النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال السندي: واستعمله بعض قليل على ظاهره واللفظ معهم؛ إذ أقسام الرفع
كلها مندرجة في الرفع ما استطاع، انتهى.
وقال الحافظُ: وقد رواه الإسماعيلي بلفظ: ((فَإِنْ أَبَى فَلْيَجْعَلْ يَدَهُ فِي صَدْرِهِ
وَيَدْفَعُهُ))، وهو صريح في الدفع باليد، قال: وقال أصحابنا: يرده بأسهل الوجوه،
فإن أبى فبأشدها ولو أدى إلى قتله، فلو قتله فلا شيء عليه؛ لأن الشارع أباح له
مقاتلته، والمقاتلة المباحة لا ضمان فيها. ونقل عياض وغيره: أن عندهم خلافًا في
وجوب الدية في هذه الحالة.
(فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ) تعليل للأمر بقتاله، أو لعدم اندفاعه، أولهما. أي: مطيع له
فيما يفعل من المرور. وإطلاق الشيطان على مَارِدِ الإِنس شائع ذائع. وقد جاء في
القرآن قوله تعالى: ﴿شَيَطِينَ اُلْإِنِسِ وَالْجِنّ﴾ [الأنعام: ١١٢] وسبب إطلاقه عليه أنه فعل
فعل الشيطان في إرادة التشويش على المصلي.
وقيل المراد: إنما الحامل له على ذلك شيطان. وقد وقع في رواية
للإسماعيلي: ((فَإِنَّ مَعَهُ الشَّيْطَانَ)) ونحوه لمسلم من حديث ابن عمر بلفظ: ((فَإِنَّ مَعَهُ
الْقَرِينَ)) أي: الشيطان المقرون بالإنسان لا يفارقه، الحامل له هذا الفعل، يعني:
فينبغي منعه مهما أمكن عن ذلك الفعل الذي الحامل عليه الشيطان. وقد اختلف
في الحكمة المقتضية للدفع، فقيل: لدفع الإثم عن المار. وقيل: لدفع الخلل
الواقع بالمرور في الصلاة. وهذا الأرجح؛ لأن عناية المصلي بصيانة صلاته أهم
من دفعه الإثم عن غيره. قال الأمير اليماني: ولو قيل: إنه لهما معًا لما بعد،
فيكون لدفع الإثم عن المار الذي أفاده حديث: ((لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُ ... )»، ولصيانة
الصلاة عن النقصان من أجرها، فقد أخرج أبو نعيم عن عمر: ((لَوْ يَعْلَمُ الْمُصَلِّى مَا
يَنْقُصُ مِنْ صَلَاتِهِ بِالْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْهِ مَا صَلَّى إِلَّا إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ))، وأخرج
ابن أبي شيبة عن ابن مسعود: ((أَنَّ الْمُرُورَ بَيْنَ يَدَي الْمُصَلِّ يَقْطَعُ نِصْفَ صَلَاتِهِ»،
ولهما حكم الرفع، وإن كانا موقوفين؛ لأن مثلهماً لا يقال بالرأي. وهذان الأثران
مقتضاهما أن الدفع لخلل يتعلق بصلاة المصلي، ولا يختص بالمار.
(هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِي) أي: في كتاب الصلاة، وأخرجه أيضًا في صفة إبليس.
(وَلِمُسْلِمِ مَعْنَاهُ) وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه مطولًا
ومختصرًا.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الشّتْرةِ
٢٨١
٧٨٤ - [٧] وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَو ◌َهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: «تَقْطَعُ
الصَّلَاةَ: الْمَرْأَةُ، وَالحِمَارُ، وَالكَلْبُ، وَيَقِي ذَلِكَ مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشَّرْجُ
٧٨٤- قوله: (تَقْطَعُ) بالتأنيث. (الصَّلَاةَ) أي: تفسدها وتبطلها، أو تقلل
ثوابها، وتنقص أجرها بقطع حضورها وخشوعها وكمالها. وهذا إذا لم يكن بين
يديه سترة، كما سيأتي. (الْمَرْأَةُ) هو فاعل تقطع، أي: مرور المرأة؛ إذ المرور هو
محل النزاع. ولأبي داود وابن ماجه من حديث ابن عباس: ((يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ
الْحَائِضُ))، قال السندي: يحتمل أن المراد: ما بلغت سن الحيض أي: البالغة
وهي المتبادرة من لفظ المرأة. وعلى هذا فالصغيرة لا تقطع.
قلتُ: تقييد المرأة بالحائض يقتضي حمل المطلق على المقيد، فلا تقطع
الصلاة إلا الحائض، كما أنه أطلق الكلب عن وصفه بالأسود في حديث أبي هريرة
هذا، وقيد به في حديث أبي ذر عند مسلم وغيره، فحملوا المطلق على المقيد،
وقالوا: لا يقطع إلا الأسود، فتعين في المرأة الحائض حمل المطلق على المقيد.
(وَالْحِمَارُ، وَالْكَلْبُ) وجه تخصيص هذه الأشياء مفوض إلى رأي الشارع، والله
أعلم. (وَيَقِي) أي: يحفظ. (ذَلِكَ) أي: القطع. (مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ) أي: مثلًا،
وإلا فقد أجزأ السهم، كما رواه الحاكم من حديث سبرة بن معبد مرفوعًا: ((يَسْتَتِرُ
أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ وَلَوْ بِسَهْم))، وفي قطع الصلاة بمرور هذه الأشياء أحاديث عن
جماعة من الصحابة: عن عَبد الله بن مغفل عند أحمد وابن ماجه وأبي ذر عند
أحمد ومسلم والترمذي وأبي داود والنسائي وابن ماجه. والحكم الغفاري عند
الطبراني في ((الكبير)).
قال الهيثمي: وفيه عمر بن دريج، ضعفه أبو حاتم، ووثقه ابن معين وابن حبان،
(٧٨٤) مُسْلِم (٢٦٦/ ٥١١) عَنْهُ فِيهَا .

٢٨٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
وبقية رجاله ثقات. وأنس عند البزار. قال العراقي: رجاله ثقات. وقال الهيثمي:
رجاله رجال الصحيح. وابن عباس عند أبي داود وابن ماجه. وعبد الله بن عمرو
عند أحمد. قال الهيثمي: رجالهِ موثقون، وقال العراقي: إسناده صحيحٍ. وعائشة
عند أحمد قالت: قال رسول اللَّه ◌َله: ((لاَ يَقْطَعُ صَلاَةَ الْمُسْلِمِ شَيْءٌ، إِلَّ الْحِمَارُ
وَالْكَافِرُ وَالْكَلْبُ وَالْمَرْأَةُ))، فقالت عائشة: يارسول الله، لقدَ قُرِنَّا بدواب سُوءٍ.
قال العراقي والهيثمي: رجاله ثقات. وهذه الأحاديث نَصٌّ في أن الأشياء المذكورة
فيها تقطع صلاة من لا سترة له. وظاهر القطع الإبطال. وقد عارضها حديث: ((لَا
يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ)) أخرجه أبو داود من حديث أبي سعيد، وسيأتي الكلام فيه في
الفصل الثاني. وروي أيضًا من حديث أنس عند الدار قطني، قال الحافظ في
((الدراية)): إسناده حسن. ومن حديث أبي أمامة عند الدار قطني والطبراني في
((الكبير))، قال الهيثمي: إسناده حسن. وقال الشوكاني: في إسناده عفير بن
معدان، وهو ضعيف. ومن حديث جابر عند الطبراني في ((الأوسط)). قال
الهيثمي: وفيه يحيى بن ميمون التمار، وهو ضعيف، وقد ذكره ابن حبان في
((الثقات)). ومن حديث أبي هريرة عند الدار قطني، وفيه إسحاق بن عبد الله بن أبي
فروة، وهو متروك. ومن حديث ابن عمر عند الدار قطني أيضا، وفيه إبراهيم بن
یزید الخوزي، وهو ضعيف.
قال العراقي: والصحيح ما رواه مالك في ((الموطأ)) من قوله. وقد أخرج سعيد
ابن منصور، عن علي وعثمان وغيرهما من أقوالهم نحو هذا الحديث بأسانيد
صحيحة. قيل: ويعارض أحاديث القطع حديث عائشة، وحديث ابن عباس
التاليان، وحديث الفضل بن عباس في الفصل الثاني، وحديث عائشة في الفصل
الثالث. وقد اختلف العلماء في العمل بهذه الأحاديث، واختلفت آراؤهم في
الكلام على هذه الروايات وتعارضها؛ فقال بقطع الصلاة بالمرأة، والكلب،
والحمار: أبو هريرة وأنس من الصحابة، والحسن البصري وأبو الأحوص من
التابعين، وأحمد بن حنبل من الأئمة فيما حكاه عنه ابن حزم الظاهري. وحكى
الترمذي عنه أنه يخصصه بالكلب الأسود، ويتوقف في الحمار والمرأة. ووجهه
ابن دقيق العيد وغيره: بأنه لم يجد في الكلب الأسود ما يعارضه، ووجد في

كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ السُّتْرةِ
٢٨٣
الحمار حديث ابن عباس، وفي المرأة حديث عائشة يعني: الذين يليان حديث
أبي هريرة وسيأتي الكلام في دلالتهما على ذلك.
وقال عطاء وابن جرير: يقطعها الكلب الأسود، والمرأة الحائض دون الحمار
لحديث ابن عباس الآتي. وذهب أهل الظاهر، كما قال ابن حزم في ((المحلى)):
إلى أنه يقطع الصلاة كون الكلب والحمار بين يدي المصلي مارًّا أو غير مَارٍّ،
صغيرًا أو كبيرًا، حيًّا أو ميتًا، وكذا كون المرأة بين يدي الرجل مارة أو غير مارة،
صغيرة أو كبيرة، إلا أن تكون مضطجعة معترضة فقط. ثم اختلف القائلون بالقطع
بمعنى الإبطال بالثلاثة في الجواب عن أحاديث عدم القطع .
فقال بعضهم: الأحاديث التي تعارض حديث أبي ذر ومن وافقه بعضها
صحيحة، لكنها غير صريحة في عدم القطع كحديث عائشة وابن عباس، فإن في
دلالتهما على ذلك نظرًا قويًّا كما ستعرف، فلا يترك العمل بحديث أبي ذر الصريح
بالمحتمل. وبعضها صريحة كحديث أبي سعيد ومن وافقه، لكنها ضعيفة لا
تنتهض للاحتجاج، ولو سلم انتهاضها، فهي عامة مخصصة بأحاديث القطع. أما
عند من يقول: إنه يبني العام على الخاص مطلقًا فظاهر. وأما عند من يقول: إن
العام المتأخر ناسخ، فلا تأخر لعدم العلم بالتاريخ، ومع عدم العلم يبني العام
الخاص عند الجمهور. وأما على القول بالتعارض بين العام والخاص مع جهل
التاريخ كما هو مذهب الحنفية، فلا شك أن الأحاديث الخاصة - أي: أحاديث أبي
ذر ومن وافقه - أرجح وأقوى وأصح من هذه الأحاديث العامة، فالأخذ بالأقوى
أولى. وقال بعضهم: أحاديث عدم القطع منسوخة بحديث أبي ذر ومن وافقه.
قال ابن حزم في ((المحلى)) (ج٤: ص ١٤): لو صحت هذه الآثار - وهي لا
تصح - لكان حكمه وَ له بأن الكلب والحمار والمرأة يقطعون الصلاة، هو الناسخ
بلا شك لما كانوا عليه قبل من أن لا يقطع الصلاة شيء من الحيوان، كما لا يقطعها
الفرس، والسنور، والخنزير، وغير ذلك، فمن الباطل الذي لا يخفى، ولا يحل
ترك الناسخ المتيقن والأخذ بالمنسوخ المتيقن. ومن المحال أن تعود الحالة
المنسوخة ثم لا يبين لل عودها، انتهى.
وذهب الجمهور: مالك والشافعي وأبو حنيفة، وغيرهم من السلف والخلف

٢٨٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
إلى أنه لا يقطعها شيء. ثم اختلف هؤلاء في تأويل أحاديث القطع؛ فمال بعضهم
إلى النسخ. قال الطحاوي وابن عبد البر: إن حديث أبي ذر ومن وافقه منسوخ
بحديث عائشة وحديث ابن عباس الآتيين، واستدلّا على تأخر تاريخ حديث ابن
عباس بأنه كان في حجة الوداع، وهي في سنة عشر، وفي آخر حياة النبي وَّ،
وعلى تأخر حديث عائشة بأن ما حكاه عائشة عنه يعلم تأخره؛ لكونه صلاته بالليل
عندها، ولم يزل على ذلك حتى مات مع تكرر قيامه في كل ليلة، فلو حدث شيء
مما يخالف ذلك لعلمت به. وفي هذا الاستدلال نظر لا يخفى على المتأمل، وعلى
تسليم صحته لا يتم به المطلوب من النسخ لوجوه ذكرها الشوكاني في ((النيل))،
وسنورد بعضها في شرح حديث ابن عباس وعائشة. وَوَجَّهَ النسخ بعضهم: بأن ابن
عمر وابن عباس من رواة حديث القطع، وقد حكما بعدم قطع شيء وهو من
أمارات النسخ. وفيه: أن عمل الراوي خلاف ما رواه لا يدل على نسخ مرويه على
ما هو الحق في ذلك.
وقال العلامة الشيخ أحمد في ((تعليقه على الترمذي)) (ج٢: ص١٦٤):
والصحيح الذي أرضاه وأختاره أن أحاديث القطع منسوخة بحديث: ((لَا يَقْطَعُ
الصَّلَاةَ شَيْءٌ)» الذي رواه أبو داود، وقد ضعفه ابن حزم في ((المحلى)) (ج٤:
ص١٣) بأن أبا الوداك ومجالدًا ضعيفان. وأبو الوداك هو جبر بن نوف البكالي،
وهو ثقة، وثقه ابن معين، وابن حبان. واختلف فيه قول النسائي، فمرة قال:
صالح، ومرة قال: ليس بالقوي، ومثل هذا لا يطلق عليه الحكم بالضعف. وقد
أخرج له مسلم في ((الصحيح)). ومجالد هو ابن سعيد الهمداني الكوفي، ضعفه
أحمد وغيره. وقال يعقوب بن سفيان: تكلم الناس فيه وهو صدوق. وقال
البخاري: صدوق، وأخرج له مسلم مقرونًا بغيره، ومثله أيضًا لا يطرح حديثه،
وقد ورد أيضًا عن أبي أمامة مرفوعًا رواه الطبراني في ((الكبير)).
قال في ((مجمع الزوائد)): إسناده حسن. قال: وقد حققت ترجيح النسخ في
تعليقي على ((المحلى)) لابن حزم (ج٤: ص١٥، ١٤) وقلتُ: إن قول النبي: ((لَا
يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ)) فيه إشارة إلى أنه كان معروفًا عند السامعين قطعها بأشياء من
هذا النوع، بل هو يكاد يكون كالصريح فيه لمن تأمل وفكر في معنى الحديث. ثم

كِتَابُ الصَّلَاةِ
get
بَابُ الشّتْرَةِ
cesects
٢٨٥
قد ورد ما يؤيد هذا، فروى الدارقطني (ص١٤٠، ١٤١) والبيهقي (ج٢:
ص٢٧٧، ٢٧٨) من طريق إبراهيم بن منقذ الخولاني، ثنا إدريس بن يحيى أبو
عمرو المعروف بالخولاني، عن بكر بن مضر، عن صخر بن عبد الله بن حرملة،
أنه سمع عمر بن عبد العزيز يقول عن أنس، أن رسول اللّه وَ ل صلى بالناس، فمر
بين أيديهم حمار، فقال عياش بن أبي ربيعة: سبحان الله، سبحان الله، سبحان
الله. فلما سلم رسول اللَّه ◌َ ل﴿ل قال: ((مَنِ الْمُسَبِّحُ آنِفًا سُبْحَانَ اللَّهِ؟)) قال: أنا
يارسول اللَّه؛ إني سمعت أن الحمار يقطع الصلاة. قال: ((لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ)»،
قال: ولم أجد ترجمة لإدريس بن يحيى، وما أظن أحدًا ضعفه، ولذلك لما أراد
ابن الجوزي أن ينصر مذهبه ضعف الحديث بصخر بن عبد الله فأخطأ جدًّا، لأنه
زعمه صخر بن عبد الله الحاجبي المنقري، وهو كوفي متأخر، روى عن مالك
والليث، وبقي في حدود سنة (٢٣٠) وأما الذي في الإسناد، فهو صخر بن عبد الله
ابن حرملة المدلجي، وهو حجازي قديم، كان في حدود سنة (١٣٠) وهو ثقة.
قال: وهذا صريح في الدلالة على أن الأحاديث التي فيها الحكم بقطع الصلاة
بالمرأة والحمار والكلب منسوخة؛ فقد سمع عياش أن الحمار يقطع الصلاة،
وعياش من السابقين الذين هاجروا الهجرتين، ثم حبس بمكة. وكان رسول الله
وَخلال يدعو له في القنوت كما ثبت في ((الصحيحين))، فعلم الحكم الأول، ثم غاب
عنه نسخه، فأعلمه رسول اللَّه ◌َ الل أن الصلاة لا يقطعها شيء، انتهى كلامه ملخصًا
مختصرًا. ومال بعضهم إلى الترجيح، فقال: أحاديث الجمهور مثل حديث عائشة،
وحديث ابن عباس أقوى وأصح من الأحاديث التي فيها الحكم بالقطع، فالأخذ
بالأقوى أولى.
قال الشيخ أحمد في تعليقه، بعد نقل كلام الشافعي من اختلاف الحديث
المطبوع بحاشية كتاب ((الأم)) (ج٧: ص١٦٣، ١٦٤): وكأن الشافعي يريد
تضعيف الحديث الذي فيه قطع الصلاة؛ بأنه حديث يخالف أحاديث أثبت منه
وأقوى، كأنه يقول: شاذ، ولكن القطع ثابت بأحاديث صحيحة من غير وجه، فلا
تكون شاذة. واختار بعضهم للترجيح مسلكًا آخر، قال: لما اختلفت أحاديث
الباب، ولم يتبين الراجح منها؛ نظرنا إلى ما عمل به الصحابة بعد النبي وَلَّه
فرجحنا به أحد الجانبين. قال أبو داود في ((سننه)) بعد رواية حديث أبي سعيد: إذا

٢٨٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
تنازع الخبران عن النبي ولو نظر إلى ما عمل به أصحابه من بعده، يعني: وقد ذهب
أكثرهم مثل عائشة، وابن عباس، وابن عمر، وعلى، وعثمان، وحذيفة إلى عدم
القطع، فليكن هو الراجح. ومال بعضهم إلى التأويل.
فقال الخطابي والنووي وغيرهما: المراد بالقطع في حديث أبي ذر: نقص
الصلاة بشغل القلب بمرور هذه الأشياء عن مراعاة الصلاة، وبعدم القطع في
حديث أبي سعيد عدم البطلان، أي أنه لا يبطلها شيء، وإن نقص ثوابها بمرور ما
ذكر في حديث أبي ذر وأبي هريرة. قال الحافظُ: ويؤيد ذلك أن الصحابي راوي
الحديث سأل عن الحكمة في التقييد بالأسود، فأجيب بأنه شيطان. وقد علم أن
الشيطان لو مر بين يدي المصلي لم تفسد عليه صلاته.
وقال القرطبي: هذا مبالغة في الخوف على قطعها بالشغل بهذه المذكورات،
فإن المرأة تفتن، والحمار ينهق، والكلب يخوف، فيشوش المتفكر في ذلك،
حتى تنقطع عليه الصلاة. فلما كانت هذه الأمور آئلة إلى القطع جعلها قاطعة،
انتهى. وفيه: ما قال السندي: من أن شغل القلب لا يرتفع بمؤخرة الرحل؛ إذ
المار وراء مؤخرة الرحل في شغل القلب قريب من المار في شغل القلب، إن لم
يكن مؤخرة الرحل فيما يظهر، فالوقاية بمؤخرة الرحل على هذا المعنى غير
ظاهر، انتهى .
قلتُ: الراجح عندي : أنه لا يقطع الصلاة مرور شيء، وإن لم یکن بین یدیه مثل
مؤخرة الرحل. وأقرب المسالك في الأحاديث التي فيها الحكم بقطع الصلاة أنها
منسوخة بحديث: ((لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ)) وإن لم يَرْتَضٍ بذلك النووي؛ وهذا لأن
الجمع بما تأول به الخطابي والنووي لا يخلو عن تكلف وخفاء كما أشار إليه
السندي، ولا شك في أن الجميع المذكور خلاف الظاهر. وقد علم تأخر حديث:
((لَا يَقْطَعُ الصَّلاةَ شَيْءٌ)) بما حققه الشيخ في تعليقه على ((المحلى))، وهو تحقيق جيد
فهو أحق وأحرى بالقبول، والله أعلم.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد وابن ماجه.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الشُّتْرَةِ
٢٨٧
٧٨٥ - [٨] وَعَنْ عَائِشَةَ رَّا قَالَت: كَانَ النَِّ نَّهِ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ
وَأَنَا مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ كَاعْتِرَاضِ الْجَنَازَةِ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
الشّرْحُ
٧٨٥- قوله: (وَأَنَا مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ) قال ابن الملك: الاعتراض
صيرورة الشيء حائلا بين شيئين، ومعناه هاهنا مضطجعة. (كَاعْتِرَاضِ الْجَنَازَةِ)
بفتح الجيم وكسرها. والمراد: أنها تكون نائمة بين يديه من جهة يمينه إلى جهة
شماله، كما تكون الجنازة بين يدي المصلي عليها .
وفي رواية للبخاري: ذُكِرَ عند عائشة ما يقطع الصلاة، فقالوا: يقطعها الكلب
والحمار، والمرأة، فقالت: ((لقد جعلتمونا كلابًا))، وفي رواية: ذكر عندها ما
يقطع الصلاة: الكلب والحمار، والمرأة، فقالت: ((شبهتمونا بالحمر والكلاب،
والله لقد رأيت النبي وَّ يصلي، وإني على السرير بينه وبين القبلة مضطجعة،
فتبدو لي الحاجة، فأكره أن أجلس، فأوذي النبي (وَلّر، فأنسل))، أي: أمضى
وأخرج بِتَأنّ وتدريج من عند رجليه. والحديث استدلت به عائشة والجمهور بعدها
على أن المرأة لا تقطع صلاة الرجل؛ لأنها إذا كانت لا تقطع في حالة كونها
معترضة مضطجعة وهذه الحالة أقوى من المرور، ففي المرور بالأولى. وفيه أنه
ليس فيما ذكرت مرور امرأة بين يدي المصلي، ومحمل حديث: ((يَقْطَعُ الصَّلَاةَ
الْكَلْبُ ... )) إلخ. هو المرور.
قال السندي: لا دلالة في حديث عائشة أنها مرت بين يديه، وقال ابن بطال:
هذا الحديث وشبهه من الأحاديث التي فيها اعتراض امرأة بين المصلي وقبلته،
تدل على جواز القعود لا على جواز المرور، انتهى. لا يقال: إن قولها: أَنْسَلَّ.
صريح في المرور، فإن الانسلال هو المرور؛ لأن المرور المتنازع فيه هو أن يمر
المار بين يدي المصلي معترضًا، لا أن يمشي ذاهبًا لجهة القبلة، أو لجهة
الرجلين، ولم يتحقق هاهنا إلا المضي إلى جهة الرجلين كما يدل عليه قولها:
(٧٨٥) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٣٨٣) (٣٨٤)، ومُسْلِم (٢٦٧/ ٥١٢) عَنْهُ فِيهَا .

٢٨٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
((فأنسل من عند رجليه)). وأما ما قيل: من أن اعتراض المرأة أشد من المرور، فإذا
لم يقطع الصلاة الاعتراض لا يقطع المرور أيضًا بالأولى، ففيه: أن الظاهر أن
حصول التشويش بالمرأة من جهة الحركة والسكون، وعلى هذا فمرورها أشد من
اعتراضها، واضطجاعها، وجلوسها .
وفي النسائي في هذا الحديث: فإذا أرَدْتُ أن أقوم كرهت أن أقوم، فأمر بين يديه
انسللت انسلالًا. فالظاهر: أن عائشة إنما أنكرت إطلاق كون المرأة تقطع الصلاة
في جميع الحالات لا المرور بخصوصه. وأما إنكار عائشة على من ذكر المرأة مع
الكلب والحمار فيما يقطع الصلاة مع أنها روت الحديث عن النبي وَ له بلفظ: ((لاَ
يَقْطَعُ صَلاَةَ الْمُسْلِمِ إِلَّا الْحِمَارُ، وَالْكَافِرُ، وَالْكَلْبُ، وَالْمَرْأَةُ)) فقالت عائشة: يا
رسول الله لقد قُرِنَّاً بدواب سوء. أخرجه أحمد. فيحتمل أنها نسيت حديث القطع
عند الإنكار، ويمكن أن يكون عندها معنى القطع بمرور المرأة فيما روت، وهو
قطع الخشوع بمرورها. وأما حديث الاعتراض فذكرته للرد على من قال بقطع
الصلاة بالمرأة بمعنى إبطالها بالكلية. وقيل: أنكرت كون الحكم باقيًا هكذا،
فلعلها كانت ترى نسخه. وروى البخاري من طريق ابن أخي ابن شهاب، أنه سأل
عمه عن الصلاة يقطعها شيء؟ قال: لا يقطعها شيء، أخبرني عروة بن الزبير أن
عائشة زوج النبي وّر قالت: ((لقد كان رسول اللّه ◌َ ل يقوم فيصلي من الليل، وإني
لمعترضة بينه وبين القبلة على فراشه)).
قال الحافظُ: وجه الدلالة من حديث عائشة الذي احتج به ابن شهاب أن
حديث: ((يَقْطَعُ الصَّلاَةَ الْمَرْأَةُ ... )) إلى آخره، يشمل ما إذا كانت مارة، أو قائمة،
أو قاعدة، أو مضطجعة، فلما ثبت أنه آلټ صلى وهي مضطجعة أمامه دل ذلك على
نسخ الحكم في المضطجع، وفي الباقي بالقياس عليه. ولما كان ذلك كذلك مع
أن النفوس جبلت على الإشغال بها فغيرها من الكلب والحمار كذلك بل أولى،
قال: وهذا يتوقف على إثبات المساواة بين الأمور المذكورة، وقد تقدم ما فيه،
فلو ثبت أن حديثها متأخر عن حديث أبي ذر لم يدل إلا على نسخ الاضطجاع فقط .
وقد نازع بعضهم في الاستدلال به مع ذلك من أوجه أخرى:
أحدها: أن العلة في قطع الصلاة فيها ما يحصل من التشويش، وقد قالت: إن
البيوت يومئذ لم يكن فيها مصابيح. فانتفى المعلول بانتفاء علته.

كِتّابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الشُّتْرةِ
KEEP
٢٨٩
ثانيها: أن المرأة في حديث أبي ذر مطلقة، وفي حديث عائشة مقيدة بكونها
زوجته، فقد يحمل المطلق على المقيد، ويقال: يتقيد القطع بالأجنبية؛ لخشية
الافتتان بها بخلاف الزوجة، فإنها حاصلة.
ثالثها: أن حديث عائشة واقعة حال يتطرق إليها الاحتمال بخلاف حديث
أبي ذر، فإنه مسوق مساق التشريع العام.
وقال بعض الحنابلة: يعارض حديث أبي ذر وما وافقه أحاديث صحيحة غير
صريحة، وصريحة غير صحيحة، فلا يترك العمل بحديث أبي ذر الصريح
بالمحتمل، يعني: حديث عائشة وما وافقه. والفرق بين المار وبين النائم في
القبلة، أن المرور حرام بخلاف الاستقرار، نائمًا كان أم غيره، فهكذا المرأة يقطع
مرورها لا لبثها، انتهى. ومن وجوه المنازعة أيضًا ما قيل: إنه يحمل على أن ذلك
وقع في غير حالة الحيض، والحكم بقطع المرأة للصلاة، إنما هو إذا كانت حائضًا
كما تقدم.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) واللفظ لمسلم، وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود، والنسائي وابن
ماجه بألفاظ متقاربة .
٧٨٦ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ
نَاهَزْتُ الاحْتِلَامَ، وَرَسُولُ اللَّهِ فَلَهِ يُصَلِّ بِالنَّاسِ بِمِنَّى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ،
فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَي بَعضِ الصَّفِّ، فَنَزَلْتُ، وَأَرْسَلْتُ الْأَتَانَ تَرْتَعُ، وَدَخَلْتُ فِي
الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
الشَّرْحُ
٧٨٦ - قوله: (عَلَى أَتَانٍ) متعلق بقوله: (رَاكِبًا) وأتان بفتح الهمزة، وبالمثناه
الفوقية، وفي آخره نون، وشذ كسر الهمزة كما حكاه الصغاني، وهي الأنثى من
الحمير، ولا يقال: أتانة، والحمار يطلق على الذكر والأنثى. وفي بعض طرق
(٧٨٦) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٤٩٣)، ومُسْلِم (٥٠٤/٢٥٤) عَنْهُ فِيهَا .

٢٩٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
البخاري ((على حمارٍ أتانٍ)) - بالتنوين فيهما - على أن قوله: (أَتَانٍ) صفة للحمار،
أو بدل منه بدل بعض من كل؛ لأن الحمار يطلق على الجنس، فيشمل الذكر
والأنثى، أو بدل كل من كل نحو شجرة زيتونة، وروي بالإضافة، أي: حمار أنثى
كفحل أتن.
(وَأَنَا يَوْمَئِذٍ) الواو للحال، و((أنا)) مبتدأ وخبره قوله: (قَدْ نَاهَزْتُ الاحْتِلَامَ) أي:
قاربت، يقال: ناهز الصبي البلوغ إذا قاربه وداناه. قال صاحب ((الأفعال)): ناهز
الصبي الفطام: دنا منه، ونهز الشيء أي: قرب. والمراد بالاحتلام: البلوغ
الشرعي، وهو مشتق من الحُلُمِ بالضم. وقد أخرج البزار بإسناد صحيح أن هذه
القصة كانت في حجة الوداع، ففيه دليل على أن ابن عباس كان في حجة الوداع
دون البلوغ. وقد اختلف في سِنِّه حين توفي النبي وَّ، فقيل: ثلاث عشرة، ويدل
له قولهم: إنه ولد في الشعب قبل الهجرة بثلاث سنين. وقيل: كان عمره عشر
سنين وهو ضعيف، وقيل: خمس عشرة. قال أحمد: إنه الصواب. (بِمَنَّى) مذكر
مصروف إن قلت: علم للمكان، وغير منصرف إن قلت: علم للبقعة.
قال النووي: فيه لغتان: الصرف والمنع، ولهذا يكتب بالألف والياء، والأجود
صرفها وكتابتها بالألف، سميت بها لما يُمْنى بها من الدماء أي: تراق. (إِلَى غَيْرِ
جِدَارٍ) في محل النصب على الحال، والتقدير: يصلّى متوجهًا إلى غير جدار،
يعني: إلى غير سترة، نقله البيهقي عن الشافعي، وبوب عليه باب: من صلى إلى
غير سترة. ويؤيده رواية البزار بلفظ: ((والنبي وَل يصلي المكتوبة، ليس شيء
يستره)). لكن البخاري بوب على حديث ابن عباس هذا باب: سترة الإمام سترة
لمن خلفه. وهذا مصير منه إلى أن الحديث محمول على أنه كان هناك سترة.
قال الحافظُ: كأن البخاري حمل الأمر في ذلك على المألوف المعروف من
عادته ◌َّيه، أنه كان لا يصلي في الفضاء إلا والعنزة أمامه. ثم أيد ذلك بحديثي ابن
عمر وأبي جحيفة - يعني: المذكورين أول الباب - وأوردهما عقيب حديث ابن
عباس هذا. وقال العيني: استنبط البخاري ذلك من قوله: ((إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ))؛ لأن
لفظ ((غير)) يشعر بأن ثمة سترة؛ لأنها تقع دائمًا صفة، وتقديره: إلى شيء غير
جدار. وهو أعم من أن يكون عصًا أو عنزة أو غير ذلك، انتهى.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الشّتْرَةِ
٢٩١
قلتُ: حمل البخاري لفظ الغير على النعت، والبيهقي على النفي المحض، وما
اختاره البخاري هنا أولى؛ فإن التعرض لنفي الجدار خاصة يدل على أنه كان هناك
شيء مغاير للجدار؛ لأنه إذا لم يكن هناك جدار ولا غيره، لم يكن في التعرض لنفي
الجدار خاصة فائدة.
وقال الطيبي: فإن قلتَ: قوله: ((إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ)) لا ينفي شيئًا غيره، فكيف فسره
الشَّافعيُّ بالسترة؟ قلت: إخبار ابن عباس عن مروره بالقوم، وعن عدم جدار مع
أنهم لم ينكروا عليه، وأنه مظنة إنكار، يدل على حدوث أمر لم يعهد قبل ذلك من
كون المرور مع عدم السترة غير منكر، فلو فرض سترة أخرى لم يكن لهذا الإخبار
فائدة؛ إذ مروره حينئذٍ لا ينكره أحد أصلًا، انتهى.
قال القاري: يمكن إفادته أن سترة الإمام سترة للقوم كما فهم البخاري، انتهى.
وأما رواية البزار التي فيها: ليس شيء يستره. فليس المراد فيها نفي السترة مطلقًا،
بل أراد نفى السترة التي تحول بينهم وبينه؛ كالجدار المرتفع الذي يمنع الرؤية،
وقد صرح بمثل هذا العراقي. (فَمَرَرْتُ) أي: راكبًا (بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ) هو
مجاز عن القدام؛ لأن الصف لا يد له. والمراد: الصف الأول، ففي البخاري في
الحج: ((حَتَّى سِرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ الأَوَّلِ)). (تَرْتَعُ) بمثناتين فوقيتين
مفتوحتين وضم العين، أي: تأكل ما تشاء، من رتعت الماشية ترتع رتوعًا. وقيل:
تسرع في المشي. (فَلَمْ يُنْكِرْ) على صيغة المعلوم. (ذَلِك) أي: مشيه بأتانه وبنفسه
بین یدي بعض الصف.
(عَلَىَّ أَحَدٌ) أي: لا النبي ◌َّ ولا غيره ممن كانوا معه، لا في الصلاة ولا في
بعدها. قال ابن دقيق العيد: استدل ابن عباس بترك الإنكار على الجواز، ولم
يستدل بترك إعادتهم للصلاة؛ لأن ترك الإنكار أكثر فائدة. قال الحافظُ: وتوجيهه
أن ترك الإعادة يدل على صحتها فقط لا على جواز المرور، وترك الإنكار يدل على
جواز المرور وصحة الصلاة معًا.
ويستفاد منه: أن ترك الإنكار حجة على الجواز بشرطه؛ وهو انتفاء الموانع من
الإنكار، وثبوت العلم بالاطلاع على الفعل. ولا يقال: لا يلزم مما ذكره إطلاع
النبي وَّجيل على ذلك؛ لاحتمال أن يكون الصف حائلًا دون رؤية النبي وَليل له، لأنا

٢٩٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*1
نقول: قد تقدم - أي: في البخاري - أنه ◌ّر كان يرى في الصلاة من ورائه كما
يرى من أمامه. وتقدم أنه مر بين يدي بعض الصف الأول، فلم يكن هناك حائل
دون الرؤية، ولو لم يَرُوا شيء من ذلك لكان توفر دواعيهم على سؤاله وَّل عما
يحدث لهم كافيًا في الدلالة على اطلاعه على ذلك. واستدل به: على أن مرور
الحمار لا يقطع الصلاة، وأنه ناسخ للحديث الذي فيه الحكم بقطع الصلاة، لكون
هذه القصة في حجة الوداع.
وتعقب: بأنه لا دلالة فيه على ذلك، لما تقدم أن صلاته وَّل كانت إلى سترة،
وقد تقرر أن سترة الإمام سترة للقوم، فلا يتحقق المرور المضر في حق الإمام
والقوم إلا إذا مرت بين يدي الإمام ما بينه وبين السترة، ولا دلالة لحديث ابن
عباس على ذلك، قاله السندي.
وقال ابن العربي: يحتمل أنه لم تقطع عليهم؛ لأن الصلاة لا يقطعها شيء،
ويحتمل أن تكون لم تقطع صلاة الإمام وسترته سترة لهم، وإذا مر ما يقطع الصلاة
من وراء السترة لم يبال به بلا خلاف، ولا حجة بهذا الحديث بحال، انتهى.
قلتُ: لا شك أن الحديث ليس حجة لمن قال بعدم القطع، لأنه صريح في أن
الأتان مرت بين يدي الصف، فلم تدخل بين رسول اللّه وَ ل وبين سترته فلم تقطع
صلاته، وسترة الإمام سترة لمن خلفه. وقيل: منع المرور مختص بالإمام
والمنفرد، ويختص منه حكم المأموم.
قال ابن عبد البر: حديث ابن عباس هذا يخص حديث أبي سعيد: ((إِذَا كَانَ
أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَدَعْ أَحَدًّا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ))، قال: فحديث أبي سعيد هذا يحمل على
الإمام والمنفرد، فأما المأموم، فلا يضره من مَرَّ بين يديه لحديث ابن عباس هذا.
قال: والمرور بين يدي المصلي مكروه، إذا كان إمامًا أو منفردًا. وأما المأموم فلا
يضره من مر بين يديه، كما أن الإمام أو المنفرد لا يضر واحدًا منهما ما مر من وراء
سترته؛ لأن سترة الإمام سترة لمن خلفه. وقد قيل: إن الإمام نفسه سترة لمن
خلفه، انتهى. ويظهر أثر هذا الخلاف فيما لو مر بين يدي الإمام أحد، فعلى قول
من يقول: إن سترة الإمام سترة من خلفه، يضر صلاته وصلاتهم معًا. وعلى قول
من يقول: إن الإمام نفسه سترة لمن خلفه، يضر صلاته ولا يضر صلاتهم. وقيل:

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الشُّتْرَةِ
٢٩٣
إن حكم منع المرور يستثنى منه ضرورة، فقد بوب على حديث ابن عباس هذا
مالك في ((الموطأ)) بلفظ: الرخصة في المرور بين يدي المصلي، وعقد عليه الشاه
ولي اللَّه الدهلوي في ((المصفى)) باب: الرخصة في المرور بين يدي الصف، إذا
أقيمت الصلاة.
وقال مالك بعد ذكر حديث ابن عباس: وأنا أرى ذلك واسعًا إذا أقيمت الصلاة،
وبعد أن يحرم الإمام، ولم يجد المرء مدخلًا إلى المسجد إلا بين الصفوف. قال
ابن عبد البر: هذا مع الترجمة يقتضي أن الرخصة عنده لمن لم يجد من ذلك بُدًّا،
وغيره لا يرى بذلك بأسًّا؛ للآثار الدالة على أن سترة الإمام سترة لمن خلفه،
انتھی .
قلتُ: واستنبط بعضهم من الحديث نظرًا إلى ما قاله مالك جواز تقديم
المصلحة الراجحة على المفسدة الخفيفة، أي: احتمال بعض المفاسد لمصلحة
أرجح منها؛ فإن المرور أمام المصلين مفسدة خفيفة. والدخول في الصلاة وفي
الصف مصلحة راجحة، فاغتفرت المفسدة للمصلحة الراجحة من غير إنكار.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وهذا لفظ البخاري، قاله مَيْرَك. والحديث أخرجه البخاري في
العلم، وفي الصلاة، وفي الحج، وفي المغازي، ومسلم في الصلاة، وأخرجه
أيضًا مالك، وأحمد، والترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم.

٢٩٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثاني
٧٨٧ - [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ قَهِ: ((إِذَا صَلَّى
أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ شَيْئًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَلْيَنْصِبْ عَصَاهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ
مَعَهُ عَصًا، فَلْيَخْطُطْ خَطَّا، ثُمَّ لَا يَضُرُّهُ مَا مَرَّ أَمَامَهُ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وابْنُ مَاجَهْ] {ضعيف}
الشَّرْحُ
٧٨٧- قوله: (إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ) أي: أراد الصلاة. (فَلْيَجْعَلْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ)
أي: حذاءه لكن إلى أحد حاجبيه لا بين عينيه. (شَيْئًا) فيه أن السترة لا تختص
بنوع، بل كل شيء ينصبه المصلي تلقاء وجهه يحصل به الامتثال.
قال سفيان بن عيينة: رأيت شريكًا صلى بنا في جنازة العصر، فوضع قلنسوته
بين يديه، يعني: في فريضة حضرت. أخرجه أبو داود. (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) أي: شيئًا
منصوبًا.
(فَلْيَنْصِبْ) بكسر الصاد أي: يرفع أو يقيم. (عَصًا) ظاهره عدم الفرق بين الرقيقة
والغليظة. ويدل على ذلك قوله: ((لْيَسْتَتِرْ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ وَلَوْ بِسَهْم)) وقوله:
((يُجْزِئُ مِنَ السُّتْرَةِ قَدْرُ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ وَلَوُ بِدِقَّةِ شَعْرَةٍ)) أخرجه الحاكم، وَقَال: على
شرطهما. (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَصًا) هذا لفظ أبي داود، ولفظ ابن ماجه: ((فَإِنْ لَمْ
يَجِدْ))، (فَلْيَخْطُطْ) بضم الطاء، وفي ابن ماجه: ((فَلْيَخُطَّ))، (خَطًّا) حتى يبين فصلًا
فلا يتخطى المار. واختلف في صفته، فاختار أحمد أن يكون عرضًا مثل الهلال،
أي: مقوسًا كالمحراب، فيصلي إليه كما يصلي في المحراب. وقيل: يمد طولًا
إلى جهة الكعبة، أي: يكون مستقيمًا من بين يديه إلى القبلة. وقيل: يمد يمينًا
وشمالًا أي: من غير تقويس، والأول أولى.
(٧٨٧) أَبُو دَاوُد (٦٨٩)، وَابن مَاجَهْ (٩٤٣) فِي الصَّلاَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَهُ.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
er
بَابُ الشُّتْرةِ
٢٩٥
(ُمَّ لَا يَضُرُّهُ) أي: بعد استتاره. وفيه: ما يدل أنه يضره إذا لم يفعل، إما بنقصان
من صلاته، أو بإبطالها على ما ذكر أنه يقطع الصلاة؛ إذ في المراد بالقطع الخلاف
كما تقدم. وهذا إذا كان المصلي إمامًا أو منفردًا، لا إذا كان مؤتمًّا، فإن الإمام
سترة له أو سترته سترة له كما سبق آنفًا.
(مَا مَرَّ أَمَامَهُ) أي: أمام سترته. والحديث: دليل على جواز الاقتصار على
الخط. وإليه ذهب أحمد وغيره، فجعلوا الخط عند العجز عن السترة سترة.
واختلف فيه قول الشافعي فروي عنه استحبابه، وروي عنه عدم ذلك. وقال جمهور
أصحابه باستحبابه. وقال ابن الهمام: وأما الخط فقد اختلفوا فيه حسب اختلافهم
في الوضع، إذا لم يكن معه ما يغرزه أو يضعه. فالمانع يقول: لا يحصل المقصود
به؛ إذ لا يظهر من بعيد. والمجيز يقول: ورد الأثر به. واختار صاحب ((الهداية))
الأول. والسنة أولى بالاتباع من أنه يظهر في الجملة؛ إذ المقصود جمع الخاطر
بربط الخيال به كيلا ينتشر، انتهى.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وابْنُ مَاجَهْ) واللفظ لأبي داود. وأخرجه أيضًا أحمد وابن حبان
في ((صحيحه)) والبيهقي، وصححه أحمد وابن المديني فيما نقله ابن عبد البر في
((الاستذكار)). وأشار إلى ضعفه سفيان بن عيينة والشافعي والبغوي وغيرهم.
قال الحافظُ: وأورده ابن الصلاح مثالًا للمضطرب، ونوزع في ذلك. قال في
(بلوغ المرام)»: ولم يصب من زعم أنه مضطرب بل هو حسن. وقال البيهقي: لا
بأس به في مثل هذا الحكم، إن شاء الله تعالى.
٧٨٨ - [١١] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَتمَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَةِ: ((إِذَا
صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى سُتْرَةٍ، فَلْيَذَّنُ مِنْهَا، لَا يَقْطَعُ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {صحيح}
الشّرْجُ
٧٨٨ - قوله: (وَعَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَتمَةَ) بفتح الحاء المهملة ثم مثلثة، واسمه :
(٧٨٨) أَبُو دَاوُد (٦٩٥)، وَالنَّسَائِي (٢/ ٦٢) فِي الصَّلاَةِ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَتْمَةً.

٢٩٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
عبد الله، وقيل: عامر. وقيل: هو سهل بن عبد الله بن أبي حثمة، عامر بن ساعدة
ابن عامر الأنصاري الخزرجي المدني، صحابي صغير، ولد سنة (٣) من الهجرة.
واتفق الأئمة على أنه كان ابن ثمان سنين أو نحوها عند موت النبي وَّ، منهم ابن
منده وابن حبان وابن السكن والحاكم أبو أحمد وأبو جعفر الطبري.
قال الواقدي: قبض رسول اللَّه وَ ل﴾ وهو ابن ثمان سنين، ولكنه حفظ عنه فروى
وأتقن. قال الذهبي: أظنه مات زمن معاوية وجزم الطبري أن الذي مات في خلافة
معاوية هو أبوه أبو حثمة، وقال المصنف: سكن الكوفة. وعداده في أهل المدينة،
وبها كانت وفاته في زمن مصعب بن الزبير. روى عنه جماعة، له خمسة وعشرون
حديثًا، اتفقا على ثلاثة. (إِلَى سُتْرَةٍ) أي: متوجهًا إليها ومستقبلًا لها. (فَلْيَدْنُ) أمر
من الدنو بمعنى القرب. (مِنْهَا) أي: من السترة. وفيه: مشروعية الدنو من
السترة، حتى يكون مقدار ما بينهما ثلاثة أذرع؛ لأنه وَّ لما صلى في الكعبة جعل
بينه وبين الجدار الذي قبل وجهه قريبًا من ثلاثة أذرع.
قال البغوي: استحب أهل العلم الدنو من السترة بحيث يكون بينه وبينها قدر
إمكان السجود، وكذلك بين الصفوف. (لَا يَقْطَعِ الشَّيْطَانُ) بالجزم جواب الأمر،
ثم حرك بالكسر لالتقاء الساكنين، قاله القاري. وقال السندي: جملة مستأنفة
بمنزلة التعليل، أي: لئلا يقطع الشيطان بأن يحمل على المرور من يقطع عليه
صلاته حقيقة عند قوم كالمرأة والحمار والكلب الأسود، وخشوعًا عند آخرين،
أي: بإلقاء الوساوس، والخواطر، ويحتمل أن المراد بالشيطان: هو الكلب
الأسود، فقد جاء في الحديث أنه شيطان، انتهى.
وقال ابن حجر: استفيد من الحديث: أن السترة تمنع استيلاء الشيطان على
المصلي، وتمكنه من قلبه بالوسوسة، إما كُلَّا أو بَعْضًا بحسب صدق المصلي
وإقباله في صلاته على الله تعالى، وأن عدمها يمكن الشيطان من إزلاله عما هو
بصدده من الخشوع والخضوع، وتدبره بالقراءة والذكر، انتهى.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج٤: ص٢) والنسائي، والحاكم (ج١ :
ص٢٥٢، ٢٥١) كلهم من طريق سفيان بن عيينة، عن صفوان بن سليم، عن نافع
ابن جبير، عن سهل بن أبي حثمة .

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ السُّتْرةِ
٢٩٧
قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، فقال: على
شرطهما. وقال أبو داود: اختلف في إسناده. وقد بين الاختلاف فيه بقوله: ورواه
واقد بن محمد، عن صفوان، عن محمد بن سهل، عن أبيه، أو عن محمد بن
سهل، عن النبي ◌َليله . وقال بعضهم: عن نافع بن جبير، عن سهل بن سعد، انتهى.
ولا يضر هذا الاختلاف؛ لأن الطريق الأول - أي: طريق سفيان بن عيينة - أرجح
وأقوى من طريق واقد بن محمد وهذا ظاهر. واعلم أن ما وقع في رواية أبي داود في
بيان الاختلاف مخالف لما ذكره الحافظ في ((الإصابة)) (ج٣: ص٥١٤) حيث قال
في القسم الرابع من حرف الميم: محمد بن سهل بن أبي حثمة الأنصاري المدني.
قال أبو موسى في ((الذيل)): ذكره بعض الحفاظ، ثم أخرج من طريق شعبة،
وعن واقد بن محمد، سمعت صفوان بن سلیم، یحدث عن محمد بن سهل بن أبي
حثمة، أو عن سهل بن أبي حثمة، عن النبي وَّر في سترة المصلي. قال الحافظُ:
هو مرسل أو منقطع؛ لأنه إن كان المحفوظ محمد بن سهل فهو مرسل؛ لأنه تابعي
لم يولد إلا بعد موت النبي ◌َّه بمكة، فإن النبي ◌َّ لما مات كان سِنُّ سهل بن أبي
حثمة ثمان سنين، وإن كان عن سهل فهو منقطع؛ لأن صفوان لم يسمع من سهل،
انتهى. فليتأمل. وفي الباب: عن أبي سعيد، أخرجه أبو داود وابن ماجه، وعن
جبير بن مطعم، أخرجه البزار والطبراني في الكبير، وعن بريدة أخرجه البزار،
وعن سهل بن سعد، أخرجه الطبراني في ((الكبير)).
٧٨٩ - [١٢] وَعَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ قَالَ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللّهِ عَلَ.
يُصَلِّي إِلَى عُودٍ، وَلَا عَمُودٍ، وَلَا شَجَرَةٍ إِلَّا جَعَلَهُ عَلَى حَاجِبِهِ الأَيْمَنِ، أَوِ
الْأَيْسَرِ، وَلَا يَصْمُدُ لَهُ صَمْدًا.
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {ضعيف}
الشَّرْحُ
٧٨٩ - قوله: (إِلَى عُودٍ) كالعصا أو العنزة، أو الحربة، أو مؤخرة الرَّحْلِ،
وهو واحد العيدان. (وَلَا عَمُودٍ) كالأسطوانة. (وَلَا شَجَرَةٍ) أي: فيجعله سترة. (إِلّا
(٧٨٩) أَبُو دَاوُد (٦٩٣) عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ.

٢٩٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
جَعَلَهُ) أي: العود، أو العمود، أو الشجرة. (عَلَى حَاجِبِهِ) أي: جانبه. (الأَيْمَنِ، أَوِ
الأَيْسَرِ) فيه: استحباب أن تكون السترة على جهة اليمين أو اليسار.
قال ابن حجر: وفي رواية للنسائي: ((إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى عَمُودٍ أَوْ سَارِیَةٍ، أَوْ
إِلَى شَيْءٍ فَلَا يَجْعَلْهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَلْيَجْعَلْهُ عَلَى حَاجِبِهِ الْأَيْسَرِ)) وقد يؤخذ منه: أن
الأيسر أولى من الأيمن. ويوجه: بأنه مانع للشيطان الذي هو على الأيسر، كذا في
((المرقاة)). (وَلَا يَصْمُدُ) بضم الميم من باب نصر. (لَهُ صَمْدًا) الصمد: القصد،
يقال: أصمد صمد فلان، أي: أقصد قصده، يريد أنه لا يقصده قصدًا مستويًا
يستقبله، بحيث يجعله تلقاء وجهه ما بين عينيه حذرًا عن التشبه بعبادة الأصنام.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وأخرجه أيضًا أحمد. والحديث سكت عنه أبو داود. وقال
المنذري: في سنده أبو عبيدة الوليد بن كامل البجلي الشامي، وفيه مقال. قلتُ:
وثقه النسائي وقال أبو حاتم: شيخ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال البخاري:
عنده عجائب. قال الأزدي: ضعيف. وقال ابن القطان: لا تثبت عدالته. وقال
الحافظ في ((التقريب)): لين الحديث.
٧٩٠ - [١٣] وَعَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَنَانَا رَسُولُ اللَّهِ وَلَّهِ وَنَحْنُ
فِي بَادِيَةٍ لَنَا، وَمَعَهُ عَبَّاسٌ، فَصَلَّى فِي صَخَّرَاءَ لَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ، وَحِمَارَةٌ
لَنَا وَكَلْبَةٌ تَعْبَثَانِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَمَا بَالَى بِذَلِكَ.
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَلِلنَّسَائِي نَحْوَه] {ضعيف}
الشّرْحُ
٧٩٠ - قوله: (وَعَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ) بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي
المدني ابن عم النبي ◌ّره، وأمه أم الفضلَ لبابة الكبرى بنت الحارث الهلالية.
أردفه رسول اللَّه ◌َله في حجة الوداع، وحضر غسل رسول اللّه ◌َال، وكان أكبر ولد
العباس. وكان وسيمًا جميلًا، وثبت مع النبي وَلّ يوم حنين فيمن ثبت، وخرج إلى
(٧٩٠) أَبُو دَاوُد (٧١٨)، وَالنَّسَائِي (٦٥/٢) عَنْهُ فِيهَا.

XE
كِتَابُ الصَّلَاةِ
HE
بَابُ السُّتْرَةِ
HONE *
٢٩٩
الشام مجاهدًا، فقيل: مات بناحية الأردن بطاعون عمواس سنة (١٨) وقيل:
استشهد يوم اليرموك. وقيل: بدمشق، وعليه درع النبي ◌َّ، وذلك في خلافة
عمر. له أربعة وعشرون حديثًا، اتفقا على حدیثین.
(وَنَحْنُ) حال من المفعول. (فِي بَادِيَةٍ لَنَا) في ((القاموس)): البدو والبادية
والبداوة خلاف الحضر. (وَمَعَهُ عَبَّاسٌ) بن عبد المطلب عم الرسول وَلَه، والجملة
حال من الفاعل. (لَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ)؛ لأنه لم يكن هنا مظنة المرور. وفيه: دليل
على أن اتخاذ السترة غير واجب، فيكون قرينة لصرف الأوامر إلى الندب.
قال ابن العربي في ((عارضة الأحوذي)): اختلف العلماء في وضع السترة على
ثلاثة أقوال: الأول: إنه واجب، وإن لم يجد وضع خَطّا. قاله أحمد وغيره.
والثاني: أنها مستحبة، قاله الشافعي، وأبو حنيفة، ومالك في ((العتبية)). وفي
((المدونة)) قولان: تركها، هذا إذا كان في موضع يؤمن المرور فيه. فإن كان في
موضع لا يؤمن ذلك تأكد عند علمائنا وضع السترة، انتهى.
(وَحِمَارَةٌ) بالتاء وهي لغة قليلة، والأفصح حمار بلا تاء للذكر والأنثى.
وقال في ((المفاتيح)): التاء في حمارة وكلبة للإفراد، كما في تمر وتمرة. ويجوز
أن تكون للتأنيث.
قال الجوهري: وربما قالوا: حمارة، والأكثر أن يقال: للأنثى أتان.
(تَعْبَثَانِ) أي: تلعبان. (بَيْنَ يَدَيْهِ) أي: قدامه. (فَمَا بَالَى بِذَلِكَ) من المبالاة،
أي: ما اكترث به وما اعتده قاطعًا. والحديث قد استدل به: على أن الكلب
والحمار لا يقطعان الصلاة. وتعقب: بأنه ليس فيه نعت الكلبة بكونها سوداء. قال
الخطابي، والمنذري، والشوكاني، والسندي: لم يذكر فيه نعت الكلب. وقد يجوز
أن يكون الكلب ليس بأسود، انتهى. على أن في سنده مقالًا كما ستعرف، ولو سلم
صحته فهو لا يقاوم أحاديث القطع فإنها أصح وأرجح وأقوى. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) أي:
بهذا اللفظ وسكت عنه. (وَ لِلنِّسَائِيِّ نَحْوَهُ) ولفظه عن الفضل بن عباس قال: ((زار
صَلى الله
رسول اللَّه ول عباس في بادية لنا، ولنا كليبة وحمارة ترعى، فصلى النبي
وَسِلم
العصر وهما بين يديه، فلم يُزْجَرًا ولم يُؤَخَّرًا)). وأخرجه أيضًا أحمد بهذا اللفظ.
وأخرجه الطحاوي بمعناه.