النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
يهدم ويبنى في زمن ابن الزبير، وأما الآن فعلى ثلاثة أعمدة.
(ثُمَّ صَلَّى) أي: متوجهًا إلى الجدار الغربي المقابل للجدار الشرقي الذي فيه
الباب تقريبًا بينه وَله وبين الجدار الغربي ثلاثة أذرع.
وفي الحديث: مشروعية الدخول في الكعبة واستحبابه، وفيه: استحباب
الصلاة فيها، وهو ظاهر في النفل، ويلتحق به الفرض إذ لا فرق بينهما في
الاستقبال للمقيم، وهو قول الجمهور، ومنع منه مالك لقوله: ﴿فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ
شَطْرَةٍ﴾ [البقرة: ١٤٤] أي: قبالته، ومن فيه مستدبر لبعضه، ولم يثبت أنه وَل صلى
الفرض داخله، وإن ثبت أنه صلى النفل، إذ يسامح في النافلة ما لا يسامح في
الفريضة.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) فيه، أن قوله: (جَعَلَ عَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ، وَعَمُودَينٍ عَنْ يَمِينِهِ) من
إفراد البخاري: ولفظ مسلم: ((جَعَل عَمُودینِ عَنْ يسارِهِ، وَعمُودًا عَن يَمينِهِ)).
عكس رواية البخاري، فنسبة المصنف للرواية التي ذكرها هو إلى الشيخين فيه
نظر، اللهم إلا أن يقال: أن مراد المصنف: اتفاق الشيخين على أصل الحديث.
وجمع بعض المتأخرين بين هاتين الروايتين باحتمال تعدد الواقعة. قال الحافظُ:
وهو بعيد؛ لاتحاد مخرج الحديث، وقد جزم البيهقي بترجيح رواية البخاري.
٦٩٧ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((صَلَّةٌ فِي
مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ))
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
الشَّرْجُ
٦٩٧ - قوله: (صَلَاةٌ) التنكير للوحدة، أي: صلاة واحدة فرضًا كانت أو
نفلًا، فالتضعيف المذكور في الحديث لا يختص بالفرض بل يعم النفل أيضًا.
(٦٩٧) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: عَنْهُ الْبُخَارِي (١١٩٠) فِي الصَّلَاةِ، وَمُسْلِم (١٣٩٤/٥٠٥) فِي الحَجِّ، والتِّرْمِذِي
(٣٢٥)، والنَّسَائِي (٢١٤/٥)، وابن مَاجَهْ (١٤٠٤).

١٢١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
BE
وقال الطحاوي: إن ذلك مختص بالفرائض لقوله بَ له: ((أَفْضَلُ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ
إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ))، قال الحافظُ: ويمكن أن يقال: لا مانع من إبقاء الحديث على
عمومه، فتكون صلاة النافلة في بيت بالمدينة أو مكة تضاعف على صلاتها في
البيت بغيرهما، وكذا في المسجدين، وإن كانت في البيوت أفضل مطلقًا. (فِي
مَسْجِدِي هَذَا) أي: مسجد المدينة لا مسجد قباء، واختلف هل يدخل في التضعيف
ما زيد في المسجد النبوي في زمن الخلفاء الراشدين ومن بعدهم أم لا؟ إن غلبنا
اسم الإشارة انحصر التضعيف فيه ولم يعم ما زيد فيه؛ لأن التضعيف إنما ورد في
مسجده وقد أكده بقوله: (هَذَا)، فإن الإشارة لخصوص البقعة الموجودة يومئذٍ،
فلم تدخل فيه الزيادة، ولا بد في دخولها من دليل.
قال النووي: ينبغي أن يحرص المصلي على الصلاة في الموضع الذي كان في
زمانه ◌َ ل# دون ما زيد فيه بعده بخلاف المسجد الحرام؛ فإنه يشمل جميع مكة بل
صحح أنه يعم جميع الحرم، وإن غلبنا التسمية لم يختص التضعيف بما كان في
زمنه وَلّ، وإليه ذهبت الحنفية كما صرح به في ((الدر المختار)).
قال ابن عابدين: وأصل ذلك قوله ◌َّ: (صَلَاَةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا)، ومعلوم أنه
قد زيد في المسجد النبوي، فقد زاد فيه عمر، ثم عثمان، ثم الوليد، ثم المهدي،
والإشارة بـ(هَذَا) إلى المسجد المضاف المنسوب إليه بَّه، ولا شك أن جميع
المسجد الموجود الآن يسمى مسجده ◌َّيّة، فقد اتفقت الإشارة والتسمية على شيء
واحد، فلم تلغ التسمية، فتحصل المضاعفة المذكورة في الحديث فيما زيد فيه،
وخصها الإمام النووي بما كان في زمنه تَّة عملًا بالإشارة.
قال القاري: واعترضه ابن تيمية وأطال فيه، والمحب الطبري، وأوردا آثارًا
استدلا بها، وبأنه سلم في مسجد مكة أن المضاعفة لا تختص بما كان موجودًا في
زمنه ◌َّ، وبأن الإشارة في الحديث إنما هي لإخراج غيره من المساجد المنسوبة
إليه وَله، وبأن الإمام مالكًا سئل عن ذلك، فأجاب بعدم الخصوصية، وقال:
لأنه ◌ِالَّ أخبر بما يكون بعده، وزويت له الأرض، فعلم بما يحدث بعده، ولولا
هذا ما استجاز الخلفاء الراشدون أن يستزيدوا فيه بحضرة الصحابة ولم ينكر ذلك
عليهم، وبما في (تاريخ المدينة)) عن عمر رَوَّةُ: أنه لما فرغ من الزيادة قال: لو

١٢٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
انتهى إلى الجَبَّانة - وفي رواية: إلى ذي الحليفة - كان الكل مسجد رسول الله
وَلَه، وبما روي عن أبي هريرة قال: سمعت رسول اللّه ◌َ ل يقول: ((لَوْ زِيدَ فِي هَذَا
الْمَسْجِدِ مَا زِيدَ لَكَانَ الْكُلَّ مَسْجِدِي))، وفي رواية: (لَو بُنِيَ هَذَا الْمَسْجِدُ إِلَى
صَنْعَاءَ كَانَ مَسْجِدِي)). هذا خلاصة ما ذكره ابن حجر في ((الجوهر المنظم))، انتهى
مافي ((المرقاة)).
قلتُ: لو كان حديث أبي هريرة: ((لَوْ زِيدَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ ... )) إلخ قابلًا
للاحتجاج لكان قاطعًا للنزاع، لكنه ضعيف بجميع طرقه لا يصلح بمجموعها
للاستدلال، قال في ((تمييز الطيب من الخبيث)) (ص١١٩): حديث: ((صلاة في
مسجدي هذا، ولو وسع إلى صنعاء اليمن، بألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا
المسجد الحرام)). أخرجه ابن أبي شيبة(*) في ((أخبار المدينة)) عن أبي هريرة
مرفوعًا بلفظ: ((لَوْ مُدَّ مَسْجِدِي هَذَا إِلَى صَنْعَاءَ كَانَ مَسْجِدِي»، وفي سنده ضعف،
وله شواهد لا تقوم الحجة بمجموعها فضلًا عن أفرادها، ولذا خصص النووي
اختصاص التضعيف بمسجده الشريف؛ عملًا بالإشارة في الحديث المتفق عليه
عن أبي هريرة، انتهى.
وقال ابن عابدين: وأما حديث: (لَوْ مُدَّ مَسْجِدِي هَذَا إِلَى صَنْعَاءَ كَانَ مَسْجِدِي»،
فقد اشتد ضعف طرقه فلا يعمل به في فضائل الأعمال كما ذكره السخاوي في
((المقاصد الحسنة))، انتهى.
(خَيْرٌ) أي: من جهة الثواب لا من جهة الإجزاء، فالتضعيف يرجع إلى الثواب،
ولا يتعدى إلى الإجزاء باتفاق العلماء كما نقله النووي وغيره، فلو كان عليه صلاتان
فصلى في أحد المسجدين صلاة لم تجزه إلا عن واحدة، وهذا مع قطع النظر عن
التضعيف بالجماعة، فإنها تزيد سبعًا وعشرين درجة كما سيأتي في فضل
الجماعة، لكن هل يجتمع التضعيفان أو لا؟ محل بحث. (مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ) تصلى.
(فِيمَا سِوَاهُ) من المساجد. (إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) بالنصب على الاستثناء، ويجوز
الجر على أن ((إلا)) بمعنى غير، أي: فإن الصلاة فيه خير من الصلاة في مسجدي،
(*) كذا، والصواب: ((ابن شَبَّة)) (أبو القاسم).

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
١٢٣
ويدل له حديث عبد الله بن الزبير أخرجه أحمد، وصححه ابن حبان، من طريق
عطاء عن عبد الله بن الزبير قال: قال رسول اللّه ◌َ له: ((صَلَةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ
مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيْمَا سُوَاهُ مِنْ الْمَسَاجِدِ إِلَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلَّةٌ فِي الْمَسْجِدِ
الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ صَلَاةٍ فِي هَذَا)). وفي رواية ابن حبان: ((وَصَلَةٌ فِي ذَلِكَ أَفْضَلُ
مِنْ مِائَّةٍ صَلَاةٍ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ))، قال ابن عبد البر: اختُلِفَ على ابن الزبير في
رفعه ووقفه، ومن رفعه أحفظ وأثبت، ومثله لا يقال بالرأي. ويدل له أيضًا حديث
جابر أخرجه ابن ماجه مرفوعًا، وفيه: ((وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة
ألف صلاة فيما سواه)). قال الحافظُ: وفي بعض النسخ: ((مِنْ مِائَةٍ صَلَاةٍ فِيمَا
سُوَاهُ))، فعلى الأول معناه: فيما سواه إلا مسجد المدينة، وعلى الثاني معناه: من
مائة صلاة في مسجد المدينة. ورجال إسناده ثقات، لكنه من رواية عطاء في ذلك
عنه، قال ابن عبد البر: جائز أن يكون عند عطاء في ذلك عنهما، وعلى ذلك يحمله
أهل الحديث، ويؤيده أن عطاء إمام واسع الرواية، معروف بالرواية عن جابر وابن
الزبير، ويدل لذلك أيضًا حديث أبي الدرداء، أخرجه البزار والطبراني مرفوعًا:
((الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمَائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ، وَالصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِي بِأَلْفِ صَلَاةٍ،
وَالصَّلَاةُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِخَمْسٍ مِائَةٍ صَلَاةٍ))، قال الحافظ في ((الفتح)): قال
البزار: إسناده حسن. ففي هذه الأحاديث الثلاثة دلالة واضحة على أن المراد
بالاستثناء في حديث أبي هريرة: تفضيل المسجد الحرام، ورد صريح على من
حمل الاستثناء على المساواة، أو على أن المراد: أن الصلاة في مسجدي لا تفضل
الصلاة في المسجد الحرام بألف بل بدونها. قال القاري: لا تنافي بين الروايات
المختلفة في التضعيف لاحتمال أن حديث الأقل قبل حديث الأكثر، ثم تفضل الله
تعالى بالأكثر شيئًا بعد شيء، ويحتمل أن يكون تفاوت الأعداد لتفاوت الأحوال لما
جاء: أن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعين إلى سبعمائة إلى غير نهاية، انتهى.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا الترمذي وابن ماجه في الصلاة والنسائي في
المناسك، وفي الباب عن جماعة من الصحابة ذكر أحاديثهم الحافظ المنذري
والعيني.

١٢٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٦٩٨ - [٥] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: (لَا
تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى،
وَمَسْجِدِي هَذَا)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشَّرْجُ
٦٩٨ - قوله: (لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ) بضم التاء على البناء للمفعول بلفظ النفي،
والمراد: النهي عن المسافرة إلى غيرها، قال الطيبي: وهو أبلغ مما لو قيل: لا
تسافر؛ لأنه صور حالة المسافرة وتهيئة أسبابها من الراكب وفعل الشد، ثم أخرج
النهي مخرج الإخبار، أي: لا ينبغي ولا يستقيم أن يقصد الزيارة بالرحلة إلا إلى
هذه البقاع الشريفة؛ لاختصاصها بالمزايا والفضائل؛ لأن إحداها: بيت الله
وقبلتهم، رفع قواعدها الخليل عليه السلام، والثانية: قبلة الأمم السالفة، عمَّرها
سليمان عليه السلام، والثالثة: أسست على التقوى، عمرها خير البرية، فكأن
المسافرة إليها وفادة إلى بانيها، انتهى. و((الرحال)) - بكسر الراء - جمع رحل
بالفتح وهو للبعير كالسرج للفرس، وهو أصغر من القتب، وشَدُّهُ كناية عن السفر؛
لأنه لازمه، والتعبير بشدها خرج مخرج الغالب في ركوبها للمسافر في بلاد العرب
إذ ذاك، فلا فرق بين ركوب الرواحل، والخيل والبغال، والحمير، والقطار
الحديدي، والسيارات، والدراجات، والعربات في البر، والسفن والبواخر في
البحر، والطيارات في الجو، والمشي على الأقدام في هذا المعنى، ويدل لذلك
قوله في بعض طرقه: ((إنما يسافره)). أخرجه مسلم.
(إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ) الاستثناء مفرغ، والتقدير: لا تشد الرحال إلى موضع.
ولازمه منع السفر إلى كل موضع غيرها؛ لأن المستثنى منه في المفرغ مقدر بأعم
العام، لكن يمكن أن يكون المراد بالعموم هاهنا: الموضع المخصوص وهو
المسجد، قاله الحافظ. (مَسْجِدِ الْحَرَام) بإضافة الموصوف إلى الصفة، والحرام
(٦٩٨) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٨٦٤)، ومُسْلِم (٤٢٧/٤١٥) عَنْهُ فِي الحَجِّ، التِّرْمِذِي (٣٢٦)،
والنَّسَائي في الكبرى (٢٧٩١).

١٢٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
بمعنى المحرم كالكتاب بمعنى المكتوب. والمسجد - بخفض الدال - بدل من
((ثلاثة))، ويجوز الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أى: هي المسجد الحرام،
والتاليان عطف عليه، ويجوز النصب بتقدير: أعني، قيل: المراد به: جميع
الحرم، وقيل: يختص بالموضع الذي يصلي فيه دون البيوت وغيرها من أجزاء
الحرم.
(وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى) أي: بيت المقدس، وهو من إضافة الموصوف إلى الصفة
عند الكوفيين؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِ﴾ [القصص: ٤٤]. والبصريون
يؤولونه بإضمار المكان الذي بجانب المكان الغربي، ومسجد المكان الأقصى،
وسمي به لبعده عن مسجد مكة في المسافة، أو لأنه لم يكن وراءه مسجد.
(وَمَسْجِدِي هَذَا) أي: مسجد المدينة، وفي رواية: ((مسجد الرسول)). وفي
الحديث مزية هذه المساجد وفضيلتها على غيرها؛ لكونها مساجد الأنبياء، ولأن
الأول: قبلة الناس وإليه حجهم، والثاني: كان قبلة الأمم الماضية، والثالث:
أسس على التقوى واختلف في شد الرحال إلى غيرها، كالذهاب إلى زيارة
الصالحين أحياء وأمواتًا، وإلى المواضع الفاضلة لقصد التبرك بها والصلاة فيها .
فقال الشيخ أبو محمد الجويني: يحرم شد الرحال إلى غيرها عملًا بظاهر هذا
الحديث، وأشار القاضي حسين إلى اختياره، وبه قال عياض وطائفة، ويدل عليه ما
رواه أصحاب السنن من إنكار بصرة الغفاري على أبي هريرة خروجه إلى الطور،
وقال له: لو أدركتك قبل أن تخرج ما خرجت، واستدل بهذا الحديث، فدل على
أنه يرى حمل الحديث على عمومه، ووافقه أبو هريرة.
والصحيح عند إمام الحرمين وغيره من الشافعية: أنه لا يحرم، وأجابوا عن
الحديث بأجوبة لا يخلو واحد منها عن النظر، وأحسنها وأقواها عندهم: أن المراد
حكم المساجد فقط، وأنه لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد للصلاة فيه غير
هذه الثلاثة، وأما قصد غير المساجد لزيارة صالح، أو قبر أو طلب علم، أو
تجارة، أو نزهة، فلا يدخل في النهي، وقد ورد ذلك مصرحًا في بعض طرق
الحديث في ((مسند أحمد)) برواية أبي سعيد الخدري، وذكر عنده صلاة في الطور
فقال: قال رسول اللَّه وَّله: ((لَا يَنْبَغِي لِلْمُصَلِّى أَنْ يَشُدَّ رِ حَالَهُ إِلَى مَسْجِدٍ يَبْتَغِى فِيهِ
الصَّلَاةَ، غَيْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالِمَسْجِدَ الأَقْصَى وَمَسْجِدِي هَذَا))، وفي سنده شهر

EDON:
١٢٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ابن حوشب وهو حسن الحديث، وإن كان فيه بعض الضعف.
وقال بعضهم: قوله: (إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ) المستثنى منه محذوف، فإما أن
يقدر عامًّا فيصير: لا تشد الرحال إلى مكان في أي أمر كان إلا إلى الثلاثة. أو
أخص من ذلك، لا سبيل إلى الأول؛ لإفضائه إلى سد باب السفر للتجارة، وصلة
الرحم، وطلب العلم، وغيرها فتعين الثاني، والأولى أن يقدر ما هو أكثر مناسبة،
وهو: لا تشد الرحال إلى مسجد للصلاة فيه إلا إلى الثلاثة .
قال شيخنا في ((شرح الترمذي)) بعد ذكر هذا الجواب: إن قولهم: المراد حكم
المساجد فقط، وأنه لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد ... إلخ، غير مسلم،
بل ظاهر الحديث العموم، وأن المراد: لا تشد الرحال إلى موضع إلا إلى ثلاثة
مساجد، فإن الاستثناء مفرغ، والمستثنى منه في المفرغ يقدر بأعم العام، نعم، لو
صح رواية أحمد بلفظ: ((لَا يَنْبَغِي لِلْمُصَلِّي أَنْ يَشُدَّ رِ حَالَهُ إِلَى مَسْجِدٍ)) ... إلخ.
لاستقام هذا الجواب، لكنه تفرد بهذا اللفظ شهر بن حوشب ولم يزد لفظ :
((مَسْجِدٍ)) أحد غيره فيما أعلم، وهو كثير الأوهام كما صرح به الحافظ في
((التقريب))، ففي ثبوت لفظ: ((مَسْجِدٍ)) في هذا الحديث كلام، فظاهر الحديث هو
العموم وأن المراد: لا يجوز السفر إلى موضع للتبرك به والصلاة فيه، إلا إلى ثلاثة
مساجد، وأما السفر إلى موضع للتجارة، أو لطلب العلم، أو لغرض آخر صحيح
مما ثبت جوازه بأدلة أخرى، فهو مستثنى من حكم هذا الحديث، انتهى كلام
الشیخ .
وقال الشاه عبد العزيز الدهلوي في ((تعليقه على البخاري)) في شرح هذا
الحديث: المستثنى منه المحذوف في هذا الحديث، إما جنس قريب، أو جنس
بعيد، فعلى الأول تقدير الكلام: لا تشد الرحال إلى المساجد إلا إلى ثلاثة
مساجد. وحينئذٍ ما سوى المساجد مسكوت عنه، وعلى الوجه الثاني، لا تشد
الرحال إلى موضع يتقرب به إلا إلى ثلاثة مساجد، فحينئذٍ شد الرحال إلى غير
المساجد الثلاثة المعظمة منهي عنه بظاهر سياق الحديث، ويؤيده ما روى أبو
هريرة عن بصرة الغفاري حين رجع عن الطور، وتمامه في ((الموطأ)). وهذا الوجه
قوي من جهة مدلول حديث بصرة، انتهى، كذا في ((عون المعبود)).

كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
bese
١٢٧
وقال الشاه ولي اللَّه الدهلوي في ((حجة الله)) (ج١: ص١٥٣): كان أهل
الجاهلية يقصدون مواضع معظمة بزعمهم يزورونها ويتبركون بها، وفيه من
التحريف والفساد ما لا يخفى، فَسَدَّ النبي ◌َّر الفساد بهذا الحديث؛ لئلا يلتحق
غير الشعائر بالشعائر، ولئلا يصير ذريعة لعبادة غير الله، والحق عندي: أن القبر
ومحل عبادة ولي من أولياء الله والطور، كل ذلك سواء في النهي، انتهى. (مُتَّفَقٌّ
عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا الترمذي وابن ماجه في الصلاة.
٦٩٩ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((مَا بَيْنَ بَيْتِي
وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
الشَّرْحُ
٦٩٩- قوله: (مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي) الموصول مبتدأ وخبره قوله:
(رَوْضَةٌ ... ) إلخ. والمراد بالبيت: البيت المعهود وهو بيت عائشة الذي صار
فيه قبره ◌َّ، وفي رواية الطبراني: ((مَا بَيْنَ الْمِنْبَرِ وَبَيْتِ عَائِشَةَ)). وفي حديث سعد
ابن أبي وقاص عند البزار بسند رجاله ثقات، وعند الطبراني من حديث ابن عمر
بلفظ: ((مَا بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي))، (رَوْضَةٌ) بفتح الراء، أرض مخضرة بأنواع
النباتات، وروضات الجنة أطيب بقاعها وأنزهها .
(مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ) اختلف في تأويله، فقيل: المعنى: أن العبادة فيه تؤدي إلى
الجنة، فهو مجاز باعتبار المآل كقوله: الجنة تحت ظلال السيوف. أي: الجهاد
مآله الجنة. وقيل: المعنى: أي كروضة الجنة في نزول الرحمة، وحصول السعادة
بما يحصل من ملازمة حلق الذكر، لا سيما في عهده وَلو، فيكون تشبيهًا بغير أداة.
وهذا القول لا يخلو عن بعد؛ لأنه خلاف الظاهر يشترك فيه سائر المساجد، وبقاع
الخير. وقال أهل التحقيق: إن الكلام محمول على الحقيقة، بأن ينقل هذا المكان
يوم القيامة إلى الفردوس الأعلى، ولا يفنى ولا يهلك مثل سائر البقاع، ويحتمل أن
(٦٩٩) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١٨٨٨)، ومُسْلِم (٥٠٢/ ١٣٩١) عَنْهُ: البُخَارِي فِي الحَجِّ.

١٢٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
يكون عين هذه البقعة روضة من رياض الجنة أنزلت منها إلى المسجد، كما ورد في
الحجر الأسود ومقام إبراهيم، وبعد قيام الساعة ينقل إلى مقامه الأصلي.
(وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي) أي: على حافته، والمراد بالحوض: نهر الكوثر الكائن
داخل الجنة لا حوضه الذي خارجها بجانبها المستمد من الكوثر. قيل: هذا إخبار
عن المنبر الذي يكون له وَ﴾ يوم القيامة، يوضع عليه بأمر ربه، يدعو الناس عليه
إليه، لا هذا المنبر في المسجد الشريف، وهذا القول بعيد من سياق الحديث.
والراجح: ما قال به الأكثر من أن المراد: منبره بعينه الذي قال هذه المقالة وهو
فوقه. فينقله الله بعينه ويضعه عليه، ويؤيده حديث أم سلمة عند النسائي مرفوعًا:
((إِنَّ قَوَائِمَ مِنْبَرِي هَذَا رَوَاتِبُ فِي الْجَنَّةِ))، وقيل: معناه: أن قصد منبره والحضور
عنده لملازمة الأعمال الصالحة يورد صاحبه إلى الحوض، ويقتضي شربه منه.
وَنَقَلَ إِبْنِ زَبَالَة: أن ذرع ما بين المنبر والبيت الذي فيه القبر الآن ثلاث وخمسون
ذراعًا، وقيل: أربع وخمسون وسدس. وقيل: خمسون إلا ثلثي ذراع، وهو الآن
كذلك، فكأنه نقص لما أدخل من الحجرة في الجدار.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الصلاة، وفي أواخر الحج، وفي الحوض،
والاعتصام، ومسلم في الحج.
٧٠٠ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ كُلَّ
سَبْتٍ مَاشِيًّا وَرَاكِبًا، وَيُصَلَّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
الشّرْجُ
٧٠٠ - قوله: (مَسْجِدَ قُبَاءٍ) بضم القاف ممدودًا وقد يقصر، وَيُذَكَّرُ على أنه
اسم موضع، ويؤنث على أنه اسم بقعة، وبينه وبين المدينة ثلاثة أميال، أو ميلان
على يسار قاصد مكة، وهو من عوالى المدينة وسمي باسم بئر هناك، والمسجد
(٧٠٠) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البخاري (١١٩٣) (١١٩٤)، ومُسْلِم (١٣٩٩/٥١٦) (١٣٩٩/٥٢١) عَنْهُ: البُخَارِي
فِي الصَّلَاةِ، مُسْلِمٍ فِي الحَجِّ، وأَبُو دَاوُد (٢٠٤٠).

كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
١٢٩
المذكور هو مسجد بني عمرو بن عوف وهو أول مسجد أسسه رسول اللّه وَئلة . .
(كُلَّ سَبْتٍ) خص السبت لأجل مواصلته لأهل قباء، وتفقد حال من تأخر منهم عن
حضور الجمعة معه في مسجده بالمدينة، وفيه: دلالة على جواز تخصيص بعض
الأيام ببعض الأعمال الصالحة، والمداومة على ذلك.
(مَاشِيًّا) تارة. (وَرَاكِبًا) أخرى بحسب ما تيسر، والواو بمعنى أو. (وَيُصَلِّي فِيهِ
رَكْعَتَينٍ) ادعى الطحاوي أن هذه الزيادة مدرجة قالها أحد الرواة من عنده؛ لعلمه
أنه عليه الصلاة والسلام كان من عادته أنه لا يجلس حتى يصلي، وقد روى النسائي
من حديث سهل بن حنيف مرفوعًا: ((مَنْ خَرَجَ حَتَّى يَأْتِيَ مَسْجِدَ قُبَاءٍ فَيُصَلَّ فِيهِ كَانَ
لَهُ عِدْلَ عُمْرَةٍ)».
وعند الترمذي من حديث أسيد بن حضير رفعه: ((الصَّلَاةُ فِي مَسْجِدٍ قُبَاءٍ
كَعُمْرَةٍ))، وعند عمر بن شبة في ((أخبار المدينة)) بإسناد صحيح عن سعد بن أبي
وقاص قال: لأن أصلي في مسجد قباء ركعتين أحب إليَّ من أن آتي بيت المقدس
مرتين، لو يعلمون ما في قباء لضربوا إليه أكباد الإبل. وفي هذه الأحاديث مع
حديث الباب دلالة على فضل قباء، وفضل مسجده، وفضل الصلاة فيه، لكن لم
يثبت في ذلك تضعيف بخلاف المساجد الثلاثة. قال بعضهم: حديث ابن عمر يدل
على أن النهي عن شد الرحال لغير المساجد الثلاثة ليس على التحريم؛ لكون
النبي ◌َّ يأتي قباء ماشيًا وراكبًا .
وتعقب: بأن مجيئه ◌َله إلى قباء، إنما كان بلا سفر، فهو غير مخالف لحديث
النهي، فلا يكون قرينة على كون النهي فيه للتنزيه. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في
الصلاة، ومسلم في الحج، وأخرجه أيضًا أبو داود في الحج.

١٣٠
BR
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٧٠١ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلِ: ((أَحَبُّ الْبِلَادِ
إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا)).
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشَّرْخُ
٧٠١ - قوله: (أَحَتُّ الْبِلَادِ) أي: أحب أماكن البلاد وبقاعها، ويمكن أن يراد
بالبلد: مأوى الإنسان فلا تقدير .
(إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا)؛ لأنها بيوت الطاعة، وأساس التقوى، ومحل تنزل
الرحمة، وموضع التقرب إلى الله تعالى.
(وَأَبْغَضُ الْبِلادِ إِلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا)؛ لأنها محل أفعال الشياطين من الحرص،
والطمع، والخيانة، والغش، والخداع، والربا، والأيمان الكاذبة، وإخلاف
الوعد، والفتن والغفلة، فالمراد: محبة وبغض ما يقع فيهما.
وقيل: المعنى: أي من يمكث في المساجد أحب إلى الله ممن يمكث في
غيرها؛ إذ المحبة الإثابة، ولا معنى الإثابة نفس المساجد، فالمراد: الماكث فيها
لذكر الله، أو اعتكاف أو نحوهما. وكذا المراد: بغض من في الأسواق؛ لتعاطيه
الأيمان الكاذبة، والغش، والأعراض الفانية، لا بغض نفس الأسواق، نظير ما
ورد في مدح الدنيا وذمها، فالمراد: مدح من قام بحقوق اللّه تعالى فيها وذم ضده.
وقال النووي: الحب والبغض من اللَّه تعالى إرادته الخير والشر، أو فعله ذلك
بمن أسعده أو أشقاه. والمساجد محل نزول الرحمة والأسواق ضدها، وهي جمع
سوق سمي به؛ لأن الأشياء تساق للبيع فيه، أو لأن الناس تمشي فيه للبيع والشراء
على سوقها جمع ساق. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا ابن حبان وأخرجه أحمد
والحاكم عن جبير بن مطعم.
(٧٠١) مُسْلِم (٢٨٨/ ٦٧١) عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
١٣١
بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
٧٠٢ - [٩] وَعَنْ عُثْمَانَ رَضِفَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَنْ بَنَى لِلَّهِ
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
مَسْجِدًا بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ)).
الشَّرْجُ
٧٠٢ - قوله: (مَنْ بَنَى) حقيقة أو مجازًا. (لِلَّهِ) أي: يبتغي به وجه الله لا رياء
وسمعة. قال ابن الجوزي: من كتب اسمه على المسجد الذي يبنيه كان بعيدًا من
الإخلاص، انتهى. ومن بناه بالأجرة لا يحصل له هذا الوعد المخصوص؛ لعدم
الإخلاص، وإن كان يؤجر في الجملة، وهل يحصل الثواب المذكور لمن جعل
بقعة من الأرض مسجدًا بأن يكتفي بتحويطها من غير بناء؟ وكذا من عمد إلى بناء
كان يملكه فَوَقَفَهُ مسجدًا؟ إن وقفنا مع ظاهر اللفظ فلا، وإن نظرنا إلى المعنى
فنعم، وهو المتجه. وكذا قوله: (بَنَى) حقيقة في المباشرة بشرطها لكن المعنى
يقتضي دخول الأمر بذلك أيضًا، قاله الحافظ .
(مَسْجِدًا) أي: كبيرًا كان أو صغيرًا، فقد رواه الترمذي عن أنس مرفوعًا بزيادة
لفظ: ((صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا»، ويدل لذلك رواية: ((كَمَفْحَصٍ قَطَاقٍ)»، وهي مرفوعة
ثابتة عند ابن أبي شيبة عن عثمان، وابن حبان والبزار عن أبي ذر، وأبي مسلم
الكُجِّي من حديث ابن عباس، والطبراني عن أبي بكر، وابن خزيمة عن جابر.
وحملٍ ذلك العلماء على المبالغة، وقيل: هي على ظاهرها. (بَنَّى اللَّهُ) إسناد البناء
إلى الله تعالى مجاز أي: أمر الملائكة ببنائه، أو البناء مجاز عن الخلق والإسناد
حقيقة، وأبرز الفاعل تعظيمًا وافتخارًا.
(بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ) زاد الشيخان في رواية: ((مِثْلَهُ)) وكذا الترمذي، وقد اختلف في
معنى المماثلة، فقيل: مثله في الشرف والفضل والتوقير؛ لأنه جزاء المسجد،
فيكون مثلاً له في صفات الشرف. وقيل: مثله في مسمى البيت، وأما صفته في
السعة وغيرها فمعلوم فضلها، فإنها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر
على قلب بشر. وقيل: المراد: أن فضله على بيوت الجنة كفضل المسجد على
(٧٠٢) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٤٥٠)، ومُسْلِم (٢٤/ ٥٣٣) عَنْهُ فِيهِ.

١٣٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بيوت الدنيا، وقيل غير ذلك. وقوله: (فِي الْجَنَّةِ) متعلق بـ(بَنَى))، أو بمحذوف
صفة لـ((بيتًا)).
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي وابن ماجه، وفي الباب عن جماعة
من الصحابة. ذكر أحاديثهم مع تخريجها شيخنا في ((شرح الترمذي)).
٧٠٣ - [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَّ ◌َهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((مَنْ غَدَا
إِلَى الْمَسْجِدِ أَوْ رَاحَ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ نُزُلَهُ مِنَ الْجَنَّةِ كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ))
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
الشّرْحُ
٧٠٣ - قوله: (مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ أَوْ رَاحَ) قيل: المراد بالغدو هنا: مطلق
الذهاب للمسجد في أي وقت كان، وبالرواح الرجوع منه، أي: من ذهب للصلاة
في المسجد ورجع، والأصل في الغدو المضي من بكرة النهار، والرواح بعد
الزوال، ثم قد يستعملان في كل ذهاب ورجوع توسعًا. وظاهر الحديث: حصول
الفضل لمن أتى المسجد مطلقًا، لكن المقصود منه اختصاصه بمن يأتيه للعبادة،
والصلاة رأسها. (أَعَدَّ) أي: هيأ من الإعداد.
(نُزُلَهُ) بضم النون والزاي: المكان الذي يهيأ للنزول فيه. وبسكون الزاي: ما
يهيأ للقادم من الضيافة ونحوها. فعلى هذا ((مِنَ)) في قوله: (مِنَ الْجَنَّةِ) للتبعيض
على الأول، وللتبيين على الثاني.
(كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ) قال الطيبي: ((النزل)) ما هُيِّئَ لِلنَّزِيل، و((كُلَّمَا غَدَا)) ظرف
وجوابه ما دل عليه ما قبله، وهو عامل فيه، والمعنى: كلما استمر غدوه ورواحه
استمر إعداد نُزُلِهِ في الجنة، فالغدو والرواح في الحديث كالبكرة والعشي في قوله
تعالى: ﴿وَلَّمْ رِزْقُهُمْ فِيَهَا بَكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] يراد بها: الديمومة لا الوقتان
المعلومان. قال المظهر: من عادة الناس أن يقدموا طعامًا إلى من دخل بيوتهم،
(٧٠٣) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٦٦٢)، ومُسْلِم (٢٨٥ / ٦٦٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً فِهِ.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
١٣٣
والمسجد بيت الله، فمن دخله، أي: وقت كان من ليل أو نهار يعطيه الله أجره من
الجنة؛ لأن اللَّه أكرم الأكرمين، فلا يضيع أجر المحسنين، انتهى. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)
وأخرجه أيضًا أحمد.
٧٠٤ - [١١] وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ اَلِ:
((أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْرًا فِي الصَّلَاةِ أَبْعَدُهُمْ فَأَبْعَدُهُمْ مَمْشَى، وَالَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ
حَتَّى يُصَلَّيَهَا مَعَ الْإِمَامِ أَعْظَمُ أَجْرًا مِن الَّذِي يُصَلَّي ثُمَّ يَنَامُ)). [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشّرْجُ
٧٠٤ - قوله: (أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْرًا) أي: أكثرهم ثوابًا. (فِي الصَّلَاةِ) أي: في
الإتيان إليها. (أَبْعَدُهُمْ فَأَبْعَدُهُمْ مَمْشَى) بفتح الميم الأولى وسكون الثانية أي:
مسافة، وهو منصوب على التمييز يعني: أبعدهم مسافة إلى المسجد، وإنما كان
أعظم أجرًا، لما يحصل في بعيد الدار عن المسجد من كثرة الخُطَا، وفي كل
خطوة عشر حسنات كما رواه أحمد. فإن قيل: روى أحمد في مسنده (ج٥:
ص ٣٨٧، ٣٩٩) عن حذيفة مرفوعًا: ((إِنَّ فَضْلَ الدَّارِ الْقَرِيبَةِ - يَعْنِي مِنَ الْمَسْجِدِ -
عَلَى الدَّارِ الْبَعِيدِةِ كَفَضْلِ الْغَازِي عَلَى القَاعِدِ»، أي: من الجهاد. فالجواب: أن
هذا في نفس البقعة، وذاك في الفعل، فالبعيد دارًا مَشْيُهُ أكثر وثوابه أعظم، والبيت
القريب أفضل من البعيد، قاله العلقمي.
قلتُ: حديث حذيفة هذا ضعيف لضعف علي بن يزيد أبي عبد الملك
الدمشقي، وقد رواه عن حذيفة بلاغًا. وفاء (فَأَبْعَدُهُمْ) قال البرماوي كالكرماني
والطيبي: للاستمرار نحو: الأمثل فالأمثل، والأكمل فالأكمل. وتعقبه العيني:
بأنه لم يذكر أحد من النحاة أن الفاء تجيء بمعنى الاستمرار، ثم رجح كونها بمعنى
ثم، أي: أبعدهم ثم أبعدهم ممشى.
وقال السندي في ((حاشية ابن ماجه)): الفاء للترتيب، أي: الأبعد على مراتب
(٧٠٤) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٦٥١)، ومُسْلِم (٢٧٧ / ٦٦٢) عَنْهُ فِيهِ.

١٣٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
البعد أعظم أجرًا من الأقرب على مراتب القرب، فكل من كان أبعد، فهو أكثر
أجرًا ممن كان أقرب منه، ولو كان هذا الأقرب أبعد من غيره، فأجره أكثر من ذلك
الغير. والمراد: أنه إذا حضر المسجد مع ذلك البعد، ولم يمنعه البعد عن
الحضور. (حَتَّى يُصَلَّيَهَا مَعَ الْإِمَامِ) زاد مسلم: ((فِي جَمَاعَةٍ)).
(أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الَّذِي يُصَلِّ) أي: وحده. (ثُمَّ يَنَامُ) أي: يستريح بخروجه من
عهدة ما عليه، فكما أن بعد المكان مؤثر في زيادة الأجر، كذلك طول الزمان؛
للمشقة فيهما، فأجر منتظر الإمام أعظم من أجر من صلى منفردًا من غير انتظار،
وفائدة قوله: (ثُمَّ يَنَامُ)) الإشارة إلى الاستراحة المقابلة للمشقة التي في ضمن
الانتظار. وقيل: الحديث في صلاة العشاء؛ لقوله: ((ثُمَّ يَنَامُ))، وظاهر الحديث:
يقضى أن تأخير الصلاة للجماعة أفضل من تقديمها أول الوقت ولو مع الجماعة؛
لزيادة أجره بمشقة الانتظار، وليس مرادًا؛ إذ يعارضه الأخبار الدالة على طلب
الصلاة أول الوقت. وقد استنبط من الحديث بعضهم: استحباب قصد المسجد
البعيد ولو كان بجنبه مسجد قريب، وإنما يتم ذلك إذ لم يلزم من ذهابه إلى البعيد
هجر القريب، وإلا فإحياؤه بذكر اللَّه أولى، وكذا إذا كان في البعيد مانع من
الكمال كأن يكون إمامه مبتدعًا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه
والحاكم عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: ((الْأَبْعَدُ فَالْأَبْعَدُ مِنَ الْمَسْجِدِ أَعْظَمُ أَجْرًا)).
٧٠٥ - [١٢] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: خَلَتِ الْبِقَاعُ حَوْلَ الْمَسْجِدِ، فَأَرَادَ بَنُو
سَلِمَةَ أَنْ يَنْتَقِلُوا قُرْبَ الْمَسْجِدِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ وَّهِ، فَقَالَ لَّهُمْ: ((بَلَغَنِي
أَنَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَنْتَقِلُوا قُرْبَ الْمَسْجِدِ)) قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ أَرَدْنَا
ذَلِكَ. فَقَالَ: ((يَا بَنِي سَلِمَةً! دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ، دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيحٍ}
الشَّرْحُ
٧٠٥ - قوله: (خَلَتِ الْبِقَاءُ) بكسر الباء. (حَوْلَ الْمَسْجِدِ) أي: أطرافه قريبًا
(٧٠٥) مُسْلِم (٦٦٥/٢٨٠) عَنْهُ فِيهِ.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
١٣٥
منه. (فَأَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ) بكسر اللام، قبيلة معروفة من الأنصار. (قُرْبَ الْمَسْجِدِ)
منصوب بنزع الخافض، أي: إلى مكان بقربه. (فَبَلَغَ ذَلِك) أي: انتقالهم.
(دِيَارَكُمْ) نصب على الإغراء، أي: الزموا دياركم. (تُكْتَبْ) يروي بالجزم على
جواب ((الزموا)) ويجوز الرفع على الاستئناف. (آثَارُكُمْ) جمع أثر، يعني: الزموا
دياركم؛ فإنكم إذا لزمتموها كتبت خُطَاكُمُ الكثيرة إلى المسجد. قال الطيبي:
بنو سلمة بطن من الأنصار، وليس في العرب سلمة - بكسر اللام - غيرهم، كانت
ديارهم بعيدة من المسجد، وكان يجهدهم في سواد الليل وعند وقوع الأمطار
واشتداد البرد، فأرادوا أن يتحولوا قرب المسجد، فكره النبي وقليل أن تعرى جوانب
المدينة، فرغبهم فيما عند الله من الأجر على نقل الخُطَا. والمراد بالكتابة: أن
تكتب في صحف الأعمال، أي: كثرة الخُطَا سبب لزيادة الأجر، انتهى.
وفي الحديث: أن أعمال البر إذا كانت خالصة تكتب آثارها حسنات. وفيه:
استحباب السكنى بقرب المسجد للفضل، إلا لمن حصلت به منفعة أخرى، أو أراد
تكثير الأجر بكثرة المشي ما لم يحمل على نفسه، ووجهه: أنهم طلبوا السكنى
بقرب المسجد للفضل الذي علموه منه، فما أنكر عليهم النبي ◌ّ ذلك بل رجح
درء المفسدة بإخلائهم جوانب المدينة على المصلحة المذكورة، وأعلمهم بأن
لهم في التردد إلى المسجد من الفضل ما يقوم مقام السكنى بقرب المسجد أو يزيد
عليه .
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرج البخاري قريبًا من معناه من حديث أنس، وروى ابن ماجه
وغيره عن ابن عباس بسند قوي، قال: ((كانت الأنصار بعيدة منازلهم من المسجد
فأرادوا أن يقتربوا، فنزلت: ﴿ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَرَهُمْ﴾ [يس: ١٢] قال: فَثَبَتُوا)).

١٣٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٧٠٦ - [١٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِفَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَِّ((سَبْعَةٌ
يُظِلُّهُمِ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلّ إِلَّا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ،
وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِالْمَسْجِدِ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِ، وَرَجُلَانِ تَحَابًّا
فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًّا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ،
وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ حَسَبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ
بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَّمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
الشّرْجُ
٧٠٦ - قوله: (سَبْعَةٌ) أي: سبعة أشخاص أو سبعة من الناس، وهذا العدد لا
مفهوم له، فقد وردت أحاديث بزيادة على ذلك لا تخفى على من تتبع دواوين
الحديث، وقد أفردها الحافظ بتأليف سماه ((معرفة الخصال الموصلة إلى
الظلال))، وتتبعها السيوطي، فأوصِلها إلى سبعين خصلة، وأفردها في المؤلف
بالأسانيد ثم اختصره. (يُظِلَّهُمُ اللَّهُ) جملة في محل الرفع على أنها خبر للمبتدأ
أعني قوله: ((سبعة))، أي: يدخلهم. (فِي ظِلَّهِ)؛ إضافة تشريف؛ ليحصل امتياز
هذا عن غيره، كما يقال للكعبة: بيت الله. مع أن المساجد كلها ملكه، وقيل:
المراد بظله: كرامته، وحمايته، وكنفه، يقال: فلان في ظل الملك، أي: في كنفه
وحمايته، والمعنى: يحفظهم من كرب الآخرة، ويكنفهم في رحمته.
قال عياض: وهو أولى الأقوال. وقيل: المراد: ظل عرشه. ويدل عليه ما رواه
سعيد بن منصور بإسناد حسن من حديث سلمان: ((سَبْعَةٌ يُظِلّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّ عَرْشِهِ))،
فذكر الحديث، ثم كونهم في ظل عرشه يستلزم ما ذكر من كونهم في كنف الله،
وكرامته من غير عكس، فهو أرجح وبه جزم القرطبي، ويؤيده أيضًا تقييد ذلك بيوم
القيامة، كما صرح به في رواية.
(يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلَّهُ) أي: ظل عرشه على حذف المضاف، والمراد: يوم القيامة
(٧٠٦) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٤٢٣)، ومُسْلِم (٩١/ ١٠٣١) عَنْهُ فِي الزَّكَاةِ، والتِّرْمِذِي (٢٣٩١)،
والنَّسَائِي (٢٢٢/٨).

١٣٧
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
إذا قام الناس لرب العالمين، وقربت الشمس من الرؤوس، واشتد عليهم حرها،
وأخذهم العرق ولا ظل هناك لشيء إلا العرش. قيل: المراد: إن ظل العرش يغلب
على الشمس بالنسبة إليه، فلا يبقى لها تأثير الحرارة. (إِمَامٌ عَادِلٌ) أي : أحدهم إمام
عادل، والمراد به: صاحب الولاية العظمى، ويلتحق به كل من ولي شيئًا من أمور
المسلمين، فعدل فيه، لحديث: ((إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ
يَمِينِ الرَّحْمَنِ، الَّذِي يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِهِمْ وَما وَلُوا)) رواه مسلم. وأحسن ما
فسر به العادل أنه الذي يتبع أمر الله بوضع كل شيء في موضعه من غير إفراط ولا
تفريط. وقدمه في الذكر على تاليه لكثرة مصالحه وعموم نفعه.
(وَشَابٌّ) خص الشاب؛ لأن العبادة في الشباب أَشَقُّ؛ لكثرة الدواعي، وغلبة
الشهوات، وقوة البواعث على اتباع الهوى، فملازمة العبادة مع ذلك أشد وأدل
على غلبة التقوى، وفي الحديث: ((يَعْجَبُ رَبُّكَ مِنْ شَابٌّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَةٌ)). (نَشَأَ)
أي: نما وتربى وَشَبَّ. (فِي عِبَادَةِ اللَّهِ) أي: حتى توفي على ذلك كما في رواية
الجوزقي، وفي حديث سلمان: ((أَفْنَى شَبَابَهُ وَنَشَاطَهُ فِي عِبَادَةِ اللهِ)). (مُعَلَّقٌ) بفتح
اللام. (بِالْمَسْجِدِ) قال القاري: وفي نسخة يعني: من ((المشكاة)): ((فِي الْمَسْجِدِ)).
قال الحافظُ: قوله: ((مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ)) هكذا في ((الصحيحين))، وظاهره: أنه
من التعليق كأنه شبهه بالشيء المعلق في المسجد كالقنديل مثلًا؛ إشارة إلى طول
الملازمة بقلبه، وإن كان جسده خارجًا عنه، ويحتمل أن يكون من العلاقة، وهي
شدة الحب، ويدل عليه رواية أحمد: ((مُعَلَّقٌ بِالْمَسَاجِدِ))، وكذا رواية سلمان: ((مِنْ
حُبِّهَا))، قال النووي: معناه: شديد الحب لها، والملازمة للجماعة فيها، وليس
معناه دوام القعود فيها، يعني: أنه كَنَّى به عن انتظاره أوقات الصلاة، فلا يصلي
صلاة في المسجد ويخرج منه إلا وهو ينتظر الأخرى ليصليها فيه، فهو ملازم
للمسجد بقلبه، وإن عرض لجسده عارض، وهذه الخصلة هي المقصودة من هذا
الحديث للباب. (وَرَجُلَانٍ) مثلًا. (تَحَابًا) بتشديد الباء، وأصله تحابَبًا من التفاعل،
أيٍ: اشتركا في جنس المحبة، وأحب كل منهما الآخر حقيقة لا إظهارًا فقط. (فِي
اللَّهِ) أي: في طلب رضاه أو لأجله لا لغرض دنياوي.
(اجْتَمَعَا عَلَيْهِ) أي: على الحب في اللَّه إن اجتمعا. (وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ) أي: على

١٣٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الحب إن تفرقا، يعني: يحفظان الحب في الحضور والغيبة. وقال الحافظُ :
والمراد: أنهما داما على المحبة الدينية ولم يقطعاها بعارض دنيوي، سواء اجتمعا
حقيقة أم لا. حتى فرق بينهما الموت. وذكر المتحابين لا يُصَيِّرِ العدد ثمانية؛ لأن
معناه: رجل يحب غيره في الله، والمحبة أمر نسبي فلا بد لها من المنتسبين،
فلذلك قال: رجلان، أو المراد: عد الخصال لا عد المتصفين بها.
(وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ) بلسانه أو بقلبه. (خَالِيًا) من الخلو، أي: من الناس؛ لأنه
أقرب إلى الإخلاص، وأبعد من الرياء، أو المراد: خاليًا من الالتفات إلى غير الله
تعالى ولو كان في ملأ، ويؤيده رواية البيهقي: ((ذَكَرَ اللهَ بَيْنَ يَدَيْهِ))، ويؤيد الأول
ما وقع في رواية للبخاري وغيره: (ذَكَرَ اللهَ فِي خَلَاءٍ))، أي: في موضع خال من
الناس. (فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ) من الدمع لرقة قلبه، وشدة خوفه من جلاله، أو مزيد
شوقه إلى جماله. والفيض انصباب عن امتلاء فوضع موضع الامتلاء للمبالغة، أو
المعنى: فاضت أي: سالت وجرت دموع عينيه، وأسند الفيض إلى العين مبالغة،
جعلت من فرط البكاء كأنها تفيض بنفسها .
(وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ) أي: إلى الزنا بها. (ذَاتُ حَسَبٍ) بفتحتين، وهو ما يعده
الإنسان من مفاخر آبائه، وقيل: الخصال الحميدة له ولآبائه. قال الحافظُ:
الحسب يطلق على الأصل والمال أيضًا. وفي رواية: ((ذَاتَ مَنْصِبٍ))، بكسر
الصاد، أي: حسب ونسب شريف ومال. (وَجَمَالٍ) أي: مزيد حسن. (فَقَالَ)
بلسانه زاجرًا لها عن الفاحشة، ومعتذرًا إليها، أو المراد: قال بقلبه زاجرًا لنفسه:
(إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ) زاد في رواية: (رَبَّ الْعَالَمِينَ))، قال عياض: خص ذات المنصب
والجمال؛ لكثرة الرغبة فيها وعسر حصولها، وهي جامعة للمنصب والجمال، لا
سيما وهي داعية إلى نفسها، طالبة لذلك، قد أغنت عن مشاق التوصل إلى مراودة
ونحوها، فالصبر عنها لخوف اللّه تعالى وقد دعت إلى نفسها مع جمعها المنصب
والجمال من أكمل المراتب وأعظم الطاعات، فَرَتَّبَ الله تعالى عليه أن يظله في
ظله .
(بِصَدَقَةٍ) نَكْرَهَا ليشمل كل ما يتصدق به من قليل وكثير، وظاهره أيضًا يشمل
المندوبة والمفروضة، لكن نقل النووي عن العلماء: أن إظهار المفروضة أولى من

*E
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
١٣٩
إخفائها. (فَأَخْفَاهَا) قال ابن الملك: هذا محمول على التطوع؛ لأن إعلان الزكاة
أفضل. قلتُ: في كل من الصدقة المندوبة والمفروضة عندي تفصيل.
(حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ ... ) إلخ. ذكره للمبالغة في إخفاء الصدقة، والإسرار بها،
وضرب المثل بهما؛ لقربهما وملازمتهما أي: لو قدر أن الشمال رجل متيقظ لما
علم صدقة اليمين للمبالغة في الإخفاء، فهو من مجاز التشبيه، أو من مجاز
الحذف، أي: حتى لا يعلم ملك شماله، أو حتى لا يعلم من على شماله من
الناس، أو هو من باب تسمية الكل بالجزء، فالمراد بشماله: نفسه، أي: إن نفسه
لا تعلم ما تنفق يمينه، ووقع في ((صحيح مسلم)): ((حَتَّى لَا تَعْلَمَ يَمِيْنُهُ مَا تُنْفِقُ
شِمَالُهُ))، وهو مقلوب سهو عند المحققين. وذكر الرجال في هذا الحديث لا مفهوم
له، فتدخل النساء، نعم، لا يدخلن في الإمامة العظمى، ولا في خصلة ملازمة
المسجد؛ لأن صلاتهن في بيتهن أفضل، لكن يمكن في الإمامة حيث يكن ذوات
عيال فيعدلن، ولا يقال: لا يدخلن في خصلة من دعته امرأة؛ لأَنَا نقول: إنه
يتصور في امرأة دعاها ملك جميل مثلًا للزنا، فامتنعت خوفًا من الله مع حاجتها.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الصلاة والزكاة والرقاق، ومسلم في الزكاة،
وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي في الزهد، والنسائي في القضاء.