، وكذا تكبيرات السجود الظاهر أنها
واجبة، ومن صلب الصلاة مثل التكبيرة الأولى؛ لما روى أبو داود وابن حزم في
((المحلى)) (ج٣: ص ٢٥٦)، وابن الجارود في ((المنتقى)) (ص ١٠٣، ١٠٤)
وغيرهم حديث المسيئ في صلاته بلفظ: ((لَا تَتِمُّ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يُسْبِغَ الْوُضُوءَ

٣٦٤
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
كَمَا أَمَرَهُ اللهُ ... )) الحديث. وفيه: ذكر جميع التكبيرات بسياق واحد، ولما روى
أبو داود أيضًا عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ: ((أن رسول اللَّه ◌َّ خطبنا وعلمنا وبين لنا
سنتنا، وعلمنا صلاتنا ... )) الحديث. وفيه: ((فَإِذَا كَبَّرَ - أي: عِنْدَ الاِفْتِتَاحِ -
فَكَبِّرُوا))، وفيه أيضًا: ((فَإِذَا كَبَّرَ وَرَكَعَ فَكَبِّرُوا وَارْكَعُوا))، وفيه أيضًا: ((وَإِذَا كَبَّرَ
وَسَجَدَ فَكَبِّرُوا وَاسْجُدُوا))، فقوله وَّهَ: (لَا تَتِمُّ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يَفْعَلَ كَذَا
وَكَذَا))، وقوله: (كَبِّرُوا)) يدلان على وجوب تكبيرات الانتقالات. قال ابن قدامة في
((المغني)): المشهور عن أحمد أن تكبير الرفع والخفض واجب. وهو قول داود
وإسحاق، انتهى.
قلتُ: وهو قول ابن حزم، وهو أيضًا مؤدى رواية ابن القاسم من المالكية؛ إذ
قال: لو أسقط ثلاث تكبيرات سجد للسهو، وإلا بطلت الصلاة، انتهى.
ومنها: ما يفهم من كلام بعض الحنفية في رسالته في مسألة رفع اليدين: أن
الرفع والترك كلاهما ثابتان في الخارج لاتصال العمل بهما من لدن عصر النبوة إلى
يومنا هذا، لكن من استقصى صفة الصلاة من الصحابة لم يذكر كثير منهم الرفع،
وسكوتهم عن ذكره في حكم ذكر الترك، وحينئذٍ يزيد عدد روايات الترك على
روايات الرفع، ومن المعلوم أن الكثرة من المرجحات عند الاختلاف، كما صرح
به الحازمي والعيني وغيرهما. وفيه: أنه لم يثبت ترك الرفع في الخارج عن أحد إلا
عن جماعة من أهل الكوفة كما تقدم، وعلى هذا فالروايات التي ليس فيها ذكر
الرفع مع بيان صفات الصلاة الأخرى تحمل على أن الرواة اختصروا فيها ذكر
الرفع لشهرته، فربما يذكر الراوي ما يحتاج إليه السائل، ويحذف ما كان معلومًا
ومشهورًا، فسكوت من سكت عن ذكر الرفع لا يكون في حكم ذكر العدم والترك،
فإيراد الحنفية هذه الأحاديث المختصرة الساكتة عن ذكر الرفع لإثبات الترك إيراد
في غير محلها. وأما ما قال هذا البعض: أن كثيرًا ممن استقصى صفة الصلاة لم
یذکروا الرفع، فهو ادعاء محض، ولو سلم ذلك كله فلا يزيد بذلك عدد روايات
الترك؛ لأن رواة الرفع قد بلغوا خمسين، بل قد صح فيه أربعمائة خبر وأثر، ورواه
العشرة المبشرة على ما قاله المجد الفيروز آبادي في ((سفر السعادة)). ولا وجه
لحمل قوله على المبالغة كما توهم بعض الحنفية. ومنها: ما يفهم من كلام هذا
البعض أيضًا أنه جاء في التحريمة وغيرها من بعض أفعال الصلاة، وأحوالها

٣٦٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صِفَةِ الصَّلاةِ
وأذكارها أحاديث قولية وفعلية، وفي بعضها أحاديث قولية فقط، ولم يرو حديث
قولي في الرفع في غير الافتتاح أصلًا، وكثير ممن استقصى صفة الصلاة لم
يذكره، وهذا يدل على أن الرفع ليس مقصودًا أصليًّا. وفيه: أن بت الحكم بعدم
ورود حديث قولي في الرفع في غير الافتتاح متعذر بل هو غير صحيح، كيف وقد
قال رسول اللَّه ◌َليه لمالك بن الحويرث وأصحابه بعد ما صلى بهم مع عمل الرفع:
((صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي)» فقوله هذا متضمن للأمر بالرفع في غير الافتتاح أيضًا.
ولو سلم عدم ورود حديث قولي صريح فيه، فلا يدل ذلك على أن الرفع ليس
بمقصود أصلي؛ لأن مواظبته بّ عليه، ثم إجماع الصحابة عليه بعده وتواتر العمل
به إلى يومنا هذا أهم وأعظم من ورود حديث قولي فيه. فهو أكبر دليل على كون
الرفع مقصودًا ومطلوبًا في الصلاة. وكيف لا يكون الرفع كذلك وهو فعل
تعظيمي؟ وهو أيضًا فعل ينبئ عن ترك ما سوى الله، وتجديد التنبه لترك ما
سوى الله أصل من الصلاة مطلوب.
ومنها: ما يفهم من كلام هذا البعض أيضًا أن استغراب الرواة الرفع، وترددهم
فيه وتساؤلهم عنه يرجح الترك، فعند أبي داود، أن ميمون المكي رأى عبد الله بن
الزبير وصلی بهم یشیر بکفیه حین یقوم، وحین یرکع، وحین یسجد، وحین ینهض
للقيام، فيقوم فيشير بيديه؛ فانطلقت إلى ابن عباس، فقلتُ: إني رأيت ابن الزبير
صلى صلاة لم أر أحدًا يصليها، فوصف له هذه الإشارة، فقال: إن أحببت أن تنظر
إلى صلاة رسول اللَّه ◌َ ل فاقتد بصلاة ابن الزبير. وعند أحمد في ((مسنده)) (ج٢ :
ص١٤٥): قال محارب بن دثار: رأيت ابن عمر يرفع يديه كلما ركع، وكلما رفع
رأسه من الركوع. قال: فقلت له: ما هذا؟ قال: كان النبي ◌َّة إذا قام من الركعتين
كبر ورفع يديه. وعنده أيضًا في (ج٢: ص٤٥) عن سالم بن عبد الله بن عمر، أنه
رأى أباه يرفع يديه إذا كبر، وإذا رفع رأسه من الركوع، فسألته عن ذلك، فزعم أنه
رأى النبي وَّل يصنعه. فتردد الرواة وتساؤلهم عنه يدل على خمول الرفع فيهم،
وكونه متروكًا عندهم، وإلا لما استغربوه، وهذا يقتضي كون الترك أرجح. وفيه أن
هذه الأحاديث الثلاثة تدل على أن الرفع سنة مستمرة غير منسوخة؛ لأنه لو كان
جواز الرفع، أو استحبابه منسوخًا لما أمر ابن عباس ميمونًا المكي باقتداء صلاة

٣٦٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ابن الزبير، ولما كان عمل ابن عباس وابن عمر بالرفع بعده وَّة؛ لأنه لا يجوز
العمل بالمنسوخ، والاستمرار على غير المستحب والأولى. وكون الرفع سنة
مستمرة غير منسوخة يقتضي أن الرفع أرجح من الترك.
وأما قول ميمون: لم أر أحدًا يصليها، فيمكن أن يكون المراد: لم أر أحدًا أي
في الكوفة. فقد تقدم قول محمد بن نصر: أنه أجمع علماء الأمصار على مشروعية
ذلك إلا أهل الكوفة. على أن ميمونًّا المكي هذا مجهول، وفيه أيضًا ابن لهيعة،
وفيه مقال معروف، والسائل في الحديث الثاني محارب بن دثار، وهو كوفي،
وقد علمت آنفًا أن ترك هذه السنة لم يكن إلا في الكوفة، فالظاهر: أن محاربًا لما
رأى من ابن عمر خلاف ما عهده بالكوفة من عدم الرفع تعجب وسأل ابن عمر عن
ذلك؛ وهذا لعدم علمه بهذه السنة، وهذا لا يدل على كون الرفع مخمولًا،
ومتروكًا عندهم، وعلى فقدان العمل به فيهم. على أن استغراب محارب وتعجبه،
إنما كان من الرفع عند النهوض للركعة الثالثة، لا من الرفع عند الركوع وعند رفع
الرأس منه، يدل على ذلك قول ابن عمر: ((كان النبي وقّ، إذا قام في الركعتين كبر
ورفع يديه))، ولو لم يكن تعجب محارب من هذا الرفع لما سكت بسماع جواب
ابن عمر المتقدم. وعلى هذا فإيراد هذا الحديث للاستدلال به على خمول الرفع
عند الركوع والرفع منه، وعلى ترجح الترك فيهما ليس بصحيح. وأيضًا غاية ما
تشير إليه هذه الروايات هو أن جماعة من الناس تسامحوا في هذه السنة فتركوها،
كما أن بني أمية تركوا نفس التكبيرات، والمحافظة على أوقات الصلاة، والتعديل
في الأركان، ولا نعلم أحدًا استدل بتسامحهم في هذه الأمور، وترك اهتمامهم
بها، وتكاسلهم عنها، على أن ترك التكبيرات والتعديل، وتأخير الصلاة عن أوقاتها
أرجح، فكذلك هاهنا أيضًا لا يصح الاستدلال بهذه الروايات على خمول الرفع
فيهم، ولا على كون الترك أرجح. سلمنا دلالتها على خمول الرفع، لكنها تدل عليه
بالإشارة. ومن المعلوم أن العبارة مقدمة على الإشارة. على أنه لا يعبأ بترك من
تركه كائنًا من كان بعد ما ثبت كونه سنة مستمرة متواترة إسنادًا وعملًا، إذا جاء
نهر اللَّه بطل نهر معقل.
ومنها: ما قال هذا البعض أيضًا: أن تخصيص ابن عمر الرفع بالذكر من بين
سائر صفات الصلاة، وتنويهه به، واهتمامه بأمره يدل على خموله في زمانه؛ ولذا

٣٦٧
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ
لم يتوجه إلا إلى الرفع خاصة، ولعله رأى فيه تركًا، فأراد إحياء الرفع، ورمى
التاركين بالحصى، ولو لم يكن هناك تاركون فمن ذا الذي كان يرميهم؟ نعم: لو
كان في طريق من طرق روايته ذكر صفات أخرى أيضًا لحملناه على الاختصار
فقط، إلا أنه لما لم يتعرض إلا إلى هذا الجزء خاصة، علمنا فيه خمولًا في زمانه
بحيث احتاج إلى الاستدلال والتفصيل، ولو كان الرفع فاشيًا ولم يكن هناك تارك
كما زعموه فأي حاجة دعته إلى اهتمامه أي اهتمام.
وقال تلميذه: إن التخصيص بالذكر مما يحتاج إلى نكتة، ألا ترى أن بعض
الأمراء لما تركوا التكبيرات حالة الخفض احتاج الصحابة إلى التعرض لحالها
خاصة، ففي البخاري عن عكرمة، قال: صليت خلف شيخ بمكة فكبر ثنتين
وعشرين تكبيرة، فقلت لابن عباس: إنه أحمق. فقال: ثكلتك أمك، سنة أبي
القاسم بَّيه. وعن سعيد بن الحارث، قال: صلى لنا أبو سعيد الخدري، فجهر
بالتكبير حين رفع رأسه من السجود وحين سجد وحينٍ رفع من الركعتين. وفي
الموطأ عن علي بن الحسين مرسلًا، قال: كان رسول اللَّه وَ ل يكبر في الصلاة كلما
خفض ورفع، فلم تزل تلك صلاته حتى لقي الله. فما ترى أمثال ذلك كيف
خصصوا التكبيرات بالذكر من بين سائر صفات الصلاة؟ فكما أن اعتناءهم ببيان
التكبير دل عندهم على فقدان العمل في زمنهم، كذلك اعتناء ابن عمر بالرفع يدل
على فشو العمل بالترك في الموضعين، وإثباته بين السجدتين، فاحتاج إلى إثباته أو
نفيه. قال: وهناك نظائر أخرى بعضها ألصق من بعض، فقد أخرج مسلم عن جابر
ابن سمرة، قال: كان النبي وَّل يخطب قائمًا، ثم يجلس، ثم يقوم، فيخطب
قائمًا، فمن نبأك أنه كان يخطب جالسًا فقد كذب. وإنما احتاج إلى تأكيد القيام من
بين سنن الجمعة؛ لأن بعضهم كعبد الرحمن بنٍ أم الحكم كان يخطب قاعدًا.
وأخرج الشيخان عن ابن عمر قال: كان رسول اللّه وَل، وأبو بكر، وعمر يصلون
العيد قبل الخطبة، ومثله روي عن جابر والبراء، وغيرهم. وذلك لأن بعض الأمراء
كمروان بن الحكم كان قدم الخطبة، فقد علمت بما ذكرنا أن الصحابة ماذا كانوا
يريدون من التخصيص بالذكر، وعليه فليقس حديث ابن عمر في رفع اليدين،
انتهى. وفيه: أن حديث ابن عمر هذا ليس فيه أدنى دلالة على خمول الرفع،
وفقدان عمل الناس به، وفشو تركه في زمنه، بل هو يدل على عكس ما فهم منه هذا

٣٦٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
البعض، أي: على كون الرفع سنة مستمرة فاشية معمولا بها في زمانه، وكون
خلافه مخمولًا في عصره؛ لأنه لم يرو الإنكار عن أحد من الصحابة على روايته
وعمله به، بل وافقه كثير من الصحابة في رواية الرفعات، واتفق جميعهم معه على
العمل بالرفع، وأيضًا صدق جماعة منهم: أباحميد الساعدي في رواية الرفع،
وهذا كله يدل على فشو هذه السنة في زمن الصحابة لا على خموله، نعم لا ننكر أنه
كان هناك من غير الصحابة من يتركه، إما لجهله بهذه السنة، وإما لرؤيته هذه السنة
غير مؤكدة، وإما لتكاسله عنها كما ترك بعضهم التكبيرات ونحوها، فكان ابن عمر
يعلم من تركها لجهله عنها، ويخبر بكونه سنة مؤكدة من يهون أمرها، ويحث على
العمل بها من يتكاسل ويتوانى عنها، فكان إذا رأى مصليًا لا يرفع حصبه. رواه
أحمد بسنده عن نافع بهذا اللفظ. ورواه البخاري في ((جزئه)) بلفظ: ((رَمَاهُ
بالحَصَى)). وترك بعض الناس هذه السنة لا يدل على كون الترك فاشيًا وذائعًا،
وعلى كون العمل بالرفع مفقودًا ومهجورًا ومتروكًا، بل يدل على شذوذ الترك
وندرته وقلته كما لا يخفى. على أنا لا نسلم أن ابن عمر خصص الرفع بالذكر من
بين سائر صفات الصلاة، ولم يتعرض لغيره من صفاتها؛ لأنه قد روي عنه صفات
أخرى أيضًا للصلاة: ففي ((مسند أحمد)) (ج٢: ص١٥٢) عنٍ واسع، أنه سأل
عبد الله بن عمر عن صلاة رسول اللّه وَ لهفقال: كان يقول: ((اللَّهُ أَكْبَرُ كُلَّمَا وَضَعَ
وَكُلَّمَا رَفَعَ، ثُمَّ يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى يَمِينِهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ عَلَى
یَسَارِهِ))، ونحوه في (ج٢: ص٨٦).
وفيه أيضًا (ج٢: ص١٤٧) عن سالم، عن ابن عمر: أنه سمع رسول اللّهِ وَ لَه قال
في صلاة الفجر حين رفع رأسه من الركعة، قال: ((رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ))، في الركعة
الآخرة. ثم قال: ((اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا ... )) الحديث، وفيه أيضًا (ج٢: ص١٤٧) عن
نافع، عن ابن عمر: أن رسول اللَّه وَلَ كان إذا جلس في الصلاة وضع يديه على
ركبتيه، ورفع إصبعه اليمنى التي تلي الإبهام فدعا بها، ويده اليسرى على ركبته
باسطها عليها .
وفيه أيضًا (ج٢: ص ١٤٧) عن نافع عن ابن عمر، قال: نهى رسول اللّه وَلّ أن
يجلس الرجل في الصلاة وهو يعتمد على يديه. وفيه أيضًا (ج٢: ص٧٢): أن

٣٦٩
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ
رجلًا صلى إلى جنب ابن عمر، فجعل يعبث بالحصى، فقال: لا تعبث بالحصى،
فإنه من الشيطان، ولكن اصنع كما كان رسول اللَّه وَ ل يصنع. قال هكذا، وضع
يده اليسرى، وبسط على ركبته اليسرى، ووضع يده اليمنى على ركبته اليمنى،
وكأنه عقد وأشار بالسبابة. وفيه أيضًا (ج٢: ص١٤) عن ابن عمر، قال: بينا نحن
نصلي مع رسول اللَّه وَّهِ؛ إذ قال رجل في القوم: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ للهِ
كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، فقال رسول اللّه وَلَه: ((مَنِ الْقَائِلُ: كَذَا
وَكَذَا؟))، فقال رجل: أنا يا رسول الله، قال: ((عَجِبْتُ لَهَا، فُتِحَتْ لَهَا أَبْوَابُ
السَّمَاءِ))، قال ابن عمر: فما تركتهن منذ سمعت رسول اللَّه وَ لَه يقول ذلك. وهذه
الروايات كما ترى مشتملة على صفات أخرى للصلاة غير الرفع، فروى ابن عمر
لبعض أصحابه وهو ابنه سالم الرفعات، والتحميد، والقنوت في النازلة.
ولمحارب بن دثار الكوفي الرفع فقط. ولبعضهم - وهو واسع - التكبير في كل
خفض ورفع، والتسليم عن اليمين واليسار للانصراف من الصلاة. ولبعضهم -
وهو مولاه نافع - الرفعات، ووضع اليدين على الركبتين في التشهد، ورفع
المسبحة، والإشارة بها والنهي عن الاعتماد على اليدين في حالة الجلوس.
ولبعضهم عقد الأصابع في التشهد، والإشارة بالسبابة. ولبعضهم شرعية قول:
الله أكبر كبيرًا .. إلخ. وعلى هذا فرواية الباب تحمل على الاختصار. ولو سلمنا
عدم الاختصار في روايته، وأنه خصص الرفع بالذكر فنكتة التعرض لحالة خاصة،
إنما هو سؤال الجاهل عن هذه السنة، وعدم رفع بعض الناس لجهله، أو لرؤيته سنة
غير مؤكدة، أو لتكاسله، وهذا لا يدل على خمول الرفع فيهم وفقدان العمل به
عندهم، ولا على نسخه، ولا على كون الترك أرجح والأولى، وهذا كما تعرض
الصحابة للتكبيرات خاصة لأجل ترك بعض بني أمية إياها، وتعرض جابر للقيام في
خطبة الجمعة لأجل ترك معاوية أوعبد الرحمن بن أم الحكم القيام فيها. واهتم ابن
عمر وغيره بأمر تقديم صلاة العيد على الخُطْبة، لأجل تقديم مروان الخطبة على
الصلاة. وتعرض جابر لكون صلاة العيد بغير أذان وإقامة. ولا شك أن تعرض
هؤلاء الصحابة لهذه الأمور خاصة بسبب ترك بعض الناس، لا يدل على كون
التكبيرات، والقيام في خطبة الجمعة، وتقديم الصلاة على الخطبة، وكون صلاة
العيد من غير أذان وإقامة مخمولة متروكة مهجورة، ولا على فقدان العمل بها في

٣٧٠
**
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
زمنهم، ولا على كون خلافها فاشيًا ذائعًا. ولا نعلم أحدًا استدل بهذه الأحاديث
على أن التكبيرات وغيرها مما تقدم ذكرها آنفًا منسوخة، أو على أن تركها أرجح
وأولى، فكذا اعتناء ابن عمر بالرفع خاصة لا يدل على كون الرفع مخمولًا ومتروكًا
ومهجورًا، وعلى كون تركه فاشيًا ذائعًا شائعًا. ولذلك لم يذهب إليه ذهن أحد
ممن كان قبل هذا البعض من المقلدين لكونه خلاف الظاهر والواقع حقًّا.
واعلم: أنه قد تفوه بعض الحنفية أن حديث ابن عمر مع كونه مخرجًا في
الصحيحين مضطرب من وجوه:
أحدها: الاختلاف في الرفع والوقف، فرفعه سالم ووقفه نافع.
وثانيها: الاختلاف في مواضع الرفع، فروي عنه بذكر الرفع في موضعين فقط
أي عند الافتتاح، وعند رفع الرأس من الركوع، وهو عند مالك في ((الموطأ))،
وبذكره عند الافتتاح، والركوع، ورفع الرأس منه، وهو عن مالك خارج
((الموطأ))، وبذكره بعد الركعتين أيضًا في رواية نافع، وعدم ذكره في رواية سالم
بل بنفيه في رواية لنافع؛ فقد روى الدار قطني في ((الغرائب)) بإسناد حسن: ((وَلَا
يَرْفَعُ بَعْدَ ذَلِكَ)). فإن ظاهره يشمل النفي عما عَدَا المواضع الثلاثة، وروي عنه بنفيه
عند السجود في الصحيحين وغيرهما، وبذکره عنده في جزء رفع اليدين للبخاري،
وفي ((المعجم الأوسط)) للطبراني، قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)): إسناده
صحيح، وروي عنه الرفع في كل خفض، ورفع، وركوع، وسجود، وقيام،
وقعود، وبين السجدتين، كما في ((مشكل الطحاوي)).
وثالثها: الاختلاف في عمله؛ فروي عنه الرفع عند الافتتاح فقط، وهو عن
مجاهد من طريق أبي بكر بن عياش، عن حصين. وقد تابع مجاهدًا عبد العزيز بن
حکیم، وعطية العوفي، وروي عنه الرفع عند الركوع والرفع منه، وعند النهوض
للركعة الثالثة، وروي عنه الرفع عند السجدتين وبين الركعتين أيضًا كما في
((المحلى)) لابن حزم (ج٤: ص٩٣).
ورابعها: الاختلاف في مقدار الرفع، فروي عنه مرفوعًا الرفع حذو المنكبين
عند رفع الرأس من الركوع، كما يرفع حذو منكبيه عند الافتتاح وعند الركوع،
وروي من عمله عند مالك أنه كان إذا رفع رأسه من الركوع رفعهما دون ذلك،

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ
************** *
٣٧١
ويعارضه ما في أبي داود، قال ابن جريج: قلت لنافع: أكان ابن عمر يجعل الأولى
أرفعهن؟ قال: لا، سواء.
قلتُ: أراد هذا البعض بادعاء الاضطراب في حديث ابن عمر الاعتذار عن ترك
العمل به مع كونه صحيحًا مخرجا في الصحيحين. وهذا من عادة الحنفية خلفًا عن
سلف أنهم إذا رأوا حديثًا يخالف قول إمامهم جعلوا يضعفونه، وإن كان مخرجًا في
الصحيحين، وفي أعلى مراتب الصحة، بل ولو كان متواترًا، وقد يحكمون عليه
بكونه منسوخًا، وقد سلكوا في حديث ابن عمر المسلكين كما رأيت. وقد يأولون
ما خالفهم بتأويلات يصير بها الحديث موافقًا لقول إمامهم، وهي في الحقيقة
تكون تحريفات معنوية، وإذا وجدوا حديثًا ضعيفًا موافقًا لمذهبهم ومؤيدًا
لمسلكهم جعلوا يصححونه، وإن كان في غاية الضعف، بل ولو كان ساقطًا أو
موضوعًا باطلًا، كما صنعوا بحديث ابن عمر المروي في ((الخلافيات)) للبيهقي في
رفع اليدين عند تكبير الافتتاح فقط. وقد تقدم البسط في الرد على دعوى نسخ
حديث الباب وغيره من أحاديث الرفعات. وأما دعوى اضطرابه فهي أيضًا مردودة
باطلة؛ لأن الوجوه التي ذكرها هذا البعض في إثبات اضطراب هذا الحديث من
الاختلافات في الرفع والوقف. وفي محل الرفع، وفي مقداره ليس واحد منها
موجبًا لاضطراب الحديث لإ مكان الجمع أو الترجيح، وشرط المضطرب أن يتعذر
الجمع أو الترجيح. ولذلك لم ينتقد هذا الحديث على الشيخين أحد من النقاد
الذين انتقدوا عليهما .
قال الحافظُ: الاختلاف على الحفاظ في الحديث لا يوجب أن يكون مضطربًا
إلا بشرطين :
أحدهما: استواء وجوه الاختلاف؛ فمتى رجح أحد الأقوال قدم، ولا يعل
الصحيح بالمرجوح.
وثانيهما: مع الاستواء أن يتعذر الجمع على قواعد المحدثين، أو يغلب على
الظن أن ذلك الحافظ لم يضبط ذلك الحديث بعينه؛ فحينئذٍ يحكم على تلك
الرواية وحدها بالاضطراب، ويتوقف على الحكم بصحة ذلك الحديث لذلك،
انتهى. وهاهنا وجوه الاختلاف ليست بمستوية، ولا تعذر الجمع بينهما كما سيأتي
مفصلًا.

٣٧٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أما الاختلاف الأول أي: اختلاف سالم ونافع في الرفع والوقف، فالراجح فيه
الرفع، وذلك من وجوه:
أولها: أن رواية سالم مجزومة الرفع، أي: لم يختلف عليه أصحابه في الرفع
والوقف، بل اتفقوا على روايته عنه مرفوعًا، بخلاف رواية نافع فإنها ليست
مجزومة الوقف، أي: لم يثبت نافع على الوقف، بل روى مرة مرفوعًا فوافق
سالمًا في الرفع وأخرى موقوفًا. واختلف عليه أصحابه فروی الليث ومالك وابن
جريج عنه موقوفًا، وروى عبيد الله بن عمر في رواية عبد الأعلى عند البخاري
وأبي داود عنه مرفوعًا، وكذا روى عنه مرفوعًا أيوب في رواية حماد بن سلمة،
وإبراهيم بن طهمان عند البخاري في ((جزئه))، والبيهقي في (سننه)). قال البخاري
في (صحيحه)) بعد إخراجه من طريق عبد الأعلى: عن عبيد الله بن عمر، عن نافع،
عن ابن عمر مرفوعًا: ورواه حماد بن سلمة عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن
النبي ◌َّر، ورواه ابن طهمان عن أيوب وموسى بن عقبة مختصرًا. قال الحافظُ:
قصد البخاري الرد على من جزم بأن رواية نافع موقوفة، وأنه خالف في ذلك سالمًا
كما نقله ابن عبد البر وغيره، وقد تبين بهذا التعليق أنه اختلف على نافع في وقفه
ورفعه، والذي يظهر أن السبب في هذا الاختلاف أن نافعًا كان يرويه موقوفًا ثم
يعقبه بالرفع، فكأنه كان أحيانًا يقتصر على الموقوف، أو يقتصر عليه بعض الرواة
عنه، انتهى. وإخراج البخاري في ((صحيحه)) حديث نافع عن ابن عمر مرفوعًا من
طريق عبد الأعلى عن عبيد الله بن عمر، ثم استشهاده بروايتي حماد بن سلمة وابن
طهمان عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر يدل على أن الصحيح عنده في رواية نافع
هو الرفع. وأما أبو داود فقد صحح وقفه، ولا يخفى أن القول قول البخاري.
وثانيها: ما قال ابن عبد البر في التمهيد: أن هذا الحديث أحد الأحاديث
الأربعة التي رفعها سالم عن أبيه عن النبي ◌َّه، ووقفها نافع عن ابن عمر، والقول
فيها قول سالم، ولم يلتفت الناس فيها إلى نافع، ذكره الزيلعي في ((نصب الراية))
(ج١ : ص ٤٠٧).
وثالثها: أنه إذا وقع الاختلاف بين الرواة في الرفع والوقف، فالقول قول من
رفعه؛ لأن الرفع زيادة ثقة وهي مقبولة إلا إن ظهرت قرينة تدل على أنها وهم من
الراوي، فحينئذٍ لا تقبل، وهاهنا لم تقم قرينة على كون زيادة الرفع وَهْمًا؛ ولذلك

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ
Bees
٣٧٣
اتفق المحدثون على قبولها والاحتجاج بها.
قال السيوطي في ((التدريب)) (ص٧٦): إذا روى بعض الثقات الضابطين
الحديث مرسلا وبعضهم متصلًا، أو بعضهم موقوفًا وبعضهم مرفوعًا، أو وصله
هو أو رفعه في وقت، وأرسله ووقفه في وقت آخر، فالصحيح عند أهل الحديث
والفقه والأصول أن الحكم لمن وصله أو رفعه، سواء كان المخالف له مثله في
الحفظ والإتقان أو أكثر منه؛ لأن ذلك أي الرفع والوصل زيادة ثقة وهي
مقبولة ... إلخ. وقال أبو بكر الخطيب: اختلاف الروايتين في الرفع لا يؤثر في
الحديث ضعفًا، وهو مذهب أهل الأصول؛ لأن إحدى الروايتين ليست مكذبة
للأخرى، والأخذ بالمرفوع أخذ بالزيادة، وهي واجبة القبول، انتهى. وأما الجمع
فهو ظاهر، فإنه يقال: إن ابن عمر رأى النبي ◌َّل يرفع يديه في هذه المواضع،
فعمل وأفتى بما رأى؛ فروى سالم ومحارب بن دثار مشاهدته، أي: المرفوع من
حديثه، وروى نافع مرة المرفوع وأخرى الموقوف أي: عمله وفُتِياه، أي: رميه
بالحصى من لا يرفع يديه. قال الماوردي: لا تعارض بين ما ورد مرفوعًا مرة
وموقوفًا على الصحابي أخرى؛ لأنه يكون قد رواه وأفتى به. وأما الاختلاف
الثاني، فالراجح فيه رواية من ذكر الرفع في المواضع الأربعة، وأما ما عداها من
الروايات التي فيها ذكر الرفع عند السجدة، أو في كل خفض ورفع، وبين
السجدتين والركعتين، فلم يصح منها شيء، ففي رواية البخاري في ((جزئه))
عبد الله بن عمر العمري، وهو ضعيف من قبل حفظه. ورواية الطبراني، وإن
صحح الهيثمي إسنادها لكن لا يطمئن القلب بتصحيحه؛ لأن له أوهامًا في كتابه،
على أن صحة السند لا يستلزم صحة المتن كما تقرر في موضعه، فرواية الطبراني
هذه شاذة؛ لأنها مخالفة لما رواه البخاري في ((صحيحه)) عن ابن عمر مرفوعًا:
((وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ حِينَ يَسْجُدُ، وَلَا حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ)). وفي رواية: ((وَلَا
يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ)).
قال الحافظُ: أي: في الهَوْىٍ إليه ولا في الرفع منه، انتهى. ومن المعلوم أن
الترجيح عند التعارض للبخاري، وأنه لا يعل الراجح بالمرجوح، ورواية
الطحاوي في ((مشكله)) أيضًا شاذة، وقد بين الحافظ شذوذها في ((الفتح)) (ج ٣ :
ص٤٠٦) فارجع إليه. وقال العراقي في ((التقريب)): ذكر الطحاوي أن هذه الرواية

٣٧٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
شاذة، وصححها ابن القطان ثم قال: وصحح ابن حزم وابن القطان حديث الرفع
في كل خفض ورفع، وأعله الجمهور، انتهى. ولا تعارض بين رواية الرفع في
المواضع الأربعة ورواية الرفع في المواضع الثلاثة؛ لأن الأولى مشتملة على زيادة
رواها الثقة العدل غير منافية للرواية الثانية، وأيضًا لها شواهد فيجب قبولها.
قال الحافظُ: أبعد من استدل برواية سالم على ضعف رواية نافع. والحق: أنه
ليس بين روايتي نافع وسالم تعارض؛ بل رواية نافع زيادة لم يَنْفِهَا سالم، وستأتي
الإشارة إلى أن سالمًا أثبتها من وجه آخر، انتهى. وأما رواية مالك في موطئه
بالاقتصار على الرفع عند رفع الرأس من الركوع فهي وهم منه. قال الزيلعي بعد
ذكر رواية مالك هذه من ((الموطأ»: هكذا - أى بعدم ذكر الرفع في الركوع - وقع
في رواية يحيى بن يحيى، وتابعه على ذلك جماعة من رواة ((الموطأ)) منهم: يحيى
ابن بكير، والقعنبي، وأبو مصعب، وابن أبي مريم، وسعيد بن عفير، ورواه ابن
وهب، وابن القاسم، ومعن بن عيسى، وابن أبي أويس عن مالك؛ فذكروا فيه
الرفع في الركوع، وكذلك رواه جماعة من أصحاب الزهري عن الزهري، وهو
الصواب. ذكر ذلك أبو عمر بن عبد البر في كتاب التقصي، وقال في التمهيد:
وذكر جماعة من أهل العلم أن الوهم في إسقاط الرفع من الركوع إنما وقع من جهة
مالك: فإن جماعة حُفَّاظًا رووا عنه الوجهين جميعًا، انتهى.
وكذلك قال الدارقطني في ((غرائب مالك)): أن مالكًا لم يذكر في ((الموطأ))
الرفع عند الركوع، وذكره في غير ((الموطأ))، حدث به عشرون نفرًا من الثقات
الحفاظ منهم: محمد بن الحسن الشيباني، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الله بن
المبارك، وعبد الرحمن بن مهدي، وابن وهب وغيرهم، ثم أخرج أحاديثهم عن
عشرين رجلًا .. إلخ. وأما رواية الدار قطني بلفظ: ((وَلَا يَرْفَعُ بَعْد ذَلِكَ)). فهي لا
تعارض رواية البخاري وغيره ممن رواها بزيادة الرفع في الموطن الرابع؛ لأنها
أصح وأقوى، ولأنها مثبتة فتقدم على النافية، ولأنها نَصٌّ والنص يقدم على الظاهر
عند التعارض. وأما الاختلاف الرابع: فالراجح فيه رواية سالم بعدم الفرق بين
مقدار الرفعات؛ لأنها صحيحة مرفوعة بخلاف رواية الفرق، فإنها موقوفة على
ابن عمر من فعله، ومن المعلوم أن العبرة لما روى الراوي لا لما رأى وعمل به؛
على أنه اختلفت الرواية في بيان عمله كما تقدم، ورواية من روى موافقة عمله

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ
٣٧٥
BXSE
لروايته أرجح من رواية من روى عنه مخالفته من حيث النظر، وأيضًا قد أشار أبو
داود إلى غرابة رواية الفرق. وأما الاختلاف الثالث: فالراجح فيه ما روي عنه من
الرفع في المواضع الأربعة، وهي عند البخاري في ((صحيحه))، وأما ما روي عنه
من الاقتصار على الرفع في التحريمة فهو ضعيف جدًّا، وقد تقدم البسط فيه،
فتذكر. ورواية الرفع عند السجدة وبين الركعتين لا تعارض ما رواه هو مرفوعًا
بلفظ: ((وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ حِينَ يَسْجُدُ، وَلَاحِيْنَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ))؛ لأن العبرة
لما رواه لا لما رأى وعمل به. وهذا ظاهر، والله أعلم.
(وَقَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) معناه قبل حَمْدٍ من حَمَدَ. واللام في (لِمَنْ)
للمنفعة، والهاء في (حَمِدَهُ) للكناية. وقيل: للسكتة والاستراحة، ذكره ابن الملك.
وقال الطيبي: أي أجاب حمده وتقبله. يقال: اسمع دعائي، أي: أجب؛ لأن غرض
السائل الإجابة والقبول، انتهى. فهو دعاء بقبول الحمد ويحتمل الإخبار.
(رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ) هكذا هو بلا واو، وفي رواية: (رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ)) أي: بزيادة
الواو. قال الرافعي: روينا في حديث ابن عمر بإسقاط الواو وبإثباتها، والروايتان
معًا صحيحتان، انتهى. والكل جائز، وإثبات الواو أولى وأرجح وأفضل؛ لأنها
زيادة مقبولة، ولأنها تدل على زيادة معنى؛ لأنه يكون التقدير: ربنا استجب لنا،
أو ما قارب ذلك ((وَلَكَ الْحَمْدُ))، فيشتمل الكلام على معنى الدعاء ومعنى الخبر.
وإذا قيل بإسقاط الواو دل على أحد هذين، والواو هي عاطفة، وعطف الخبر على
الإنشاء جوزه جمع من النحويين وغيرهم. والتقدير: ربنا تقبل منا، ولك الحمد
على هدايتك إيانا لما يرضيك عَنَّا، وبتقدير اعتماد ما عليه الأكثرون من امتناع
عطف الخبر على الإنشاء؛ فالخبر هاهنا بمعنى إنشاء الحمد لا الإخبار بأنه موجود؛
إذ ليس فيه كبير فائدة، ولا يحصل به الامتثال لما أمرنا به من الحمد. وقيل: الواو
زائدة. وقيل: هي واو الحال. والحديث قد احتج به من قال: إنه يجمع بين
التسميع والتحميد كل مُصَلُّ من غير فرق بين الإِمام والمؤتم والمنفرد، فإذا رفع
رأسه من الركوع يقول في حال ارتفاعه: ((سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ))، فإذا استوى قائمًا
يقول: ((رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ)، وفيه: أن الدليل أخص من الدعوى؛ لأنه حكاية لصلاة
النبي وَّ إمامًا، كما هو الغالب والمتبادر، إلا أن قوله وَله: ((صَلَّوا كَمَا رَ أَيْتُمُونِي
أَصَلَّ)) يدل على عدم اختصاص ذلك بالإمام. واحتج لذلك أيضًا بما نقله

٣٧٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
الطحاوي وابن عبد البر من الإجماع على أن المنفرد يجمع بينهما. وجعله
الطحاوي حجة لكون الإمام يجمع بينهما للاتفاق على اتحاد حكم الإمام
والمنفرد، فيلحق بهما المؤتم؛ لأن الأصل استواء الثلاثة في المشروع في الصلاة
إلا ما صرح الشرع باستثنائه، ولا دليل في قوله وََّ: ((إِذَا قَالَ الْإِمَامُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ
حَمِدَهُ فَقُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ))، على استثناء المؤتم عن حكم الجمع بينهما، كما
لا دليل فيه على استثناء الإمام عن ذلك. وسنوضح ذلك مع ذكر اختلاف العلماء في
هذه المسألة في باب الركوع فانتظر. (وَكَانَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ) أي: رفع اليدين.
(فِي السُّجُودِ) أي: لا عند الهوي والانحطاط، ولا عند رفع الرأس من السجدة؛
ففي رواية للبخاري: ولا يَفْعَلُ ذَلِكَ حِينَ يَسْجُدُ، ولَا حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ.
ولمسلم: ولا يَفْعَلُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُود. وله أيضًا: ولا يرفعهما بين
السجدتين. وفي حديث علي عند الترمذي: ((وَلَا يَرْفَعُ يَدَيهِ فِي شَيءٍ مِنْ صَلَاتِهِ
وَهُوَ قَاعِدٌ)). وفي حديث أبي موسى عند الدار قطني: ((وَلاَ يَرْفَعُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ)).
وهذه الروايات صريحة في نفي الرفع عند الھَوْيٍ للسجود، وعند الرفع منه، وبین
السجدتين. وهو قول جمهور العلماء من السلف والخلف. وذهب بعض أهل
العلم إلى الرفع للسجود أيضًا بل لكل خفض ورفع، واستدلوا بحديث ابن عمر
عند الطبراني، وقد تقدم الكلام فيه. وبحديث مالك بن الحويرث عند النسائي،
وبحديث أنس عند أبي يعلى، وبحديث أبي هريرة عند ابن ماجه. وهذه الأحاديث
ضعفها الجمهور وعللوها، وقد ذكرها شيخنا الأجل المباكفوري في ((أبكار المنن))
(ص١٩٧ - ٢٠٠ / ٤١٩ - ٤٢٧) مع بسط الكلام فيها فارجع إليه. والحق في ذلك
ما ذهب إليه الجمهور؛ لأن أحاديث النفي صحيحة صريحة في النفي، بخلاف
أحاديث الإثبات، فإنها معلولة وبعضها غير صريحة في الإثبات، ولو سلم صحتها
وكونها صريحة في الإثبات، فحديث ابن عمر ومن وافقه أولى أن يعمل به؛ لكونه
أصح وأقوى وأرجح وأصرح. وأما ما قيل: أن الإثبات يقدم على النفي لأن مع
المثبت زيادة علم فات عن النافي، وإن كان أوثق من المثبت؛ ففيه: أن هذا إنما هو
عند عدم تحقق التعارض؛ لإمكان تعدد الجهة أو الوقت، وأما إذا تعارض النفي
والإثبات باتحاد الجهتين والوقتين معًا فقبول زيادة الثقة يستلزم ترك قول الأوثق
بقول الثقة، وذلك لا يجوز إلا أن يترجح قول الثقة بما يوجب الأخذ به، فذاك باب

كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ
٣٧٧
**************<<<< <=**
التعارض والترجيح دون تقديم المثبت على النافي بنفس الإثبات، وهاهنا روايات
الباب تدل بظاهرها على اتحاد الجهة وعلى اتحاد الوقت أيضًا؛ لأن النافين
والمثبتين لم يقيدوا النفي والإثبات بوقت دون وقت، وكلتا الروايتين وردت بلفظة
(كَانَ))، وهي تدل على الدوام إلا إذا قامت قرينة على انتفاء ذلك، ولا قرينة هاهنا،
فتعارض النفي والإثبات باتحاد الجهة والوقت معًا، فتقدم رواية النفي؛ لأنها أصح
وأقوى.
وأشار بعض الحنفية إلى أن قوله: ((وَكَانَ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ) مدرج وإلا
فهو شاذ، حيث قال بعد ذكر أحاديث الرفع في السجود: فهذه الروايات كلها
تخالف حديث ابن عمر؛ فلو سلم لفظ: ((وَكَانَ لَا يَفْعَلُ)) من الإدراج يكون شاذًّا
لمخالفة الروايات الصحيحة العديدة، انتهى.
قلتُ: الإدراج في المتن، إنما يثبت إذا ورد ذلك منفصلًا في رواية أخرى، أو
نص على ذلك أحد من رواة الحديث، أو بعض الأئمة المطلعين، أو كان صدور
ذلك منه ولاله قولا أو فعلا مستحيلًا، والكل هاهنا منتف. وأما أحاديث الإثبات فلا
تكون قرينة على الإدراج؛ لأنها ضعيفة، والضعيف لا يعل به الصحيح، أو
صحيحة لكنها مرجوحة، والمرجوح لا يعل به الراجح؛ فتوهم كونه مدرجًا مردود
على من توهمه. وأما دعوى شذوذه فهي أيضًا باطلة؛ لأن تعريف الشاذ المصطلح
الذي عليه المحققون هو: ما رواه المقبول مخالفًا لرواية من هو أولى منه، ولا
شك أن رواية النفي أصح وأقوى وأرجح لكونها مخرجة في الصحيحين، وأيضًا
لها شاهدان صحیحان من حدیث علي عند الترمذي، و من حديث أبي موسى عند
الدار قطني، وعلى هذا فالشاذ والمرجوح إنما هي رواية الإثبات لا رواية النفي؛
فترد الأولى لكونها شاذة مرجوحة، وتقبل الثانية لكونها محفوظة راجحة. وقد
تحقق عند هذا البعض أيضًا ضعف دعوى الإدراج والشذوذ وبطلانها حيث قال بعد
ذلك: اللهم إلا أن يقال: إنها - أي روايات الإثبات - محمولة على أول الزمان،
ثم نسخ الرفع تدریجًا، انتهى.
قلتُ: هذه الروايات مخالفة لما رواه الشيخان وغيرهما، فترد لكونها
مرجوحة، وأيضًا التاريخ غير معلوم، ولا يثبت النسخ بالادعاء والاحتمال، فما

٣٧٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بنى عليه ورتب من دعوى تدرج النسخ لا يلتفت إليه.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا مالك وأحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن
ماجه وغيرهم. وفي الباب عن جماعة كثيرة من الصحابة. قال الشافعي: روى
الرفع جمع من الصحابة، لعله لم يَرْوِ قط حديث بعدد أكثر منهم. وذكر البخاري
من زعم أن رفع اليدين بدعة فقد طعن في الصحابة؛ فإنه لم يثبت عن أحد منهم
تركه. قال: ولا أسانيد أصح من أسانيد الرفع. وذكر أيضًا: أن رفع اليدين عند
الركوع وعند الرفع منه رواه سبعة عشر رجلاً من الصحابة. وذكر الحاكم وأبو
القاسم بن منده ممن رواه العشرة المبشرة.
وقال الحافظ العراقي في ((تقریب الأسانید)): واعلم أنه قد روي رفع اليدين من
حديث خمسين من الصحابة منهم العشرة. انظر ((طرح التثريب)) (ج٢:
ص٢٥٤). وسرد البيهقي في ((السنن)) وفي ((الخلافيات)) أسماء من روى الرفع عن
نحو من ثلاثين صحابيًّا، وقال: سمعت الحاكم يقول: اتفق على رواية هذه السنة
العشرة المشهود لهم بالجنة ومن بعدهم من أكابر الصحابة.
قال البيهقي: وهو كما قال. وقال السيوطي في ((الأزهار المتناثرة في الأخبار
المتواترة)): إن حديث الرفع متواتر عن النبي ◌ّر، أخرجه الشيخان عن ابن عمر،
ومالك بن الحويرث. ومسلم عن وائل بن حجر، والأربعة عن علي. وأبو داود
عن سهل بن سعد، وابن الزبير، وابن عباس، ومحمد بن مسلمة، وأبي أسيد،
وأبي قتادة، وأبي هريرة، وابن ماجه عن أنس، وجابر، وعمير الليثي. وأحمد عن
الحكم بن عمير. والبيهقي عن أبي بكر والبراء. والدارقطني عن عمر، وأبي
موسى. والطبراني عن عقبة بن عامر، ومعاذ بن جبل.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ
٣٧٩
a
EXTBE
٨٠٠- [٥] وَعَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ كَبَّرَ،
وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ رَفَعَ يَدِّيْهِ، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَفَعَ بَدَيْهِ،
وَإِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ رَفَعَ يَدَيْهِ. وَرَفَعَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى النَّيِّ ◌َه.
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ] {صحيح}
الشّرْحُ
٨٠٠- قوله: (وَعَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمْرَ كَانَ)، إلخ. الرواية السابقة كانت من
طريق الزهري، عن سالم، عن أبيه عبد الله بن عمر، وهذه الثانية من طريق نافع
مولى ابن عمر، عن ابن عمر. والفرق بين الروايتين: أن سالمًا اقتصر على رواية
المرفوع، ولم يختلف عليه أصحابه في الرفع بخلاف نافع، فإنه رواه موقوفًا ثم
عقبه بالمرفوع، واختلف عليه أصحابه في الرفع والوقف كما تقدم مفصلًا، ولم
يكن عند البخاري هذا الاختلاف قادحًا في صحة رواية نافع المرفوعة، ولذلك
أدخلها في صحيحه، وذكر لها شاهدين كما أسلفنا، وحكى الدار قطني في العلل
الاختلاف في وقفه ورفعه، وقال: الأشبه بالصواب قول عبد الأعلى، وارجع إلى
((نصب الراية)) (ج١: ص٤٠٨) وذكر المصنف هذه الرواية؛ لأن فيها زيادة الرفع
في موطن رابع، وهي زيادة العدل الثقة فيجب قبولها.
(إِذَا دَخَلَ) أي: أراد الدخول. (كَبَّرَ) للتحريمة. (وَرَفَعَ يَدَيْهِ) حذو منكبيه. (وَإِذَا
قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ) أي: من الأوليين بعد التشهد الأول. (وَرَفَعَ ذَلِكَ) أي: أسند
وأضاف رفع اليدين في هذه المواضع الأربعة. (ابْنُ عُمَرَ إِلَى النَّبِيِّ وََّ) أي: قال:
إنه فعل ذلك، والمرفوع عندهم: ما أضيف إلى النبي ◌َّ خاصة من قول، أو فعل،
أو تقرير، سواء كان متصلاً، أو منقطعًا بسقوط الصحابي منه أو غيره. والمسند
على المعتمد: هو ما اتصل سنده من راويه إلى منتهاه مرفوعًا إلى النبي وَّل.
والمتصل، ويسمى الموصول: هو ما اتصل سنده سواء كان مرفوعًا إليه وَّل، أو
موقوفًا، فالمسند متصل مرفوع، والمتصل قد يكون مرفوعًا وغير مرفوع،
(٨٠٠) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٧٣٩) عَنْهُ فِيهَا .