النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٧٠٧ - [١٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ: ((صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي
الْجَمَاعَةِ تُضَعَّفُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا،
وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ لاَ يُخْرِجُهُ إِلَّا
الصَّلَاةُ، لَمْ يَخْطُ خُطْوَةً إِلَّا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، فَإِذَا
صَلَّى لَمْ تَزَلِ الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مُصَلَّهُ؛ اللَّهم صَلِّ عليه، اللَّهَم
ارْحَمْهُ. وَلَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلَاةَ.
- وفي روايةٍ: إِذَا دَخَلَ الْمَسْجَدِ كَانَتِ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ. وَزَادَ فِي دَعَاءِ
المَلائِكَةِ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ)) مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ، مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
الشّرْحُ
٧٠٧- قوله: (صَلَاةُ الرَّجُلِ) أي: ثواب صلاته. (تُضَعَّفُ) بضم الفوقية
وتشديد العين أي: تزاد، يقال: ضعف الشيء إذا زاد. وضعفته وأضعفته وضاعفته
بمعنى، كذا في ((النهاية)). (عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ) أي: منفردًا؛ إذ الغالب
أن من لم يحضر الجماعة في المسجد صلى منفردًا، ولا يلزم من استواء الصلاة في
البيت والسوق في المفضولية عن المسجد أن لا يكون أحدهما أفضل من الآخر،
وكذا لا يلزم منه أن الصلاة جماعة في البيت أو السوق لا فضل فيها على الصلاة
منفردًا، بل الظاهر أن التضعيف المذكور مختص بالجماعة في المسجد، والصلاة
في البيت مطلقًا أولى منها في السوق؛ لما ورد من أن الأسواق موضع الشياطين،
والصلاة جماعة في البيت وفي السوق أولى من الانفراد.
(خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا) بكسر الضاد أي مِثْلًا، ووجه حذف التاء من ((خَمْسًا))
بتأويل الضعف بالدرجة أو بالصلاة، وتوضيحه: أن ضعفًا مميز مذكر فتجب التاء،
فقيل بالتأويل المذكور، وفي ((المصابيح)): ((خَمْسَةً وَعِشْرِينَ ضِعْفًا))، وكذا وقع
(٧٠٧) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٦٤٧)، ومُسْلِمٍ (٢٧٢ / ٦٤٩) (٢٧٤/ ٦٤٩) عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ، وأَبُو دَاوُد
(٤٦٩)، والتِّرْ مِذِي (٣٣٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّلَاةِ.

١٤١
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
في بعضٍ نسخ البخاري، والمرجع في سر الأعداد إلى علوم النبوة التي قصرت
عقول الأَلِيَّاءِ عن إدراك جملها وتفاصيلها. (وَذَلِكَ) إشارة إلى التضعيف الذي يدل
عليه قوله: ((تضعف)). (أَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ) قال الحافظُ: هذا ظاهر في أن الأمور
المذكورة علة للتضعيف المذكور؛ إذ التقدير: وذلك لأنه. فكأنه يقول:
التضعيف المذكور سببه كيت وكيت. وإذا كان كذلك، فما رتب على موضوعات
متعددة لا يوجد بوجود بعضها إلا إذا دل دليل على إلغاء ما ليس معتبرًا، أو ليس
مقصودًا لذاته، وهذه الزيادة التي في حديث أبي هريرة معقولة المعنى، فالأخذ بها
متوجه، والروايات المطلقة لا تنافيها بل يحمل مطلقها على هذه المقيدة.
(فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ) أي: أسبغه برعاية السنن والآداب. (لَا يُخْرِجُهُ إِلَّ الصَّلَاةُ)
أي: قصد الصلاة المكتوبة في جماعة، جملة حالية، والمضارع المنفي إذا وقع
حالًا يجوز فيه الواو وتركه. (لَمْ يَخْطُ) بفتح أوله وضم الطاء من خَطَا يَخْطُو
خَطْوًا: فتح ما بين قدميه ومشى. (خُطْوَةً) بضم أوله ويجوز الفتح، قال
الجوهري: الخطوة بالضم ما بين القدمين، وبالفتح المرة الواحدة. وجزم
اليعمري: أنها هنا بالفتح، وقال القرطبي: إنها في روايات مسلم بالضم. (تُصَلِّي
عَلَيْهِ) أي: تدعو له بالخير وتستغفر من ذنوبه، وتطلب له الرحمة. (مَا دَامَ) أي:
مدة دوامه .
(فِي مُصَلَّاهُ) بضم الميم، أي: في المكان الذي أوقع فيه الصلاة من المسجد،
وكذا لو قام إلى موضع آخرٍ من المسجد مع دوام نية انتظاره للصلاة، فالأول خرج
مخرج الغالب. (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ) أي: لم تزل الملائكة تصلي عليه حال كونهم
قائلين ذلك. (اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ) قال الطيبي: طلب الرحمة بعد طلب المغفرة؛ لأن
صلاة الملائكة استغفار لهم. (فِي صَلَاةٍ) أي: في ثواب صلاة. (مَا انْتَظَرَ الصَّلَاةَ)
أي: ما دام ينتظرها، سواء ثبت في مجلسه الذي صلى فيه من المسجد أم تحول إلى
غيره.
(وَفِي رِوَايَةٍ: إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ كَانَتِ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ) أي: تمنعه من الخروج من
المسجد، ولم أجد هذه الرواية في ((الصحيحين))، نعم وقع في رواية لهما: ((إِذَا
دَخَلَ الْمَسْجِدَ كَانَ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَتِ الصَّلَاةُ هِي تَحْبِسُهُ))، أي: مدة كون الصلاة

١٤٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
حابسة له بأن كان جالسًا لانتظار الصلاة، أما جلوسه بعد الصلاة لذكر أو اعتكاف
مثلًا، فلا يترتب عليه خصوص هذا الثواب، وإن كان فيه ثواب عظيم. (وَزَادَ) أي:
في هذه الرواية، وهذه الزيادة من إفراد مسلم.
(اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ) أي: وفقه للتوبة وتقبلها منه، أو ثبته عليها. (مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ)
أي: لا تزال الملائكة داعين له ما دام في مصلاه منتظرًا للصلاة، ما لم يؤذ في
مجلسه أحدًا من المسلمين بقوله أو فعله. وقيل: أي: ما لم يؤذ الملائكة، وإيذاؤه
إياهم بالحدث في المسجد، وهو معنى قوله: (مَا لَمْ يُحْدِثْ) من أحدث أي: ما لم
يَنْقُضْ وضوءه. وظاهره عموم النقض لغير الاختيار أيضًا، ويحتمل الخصوص،
ولفظ البخاري: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، مَا لَمْ يُؤْذِ يُحْدِثْ فِيهِ))، قال الحافظُ :
كذا للأكثر بالفعل المجزوم على البدلية، ويجوز بالرفع على الاستئناف.
وللكشمهيني: ((مَا لَمْ يُؤْذِ بِحَدَثٍ فِيهِ))، بلفظ الجار والمجرور متعلقًا بـ(يُؤْذٍ)).
وقال الكرماني: وفي بعض النسخ: ((مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ))، بطرح لفظ ((يؤذ))، أي:
ما لم ينقض الوضوء، فالمراد بالحدث: الناقض للوضوء، ويدل عليه ما روي: أن
أبا هريرة لما روى هذا الحديث قال له أبو رافع: ما يحدث؟ قال: يَفْسُو أو يَضْرِطُ،
وهو في بعض طرق الحديث عند مسلم، وقيل: يحتمل أن يكون المراد بالحدث
هنا أعم من الحدث الناقض للوضوء، أي: ما لم يحدث سوء، ويدل عليه رواية
أبي داود: ((مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ أَوْ يُحْدِثْ فِيهِ))؛ لأنه عطف قوله: ((أَوْ يُحْدِثْ)) على قوله:
(لَمْ يُؤْذِ فِيهِ))، قال ابن المهلب: معنى الحديث: أن الحدث في المسجد خطيئة
يُحْرَمُ بها المحْدِثُ استغفارَ الملائكة، ودعاءهم المرجو بركته.
وقيل: إخراج الريح من الدبر لا يحرم، لكن الأولى اجتنابه؛ لأن الملائكة
تتأذى بما يتأذى منه بنو آدم، كما يأتي في الحديث، ويؤخذ منه: أن الحدث
الأصغر - وإن منع دعاء الملائكة - لا يمنع جواز الجلوس في المسجد، كذا في
((المرقاة)). قال الحافظُ: في الحديث دليل على أن الحدث في المسجد أشد من
النخامة؛ لأن لها كفارة ولم يذكر لهذا كفارة بل عومل صاحبه بحرمان استغفار
الملائكة، ودعاء الملائكة مَرْجُوُّ الإجابة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ
أَرْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] قال: واستدل بالحديث على أفضلية الصلاة على غيرها من

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
١٤٣
الأعمال، لما ذكر من صلاة الملائكة عليه، ودعائهم له بالرحمة والمغفرة
والتوبة .
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) واللفظ إلى قوله: (مَا انْتَظَرَ الصَّلَاةَ) للبخاري، ولمسلم معناه. وأما
قوله: (اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ ... ) إلخ. فهو من إفراد مسلم كما تقدم، والحديث أخرجه
أيضًا أحمد وأبو داود، وابن ماجه بنحوه.
٧٠٨ - [١٥] وَعَنْ أَبِي أُسَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّهِ: ((إِذَا دَخَلَ
أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وَإِذَا خَرَجَ فَلْيَقُلْ:
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشّرْجُ
٧٠٨ - قوله: (عَنْ أَبِي أَسَيْدٍ) بضم الهمزة وفتح السين المهملة وسكون الياء،
اسمه مالك بن ربيعة بن البدن الساعدي الخزرجي مشهور بكنيته، صحابي جليل،
شهد بدرًا والمشاهد كلها، له ثمانية وعشرون حديثًا، اتفقا على حديث وانفرد
البخاري بحديثين، ومسلم بآخر، مات سنة (٣٠) وقيل: بعد ذلك حتى قال
المدائني: مات سنة (٦٠) وله (٨٧) سنة بعد ما ذهب بصره، قال: هو آخر من
مات من البدريين. (إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُم الْمَسْجِدَ) أي : أراد دخوله عند وصول بابه.
(فَلْيقُلْ: اللَّهُمَّ اقْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ) وفي روايةٍ أبي داود: ((فَلْيُسَلِّمُ عَلَى
النَّبِيِّ وََّ ثُمَّ لِيَقُلْ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي ... )) إلخ. (وَإِذَا خَرَجَ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكُ مِنْ
فَضْلِكَ). قال النووي: في الحديث استحباب هذا الذكر، وقد جاءت فيه أذكار
كثيرة غير هذا في ((سنن أبي داود)) وغيره ومختصر مجموعها: ((أَعُوذُ بِاللهِ الْعَظِيم،
وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم، بِسْمِ اللهِ وَ الْحَمْدُللهِ، اللَّهُمَّ
صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلٍ مُحَمَّدٍ وَسَلَّمْ، اللَّهُمَّ اغْفِرْلِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ
رَحْمَتِكَ))، وفي الخروج يقوله؛ لكن يقول: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ))، انتهى.
(٧٠٨) مسلمٌ (٦٨/ ٧١٣)، وأَبُو دَاوُد (٤٦٥)، والنَّسَائِي (٥٣/٢)، وابن مَاجَهْ (٧٧٢) عنه فِيهَا .

١٤٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وتخصيص الرحمة بالدخول والفضل بالخروج؛ لأن الرحمة في كتاب الله أريد به
النعم النفسانية والأخروية. قال تعالى: ﴿وَرَحْمَثُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف:
٣٢]، والفضل على النعم الدنيوية، قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاعُ أَنْ تَبْتَغُواْ
فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] وقال: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ فَأَنْتَشِرُواْ فِىِ الْأَرْضِ
وَأَبْنَغُواْ مِن فَضْلِ اَللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] ومن دخل المسجد يطلب القرب من الله،
ويشتغل بما يزلفه إلى ثوابه وجنته فيناسب ذكر الرحمة، والخروج وقت ابتغاء
الرزق، فناسب ذكر الفضل. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أبو داود، وكلاهما من
حديث أبي حميد - اسمه عبد الرحمن بن سعد الساعدي - أو أبي أسيد على
الشك، والنسائي عنهما من غير شك، وابن ماجه عن أبي حميد وحده.
٧٠٩ - [١٦] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: ((إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ
الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنٍ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
الشَّرْخُ
٧٠٩ - قوله: (إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ) عمومه يشمل أوقات الكراهة أيضًا.
فقيل: هذا الحديث مخصوص بغير أوقات الكراهة، وقيل: بل محمول على
عمومه، والكراهة في تلك الأوقات مخصوصة بالصلاة التي لا يكون لها سبب؛
لأن النبي ◌َّ صلى بعد العصر قضاء سُنَّةِ الظهر، فخص وقت النهي، وصلى به
ذات السبب، ولم يترك التحية في حال من الأحوال، بل أمر الذي دخل المسجد
يوم الجمعة وهو يخطب فجلس أن يقوم فيركع ركعتين، مع أن الصلاة في حال
الخطبة ممنوع منها إلا التحية، فلو كانت التحية تترك في حال من الأحوال لتركت
الآن؛ لأنه قعد وهي مشروعية قبل القعود، ولأنه كان يجهل حكمها، ولأن
النبي وَليلة قطع خطبته وكلمه وأمره أن يصلي التحية، فلولا شدة الاهتمام بالتحية
في جميع الأوقات لما اهتم هذا الاهتمام، قاله النووي.
(٧٠٩) البُخَارِي (٤٤٤)، مُسْلِم (٧١٤/٦٩)، التِّرْمِذِي (٣١٦)، النَّسَائِي (٢/ ٥٣)، ابن مَاجَهْ (١٠١٣)
عَنْهُ فِيهَا .

١٤٥
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
(فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنٍ) أي: فليصل ركعتين يعني: تحية المسجد، أو ما يقوم
مقامهما من صلاة فرض أو سنة؛ تعظيمًا للمسجد. قال النووي: لا يشترط أن ينوي
التحية بل تكفيه ركعتان من فرض وسنة راتبة أو غيرهما، ولو نوى بصلاته التحية
والمکتوبة انعقدت صلاته وحصلتا له، انتهى.
قال الحافظُ: قوله: ((ركعتين)). هذا العدد لا مفهوم لأكثره بالاتفاق، واختلف
في أقله، والصحيح اعتباره، فلا تتأدى هذه السنة بأقل من ركعتين. واتفق أئمة
الفتوى على أن الأمر في ذلك للندب. ونقل ابن بطال عن أهل الظاهر الوجوب،
والذي صرح به ابن حزم عدمه، ومن أدلة عدم الوجوب قوله وَلهر الذي رآه
يتخطى: ((اجْلِسْ فَقَدْ آذَّيْتَ))، ولم يأمره بصلاة، كذا استدل به الطحاوي وغيره،
وفيه نظر، انتهى. قال شيخنا: لعل وجه النظر أنه لا مانع له من أن يكون قد فعلها
في جانب من المسجد قبل وقوع التَّخَطِّي منه، أو أنه كان ذلك قبل وقوع الأمر بها
والنهي عن تركها. ومن أدلة عدم الوجوب: ما أخرجه ابن أبي شيبة عن زيد بن
أسلم، قال: كان أصحاب رسول اللَّه ◌َله يدخلون المسجد، ثم يخرجون ولا
يصلون. ومشروعية تحية المسجد لا تختص بمن قصد الجلوس في المسجد، بل
تسن لكل من دخل أراد الجلوس فيه أولا . ومن أدلة عدم الوجوب حديث كعب بن
مالك في تخلفه عن رسول الله وي ليه في غزوة تبوك، وفيه: حتى جئت، أي: إلى
المسجد فلما سلمت - أي: على رسول اللَّه ◌َليل - تبسم تبسم المغضب، ثم قال:
(تَعَالَ))، فجئت حتى جلست بين يديه ... الحديث، وفيه: فقال رسول اللَّه ◌َل :
((أَمَّا هَذَا فَقَدْ صَدَقَ، فَقُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللهُ فِيكَ))، فقمت فمضيت. فقوله: ((حتى
جئت ... )) إلخ. يدل بظاهره على أنه جلس بلا صلاة، وقوله: ((فمضيت)). على
أنه خرج بلا صلاة، وقد استنبط منه النسائي في ((سننه) الرخصة في الجلوس في
المسجد والخروج منه بغير صلاة.
قال الخطابي: في حديث أبي قتادة من الفقه أنه إذا دخل المسجد كان عليه أن
يصلي ركعتين تحية المسجد قبل أن يجلس، سواء كان ذلك في جمعة أو غيرها،
كان الإمام على المنبر أو لم يكن؛ لأن النبي ◌ِّ عم ولم يخص. قلتُ: هذا هو
الصحيح، وقد جاء مصرحًا في حديث جابر أن رجلًا جاء والنبي ◌ِّ يخطب،

١٤٦
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
فقال: ((أَصَلَّيتَ يَا فُلَانُ؟)) قال: لا، قال: ((قُمْ فَارْكَعْ))، وقد تقدم الإشارة إليه في
كلام النووي. واختلفوا فيمن جاء المسجد وقد ركع ركعتي الفجر في بيته، هل
يركع عند دخوله المسجد أم لا؟
فقال الشافعي: يركع. وهي رواية أشهب عن مالك. وقال أبو حنيفة: لا يركع.
وهي رواية ابن القاسم عن مالك. قال ابن رشد: وسبب اختلافهم معارضة الأمر
قوله عليه السلام: ((لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْفَجْرِ إِلَّا رَكْعَتِي الصُّبْح))، فهاهنا عمومان
وخصوصان: أحدهما في الزمان والآخر في الصلاة، وذلك أن حديث الأمر
بالصلاة عام في الزمان، خاص في الصلاة، وحديث النهي عام في الصلاة، خاص
في الزمان، فمن استثنى خاص الصلاة من عامها رأى الركوع بعد ركعتي الفجر،
ومن استثنی خاص الزمان من عامه لم یوجب ذلك، انتهى.
(قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ) الظاهر: أنه خرج مخرج الغالب من فعل الصلاة من قيام، فلو
جلس ليأتي بها وأتى بها فورًا من قعود جاز، وكذا لو أحرم بها قائمًا ثم أراد القعود
لإتمامها. قال ابن رسلان: المراد بالركعتين: الإحرام بهما، حتى لو صلاهما
قاعدًا كفى، سواء أحرم قائمًا ثم جلس، أو أحرم جالسًا واتصل إحرامه بأول
جلوسه؛ لأن النهي عن جلوس في غير صلاة، انتهى. ثم إنه إذا خالف وجلس قبل
أن يصلي يشرع له التدارك، ولا تفوت بالجلوس؛ لما روى ابن حبان في ((صحيحه))
من حديث أبي ذر أنه دخل المسجد؛ فقال له النبي وَّر: ((أركعت ركعتين؟)) قال:
لا، قال: ((قم فاركعهما)). ترجم عليه ابن حبان أن تحية المسجد لا تفوت
بالجلوس، ومثله قصة سليك الغطفاني. ويحتمل أن تحمل مشروعيتهما بعد
الجلوس على ما إذا لم يطل الفصل. قال القاري: وما يفعله بعض العوام من
الجلوس أولًا، ثم القيام للصلاة ثانيًا باطل لا أصل له.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا مالك وأحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن
ماجه .

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
١٤٧
٧١٠ - [١٧] وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ لَا يَقْدَمُ مِنْ سَفَرِ
إِلَّا نَهَارًا فِي الضُّحَى، فَإِذَا قَدِمَ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنٍ، ثُمَّ جَلَسِّ
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
فِیهِ.
الشَّرْحُ
٧١٠- قوله: (لَا يَقْدَمُ) بفتح الدال، أي: لا يرجع. (إِلَّا نَهَارًا فِي الصُّحَى)
بضم المعجمة والقصر، وهو وقت تشرق الشمس، قيل: الحكمة في ذلك أنه
وقت نشاط، فلا مشقة على أصحابه في المجيء إليه بخلاف نصف النهار؛ فإنه
وقت نوم وراحة، وبخلاف أواخره، لأنه وقت اشتغال بأسباب العشاء ونحوه،
وبخلاف الليل فإنه يشق الحركة فيه. (بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ) أي: بدخوله.
(فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ) هذا فعله ◌َله، ولا يتوهم أنه من خصائصه؛ لأنه قد أمر
جابرًا بصلاة القدوم من السفر، وحديثه عند الشيخين وغيرهما، وفي الحديثين
استحباب ركعتين للقادم من سفره في المسجد أول قدومه، وهذه الصلاة مقصودة
للقدوم من السفر ينوي بها صلاة القدوم، لا أنها تحية المسجد التي أمر الداخل بها
قبل أن يجلس، لكن تحصل التحية بها.
(ثُمَّ جَلَسَ فِيهِ) قبل أن يدخل بيته ليزوره المسلمون؛ شفقة على خلق الله.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أبو داود والنسائي، وهو طرف من حديث طويل
لكعب بن مالك في قصة تخلفه عن رسول اللّه ◌َ لّ في غزوة تبوك وتوبته.
(٧١٠) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي في الجهاد (٣٠٨٨)، ومُسْلِم (٢٧٦٩) فِي الصَّلَاةِ عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِك،
وَهُوَ طَرَفْ مِنَ الحَدِيثِ الطَّوِيلِ.

١٤٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٧١١ - [١٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَِلَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: (مَنْ
سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ فَلْيَقُلْ: لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ، فَإِنَّ
الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشَّرْجُ
٧١١ - قوله: (يَنْشُدُ ضَالَّةً) أي: يطلبها برفع الصوت، وينشد بفتح الياء وضم
الشين، يقال: نشد الضالة أي: نادى وسأل عنها وطلبها، وهو من النشد رفع
الصوت، والضالة تطلق على الذكر والأنثى، والجمع ضَوَال كدابة ودواب، وهي
مختصة بالحيوان الضائع، ويقال لغير الحيوان: ضائع ولقيط. (فِي الْمَسْجِدِ)
متعلق بـ(ينشد)). (فَلْيَقُلْ) أي: السامع يعني: عقوبة له لارتكابه في المسجد ما لا
يجوز، وظاهره أنه يقوله جهرًا.
(لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ) معناه ما رد اللَّه الضالة إليك وما وجدتها. قال السندي:
يحتمل أنه دعاء عليه، فكلمة لا لنفي الماضي، ودخولها على الماضي بلا تكرار
جائز في الدعاء، وفي غير الدعاء الغالب هو التكرار، كقوله تعالى: ﴿فَلَ صَدَّفَ وَلَا
صَلَّى
[القيامة: ٣١] ويحتمل أن ((لَا)) ناهية، أي: لا تنشد، وقوله: ((رَدَّهَا اللهُ
عَلَيْك))، دعاء له لإظهار أن النهي عنه نصح له؛ إذ الداعي بالخير لا ينهى إلا نصحًا،
لكن اللائق حينئذٍ الفصل بأن يقال: لا، وردها اللَّه عليك، بالواو؛ لأن تركها
يوهم، إلا أن يقال: الموضع موضع زجر، ولا يضر به الإيهام؛ لكونه إيهام شيء
هو آكد في الزجر، انتهى.
(فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا) أي: لِنُشْدَانِ الضالة ونحوه، بل بنيت لذكر الله
والصلاة، والعلم والمذاكرة في الخير، ونحوهما. وقوله: (فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ ... )
إلخ. يحتمل أنه في حيز القول، فلا بد أن يقوله القائل تعليلاً لقوله، ويؤيده حديث
بريدة عند مسلم: أن رجلاً نشد في المسجد فقال: مَنْ دَعَا إِلَى الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ؟
(٧١١) مُسْلِم (٧٩/ ٥٦٨)، وَأَبُو دَاوُد (٤٧٣)، وَابن مَاجَهْ (٧٦٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهَا.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
EN SESeRiENse
١٤٩
فقال النبي ◌َّ: (لَا وَجَدْتَهُ، إِنَّمَا بُنِيَتِ الْمَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ)). ويحتمل أنه تعليل
لقوله: ((فَلْيَقُلْ))، فلا حاجة إلى أن يقول.
والحديث: دليل على تحريم السؤال برفع الصوت عن ضالة الحيوان في
المسجد، وهل يلحق به السؤال عن غيرها من المتاع ولو ذهب في المسجد؟ قيل :
يلحق للعلة، وهي قوله: ((فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا»، وإن من ذهب عليه متاع فيه،
أو في غيره قعد في باب المسجد يسأل الخارجين والداخلين إليه. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ)
وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود وابن ماجه.
٧١٢ - [١٩] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ
الشَّجَرَةِ الْمُنْتَِةِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَّسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَنَّى مِنْهُ
الإِنْسُ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
الشّرْخُ
٧١٢ - قوله: (مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْمُنْتِنَةِ) بضم الميم وكسر التاء الفوقية، من
أنتن الشيء، أي: خبثت رائحته، يعني بها الثوم، كما وقع في رواية للشیخین،
وفي رواية لمسلم: ((مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ، وَالثَّوْمَ، وَالْكُرَّاثَ)). وفي قوله: ((شجرة))،
مجاز؛ لأن المعروف في اللغة أن الشجرة ما کان لها ساق، وما لا ساق له يقال له :
﴾ [الرحمن: ٦]
نَجْمٌ، وبهذا فسر ابن عباس قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ
ومن أهل اللغة من قال: كل ما ثبت له أرومة أي أصل في الأرض يخلف ما قطع
من ظاهرها فهو شجر، وما ليس لها أرومة تبقى فهو نجم. قال العيني: فإن قلت
على ما ذكر: كيف أطلق الشجر على الثوم ونحوه؟ قلتُ: قد يطلق كل منهما على
الآخر، وتكلم أفصح الفصحاء به من أقوى الدلائل، انتهى.
والمراد بالثوم في الحديث: النيئ منه، وأما المطبوخ فلا كراهة فيه؛ لما روى
أبو داود والترمذي من حديث علي قال: ((نهي عن أكل الثوم إلا مطبوخًا))، ولما
(٧١٢) مُسْلِمٌ (٧٢ / ٥٦٤) فِي الصَّلاَةِ عَنْ جَابِرٍ .

١٥٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ix29
يأتي في الفصل الثاني من حديث معاوية بن قرة، عن أبيه: أن النبي وَّ نهى عن
هاتين الشجرتين، الحديث. وفيه: ((إن كنتم لا بد آكليهما، فأميتوهما طبخًا)).
فهذان الحديثان يفيدان تقييد ما ورد من الأحاديث المطلقة في النهي. ويلحق بما
نص عليه في الحديث من الثوم في رواية، والبصل والكراث في أخرى، والفجل
في رواية ((المعجم الصغير)) للطبراني، كل ما له رائحة كريهة من المأكولات
وغيرها لا سيما التتن، والتبغ، والتنباك، والسيجارة، وإنما خص الثوم، والبصل،
والكراث، والفجل، بالذِّكْر لكثرة أكلهم بها.
(فَلَا يَقْرَبَنَّ) بفتح الراء والباء الموحدة وبنون التأكيد المشددة. (مَسْجِدَنَا) يريد
به المكان الذي أعد ليصلى فيه مدة إقامته بخيبر؛ لأن القول المذكور صدر منه واخيه
عقب فتح خيبر، أو المراد بالمسجد: الجنس، والإضافة إلى المسلمين، أي: فلا
يقربن مسجد المسلمين، ويؤيده رواية أحمد بلفظ: ((فَلَا يَقْرَبَنَّ الْمَسَاجِدَ)) ونحوه
لمسلم، وهذا يدفع قول من خص النهي بمسجد النبي وَالر؛ لأن لفظ ((المساجد)) لا
يساعده، وكذا التعليل بتأذي الملائكة؛ لأن ذلك يوجد في المساجد كلها، ثم إن
ظاهر التقييد بالمساجد يقتضي أن قربهم في الأسواق غير منهي عنه، ويؤيده
التعليل؛ لأن المساجد محل اجتماع الملائكة دون الأسواق، وكان المقصود
مراعاة الملائكة الحاضرين في المساجد الخيرات، وإلا فالإنسان لا يخلو عن
صحبة ملك، فينبغي له دوام الترك لهذه العلة، قاله السندي.
قلتُ: قد وقع في حديث أنس عند الشيخين: ((فَلَا يَقْرَبْنَا)) قال الحافظُ: ليس في
هذا تقييد النهي بالمسجد، فيستدل بعمومه على إلحاق المجامع بالمساجد
كمصلى العيد والجنازة، ومكان الوليمة، وقد ألحقها بعضهم بالقياس، والتمسك
بهذا العموم أولى، ونظيره قوله: ((وليقعد في بيته)). لكن قد علل المنع في الحديث
بترك أذى الملائكة وترك أذى المسلمين. كما في حديث أبي هريرة عند مسلم:
((فَلَا يَقْرَ بَنَّ مَسْجِدَنَا، وَلَا يُؤْذِينَا بِرِيح الثَّوْم)) فإن كان كل منهما جزء علة اختص النهي
بالمساجد وما في معناها، وهذا هوَ الأظَهر، وإلا لعم النهي كل مجمع كالأسواق،
انتھی .
وقال ابن دقيق العيد: والظاهر أن كل واحد منهما علة مستقلة، انتهى. وعلى
هذا الأسواق كغيرها من مجامع العبادات. (فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى) أريد بهم

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمَسَاجدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
١٥١
الحاضرون مواضع العبادات عامة، ويدل هذا التعليل على أنه لا يدخل المسجد،
وإن كان خاليًا عن الإنسان؛ لأنه محل ملائكة.
فقوله: (مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ الْإِنْسُ) بكسر الهمزة يكون محمولًا على تقدير وجودهم
فيه. والحديث: يدل على جواز أكل الثوم وغيره من البقول مما فيه رائحة كريهة
مطبوخًا كان أو غير مطبوخ لمن قعد في بيته، وعند حضور المسجد، إذا كان
مطبوخًا لئلا يؤذي برائحته الخبيثة من يحضره من الملائكة وبني آدم، فالنهي، إنما
هو عن حضور المسجد بعد أكل الثوم النيئ ونحوه لا عن أكل الثوم والبصل
ونحوهما، فهذه البقول حلال؛ لقوله وَله: ((كُلْ فَإِنِّي أَنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي)»،
وقوله وَثَةِ: ((أَيُّهَا النَّاسُ، لَيْسَ لِي تَحْرِيمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لِي))، وشذ أهل الظاهر فحرموا
هذه الأشياء لإفضائها إلى ترك الجماعة، وهي عندهم فرض عين، وتقريره: أن
يقال: صلاة الجماعة فرض، ولا تتم إلا بترك أكلها وما لا يتم الواجب إلا به فهو
واجب، فترك أكلها واجب، فتكون حرامًا، كذا نقله ابن دقيق العيد وغيره عن أهل
الظاهر، لكن صرح ابن حزم منهم بأن أكلها حلال مع قوله بأن الجماعة فرض عين،
وانفصل عن اللزوم المذكور بأن المنع من أكلها مختص بمن علم بخروج الوقت
قبل زوال الرائحة، ونظيره أن صلاة الجمعة فرض عين بشروطها، ومع ذلك تسقط
بالسفر، وهو في أصله مباح لكن يحرم على من أنشأه بعد سماع النداء.
قلتُ: الحديث قد استدل به على أن صلاة الجماعة ليست فرض عين، قال ابن
دقيق العيد: وتقريره أن يقال: أكل هذه الأمور جائز، ومن لوازمه ترك صلاة
الجماعة في حق آكلها، ولازم الجائز جائز، فيكون ترك صلاة الجماعة في حق
آكلها جائزًا، وذلك ينافي الوجوب، قال: وقد يستدل بهذا الحديث على أن أكل
هذه الأمور من الأعذار المرخصة في ترك حضور الجماعة، وقد يقال: إن هذا
الكلام خرج مخرج الزجر عنها، فلا يقتضي ذلك أن يكون عذرًا في تركها إلا أن
تدعو إلى أكلها ضرورة، قال: ويبعد هذا من وجه تقريبه إلى بعض أصحابه فإن
ذلك ينفي الزجر، انتهى.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) واللفظ لمسلم، وأخرجه أيضًا أحمد، والترمذي في الأطعمة
والنسائي في الصلاة وفي الباب روايات عن جماعة من الصحابة عند الشيخين
وغيرهما بألفاظ متقاربة.

١٥٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
٧١٣ - [٢٠] وَعَنْ أَنَس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَِّهِ: «الْبُزَّاقُ فِي
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهًّا)).
الشَّرْجُ
٧١٣ - قوله: (الْبُزَاقُ) أي: إلقاؤه، وهو بضم الباء بعدها زاي، وفي رواية
لمسلم: ((التَّقْلُ)) بدل البزاق، وفي رواية النسائي: ((الْبُصَاقُ)) بالصاد والتفل بفتح
المثناة فوق وسكون الفاء هو البزاق والبصاق، وهما ماء الفم إذا خرج منه، وما دام
فيه فهو ريق. (فِي الْمَسْجِدِ) أي: في أرضه وجدرانه، قال الحافظَ: قوله: ((في
المسجد)). ظرف للفعل فلا يشترط كون الفاعل فيه، حتى لو بصق من هو خارج
المسجد فيه تناوله النهي. (خَطِيئَةٌ) بالهمزة أي إثم، وفي رواية لأحمد: ((سَيِّئَة))،
ومثل البزاق المخاط والنخامة بل أولى. قال القاضي عياض: إنما يكون خطيئة إن
لم يدفنه، فمن أراد دفنه فلا، ورده النووي فقال: هو خلاف صريح الحديث.
فالبزاق في المسجد عنده خطيئة مطلقًا، أراد دفنه أو لا. قال الحافظً: وحاصل
النزاع أن هاهنا عمومين تعارضا وهما قوله: ((البزاق في المسجد خطيئة)). وقوله:
((وليبصق عن يساره أو تحت قدمه))، فالنووي يجعل الأول عامًّا ويخص الثاني بما
إذا لم يكن في المسجد، والقاضي بخلافه يجعل الثاني عامًّا ويخص الأول بمن لم
يرد دفنها. وقد وافق القاضي جماعة، منهم ابن مكي في ((التنقيب))، والقرطبي في
((المفهم))، ويشهد لهم ما رواه أحمد والطبراني بإسناد حسن من حديث أبي أمامة
مرفوعًا، قال: ((مَنْ تَنَخَّعَ فِي الْمَسْجِدِ فَلَمْ يَدْفِنْهُ فَسَيِّئَةٌ، وَإِنْ دَفَنَهُ فَحَسَنَةٌ))، فلم
يجعله سيئة إلا بقيد عدم الدفن، ونحوه حديث أبي ذر عند مسلم مرفوعًا قال:
((وَجَدْتُ فِي مَسَاوئٍ أَعْمَالِ أُمَّتِي: النُّخَاعَةَ تَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ لَا تُدْفَنُ)).
قال القرطبي: فلم يثبت لها حكم السيئة بمجرد إيقاعها في المسجد بل به
وبتركها غير مدفونة، انتهى. ومما يدل على أن عمومه مخصوص جواز ذلك في
الثوب، ولو كان في المسجد بلا خلاف، وعند أبي داود من حديث عبد الله بن
(٧١٣) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٤١٥)، ومُسْلِم (٥٥/ ٥٥٢) فِي الصَّلاَةِ عَنْ أَنَسٍ رَهُ .

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
جو
١٥٣
الشخير: أنه صلَّى مع النبي ◌َلّ فَبصقَ تحت قدمه اليسرى، ثم دلكه بنعله. إسناده
صحيح، وأصله في مسلم، والظاهر أن ذلك كان في المسجد فيؤيد ما تقدم.
وتوسط بعضهم، فحمل الجواز على ما إذا كان له عذر كأن لم يتمكن من الخروج
من المسجد، والمنع على ما إذا لم يكن له عذر، وهو تفصيل حسن، انتهى كلام
الحافظ باختصار یسیر .
(وَكَفَّارَتُهَا) أي: كفارة الخطيئة إذا فعلها (دَفْتُهَا) أي: في تراب المسجد ورمله
وحصياته إن كان، وإلا فيخرجها، يعني: أنه إذا أزال ذلك البزاق، أو ستره بشيء
طاهر عقيب الإلقاء زال منه تلك الخطيئة، قال الحافظُ: قال ابن أبي جمرة: لم
يقل: وكفارتها تغطيتها؛ لأن التغطية يستمر الضرر بها؛ إذ لا يأمن أن يجلس غيره
عليها فتؤذيه، بخلاف الدفن، فإنه يفهم منه التعميق في باطن الأرض، انتهى.
قيل: إن لم يكن المسجد ذا تراب، وكان ذا حصير لا يجوز إلقاء البزاق فيه
احترامًا للمالية. قلتُ: إذا احتاج إلى دفع البزاق، وكان المسجد مجصصًا
ومبلطًا، فألقى البزاق تحت قدمه اليسرى ودلكه بحيث لم يبق في المسجد للبزاق
أثر فلا حرج، وعلى هذا يحمل حديث عبد الله بن الشخير الذي تقدم في كلام
الحافظ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا الترمذي، وأبو داود والنسائي.
٧١٤ - [٢١] وَعَنْ أَبِي ذَرِ رَوْنَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهُ: ((عُرِضَتْ
عَلَيَّ أَعْمَالُ أُمَّتِي حَسَنُهَا وَسَيُِّهَا، فَوَجَدْتُ فِي مَحَاسِنِ أَعْمَالِهَا الْأَذَى يُمَاطُ
عَنِ الطَّرِيقِ، وَوَجَدْتُ فِي مَسَاوِي أَعْمَالِهَا: النُّخَاعَةَ تَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ لَا
تُدْفَرُ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشرحُ
٧١٤ - قوله: (عُرِضَتْ عَلَيَّ) أي: إجمالًا أو تفصيلاً. (حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا) بالرفع
عطف بيان للأعمال أو بدل اشتمال. (فِي مَحَاسِنِ أَعْمَالِهَا) جمع حسن بالضم
(٧١٤) مُسْلِم (٥٧/ ٥٥٤) فِيهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ .

١٥٤
en eser
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والسكون على غير قياس. (الأَذَى) أي: المؤذي يعني إزالته، واللام فيه للجنس.
(يُمَاطُ) أي: يزال. (عَنِ الطَّرِيقِ) صفة الأذى، قاله الطيبي. وفيه: التنبيه على أن
كل ما نفع المسلمين، أو أزال عنهم ضرارًا كان من حسن الأعمال.
(مَسَاوِي أَعْمَالِهَا) جمع سوء على غير قياس والياء منقلبة عن الهمزة. (النُّخَاعَةَ)
بضم النون أي: البزاقة التي تخرج من أصل الفم، والمراد: إلقاؤها، وقيل:
المراد بها: البزاق. (تَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ) صفة النخاعة. (لَا تُدْفَرُ) قال ابن الملك:
الجملتان صفتان أو حالان أي: متداخلتان أو مترادفتان. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه
أيضًا أحمد، وابن ماجه وابن حبان.
٧١٥ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((إِذَا قَامَ
أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَلَا يَبْصُقْ أَمَامَهُ، فَإِنَّمَا يُنَاجِي اللَّهَ مَا دَامَ فِي مُصَلَّهُ، وَلَا
عَنْ يَمِينِهِ فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكًّا، وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ، فَيَدْفِئُهَا)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
الشَّرْجُ
٧١٥ - قوله: (إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ) أي: شرع فيها، ففي حديث أنس
عند الشيخين: ((إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ))، وفي حديث عبد الله بن عمر عندهما
أيضًا: ((إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي)). (فَلَا يَبْصُقْ) بالصاد والجزم على النهي، وقيل:
نفي معناه النهي. (أَمَامَهُ) بفتح الهمزة، أي: قدامه، وظاهر الإطلاق يعم المسجد
وغيره، بل الواقعة كانت في المسجد، كما يدل عليه سبب الحديث فيدل على أن
الحكم ليس معللًا بتعظيم المسجد وإلا لكان اليمين واليسار سواء، بل المنع عن
تلقاء الوجه للتعظيم بحالة المناجاة مع الرب تعالى، وعن اليمين للتأدب مع ملك
اليمين كما يفهم من الأحاديث، قاله السندي.
(فَإِنَّمَا يُنَاجِي اللَّهَ) والمناجاة من قِبَلِ العبد حقيقة، ومن قِبَلِ اللَّه إقباله تعالى
(٧١٥) البُخَارِي (٤١٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهَا.

كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
١٥٥
عليه بالرحمة والرضوان فمناجاة الله مجاز؛ إذ المناجاة هي المسارة بين الاثنين،
ولا كلام محسوسًا إلا من طرف العبد فيكون المراد لازم المناجاة وهو إرادة
الخير.
(مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ) أي: ومن يناجي أحدًا مثلًا لا يبصق نحوه، وظاهره يقتضي
تخصيص المنع بحالة الصلاة، لكن التعليل بتأذي المسلم في حديث سعد بن أبي
وقاص مرفوعًا عند أحمد بإسناد حسن: ((مَنْ تَنَخَّمَ فِي الْمَسْجِدِ، فَلْيُغَيِّبْ نُخَامَتَهُ أَنْ
تُصِيبَ جِلْدَ مُؤْمِنٌ أَوْ ثَوْبَهُ فَتُؤْذِيَهِ))، يقتضي المنع في جدار المسجد مطلقًا، ولو لم
يكن في الصلاة، فيجمع بأن يقال: كونه في الصلاة أشد إثمًا مطلقًا، وكونه في
جدار القبلة أشد إثمًا من كونه في غيرها من جدار المسجد.
(وَلَا عَنْ يَمِينِهِ) تعظيمًا لليمين، وزيادة لشرفها .
(فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكًا) لا بد من وجه يقتضي اختصاص المنع باليمين لأجل
الملك، إذ الملك في يساره أيضًا، وذلك الوجه هو أن يقال: أن ملك اليمين يكتب
حسنات المصلي في حالة صلاته، والصلاة هي أم الحسنات البدنية، وهي أيضًا
تَنْهَى عن الفحشاء والمنكر، فلا دخل لكاتب السيآت الكائن عن اليسار فيها،
ويكون هو فارغًا. وأحسن ما قيل فيه: أن لكل أحد قرينًا أي: شيطانًا، وموقعه
يساره، كما في حديث أبي أمامة عند الطبراني: ((فَإِنَّهُ يَقُومُ بَيْنَ يَدَي اللهِ، وَمَلَكُهُ
عَنْ يَمِينِهِ، وَقَرِينُهُ عَلَى يَسَارِهِ»، فَلَعَلَّ المصلي إذا تفل عن يساره يقع على قرينه وهو
الشيطان، ولعل ملك اليسار حينئذٍ يكون بحيث لا يصيبه شيء من ذلك، أو أنه
يتحول في الصلاة إلى اليمين. وقيل: التنكير في ((مَلَكًا)) للتعظيم أي: ملكًا
عظيمًا، فلا يشكل بأن على اليسار أيضًا ملكًا.
وقال الطيبي: يحتمل أن يراد ملك آخر غير الحفظة يحضر عند الصلاة للتأييد،
والإلهام، والتأمين على دعائه، فسبيله سبيل الزائر، فيجب أن يكرم زائره فوق من
يحفظه من الكرام الكاتبين.
(وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ) أي: إن كان فارغًا.
قال الخطابي: إن كان عن يساره أحد، فلا يبزق في واحد من الجهتين، لكن

١٥٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
تحت قدمه أو ثوبه. ويؤيده ما رواه أبو داود من حديث طارق المحاربي مرفوعًا،
فإنه قال فيه: ((وَلَكِنْ عَنْ تِلْقَاءِ يَسِارِهِ إِنْ كَانَ فَارِغًا، أَوْ تَحْتَ قَدْمِهِ الْيُسْرَى، ثُمَّ لِيَقُلْ
بِهِ))، وفي رواية النسائي: ((أَوْ تِلْقَاءَ شِمَالِكَ، إِنْ كَانَ فَارِغًا، وَإِلَّا فَهَكَذَا - وَبَزَقَ
تَحْتَ رِجْلِهِ وَدَلَكَهُ))، ومعنى قوله: ((فَارِخًا)) أي: متمكنًا من البزق في يساره،
وقوله: ((ثُمَّ لِيَقُلْ بِهِ)) أي: ليدفنه إذا بزقه تحت قدمه اليسرى.
(أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ) أي: اليسرى و((أو)) للتنويع أي إذا تعذر في جهة اليسار لوجود
مُصَلِّ فیها بصق تحت قدمه.
(فَيَدْفِنَهَا) بنصب النون؛ لأنه جواب الأمر، وبرفعها على أنها خبر مبتدأ
محذوف، أي: فهو يدفنها، ويجوز الجزم عطفًا على الأمر، وتأنيث الضمير في
((فَيَدْفِتَهَا)) بتأويل البصقة التي يدل عليها قوله: (وَلْيَبْصُقْ) أي: فيغيب البصقة
بالتعميق في باطن أرض المسجد بحيث يأمن الجالس عليها من الإيذاء، فلو كان
المسجد غير ترابي فيدلكها بشيء حتى يذهب أثرها البتة، وإذا بدره البزاق ولم يكن
يساره فارغًا، وكان تحت قدمه فراش من ثوب ونحوه تعين الثوب للبزق فيتفل فيه،
ثم يرد بعضه على بعض، ولو فقد الثوب مثلًا فلعل بَلْعَهُ أولى من ارتكاب المنهي
عنه .
٧١٦ - [٢٣] وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي سَعِيدٍ: ((تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
الشَّرْحُ
٧١٦ - قوله: (وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي سَعِيدٍ) أي: عند الشيخين. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) واللفظ
للبخاري، وفي الباب عن أنس، وابن عمر، وأبي سعيد عند الشيخين، وجابر بن
عبد الله عند أبي داود وغيره.
(٧١٦) البُخَارِي (٤٠٨)، (٤٠٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ فِي الصَّلَاةِ.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
١٥٧
بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
٧١٧ - [٢٤] وَعَنْ عَائِشَةَ رَ﴿ُّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَ قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي
لَمْ يَقُمْ مِنْهُ: (لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اَتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
الشّرْخُ
٧١٧ - قوله: (قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ) كأنه ◌ََّ علم أنه مرتحل من
ذلك المرض، فخاف أن يُعَظّمَ قبره، كما فعل اليهود والنصارى، فعرضٍ بلعنهم
إشارة إلى ذم من يفعل فعلهم كيلا يعامل معه ذلك، فقال: (لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ
وَالنَّصَارَى) واللعن أمارة الكبيرة المحرمة أشد التحريم، فيكون الفعل الذي
أوجب اللعن حرامًا .
(اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ) جملة مستأنفة على سبيل البيان لموجب اللعن،
كأنه قيل: ما سبب لعنهم؟ فأجيب بقوله: اتخذوا. زاد في رواية: ((يُحَذِّرُ مَا
صَنَعُوا))، وهي جملة مستأنفة أخرى من كلام الراوي، كأنه سئل عن حكمة ذكر
ذلك في ذلك الوقت، فقال: ليحذر أمته أن يصنعوا بقبره مثل ما صنع اليهود
والنصارى بقبور أنبيائهم. واتخاذ القبور مساجد أعم من أن يكون بمعنى الصلاة
إليها، أو بمعنى الصلاة عليها. وفي مسلم: ((لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ، وَلَا تُصَلُّوا
إِلَيْهَا، وَلَا عَلَيْهَا))، والظاهر: أن العلة سد الذريعة والبعد عن التشبه بعبدة الأوثان،
الذين يعظمون الجمادات التي لا تسمع ولا تنفع ولا تضر، ولما في إنفاق المال في
ذلك من العبث والتبذير الخالي عن النفع بالكلية، ولأنه سبب لإيقاد السرج عليها
الملعون فاعله، ومفاسد ما يبنى على القبور من المشاهد والقباب لا تحصر.
وقال التُّورْبَشْتِي الحَنَفي في ((شرح المصابيح)): معنى إنكار النبي ◌َّ على اليهود
والنصارى صنيعهم هذا مخرج على وجهين: أحدهما: أنهم كانوا يسجدون القبور
الأنبياء؛ تعظيمًا لهم، والثاني: أنهم كانوا يتحرون الصلاة في مدافن الأنبياء،
(٧١٧) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٤٣٥) (٤٣٦)، مُسْلِم (٢٢ / ٥٣١) فِي الصَّلَاةِ عَنْ عَائِشَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ
فِيهَا .

١٥٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والسجود على مقابرهم، والتوجه إلى قبورهم حالة الصلاة نظرًا منهم بأن ذلك
الصنيع أعظم موقعًا عند اللَّه لاشتماله على الأمرين: عبادة الله سبحانه، والمبالغة
في تعظيم الأنبياء، وذهابًا إلى أن تلك البقاع بإقامة الصلاة والتوسل بالعبادة فيها
إلى الله لاختصاصها بقبور الأنبياء، وكلا الطريقين غير مرضية، أما الأولى: فلأنها
من الشرك الجَلِي، وأما الثانية: فلأنها متضمنة معنى ما من الإشراك في عبادة الله
حيث أتى بها على صنعة الإشراك، أو التبعية لمخلوق. والدليل على ذم الوجهين
قوله ◌َّهِ: ((لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنَا يُعْبَدُ، اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمِ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ
مَسَاجِدَ))، والوجه الأول أشبه به. وأما نهي النبي وَّ أمته عَّن الصلاة في المقابر
فإنه لمعنیین :
أحدهما: لمشابهة ذلك الفعل سنة اليهود، وإن كان القصدان مختلفين،
والثاني: لما يتضمنه من الشرك الخفي، حيث أتى في عبادة الله بما يرجع إلى
تعظيم مخلوق فيما لم يؤذن له. قال: والصلاة في المواضع المتبركة بها من مقابر
الصالحين داخلة في جملة هذا النهي، لا سيما إذا كان الباعث تعظيم هؤلاء،
وتخصيص تلك المواضع لما أشرنا إليه من الشرك الخفي، انتهى كلام التوربشتي
بقدر الضرورة.
قلتُ: ويدخل أيضًا في هذا النهي والوعيد اتخاذ مسجد بجوار نبي أو صالح،
والصلاة عند قبره لا لتعظيمه، ولا بالتوجه نحوه بل لحصول مدد منه، ورجاء كمال
عبادته ببركة مجاورته لتلك الروح، وهذا لأن اتخاذ المسجد بقربه وقصد التبرك به
تعظيم له، ولأن في هذا الصنيع أيضًا من المفاسد ما لا يخفى، ولأنه لم يأمر
النبي وَلّ أحدًا من أمته بالاستفاضة بقبره أو بقبر أحد من صُلَحَاءِ أمته، ولا
بالاستمداد منه، ولا بالمجاورة به، ولا التبرك به، وإنما أمر أمته بالسلام على أهل
القبور، والدعاء، والاستغفار لهم عند زيارة القبور، وحث على الاعتبار بهم،
فالاستفاضة بالقبور، والاستمداد منها، والتبرك بها ولو كان بدون التوجه إليها
حرام عندنا؛ لكونه داخلًا في الشرك الخفي.
واعلم: أنه قد استشكل ذكر النصارى في الحديث؛ لأنه ليس لهم نبي إلا عيسى
عليه السلام؛ إذ لا نبي بينه وبين محمد رَّ، وهو حي في السماء لم يمت، فليس له
قبر.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
١٥٩
وأجيب: بأن ضمير الجمع في قوله: ((أَنْبِيَائِهِمْ)) للمجموع من اليهود
والنصارى، فإن اليهود لهم أنبياء، أو المراد: الأنبياء وكبار أتباعهم، فاكتفى بذكر
الأنبياء، ويؤيده رواية جندب التالية حيث قال: ((كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ
وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ))، ولهذا أفرد النصارى، كما في رواية لعائشة رضيّا عند
الشيخين. قال: ((إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ))، ولما أفرد اليهود كما في حديث
أبي هريرة قال: ((قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ))، أو أنه كان فيهم أنبياء أيضًا لكنهم غير مرسلين
كالحواريين، أو يقال: أنبياء اليهود أنبياء النصارى؛ لأن النصارى مأمورون
بالإِيمان بكل رسول، فَرُسُلُ بني إسرائيل يُسَمَّوْنَ أنبياء في حق الفريقين، والمراد
من الاتخاذ أعم من أن يكون ابتداعًا، أو اتباعًا، فاليهود ابتدعت، والنصارى
اتبعت، ولا ريب أن النصارى تعظم قبور كثير من الأنبياء الذين تعظمهم اليهود،
وخصص اليهود بالذكر في حديث أبي هريرة؛ لكونهم ابتدعوا هذا الاتخاذ، فهم
أظلم.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الصلاة، والجنائز، والمغازي، ومسلم في
الصلاة، وأخرجه أيضًا النسائي.
٧١٨ - [٢٥] وَعَنْ جُنْدُبِ قَالَ: سَمِعْتُ النَِّي وَ يَقُولُ: ((أَلَا وَإِنَّ مَنْ
كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورٌ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا
الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشّرْحُ
٧١٨ - قوله: (أَلَا) للتنبيه. (وَإِنَّ) بالكسر على تقدير: أنبهكم وأقول: إن. قال
القاري: وروي بالفتح، فالتقدير: تنبهوا واعلموا أن. (مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) أي: اليهود
والنصارى، أو أعم منها.
(أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ) كرر التنبيه بإقحام أداته بين السبب والمسبب
(٧١٨) مُسْلِمٌ (٢٣/ ٥٣٢) عَنْ جُنْدُبٍ فِيهَا .