النص المفهرس
صفحات 61-80
٦٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الشيطان نفسه وإغفاله عن سماع الأذان بالصوت الذي يملأ السمع ويمنعه عن
سماع غيره، ثم سماه ضراطًا تقبيحًا له. وقيل: هو عبارة عن شدة نفاره.
(حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ) تعليل لإدباره، واستدلَّ به على استحباب رفع الصوت
بالأذان؛ لأنَّ قوله: (حَتَّى لَا يَسْمَعَ) ظاهر في أنه يبعد إلى غاية ينتفي فيها سماعه
للصوت، وقد وقع بيان الغاية في رواية لمسلم من حديث جابر فقال: ((حَتَّى يَكُونَ
مَكَانَ الرَّوْحَاءِ)) وبين الروحاء والمدينة ستة وثلاثون ميلاً.
(فَإِذَا قَضَى) على بناء المفعول أو الفاعل، والضمير للمنادى، أي: فرغ المؤذن
منه. (أَقْبَلَ) الشيطان أي: فوسوس، كما في رواية مسلم: (حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ)
أي: أقيم لها، ففي روايةٍ لمسلمٍ: ((إِذَا أَقِيمَتْ))، وفي أخرى له: ((إِذَا سَمِعَ
الْإِقَامَةَ))، (أَدْبَرَ حَتَّى) لا يسمع الإقامة.
(حَتَّى يَخْطِرَ) بفتح ياء وكسر طاء، وحتى تعليلية. (بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ) أي: قلبه،
والمعنى: حتى يوسوس بما يكون حائلا بين الإنسان وما يقصده، ويريد إقبال نفسه
عليه مما يتعلق بالصلاة من خشوع وغيره، وأكثر الرواة على ضم الطاء، أي:
يسلك ويمر، ويدخل بين الإنسان ونفسه، فيكون حائلاً بينهما على المعنى الذي
ذكرنا أولًا، وهذا لا ينافي إسناد الحيلولة إلى الله تعالى في قوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ
بَيْنَ اْلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤]؛ لأن إسناده إليه تعالى حقيقي، وهذا باعتبار أن الله
تعالى مكنه منها حتى يتم ابتلاء العبد به. (يَقُولُ) أي: للمصلي، وهو بالرفع
استئناف مبين، وقيل: بالنصبٍ على أنه بدل من ((يخطر)). (اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا)
كناية عن أشياء لم تتعلق بالصلاة.
(لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ) أي: لشيء لم يكن على ذكره قبل دخوله في الصلاة. (حَتَّى
يَظَلَّ الرَّجُلُ) بفتح الظاء أي يصير ويبقى من الوسوسة بحيث. (لَا يَدْرِي: كَمْ
صَلَّى؟) أي: يَقَعْ في الشِّكَ. قال الطيبي: كرر (حَتَّى) في الحديث خمس مرات،
الأولى والأخيرتان بمعنى: كي، والثانية والثالثة دخلتا على الجملتين الشرطيتين
ولیستا للتعلیل، انتهى.
وقد اختلف العلماءُ في الحكمة في هروب الشيطان عند سماع الأذان والإقامة
دون سماع القرآن والذكر في الصلاة: فقيل: يهربُ حتى لا يشهد للمؤذن يوم
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ فَضْلِ الْأَذَانِ وَإِجَابَةِ الْمُؤذنٌ
٦١
القيامة، فإنه لا يسمع مدى صوته جن ولا إنس إلا شهد له يوم القيامة.
وقيل: لأنَّ الأذان دعاء إلى الصلاة المشتملة على السجود، الذي أباه وعصى
بسببه. وقيل: غير ذلك مما بسطه الحافظ في الفتح، والزرقاني في ((شرح
الموطأ».
قال ابنُ بطال: يشبه أن يكون الزجر عن خروج المرء من المسجد بعد أن يؤذن
المؤذن من هذا المعنى؛ لئلا يكون متشبهًا بالشيطان الذي يفر عند سماع الأذان.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا مالك، وأبو داود، والنسائي.
٦٦١ - [٣] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ إِ: ((لَا
يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ».
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ] {صحیح}
الشّرْحُ
٦٦١ - قوله: (لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ) بفتح الميم والقصر، أي: غاية
صوته، قال البيضاوي: غاية الصوت تكون أخفی، فإذا شهد له من بعُدَ عنه ووصل
إليه منتهى صوته، فلأن يشهدُ له مَن دنا منه وسمع مبادئ صوته أولى بالشهادة،
(جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ) تنكيرهما في سياق النفي؛ لتعميم الأحياء والأموات.
(وَلَا شَيْءٌ) أي: من النبات، والحيوانات، والجمادات، فهو من باب عطف
العام على الخاص، يدلّ عليه ما في رواية ابن خزيمة: ((لَا يَسْمَعُ صَوْتَهُ شَجَرٌ وَلَا
مَدَرٌ، وَلَا حَجَرٌ، وَلَا جِنٌّ، وَلَا إِنْسٌ))، ولأبي داود والنسائي من حديث أبي هريرةً:
((الْمُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ مَدَى صَوْتِهِ، وَيَشْهَدُ لَهُ كُلَّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ))، ونحوه لأحمد والنسائي
من حديث البراء، وصححه ابن السكن، فهذه الأحاديث تبين المراد من قوله في
حديث الباب: (وَلَا شَيْءٌ)، وغيرُ ممتنع عقلًا ولا شرعا أن يخلق اللَّه في الجمادات
الحياة والقدرة على السماع والكلام والشهادة، ومثله قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا
(٦٦١) البُخَارِي (٦٠٩)، وَالنَّسَائِي (١٢/٢)، وَابن مَاجَهْ (٧٢٣) فِي الأَذَانِ عَنْهُ.
٦٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
يُسِّحُ بِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] وفي ((صحيح مسلم)): ((إِنِّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ
عَلَيَّ ... )) ومنه ما ثبت في ((البخاري) وغيره من قول النار: ((أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا)).
قال القاري: والصحيح: أن للجمادات، والحيوانات، والنباتات، علمًا
وإدراكًا وتسبيحًا، كما يعلم من قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾.
[البقرة: ٧٤]، وقوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] ومن حديثه عليه
السلام: ((يَقُولُ الْجَبَلُ لِلْجَبَلِ: هَلْ مَرَّ بِكَ أَحَدٌ ذَكَرَ اللهَ؟ فَإِذَا قَالَ: نَعَمْ، اسْتَبْشَرَ)).
قال البغوي: وهذا مذهب أهل السنة، ويدل عليه قصة كلام الذئب والبقر
وغيرهما، فلا يحتاج إلى ما قاله ابن حجر: بأن يخلق الله تعالى فهمًا وسمعًا حتى
تسمع أذانه وتعقله. (إِلَّا شَهِدَ لَهُ) أي: بلسان القال. والسر في هذه الشهادة مع أنها
تقع عند عالم الغيب والشهادة: أن أحكام الآخرة جرت على نعت أحكام الخلق في
الدنيا من توجيه الدعوى والجواب والشهادة، قاله الزين بن المنير.
وقال التُّورْبَشْتِي: المراد من شهادة الشاهدين له وكفى بالله شهيدًا: اشتهاره يوم
القيامة فيما بينهم بالفضل والعلو، فإن الله تعالى يهين قومًا ويفضحهم بشهادة
الشاهدين، فكذلك يكرم قومًا، تكميلًا لسرورهم، وتطييبًا لقلوبهم. وفي
الحديث: استحباب رفع الصوت بالأذان؛ ليكثر من يشهد له ما لم يجهده أو
يتأذى، وفيه: أن أذان الفذ مندوب إليه، ولو كان في قفر، ولو لم يَتَرَجَّ حضور من
يصلي معه؛ لأنه إن فاته دعاء المصلين، فلم يفته استشهاد من سمعه من غيرهم.
(رَوَاهُ البُخَارِيُّ) وأخرجه أيضًا مالك، والشافعي، وأحمد والنسائي، وابن ماجه
وغيرهم .
٦٣
بَابُ فَضْلِ الْأَذَانِ وَإِجَابَةِ الْمُؤْذِنّ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
٦٦٢ - [٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
وَه : ((إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى
عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِي الْوَسِيلَّةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي
الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ لِي
الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّفَاعَةُ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح }
الشَّرْحُ
٦٦٢ - قوله: (إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ) أي: صوته أو أذانه. وظاهره: اختصاص
الإجابة بمن سمع، حتى لو رأى المؤذن على المنارة مثلاً في الوقت، وعلم أنه
يؤذن، لكن لم يسمع لِيُعْدٍ، أو صَمَمٍ لا تشرع له المتابعة. (فَقُولُوا) قال ابنُ
رسلان: الأمر للندب عند الجمهور، والصارف عن الوجوب على ما قيل: اقترانه
بأمر الصلاة، وسؤال الوسيلة، وهما مستحبان، وفيه نظر، فإن دلالة الاقتران غير
معمول عند الجمهور خلافًا للمزني، انتهى.
قال الحافظ: استدل الجمهور بحديث أخرجه مسلم وغيره: أن النبي وَ ﴾ سمع
مؤذنًا، فلما كبر قال: ((عَلَى الْفِطْرَةِ))، فلما تشهد قال: ((خَرَجْتَ مِنَ النَّارِ))، قالوا:
فلما قال ◌َ ل ٣ غير ما قال المؤذن، علمنا أن الأمر بذلك للاستحباب. ورد بأنه ليس
في الرواية أنه لم يقل مثل ما قال. فيجوز أن يكون قاله، ولم ينقله الراوي؛ اكتفاء
بالعادة، ونَقَلَ القول الزائد، وباحتمال أنه وقع ذلك قبل الأمر بالإجابة. (مِثْلَ مَا
يَقُولُ) أي: مثل قول المؤذن - أي: إلا في الحيعلتين - فيأتي بـ: ((لا حول ولا قوة
إلا بالله))؛ لحديث عمر الآتي فهو عام مخصوص.
وقال ابن المنذر: يحتمل أن يكون ذلك من الاختلاف المباح، فيقول تارة كذا
وتارة كذا. وحكى بعض المتأخرين عن بعض أهل الأصول أن العام والخاص، إذا
أمكن الجمع بينهما وجب إعمالهما، قال: فلم لا يقال: يستحب للسامع أن يجمع
(٦٦٢) مُسْلِم (١١ / ٣٨٤)، أَبُو دَاوُد (٥٢٣)، التِّرْمِذِي (٣٦١٤)، النَّسَائِي (٢ / ٢٥) عَنْ عَبْدِ الله بْنِ
عَمْرِو؛ فِيهِ .
٦٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
acE
بين الحيعلة والحوقلة، وهو وجه عند الحنابلة؟ قال القسطلاني: ويقول: بدل كل
من كلمتي التثويب في الصبح: صدقت وبرِرْت. بكسر الراء الأولى، أي: صِرْتَ
ذا بر وخير كثير. قال في ((الکفایة)): لخبر ورد فيه، انتهى.
وقال الأمير اليماني: وقيل: يقول في جواب التثويب: صدقت وبررت، وهذا
استحسان من قائله، وإلا فليس فيه سنة تعتمد، انتهى. وقيل: يقول في جوابه:
صدق رسول اللَّه وَّهله الصلاة خير من النوم. وهذا أيضًا استحسان من قائله لا
دليل عليه من السنة، قال الكرماني: قال: ((مثل ما يقول))، ولم يقل: ((مِثْلَ مَا
قَالَ))؛ ليشعر بأنه يجيب بعد كل كلمة مثل كلمتها. قال الحافظ: والصريح في
ذلك ما رواه النسائي من حديث أم حبيبة: أنه وتّر كان يقول كما يقول المؤذن حتى
يسكت. وأصرح من ذلك حديث عمر الآتي بعد هذا.
(ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ) بتشديد الياء، أي: ندبًا وسلموا. قال المناوي: وصرف عن
الوجوب الإِجماع على عدمه خارج الصلاة. (فَإِنَّه) الضمير للشأن (صَلَاةً) أي:
واحدة (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا) أي: أعطاه اللَّه بتلك الصلاة الواحدة عشرًا من
الرحمة. (ثُمَّ سَلُوا) أمر من سأل. (الْوَسِيلَةَ) هي ما يتقرب به إلى الكبير، يقال:
توسلت أي تقربت، وتطلق على المنزلة العلية، قاله الحافظ. والمتعين المصير
إلى ما في هذا الحديث من تفسيرها. (فَإِنَّهَا) أي: الوسيلة.
(مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ) من منازلها وهي أعلاها على الإطلاق. (لَا تَنْبَغِي) أي: لا
تليق، ولا تصلح، ولا تحصل، ولا تتيسر تلك المنزلة. (وَأَرْجُو) قال المناوي:
ذكره على منهج الترجي؛ تأدبًا وتشريعًا. وقال القرطبي: قال ذلك قبل أن يوحى
إليه أنه صاحبها، ثم أخبر بذلك، ومع ذلك فلا بد من الدعاء بها، فإن الله يزيد
بكثرة دعاء أمته رفعة، كما زاده بصلاتهم، ثم يرجع ذلك إليهم بنيل الأجور،
ووجوب شفاعته وَ له. (أَكُونَ أَنَا هُوَ) من وضع الضمير المرفوع موضع المنصوب
على أن ((أَنَا)) تأكيد أو فصل، ويحتمل أن يكون ((أَنَا)) مبتدأ خبره ((هُوَ)) والجملة خبر
((أَكُونُ)) والله أعلم.
(حَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّفَاعَةُ) وفي حديث جابر الآتي: ((حلَّت له))، قال الحافظُ: واللام
بمعنى على، أي: استحقت ووجبت، أو نزلت عليه، ولا يجوز أن تكون من
٦٥
بَابُ فَضْلِ الْأَذَانِ وَإِجَابَةِ الْمُؤْذنِّ
كِتَابُ الصَّلاةِ
الحلِّ؛ لأنها لم تكن قبل ذلك محرمة، ثم المراد: شفاعة مخصوصة. (رَوَاهُ
مُسْلِمٌ) أخرجه أيضًا أحمد، والترمذي في أوائل المناقب، وأبو داود والنسائي في
الصلاة .
٦٦٣ - [٥] وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ:
اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، فَقَالَ أَحَدُكُمُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا
إِلَهَ إِلَّا اللهُ، قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَّهَ إِلَّا اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ
اللَّهِ، قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: لَا
حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّ
بِاللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ قَالَ: لَا إِلَهَ
إِلَّا اللَّهُ، قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ، مِنْ قَلْبِهِ؛ دَخَلَ الْجَنَّةَ)). [رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشَّرْحُ
٦٦٣ - قوله: (إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ) شرطية جزاؤها (دَخَلَ الْجَنَّةَ). (اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ
أَكْبَرُ) لم يذكر الأربع؛ اكتفاء بذكر اثنين منها، ومن ثم ذكر واحدًا من الاثنين فيما
بعد، وفيه: دليل أنه يستحب للمؤذن أن يقولَ كل تكبيرتين بِنَفَسٍ واحد .
(فَقَالَ أَحَدُكُمْ) عطف على فعل الشرط. (ثُمَّ قَالَ) عطف على قال الأول، قال
الطيبي: المعطوفات بـ((ثم)) مقدرات بحرف الشرط والفاء في فقال، أي: إذا قال
المؤذن: أشهد (أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؛ قَالَ) أي: فقال أحدكم، فحذف اختصارًا (لَا
حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ) أي: لا حيلة في الخلاص عن موانع الطاعة، ولا حركة ولا
قوة على الطاعة إلا بتوفيق الله، وإنما أفرد وتقليل الشهادتين والحيعلتين في هذا
الحديث، مع أن كل نوع منها مثنى كما هو المشروع؛ لقصد الاختصار. قال
النووي: فاختصر ◌َّ من كل نوع شطرًا؛ تنبيهًا على باقيه. (مِنْ قَلْبِهِ) قيد للأخير أو
للكل وهو الأظهر، قاله القاري. (دَخَلَ الْجَنَّةَ) قال عياض: إنما كان كذلك؛ لأنَّ
(٦٦٣) مُسْلِمٍ (١٢ / ٣٨٥)، وَأَبُو دَاوُد (٥٢٧)، وَالنَّسَائِي فِي ((الكُبرى)) (٩٨٦٨) فِيهِ عَنْ عُمَرَ.
٦٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ذلك توحيد وثناء على الله تعالى، وانقياد لطاعته، وتفويض إليه بقوله: (لَا حَوْلَ
وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ)، فمن حصل هذا؛ فقد حاز حقيقة الإيمان، وكمال الإسلام،
واستحق الجنة بفضل الله. وقال الطيبي: وإنما وضع الماضي موضع المستقبل
لتحقيق الموعود، قال ابن حجر: على حدٍّ قوله: ﴿أَفَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]، ﴿وَنَادَىّ
أَصْحَبُ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٤٤].
والمراد: أنه يدخل مع الناجين، وإلا فكل مؤمن لا بد له من دخولها، وإن سبقه
عذاب بحسب جُرْمِهِ، إذا لم يعف عنه إلا إن قال ذلك بلسانه مع اعتقاده بقلبه حقيقة
ما دل عليه، وإخلاصه فيه، انتهى.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود وأخرج البخاري نحوه من حديث
معاوية .
٦٦٤ - [٦] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ
النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّغَّوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ آتٍ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ
وَالفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ)).
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ] {صحيح}
الشّرْجُ
٦٦٤ - قوله: (حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ) أي: تمام الأذان؛ إذ المطلق يحمل على
الكامل، ويدل عليه أيضًا: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص المتقدم. (اللَّهُمَّ)
أي: الله، والميم عوض عن: يا؛ فلذلك لا يجتمعان. (رَبَّ) بالنصب على أنه
منادى ثانٍ، أو بدل، ويجوز رفعُهُ على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: أنت رب هذه
الدعوة. (هَذِهِ الدَّعْوَةِ) بفتح الدال، قال العيني: المراد بالدعوة هاهنا: ألفاظ
الأذان التي يدعى بها الشخص إلى عبادة الله، انتهى.
(٤ ٦٦) البُخَارِي (٦١٤)، أَبُو دَاوُد (٥٢٩)، التِّرْ مِذِي (٢١١)، النَّسَائِي (٢٦/٢)، ابنُ ماجه (٧٢٢) فِیهِ عَنْ
جَابِرِ.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
ess
٦٧
بَابُ فَضْلِ الأَذَانِ وَإِجَابَةِ الْمُؤَذنِّ
وقال الحافظُ: المراد بها: دعوة التوحيد، كقوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِ﴾ [الرعد:
١٤] وقيل لدعوة التوحيد: تامة؛ لأن الشرك نقص، أو التامة التي لا يدخلها تغيير
ولا تبديل، بل هي باقية إلى يوم القيامة، أو لأنها هي التي تستحق صفة التمام، وما
سواها فمعرض للفساد والنقص. وقال ابن التين: وصفت بالتامة؛ لأن فيها أتم
القول، وهو لا إله إلا الله، ومعنى ((رب هذه الدعوة)): أنه صاحبها، أو المتمم
لها، والزائد في أهلها، والمثيب عليها أحسن الثواب، والآمر بها ونحو ذلك،
وقيل: المراد: الكاملة الفاضلة. (وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ) أي: الدائمة التي لا تغيرها
ملة، ولا تنسخها شريعة، أو القائمة إلى يوم القيامة، أو التي ستقوم. (آتٍ) أي:
أعطِ، أمر من الإيتاء.
(الْوَسِيلَةَ) تقدم تفسيرها في حديث عبد الله بن عمرو. (وَالْفَضِيلَةَ) هي المرتبة
الزائدة على سائر الخلائق، ويحتمل أن تكون تفسيرًا للوسيلة، وأما زيادة:
((الدَّرجة الرَّفِيعة)). المشتهرةُ على الألسنة، فقال السخاوي: لم أرها في شيء من
الروايات ذكره القاري.
(وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا) على حكاية لفظ القرآن، أي: مقامًا يحمدك فيه الأولون
والآخرون، أو مقامًا يحمد القائم فيه، وهو يطلق على كل ما يجلب الحمد من
أنواع الكرامات، ونصبه على الظرفية، أي: ابعثه يوم القيامة فأقمه مقامًا
محمودًا. أو ضمن (ابْعَثْهُ) معنى: أقمه، أو على أنه مفعول به، ومعنى (ابْعَثْهُ):
أَعْطِهِ. أو على الحال أي: ابعثه ذا مقام، والتنكير للتعظيم والتفخيم، كما قال
الطيبي، كأنه قال: مقامًا - أَيَّ مقام - محمودًا بكلِّ لسان، وقد روي بالتعريف عند
النسائي، وابن حبان، والطحاوي، والطبراني، والبيهقي. وهذا يرد على من أنكر
ثبوته معرفًا کالنووي.
(الَّذِي وَعَدْتَهُ) أراد بذلك قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾
[الإسراء: ٧٩]، وأطلق عليه الوعد؛ لأن عسى في كلام اللّه للوقوع، والموصول إما
بدل من ((مَقَامًا)) أو عطف بيان، أو خبر مبتدأ محذوف، وليس صفة للنكرة لعدم
المطابقة في التنكير، ووقع في رواية النسائي وغيره: ((الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ)) بالألف
واللام، فيصُّ وصفه بالموصول.
٦٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال ابنُّ الجوزي: والأكثر على أن المراد بالمقام المحمود: الشفاعة. والحكمة
في سؤال ذلك مع كونه واجب الوقوع بوعد الله وعسى في الآية للتحقيق إظهار
لشرفه، وعظم منزلته، وتلذذ بحصول مرتبته، ورجاء لشفاعته.
(حَلَّتْ) كذا في رواية البخاري بدونِ ((إلا)»، وهو الظاهر، وفي رواية الترمذي،
وأبي داود والنسائي، وابن ماجه: ((إِلَّا حَلَّتْ))، بإثبات ((إلا))، وهي تحتاجٍ إلى
تأويل، ورواية البخاري أوضح؛ لأن أول الكلام: (مَنْ قَالَ) وهو شرطية و(حَلَّتْ)
جوابها، ولا يقترن جواب الشرط بإلا، وأما مع إلا فينبغي أن يجعل ((من)) في
قوله: (مَنْ قَالَ) استفهامية للإنكار، فيرجع إلى النفي. وقال بمعنى: يقول، أي:
ما من أحد يقول ذلك إلا حلَّت له، ومثله: ﴿مَن ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِّ﴾
[الرحمن: ٦٠] وأمثلته كثيرة.
[البقرة: ٢٥٥] و﴿هَلْ جَزَآءُ الْإِحْسَنِ إِلَّا الْإِحْسَنُ
(رَوَاهُ البُخَارِيُّ) وأخرجَهُ أيضًا أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه
وابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) عن النسائي.
٦٦٥ - [٧] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يُغِيرُ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ، وَكَانَ
يَسْتَمِعُ الْأَذَانَ، فَإِنْ سَمِعَ أَذَّانًا أَمْسَكَ، وَإِلَّا أَغَارَ، فَسَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: اللَّهُ
أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّهِ: ((عَلَى الْفِطْرَةِ)) ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ
إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهُ: ((خَرَجْتَ مِنَ النَّارِ))
فَنَظَرُوا، فَإِذَا هُوَ رَاعِي مِعْزَّى.
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشَّرُْ
٦٦٥ - قوله: (يُغِيرُ) من الإغارة. (إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ) ليعلم أنهم مسلمون أو
كفار. (وَكَانَ يَسْتَمِعُ الأَذَانَ) أي: يطلب سماعه، ويتوجه بسمعه إلى صوت الأذان؛
ليعرف حالهم. (أَمْسَكَ) أي: عن الإغارة به. (وَإِلَّا) أي: وإن لم يسمع الأذان.
(أَغَارَ) قال القاضي: أي: كان يتثبت فيه، ويحتاط في الإغارة حذرًا عن أن يكون
(٦٦٥) مُسْلِم (٩/ ٣٨٢) فِيهِ عَنْ أَنَسٍ، وَأَصْلُهُ فِي الْبُخَارِي (٦١٠).
٦٩
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ فَضْلِ الأَذَانِ وَإِجَابَةِ الْمُؤذنَ
فيهم مؤمن، فيغير عليه غافلًا عنه جاهاًا بحاله.
وفي الحديث: دليلٌ على جواز الحكم بالدليل؛ لكونه وَلّ كف عن القتال
بمجرد سماع الأذان، وفيه: الأخذُ بالأحوطِ في أمر الدماء؛ لأنه كف عنهم في
تلك الحال مع احتمال أن لا يكون ذلك على الحقيقة.
وقال الخطابي: فيه: بيان أن الأذان شعار لدين الإسلام، فلو أن أهل بلد أجمعوا
على تركه كان للسلطان قتالهم عليه، ذكره القاري.
(فَسَمِعَ رَجُلًا) الفاء فصيحة، أي: لما كانت عادته ذلك استمع فسمع. (عَلَى
الْفِطْرَةِ) أي: أنتَ أو هو على الدين، أو السنة، أو الإسلام؛ لأن الأذان لا يكون إلا
للمسلمين. وفيه: أنَّ التكبير من الأمور المختصة بأهل الإسلام، وأنه يصح
الاستدلال به على إسلام أهل قرية سمع منهم ذلك. (خَرَجْتَ) أي: بالتوحيد. (مِنَ
النَّارِ) قال الطيبي: إشارةٌ إلى استمرار تلك الفطرة، وعدم تصرف الوالدين فيه
بالشرك. وأما خرجت بلفظ الماضي، فيحتملُ أن يكون تفاؤلًا وأن يكون قطعًا؛
لأن كلامه ◌َلِّلا حق وصدق، كذا في ((المرقاة)).
وقال الشوكاني: هو نحو الأدلة القاضية بأنَّ من قال: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ دَخَلَ
الْجَنَّةَ))، وهي مطلقة مقيدة بعدم المانع جمعًا بين الأدلة. (فَنَظَرُوا) أي: الصحابة.
(إِلَيْهِ) أي: إلى ذلك الرجل. (فَإِذَا هُوَ) أي: الرجل المؤذن. (رَاعِي مِعْزَّى) بكسر
الميمِ منونًا بمعنى المَعْز، وهو اسم جنس، وواحد المعزى: ماعز، وهو خلاف
الضأن، قاله الطيبي. واحتج به على أن الأذان مشروع للمنفرد.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) أخرج البخاري منه ذكر الإغارة بدون ذكر قصة الرجل الراعي
للمعز، وأخرجه أيضًا أحمد، والترمذي في آخر أبوابٍ السير، وصحَّحه أبو داود
في أواخر كتاب الجهاد مختصرًا بغير قصَّة الرجل.
٧٠
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٦٦٦ - [٨] وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: (مَنْ
قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَّ إِلَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ
مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا،
غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشّرْجُ
٦٦٦ - قوله: (مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ) أي: قوله، وهو يحتمل أن يكون
المراد به: حين يسمع تشهده الأول أو الأخير، وهو قوله آخر الأذان: لا إله
إلا الله، وهو أنسب، ويمكنُ أن يكون معنى يسمع: يجيب، فيكون صريحًا في
المقصود، وأن الثواب المذكور مرتَّب على الإجابة بكمالها مع هذه الزيادة، ولأن
قوله بهذه الشهادة في أثناء الأذان، ربما يفوته الإجابة في بعض الكلمات الآتية،
كذا في ((المرقاة)). (أَشْهَدُ ... ) إلخ. كذا في رواية لمسلم بغير لفظ ((أَنَا))، وبغير
الواو، وفي أخرى له: ((وَأَنَا أَشْهَدُ))، وكذا وقع عند أحمد والترمذي وأبي داود
والنسائي وابن ماجه.
قال السندي في ((حاشية النسائي)): قوله: (حِيْنَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ) أي يقول: أشهد
أن لا إله إلا الله، فقوله: ((وَأَنَا أَشْهَدُ))، عطف على قول المؤذن، أي: وأنا أشهد
كما تشهد. (رَضِيتُ بِاللّهِ رَبًّا) تمييز، أي : بربوبيته، وبجميع قضائه وقدره، وقيل:
حال أي: مربيًّا، ومالكًا، وسيدًا، ومصلحًا.
(وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا) أي: بجميع ما أرسل به، وبلغه إلينا من الأمور الاعتقادية
وغيرها. (وَبِالْإِسْلَام) أي: بجميع أحكام الإسلام من الأوامر والنواهي. (دِينًا) أو
اعتقادًا أو انقيادًا. (غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ) أى: من الصغائر جزاء لقوله: (مَنْ قَالَ حِيْنَ يَسْمَعُ
الْمُؤَذِّنَ).
(٦٦٦) مُسْلِمٍ (١ / ٢٩٠)، وَأَبُو دَاوُد (٥٢٥)، والتِّرْمِذِي (٢١٠)، والنَّسَائِي (٢٦/٢)، وابنُ ماجه
(٧٢١) فِيهِ عَنْ سَعدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ فَضْلِ الْأَذَانِ وَإِجَابَةِ الْمُؤْذنِ
٧١
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
والعجب أن الحاكم أخرجه في ((مستدركه)) (ج١: ص٢٠٣). وأعجب من ذلك
تقرير الذهبي له في استدراكه عليه، وهو في ((صحيح مسلم)) بلفظه، وأخرجه
الحاكم من طريق قتيبة عن الليث، وقتيبةُ هذا شيخ مسلم في هذا الحديث.
٦٦٧ - [٩] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْن مُغَفَّل قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: (بَيْنَ كُلِّ
أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ، بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ) ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِئَةِ: ((لِمَنْ شَاءَ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
الشّرْحُ
٦٦٧ - قوله: (بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ) أي: أذان وإقامة، وهذا من باب التغليب
كالقمرين للشمس والقمر، ويحتمل أن يكون أُطْلِقَ على الإقامة أذان حقيقة؛ لأن
الأذان في اللغة بمعنى الإعلام، فالإقامة: إعلام بحضور فعل الصلاة، كما أن
الأذان: إعلام بدخول الوقت. قال السندي في ((حاشية ابن ماجه)): وعمومُه يشمل
المغرب، بل قد جاء صريحًا، كما في حديث أنس وغيره، فلا وجه للقول
بالكراهة، انتھی.
قلتُ: قد ورد ذكر المغرب بخصوصه نصًّا في حديث عبد الله بن مغفل أيضًا،
ففي ((الصحيحين)) عنه قال: قال النبي وَلّ: ((صَلَّوا قَبْلَ صَلاَةِ الْمَغْرِبِ)) قَالَ فِى
الثَّالِثَةِ: ((لِمَنْ شَاءَ)) كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً، وأما حديث أنس فسنذكرُهُ إن
شاء اللَّه تعالى (صَلَاةٌ) أي: نافلة، أو نكرت لتتناول كل عدد نواه المصلي من
النافلة كركعتين، أو أربع، أو أكثر.
(بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ) قال ابن الملك: كرر تأكيدًا للحث على النوافل بينهما.
قال المظهرُ: إنما حرض ◌َلَّا أمته على صلاة النفل بين الأذانين؛ لأن الدعاء لا يرد
(٦٦٧) الْبُخَارِي (٦٢٧)، مُسْلِم (٣٠٤/ ٨٣٨)، أَبُو دَاوُد (١٢٨٣)، التِّرْمِذِي (١٨٥)، النَّسَائِي (٢/
٢٨)، ابنُ ماجه (١١٦٢) عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مُغَفَّلٍ فِيهِ.
٧٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
بين الأذان والإقامة؛ لشرف ذلك الوقت، وإذا كان الوقت أشرف كان ثواب
العبادة أكثر. (لِمَنْ شَاءَ) ذكره دلالة على عدم وجوبها.
قال السندي في ((حاشية النسائي)): وهذا الحديث وأمثاله يدل: على جواز
الركعتين قبل صلاة المغرب بل ندبهما. قلتُ: أرادٍ بأمثاله ما روي في ذلك من
الأحاديث الصحيحة الصريحة، منها: حديث عبد الله بن مغفل الذي ذكرنا لفظه،
وهو حديث صحيح أخرجه الشيخان، ومنها: حديث أنس بن مالك أخرجه أيضًا
الشيخان. قال: كَان المؤذِّن إذا أذَّن قام ناسٌ مِن أصحاب النبي وَلَ يْتدِرُونَ
السَّواري حتَّىِ يخرجَ النبيُّ وَّه وهم كذلك، يصلّونَ الرِكْعَتينِ قَبْل المغْربِ. زاد
مسلم: حتَّى أنَّ الرَّجلَ الغَريبَ ليدخلُ المسجِدَ فَيحسبُ أَنَّ الصَّلاةَ صُلِّيت مِن كَثْرة
مَنْ يُصلِيهِمَا.
ومنها: حديث عقبة بن عامر، أخرجه البخاري، عن مرثد بن عبد الله اليزني،
قال: أتيت عقبة بن عامر الجهني، فقلتُ: ألا أعجبك من أبي تميم، يركع ركعتين
قبل صلاة المغرب؟ فقال: إنا كُنا نفعله على عهد النبي وَله، قلتُ: فما يمنعك
الآن؟ قال: الشغل. وستأتي هذه الأحاديث في باب السنن وفضائلها.
ومنها: حديث عبد الله بن مغفل أيضًا: أن رسول اللّه وَ ه صلَّى قَبْل المغْربِ
رَْعتينٍ، أخرجه ابن حبان في ((صحيحه))، وأخرجه محمد بن نصر في قيام الليل
بلفظِ: أنَّ رسولَ اللَّهِوَ لَ صلَّى قَبل المغْربِ رَكْعتينٍ، ثم قال: ((صَلَّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ
رَكْعَتَيْنٍ))، ثم قال عند الثالثة: ((لِمَنْ شَاءَ))؛ خَشْيَةً أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً.
قال العلّامةُ أحمد بن علي المقريزي في ((مختصر قيام الليل)): هذا إسناده صحيح
على شرط مسلم، وقد صحَّ في ابن حبان حديث: أن النبي ◌َّ صلَّى رَكْعتينٍ قَبْل
المغْربِ، انتهى. وقد روى محمد بن نصر عن جماعة من الصحابة والتابعين أنهم
كانوا يصلون الركعتين.
فهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة، وآثار الصحابة، والتابعين تدل على
استحباب الركعتين بعد أذان المغرب وقبل صلاته، وهو الحق. وترد على الحنفية
والمالكية ومن وافقهم. وارجع لتفصيل الكلام في ذلك إلى ((شرح الترمذي)
لشيخنا الأجَلِّ المباركفورى.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ فَضْلِ الْأَذَانِ وَإِجَابَةِ الْمُؤْذِنِّ
٧٣
الفصل الثاني
٦٦٨ - [١٠] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَِّ: ((الْإِمَامُ ضَامِنٌ،
وَالمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ، اللَّهُمَّ أَرْشِدِ الْأَئِمَّةَ، وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ)).
[ْرَوَاهُ أَحْمَدُ وأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالشَّافِعِيُّ، وَفِي أُخْرَى لَهُ بِلَفْظِ ((الْمَصَابِيح))] (صحيح}
الشَّرْخُ
٦٦٨ - قوله: (الْإِمَامُ ضَامِنٌ) قال الجزري: أراد بالضمان هاهنا: الحفظ
والرعاية لا ضمان الغرامة؛ لأنه يحفظ على القوم صلاتهم. وقيل: إن صلاة
المقتدين في عهدته، وصحتها مقرونة بصحة صلاته، فهو كالمتكفل لهم صحة
صلاتهم، انتھی.
وقال الخطابي في ((المعالم)) (ج١: ص١٥٦): قال أهلُ اللغة: الضامن في كلام
العرب معناه: الراعي، والضمان معناه: الرعاية، والإمام ضامن بمعنى: أنه
يحفظ الصلاة، وعدد الركعات على القوم، وقيل: معناه ضامن الدعاء یعمهم به،
ولا يختص بذلك دونهم، وليس الضمان الذي يوجب الغرامة من هذا في شيء،
وقد تأوله قوم على معنى: أنه يتحمل القراءة عنهم في بعض الأحوال، وكذلك
يتحمل القيام أيضًا، إذا أدركه المأموم راكعًا، وهذا التأويل الأخير الذي ذكره
الخطابي بعيد من اللفظ والسياق، كما لا يخفى. وأبعد منه حمله على معنى أن
الإمام متكفل لصحة صلاة المقتدين، فإن الضمان في كلام العرب هو الرعاية
والحفظ، والمراد: أن الإمام يحفظ أفعال الصلاة وعدد الركعات على القوم، فلا
دليل فيه على ما ذهب إليه الحنفية من عدم جواز صلاة المفترض خلف المتنفل .
(وَالْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ) أي: أمين في الأوقات، يعتمد الناس على صوته في الصلاة
والصيام وغيرهما، وقيل: أمين على حرم الناس؛ لأنه يشرف على المواضع
(٦٦٨) أَحْمَد (٢/ ٢٨٤، ٣٨٢، ٤٢٤)، أَبُو دَاوُد (٥١٧، ٥١٨)، التِّرْ مِذِي (٢٠٧) فِي الصَّلَاةِ عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ.
٧٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
العالية. قال الجزري: مؤتمن القوم الذي يثقون إليه، ويتخذونه أمينًا حافظًا.
يقال: ائتمن الرجل فهو مؤتمن، يعني: أن المؤذن أمين الناس على صلاتهم
وصيامهم، انتهى. ولا بن ماجه من حديث ابن عمر مرفوعًا: ((خَصْلَتَانِ مُعَلَّقَتَانِ فِی
أَعْنَاقِ الْمُؤَذِّنِينَ لِلْمُسْلِمِينَ: صَلاَتُهُمْ وَصِيَامُهُمْ)).
(اللَّهُمَّ أَرْشِدِ الْأَئِمَّةَ) للعلم بما تكفلوه والقيام به، والخروج عن عهدته. (وَاغْفِرْ
لِلْمُؤَذِّنِينَ) أي: ما عسى يكونُ لهم تفريط في الأمانة التي حملوها من جهة تقديم
على الوقت، أو تأخير عنه سهوًا. والحديث: يستدلَّ به على فضل الأذان على
الإمامة؛ لأن حال الأمين أفضل من حال الضمين، ورد بذلك بأن هذا الأمين
يتكفل الوقت فحسب، وهذا الضامن يتكفل أركان الصلاة، ويتعهد للسفارة بينهم
وبين ربهم في الدعاء، فأين أحدهما من الآخر؟ وكيف لا والإمام خليفة رسول الله
وَلّ، والمؤذن خليفة بلال؟ وأيضًا الإرشاد الدلالة الموصولة في البُغْيَةِ، والغفران
مسبوق بالذنوب. قال الطيبي.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ وأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالشَّافِعِيُّ) في ((الأم))، ولعل تأخير الإمام
الشافعي عن المخرجين المذكورين مع أنه أجَلّ منهم رواية ودراية باعتبار صحة
أسانيد كتبهم واشتهارها، وقبول العامة لها؛ أما ترى أن البخاري ومسلمًا يتقدمان
عليه بل على أستاذه الإمام مالك، وما ذلك إلا لقوة صحة كتابيهما، وتلقي الأمة
لهما بالقبول.
وقال ابن حجر: إنما أخره عنهم مع أنهم من جملة تلامذته، أو تلامذه تلامذته
ليفيد أن له رواية أخرى. ولذا قال: وَفِي أَخْرَى ... إلخ. كذا في ((المرقاة)).
والحديث أخرجه أيضًا أبو داود الطيالسي في ((مسنده))، وابن حبان في
((صحيحه)) كلهم عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، وروي أيضًا عن
محمد بن أبي صالح، عن أبيه أبي صالح،ً عن عائشة، واختلفوا في صحة
الحديث، فرَجَّحَ أبو زرعة، والعقيلي، والدار قطني طريق أبي صالح عن أبي هريرة
على طريق أبي صالح عن عائشةَ. ورجَّح البخاري عكسه، وذكر عن علي بن
المديني أنه لم يثبت واحدًا منهما. أما حديث أبي هريرة فللانقطاع بين الأعمش
وأبي صالح؛ لأنه يقول: نبئت عن أبي صالح، عن أبي هريرة كما في رواية لأحمد
٧٥
كِتَّابُ الصَّلَاةِ
Ex *
بَابُ فَضْلِ الْأَذَانِ وَإِجَابَةِ الْمُؤْذنِّ
وأبي داود. وفي رواية لأحمد عن الأعمش، عن رجل، عن أبي صالح، عن أبي
هريرة. وأما حديث عائشة فللاختلاف في محمد بن أبي صالح، فأنكر بعضهم
وجودہ کابن عدي.
فقد نقل في ((التهذيب)) عنه: أنه قال: ليس في ولد أبي صالح من اسمه محمد،
وأثبته بعضهم كأبي داود وأبي زرعة الدمشقي؛ ولأنه تفرد نافع بن سليمان بذكر
عائشة، وخالف الثقات في ذلك، وهو ليس بقوي، وصحح حديث أبي هريرة
وعائشة جميعًا ابن حبان، وقال: قد سمع أبو صالح هذين الخبرين من عائشة وأبي
هريرة جميعًا، وهذا هو الصواب عندي، ويجابُ عن الانقطاع بين الأعمش وأبي
صالح بأن ابن نمير قد قال: عن الأعمش، عن أبي صالح، ولا أراني إلا قد سمعته
منه .
وقال إبراهيم بن حميد الرواسي: قال الأعمش: وقد سمعته من أبي صالح،
وقال هشيم: عن الأعمش، حدثنا أبو صالح، عن أبي هريرة، ذكر ذلك
الدار قطني، فبينت هذه الطرق أن الأعمش سمعه عن غير أبي صالح. ثم سمعه
منه، أو يقال: إنه سمعه من أبي صالح، ثم وقع في نفسه الشك في سماعه، فكان
تارة يرويه عن أبي صالح، وتارة يرويه عن رجل عنه، وتارة يقولُ: نبئت عن أبي
صالح، ولا أراني إلا قد سمعته منه كما في رواية لأحمد وأبي داود. والطرقُ التي
ذكرها الدار قطني تكفي في ترجيح سماع الأعمش إياه، وإن شك فيه بعد ذلك.
قال اليعمري: الكل صحيح، والحديث متصل، ويجاب عن الكلام في حديث
عائشة: بأن الراجح أن محمد بن أبي صالح كان موجودًا، فقد نقل في ((التهذيب))
أنه روى عنه هشيم أيضًا، فلم ينفرد نافع بن سليمان بالرواية عنه، ولعله كان غير
مشهور في الرواة، فلذلك خفي أمره على بعض العلماء.
وقد نقل في ((التهذيب)): أن ابن حبان ذكره في ((الثِّقاتِ))، وقال: يخطئ، ونقل
فيه وفي ((التلخيص)): أن ابنَ حبان أخرج حديثه هذا في ((صحيحِهِ))، ووقوع الخطأ
من الراوي في بعض رواياته لا يمنعُ إصابته فيما لم يخالفه فيه غيره، وأولى أن
یصیب فیما وافق غيره فیه، ونافع بن سليمان وثقه ابن معين.
وقال أبو حاتم: صدوق يحدث عن الضعفاء مثل بقية. وقد روي أيضًا هذا
٧٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الحديث من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن سهيل بن أبي صالح، عن
أبيه، عن أبي هريرة، أخرجه أحمد، وابن حبان، ومن طريق زهير بن معاوية، عن
أبي إسحاق، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أخرجه أحمد، وهذان إسنادان
صحيحان لا مطعن فيهما. وقد ثبت بهما أن الحديث رواه أبو صالح يقينًا، فلو شك
الأعمش في سماعه منه لم يكن ذلك بضاره شيئًا. كذا حقَّقه العلامةُ الشيخ أحمد
محمد شاكر في ((تعليقه على الترمذيِّ))، وهو تحقيق جيد نفيس حقيق بالقبول، وقد
بسطَ الحافظُ الكلام في طرق هذا الحديث في ((التلخيص)) فارجع إليه إن شئت.
هذا، وفي الباب عن أبي أمامة عند أحمد، وابن عمر عند أبي العباس السراج،
وصحَّحه الضياء في ((المختارة))، وسهل بن سعد عند ابن ماجه والحاكم، وواثلة
وأبي محذورة عند الطبراني في ((الكبير)).
(وَفِي أُخْرَى لَهُ) أي: في رواية أخرى للشافعي. (بِلَفْظِ الْمَصَابِيح) وهو:
((الأئمة ضمناء، والمؤذنون أمناء، فأرشد اللَّه الأئمة، وغفر للمؤذنين)). قال ابن
الملك: الضمناء جمع ضمين، والأمناءُ جمع أمين، وقال الطيبي: دعاء أخرجه في
صورة الخبر مبالغة، وعبر بالماضي ثقة بالاستجابة، كأنه استجيب فيه، ويخبر عنه
موجودًا .
٦٦٩ - [١١] وَعَن ابْنِ عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ له: «مَنْ أَذَّنَ سَبْعَ
سِنِينَ مُحْتَسِبًا؛ كُتِبَ لَهُ بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وابْنُ مَاجَهْ] {ضعيف}
الشَّرْجُ
٦٦٩- قوله: (سَبْعَ سِنِينَ) العلمُ بتعيين هذه المدة موكول إلى الشارع.
(مُحْتَسِبًا) أي: طالبًا للثواب لا للأجرة. (بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ) أي: خلاص منها، وهذا
يستلزم الدخول في الجنة ابتداء، ومغفرة الذنوب كلها صغائرها وكبائرها، بل
المتقدمة والمتأخرة، ويحتمل أن يكون مقيدًا بالموت على الإيمان، أو يكون
(٦٦٩) التِّرْمِذِي (٢٠٦)، ابن مَاجَهْ (٧٢٧) فِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿ُّ.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
ese
بَابُ فَضْلِ الْأَذَانِ وَإِجَابَةِ الْمُؤْذِنِّ
*
٧٧
بشارة بذلك، قاله السندي. وقال المناوي: لأنَّ مداومته على النطق بالشهادتين،
والدعاء إلى الله تعالى هذه المدة الطويلة من غير باعث دنيوي صير نفسه كأنها
معجونة بالتوحيد، والنار لا سلطان لها على من صار كذلك. وأخذ منه: أنه يندب
للمؤذن على أن لا يأخذ على أذانه أجرًا، انتهى.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وفي سندِه جابر بن يزيد الجعفي وهو ضعيف جدًّا. قال
الترمذي: وجابر بن يزيد ضعفوه، تركَهُ يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي،
وقال ابن سعد في ((الطبقات)) (ج٦: ص٢٤٠): كان ضعيفًا في رأيه وحديثه. قال ابنُ
عُيينة: كنتُ معه في بيت، فتكلم بكلام ينقض البيت أو كاد ينقض أو نحو هذا.
وقال أبو حنيفة: ما لقيت فيمن لقيت أكذب من جابر الجعفي، ما أتيته بشيء من
رأيي إلا جاءني فيه بأثر. كذا في ((نصب الراية))، و((تهذيب التهذيب))، وكذبه أيضًا
ابن معين وغيره.
(وَأَبُو دَاوُدَ) كذا في بعض النسخ، وفيه نظر، فإن الحديث ليس في ((سنن أبي
داود))، قال الحافظ في (تهذيب التهذیب) (ج٢: ص٤٨): روی له أبو داود حديثًا
واحدًا في السهو في الصلاة من حديث مغيرة بن شعبة، وقال عقبة: ليس في كتابي
عن جابر الجعفي غيره.
٦٧٠ - [١٢] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قال: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((يَعْجَبُ
رَبُّكَ مِنْ رَاعِي غَنَم فِي رَأْسٍ شَظِيَّةٍ لِّلْجَبَلِ يُؤَذِّنُ بِالصَّلَاةِ وَيُصَلِّي، فَيَقُولُ
اللَّهُ وَ: انْظُرُوا إِلَّى عَبْدِي هَذَا، يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ الصَّلَاةَ يَخَافُ مِنِّي، قَدْ غَفَرْتُ
لِعَبْدِي، وَأَدْخَلْتُهُ الْجَنَّةَ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ] {صحيح}
الشّرْحُ
٦٧٠ - قوله: (يَعْجَبُ رَبُّكَ) قال النووي: التعجب على اللَّه محال؛ إذ لا
يخفى عليه أسباب الأشياء، والتعجب إنما يكون مما خفي سببه، فالمعنى: عظم
(٦٧٠) أَبُو دَاوُد (١٢٠٣)، النَّسَائِي (٢/ ٢٠) فِي الصَّلَاةِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ .
٧٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ذلك عنده وكبر. وقيل: معناه الرضا، أي: يرضى ربك منه، ويثيب عليه.
والخطاب، إما للراوي، أو لواحد من الصحابة غيره، أو عام لكل من يتأتّى منه
السماع، كذا في ((المرقاة)). وقيل: العجب روعة تعتري الإنسان عند استعظام
الشيء، والله تعالى منزَّه عن الروعة، فيحمل على الاستعظام من غير روعة.
وقال الإمام ابن تيمية في بعض رسائله بعد ذكر الأحاديث التي فيها نسبة العجب
إلى الله تعالى: إن قول القائل: التعجب استعظام للمتعجب منه، فيقال: نعم،
وقدٍ یکون مقرونًا بجهل بسبب المستعجب منه، وقد یکون لما خرج عن نظائره،
واللَّه تعالى بكل شيء عليم، فلا يجوز عليه أن لا يعلم سبب ما يعجب منه، بل
يتعجب منه لخروجه عن نظائره؛ تعظيمًا له، والله تعالى يعظم ما هو عظيم، إما
لعظمه أو لعظمته، فإنه وصف بعض الخير بأنه عظيم، ووصف بعض الشر بأنه
عظيم، فقال: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ اُلْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٩] وقال: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِىِ
﴾ [الحجر: ٨٧] وقال: ﴿لََّ تَيْنَهُم مِّن لَُّنَّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٦٧]
٧
وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ
وقال: ﴿سُبْحَنَكَ هَذَا بُهْتَنُ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] وقال: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾
[لقمان: ١٣]. وقول القائل: إن هذه انفعالات نفسانية، فيقال: كل ما سوى الله
مخلوق منفعل، ونحن ذواتنا منفعلة، فكونها انفعالات فينا لغيرنا نعجز عن دفعها
لا يوجب أن يكون اللَّه منفعلاً لها، عاجزًا عن دفعها، فإن كل ما يجري في
الوجود، فإنه بمشيئته وقدرته، لا يكون إلا ما يشاء، ولا يشاء إلا ما يكون له الملك
وله الحمد.
(مِنْ رَاعِي غَنَم) اختار العزلة من الناس. (فِي رَأْسِ شَظِيَّةٍ لِلْجَبَلِ) بفتح الشين
وكسر الظاء المعَّجمتين وتشديد التحتانية، قطعة مرتفعة في رأس الجبل. (يُؤَذِّنُ
بِالصَّلاَةِ) وفائدة تأذينه: إعلام الملائكة والجن بدخول الوقت، فإن لهم صلاة
أيضًا. وشهادة الأشياء على توحيده، ومتابعة سنته، والتشبه بالمسلمين في
جماعتهم. وقيل: إذا أذن وأقام تصلي الملائكة معه، ويحصل له ثواب الجماعَة.
(فَيَقُولُ اللَّهُ) أي: لملائكته. (انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي هَذَا) تعجيب للملائكة من ذلك
الأمر بعد التعجب لمزيد التفخيم، وكذا تسميته بالعبد وإضافته إلى نفسه،
والإشارة بهذا تعظيم على تعظيم. (وَيُقِيمُ الصَّلَاةَ) منصوب بنزع الخافض أي:
للصلاة تنازع فيه الفعلان.
meshkat almocahoe7 part 3 Az aldin 2016 inh 3_B
كِتَّابُ الصَّلَاةِ
بَابُ فَضْلِ الْأَذَانِ وَإِجَابَةِ الْمُؤْذِنٌ
٧٩
وقال ابنُ الملك: أي: يحافظها ويداوم عليها. (يَخَافُ مِنِّي) أي: يفعل ذلك
خوفًا مني لا يراه أحد، قاله ابن حجر. وقال الطيبي: الأظهر أنه جملة مستأنفة،
وإن احتمل الحال، فهو كالبيان لعلة عبوديته، واعتزاله التام عن الناس حق
اعتزال، ولذا آثر الشظية بالرعي فيها .
وفي الحديث: دليل على شرعية الأذان، واستحبابها للمنفرد، وإن كان بحيث
لا يسمعه أحد، فيكون صالحًا لرد قول من قال: إن شرعية الأذان تختص
بالجماعة، وفيه أيضًا: أن الأذان من أسباب المغفرة للذنوب. (وَأَدْخَلْتُهُ الْجَنَّةَ)
أي: حكمت به، أو سأدخله الجنة.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في باب: الأذان في السفر. (وَالنَّسَائِيُّ) وأخرجه أيضًا أحمد،
وسعيد بن منصور، والطبراني، والبيهقي، وقد سكت عنه أبو داود. وقال
المنذري: رجال إسناده ثقات.
٦٧١ - [١٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَر قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: («ثَلَاثَةٌ عَلَى
كُثْبَانِ الْمِسْكِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: عَبْدٌ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوْلَاةُ، وَرَجُلٌ أَمَّ قَوْمًا
وَهُمْ بِهِ رَاضُونَ، وَرَجُلٌ يُنَادِي بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيب] {ضعيف}
الشَّرْحُ
٦٧١ - قوله: (ثَلَاثَةٌ) أي: أشخاص. (عَلَى كُثْبَانِ الْمِسْكِ) الكثبان بضم
الكاف جمع كثيب، وهو ما ارتفع من الرمل كالتل الصغير، قال الطيبي: عبر عن
الثواب بكثبان المسك، لرفعته، وظهور فوحه. وروح الناس من رائحته لتناسب
حال هؤلاء الثلاثة، فإن أعمالهم متجاوزة إلى الغير، انتهى. والأولى الحمل على
الحقيقة بل هو المتعين.
(يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وفي الترمذي: ((أُرَاه قالَ: يَوْمَ القِيامةِ)). أي: أظنه. قال شيخنا:
(٦٧١) التِّرْمِذِي (١٩٨٦) فِي الأَدَبِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَقَالَ: غَرِيبٌ.