النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
تهديد عظيم، ووعيد شديد، وذلك أنه ظالم مبالغ في ظلمه، حيث يضع الشيء في
غير موضعه؛ لأن المساجد لم تُبْنَ إلا للعبادات، انتهى.
(رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيْمَانِ) وفي حديث ابن مسعود: ((سَيَكُونُ فِي آخِرِ
الزَّمَانِ قَوْمٌ يَجْلِسُونَ فِي الْمَسَاجِدِ حِلَقًّا حِلَقًّا أَمَانِيُّهُمُ الدُّنْيَا، فَلَا تُجَالِسُوهُمْ، فَإِنَّه
لَيْسَ للهِ فِيهِمْ حَاجَةٌ»، ذكره العراقي في ((شرح الترمذي)». قال: وإسناده ضعيف
فيه بزيغ أبو الخليل وهو ضعيف جدًّا، وفي ((الترغيب)) للمنذري عن عبد الله بن
مسعود قال: قال رسول اللّه وَلَه: ((سَيَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ يَكُونُ حَدِيثُهُمْ فِي
مَسَاجِدِهِمْ، لَيْسَ للهِ فِيْهِمْ حَاجَةٌ)) رواه ابن حبان في ((صحيحه).
٧٥٠ - [٥٧] وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: كُنْتُ نَائِمًا فِي الْمَسْجِدِ،
فَحَصَبَنِي رَجُلٌ، فَنَظَرْتُ، فَإِذَا هُوَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: أَذْهَبْ فَأَتِي
بِهَذَيْنٍ، فَجِثْتُهُ بِهِمَا، فَقَالَ: مِمَنْ أَنْتُمَا؟ - أَوْ مِنْ أَيْنَ أَنْتُمَا؟ - قَالَا: مِنْ أَهْلِ
الطَّائِفَ. قَالَ: لَوْ كُنْتُمَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِيْنَةِ لَأَوْجَعْتُكُمَا، تَرْفَعَانِ أَصْوَاتَكُمَا فِي
مَسْجِدٍ رَسُولِ اللَّهِ أَلِ !.
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ] {صحيح}
الشَّرْخُ
٧٥٠- قوله: (كُنْتَ نَائِمًا) وفي رواية الإسماعيلي: كنت مضطجعًا.
(فَحَصَبَنِي) أي: رماني بالحصباء، وهي الحجارة الصغيرة. (فَإِذَا هُوَ) أي: الرجل
الحاصب. (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) كلمة ((إذا)» للمفاجأة، وهو مبتدأ وعمر خبره، وفي
بعض النسخ ((فإذا عمر)) أي بدون زيادة هو، وكذا وقع في البخاري، فعلى هذا
((عمر)) مبتدأ وخبره محذوف تقديره: فإذا عمر حاضر، أو قائم، أو واقف. (فَقَالَ)
أي: عمر للسائب. (بِهَذَيْنِ) قال الحافظُ: لم أقف على تسمية هذين الرجلين،
لكن في رواية عبد الرزاق أنهما ثقفيان. (مِمَّنْ أَنْتُمَا؟) أي: من أي: قبيلة وجماعة.
(أَوْ مِنْ أَيْنَ أَنْتُمَا؟) أي: من أي: بلد.
(لَوْ كُنْتُمَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِيْنَةِ) وفي البخاري: (لَوْ كُنْتُمَا مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ»، والمراد
(٧٥٠) البُخَارِي (٤٧٠) في الصَّلاة عنه.
٢٢١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
** E
بَابُ الْمَسَاحِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
بالبلد: المدينة. وهذا يدل على أنه كان تقدم نهيه عن ذلك. وفيه: المعذرة لأهل
الجهل بالحكم، إذا كان مما يخفى مثله. (لَأَوْجَعْتُكُمَا) إذ لا عذر لكما حينئذٍ، قاله
الطيبي. يعني: أهل المدينة يعرفون حُرْمَة مسجده بَلّ أكثر من غيرهم، فلا
يُسَامَحُونَ مسامحة الغرباء؛ إذ يمكن أن يكونوا قريبي العهد بالإِسلام وبمعرفة
الأحكام. وفي رواية الإسماعيلي: ((لَأَوْ جَعْتُكُمَا جَلْدًا)). ومن هذه الجهة يتبين كون
هذا الحديث له حكم الرفع؛ لأن عمر لا يتوعدهما بالجلد إلا على مخالفة أمر
توقيفي. (تَرْفَعَانٍ) جملة استئنافية، وهي في الحقيقة جواب عن سؤال مقدر،
كأنهما قالا له: لم توجعنا؟ قال: لأنكما ترفعان أصواتكما في مسجد الرسول وَل9.
(أَصْوَاتَكُمَا) عبر بـ((أصواتكما)) بالجمع دون صوتيكما بالتثنية؛ لأن المضاف
المثنى معنى إذا كان جزء ما أضيف إليه، فالأصح الأجود الأفصح أن يذكر بالجمع
كقوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] ويجوز إفراده نحو: أكلت رأس
شاتين. والتثنية مع أصالتها قليلة الاستعمال، وإن لم يكن جزءه فالأكثر مجيئة بلفظ
التثنية نحو: سَلَّ الزيدان سيفيهما. وإن أمن اللبس جاز جعل المضاف بلفظ الجمع
كما: ((يعذبان في قبورهما))، قاله المالكي، وفي رواية الإسماعيلي: بـ((رفعكما
أصواتكما)). وإنما أنكر عليهما عمر؛ لأنهما رفعا أصواتهما فيما لا يحتاجان إليه
من اللغط الذي لا يجوز في المسجد، فيمنع رفع الصوت في المسجد فيما لا منفعة
فيه، وأما إذا ألجئت الضرورة إليه فلا منع؛ لعدم إنكاره ◌ّل على ابن أبي حدرد
وكعب بن مالك رفع أصواتهما في المسجد عند تقاضي الدين، وقد وردت
أحاديث في النهي عن رفع الصوت في المساجد مطلقًا، لكنها ضعيفة. أخرج ابن
ماجه بعضها .
وقيل: أحاديث المنع محمولة على ما إذا كان الصوت متفاحشًا، وحديث
الإباحة محمول على ما إذا كان غير متفاحش. (فِي مَسْجِدٍ رَسُولِ اللّهِ وََّ) إذ مع
شرافته له زيادة مزية كون حجرته وكالة متصلة بالمسجد.
(رَوَاهُ البُخَارِيُّ) وأخرجه أيضًا الإسماعيلي. وروى عبد الرزاق عن نافع قال:
كان عمر يقول: ((لا تكثروا اللغط))، فدخل المسجد، فإذا هو برجلين قد ارتفعت
أصواتهما، فقال: ((إن مسجدنا هذا لا يُرْفَعُ فيه الصوت ... )) الحديث. وفيه
انقطاع؛ لأن نافعًا لم يدرك ذلك الزمان.
٢٢٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٧٥١- [٥٨] وَعَنْ مَالِكِ قَالَ: بَنَى عُمَرُ رَحْبَةً فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ
تُسَمَّى الْبُطَيْحَاءَ، وَقَالَ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَلْغَطَ أَوْ يُنْشِدَ شِعْرًا أَوْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ،
فَلْيَخْرُجْ إِلَى هَذِهِ الرَّحْبَةِ.
[رَوَاهُ فِي الْمُوطَّأَ]
الشّرْجُ
٧٥١ - قوله: (عَنْ مَالِك) بن أنس الإمام صاحب المذهب المشهور، إمام دار
الهجرة. (قَالَ: بَنَى عُمَرُ رَحْبَةً) من بلاغات مالك، ففي مُوَطأ مالك: أنه بلغه أن
عمر بن الخطاب بنى رحبة. قال الزرقاني: كذا ليحيى - أى: ابن يحيى
المصمودي الأندلسي - ولغيره: مالك، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله عن
سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب ...
(فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ) أي: بنى فضاء في خارج المسجد. قال في ((القاموس)):
رحبة المكان - وتسكن - ساحته ومتسعه. وقال الطيبي: الرحبة بالفتح: الصحراء
بين أفنية القوم، ورحبة المسجد: ساحته. (تُسَمَّى) أي: تلك الرحبة.
(الْبُطَيْحَاءَ) بضم الباء وفتح الطاء تصغير البطحاء، والبطحاء: مسيل واسع فيه
دقاق الحصى، وتسمية الرحبة بها، إما لسعتها، أو لوجود دقاق الحصى فيها. قال
الباجي: هذه البطيحاء بناء يرفع على الأرض أزيد من الذراع، ويحدق حواليه
بشيء من جدار قصير، ويوسع كهيئة الرحبة، ويبسط بالحصباء يجتمع فيها
للجلوس، انتھی .
(وَقَالَ) أي: عمر. (مَنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَلْغَطَ) بفتح أوله وثالثه أي: يتكلم بكلام فيه
جلبة واختلاط، ولا يتبين. قال الطيبي: اللغط - بفتح الغين المعجمة وسكونها -
صوت وضجة لا يفهم معناه. قال القاري: والمراد: من أراد أن يتكلم بما لا يعنيه.
(أَوْ يُنْشِدَ شِعْرًا) لنفسه أو لغيره أي: وإن كان مباحًا. (أَوْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ) ولو بالذِّكْرٍ .
(فَلْيَخْرُجْ إِلَى هَذِهِ الرَّحْبَةِ) فإن الأمر فيها أسهل وأهون. قال الباجي: لما رأى
(٧٥١) مَالِك (٩٣/١٧٥/١) عنه معضلًا.
كِتّابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
٢٢٣
عمر بن الخطاب كثرة جلوس الناس في المسجد وتحدثهم فيه، وربما أخرجهم
ذلك إلى اللغط - وهو المختلط من القول، وارتفاع الأصوات - وربما جرى في
أثناء ذلك إنشاد شعر، بنى هذه البطيحاء إلى جانب المسجد وجعلها لذلك؛
ليتخلص المسجد لذكر الله، وما يحسن من القول، وينزه من اللغط وإنشاد
الشعر، ولم يرد أن ذلك محرم. وإنما ذلك على معنى الكراهية، وتنزيهه
المساجد، لا سيما مسجد النبي وَل، فيجب أن ينزه المسجد من مثل هذا، ومعنى
هذا: أن المسجد مما أُمِرْنَا بتعظيمه وتوقيره. والثانية: لأنه مَبْنِيٌّ للصلاة، وقد
أمرنا أن نأتيها وعلينا السكنية والوقار، فبأن يلتزم ذلك بموضعها المتخذ لها أولى.
(رَوَاهُ) أي: مالك. (فِي الْمُوَطَّأٍ) بالهمزة والألف، وقد سبق الاعتراض على
مثل صنيع المؤلف هذا، وكان حقه في هذا المقام أن يقول: وعن عمر أنه بنى
رحبة، ثم يقول: رواه مالك بلاغًا. وقد تقدم أيضًا أن ابن عبد البر صنف كتابًا
وصل ما في ((الموطأ)) من المرسل والمنقطع والمعضل، وقال: جميع ما فيه من
قوله: ((بلغني))، ومن قوله: ((عن الثقة عنده)) مما لم يسنده، أحد وستون حديثًا كلها
مسندة من غير طريق مالك إلا أربعة أحاديث، ثم ذكرها. وأثر عمر هذا ليس من
الأربعة، فهو مسند إلى عمر في موضعه. وقد تقدم عن الزرقاني: أن صورة البلاغ
إنما هي ليحيى، وأما غيره فقد ذكره مسندًا.
٧٥٢ - [٥٩] وَعَنْ أَنَسِ، قَالَ: رَأَى النَِّيُّ وََّ نُخَامَةً فِي الْقِبْلَةِ، فَشَقَّ
ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتَّى رُئِيَ فِي وَجْهِهِ، فَقَامَ فَحَكَّهُ بِيَدِهِ، فَقَالَ: ((إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي
الصَّلَاةِ، فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ، وَإِنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، فَلَا يَبْزُقَنَّ أَحَدُكُمْ قِبَلَ
قِبْلَتِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ)) ثُمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ، فَبَصَقَ فِيهِ، ثُمَّ رَدَّ
بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، فَقَالَ: ((أَوْ يَفْعَلُ هَكَذًّا)).
الشَّرْحُ
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ] {صحيح}
٧٥٢- قوله: (نُخَامَةً) بالميم مع ضم النون، قيل: هي ما يخرج من الصدر،
(٧٥٢) البُخَارِي (٤٠٥) عن أنس فيها.
٢٢٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقيل: النخاعة بالعين من الصدر، وبالميم من الرأس. وقيل: النخاعة: هي
البزاقة التي تخرج من أقصى الحلق. (فِي الْقِبْلَةِ) أي: في الحائط الذي في جهة
القبلة. (فَشَقَّ) أي: صعب. (ذَلِكَ) أي: ما ذكر من رؤية النخامة. (حَتَّى رُئِىَ)
بضم الراء وكسر الهمزة وفتح الياء، أي: شوهد أثر المشقة.
قال الطيبي: الضمير الذي أقيم مقام الفاعل راجع إلى معنى قوله: ((فشق ذلك
عليه)). وهو الكراهة، وفي رواية النسائي: ((فغضب حتى احْمَرَّ وجهه)). (فَحَكَّهُ)
أي: أثر النخامة. (بِيَدِهِ) المباركة؛ تعليمًا لأمته؛ وتواضعًا لربه جل جلاله،
ومحبةً لبيته.
(إِذَا قَامَ فِي الصَّلاةِ) أي: دخل فيها، سواء كان في المسجد أو غيره. (فَإِنَّمَا
يُنَاجِي رَبَّهُ) من جهة مساررته بالقرآن والأذكار، فكأنه يناجيه تعالى، والرب تعالى
يناجيه من جهة لازم ذلك، وهو إرادة الخير، فهو من باب المجاز؛ لأن القرينة
صارفة عن إرادة الحقيقة؛ إذ لا كلام محسوسًا إلا من جهة العبد.
قال الحافظُ: المراد بالمناجاة من قبل العبد: حقيقة النجوى. ومن قبل الرب:
لازم ذلك، فيكون مجازًا عن إقباله على العبد بالرحمة والرضوان.
(وَإِنَّ) بكسر الهمزة. (رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ) قال الخطابي: معناه: أن توجهه إلى
القبلة مُفْضٍ بالقصد منه إلى ربه، فصار في التقدير: كأن مقصوده بينه وبين القبلة،
وقيل: هو على حذف مضاف أي: عظمة ربه، أو ثواب ربه، أو اطلاع ربه على ما
بينه وبين القبلة أي: فيجب على المصلي إكرام قبلته، بما يكرم به من يناجيه من
المخلوقين عند استقبالهم بوجهه، ومن أعظم الجفاء وسوء الأدب أن تتنخم في
توجهك إلى رب الأرباب، وقد أعلمنا الله تعالى بإقباله على من توجه إليه.
(فَلَا يَبْزُقَنَّ أَحَدُكُمْ قِبَلَ) بكسر القاف وفتح الموحدة إلى جهة. (قِبْلَتِهِ) التي
عظمها الله، فلا تقابل بالبزاق المقتضي للاستخفاف والاحتقار، والأصح أن النهي
للتحريم. قيل: البزاق إلى القبلة دائمًا ممنوع، ففي صحيحي ابن خزيمة وابن
حبان من حديث حذيفة مرفوعًا: ((مَنْ تَفَلَ تُجَاهَ الْقِبْلَةِ، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَتَفْلُهُ بَيْنَ
عَيْنَيْهِ))، وفي رواية لابن خزيمة من حديث ابن عمر مرفوعًا: ((يُبْعَثُ صَاحِبُ
النُّخَامَةِ فِي الْقِبْلَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهِي فِي وَجْهِهِ))، (وَلَكِنْ) أي: ليبصق.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
٢٢٥
(عَنْ يَسَارِهِ) أي: ((إذا كان فارغًا لا عن يمينه، فَإِنَّ عَنْ يَمِيْنَيْهِ كَاتِبُ الْحَسَنَاتِ))
كما رواه ابن أبي شيبة بسند صحيح. (أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ) أي: اليسرى. و((أو)) للتنويع
وهو محمول على ما إذا لم يكن يساره فارغًا. (ثُمَّ أَخَذَ) أي: النبي ◌َِِّّ. (ثُمَّ رَدَّ
بعْضَهُ) أي: بعض ردائه.
(أَوْ يَفْعَلُ) عطف على المقدر بعد حرف الاستدراك، أي: ولكن ليبزق عن يساره
أو يفعل هكذا، أي: مثل هذا الذي فعلته، وفيه البيان بالفعل؛ لأنه أوقع في نفس
السامع، وليست لفظة: ((أو)) هنا للشك، أو للتخيير بل للتنويع، فهو محمول على
ما إذا بدره البزاق. فقد رواه مسلم من حديث جابر بلفظ: ((وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ
وَتَحْتَ رِجْلِهِ الْيُسْرَى، فَإِنْ عَجِلَتْ بِهِ بَادِرَةٌ فَلْيَقُلْ بِثَوْبِهِ هَكَذَا))، ثُمَّ طَوَى بَعْضَهُ عَلَى
بَعْضٍ، ولابن أبي شيبة وأبي داود من حديث أبي سعيد نحوه، وفسره في رواية أبي
داود بأن يتفل في ثوبه ثم يرد بعضه على بعض.
(رَوَاهُ البُخَارِيُّ) من طريق حميد عن أنس، وحميد مدلس، لكن قد صرح
عبد الرزاق في روايته بسماع حميد من أنس، فأمن تدليسه.
٧٥٣ - [٦٠] وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ خَلَّادٍ - وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَاب
رَسُولِ اللهِ وَّه قال: إِنَّ رَجُلًا أَمَّ قَوْمًا، فَبَصَقَ فِي الْقِبْلَةِ، وَرَسُولُ اللَّهِ وَلـ
يَنْظُرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لِقَوْمِهِ حِينَ فَرَغَ: ((لَا يُصَلِّي لَكُمْ)) فَأَرَادَ بَعْدَ ذَلِكَ
أَنْ يُصَلِّيَ لَهُمْ، فَمَنَعُوهُ، فَأَخْبَرُوهُ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ وَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ
بَرِ، فَقَالَ: ((نَعَمْ)) وَحَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّكَ قَدْ آذَيْتَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {صحيح}
الشّرْخُ
٧٥٣ - قوله: (وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ خَلَّادٍ) بمفتوحة وشدة لام وإهمال دال، ابن
سويد بن ثعلبة بن عمرو الخرزجي الأنصاري، أبو سهلة المدني، قال أبو عبيد:
(٧٥٣) أَبُو دَاوُد (٤٨١) في الصَّلاة عن السائب بن خلاد.
٢٢٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
gese
شهد بدرًا، وولي اليمن لمعاوية وله أحاديث، روى عنه ابنه خلاد، وصالح بن
حيوان، وعطاء بن يسار، وغيرهم. وقيل: استعمله عمر على اليمن. مات سنة
(٧١) فيما قال الواقدي. (إنَّ رَجُلًا أَمَّ قَوْمًا) أي: صلى بهم إمامًا، ولعلهم كانوا
وفدًا. (فَبَصَقَ) أي: الرجل. (فِي الْقِبْلَةِ) أي: في جهتها.
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلّهِ لِقَوْمِهِ) لما رأى منه قلة الأدب، وليس في نسخ أبي داود
التي بأيدينا لفظة: ((لِقَوْمِهِ)). (حِينَ فَرَغَ) أي: هذا الرجل من الصلاة. (لَا يُصَلَّ
لَكُمْ) بإثبات الياء، أي: لا يكن هذا الرجل إمامًا لكم في الصلاة بعد هذا. قال في
((شرح السنة)): أصل الكلام: لا تصل لهم، فعدل إلى النفي ليؤذن بأنه لا يصلح
للإمامة، وأن بينه وبينها منافاة. وأيضا في الإعراض عنه غضب شديد، حيث لم
يجعله محلًا للخطاب، وكأن النهي في غيبته، كذا في ((المرقاة)). (فَأَرَادَ) أي:
ذلك الرجل. (بَعْدَ ذَلِكَ) أي: بعد القول الذي ظهر منه وََّ. (أَنْ يُصَلَّيَ لَهُمْ) أي:
يؤمِهم، ولعله لم يبلغه قوله ◌َّ فيه. (فَمَنَعُوهُ) من الإمامة، فسأل عن سبب المنع،
(فَأَخْبَرُوهُ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿) وهو: ((لا يصلي لكم)). (فَذَكَرَ) أي: الرجل. (ذَلِكَ)
أي: منع القوم إياه عن الإمامة، وأنه ◌َّ قال ذلك. (فَقَالَ: نَعَمْ) أنا أمرتهم
بذلك. (وَحَسِبْتُ) أي: قال السائب بن خلاد: حسبت. (أَنَّهُ) أي: الرسول وَّه.
(قَالَ) أي له، زيادة على ((نعم)). (إِنََّكَ قَدْ آذَيْتَ اللهَ وَرَسُولَهُ) أي: فعلت فعلًا لا
يرضي الله ورسوله. وفي هذا القول زجر عظيم. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ
[الأحزاب: ٥٧] ولكن
اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَّهُمُ اللَّهُ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (@)
لما فعل الرجل ذلك الفعل جهلاً وخطأً لم يعده كفرًا. وقيل: يحتمل أن يكون ذلك
الرجل منافقًا، وعلم ◌َّ نفاقه إذ ذاك فنهى عن إمامته.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وسكت عنه هو والمنذري، وأخرجه أيضًا ابن حبان في
(صحيحه)). وروى الطبراني في ((الكبير)) بإسناد جيد عن عبد الله بن عمر قال: أمر
رسول اللَّه وَ سليل رجلًا يصلي بالناس الظهر، فتفل في القبلة وهو يصلي للناس، فلما
كانت صلاة العصر أرسل إلى آخر، فأشفق الرجل الأول، فجاء إلى النبي وَّل،
فقال: يا رسول اللَّه أأنزل فِيَّ شيء؟ قال: ((لَا، وَلَكِنَّكَ تَفَلْتَ بَيْنَ يَدَيْكَ وَأَنْتَ قَائِمٌ
تَؤُمُّ النَّاسَ، فَآذَيْتَ اللهَ وَالْمَلَائِكَةَ))، كذا في ((الترغيب)).
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
Bee
٢٢٧
٧٥٤ - [٦١] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَل ◌َنْتَهُ قَالَ: احْتَبَسَ عَنَّا رَسُولُ اللّهِ وَالِ
ذَاتَ غَدَاةٍ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى كِذْنَّا نَتَرَاءَى عَيْنَ الشَّمْسِ، فَخَرَجَ سَرِيعًا،
فَتُوِّبَ بِالصَّلَاةِ، فَصَلَّى رَسُولُ اللّهِ بِهِ، وَتَجَوَّزَ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ دَعَا
بِصَوْتِهِ، فَقَالَ لَنَا: (عَلَى مَصَافِّكُمْ كَمَا أَنْتُمْ)) ثُمَّ انْفَتَلَ إِلَيْنَا، ثُمَّ قَالَ: ((أَمَا إِنِّي
سَأُحَدِّثُكُمْ، مَا حَبَسَنِي عَنْكُمُ الْغَدَاةَ: إِنِّي قُمْتُ مِنَ اللَّيْلِ، فَتَوَضَّأْتُ وَصَلَّيَتْ
مَا قُدِّرَ لِي، فَتَعَسْتُ فِي صَلَاتِي، حَتَّى اسْتَثْقَلْتُ، فَإِذَا أَنَّا بِرَبِِّي تَبَارَلَكَ وَتَعَالَى
فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، قلتُ: لَبَّيْكَ رَبِّ. قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ
الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟ قلتُ: لَا أَدْرِي رَبِّ)) قَالَهَا ثَلَاثًا، قَالَ: ((فَرَ أَيْتُهُ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ
كَتِفَيَّ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ أَنَامِلِهِ بَيْنَ ثَدْبَيَّ، فَتَجَلَّى لِي كُلُّ شَيْءٍ، وَعَرَفْتُ،
فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، قلتُ: لَبَيْكَ رَبِّ. قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟ قلتُ:
فِي الْكَفَّارَاتِ. قَالَ: وَمَا هُنَّ؟ قلتُ: مَشْيُ الْأَقْدَامِ إِلَى الْجَمَاعَاتِ،
وَالجُلُوسُ فِي الْمَسَاجِدِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ، وَإِسْبَاغُ الْوُضُوَءِ حِينَ الْكَرِيهَاتِ.
قَالَ: ثُمَّ فِيمَ؟ قلتُ: فِي الدَّرَجَاتِ. قَالَ: وَمَا هُنَّ؟ قُلْتُ: إِطْعَامُ الطَّعَامِ،
وَلِيْنُ الْكَلَامِ، وَالصَّلَاةُ وَالنَّاسُ نِيَامٌ. قَالَ: سَلْ. قلتُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ
الْخَيْرَاتِ، وَتَرَْكَ الْمُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي، وَإِذَا
أَرَدْتَ فِتْنَةً فِي قَوْمٍ فَتَوَفَِّي غَيْرَ مَفْتُونٍ، وَأَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَحُبَّ
عَمِلِ يُقَرِّبُنِي إِلَىَّ حُبِّكَ)). قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِنَّهَا حَقٌّ فَادْرُسُوهَا، ثُمَّ
تَعَلَّمُّوهَا)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِي، وقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ،
سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ] {صحيحِ}
الشّرُْ
٧٥٤ - قوله: (اخْتُبِسَ) بصيغة المعلوم، ويحتمل أن يكون على بناء المفعول.
(ذَاتَ غَدَاةٍ) لفظة ذات مقحمة أي: غداة. (عَنْ صَلَاةِ الصُّبْح) بدل اشتمال بإعادة
الجار. (حَتَّى كِدْنَا) بكسر الكاف أي: قاربنا. (نَتَرَاءَى) أي: نرى، وعدل عنه إلى
ذلك لما فيه من كثرة الاعتناء بالفعل، وسبب تلك الكثرة خوف طلوعها المفوت
(٧٥٤) التِّرْ مِذِي (٣٢٣٥) عنه، وقد تقدَّم في الحسانِ، ونقل عن البُخَارِي أنه صححه.
٢٢٨
se
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
لأداء الصبح. (فَخَرَجَ سَرِيعًا) أي: مسرعًا أو خروجًا سريعًا.
(فَتُوِّبَ بِالصَّلَاةِ) بصيغة المجهول من التثويب أي: أقيم بها. (وَتَجَوَّزَ فِي صَلَاتِهِ)
أي: خفف واقتصر على خلاف عادته مع أداء الأركان والواجبات والسنن. (دَعَا)
أي: نادى. (بِصَوْتِهِ فَقَالَ لَنَا) أي: رفع صوته بقوله لنا: (عَلَى مَصَافِّكُمْ) أي: اثبتوا
عليها، جمع: مصف وهو موضع الصف. (كَمَا أَنْتُمْ) أي: ما أنتم عليه، أو ثبوتًّا
مثل الثبوت الذي أنتم عليه قبل النداء من غير تغيير وتقديم وتأخير.
(ثُمَّ انْفَتَلَ إِلَيْنَا) أي: توجه إلينا وأقبل علينا. (أَمَا) بالتخفيف للتنبيه. (مَا حَبَسَنِي)
((ما)) موصولة أو موصوفة. (الْغَدَاةَ) بالنصب على الظرفية. (مِنَ اللَّيْلِ) أي: في
الليل. (فَنَعَسْتُ) بالفتح من النعاس، وهو النوم الخفيف من باب نصر وفتح.
(اسْتَثْقَلَتُ) بصيغة المعلوم أو المجهول، أي: غلب عَلَيَّ النعاس.
(فَإِذَا أَنَا بِرَبِّي) ((إذا)) للمفاجأة، أي: فاجأ استثقالي رؤيتي ربي تبارك وتعالى،
وهذا ظاهر في أن هذه الرؤية في النوم فلا إشكال فيه. (رَبِّ) بحذف النداء وياء
الإضافة. (فِيمَ) ((ما)) الاستفهامية، إذا دخل عليه حرف الجر حذف ألفها. (قَالَهَا
ثَلَاثًا) أي: قال الله تعالى هذه المقولة المترتب عليها جوابها ثلاثا، وأجبت عنها
بـ((لا أدري)) تأكيدًا للاعتراف بعدم العلم.
(فَتَجَلَّى لِي كُلَّ شَيْءٍ) أي: مما أذن الله في ظهوره لي مما في السموات
والأرض مطلقًا، أو مما يختصم فيه الملأ الأعلى خصوصًا، وهذا هو الظاهر. وقد
تمسك به بعض القبوريين على أنه ◌ّل# كان عالمًا بجميع ما كان، وما يكون من
المغيبات علمًا كليًّا تفصيليًّا محيطًا، بناء على أن لفظ الكل من ألفاظ العموم
والاستغراق، وإحاطة الأفراد. ولا متمسك لهم فيه؛ لأن لفظ الكل لا يراد به
الاستغراق دائمًا، كما في قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَابِقَةُ الْوَّتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] وقد
أطلق لفظ النفس على ذاته تعالى في قوله: ﴿تَعْلَمُ مَا فِىِ نَفْسِى وَلََّ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ﴾.
[المائدة: ١١٦] وكما في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَآءَ هُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩]
وقد علم أن الملك كان لا يغصب إلا السفن الصالحة غير المعيبة، وكما في قوله
تعالى: ﴿اللّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ [الرعد: ١٦] وقد ورد إطلاق الشيء على اللَّه في قوله
تعالى: ﴿قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبُرُ شَهَدَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ [الأنعام: ١٩] وكما في قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
٢٢٩
كُلِّ شَىْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥] وقوله تعالى: ﴿يُحْبِىَّ إِلَيْهِ ثَمَرَتُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ [القصص: ٥٧] وقوله
تعالى: ﴿وَعَلَى كُلّ ضَامِرٍ يَأْنِنَ مِن كُلِّ فَجِّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧].
وكما في قوله وَّهِ: ((كُلَّ ابْنِ آدَمَ يَأْكُلُهُ التُّرَابُ إِلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ))، وفي قوله:
((كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ))، وقول ابن مسعود: كان رسول اللَّه ◌َ له إذا صلَّى يكبر في كل
خفض ورفع. وقوله بَّه: ((كُلُّ صَلَاةٍ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ الْكِتَابِ فَهِيَ خِدَاجٌ))،
وقد خصه الحنفية بالإمام والمنفرد، واستثنوا منه المقتدى، وقوله: ((كُلِّ شَيْءٍ خُلِقَ
مِنَ الْمَاءِ»، وقوله: ((كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاؤُونَ))، وقوله: ((كُلَّ بَنِي آدَمَ حَسُودٌ))، وغير
ذلك من الآيات والأحاديث. ولا يخفى على من له أدنى شيء من العقل والفهم أن
لفظ الكل في هذه الآيات والأحاديث ليس للاستغراق وإحاطة الأفراد؛ لفساد
المعنى في بعضها، ولزوم الاستحالة في بعضها مع ذلك إن حمل على العموم
والاستغراق، فعلم بذلك أن لفظ الكل لا يكون دائمًا للاستغراق الحقيقي التام.
ولذلك اتفق العلماء: على جواز تخصيص ألفاظ العموم كما صرح به في
((كشف الأسرار)) وغيره من كتب الأصول، حتى اشتهر عند الشافعية ما من عام إلا
وقد خص منه البعض. وقد صرح رئيس الطائفة القبورية في الهند الشيخ البريلوي
في فتاواه المطبوعة: أنه قد يطلق الكل ويراد به الأكثر. وإذا كان الأمر كذلك
جاز، بل وجب أن يقال: إن لفظ الكل في حديث معاذ بن جبل هذا ليس
للاستغراق، وعموم الأفراد؛ لقيام القرائن القوية والدلائل الواضحة على ذلك،
وكيف لا، وقد صرح رئيسهم المذكور وغيره من أتباعه أن ذات الله تعالى
وصفاته، وتجلياته، وما يكون بعد القيامة خارجة من علمه وَ له، قالوا: لا نَدَّعِي أن
علمه ◌َ لة محيط بذاته تقدس وتعالى، وصفاته وتجلياته، وما يكون بعد القيامة، بل
نقول: إنه ◌َّل﴾ كان عالمًا بجميع ما كان من بدء الخلق، وما يكون إلى قيام الساعة
إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، بعلم كلي تفصيلي محيط. فهذا
كما ترى صريح في أنهم قد خصوا علمه ظلّلا بما كان من بدء الخلق إلى قيام الساعة
فقط، واستثنوا منه ماعدا ذلك؟ فكأنهم صرحوا بصنيعهم هذا بأن لفظ الكل في
حديث معاذ هذا ليس للاستغراق والعموم، وهذا هو المطلوب.
وإذا كان ذلك كذلك؛ بطل استدلالهم به على ما ابتدعوه. ومما يدل على عدم
٢٣٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
إرادة الاستغراق في الحديث، الآيات والأحاديث الصريحة الدالة على نفى
علمه وَ له ببعض المغيبات من الممكنات، وقد تقدمت الإشارة إليه. ومما يدل
على ذلك أيضًا سياق هذا الحديث، فإنه يدل على أن المراد بقوله: (تَجَلَّى لِي كُلُّ
شَيْءٍ) أي: ظهر وانكشف لي كل شيء مما يتعلق باختصام الملأ الأعلى، لا جميع
ما كان وما يكون كما لا يخفى على المتأمل.
(وَعَرَفْتُ) تأكيد لما قبله. (فِي الْكَفَّارَاتِ) أي: للسيئات. (إِلَى الْجَمَاعَاتِ)
أي: الصلوات المكتوبات. (حِيْنَ الْكَرِيهَاتِ) أي: وقت المكروهات من أيام
البرد، أو أزمنة الغلاء في ثمن الماء. (قَالَ: ثُمَّ فِيمَ؟) أي: فيم يختصم الملأ
الأعلى أيضًا. (فِي الدَّرَجَاتِ) أي: في ما يرفع درجات الجنات العاليات.
(وَلِيْنُ الْكَلَامِ) أي: لطفه مع الأنام. (قَالَ: سَلْ، قَالَ: قُلْتُ) كذا في بعض
النسخ لـ((المشكاة)) وفي ((جامع الترمذي)): (قَالَ: قُلْتُ)) أي: بحذف (قَالَ) الثانية،
وهكذا في ((مسند أحمد)) (ج٥: ص٢٤٣). (وَأَسْأَلُكَ حُبَّك) قال الطيبي: يحتمل
أن يكون معناه أسألك حبك إياي، أو حبي إياك. وعلى هذا يحمل قوله: (وَحُبَّ
مَنْ يُحِبُّكَ). وقيل: الإضافة هنا إلى المفعول أنسب.
(وَحُبَّ عَمَلِ يُقَرِّبُنِي إِلَى حُبِّكَ) قال الطيبي: هذا يدل على أنه طالب لمحبته
ليعمل حتى يكَّون وسيلة إلى محبة الله إياه، فينبغي أن يحمل الحديث على أقصى
ما يكون من المحبة في الطرفين، ولعل السر في تسميته بحبيب الله لا يخلو من
هذا القول، انتهى. (إِنَّهَا) أي: هذه الرؤيا. (حَقٌّ)؛ لأن رؤيا الأنبياء وَحْيٌ.
(فَادْرُسُوهَا) أي: فاحفظوا الألفاظ التي ذكرتها لكم في ضمنها، أو أن هذه
الكلمات حق فادرسوها، أي: اقرؤوها. (ثُمَّ تَعَلَّمُوهَا) أي: معانيها الدالة هي
عليها. قال الطيبي: أي: لتعلموها، فحذف اللام أي: لام الأمر.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ) في تفسير سورة ((ص)). وأخرجه أيضًا ابن خزيمة
والدار قطني والحاكم والطبراني وابن عدي ومحمد بن نصر وابن مردويه وغيرهم.
وهذا الحديث هو الذي أشار إليه المصنف بعد ذكر حديث عبد الرحمن بن عائش
في الفصل الثاني عن الدارمي بقوله: وللترمذي مثله عنه، وعن ابن عباس، ومعاذ
ابن جبل. وقد تقدم الكلام فيه هناك مفصلًا.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
nese
٢٣١
٧٥٥ - [٦٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاص قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّه
وَ﴿ يَقُولُ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ: ((أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيم،
وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)) قَالَ: ((فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ قَالَ الشَّيْطَانُّ:
حُفِظَ مِنِّي سَائِرَ الْيَوْمِ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {صحيح}
الشّرْحُ
٧٥٥ - قوله: (إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ) أي: أراد دخوله عند وصول بابه. (الْعَظِيم)
ذاتًا وصفة. (وَسُلْطَانِهِ) أي: غلبته وقدرته. (الْقَدِيم) أي: الأزليِ الأبدي. (مِنَ
الشَّيْطَانِ) مأخوذ من شطن، أي: بَعُدَ، أي: المبعدَ من رحمة الله تعالى.
(الرَّجِيم) فعيل، بمعنى مفعول، أي: المطرود من باب اللَّه تعالى، أو المشتوم
بلعنة الله. والظاهر: أنه خبر معناه الدعاء، يعني: اللهم احفظني من وسوسته،
وإغوائه، وخطراته، وإضلاله، فإنه السبب في الضلالة، والباعث على الغواية
والجهالة، وإلا ففي الحقيقة إن الله هو الهادي المضل، ويحتمل أن يكون التعوذ
من صفاته وأخلاقه من: الحسد، والعجب، والكبر، والغرور، والإباء،
والإغواء.
(قَالَ) أي: رسول اللّهُ وَّهِ. (فَإِذَا قَالَ) أي: المؤمن. (ذَلِكَ) أي: القول
المذكور. (قَالَ الشَّيْطَانُ: حُفِظَ) أي: قائل هذا القول. (مِنِّي سَائِرَ الْيَوْم) أي: بقيته
أو جميعه، ويقاس عليه الليل، أو يراد باليوم: مطلق الوقت فيشمله، قال ابن حجر
المكي: إن أريد حفظه من جنس الشياطين تعين حمله على حفظه من كل شيء
مخصوص كأكبر الكبائر، أو من إبليس اللعين فقط، بقى الحفظ على عمومه، وما
يقع منه من إغواء جنوده. وإنما ذكرت ذلك؛ لأنا نرى ونعلم من يقول ذلك، ويقع
في كثير من الذنوب، فتعين حمل الحديث على ما ذكرته، انتهى.
قال القاري: وفيه: أن الظاهر: أن لام الشيطان للعهد، والمراد منه قرينه
(٧٥٥) أَبُو دَاوُد (٤٦٦) في الصَّلاة عن عبد الله بن عمرو.
Beex
٢٣٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الموكل على إغوائه، وبه يرتفع أصل الإشكال، والله أعلم. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ)
وسکت عليه هو والمنذري.
٧٥٦ - [٦٣] وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((اللَّهُمَّ لَا
تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنَّا يُعْبَدُ، اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمِ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ
مَسَاجِدَ)).
أَرَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا] {صحيح}
الشّرْجُ
٧٥٦ - قوله: (اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنَّا) بفتح الواو والمثلثة، وهو كل ما له
جثة معمولة من الجواهر أو الخشب والحجارة كصورة الآدمي. والصنم الصورة
بلا جثة. وقيل: هما سواء. وقد يطلق الوثن على غير الصورة. ومنه حديث عدي
ابن حاتم: قدمت على النبي وَّل﴿ وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: ((ألق هذا
الوثن عنك».
(يُعْبَدُ) بصيغة المجهول أي: لا تجعل قبري مثل الوثن في تعظيم الناس،
وعودهم للزيارة بعد بدئهم، واستقبالهم نحوه في السجود، كما نسمع ونشاهد
الآن في بعض المزارات والمشاهد، قاله القاري. وقال الباجي: دعاؤه وَّل أن لا
يجعل قبره وثنًا يعبد، تواضعًا، والتزامًا للعبودية لله تعالى، وإقرارًا بالعبودية،
وكراهية أن يشركه أحد في عبادته، وعن مالك: أنه كره لذلك أن يدفن في
المسجد. (اشْتَدَّ) استئناف، كأنه قيل: لِمَ تدعوا بهذا الدعاء؟ فأجاب بقوله:
(اشْتَدَّ)، (غَضَبُ اللَّهِ) ترحمًا على أمته، وتعطفًا لهم، قاله الطيبي.
وقال القاري: والأظهر أنه إخبار عما وقع في الأمم السالفة؛ تحذيرًا للأمة من
أن يفعلوا فعلهم، فيشتد غضبه عليهم. (عَلَى قَوْم) هم اليهود والنصارى كما تقدم.
(أَتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ) تقدم الكلام عليهً.
(رَوَاهُ مَالِك) أي: عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار. (مُرْسَلًا) أي: بحذف
(٧٥٦) مَالِك (٨٥) عن عطاء بن يسار مرسلًا.
كِتّابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
٢٣٣
الصحابي، قال ابن عبد البر: لا خلاف عن مالك في إرسال هذا الحديث، وهو
حديث غريب لا يكاد يوجد. قال: وزعم البزار أن مالكًا لم يتابعه أحد على هذا
الحديث إلا عمر بن محمد، عن زيد بن أسلم، وليس بمحفوظ عن النبي ◌َّ بوجه
من الوجوه إلا بهذا الوجه لا إسناد له غيره، إلا أن عمر بن محمد أسنده عن أبي
سعيد الخدري، عن النبيِ وَّل، وعمر بن محمد ثقة.
وقوله: (اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ ... ) الحديث، محفوظ من طرق كثيرة صحاح، هذا
كلام البزار. قال ابن عبد البر: مالك عند جميعهم حجة فيما نقل. وقد أسند حديثه
هذا عمر بن محمد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وهو من ثقات أشراف أهل
المدينة. فالحديث صحيح عند من يحتج بالمراسيل، وعند من قال بالمسند لإسناد
عمر بن محمد، وهو ممن تقبل زيادته، وله شاهد عند العقيلي من طريق سفيان،
عن حمزة بن المغيرة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة رفعه :
((اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنَّا، لَعَنَ اللَّهُ قَوْمًا اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ))، كذا في
((شرح الزرقاني))، و((تنوير الحوالك)) للسيوطي.
وفي (مجمع الزوائد)) (ج٢: ص٢٨): عن أبي سعيد الخدري، أن النبي وَل
قال: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ يُتَّخَذَ قَبْرِي وَثَنَّا؛ فَإِنَّ اللَّهَ تبارك وتعالى اشْتَدَّ غَضَبُهُ عَلَى
قَوْمِ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ)) رواه البزار. وفيه عمر بن صهبان، وقد أجمعوا
علَّ ضعفه.
٧٥٧ - [٦٤] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلِ قَالَ: كأَنَّ النَّبِيَّ وَهِ يَسْتَحِبُّ الصَّلاَةَ
فِي الْحِيطَانِ. قَالَ بَعْضُ رُوَاتِهِ: يَعْنِيَّ: الْبَسَاتِين.
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ أَبي جَعْفَرٍ،
وَالْحَسَنُ بْنُ أَبِ جَغَفَرَ قَدْ ضَغَّفَهُ يَجْيَى بَنُ سَعِيَدٍ وَغَيْرُهُ]
الشَّرْحُ
٧٥٧ - قوله: (يَسْتَحَبُّ) بصيغة المعلوم. (الصَّلَاةَ) أي: النافلة، أو مطلقًا.
(٧٥٧) التِّرْ مِذِي (٣٣٤) في الصَّلاة عن معاذ، وفيه ضعف.
٢٣٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(فِي الْحِيطَانِ) بكسر المهملة جمع الحائط، قال الجزري: الحائط: البستان من
النخل إذا كان عليه حائط وهو الجدار. قال العراقي: استحبابه وَّ الصلاة في
الحيطان يحتمل معاني :
أحدها: قصد الخلوة عن الناس فيها، وبه جزم ابن العربي.
الثاني: قصد حلول البركة في ثمارها ببركة الصلاة؛ فإنها جالبة للرزق.
الثالث: أن هذا من كرامة المزور أن يصلي في مكانه.
الرابع: أنها تحية كل منزل نزله أو توديعه، كذا في ((قوت المغتذي)).
(قَالَ بَعْضُ رُوَاتِهِ) هو أبو داود الطيالسي الراوي للحديث عن الحسن بن أبي
جعفر. (يَعْنِي: الْبَسَاتِينَ) جمع بستان. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وفي بعض النسخ: رواه
أحمد والترمذي، وهو غلط من الناسخ. (لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي
جَعْفَرٍ) الجفري - بضم الجيم وسكون الفاء - نسبة إلى جفرة خالد، مكان
بالبصرة. واسم أبيه عجلان. وقيل: عمرو الأزدي. ويقال: العدوي البصري.
(قَدْ ضَعَّفَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَغَيْرُهُ) كأحمد وابن المديني وأبي داود والعجلي.
وقال الساجي: منكر الحديث، من مناكيره حديث معاذ: كان يعجبه الصلاة في
الحيطان. وقال عمرو بن علي: صدوق، منكر الحديث. كان يحيى بن سعيد لا
يحدث عنه. وقال الأزدي: هو عندي ممن لا يتعمد الكذب، وهو صدوق.
وقال البخاري: منكر الحديث. وقال ابن حبان: من خِيَّارِ عُبَّادِ اللَّه الخُشَّنِ.
ضعفه يحيى وتركه أحمد، وكان من المتعبدين المُجَابِي الدعوة، ولکنه ممن غفل
عن صناعة الحديث وحِفْظِهِ، فإذا حدث وَهِمَ وقلب الأسانيد وهو لا يعلم، حتى
صار ممن لا يحتج به، وإن کان فاضاًا.
وقال الحافظ في ((التقريب)): ضعيف الحديث مع عبادته وفضله. مات سنة
(١٦٧) والظاهر: أنه ضعيف من قبل حفظه. ويحيى بن سعيد المذكور هو: يحيى
ابن سعيد بن فروخ، الإمام العلم سيد الحفاظ، القطان أبو سعيد التميمي، مولاهم
البصري الأحول، أحد أئمة الجرح والتعديل، وأحد فقهاء المحدثين ومجتهديهم،
ولد سنة (١٢٠) روى عن هشام بن عروة، وحميد الطويل، والأعمش، ويحيى بن
سعيد الأنصاري، وطبقتهم، فأكثر جدًّا. وعنه ابن المهدي، وأحمد ومسدد
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
SEKE
SEN
٢٣٥
وإسحاق وابن المديني، وابن معين، وعمرو بن علي الفلاس، وبندار، وأمم
سواهم .
قال الحافظُ: ثقة متقن، حافظ إمام قدوة. وقال أحمد: ما رأت عيناي مثله.
وقال ابن المديني: ما رأيت أحدًا أعلم بالرجال منه. وقال إسحاق بن إبراهيم بن
أبي حبيب الشهيد: كنت أرى يحيى القطان يصلي العصر، ثم يستند فيقف بين يديه
علي بن المديني وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والشاذكوني، وعمرو بن
على، يسألونه عن الحديث وهم قيام؛ هيبةً له.
وقال ابن عمار: كنت إذا نظرت إلى يحيى القطان ظننت أنه لا يحسن شيئًا، فإذا
تكلم أنْصَتَ له الفقهاء. وقال بندار: اختلفت إلى يحيى بن سعيد عشرين سنة، فما
أظن أنه عصى اللَّه قط. وقال ابن معين: أقام يحيى القطان عشرين سنة يختم القرآن
في كل ليلة، ولم يفته الزوال في المسجد أربعين سنة.
وقال ابن حبان: كان من سادات أهل زمانه حفظًا، وورعًا، وفهمًا، وفضاًا،
ودينًا، وعلمًا، وهو الذي مهد لأهل العراق رسم الحديث، وأمعن في البحث عن
الثقات، وترك الضعفاء. مات سنة (١٩٨) وله (٧٨) سنة. قال الذهبي في ((الميزان))
في ترجمة ابن عيينة: إن يحيى القطان متعنت جدًّا في الرجال، وهو غير ابن القطان
الحافظ الإمام أبي الحسن علي بن محمد الحميري الفاسي الشهير بابن القطان.
٧٥٨ - [٦٥] عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((صَلَاةُ
الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ بِصَلَاةٍ، وَصَلَّاَتُهُ فِي مَسْجِدِ الْقَبَائِلِ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ صَلَاَةً،
وَصَلاَتُهُ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي يُجَمَّعُ فِيهِ بِخَمْسِمِائَةِ صَّلَاَةٍ، وَصَّلَاتُهُ فِي الْمَسْجِدِ
الْأَقْصَى بِخَمْسِينَ أَلْفِ صَلَاةٍ، وَصَلاَتُهُ فِي مَسْجِدِي بِخَمْسِينَ أَلْفِ صَلَاةٍ،
[رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ] {ضعيف}
وَصَلَاتُهُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ».
الشَّرُْ
٧٥٨ - قوله: (صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ) أي: منفردًا، كذا قيل، والأظهر أن يكون
(٧٥٨) ابن مَاجَهْ (١٤١٣) في الصَّلاة عن أنس.
Beex
٢٣٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أعم. (بِصَلَاةٍ) أي: محسوبة بصلاة واحدة أي: لا يزداد له في الأجر بسبب
خصوص المكان، وهذا لا ينافي الزيادة التي ورد بها الشرع عمومًا؛ كقوله تعالى:
عے
﴿َمَنْ جَآءَ بِالْحَنَةٍ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠].
(فِي مَسْجِدِ الْقَبَائِلِ) أي: في المسجد الذي تجتمع فيه القبائل للصلاة جماعة.
والمراد به: مسجد الحَيِّ والمَحِلَّةِ. (بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ صَلَاةً) أي: بالإضافة إلى
صلاته في بيته لا مطلقًا. (وَصَلَاتُهُ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي يُجَمَّعُ فِیهِ) بتشديد الميم أي :
يصلي فيه الجمعة. (بِخَمْسِمِائَةٍ صَلَاةٍ) أي: بالنسبة إلى مسجد الحَيِّ. (فِي
الْمَسْجِدِ الأَقْصَى) أي: مسجد بيت المقدس، وسمي به؛ لبعده من المسجد
الحرام. وقيل: لبعده عن الأقذار والخبائث، والمقدس المطهر عن ذلك.
(بِخَمْسِينَ أَلْفِ صَلَاةٍ) أي: بالإضافة إلى ما قبله. (وَصَلاَتُهُ فِي مَسْجِدِي
بِخَمْسِينَ أَلْفِ صَلَاةٍ) أي: بالنسبة إلى ما يليه.
(وَصَلَاتُهُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ) أي: بالنسبة إلى مسجد المدينة
على ما يدل عليه سياق الكلام، فيحتاج إلى ضرب بعض الأعداد في بعض، فإنه
ينتج مضاعفة كثيرة، وبه يجمع بين الروايات، ذكره القاري. قال ابن حجر
المكي: قيل: إن هذا الحديث منكر؛ لأنه مخالف لما رواه الثقات، وقد يقال:
يمكن الجمع بينه وبين ما رووه بأن روايتهم: ((إِنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ تَعْدِلُ صَلَاةَ
الْمُنْفَرِدِ بِخَمْسٍ أَوْ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ)) تحمل على أن هذا كان أولًا، ثم زيد هذا المقدار
في المسجد الذّي تقامَّ فيه الجمعة، وكذا ما جاء: ((أَنَّ صَلَاةَ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى بِأَلْفٍ
فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ ، وَصَلَاَةً بِمَسْجِدِهِ وَّهِ بِأَلْفِ صَلَاةٍ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى)) كان أولًا
ثم زيد فيهما، فجعل الأول بخمسين ألفًا في سائر المساجد، والثاني بخمسين ألفًا
في المسجد الأقصى، ومسجد مكة بمائة ألف في مسجده عليه الصلاة والسلام،
وحينئذٍ فتزداد المضاعفة في مسجد مكة بأضعاف مضاعفة، فتأمله ضاربًا مائة ألف
في خمسين ألف ألف، ثم الحاصل في الخمسين ألفًا تجد صحة ما ذكرته، كذا في
((المرقاة)) .
(رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) في أواخر الصلاة من طريق أبي الخطاب الدمشقي، عن زريق
أبي عبد الله الألهاني عن أنس. قال في ((الزوائد)): إسناده ضعيف؛ لأن أبا الخطاب
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمَسَاحِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
٢٣٧
الدمشقي لا يعرف حاله. وزريق فيه مقال، حكى عن أبي زرعة أنه قال: لا بأس به.
ذكره ابن حبان في ((الثقات)) وفي ((الضعفاء))، وقال: يتفرد بالأشياء التي لا تشبه
حديث الإثبات. لا يجوز الاحتجاج بخبره إلا عند الوفاق، انتهى. وقال الذهبي في
((الميزان)): إنه حديث منكر جدًّا.
٧٥٩ - [٦٦] وَعَنْ أَبِي ذَرٍ قَالَ: قلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ
فِي الْأَرْضِ أَوَّلُ؟ قَالَ: ((الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ)) قَالَ: قلتُ: ثُمَّ أَيّ؟ قَالَ:
((الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى)) قلتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: «أَرْبَعُونَ عَامًا، ثُمَّ الْأَرْضُ
لَكَ مَسْجِدٌ، فَحَيْثُ مَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ بَعْدُ فَصَلٌّ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
الشَّرْجُ
٧٥٩- قوله: (وُضِعَ فِي الْأَرْضِ أَوَّلُ) بضم اللام، وهي ضمة بناء لقطعه عن
الإضافة مثل قبل وبعد. قال أبو البقاء: وهو الوجه. والتقدير: أول كل شيء،
ويجوز النصب منصرفًا أي: أولًا بالتنوين، كما في رواية للبخاري. وغير منصرف
لوزن الفعل والوصفية نحو قوله تعالى: ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٢].
(ثُمَّ أَيُّ) بالتنوين مشدَّدًا أي: ثم أي: مسجد وضع بعد المسجد الحرام؟ وهذا
الحديث يفسر المراد بقوله: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدَّى لِلْعَلَمِينَ
[آل عمران: ٩٦] ويدل على أن المراد بالبيت بيت العبادة لا مطلق البيوت، قاله
٩٦
الحافظ .
وقال الرازي في (تفسيره)): إن قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَّكَّةَ﴾
يحتمل أن يكون المراد كونه أولًا في الوضع والبناء، وأن يكون المراد كونه أولًا في
كونه مباركًا وهدى، ثم قال: إن دلالة الآية على الأولية في الفضل والشرف أمر لا
بد منه؛ لأن المقصود الأصلي بيان الفضيلة؛ لأن المقصود ترجيحه على بيت
المقدس، وهذا إنما يتم بالأولية في الفضيلة والشرف، ولا تأثير للأولية في البناء
(٧٥٩) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٣٣٦٦)، ومُسْلِم (٥٢٠) عنه.
٢٣٨
**
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
في هذا المقصد، إلا أن ثبوت الأولية بسبب الفضيلة لا ينافي ثبوت الأولية في
البناء .
(أَرْبَعُونَ عَامًا) فيه إشكال، وذلك أن المسجد الحرام بناه إبراهيم،فَلَّهُ بنص
القرآن، والمسجد الأقصى بناه سليمان عليه السلام، كما أخرجه النسائي من
حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وإسناده صحيح، وبين إبراهيم وسليمان
عليهما السلام أيام طويلة .
قال أهل التاريخ: أكثر من ألف سنة. وجوابه: أن الإشارة إلى أول البناء ووضع
أساس المسجد، وليس إبراهيم أول من بني الكعبة، ولا سليمان أول من بني بيت
المقدس، فقد روي أن أول من بنى الكعبة آدم، ثم انتشر ولده، فجائز أن يكون
بعضهم قد وضع بيت المقدس من بعده بأربعين عامًا .
قال القرطبي: يرتفع الإشكال بأن يقال: الآية والحديث لا يدلان على أن
إبراهيم وسليمان لَمَّا بَنَيَا المسجدين ابتدءا وضعهما لهما، بل ذاك تجديد لما كان
أسسه غيرهما وبدأه، وبناء آدم للكعبة مشهور، قلتُ: بل هو الذي أسس كلَّا من
المسجدين، فذكر ابن هشام في كتاب ((التيجان)) أن آدم لما بنى الكعبة أمره الله
بالسير إلى بيت المقدس، وأن يبنيه فبناه ونسك. والحاصل: أن المراد في
الحديث: بناءهما قبل بناء إبراهيم للمسجد الحرام وبناء سليمان للمسجد الأقصى،
فإبراهيم وسليمان عليهما السلام مجددان للبناء لا مؤسسان.
وقال ابن القيم في ((الهدي)) (ج١: ص٩): قد أشكل هذا الحديث على من لم
يعرف المراد به، فقال: معلوم أن سليمان بن داود الذي بنى المسجد الأقصى،
وبينه وبين إبراهيم أكثر من ألف عام. وهذا من جهل هذا القائل، فإن سليمان إنما
كان له من المسجد الأقصى وَلّ تجديده لا تأسيسه، والذي أسسه هو يعقوب بن
إسحاق صلى الله عليهما وسلم بعد بناء إبراهيم الكعبة بهذا المقدار، انتهى.
(ثُمَّ الْأَرْضُ لَكَ مَسْجِدٌ) أي: صالحة للصلاة فيها. ويخص هذا العموم بما ورد
فيه النهي. قال السندي: كلمة (ثُمَّ) للتراخي بالإخبار، والمراد: أنها كلها مسجد
ما دامت على الحالة الأصلية التي خلقت عليها. وأما إذا انتجست فلا. ذكره لبيان
أنه لا يؤخر الصلاة لإدراك فضل هذه المساجد.
٢٣٩
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمَسَاحِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
(فَحَيْثُ مَا أَدْرَ كَتْكَ الصَّلَاةُ) أي: وقت الصلاة. وفيه: إشارة إلى المحافظة على
الصلاة في أول وقتها. ويتضمن ذلك الندب إلى معرفة الأوقات. وفي بعض
الطرق: ((فَأَيْنَمَا أَدْرَ كَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ؛ فَإِنَّ الْفَضْلَ فِيهِ))، قال الحافظُ: في الحديث
إشارة إلى أن المكان الأفضل للعبادة، إذا لم يحصل لا يترك المأمور به لفواته، بل
يفعل المأمور في المفضول؛ لأنه وم ير كأنه فهم عن أبي ذر من تخصيصه السؤال عن
أول مسجد وضع، أنه يريد تخصيص صلاته فيه، فنبه على أن إيقاع الصلاة إذا
حضرت لا يتوقف على المكان الأفضل (فَصَلَّ) وفي بعض النسخ: ((فَصَلُّهْ)) بهاء
ساكنة، وهي هاء السكت.
قال الطيبي: يعني: سألت أبا ذر عن أماكن بنيت مساجد، واختصت العبادة
بها، وأيها أقدم زمانًا، فأخبرتك بوضع المسجدين، وتقدمهما على سائر
المساجد، ثم أخبرك بما أنعم الله علي وعلى أمتي من رفع الجناح، وتسوية
الأرض في أداء العبادة فيها. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الأنبياء ومسلم في
الصلاة، وأخرجه أيضًا النسائي وابن ماجه في الصلاة.