النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤٠ er مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ مرسل، انتهى. والمرسل على القول الصحيح ليس بحجة. قال ابن الصلاح في ((مقدمته)) (ص٢١): اعلم أن حكم المرسل حكم الحديث الضعيف إلا أن يصح مخرجه بمجيئه من وجه آخر، وما ذكرنا من سقوط الاحتجاج بالمرسل والحكم بضعفه هو المذهب الذي استقر عليه آراء جماهير حفاظ الحديث ونقاد الأثر، وقد تداولوه في تصانيفهم. وفي صدر ((صحيح مسلم)): المرسل في أصل قولهم وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة، انتهى. وقال العراقي في ((ألفيته)): لِلْجَهْلِ بِالسَّاقِطِ فِي الْإِسْنَادِ وَرَدَّهُ جَمَاهِرُ النُّقَادِ وقال الحافظ في ((الدراية)) بعد ذكر حديث عباد هذا: وهذا مرسل، وفي إسناده أيضًا من ينظر فيه، انتهى. وهذا يدل على أن في سنده مع كونه مرسلًا من هو منظور فيه. ولو تنزلنا وسلمنا أن سنده سالم من الكلام، وأن المرسل حجة لم يكن فيه دليل على نسخ الرفع عند الركوع والرفع منه؛ لأن أحاديث الرفع مثبتة، وهذا ناف، والمثبت مقدم على النافي، ولأنه لا تعارض بين الفعل والترك، فمجرد الترك لا يدل على نسخ الجواز؛ ولأنه يمكن التوفيق بينه وبين أحاديث الرفع: بأن المعنى لم يرفعها رفعًا بالغًا فيه، فليس المراد نفي الرفع مطلقًا، بل المراد نفي الرفع المبالغ فيه. واستدلوا أيضًا بما روي عن النبي ◌َّ: ((لا تُرْفَعُ الأَيْدِي إِلا فِي سَبْعَةٍ مَوَاطِنَ: تَكْبِيرَةُ الإِفْتِتَاح ... )) الحديث، أخرجه الطبراني عن ابن عباس مرفوعًا، وابن أبي شيبة موقوفًا عليه، وذكره البخاري في جزء رفع اليدين معلقًا عنه، وأخرجه البزار والبيهقي عن ابن عباس وابن عمر مرفوعًا وموقوفًا، وأخرجه الحاكم عنهما مرفوعًا. قلتُ: هو حديث ضعيف غير قابل للاحتجاج، وقد بسط الزيلعي طرقه في ((نصب الراية)) (ج١: ص ٣٩٠ - ٣٩٢) وقال بعد نقله من رواية البيهقي والحاكم: قال الشيخ في ((الإمام)): اعترض على هذا بوجوه: أحدها: تفرد ابن أبي ليلى، وترك الاحتجاج به؛ لكونه سيئ الحفظ. وثانيها: رواية وكيع عنه بالوقف على ابن عباس وابن عمر. قال الحاكم: ووكيع أثبت من كل من روى هذا الحديث عن ابن أبي ليلى. كِتَابُ الصَّلَاةِ بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ *Nggest ٣٤١ وثالثها: رواية جماعة من التابعين بالأسانيد الصحيحة المأثورة عن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس، أنهما كانا يرفعان أيديهما عند الركوع وبعد رفع الرأس من الركوع، وقد أسنداه إلى النبي وَّر. ورابعها: أن شعبة قال: لم يسمع الحكم من مقسم إلا أربعة أحاديث، وليس هذا الحديث منها، فهو منقطع غير محفوظ. وخامسها: عن الحكم قال: إن جميع الروايات: ((تُرْفَعُ الأَيْدِي فِي سَبْعَةِ مَوَاطِنَ)) وليس في شيء منها: لا ترفع الأيدي إلا فيها، ويستحيل أن يكون: ((لا تُرْفَعُ الأَيْدِي إِلَّا فِي سَبْعَةٍ مَوَاطِنَ)) صحيحًا، وقد تواترت الأخبار بالرفع في غيرها كثيرًا، منها الاستسقاء ودعاء النبي وَله، ورفعه ◌َالَلّ يديه في الدعاء في الصلوات، وأمره به، ورفع اليدين، والقنوت في صلاة الصبح والوتر، انتهى. وقال البخاري في جزء رفع اليدين بعد ذكر كلام شعبة المتقدم: فهو مرسل وغير محفوظ؛ لأن أصحاب نافع خالفوا. وأيضًا فهم قد خالفوا الحديث، ولم يعتمدوا عليه في تكبيرات العیدین وتکبیر القنوت. وفي رواية و کیع: «تُرْفَعُ الأيدِي» لا يمنع رفعه فیما سوی هذه السبعة، انتهى كلامه. لو سلم كون هذا الحديث صالحًا للاحتجاج لم يكن فيه دليل على نسخ الرفع في الركوع والرفع منه؛ لما تقدم، فتأمل. واستدلوا أيضًا بما رواه الدار قطني والبيهقي في ((سننهما))، وابن عدي في ((الكامل)) عن عبد الله بن مسعود، قال: صليت مع رسول اللّه بَثّل، وأبي بكر وعمر فلم يرفعوا أيديهم إلا عند استفتاح الصلاة. قلتُ: فيه محمد بن جابر وقد تفرد به، وهو ضعيف، ضعفه أحمد، وابن معين وعمرو بن علي وأبو زرعة والبخاري وأبو حاتم وأبو داود والنسائي ويعقوب بن سفيان والعجلي وابن حبان والدار قطني والحاكم. قال أحمد: كان محمد بن جابر ربما ألحق أو يلحق في كتابه يعني: الحديث. وقال أيضًا: لا يحدث عنه إلا شرٌّ منه. وقال ابن معين: كان أعمى، واختلط عليه حديثه، وهو ضعيف. وقال عمرو ابن علي: صدوق، كثير الوهم، متروك الحديث. وقال أبو زرعة: محمد بن جابر ساقط الحديث عند أهل العلم. وقال البخاري: ليس بالقوي، يتكلمون فيه، روى مناكير. وقال أبو حاتم: ذهبت كتبه في آخر ٣٤٢ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ عمره، وساء حفظه، و کان یلقن، و کان ابن مهدي یحدث عنه، ثم تر که بعد، وكان يروي أحاديث مناكير، وهو معروف بالسماع، جيد اللقاء، رأوا في كتبه لحقًّا. وحديثه عن حماد فيه اضطراب. وقال أبو داود: ليس بشيء. وقال النسائي وابن سفيان والعجلي: ضعيف. وقال ابن حبان: كان أعمى يلحق في كتبه ما ليس من حديثه ويسرق، وما ذكر به فيحدث به. قال إسحاق بن عيسى ابن الطباع: ذاكرت محمد بن جابر ذات يوم بحديث لشريك عن أبي إسحاق، فرأيت في كتابه قد ألحقه بين السطرين كتابًا طريًّا. وقال الدارقطني في ((سننه)): تفرد به محمد بن جابر - وكان ضعيفًا - عن حماد، عن إبراهيم. وغير حماد يرويه عن إبراهيم مرسلًا، عن عبد الله من فعله، وهو الصواب. وقال الحاكم: هذا - أي ما روي عن إبراهيم، عن عبد الله بن مسعود من فعله - هو الصحيح، وإبراهيم لم ير ابن مسعود، والحديث منقطع، ومحمد بن جابر تكلم فيه أئمة الحديث. وأحسن ما قيل فيه: أنه يسرق الحديث من كل من يذاكره، حتى كثرت المناكير والموضوعات في حديثه. وقال الحافظ في ((التقريب)): صدوق - أي: حينما كتب عنه باليمامة وبمكة كما في ((تهذيب التهذيب))، لا مطلقًا - ذهبت کتبه فساء حفظه، وخلط كثيرًا، وعمي فصار يلقن. وهذه كما ترى جروح مفسرة من جماعة من أئمة الحديث النقاد الحفاظ، وأئمة الجرح والتعديل الكبار، وقد حسن بعضهم أمره؛ ففي ((تهذيب التهذيب)) قال ابن أبي حاتم عن محمد بن يحيى: سمعت أبا الوليد يقول: نحن نظلم محمد بن جابر بامتناعنا من التحديث عنه. قال: وسئل أبي عن محمد بن جابر وابن لهيعة فقال: محلهما الصدق، ومحمد بن جابر أحب إلي من ابن لهيعة . وقال الذهلي: لا بأس به. وفي ((التقريب)) رجحه أبو حاتم على ابن لهيعة، انتهى. وقال ابن عدي: كان إسحاق بن أبي إسرائيل يفضل محمد بن جابر على جماعة الشيوخ هم أفضل منه وأوثق، انتهى. قلتُ: قد تقرر في موضعه أن الجرح المفسر مقدم على التعديل ولو كان عدد المعدلين أكثر، فكيف إذا كان عدد الجارحين أكثر، وهاهنا كذلك؛ قال ابن الصلاح في مقدمته: إذا اجتمع في شخص جرح وتعديل فالجرح مقدم؛ لأن كِتَابُ الصَّلَاةِ بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ ٣٤٣ المعدل يخبر عما ظهر من حاله، والجارح يخبر عن باطن خَفِي على المعدل، فإن كان عدد المعدلين أكثر فقد قيل: التعديل أولى. والصحيح الذي عليه الجمهور أن الجرح أولى لما ذكرناه، والله أعلم. وقال السيوطي في ((التدريب)): إذا اجتمع فيه جرح مفسر والتعديل، فالجرح مقدم ولو زاد عدد المعدل، هذا هو الأصح عند الفقهاء والأصوليين، انتهى. فلا يلتفت إلى قول من حَسَّنَ أمر محمد بن جابر في جنب تضعيف هؤلاء الحفاظ النقاد، فما تفوه به بعض الحنفية من أن الأرجح فيه التوثيق والتعديل، بل كأنه من رجال ((الصحيحين)) أو من رجال مسلم، مردود علیه . وأما ما قال الحافظ في ((التقريب)): أنه رجحه أبو حاتم على ابن لهيعة، فالمراد رجحه في الصدق، يدل على ذلك قول أبي حاتم: محلهما الصدق، ومحمد بن جابر أحب إليَّ من ابن لهيعة. فإن الظاهر أنه أراد به كونه أحب إليه، أي: أرجح في الصدق، ويدل على ذلك أيضًا قول أبي حاتم فيه: ذهبت كتبه في آخر عمره، وساء حفظه، وكان يلقن. وقوله: رأوا في كتبه لحقًّا، وحديثه عن حماد فيه اضطراب، وقوله: إن في أحاديثه تخاليط، وأما أصوله فهي صحاح. ومن المعلوم أنه لا منافاة بين كون الرجل صدوقًا، وبين كونه سيء الحفظ، كثير الاختلاط، مضطرب الحديث، كثير الوهم. على أنه قد تفرد أبو حاتم في قوله: هو أحب إليَّ من ابن لهيعة. ولم يوافقه أحد في ذلك. والظاهر: أن ابن لهيعة أحسن حالًا من محمد بن جابر كما يظهر من ((تهذيب التهذيب))، و((ميزان الاعتدال)). وأما ما قال ابن عدي: إنه روى عنه - أي: عن محمد بن جابر - الكبار: أيوب وابن عون وهشام بن حسان والثوري وشعبة وابن عيينة وغيرهم، ولو لا أنه في ذلك المحل لم يرو عنه هؤلاء الذين هو دونهم، انتهى. ففيه: أنه لا يلزم من ذلك كونه ثقة ضابطًا حافظًا غير مختلط وغير واهم، كما تقرر في موضعه. وارجع لذلك إلى كتاب ((العلل)) للترمذي وغيره من كتب الأصول. فَالْحَقُّ أن محمد بن جابر ضعيف لسوء حفظه، وكثرة اختلاطه، وقبوله التلقين، وقد تفرد هو برواية هذا الحديث، فالاستدلال به على نسخ الرفع في الركوع والرفع منه باطل جدًّا. واستدلوا أيضًا بآثار الصحابة، منها: أثر عمر بن الخطاب؛ روى الطحاوي والبيهقي وأبو بكر بن أبي شيبة عن الحسن بن عياش، ٣٤٤ ME مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ عن عبد الملك بن أبجر، عن الزبير بن عدي، عن إبراهيم النخعي عن الأسود، قال: رأيت عمر بن الخطاب يرفع يديه في أول تكبيرة ثم لا يعود. قال النيموي تبعًا للطحاوي وابن التركماني: هو أثر صحيح، وقال: لا يخفى على أحد من أهل العلم أن عمر بن الخطاب كان أعلم بالسنة من ابنه عبد الله وممن كان مثله أو دونه، ولذلك جعل الطحاوي فعل عمر دليلاً على النسخ، انتهى. قلتُ: فيه كلام من وجوه : الأول: أن في سنده إبراهيم النخعي وهو مدلس، ورواه عن الأسود بالعنعنة، فكيف يكون هذا الأثر صحيحًا؟! والثاني: أن في كون هذا الأثر بهذا اللفظ محفوظًا نظرًا، روى الحاكم، وعنه البيهقي بسنده، عن سفيان الثوري، عن الزبير بن عدي بلفظ: كان يرفع يديه في التكبير. ليس فيه: ((ثم لا يعود)). والظاهر: أن ما رواه الحسن بن عياش، عن ابن أبجر عن ابن عدي، وما رواه الثوري عن ابن عدي كليهما في محل الرفع. وقد قال الحافظ في ((الدراية)) (ص٨٥) بعد ذكر الروايتين: وقد رواه الثوري وهو المحفوظ . والثالث: أن هذا الأثر معارض بما رواه طاوس عن ابن عمر، أن عمر كان يرفع يديه في الركوع وعند الرفع منه. قال الزيلعي في ((نصب الراية)): اعترضه الحاكم بأن هذه رواية شاذة لا يقوم بها حجة، ولا تعارض بها الأخبار الصحيحة عن طاوس ابن كيسان عن ابن عمر: أن عمر كان يرفع يديه في الركوع وعند الرفع منه. والرابع: أنه لو سلم أن أثر عمر هذا صحيح فلا يدل على النسخ، بل غاية ما يدل عليه هو أن الرفع فيهما لم يكن سنة لازمة عند عمر، بل كان مستحبًّا عنده. قال الشاه ولي اللَّه الدهلوي في ((إزالة الخفاء)): أبو بكر عن الأسود: صليت مع عمر، فلم يرفع يديه في شيء من صلاته إلا حين افتتح الصلاة. قلت: تكلم الشافعية والحنفية في ترجيح الروايات، كل على حسب مذهبه، والأوجه عندي أن عمر رأى رفع اليدين عند الركوع والقومة منه مستحبًّا، فكان يفعل تارة ويترك أخرى، كما بين هو بنفسه في سجود التلاوة، انتهى. ومنها: أثر علي، روى الطحاوي وابن كِتَابُ الصَّلَاةِ بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ ٣٤٥ أبي شيبة والبيهقي، عن عاصم بن كليب، عن أبيه: أن عليًّا كان يرفع يديه في أول تكبيرة من الصلاة، ثم لا يرفع بعد . قال الزيلعي: هو أثر صحيح، وقال العيني: إسناده صحيح على شرط مسلم. وقال الطحاوي بعد روايته: لم يكن علي ليرى النبي ◌َّل يرفع ثم يتركه إلا وقد ثبت عنده نسخه، انتهى. قلتُ: في كون هذا الأثر صحيحًا نظر؛ لأنه انفرد به عاصم بن كليب، وقال ابن المديني: لا يحتج بما انفرد به. وقال عبد الرحمن بن مهدي: ذكرت للثوري حديث النهشلي عن عاصم بن كليب فأنكره، ذكره البخاري في جزء رفع اليدين. ولو سلم أن أثر عليٍّ هذا صحيح لم يكن فيه دليل على نسخ الرفع. قال الشيخ عبد الحي اللكنوي في تعليقه على ((موطأ محمد))، بعد ذكر قول الطحاوي المتقدم: فيه نظر؛ فقد يجوز أن يكون ترك علي، وكذا ترك ابن مسعود، وترك غيرهما من الصحابة إن ثبت؛ لأنهم لم يروا الرفع سنة مؤكدة يلزم الأخذ بها، ولا ينحصر ذلك في النسخ، بل لا يجترئ بنسخ أمر ثابت عن رسول اللّه وقل له بمجرد حسن الظن بالصحابي مع إمكان الجمع بين فعل الرسول وفعله، انتهى. ومنها: أثر أبي سعيد الخدري، روى البيهقي، عن سوار بن مصعب، عن عطية العوفي، أن أبا سعيد الخدري وابن عمر كانا يرفعان أيديهما أول ما يكبران، ثم لا يعودان. قلتُ: قال البيهقي: قال الحاكم: عطية سيئ الحال، وسوار أسوأ منه. وقال البخاري: سوار بن مصعب منكر الحديث. وعن ابن معين: أنه غير محتج به، - كذا في ((نصب الراية)) (ج١: ص٤٠٦). ثم هذا الأثر يعارضه ما رواه البيهقي عن عطاء، قال: رأيت جابر بن عبد الله وابن عمر وأباسعيد وابن عباس وابن الزبير وأبا هريرة يرفعون أيديهم إذا افتتحوا الصلاة، وإذا ركعوا، وإذا رفعوا. وفيه ليث بن أبي سليم وهو مختلف فيه. ومنها: أثر ابن مسعود، روى الطحاوي عن إبراهيم النخعي، قال: كان عبد الله بن مسعود لا يرفع يديه في شيء من الصلوات إلا في الافتتاح. قلتُ: أثر ابن مسعود هذا منقطع؛ إبراهيم لم يلق عبد الله، وكان يأخذ من الثقة وغير الثقة كما صرح به البيهقي في جزء القراءة. وقال الذهبي في ((ميزان الاعتدال)) (ج١: ص٣٥): استقر الأمر على أن إبراهيم حجة، وأنه إذا أرسل عن ابن مسعود ٣٤٦ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ وغيره فلیس بحسن، انتهى. وقال الشافعي في كتاب ((الأم)) (ج٧: ص٢٧٢، ٢٧١): إن إبراهيم النخعي لو روى عن علي وعبد الله لم يُقبل منه؛ لأنه لم يلق واحدًا منهما، انتهى. وأما ما روي عن أحمد ويحيى بن معين وغيرهما: أن مراسيل إبراهيم صحيحة أو مقبولة مطلقًا، ففيه: أن الجرح المفسر مقدم على التعديل مطلقًا، ولو سلم أن هذا الأثر جيد فلا يدل على النسخ؛ قال الشيخ عبد الحي: الإنصاف في هذا المقام أنه لا سبيل إلى رد روايات الرفع برواية ابن مسعود وفعله، ولا إلى دعوى النسخ ما لم يثبت بنص عن الشارع، انتهى باختصار يسير بقدر الضرورة، وقد تقدم كلامه بتمامه. ومنها: أثر ابن عمر، روى الطحاوي، وأبو بكر بن أبي شيبة، والبيهقي في ((المعرفة))، عن مجاهد، قال: صليت خلف ابن عمر، فلم يكن يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى من الصلاة. قال النيموي: سنده صحيح. قلتُ: بل أثر ابن عمر هذا ضعيف من وجوه: الأول: أن في سنده أبا بكر بن عياش وكان تغير حفظه بآخره، فما لم يثبت أن الراوي عنه - وهو أحمد بن يونس - أخذ منه قديمًا قبل التغير فلا يحكم بصحته . والثاني: أنه شاذ، فإن مجاهدًا خالف جميع أصحاب ابن عمر وهم ثقات حفاظ، والعدد الكثير أولى من واحد، وأما ما روي من موافقة عبد العزيز بن حكيم لمجاهد عند محمد في ((موطئه))، ففيه: أن في سنده محمد بن أبان بن صالح - وهو ضعيف - ليس ممن يعتمد عليه. قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: ليس بالقوى، يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال البخاري في ((التاريخ)): يتكلمون في حفظه لا يعتمد عليه، كذا ذكره صاحب ((التعليق الممجد)) نقلا عن ((لسان الميزان)) (ج٥: ص٣١)، فموافقة عبد العزيز لمجاهد لا تجدي شيئًا. والثالث: أن إمام هذا الشأن يحيى بن معين قال: حديث أبي بكر عن حصين، إنما هو توهم لا أصل له، ذكره البخاري في جزء رفع اليدين، ولا شك أن قول يحيى بن معين في هذا الباب حجة؛ لأنه إمام الجرح والتعديل، ومن القائمين بفن معرفة علل الحديث. وقال أحمد بن حنبل: كل حديث لا يعرفه يحيى بن معين فليس بحديث، وقد كِتَابُ الصَّلَاةِ بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ ٣٤٧ وافقه البخاري على ذلك ولم يخالفه أحد من مهرة هذا الفن. قال الطحاوي بعد رواية أثر ابن عمر هذا: فلا يكون هذا من ابن عمر إلا وقد ثبت عنده نسخ ما رأى النبي ◌َّ يفعله. قال: فإن قيل: فقد روى طاوس عن ابن عمر خلاف ما رواه مجاهد. قلنا: كان هذا قبل ظهور الناسخ، انتهى. قلتُ: وأجاب عنه البيهقي في كتاب ((المعرفة))، فقال: حديث أبي بكر بن عياش هذا أخبرناه أبو عبد الله الحافظ، فذكره بسنده، ثم أسند عن البخاري أنه قال: أبو بكر بن عياش اختلط بآخره، وقد رواه الربيع ولیث وطاوس وسالم ونافع وأبو الزبير ومحارب بن دثار وغيرهم. قالوا: رأينا ابن عمر يرفع یدیه إذا کېر وإذا رفع، و کان يرويه أبو بكر قديمًا عن حصين عن إبراهيم، عن ابن مسعود مرسلًا موقوفا: أن ابن مسعود كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، ثم لا يرفعهما بعد. وهذا هو المحفوظ عن أبي بكر بن عياش، والأول خطأ فاحش؛ لمخالفته الثقات من أصحاب ابن عمر. قال الحاكم: كان أبو بكر بن عياش من الحفاظ المتقنين، ثم اختلط حين نسي حفظه، فروى ما خولف فيه، فكيف يجوز دعوى نسخ حديث ابن عمر بمثل هذا الحديث الضعيف؟ أو نقول: إنه ترك مرة للجواز إذ لا يقول بوجوبه، ففعله يدل على أنه سنة، وتركه يدل على أنه غير واجب، انتهى. كذا في ((نصب الراية)) (ج١: ص٤٠٩) وقد رد الشيخ عبد الحي أيضًا التمسك بأثر ابن عمر هذا على النسخ من وجوه، وأجاب في ضمنه عن كلام الطحاوي المذكور أيضًا، قال في ((التعليق الممجد)): المشهور في كتب أصول أصحابنا أن مجاهدًا قال: صحبت ابن عمر عشر سنين فلم أر يرفع يديه إلا مرة. وقالوا: قد روى ابن عمر حديث الرفع عن رسول اللَّه وَل﴾ وتركه، والصحابي الراوي إذا ترك مرويًّا ظاهرًا في معناه، غير محتمل للتأويل، يسقط الاحتجاج بالمروي. وقد روى الطحاوي من حديث أبي بكرة بن عياش، عن حصين، عن مجاهد قال: صليت خلف ابن عمر فلم يكن يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى من الصلاة، ثم قال: فهذا ابن عمر قد رأى النبي وَل يرفع، ثم ترك هو الرفع بعد النبي ◌َّ-، ولا يكون ذلك إلا وقد ثبت عنده نَسْخُه. وهاهنا أبحاث: الأول: مطالبة ما نقلوه عن مجاهد أنه صحب ابن عمر عشر سنين ولم يره إلا في التكبيرة الأولى. ٣٤٨ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ والثاني: المعارضة بخبر طاوس وغيره من الثقات، أنهم رأوا ابن عمر يرفع. والثالث: أن في طريق الطحاوي أبا بكر بن عياش، وهو متكلم فيه لا توازي روايته رواية غيره من الثقات. ثم ذكر كلام البيهقي الذي نقلناه عن ((نصب الراية»، ثم قال: فإن قلت آخذًا من ((شرح معاني الآثار)): أنه يجوز أن يكون ابن عمر فعل ما رآه طاوس قبل أن يقوم الحجة بنسخه، ثم لما ثبتت الحجة بنسخه عنده تر که، وفعل ما ذكره عنه مجاهد. قلتُ: هذا مما لا يقوم به الحجة، فإن لقائل أن يعارض ويقول: يجوز أن يكون فعل ابن عمر ما رواه مجاهد قبل أن تقوم الحجة بلزوم الرفع، ثم لما ثبت عنده التزم الرفع، على أن احتمال النسخ احتمال من غير دليل فلا يسمع. فإن قال قائل: الدليل هو خلاف الراوي مرويه. قلنا: لا يوجب ذلك النسخ كما مر. والرابع: وهو أحسنها: أنا سلمنا ثبوت الترك عن ابن عمر، لكن يجوز أن يكون تركه لبيان الجواز، أو لعدم رؤية الرفع سنة لازمة، فلا يقدح ذلك في ثبوت الرفع عنه وعن رسول اللّه وَه . والخامس: أن ترك الراوي مرويه إنما يكون مسقطًا للاحتجاج عند الحنفية، إذا كان خلافه بيقين، كما هو مصرح في كتبهم، وهاهنا ليس كذلك؛ لجواز أن يكون الرفع الثابت عن رسول اللّه ◌َ ليل حمله ابن عمر على العزيمة، وتركه أحيانًا لبيان الرخصة، فليس تركه خلافًا لروايته بيقين . والسادس: أنه لا شبهة في أن ابن عمر قد روى عن رسول اللَّه ◌َل حديث الرفع، بل ورد في بعض الروايات عنه أنه قال: كان رسول اللّه وَلخير إذا افتتح الصلاة رفع يديه، وإذا ركع، وإذا رفع، وكان لا يفعل ذلك في السجود، فما زالت تلك صلاته حتى لقي الله. أخرجه البيهقي. ولا شك أيضًا في أنه ثبت عن ابن عمر بروايات الثقات فعل الرفع، وورد عنه برواية مجاهد، وعبد العزيز بن حكيم الترك، فالأولى أن يحمل الترك المروي عنه على وجه يستقم ثبوت الرفع منه. ولا يخالف روايته أيضًا، إلا أن يجعل تركه مضادًّا لفعله ومسقطًا للأمر الثابت عن رسول اللَّه ◌َله بروايته ورواية غيره؛ انتهى كلام الشيخ عبد الحي. وممن رد من الحنفية التمسك بأثر ابن عمر هذا على النسخ: العلامة الشيخ محمد معين السندي ٣٤٩ كِتَابُ الصَّلَاةِ SEENEX بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ sesse أيضًا، وهو من تلامذة الشاه ولي الله الدهلوي، فارجع إلى (دراسات اللبيب)) (ص١٧١). واستدلوا أيضًا: بأنه قد ثبت الترك بالاتفاق في جنس ذلك الحكم، وهو الرفع بين السجدتين، وثبوت الترك في الجنس دليل على نسخ الأصل، كما قرروا في حديث التسبيع في سؤر الكلب أنه كان في زمن التشديد في أمر الكلاب، وكما في مسألة الرضاعة؛ قالوا: قد تدرج النسخ فيها من عشر رضعات حتى نسخ رأسًا . قلتُ: دعوى الاتفاق على ثبوت الترك في جنس ذلك الحكم ممنوعة، ولا نسلم أن الرفع بين السجدتين أو عند كل خفض ورفع كان مشروعًا، ثم نسخ وترك، حتى يكون ذلك الترك دليلاً على تدرج النسخ إلى الأصل، ولو تنزلنا وسلمنا أن الرفع بین السجدتین کان ثم نسخ وترك، فلا يدل ذلك على نسخ الرفع عند الركوع، والرفع عند القيام إلى الركعة الثالثة، كما لا يدل على نسخ الرفع عند التكبيرة الأولى، وأما القول: بأن حكم تثمين الغسلات والتسبيع والترتيب في سؤر الكلب کان في زمن التشدید في أمر الكلاب، ثم وقع فيه النسخ تدریجًا فباطل مردود على قائله، قدرده الحافظ في ((الفتح))، والشيخ عبد الحي في ((السعاية)) فارجع إليهما. وكذا دعوى تدرج النسخ في مسألة الرضاعة أيضًا باطلة؛ فإنه لا دليل على نسخ حكم خمس رضعات الذي ذهب إليه الشافعي، ولا على نسخ حكم ثلاث رضعات الذي هو مذهب أحمد، لا من كتاب الله، ولا من سنة رسوله، ولا يثبت النسخ بالادعاء. واستدلوا أيضًا: بأنه وقع في الصلاة تغيرات في أوقات مختلفة؛ كما يدل عليه حديث معاذ بن جبل عند أبي داود: أحيلت الصلاة ثلاث تحويلات، وقد كانت أقوال وأفعال من جنس هذا الرفع مباحة في الصلاة؛ كالكلام، والتطبيق، وعدم استواء الصفوف، والمشي ونحو ذلك، ثم نسخت؛ لكون مبنى الصلاة على السكون والخضوع، فلا يبعد أن يكون الرفع في المواضع الثلاثة أيضًا مشمولًا بالنسخ . قلتُ: سَلَّمْنَا وقوع التغييرات في الصلاة، لكن هذه التغييرات إنما وقعت في الأمور التي هي من العادات، كالكلام، واختلال الصفوف، والمشي، والتطبيق، فنهوا عن الكلام وأمروا بالسكوت قبل وقعة بدر بقوله تعالى: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَنِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وأمروا بتسوية الصفوف في أوائل الهجرة، وأما ٣٥٠ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ الأمور التي هي من العبادة فلم يقع النسخ والتغيير فيها. والكلام هاهنا فيما هو من صلب الصلاة، وأمر القبلة من شرائط الصلاة لا من صلبها، والرفع بين السجدتين أو عند كل خفض ورفع لم يثبت. وأما الرفع في المواضع الثلاثة الذي هو من أمور العبادة، فقد ثبت تواترًا، ولم يثبت عن النبي وَّ والصحابة ما يدل على نسخه، كما صرح به من الحنفية الشيخ عبد الحي، والشيخ أبو الحسن السندي، والشيخ محمد بن معين السندي وغيرهم. فالقول بكونه مشمولًا بالنسخ بمجرد التخمين تقوَّل على الرسول وَله، وافتراء عليه، أعاذنا الله منه. وهاهنا أمور ينبغي أن نذكرها، ليتضح لك هذا الجواب حق الاتضاح، وهي تنفعك فيما يأتي أيضًا: الأول: أن الأمور العادية هي التي منع منها في الصلاة ما منع؛ لأنها منافية للخشوع، بخلاف الأفعال التي هي من جنس العبادة، فلم يقع النهي عنها، بل أمروا بها لكونها مؤثرة في الباطن، مورثة للخشوع في القلب، والصلاة هي اسم المجموع الأفعال الظاهرة والخشوع، لا لخشوع القلب فقط. والثاني: أن مطلق الحركة ليست بمنافية للخشوع؛ كحركة الانتقال من القيام إلى الركوع والسجود، ورفع الرأس منها، ورفع السبابة في التشهد، ورد السلام بالإِشارة. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةُ إِلَّا عَلَى الْخَشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]. والثالث: أن رفع اليدين الذي هو حركة من الحركات، وعمل من أعمال الصلاة ليس من الأمور العادية، بل هو من العبادات؛ لأن اشتغال اليدين بالعبادة مع الأعضاء الظاهرة الأخرى من كمال العبادة، كما قيل في وضع اليمنى على اليسرى في القيام، ووضع اليدين على الركبتين في الركوع، ووضعهما حذاء الأذنين، أو المنكبين في السجدة مستقبلاً بأصابعهما القبلة، ورفع المسبحة، والإشارة بها في التشهد، ونصب القدمين في السجدة. ومما يدل علی کون رفع اليدين من أمور العبادة ما في ((شرح البخاري)) للعيني (ج٥: ص ٢٧٢): قال ابن بطال: رفعهما تعبد، وقيل: إشارة إلى التوحيد، وقيل: انقياد. وقيل: إشارة إلى طرح أمور الدنيا، والإقبال بالكلية إلى الصلاة. وقيل: استعظام ما دخل فيه. وقال الشافعي: تعظيم لله، واتباع سنة نبيه وَله. وقال ابن عمر: هو من زينة الصلاة، وبكل رفع عشر حسنات، بكل إصبع حسنة، انتهى ملخصًا. وقال الشاه ولي الله في كِتَابُ الصَّلَاةِ بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ gese ٣٥١ ((حجته)) (ج٢: ص٦): الهيئات المندوبة إليها في الصلاة ترجع إلى معان: منها :... ومنها: محاكاة ذكر الله، وإيثاره على من سواه بأصابعه ويده حذو ما يعقله بجنانه ويقول بلسانه، كرفع اليدين والإشارة بالمسبحة ليكون بعض الأمر معاضدًا لبعض . . إلخ. والرابع: أن رفع اليدين في المواضع الثلاثة على الهيئة المخصوصة ليس منافيًا للخشوع، الذي هو للصلاة كالروح للجسد، بل نقول: إن الرفع في هذه المواضع عين الخشوع. قال الشاه ولي اللّه في ((حجته)) (ج٢: ص٨): السر في ذلك أن رفع اليدين فعل تعظيمي ينبه النفس على ترك الأشغال المنافية للصلاة، والدخول في حيز المناجاة، فشرع ابتداء كل فعل من التعظيمات الثلاث لتنتبه النفس لثمرة ذلك الفعل مستأنفًا، انتهى. ثم إنهم قد اتفقوا على سنية افتتاح الصلاة برفع اليدين، وهذا دليل واضح على عدم منافاة الرفع للخشوع، وإلا لما جاز اقتران الصلاة به، والمواظبة على الافتتاح به. ولا فرق بين هذه الرفع وبين الرفع في المواضع الثلاثة الباقية. ومن ادعى الفرق فعليه البيان. ومما يؤكد ما قلنا من عدم المنافاة بين الرفع المذكور والخشوع، وعدم الفرق بين الرفعين: أن الحنفية قالوا بمشروعيته في وسط الصلاة أيضًا، أي: عند تكبير القنوت وتكبيرات العيدين، فالقولُ باستنان الرفع في أول الصلاة، والذهاب إلى مشروعيته في وسطها، ثم الحكم بكراهته، أو عدم استحبابه في المواضع الثلاثة على توهم أنه نسخ؛ لكونه منافيًا للخشوع والسكون - صريحُ تناقضٍ. وقد رد هذا الاستدلال الشيخ محمد معين السندي أيضًا في ((دراساته)) (ص١٦٩) فارجع إليه. هذا، وقد ذكروا لترجيح ترك الرفع في غير التحريمة، وترجيح روايات الترك على الرفع ورواياته وجوهًا كلها مخدوشة مردودة : فمنها: أن الرفع فعل ينبىء عن الترك، فلا يناسب كونه في أثناء الصلاة. وفيه: أن تجديد التنبه لترك ما سوى الله عند كل فعل أصلٌ من الصلاة مطلوب، وهذا يقتضي استحباب الرفع في أثناء الصلاة لا تركه. ومنها: أنه قد ثبت ترك الرفع في غير الافتتاح عن النبي ◌ُّ قصدًا، فلم يكن تركه على طريق العدم الأصلي. وقد علم أن مبنى الصلاة على سكون الأطراف، وهذا ٣٥٢ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ يقتضي كون ترك الرفع أرجح. وفيه: أنه لم يثبت عن النبي ◌ُّ ترك الرفع المتنازع فيه أصلًا كما تقدم، وعلى هذا فالترك عدمي محض، فيترجح عليه الرفع، لكونه عبادة بخلاف الترك فإنه ترك عبادة. وأيضًا الرفع فعل تعظيمي، ولذلك ابتدأ به الصلاة، وهذا أيضًا يقتضي كون الرفع أرجح. ومنها: ما قال بعضهم في شرحه لـ((الموطأ)): أن كل ما اختلف فيه شيء من الروايات أخذت الحنفية منها الأوفق بالقرآن، فلما رأوا أحاديث ترك الرفع أوفق بقوله تعالى: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] رجحوها به، قال: وهذا أوجه وجوه الترجيح. وفيه: أن هذا الوجه ليس بوجيه فضلاً أن يكون أوجه، بل هو باطل جدًّا؛ لما قد عرفت أن الروايات التي استدلوا بها على ترك الرفع في غير الافتتاح كلها ضعيفة غير قابلة للاحتجاج، بل بعضها باطلة موضوعة، فالتصدي لترجيح مثل هذه الروايات على روايات الرفع الصريحة الصحيحة الثابتة المتواترة إسنادًا وعملًا جهل وسفه، لا يأتي ذلك إلا من متعصب معاند للسنة. وأيضًا قد تقدم أن قوله تعالى: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] نزل قبل وقعة بدر، وقد ثبت الرفع من النبي وَل﴾ وأصحابه بعد نزوله، كما يدل عليه حديث مالك بن الحويرث، ووائل ابن حجر، وابن عمر، وغيرهم، بل قد ثبتت مواظبته وَله، وإجماع الصحابة عليه بعده، فلو كان ترك الرفع أوفق للقرآن، وأقرب إليه، وأشبه به لما واظب الرسول و 18 على خلاف مقتضى القرآن، ولا أجمع الصحابة عليه بعده؛ لأن النبي وَلّ وأصحابه كانوا أحق وأكثر فهمًّا للقرآن. وأيضًا مبنى هذا الوجه على أن الرفع مناف للسكون والخشوع، وقد تقدم بطلانه، ولفساد هذا الوجه وجوه أخرى لا تخفى على المتأمل. ومنها: ما قال هذا البعض أيضًا: أن بعض أنواع الرفع الثابتة متروك عند الجميع ومجمع عليه، فهذا قرينة على أنه وقع النسخ فيه، فالأخذ بالمتفق عليه أولى، وهو الرفع عند التحريمة. وفيه نظر من وجوه: الأول: أن ترك الرفع بين السجدتين، أو في كل خفض ورفع ليس بمجمع عليه كما سيأتي، فدعوى كون بعض أنواع الرفع متروكًا عند الجميع باطلة؛ لكونها خلاف الواقع. الثاني: أن من لم يقل بالرفع فيما عدا المواضع الأربعة، إنما اختار ذلك لعدم كِتَابُ الصَّلَاةِ بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ ٣٥٣ ثبوته عنده بطريق صحيح، لا لأنه كان مشروعًا ثم ترك ونسخ، فلا يكون عدم القول به دليلاً على وقوع النسخ. والثالث: أن القائلين بالرفع في المواضع الأربعة ما تركوا المتفق عليه، بل قد أخذوه، ثم أخذوا أيضًا ما واظب عليه رسول اللَّه وَّر، وما قد أجمع عليه الصحابة بعده، وما هو ثابت بتواتر الإسناد والعمل، بخلاف الحنفية، فإنهم تركوا بل طرحوا الثابت، وتمسكوا بما لم يثبت، وليس الأخذ بالضعيف أو غير الثابت من الاحتياط في شيء، إنما الاحتياط في الأخذ بما ثبت لا بما لم يثبت. ومنها: ما قال هذا البعض أيضًا: أن الصلاة انتقلت عن الحركات إلى السكون، فإنه كان في أول الأمر المشي وأمثاله مباحة، فلما تعارضت الروايات أخذت الحنفية الأقرب إلى السكون. وفيه: أن هذا الوجه يرجع إلى ما ذكره هو أولًا وقد بينا فساده. ثم نقول: إن تلك الحركات كانت من الأمور العادية، ومنع منها لكونها منافية للخشوع والسكون، بخلاف الرفع المتنازع فيه؛ فإنه من أمور العبادة وليس منافيًا للخشوع، بل هو مورث للخشوع أو عينه كما بينا، ولم يثبت التغيير فيه أصلًا كما صرح به غير واحد من علماء الحنفية، وادعاء التعارض بين أحاديث الرفع والترك جهل، فإنه لا بد لتحققه من المساواة في القوة، والضعيف لا يعارض القوي والصحيح. والعجب ممن يفرق بين الرفع في القنوت والعيدين، وبين الرفع في المواضع الثلاثة، مع أن الرفعين من جنس واحد، ومع أن الترك مطلقًا أقرب إلى السكون، ومع أن الرفع في القنوت والعيدين لم يثبت مرفوعًا بسند صحيح، ومع أن الرفع في المواضع الثلاثة ثابت حقًّا. ومنها: ما قال هذا البعض أيضًا: أن أكثر من روى أحاديث الرفع تشمل رواياتهم الزائد من المواضع الثلاثة، فهو متروك عند من استدل بها أيضًا. وأحاديث الناقلين للترك محكم في موداه ليست مما يؤخذ بعضها ويترك بعضًا. وفيه: أن الأحاديث في ذلك على ثلاثة أنواع: الأول: أحاديث الترك في غير التحريمة. والثاني: أحاديث الرفع في المواضع الثلاثة فقط. والثالث: الأحاديث التي فيها الرفع زائدًا على المواضع الأربعة. وقد سبق أن ٣٥٤ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ أحاديث الناقلين للترك كلها ضعيفة غير صالحة للاستدلال، بل بعضها باطلة موضوعة، فليست هي مما يؤخذ أصلًا، لا كلَّ ولا بعضًا، بل هي مما يترك ويطرح رأسًا، ومع ضعفها محتملة للتأويل بخلاف النوع الثاني، أي: أحاديث الرفع في المواضع الثلاثة فقط، فإنها صحيحة ثابتة محكمة في موادها، فيجب الأخذ بها على كل مسلم. وأما الأحاديث التي فيها الرفع زائدًا على المواضع الأربعة، فلم تثبت ولم يصح منها شيء، ولذلك لم نقل بالرفع في غير هذه المواضع. وأصل استدلال القائلين بالرفع ليس بهذه الأحاديث بل بالنوع الثاني، وهي محكمة في موادها ليست مما يؤخذ بعضها ويترك بعضها . ومنها: ما قال هذا البعض أيضًا: أن روايات الفعل متعارضة، ورواية القول سالمة من المعارضة، فتبقى حجة. وفيه: ما تقدم آنفًا من أن دعوى التعارض باطلة؛ لتوقفه على المساواة في القوة والضعف، وأحاديث الخصوم كلها ضعيفة لا تصلح للمعارضة، ولو تنزلنا وسلمنا قوتها وصحتها، فلا تصلح للمعارضة أيضًا؛ فإن أحاديث الرفع أقوى وأصح وأكثر قد بلغت التواتر، وبعضها متفق عليه، فمعارضتها بأحاديث الترك، وجعلها ساقطة بادعاء التعارض بلادة ظاهرة. وأما رواية القول يعني: حديث جابر بن سمرة: ((مَالِي أَرَى رَافِعِي أَيْدِيْكُمْ)) فقد حققنا بما لا مزيد عليه، أنه لا ذكر فيها للرفع المتنازع فيه، وأن الاستدلال بها على ترك الرفع ونسخه جهل قبيح. ومنها: ما قال هذا البعض : أن التعارض إذا وقع في الفعل والقول يقدم القول. وفيه: أنه لم يرد في الترك حديث قولي، وأما حديث جابر، فقد تقدم أنه ورد في الرفع عند السلام لا في الرفع المتنازع فيه. ومنها: ما قال هذا البعض أيضًا ملخصًا لكلام الإمام محمد في ((موطئه)): أن الناقلين للترك أولو الأحلام والنهى، فكان موقفهم الصف الأول، فهم أعلم بصلاة رسول اللَّهِ وَ﴿، بخلاف مثل عبد الله بن عمر، فإنه استصغر يوم أحد، وأول مشاهده الخندق. وفيه: أنه لم ينفرد ابن عمر برواية الرفع عن رسول اللّه وَ ل، بل اشترك معه جمع كثير من الصحابة كأبي بكر عند البيهقي، وعمر عند الدار قطني، وعلي عند أبي داود وغيرهم ممن ذكرهم السيوطي في ((رسالته)). ولا شك أن هؤلاء أولو الأحلام والنهى، ومن أهل بدر، ومن الخلفاء الراشدين، ومن أهل الصف الأول، فهم أعلم بصلاة رسول اللَّه وَليل، وليس في كبار الصحابة من روى عدم كِتّابُ الصَّلَاةِ بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ ٣٥٥ الرفع في غير الافتتاح إلا ابن مسعود مع أنه لم تثبت روايته عند المحدثين، فانعكس الأمر، وترجح الرفع بما لا يُدفع. ومنها: ما قال هذا البعض أيضًا: أن الرفع في غير التحريمة يدور بين السُّنِّيَّةِ، ونسخها؛ لتعارض الروايات، ومعلوم أن الشيء إذا يدور بين السنة والبدعة يرجح الثاني، ومن المعلوم أيضًا أنه يرجح المحرم على المبيح أبدًا. وقال صاحب ((الكوكب الدري)) وهو شيخ مشائخ هذا البعض: الاحتياط فيما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة؛ لأن رفع اليدين على تقدير نسخه يكون عملا بالمنسوخ، وعدم الرفع على تقدير استحبابه يكون ترك أدب، وإحداث بدعة أشنع من ترك أدب. وفيه: أن مقتضى هذا الوجه أن يكون الرفع في غير التحريمة مكروهًا؛ لأنه إما دائر بين أن يكون سنة على تقدير استحبابه، وبين أن يكون بدعة على تقدير نسخه، أو دائر بين أن يكون مباحًا؛ لأحاديث الرفع، وبين أن يكون محرمًا؛ لحديث جابر بن سمرة: ((مَالِي أَرَى رَافِعِي أَيْدِيكُمْ ... ))، وهذا مخالف لما تقدم من تصريح صاحب ((الكوكب))، بأنه لا خلاف في الجواز وعدم الجواز، وإنما النزاع في أن الأولى، هل هو عدم الرفع أو الرفع؟ فاخترنا الأول واختار الشافعية الثاني، فإن كلامه هذا يدل على أن المحقق عنده أن جواز الرفع ليس بمنسوخ،، بل هو باقٍ إلى الآن، وإنما المنسوخ هو استحبابه، فالأولى والمستحب عنده هو ترك الرفع، وهو أيضًا مخالف لتصريحات المحققين من الحنفية كأبي بكر الجصاص الرازي، فإنه صرح بأن الاختلاف في الأفضلية لا في الجواز، وتبعه في ذلك الشيخ محمد أنور الكشميري وقال: القول بكراهة التحريم في مسألة متواترة بين الصحابة شديد عندي . وقال جامع تقاريره: من رفع فهو على حق وَسُنَّةٍ. وكالشاه ولي اللَّه الدهلوي فإنه صرح بكون الرفع سنة، وبأن الذي يرفع أحب إليه ممن لا يرفع. وكتلميذه الشيخ محمد معين السندي، فإنه رد على الحنفية ردًّا مشبعًا، وحقق كون الرفع سنة متواترة واظب عليها النبي ◌َّر . وكالشيخ أبي الحسن السندي صاحب ((الحواشي على الأصول الستة)). والشيخ عبد الحي اللكنوي شيخ النيموي، فإنهما صرحا بأن الرفع أرجح من الترك. وقد حققنا بما لا يدفع أن أحاديث الترك ضعيفة ٣٥٦ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ لا تصلح لمعارضة أحاديث الرفع لضعفها؛ ولأنه لا تعارض بين الفعل والترك؛ لأن مجرد الترك لا يدل على نسخ الجواز، ولقد صدق ابن الجوزي، حیث حكم بالبلادة على من حاول معارضة أحاديث الرفعات بما روى من الأحاديث في عدم الرفع، فقال: ما أبلد من يحتج بهذه الأحاديث، يعني: التي تروى في عدم الرفع إلا مرة في التحريم ليعارض بها الأحاديث الثابتة. وقال البخاري: من زعم أنه بدعة فقد طعن في الصحابة، فإنه لم يثبت عن أحد منهم تركه، انتهى. وليس في كلام البخاري هذا شيء من المبالغة كما توهم بعض الحنفية. وقد قررنا أيضًا: أن حديث جابر بن سمرة ليس بوارد في الرفع المتنازع فيه، فإذن لا احتمال ولا مجال هاهنا للقول بالنسخ والتحريم، فلم يبق حينئذٍ إلا جهة كون الرفع سنة ثابتة مستمرة، وكون خلافه مرجوحًا بل باطلًا، ولا شك أن الاحتياط إنما هو في العمل بالسنة الثابتة لا في ردها وتركها ومخالفتها. والعجب من هذا البعض وأمثاله إنهم يخترعون مثل هذه الوجوه الواهية المضحكة لرد الأحاديث الصحيحة الثابتة المتواترة. هداهم الله تعالى إلى الصراط المستقيم، إلى إتباع سنن نبيه الكريم. ومنها: ما قال هذا البعض أيضًا: أن رواة المنع والترك أفقه من رواة المثبتين، وهذا مما لم يقدر على إنكاره الأوزاعي أيضًا، فيقدم روايتهم. وفيه: أنه ليس في كتب الحديث على اختلاف أنواعها حديث مرفوع صحيح، أو ضعيف صريح في المنع عن الرفع في المواضع الثلاثة، ولا يمكن للحنفية أن يأتوا بحديث صريح في المنع عن الرفع المتنازع فيه، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا. وأما قوله: إن رواة أحاديث الترك أفقه، ثم ترجيحها بذلك على أحاديث الرفع، فهو ادعاء محض وتحكم مجرد، بل الأمر على خلاف ما قال هذا البعض كما سترى. وقد أشار بذلك على ما حكى أنه اجتمع أبو حنيفة مع الأوزاعي بمكة في دار الحناطين. فقال الأوزاعي: ما لكم لا ترفعون عند الركوع، والرفع منه؟ فقال: لأجل أنه لم يصح عن رسول اللّه وَ ل، فقال الأوزاعي: كيف لم يصح وقد حدثني الزهري، عن سالم، عن أبيه ابن عمر: أن رسول اللّه وَ ل كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وعند الر کوع، وعند الرفع منه؟ فقال أبو حنيفة: حدثنا حماد، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود، عن عبد الله بن مسعود: أن النبي وَّ كان لا يرفع يديه إلا عند الافتتاح، ثم لا يعود. فقال الأوزاعي: أحدثك عن الزهري، عن كِتَابُ الصَّلَاةِ بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ ٣٥٧ سالم، عن أبيه، وتقول: حدثني حماد عن إبراهيم؟! فقال أبو حنيفة: كان حماد أفقه من الزهري، وكان إبراهيم أفقه من سالم، وعلقمة ليس بدون ابن عمر، أي: في الفقة، وإن كان لابن عمر صحبة، وله فضل صحبته، وللأسود فضل كثير، وعبد الله عبد الله. ذكر هذه الحكاية ابن الهمام في ((فتح القدير))، ومنه نقلها على القاري في ((المرقاة))، والشيخ أحمد علي السهار نفوري في ((حاشية البخاري)). قال ابن الهمام بعد ذكرها: فرجح أبو حنيفة بفقه الرواة كما رجح الأوزاعي بعلو الإسناد وهو - أي: الترجيح - بالفقه المذهب المنصور عندنا، انتهى. والقصة مشهورة بين الحنفية، لكن لا يشك من له أدنى عقل ودراية أنها حكاية مختلقة، وأكذوبة مخترعة؛ كيف ولم يذكرها أحد من تلامذه أبي حنيفة وأصحابه، ولا أحد من متقدمي الحنفية، ولو كان لها أصل لذكرها محمد في ((موطئه))، أو في غيره من تصانيفه مع أنه لم يشر إليها أدنى إشارة. نعم، ذكرها السيد مرتضى الحسيني في ((عقود الجواهر المنيفة في أدلة مذهب الإمام أبي حنيفة)) (ج١: ص٤٣) نقلًا عن مسند أبي محمد عبد الله بن محمد بن يعقوب الحارثي البخاري المتوفي سنة (٣٤٠) قال: روى الحارثي في مسنده قال: حدثنا محمد بن إبراهيم بن زياد الرازي: ثنا سليمان بن داود الشاذكوني ... إلخ. وقال: وسليمان الشاذکوني واهٍ مع حفظه، إلا أن القصة مشهورة. وقال ابن التركماني في ((الجوهر النقي)) (ج٢: ص٨٢): قال الرازي: الشاذكوني ليس بشيء، متروك الحديث. وقال البخاري: هو عندي أضعف من كل ضعيف. وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال مرة: كان يكذب ويضع الحديث، انتهى. قلتُ: وعبد الله الحارثي جامع ((مسند أبي حنيفة)) متهم بوضع الحديث. قال الذهبي في ((الميزان)) (ج٢: ص٧٤): عبد الله بن محمد بن يعقوب الحارثي البخاري الفقيه عرف بالأستاذ. قال ابن الجوزي: قال أبو سعيد الرواس: يتهم بوضع الحدیث. وقال أحمد السليماني: كان يضع هذا الإسناد على هذا المتن، وهذا المتن على هذا الإسناد، وهذا ضرب من الوضع. وقال حمزة السهمي: سألت أبازرعة أحمد ابن الحسن الرازي عنه، فقال: ضعيف. وقال الحاكم: هو صاحب عجائب وأفراد عن الثقات. وقال الخطيب: لا يحتج به. وقال الخليلي: يعرف بالأستاذ، له ٣٥٨ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ معرفة بهذا الشأن، وهو لين، ضعفوه. حدثنا عنه الملاحمي وأحمد بن محمد البصير بعجائب. قال الذهبي: وقد جمع مسندًا لأبي حنفية، انتهى. قال الحافظ في ((اللسان)) (ج٣: ص٣٤٩): وبقية كلام الخليلي: کان یدلس، وقال الخطيب: كان صاحب عجائب، ومناكير، وغرائب، وليس بموضع الحجة. وعلى كون هذه الحكاية مختلقة أدلة عقلية أيضًا: فمنها: أنه جعل فيها مبنى الترجيح على فقه الراوي، ومرجعه إلى مسألة الرواية بالمعنى؛ لأنه يتعلق بمعرفة مدلولات الألفاظ كما لا يخفى، لكن مسألة الرفع خارجة عنها، فإن الترجيح بالفقه إنما يمكن في أقواله ربَّ لا في أفعاله وأحواله وتقريراته. ومن المعلوم أن رفع اليدين في الصلاة من الأفعال لا من الأقوال، وإليه أشار الإمام الرازي حيث قال: أي مدخل للتفقه في الأمور الحسية؟ ومنها: أن أبا حنيفة قال أولًا: لم يصح عن رسول اللّه وَلّر فيه شيء، وكان مقتضى الحال أن يذكر حديث ابن مسعود، فإن الدليل على ترك الرفع في غير الافتتاح عند أهل الكوفة إنما هو حديث ابن مسعود، لا عدم ورود حديث صحيح في الرفع. ومنها: أنه عارض بعد ذلك حديث ابن عمر بحديث ابن مسعود، فكأنه سلم صحة حديث الرفع بعد ما أنكر صحته أولًا، وهذا كما ترى صريح تناقض. ومنها: أن المراد بالفقة، إن كان هو الفهم والذكاء، وقوة الاستنباط والاستخراج، فلا شك أن الزهري أفقه من حماد، وسالمًا أفقه من إبراهيم، وابن عمر مع كونه صحابيًّا أفقه من علقمة والأسود، كما يظهر من كتب أسماء الرجال. وعلى هذا فالترجيح يكون لحديث ابن عمر؛ لعلو سنده ولصحته؛ ولكون رواته أفقه، ولكونه مثبتًا، لا لحديث ابن مسعود لعدم وجود هذه الأمور فيه. قال الشيخ محمد معين السندي الحنفي، تلميذ الشاه ولي اللّه الدهلوي في (دراساته)) (ص١٧٧ - ١٨٤): ومن الإغراب البديع معارضة حديث الرفعات من أكثر الحنفية بما حكى ابن عيينة: أنه اجتمع أبو حنيفة مع الأوزاعي بمكة في دار الحناطين، فقال الأوزاعي ... فذكر مناظرتهما بمثل ما قدمنا، ثم قال: وذلك الإغراب من وجوه: الأول: أن هذه الحكاية عن ابن عيينة معلقة، ولم أر من أسندها. ومن عنده السند فليأت به حتى ننظر رجاله. والمعلقات من أمثالها ليس كِتَابُ الصَّلَاةِ بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ *kExcasae ٣٥٩ من الاحتجاج في شيء، ولهذا لم يتعرض لها الحافظ الزيلعي في تخريج ((الهداية))، مع استيفائه حجج المسألة من كل قوي وضعيف يعتبر به ويشهد له، وذلك لأن المعلق من غير ((الجامع الصحيح)) كما لا يحتج به لا يصلح للاعتبار والشهادة مطلقًا. وليس في ذلك كالضعاف الذي تنقسم إلى ما يعتبر بها وإلى ما لا يعتبر، ولهذا يقول الإمام الدارقطني في تفاوت مراتب الرجال: فلان يعتبر به وفلان لا يعتبر به. ومن هذا سقط ما أشار إليه ابن الهمام من الاعتبار والشهادة بقوله: ويؤيد صحة هذه الزيادة - يعني: زيادة بعض الرواة - في حديث ابن مسعود: ثم لا يعود. رواية أبي حنيفة من غير الطريق المذكور، وذلك أنه اجتمع مع الأوزاعي بمكة في دار الحناطين كما حكى ابن عيينة إلى آخرها، لما عرفت من تعليقها وحكم التعاليق. الثاني: أن قول أبي حنيفة في هذه الحكاية: لم يصح فيه عن رسول اللّه وَله. شيء. مفصح من عدم علمه بحديث ابن عمر على ما هو المتبادر الظاهر من كلامه، والتقييد بأن يقال: أراد عدم صحته بشيء غير معارض، كما ارتكبه القاري في شرح الموطأ من رواية محمد، خلاف الظاهر، قلتُ: قال القاري في ((المرقاة)): قوله: لم يصح فيه شيء، أي: لم يصح معنى؛ إذ هو معارض، وإلا فإسناده صحيح، فبإخبار الأوزاعي بمجرده من غير تصحيحه على شرائط الملتزمة عنده يجوز أن لا يحصل له الثقة بذلك، فجرى الكلام معه على ما جرى. الثالث: فقه الرواة لا أثر له في صحة المروي، وإنما مدارها على العدالة والضبط، وكل ما اشترط في صحة الحديث؛ إذ قلة الفقه لا يوجب الوهن في شرائط التحمل وما يلازمه الوثوق بالرواية، وإذا انتفى ذلك بقي العلو لسند ابن عمر مع ما له من الصحة. والحنفية لا يعتقدون أيضًا أن قلة فقه الراوي مما يتطرق به الوهن إلى مرويه، بل يرون أن رواية قليل الفقه من الصحابة إذا خالفها القياس من كل وجه يقدم القياس عليها من غير أن يتطرق عندهم وهن بعدم فقه الراوي في صحة مرويه، أو يحصل زيادة وثوق بفقه الراوي لصحة مرويه من مروي من دونه في الفقه. وما ذهبوا إليه من تقديم القياس على رواية مثل أبي هريرة، وأنس بن مالك، وجابر بن سمرة وَهُمْ عندهم ممن يقل فقههم من الصحابة قد وقع عليهم بذلك الطعن الشديد، لا سيما في حكمهم على أبي هريرة بقلة الفقه، حيث