النص المفهرس
صفحات 241-260
Beexx
٢٤٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٨ - بَابُ السَّتْرِ
(بَابُ السَّتْرِ) أي: ستر العورة وسائر الأعضاء، وهو بالفتح مصدر سترته إذا
غطيته، وبالكسر واحد الستور والأستار. قال الله تعالى: ﴿يَبَنِىّ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ
عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، روى مسلم من حديث ابن عباس، قال: ((كانت المرأة
تطوف بالبيت عريانة))، الحديث. وفيه فنزلت: ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ﴾ ووقع في تفسير
طاوس قال: في قوله تعالى: ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ﴾ قال: الثياب. وصله البيهقي، ونحوه
عن مجاهد. ونقل ابن حزم الاتفاق على أن المراد: ستر العورة. واعلم أن ستر
العورة شرط لصحة الصلاة، وإن كان في مكان خال. وفي غير حالة الصلاة يجب
سترها عن أعين الناس ممن يحرم نظره.
الفصل الأول
٧٦٠ - [١] عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يُصَلِّي
فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُشْتَمِلًا بِهِ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَاضِعًا طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
الشَّرْجُ
٧٦٠ - قوله: (عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ) هو عمر بن أبي سلمة عبد الله بن عبد
الأسد المخزومي القرشي، أبو حفص المدني، ربيب النبي ◌َّ . صحابي صغير،
وأمه أم سلمة زوج النبي ◌ُّر، ولد بأرض الحبشة في السنة الثانية من الهجرة.
وقبض رسول اللّه وَّل وله تسع سنين، وشهد مع علي الجمل. وأمَّرَهُ علي على
(٧٦٠) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٣٥٦)، ومُسْلِم (٢٧٨ / ٥١٧) فِي الصَّلَاةِ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، وأَبُو
دَاوُد (٦٢٨)، والتِّرْ مِذِي (٣٣٩)، والنَّسَائِي (٢/ ٧٠).
٢٤١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الستر
البحرين. توفي في زمن عبد الملك بن مروان سنة (٨٣) على الصحيح، له اثنا
عشر حديثًا، اتفقا علی حدیثین، روى عنه جماعة.
(مُشْتَمِلًا بِهِ) أي: بالثوب. ووقع في رواية للبخاري: ((مُتَوَشِّحًا بِهِ)). وفي بعض
روايات مسلم: ((مُلْتَحِفًّا بِهِ)). ومعنى الاشتمال، والتوشح، والالتحاف واحد هنا
وهو المخالفة بين طرفي الثوب؛ بأن يأخذ الأيمن من تحت يده اليمنى، فيلقيه على
منكبه الأيسر، ويلقي طرف الثوب الأيسر من تحت يده اليسرى على منكبه
الأيمن. قال الطيبي: الاشتمال، التوشح والمخالفة بين طرفي الثوب، الذي ألقاه
على منكبه الأيمن من تحت يده اليسرى، ويأخذ طرفه الذي ألقاه على منكبه الأيسر
من تحت يده اليمنى، ثم يعقدهما على صدره، يعني: لئلا يكون سدلاً .
قلتُ: الاشتمال على أنواع: أحدها: التوشح، وهو المذكور في حديث
الإباحة. والثاني: ما فسر به الأخفش: أن الاشتمال هو أن يلتف الرجل بردائه، أو
بكسائه من رأسه إلى قدمه، ويرد طرف الثوب الأيمن على منكبه الأيسر، ذكره
الشوكاني. والثالث: اشتمال الصماء المنهي عنه. وقد اختلفوا في تفسيره.
فقال أهل اللغة: هو أن يشتمل بالثوب حتی یجلل به جسده، لا يرفع منه جانبًا،
فلا يبقى ما يخرج منه يده، وإنما كره لئلا تعرض له حاجة من دفع بعض الهوام،
فیعسر علیه إخراج يده، فیلحقه الضرر، ولأنه يعسر عليه حينئذٍ رفع الیدین حذو
أذنيه، وبسطهما على الأرض حذاء أذنيه في السجدة.
وقالت الفقهاء: هو أن يشتمل بثوب واحد ليس عليه غيره، ثم يرفعه من أحد
جانبيه، فيضعه على أحد منكبيه فيبدو منه فَرْجُهُ. وفائدة التوشح والاشتمال
والالتحاف المذكورة في الأحاديث: أن لا ينظر المصلي إلى عورة نفسه إذا ركع،
ولئلا يسقط الثوب عند الركوع والسجود.
والحديث: يدل على أن الصلاة في الثوب الواحد صحيحة، إذا توشح به
المصلي، أي: وضع طرفيه على عاتقيه، مخالفًا بين طرفيه. (فِي بَيْتِ أَمِّ سَلَمَةَ)
ظرف (يصلي)). (وَاضِعًا طَرَفَيْهِ) تفسير مشتملًا، (عَلَى عَاتِقَيْهِ) العاتق ما بين
المنكبين إلى أصل العنق. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا مالك واحمد والترمذي وأبو
داود والنسائي وابن ماجه.
٢٤٢
MEN
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٧٦١ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((لَا
يُصَلَّيَنَّ أَحَدُكُمْ فِ الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ)). [مُنَّفَقُ عَلَيْهِ]
الشَّرْجُ
٧٦١ - قوله: (لَا يُصَلِّيَنَّ) بنون التأكيد المشددة. قال ابن الأثير: وفي رواية
((الصحيحين)): ((لَا يُصَلِّ)) بإثبات الياء، ووجهه: أن ((لا)) نافية، وهو خبر بمعنى
النهي. ورواه الدار قطني في ((غرائب مالك)) من طريق الشافعي بلفظ: ((لَا يُصَلِّ))
ومن طريق عبد الوهاب بن عطاء: ((لَا يُصَلَّيَنَّ)) أي: بزيادة التأكيد، قلتُ: وكذا
رواه النسائي بلفظ: ((لَا يُصَلِّيَنَّ)).
(لَيْسَ عَلَى عَاِقِيهِ مِنْهُ شَيْءٌ) الجملة المنفية حال. والمراد: أنه لا يَتَّزِرْ في
وسطه، ويشد طرفَي الثوب في حِقْوَيْهِ بل يتوشح بهما على عاتقيه، فيحصل الستر
من أعالي البدن، وإن كان ليس بعورة. أو لكون ذلك أمكن في ستر العورة، وهذا
إذا كان الثوب واسعًا، وذلك لأنه إذا خالف بين طرفيه وضعهما على عاتقيه يكون
بمنزلة الإزار والرداء جميعًا، ويكون أستر وأجمل. وأما إذا كان ضَيِّقًّا، وليس عنده
ثوب آخر شده على حقوه كما في حديث جابر عند الشيخين مرفوعًا: ((إِذَا صَلَّيْتَ
فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ، فَإِنْ كَانَ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًّا فَاتَّزِرْ بِهِ).
وقيل: في حكمة وضع الثوب على العاتق، إذا كان واسعًا: إنه إذا اتزر به ولم
يكن على عاتقه منه شيء لم يؤمن أن تنكشف عورته، بخلاف ما إذا جعل بعضه
على عاتقه. ولأنه قد يحتاج إلى إمساكه بيده أو بیدیه، فیشتغل بذلك، ولا یتمکن
من وضع اليد اليمنى على اليسرى على الصدر، فتفوت السنة والزينة المطلوبة في
الصلاة .
والحديث: يدل على المنع من الصلاة في الثوب الواحد، إذا لم يكن على عاتق
(٧٦١) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٣٥٩)، ومُسْلِم (٢٧٧ /٥١٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهَا، وأَبُو دَاوُد (٦٢٦)،
وَالنَّسَائِي (٢/ ٧١).
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ السَتْرِ
٢٤٣
المصلي منه شيء، وقد حمل الجمهور هذا النهي على التنزيه، فلو صلى في ثوب
واحد ساتر لعورته، وليس على عاتقه شيء منه صحت صلاته مع الكراهة، ولو كان
الثوب واسعًا .
وأما أحمد وبعض السلف: فذهبوا إلى أنه لا يصح صلاته؛ عملًا بظاهر
الحديث. وهذا هو الحق؛ لأنه لا صارف للنهي عن معناه الحقيقي، فيجب الجزم
بمعناه الحقيقي وهو تحريم ترك جعل طرف الثوب الواحد حال الصلاة على
العاتق، والجزم بوجوبه مع المخالفة بين طرفيه بالحديث الآتي حتى ينتهض دليل
يصلح للصرف. ولكن هذا إذا كان الثوب واسعًا، جمعًا بين الأحاديث كما تقدم
التصريح بذلك في حديث جابر. وقد عمل بظاهر الحديث ابن حزم.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَال مَيْرَك: وفيه نظر من وجوه: الأول: أن قوله: (لَا يُصَلِّيَنَّ)) ليس
فيهما بل فيهما ((لَا يُصَلِّي)).
والثاني: أن قوله: ((عَلَى عَاتِقَيْهِ) ليس في البخاري، وإنما فيه ((عَلَى عَاتِقِهِ)).
والثالث: أن قوله: (مِنْهُ) ليس في البخاري، وإنما هو من إفراد مسلم، كما
صرح به الشيخ ابن حجر - أي: العسقلاني صاحب ((فتح الباري)) - انتهى.
والحديث أخرجه أيضًا أحمد وأبو داود والنسائي .
٧٦٢ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَ يَقُولُ: ((مَنْ صَلَّى فِي
ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَلْيُخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ)).
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ] {صحيح}
الشَّرْحُ
٧٦٢- قوله: (فَلْيُخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ) زاد أحمد وأبو داود: ((على عاتقيه)).
وهذا إذا كان الثوب واسعًا، وأما إذا كان ضَيِّقًّا فيشده على حقوه.
قال النووي: المشتمل، والمتوشح، والمخالف بين طرفيه، معناه واحد هنا،
وقد سبقه إلى ذلك الزهري. وقد حمل الجمهور هذا الأمر على الاستحباب،
(٧٦٢) البُخَارِي (٣٦٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهَا.
٢٤٤
AMER
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وخالفهم في ذلك أحمد. والخلاف في النهي في الحديث الذي قبل هذا. وقد
تقدم أن الحق فيه ما ذهب إليه أحمد. (رَوَاهُ البُخَارِيُّ) وأخرجه أيضًا أحمد وأبو
داود.
٧٦٣ - [٤] وَعَنْ عَائِشَةَ رَ﴿َّا قَالَت: صَلَّى رَسُولُ اللهِ لَّهِ فِي خَمِيصَةٍ
لَهَا أَعْلَامٌ، فَنَظَرَ إِلَى أَعْلَامِهَا نَظْرَةً، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: ((اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي
هَذِهِ إِلَى أَبِي جَهْم، وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةٍ أَبِي جَهْمِ؛ فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًّا عَنْ
صَلَاِي)) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِي قَالَ: ((كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَى عَلَمِهَا وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ،
فَأَخَافُ أَنْ يَفْتِنَنِي)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
مـ
الشَّرْجُ
٧٦٣ - قوله: (فِي خَمِيصَةٍ) بفتح خاء وكسر ميم وصاد مهملة، ثوب رقيق
مربع من خز أو صوف معلم، وقيل: لا تسمى خميصة إلا أن تكون سوداء معلمة،
فعلى هذا قول عائشة. (لَهَا) أي: للخميصة. (أَعْلَامٌ) جمع علم وهو رسم الثوب
ورقمه، على وجه البيان والتأكيد، ولا يبعد أن يكون من طريق التجريد. وقال ابن
عبد البر في ((التمهيد)): الخميصة هي كساء رقيق قد يكون بعلم وبغيره، وقد يكون
أبيض معلمًا، وقد يكون أصفر وأحمر وأسود. وهي من لباس أشراف العرب،
والجملة صفة لخميصة. (فَلَمَّا انْصَرَفَ) أي: عن الصلاة.
(اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إِلَى أَبِي جَهْمٍ) بفتح الجيم وسكون الهاء، هو أبو الجهم
ابن حذيفة بن غانم بن عامر بن عبد الله القرشي العدوي. قال البخاري وجماعة:
اسمه عامر، وقيل: عبيد. أسلم عام الفتح، وصحب النبي وَّ. وكان مقدمًا في
قريش معظمًا، وعالما بالنسب. وهو أحد الأربعة الذين كانت قريش تأخذ عنهم
علم النسب. وكان من المعمرين؛ حضر بناء الكعبة حين بَنَتْهَا قريش، وحين بناها
زبير(*). وهو أحد الأربعة الذين تولوا دفن عثمان، بقي إلى أول خلافة ابن الزبير.
(٧٦٣) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٣٧٣)، ومُسْلِم (٥٥٦) عَنْ عَائِشَةَ ﴿ّا.
(*) كذا، والصواب: ابن الزبير.
٢٤٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ السَثْرِ
ووجه تخصيص أبي جهم بإرسال الخميصة إليه، أنه هو الذي أهداها له وَالخلال،
فلذلك ردها عليه، فقد روى مالك، عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه، أن عائشة
زوج النبي ◌َّ قالت: ((أهدى أبو جهم بن حذيفة لرسول اللّه وَل خميصة شامية،
لها علم، فشهد فيها الصلاة ... )) الحديث.
قال ابن الأثير في ((أسد الغابة)): قد اختلفوا في هذه الخميصة، فقال مالك
هكذا. ومنهم من قال: إن رسول اللَّه ◌َل أتي بخميصتين سوداوين، فلبس
إحداهما وبعث بالأخرى إلى أبي جهم، فلما ألهته في الصلاة بعثها إلى أبي جهم،
وطلب التي كانت عنده بعد أن لبسها لبسات. روى ذلك سعيد بن عبد الكبير،
انتهى. وقال الحافظ في ((الإصابة)) (ج٤: ص٣٥): بعد ذكر الحديث برواية
((الصحيحين)): وذكر الزبير من وجه آخر مرسلًا: ((أن النبي وَل أتى بخميصتين
سوداوين، فلبس إحداهما وبعث الأخرى إلى أبي جهم، ثم إنه أرسل إلى أبي جهم
في تلك الخميصة، وبعث إليه التي لبسها هو، ولبس هو التي كانت عند أبي جهم
بعد أن لبسها أبو جهم لبسات)، انتھی.
(وَاتْتُونِي بَأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْم) وإنما طلب أنبجانيته بدلها؛ لئلا يتأذى بَردِّ هديته.
قال ابن بطال: إنما طلب منه ثَوَّبًا غيرها؛ ليعلمه أنه لم يرد عليه هديته؛ استخفافًا به
وهي - بفتح الهمزة وسكون النون وكسر الموحدة وتخفيف الجيم وبعد النون ياء
نسبة مشددة - كساء يتخذ من الصُّوفٍ، وله خمل، ولا علم له، وهو من أدون الثياب
الغليظة. ويجوز كسر الهمزة وسكون النون وفتح الموحدة وتخفيف الياء بالمثناة.
قال عياض: يروي بفتح الهمزة وكسرها، وبتشديد الياء وتخفيفها، انتهى. نسبة
إلى منبج - بفتح الميم وكسر الموحدة - موضع معروف بالشام، فأبدلت الميم
همزة في النسب. ويقال: نسبة إلى موضع يقال له: أنبجان، وفي هذه قال ثعلب :
كساء أنبجاني، وهذا هو الأقرب إلى الصواب في لفظ الحديث. والأول فيه
تعسف. (فَإِنَّهَا) أي: الخميصة. (ألْهَتْنِي) من لهي - بكسر - إذا غفل، لا من لَهَا
لَهْوَا إذا لعب. (آنِفًا) أي: قريبًا، أو في هذه الساعة.
(عَنْ صَلَاتِ) وعند مالك في ((الموطأ)): ((فَإِنِّي نَظَرْتُ إِلَى عَلَمِهَا فِي الصَّلَاةِ فَكَادَ
يَفْتِثُنِي))، وفي الرواية الآتية: (فَأَخَافُ أَنْ يَفْتِنَنِي) فيحمل قوله: (أَلْهَتْنِي) على قوله:
٢٤٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
((كَادَ)) فيكون الإطلاق للمبالغة في القرب لا لتحقق وقوع الإلهاء. وقيل: معنى
قوله: ((يَفْتِنُنِي)) يلهيني عن الصلاة إلهاء أتم مما وقع منها أولًا، فلا تنافي بين الجزم
بوقوع الإلهاء بها ثم، وخشية وقوعه بها هنا. وكان ذلك هو حكمة التغاير بين
الأسلوبين، حيث عبر أولًا: بالإلهاء، وثانيًا: بالفتنة.
والحاصل: أن المراد بالفتنة: شيء فوق الإلهاء. وقيل: معنى ((ألهتني)):
أرادت أن تلهيني فلا ينافي قوله: ((فَأَخَافُ أَنْ يَفْتِنَنِي)) بمعنى: يلهيني، بل يكون
الثاني تفسيرا للأول. ولا يقال: إن المعنى شغلتني عن كمال الحضور في صلاتي،
لأنا نقول: قوله: ((فَأَخَافُ أَنْ يَفْتِنَنِي)) يدل على نفي وقوع ذلك. وقد يقال: إن له
عليه الصلاة والسلام حالتين: حالة بشرية، وحالة يختص بها خارجة عن ذلك،
فبالنظر إلى الحالة البشرية قال: (أَلْهَتْنِي)، وبالنظر إلى الحالة الثانية لم يجزم به،
بل قال: (أَخَافُ)، ولا يلزم من ذلك الوقوع. ونزع الخميصة لِيُسْتَنَّ به في ترك كل
شاغل، فهو تشريع لأمته، وليس المراد أن أبا جهم يصلي في الخميصة، لأنه وليه
لم يكن ليبعث إلى غيره بما يكرهه لنفسه، فهو كإهداء الحلة لعمر مع تحريم لباسها
عليه، لينتفع بها ببيع أو غيره. وقيل: كان هو أعمى فالإلهاء مفقود في حقه.
قال ابن الجوزي: قيل: كيف خاف الافتتنان بعلم من لم يلتفت إلى الأكوان
بليلة ما زاغ البصر؟ وأجيب: بأنه كان في تلك الليلة خارجًا عن طباعه، فأشبه ذلك
نظره من ورائه، فإذا رد إلى طبعه أثر فيه ما يؤثر في البشر. وقيل أيضًا: إن المراقبة
في الصلاة شغلت خلقًا من أتباعه، حتى أنه وقع السقف إلى جانب مسلم بن يسار
ولم يعلم. وأجيب: بأن أولئك كانوا يؤخذون عن طبائعهم، فيغيبون عن
وجودهم. وكان الشارع يسلك طريق الخواص وغيرهم، فإذا سلك طريق
الخواص وغير الكل فقال: ((لست كأحدكم))، وإن سلك طريق غيرهم قال: (إِنَّمَا
أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ)) فرد إلى حالة الطبع ليستن به في ترك كل شاغل، انتهى.
واستنبط من الحديث: الحث على حضور القلب في الصلاة، وترك ما يؤدي
إلى شغله. وقد شهد القرآن بالفلاح للمصلين الخاشعين، والفلاح أجْمَعُ اسمٍ
لسعادة الآخرة، وبانتفاء الخشوع ينتفي الفلاح. قال الأمير اليماني: في الحديث
دليل على كراهة ما يشغل عن الصلاة من النقوش ونحوها مما يشغل القلب.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بابُ السَّتْرِ
٢٤٧
وقال الطيبي: فيه إيذان بأن للصور والأشياء الزاهرة تأثيرًا في القلوب الطاهرة،
والنفوس الزكية، فضلاً عَمَّا دونها. وفيه: كراهة الصلاة على المفارش
والسجاجيد المنقوشة، وكراهة نقش المساجد ونحوه.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) واللفظ للبخاري. وقال مَيْرَك: فيه نظر؛ لأنه ليس هذا الحديث في
مسلم بهذا اللفظ، وإنما هو لفظ البخاري. ولفظ مسلم عن عائشة، قالت: قام
رسول اللّه وَ له يصلي في خميصة ذات أعلام، فنظر إلى أعلامها، فلما قضى صلاته
قال: ((اذْهَبُوا بِهَذِهِ الْخَمِيصَةِ إِلَى أَبِي جَهْم بْنِ حُذَيْفَةَ، وَاتْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّتِهِ؛ فَإِنَّهَا
أَلْهَتْنِ آنِفًّا فِي صَلَاتِي)»، فانظر في اختلافَ الألفاظ، انتهى.
قلتُ: مقصود المصنف أن أصل الحديث متفق عليه لا خصوص هذا اللفظ.
وعلى هذا فلا اعتراض على المصنف في عزو الحديث إلى الشيخين. والحديث
أخرجه أيضًا مالك وأحمد والنسائي. (وَفِي رِوَايَةٍ) أي: معلقة. (إِلَى عَلَمِهَا) أي:
عَلَمِ الخميصة. (وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ) جملة حالية.
(فَأَخَافُ أَنْ يَفْتِنَنِي) بفتح المثناة التحتية في أوله، وكسر المثناة فوق، وبالنونين
من باب ضرب يضرب، وفي رواية: (تَفْتِنَنِي)) بفتح المثناة الفوقية في أوله بدل
التحتية أي: تمنعني من الصلاة، وتشغلني عنها .
٧٦٤ - [٥] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: كَانَ قِرَامٌ لِعَائِشَةَ سَتَرَتْ بِهِ جَانِبَ بَيْتِهَا،
فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ◌ََّ: «أَمِيطِيٍّ عَنَّا قِرَامَكِ هَذَا، فَإِنَّهُ لَا يَزَالُ تَصَاوِیرُهُ تَعْرِضُ لِي
فِي صَلَاِي».
[ رَوَاهُ البُخَارِيُّ] {صحيح}
الشّرْحُ
٧٦٤- قوله: (قِرَامٌ) بكسر القاف وتخفيف الراء، السِّتْر الرقيق، وقيل:
الصفيق من صوف ذى ألوان. وقيل: الستر الرقيق وراء الستر الغليظ. (جانِبَ
بَيْتِهَا) هو يحتمل جانب الباب وجانب الجدار. (أَمِيطِي) أمر من أماط يميط أي:
(٧٦٤) الْبُخَارِي (٣٧٤) عَنْ عَائِشَةً فِيهَا .
٢٤٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أزيلي. (فَإِنَّهُ) الضمير للشأن أو لـ: ((قرام)). (تَصَاوِيرُهُ) جمع تصوير بمعنى الصورة
أي: تماثيله، أو نقوشه. (تَعْرِضُ) بفتح المثناة الفوقية وكسر الراء، أي: تلوح
وتظهر لي. (فِي صَلَاتِي) في الحديث دلالة على إزالة ما يشوش على المصلي
صلاته مما في منزله، أو في محل صلاته. ولا دليل فيه على بطلان الصلاة؛ لأنه
لم يُرْوَ أنه رََّ أعادها أو قطعها، نعم تكره الصلاة حينئذٍ؛ لما فيه من سبب اشتغال
القلب المفوت للخشوع.
قال الحافظُ: وقد استشكل الجمع بين هذا الحديث وبين حديث عائشة أيضًا:
((أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير، فقام النبي ◌َّ بالباب، فلم يدخل ... ))
الحديث؛ لأنه يدل على أنه وُّ لم يدخل البيت الذي كان فيه الستر المصور أصلًا
حتى نزعه. وهذا يدل على أنه أقره وصلى، وهو منصوب إلى أن أمر بنزعه من أجل
ما ذكر من رؤية الصورة حالة الصلاة، ولم يتعرض لكونها صورة. ويمكن الجمع
بأن الأول كانت تصاويره من ذوات أرواح، وهذا - أي: القرام المذكور في
حديث الباب - كانت تصاوير من غير الحيوان كصورة الشجرة ونحوها.
(رَوَاهُ البُخَارِيُّ) في الصلاة، وفي اللباس.
٧٦٥ - [٦] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: أُهْدِيَ لِرَسُولِ اللَّهِ بَّهِ فَرُّوجُ
حَرِيرٍ، فَلَِسَهُ، ثُمَّ صَلَّى فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَّ، فَتَزَعَهُ نَزْعًا شَدِيدًا كَالْكَارِهِ لَهُ، ثُمَّ
قَالَ: ((لَا يَنْبَغِي هَذَا لِلْمُتَّقِينَ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
الشَّرْجُ
٧٦٥- قوله: (أُهْدِيَ) علی بناء المفعول. (فَرُّوجُ حَرِيرٍ) بالإضافة کثوب خز،
وخاتم فضة. وفي رواية أحمد: ((فروج من حرير)). وهو بفتح الفاء وتشديد الراء
المضمومة وتخفيفها وآخرها جيم. وحكي عن أبي العلاء المعري ضم أوله وخفة
(٧٦٥) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٣٧٥) (٥٨٠١)، ومُسْلِم (٢٣ / ٢٠٧٥) عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ فيهَا، النَّسَائِي
(٢/ ٧٢).
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بابُ السَتْرِ
٢٤٩
الراء على وزن خروج، قباء مشقوق عن خلفه، وهو من لبوس الأعاجم. وكان
الذي أهداه له أكيدر بن عبد الملك صاحب دومة الجندل. (فَلَبِسَهُ) قبل تحريم
الحرير .
(فَتَزَعَهُ نَزْعًا) بفتح النون وسكون الزاى. (شَدِيدًا كَالْكَارِهِ لَهُ) وفي حديث جابر
عند مسلم: صلَّى في قباء ديباج، ثم نزعه، وقال: ((نَهَانِي جِبْرِيلُ عَلَّا))، فهذا ظاهر
في أن صلاته فيه كانت قبل تحريمه. وأن النهي سبب نزعه له، وذلك ابتداء
تحریمه .
قال ابن تيمية: حديث عقبة محمول على أنه لبسه قبل تحريمه؛ إذ لا يجوز أن
يظن به أنه لبسه بعد التحريم في صلاة ولا غيرها. ويدل على إباحته في أول الأمر
ما روی أنس بن مالك: أن أکیدر دومة أهدی إلی النبي گڑ جبة سندس، أو ديباج
قبل أن يُنْهَى عن الحرير، فلبسها، فتعجب الناس منها، فقال: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ
لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْها)» رواه أحمد.
(لَا يَنْبَغِي هَذَا) أي: لا يجوز استعمال الحرير. (لِلْمُتَّقِينَ) عن الكفر، وهم
المؤمنون، وعبر بجمع الذكر؛ ليخرج النساء لأنه حلال لهن. فإن قلت: يدخلن
تغليبًا، أجيب: بأنهن خرجن بدليل آخر؛ قال ◌َ له: ((أحل الذهب والحرير لإناث
أمتي، وحرم على ذكورها))، أخرجه أحمد والترمذي وصححه.
والحديث: يدل على تحريم الصلاة في الحرير، وقد اختلفوا: هل تجزئ
الصلاة في الحرير بعد تحريمه، أم لا؟ فقال الحافظُ: إنها تجزئ عند الجمهور مع
التحريم، وعن مالك: يعيد في الوقت إن وجد ثوبًا غيره. وقد استدل بعضهم
لجواز الصلاة في ثياب الحرير: بعدم إعادته وّية لتلك الصلاة، وهو مردود؛ لأن
ترك إعادتها لكونها وقعت قبل التحریم کما دل عليه حديث جابر.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الصلاة، وفي اللباس، ومسلم في اللباس،
وأخرجه أيضًا النسائي في اللباس.
٢٥٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثاني
٧٦٦ - [٧] عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّ رَجُلٌ
أَصِيدُ، أَفَأُصَلِّ فِي الْقَمِيصِ الْوَاحِدِ؟ قَالَ: ((نَعَمْ، وَازْرُرْهُ وَلَوْ بِشَوْكَةٍ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَرَوَى النَّسَائِي نَحْوَهُ] {حسن}
الشَّرْحُ
٧٦٦ - قوله: (عَنْ سَلَمَةَ) بفتح السين واللام. (بْنِ الأَّوَع) هو سلمة بن عمرو
ابن الأكوع، واسمه سنان بن عبد الله بن قشير الأسلمي، أبو مسلم المدني، شهد
بيعة الرضوان.
قال الخزرجي: بايع تحت الشجرة أول الناس وأوسطهم وآخرهم على الموت،
وكان شجاعًا راميًّا سخيًّا خَيِّرًا فَاضِلًا، كان يسبق الفرس شدًّا على قدميه، استوطن
الربذة بعد قتل عثمان، وتزوج بها امرأة، وولدت له أولادًا، فلم يزل بها حتى قبل
أن يموت بليال، فنزل المدينة وتوفي بها سنة (٧٤) له سبعة وسبعون حديثًا، اتفقا
على ستة عشر، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بتسعة، روى عنه خلق كثير.
(إِنِّي رَجُلٌ أَصِيدٌ) بصيغة المتكلم كأبيع من صاد يصيد، أي: أخرج للاصطياد،
وفي رواية أحمد والنسائي: ((إنّي أكون في الصيد)). وفي رواية ابن حبان: ((إنِّي
رجل أتصيد)). وإنما ذكر الصيد؛ لأن الصائد يحتاج أن يكون خفيفًا ليس عليه ما
يشغله عن الإسراع في طلب الصيد، قاله ابن الأثير. (قَالَ: نَعَمْ) أي: صلِّ فيه.
(وَازْرُرْهُ) بضم الراء من باب نصر، أي: شد جيب القميص، وَارْبَطْهُ، واجمع
بين طرفيه؛ لئلا تظهر عورتك. (وَلَوْ بِشَوْكَةٍ) أي: ولو لم يمكنك ذلك إلا بأن تغرز
في طرفه شوكة تستمسك بها. قال الطيبي: هذا إذا كان جيب القميص واسعًا يظهر
منه عورته، فعليه أن يزره؛ لئلا تنكشف العورة، انتهى.
(٧٦٦) أَبُو دَاوُد (٦٣٢)، وَالنَّسَائِي (٢/ ٧٠) فِي الصَّلَاةِ عَنْهُ، قُلْتُ: وَعَلَّقَهُ البُخَارِي (٩٩/١).
٢٥١
كِتَابُ الصَّلاةِ
بابُ السَتْرِ
والحديث: يدل على جواز الصلاة في الثوب الواحد، وفي القميص منفردًا عن
غيره مقيدًا بعقد الإزار. قال في ((شرعة الإسلام)): ومن آداب الصلاة زَرِّ القميص
بناء على أن الصحيح أن ستر عورته عن نفسه ليس بشرط، حتى لو كان محلول
الجيب فنظر إلى عورته لا يعيد صلاته، كذا في ((التبيين)). وفي ((شرح المنية)) أفتى
بعض المشائخ بأنه إذا رأى عورته تفسد صلاته. وهو ظاهر الحديث. قاله القاري:
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) من طريق الدراوردي، عن موسى بن إبراهيم المخزومي، عن
سلمة بن الأكوع. وأخرجه أيضًا أحمد والشافعي وابن خزيمة والطحاوي وابن
حبان والحاكم، وعلقه البخاري في (صحيحه))، وقال: في إسناده نظر.
قال الحافظ في ((الفتح)): وقد وصله المصنف أي: البخاري في ((تاريخه)). وأبو
داود وابن خزيمة وابن حبان من طريق الدراوردي. قال: ورواه البخاري أيضًا عن
إسماعيل بن أبي أويس، عن أبيه، عن موسى بن إبراهيم، عن أبيه، عن سلمة. زاد
في الإسناد رجلًا. ورواه أيضًا عن مالك بن إسماعيل، عن عطاف بن خالد. قال:
حدثنا موسى بن إبراهيم، قال: حدثنا سلمة، فصرح بالتحديث بين موسى
وسلمة، فاحتمل أن يكون رواية أبي أويس من المزيد في متصل الأسانيد، أو
يكون التصريح في رواية عطاف وَهْمًّا، فهذا وجه النظر في إسناده، انتهى.
والحدیث سکت عنه أبو داود والمنذري.
قال الحافظ في ((الفتح)): أما من صححه فاعتمد رواية الدراوردي، وجعل رواية
عطاف شاهدة لاتصالها. وطريق عطاف أخرجها أيضًا أحمد والنسائي، انتهى.
وقال في ((التلخيص)): قد بينت طرق الحديث في ((تغليق التعليق))، وله شاهد
مرسل، وفيه انقطاع أخرجه البيهقي .
٢٥٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٧٦٧ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ يُصَلِّي مُسْبِلٌ إِزَارَهُ، قَالَ
لَهُ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ: ((اذْهَبْ فَتَوَضَّأْ)) فَذَهَبَ وَتَوَضَّأَ، ثُمَّ جَاءَ. فَقَالَ رَجُلٌ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَكَ أَمَرْتَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ؟ قَالَ: ((إِنَّهُ كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ مُسْبِلٌ إِزَارَهُ،
وَإِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ صَلَاةَ رَجُلٍ مُسْبِلٍ إِذَارَهُ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {ضعيف}
الشَّرْجُ
٧٦٧ - قوله: (مُسْبِلٌ إِزَارَهُ) صفة بعد صفة لرجل، أي: مُرْخ إزاره عن الحد
الشرعي - وهو الكعبان - ففي حديث أبي هريرة عند أبي داود: «مَا كَانَ أَسْفَلَ مِنَ
الْكَعْبَيْنِ فَهُو فِي النَّارِ))، (قَالَ لَهُ) وفي أبي داود: ((إِذْ قَالَ لَّهُ)) بزيادة: ((إِذْ)). قال
القاري: أي: بعد صلاته لكون صلاته صحيحة، فأراد أن يبين أنها غير مقبولة،
وقال ابن حجر: ظاهر الحديث أنه أمر المسبل بقطع صلاته، ثم بالوضوء.
(اذْهَبْ فَتَوَضَّأْ) قيل: إنما أمره بالوضوء ليعلم أنه مرتكب معصية لما أسبقه في
نفوسهم أن الوضوء يكفر الخطايا، ويزيل أسبابها كالغضب ونحوه، وقال الطيبي:
لعل السر في أمره بالتوضي وهو ظاهر أن يتفكر الرجل في سبب ذلك الأمر، فيقف
على ما ارتكبه من المكروه، أى: ينظر إلى إسباله المخل في إسباغ الوضوء
المسبب لعدم قبول الصلاة، وأن اللَّه ببركة أمر رسوله عليه الصلاة والسلام إياه
بطهارة الظاهر يطهر باطنه من دنس الكبر؛ لأن طهارة الظاهر مؤثرة في طهارة
الباطن، فعلى هذا ينبغي أن يعبر كلام رسول اللّه وَ ل عن أن الله تعالى لا يقبل صلاة
المتكبر المختال، فتأمل في طريق التنبيه، ولطف هذا الإرشاد. ومنه ما روى عن
عطية، قال: قال النبي ◌َّه: ((إِنَّ الْغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنَ النَّارِ،
وَإِنَّمَا يُطْفَأُ النَّارُ بِالْمَاءِ ، فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأ))، أخرجه أبو داود، انتهى كلام
الطيبي. (ثُمَّ جَاءَ) كأنه جاء وهو غير مسبل إزاره.
(فَقَالَ رَجُلٌ) لم يعرف اسمه. (مَالَكَ أَمَرْتَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ) أي: والحال أنه طاهر
(٧٦٧) أَبُو دَاوُد (٦٣٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهَا .
كِتَابُ الصَّلاةِ
*E
بابُ السَتْرِ
ese
٢٥٣
متوضئ لم يوجد منه في الظاهر ما ينقض وضوءه. (لَا يَقْبَلُ) أي: قبوله كاملاً
(صلَةَ رَجُلٍ مُسْبِلٍ إِزَارَهُ) قال القاري: ظاهر جوابه عليَِّ أنه أعاده بالوضوء - والله
أعلم - أنه لما كان يصلي وما تعلق القبول الكامل بصلاته، والطهارة من شرائط
الصلاة وأجزائها الخارجية، فسرى عدم القبول إلى الطهارة أيضا، فأمره بإعادة
الطهارة حَثًّا على الأكمل والأفضل، انتهى. قلتُ: ويمكن أن يستدل بالحديث:
على كون الإسبال من مفسدات الصلاة بناء على أن عدم القبول يرادف الرد، وإذا
كانت صلاة المسبل مردودة كانت باطلة، والله أعلم. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في الصلاة
واللباس، وفي سنده أبو جعفر، وهو رجل من أهل المدينة لا يعرف اسمه. قال
الحافظُ: أبو جعفر المؤذن الأنصاري المدني مقبول، ومن زعم أنه محمد بن علي
ابن الحسين الباقر فقد وهم، انتهى.
قال النووي في (ریاض الصالحين)» بعد ذکر هذا الحديث : رواه أبو داود بإسناد
صحيح على شرط مسلم، انتهى. وفي الباب عن ابن عباس مرفوعًا: ((إِذَا صَلَّيْتُمْ
فَارْفَعُوا سَبَلَكُمْ)) أي: الثياب المسبلة ((فكل شيء أصاب الأرض من سبلكم فهو في
النار))، رواه الطبراني في ((الكبير))، وفيه عيسى بن قرطاس وهو ضعيف جدًّا. وعن
عطاء بن يسار، عن بعض أصحاب النبي بَّ، قال: بينما رجل يصلي وهو مسبل
إزاره، قال له رسول اللَّهِ وَ لَه: ((اذْهَبْ فَتَوَضَّأْ))، قال: فذهب فتوضأ، ثم جاء، فقال
له رسول الله ﴿: ((اذْهَبْ فَتَوَضَّأُ))، ثم جاء، فقال رَجُلٌ: يا رسول اللّه، مالك
أمرته يتوضأ؟ ثم سكت عنه فقال: ((إِنَّهُ كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ مُسْبِلٌ إِزَارَهُ، وَإِنَّ اللَّهَ تبارك
وتعالى لَا يَقْبَلُ صَلَاةَ عَبْدٍ مُسْبِلٍ إِزَارَهُ))، ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (ج٥ :
ص١٢٥) وقال: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. وعزاه صاحب الأطراف إلى
النسائي، ولم أجد في نسختي، فلعله في ((الكبرى)) انتهى. وعن ابن مسعود، أنه
رأى أعرابيّا يصلي قد أسبل إزاره، فقال: ((المسبل إزاره في صلاته ليس من الله في
حل ولا حرام)). رواه الطبراني، ورجاله ثقات.
٢٥٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٧٦٨ - [٩] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ
حَائِضٍ إِلَّا بِخِمَارٍ».
[ْرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنِّْمِذِيُّ] {صحيح}
الشَّرْحُ
٧٦٨ - قوله: (لَا تُقْبَلُ) أي: لا تصح؛ إذ الأصل في نفي القبول نفي الصحة
والإِجزاء إلا لدليل (صَلَاةُ حَائِضٍ) يعني به: المرأة البالغة أي: المكلفة، وإن
تكلفت بالاحتلام مثلًا. وإنما عبَّر بالحيض؛ نظرًا إلى الأغلب. قال الخطابي:
يريد بالحائض المرأة التي بلغت سِنَّ الحيض، ولم يرد به التي هي في أيام حيضها؛
لأن الحائض لا تصلي بوجه، انتهى. وقيل: الأصوب أن يراد بالحائض مَنْ شأنها
الحيض؛ ليتناول الصغيرة أيضًا، فإن ستر رأسها شرط لصحة صلاتها أيضًا.
قلتُ: ويدل لما قال الخطابي ما رواه الطبراني في ((الصغير)) و((الأوسط)) من
حديث أبي قتادة مرفوعًا بلفظ: ((لا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنِ امْرَأَةٍ صَلاةً حَتَّى تُوَارِيَ زِيْنَتَهَا، وَلَا
مِنْ جَارِيَةٍ بَلَغَتِ الْحَيضَ حَتَّى تَخْتَمِرَ))، (إِلَّا بِخِمَارٍ) بكسر الخاء المعجمة آخره
راء، قال في ((القاموس)): الخمار بالكسر النَّصِيفُ، وكل ما ستر شيئًا فهو خماره.
وقال: نَصِيف كأمير: الخمار والعمامة، وكل ما غطى الرأس، انتهى.
والمراد به هنا: ما تغطي به المرأة رأسها وعنقها. والحديث: يدل على أن رأس
المرأة عورة، وأنه يجب عليها ستر رأسها وعنقها حال الصلاة. واستدل به من
سوى بين الحرة والأمة في العورة لعموم ذكر الحائض، ولم يفرق بين الحرة
والأمة، وهو قول أهل الظاهر. وفرق الجمهور بين عورة الحرة والأمة، وحملوا
الحديث على الحرة. والحديث قد استدل به على أن ستر العورة شرط في صحة
الصلاة؛ لأن قوله: (لَا تُقْبَلُ) صالح للاستدلال به على الشرطية كما تقدم وقد
اختلف في ذلك. ومذهب الجمهور: أن ستر العورة من شروط الصلاة.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ) وحسنه. ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره.
(٧٦٨) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وسندُهُ صحيحٌ عَلَى شرطٍ مُسْلِم.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ السَثْرِ
٢٥٥
والحديث أخرجه أيضًا أحمد وابن ماجه وابن خزيمة والحاكم في ((المستدرك))
(ج١ : ص٢٥١) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وأظن
أنه لخلاف فيه على قتادة، ثم رواه الحاكم من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن
قتادة، عن الحسن مرفوعًا مرسلا. وكذلك أشار أبو داود بعد روايته إلى رواية
الحسن المرسلة، كأنه يعلل الحديث بها. وليست هذه بالعلة، فإن حماد بن سلمة
ثقة، والرواية المرسلة تؤيد المتصلة، وهي من طريق آخر، فهو عند قتادة عن
شيخين عن ابن سيرين متصلًا، وعن الحسن مرسلًا. والحديث صحيح، كما قال
الحاکم، أو حسن كما قال الترمذي.
٧٦٩ - [١٠] وَعَنْ أُمْ سَلَمَة أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ: أَتْصَلِّي الْمَرْأَةُ
فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ لَيْسَ عَلَيْهَا إِزَارٌ؟ قَالَ: ((إِذَا كَانَ الدِّرْعُ سَابِفًا يُغَطِّي ظُهُورَ
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَذَكَرَ جَمَاعَةً وَقَفُوهُ عَلَى أُمِّ سَلَمَة ] {ضعيف}
قَدَمَيْهَا).
الشَّرْجُ
٧٦٩ - قوله: (فِي دِرْع) أي: قميص. (لَيْسَ عَلَيْهَا) أي: ليس تحت قميصها أو
فوقه. (إِزَارٌ) أي: ولا سَّراويل. (قَالَ) أي: نعم. (إِذَا كَانَ الدِّرْعُ سَابِغًا) أي:
كاملًا واسعًا. (يُغَطِّي ظُهُورَ قَدَمَيْهَا) يعني: يجوز لها حينئذٍ أن تصلي في درع
وخمار ليس عليها إزار، ففي بعض ألفاظ الحديث: أن النبي ◌َّ قال لها: (لَا بَأْسَ
إِذَا كَانَ الدِّرْعُ سَابِغًا ... )) إلخ. والحديث دليل لمن قال: إن قدمي المرأة عورة
يجب سترها؛ لأن قوله: ((يُغَطَّى ظُهُورَ قَدَمَيْهَا)) يدل على عدم العفو، فهو حجة لمن
لم يستثن القدمين من العورة. وإليه ذهب أكثر العلماء. وهو إحدى الروايتين عن
أبي حنيفة .
قال الأمير اليماني في ((السبل)) بعد ذكر حديث أم سلمة هذا وحديث عائشة
السابق ما لفظه: هذا يدل على أنه لا بد في صلاتها من تغطية رأسها ورقبتها كما
أفاده حديث الخمار، ومن تغطية بقية بدنها حتى ظهر قدميها كما أفاده حديث أم
(٧٦٩) أَبُو دَاوُد (٦٤٠) فِي الصَّلَاةِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَهَا وَقَالَ: رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مَوْقُوفًا عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ.
٢٥٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
سلمة، ويباح كشف وجهها، حيث لم يأت دليل بتغطيته. والمراد: كشفه عند
صلاتها بحيث لا يراها أجنبي، فهذه عورتها في الصلاة. وأما عورتها بالنظر إلى
نظر الأجنبي إليها فكلها عورة كما يأتي تحقيقه. وذكره هنا، وجعل عورتها في
الصلاة هي عورتها بالنظر إلى نظر الأجنبي، وذكر الخلاف في ذلك ليس محله
هنا، إذ لها عورة في الصلاة، وعورة في نظر الأجانب، والكلام الآن في الأول،
والثاني يأتي في محله، انتهى.
قلتُ: قد اختلف العلماء في تحديد عورة المرأة في الصلاة وخارجها اختلافًا
كثيرًا، إن شئت الوقوف على ذلك، فارجع إلى ((المغني)) لابن قدامة. والراجح
عندي: ما ذهب إليه الحنابلة من أن الحرة البالغة كلها عورة في الصلاة حتى ظفرها
وشعرها إلا وجهها، والوجه والكفان عورة خارج الصلاة باعتبار النظر إليها كبقية
البدن. قال الخطابي: في خبر أم سلمة دليل على صحة قول من لم يجز صلاتها،
إذا انكشف من بدنها شيء، ألا تراه ظلَّ يقول: ((إِذَا كَانَ سَابِغًا يُغَطِّى ظُهُورَ
قَدَمَيْهَا))، فجعل من شرط جواز صلاتها؛ لئلا يظهر من أعضائها شيء، انتهى.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) أي: مرفوعًا. (وَذَكَرَ) أي: أبو داود (جمَاعَةً) أي: من الرواة.
(وَقَفُوهُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ) قال أبو داود بعد روايته من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن
دينار، عن محمد بن زيد بن قنفذ، عن أمه، عن أم سلمة مرفوعًا: روى هذا
الحديث مالك بن أنس، وبكر بن مضر، وحفص بن غياث، وإسماعيل بن جعفر،
وابن أبي ذئب، وابن إسحاق عن محمد بن زيد، عن أمه عن أم سلمة، لم يذكر
أحد منهم النبي وَّر، قصروا به على أم سلمة، انتهى. يعني: أن هؤلاء الرواة
الثقات كلهم رووه موقوفًا على أم سلمة، ولم يرفعوه إلى رسول اللّه وَل، وخالفهم
عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، فروى عن محمد بن زيد عن أم سلمة مرفوعًا.
فكأنه أشار إلى أن هذا الرفع شاذ.
قال الزرقاني: يعني: فرواية عبد الرحمن شاذة، وهو وإن كان صدوقًا لكنه
يخطئ، فلعله أخطأ في رفعه. وأعله أيضًا عبد الحق بأن مالكًا وغيره رووه موقوفًا.
قال الحافظُ: وهو الصواب، ولكنه قد قال الحاكم بعد إخراجه: إن رفعه صحيح
على شرط البخاري، انتهى.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بابُ السَثْرِ
٢٥٧
وقال الشوكاني: الرفع زيادة لا ينبغي إلغاؤها كما هو مصطلح أهل الأصول،
وبعض أهل الحديث، وهو الحق. وقال الأمير اليماني: له حكم الرفع، وإن كان
موقوفًا؛ إذ الأقرب أنه لا مسرح للاجتهاد في ذلك.
٧٧٠ - [١١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ نَهَى عَنِ السَّدْلِ
فِي الصَّلَاةِ، وَأَنْ يُغَطَِّ الرَّجُلُ فَاهُ.
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ] {حسن}
الشَّرْجُ
٧٧٠ - قوله: (نَهَى عَنِ السَّدْلِ فِي الصَّلَاةِ) قال الجوهري: سدل ثوبه يسدله -
بالضم - سدلا أي: أرخاه. وقال الخطابي: السدل إرسال الثوب حتى يصيب
الأرض، انتهى. فعلى هذا السدل والإسبال واحد. وقال أبو عبيد في ((غريبه)):
السدل إسبال الرجل ثوبه من غیر أن یضم جانبیه بین یدیه، فإن ضمه فلیس بسدل،
انتھی .
وقال الجزري: هو أن يلتحف بثوبه ويدخل يديه من داخل فيركع ويسجد وهو
كذلك. قال: وهذا مطرد في القميص وغيره من الثياب. قال: وقيل: هو أن يضع
وسط الإزار على رأسه، أو على كتفه، ويرسل طرفيه عن يمينه وشماله من غير أن
يجعلهما على كفيه، انتهى. ولا مانع من حمل الحديث على جميع هذه المعاني،
إن كان السدل مشتركًا بينها. وحمل المشترك على جميع معانيه هو المذهب
القوي. قاله الشوكاني.
والحديث: يدل على تحريم السدل في الصلاة، سواء كان عليه قميص أو
سراويل أو لم يكن؛ لأنه معنى النهي الحقيقي، ولا موجب للعدول عن التحريم
لعدم وجدان صارف له عن ذلك. وقد روي أن السدل من فعل اليهود؛ أخرج
الخلال في ((العلل))، وأبو عبيد في ((الغريب)) عن علي أنه خرج فرأى قومًا يصلون
قد سدلوا ثيابهم فقال: كأنهم اليهود خرجوا من قهرهم.
(٧٧٠) أَبُو دَاوُد (٦٤٣) بِتَمَامِهِ، وَالتِّرْ مِذِي (٣٧٨) بِالرُّكْنِ الأَوَّلِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهَا.
٢٥٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(وَأَنْ يُغَطِّيَّ الرَّجُلُ فَاهُ) أي: فمه في الصلاة. قال الخطابي: فإن من عادة العرب
التلثم بالعمائم على الأفواه، فنهوا عن ذلك في الصلاة إلا أن يعرض الثوباء،
فيغطي فمه عند ذلك للحديث الذي جاء فيه، انتهى. والحديث: يدل على تحريم
أن يصلي الرجل متلئمًا أي: مغطيًا فمه. وحكمة النهي: أن في التغطية منعًا من
القراءة والأذكار المشروعة. ولأنه لو غطى بيده فقد ترك سنة اليد، ولو غطاه بثوب
فقد تشبه بالمجوس؛ لأنهم يتلثمون في عبادتهم النار.
قال ابن حبان: وإنما زجر عن تغطية الفم في الصلاة على الدوام لا عند التثاؤب
بمقدار ما يكظمه؛ لحديث: ((إِذَا تَتَاوَبَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ))،
وفي رواية: ((فَلْيُمْسِكْ بِيَدِهِ عَلَى فَمِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ فِیهِ)) رواه مسلم.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَ التِّرْمِذِيُّ) فيه نظر؛ لأنه ليس في الترمذي ((وَأَنْ يُغَطَِّ الرَّجُلُ فَاهُ))
فروى الحديث الترمذي مقتصرًا على الفصل الأول، وكذا رواه أحمد، والحاكم،
والطبراني في ((الأوسط)). وروى ابن ماجه الفصل الثاني فقط. ورواه ابن حبان
بتمامه كأبي داود. والحديث حسن، فرجال إسناده كلهم ثقات إلا عسل بن
سفيان، وهو لم يتفرد به بل تابعه سليمان الأحول عند أبي داود. وتابعه أيضًا عامر
الأحول كما أخرجه الطبراني في ((معجمه الوسط)).
قال الزيلعي: رجاله كلهم ثقات إلا أبا بكر البحراوي فإنه ضعفه أحمد، وابن
معين، وغيرهما. وكان يحيى بن سعيد حسن الرأي فيه، وروى عنه، وقال ابن
عدي: وهو ممن یکتب حديثه.
٧٧١ - [١٢] وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((خَالِفُوا
الْيَهُودَ، فَإِنَّهُمْ لَا يُصَلّونَ فِي نِعَالِهِمْ وَلَا خِفَافِهِمْ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {صحيح}
الشَّرْخُ
٧٧١ - قوله: (وَعَنْ شَدَّاد بْنِ أَوْسٍ) بن ثابت الأنصاري النجاري، يُكنى أبا
(٧٧١) أَبُو دَاوُد (٦٥٢) فِي الصَّلَاةِ عَنْ يَعْلَى بْنِ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ أَبِهِ.
٢٥٩
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ السَثْرِ
يعلى، المدني ابن أخي حسان بن ثابت، صحابي، مات بالشام سنة (٥٨) وهو ابن
خمس وسبعين سنة. وقيل: توفي سنة (٦٤) قال عبادة بن الصامت: شداد بن
الأوس من الذين أوتوا العلم والحلم. له خمسون حديثًا، انفردَ له البخاري
بحديث، ومسلم بآخر. (خَالِفُوا الْيَهُودَ) أي: بالصلاة في نحو النعال. (فَإِنَّهُمْ لَا
يُصَلَّونَ فِي نِعَالِهِمْ) بكسر النون، جمع نعل وهي معروفة. (وَلَا خِفَافِهِمْ) بكسر
الخاء المعجمة جمع خف بالضم. قال الشاه ولى الله: كان اليهود يكرهون الصلاة
في نعالهم وخفافهم، لما فيه ترك التعظيم، فإنَّ الناس يخلعون نعالهم بحضرة
الكبراء، وهو قوله تعالى: ﴿فَأَخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ ◌ُوَّى﴾ [طه: ١٢] وكان
هناك وجه آخر، وهو أنَّ الخف والنعل تمام زي الرجل، فترك النبي وَّ القياس
الأول، وأبدى الثاني مخالفة لليهود، انتهى.
والحديث: يدل على مشروعية الصلاة في النعال، وقد اختلف نظر الصحابة
والتابعين في ذلك هل هو مستحب أو مباح أو مكروه؟ وأقل أحوال هذا الحديث
الدلالة على الاستحباب من جهة قصد مخالفة اليهود. وقال الحافظ في ((الفتح)) في
شرح حديث أبي سلمة سعيد بن يزيد: سألتُ أنسًا: أكان النبيِوَلّ يصلي في نعليهِ؟
قال: نعم. قال ابن بطال: هو محمول على ما إذا لم يكن فيهما نجاسة، ثُم هي من
الرخص كما قال ابن دقيق العيد، لا من المستحبات؛ لأن ذلك لا يدخل في المعنى
المطلوب من الصلاة، وهو وإن كان من ملابس الزينة إلا أن ملامسة الأرض التي
تكثر فيها النجاسات قد تقصر عن هذه الرتبة، وإذا تعارضت مراعاة مصلحة
التحسين ومراعاة مصلحة النجاسة قدمت الثانية؛ لأنها من باب رفع المفاسد
والأخرى من باب جلب المصالح. قال: إلا أن يرد دليل بإلحاقه بما يتجمل،
فيرجع إليه، ويترك هذا النظر.
قال الحافظُ: قد روى أبو داود والحاكم من حديث شداد بن أوس مرفوعًا
((خَالِفُوا الْيَهُودَ، فَإِنَّهُمْ لَا يُصَلَّونَ فِي نِعَالِهِمْ وَلَا خِفَافِهِمْ)) فيكونُ استحباب ذلك من
جهة قصد المخالفة المذكورة. قال: وورد في كون الصلاة في النعال من الزينة
المأمور بأخذها في الآية حديث ضعيف جدًّا، أورده ابنُ عدي في ((الكامل))، وابن
مردويه في ((تفسيره)) من حديث أبي هريرة، والعقيلي من حديث أنس، انتهى.