النص المفهرس
صفحات 21-40
٢٠
*
BRMEN
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
لما أشار به سلمان الفارسي، فإنه من مكايد الفرس دون العرب، وعمل فيه عليه
الصلاة والسلام بنفسه؛ ترغيبًا للمسلمين، فإنهم قاسوا في حفره شدائد، منها شدة
الجوع، والبرد، وكثرة الحفر، والتعب، وأقاموا في عمل الحفر عشرين ليلة، أو
خمسة عشر يومًا، أو أربعًا وعشرين، أو شهرًا على أقوال، وسميت بالأحزاب
الاجتماع طوائف من المشركين: قريش، وغطفان، وبني أسد، وبني سليم، وبني
سعد، واليهود، على حرب المسلمين، وهم كانوا ثلاثة آلاف، والمشركون عشرة
آلاف، وقيل: أربعة وعشرون ألفًا.
(حَبَسُونَا) أي: منعونا وشغلونا عن فعل الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس،
وكان ذلك قبل نزول صلاة الخوف. (عَنْ صَلَاةِ الْوُسْطَى) بإضافة الصلاة إلى
الوسطى، وهو من باب قول الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِ﴾ [القصص: ٤٤] وفيه
المذهبان المعروفان: مذهب الكوفيين: جواز إضافة الموصوف إلى صفته،
ومذهب البصريين: منعه، ويقدرون فيه محذوفًا، وتقديره هنا: عن صلاة الصلاة
الوسطى، أي: عن فعل الصلاة الوسطى، وهي تأنيث الأوسط، كالفضلى تأنيث
الأفضل، والأوسط الأعدل من كل شيء، قال أعرابي يمدح النبي ◌َّه :
وَأَكْرَمَ النَّاسِ أُمَّا بِرَةً وَأَبًّا
يَا أَوْسَطَ النَّاسِ طَرَّا فِي مَفَاخِرِهِمْ
وقال تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ [القلم: ٢٨] أي: أفضلهم وليست من الوسط الذي
معناه المتوسط بين شيئين؛ لأن فعلى أفعل التفضيل، ولا يبنى منه إلا ما يقبل
الزيادة والنقصان، والوسط بمعنى العدل والخيار يقبلهما، بخلافٍ المتوسط بين
الشيئين فإنه لا يقبلهما، فلا يبنى منه أفعل التفضيل، قاله القسطلاني، ورجّح
الرازي في ((تفسيره)) كونه من التوسط بين الشيئين، وقال: المراد من الوسطى: ما
تكون وسطى في العدد لا ما تكون وسطى بسبب الفضيلة، انتهى. وذكر
الزمخشري وابن العربي القولين على احتمال (صَلَاةَ الْعَصْرِ) بالجرِّ بدل من صلاة
الوسطى، أو عطف بيان لها.
والحديثُ نصٌّ في أن الصلاة الوسطى هي العصر، وقد اختلف الناس في تعيين
الوسطى على أكثر من عشرين قولًا، أشهرها ثلاثة:
أحدها: أنها الصبح، قال به مالك والشافعي.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ فَضَائِلِ الصَّلَاةِ
٢١
والثاني: أنها الظهر، قال به زيد بن ثابت، وعروة.
والثالث: أنها العصر، ذهب إليه أكثر علماء الصحابة وجمهور التابعين وأكثر
أهل الأثر، قاله الترمذي والبغوي والماوردي وابن عبد البر والطيبي، وهو مذهب
أحمد، وأبي حنيفة .
واحتجوا بالأحاديث الصحيحة الصريحة، ذكرها الحافظ في ((الفتح))، وابن
كثير في ((تفسيره)) والمجد ابن تيمية في ((المنتقى))، منها: حديث عَليٍّ هذا، ولا
يساويه سائر الأحاديث والآثار الدالة على خلاف ذلك، فهو أصح الأقوال في
ذلك، والمذهب الحق الذي يتعين المصير إليه، قال النووي: الذي يقتضيه
الأحاديث الصحيحة أنها العصر وهو المختار. وقال الحافظُ: كونها العصر هو
المعتمد. (مَلَأَ اللَّهُ) دعاء عليهم، وأخرجه في صورة الخبر؛ تأكيدًا وإشعارًا بأنه من
الدعوات المجابة سريعًا، وعبَّر بالماضي ثقة بالاستجابة، فكأنه أجيب سؤاله،
فأخبر عن وجود إجابته ووقوعها.
(بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا) قال الأشرفُ: خصهما بالذكر؛ لأن أحدهما مَسْكَنُ
الأحياء، والآخر مَضْجَعُ الأموات، أي: جعل النار ملازمة لهم بحيث لا تنفك
عنهم لا في حياتهم ولا في مماتهم. قال الطيبي: دعا عليهم بعذاب الدَّارَيْنِ من
خراب بيوتهم في الدنيا بنهب أموالهم، وسبي ذراريهم، وهدم دورهم، ومن
عقاب في الآخرة باشتعال قبورهم نارًا، انتهى. قال الحافظُ: وقد استشكلَ هذا
الحديث بأنه تضمن دعاء صدر من النبي وَّل على مَن يستحقه، وهو مَن مات منهم
مشركًا، ولم يقع أحد الشقين وهو البيوت، أما القبور، فوقع في حق من مات
منهم مشركًا لا محالة، ويجاب بأن يحمل على سكانها، وبه يتبين رحجان الرواية
بلفظ: ((قُلُوبَهُمْ أَوْ أَجْوُافَهُمْ)) أي: بدلَ ((بُيُوتَهُمْ))، انتهى.
واعلم: أنه وقع في هذا الحديث أن الصلاة الفائتة كانت صلاة العصر، وظاهره
أنه لم يفت غيرها، وفي ((الموطأ)): أنها الظهر والعصر، وفي غيره: أنه آخر أربع
صلوات: الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء حتى ذهب هوى من الليل،
وطريق الجمع بين هذه الروايات: أن وقعة الخندق بقيت أيامًا، فكان هذا في بعض
الأيام، وهذا في بعضها.
٢٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أي: على أصل الحديث، وإلا فقوله: ((صَلَاةِ الْعَصْرِ)) ليس عند
البخاري، قد تفرد به مسلم، قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (ج٢: ص ٢٠٠):
وظيفة المحدث أن يبحث عن أصل الحديث فينظر من خرجه، ولا يضره تغیر بعض
ألفاظه، ولا الزيادة فيه ولا النقص. والحديث أخرجه البخاري في الجهاد،
والمغازي، والتفسير، والدعوات، ومسلم في الصلاة، وأخرجه أيضًا أحمد،
والترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ فَضَائِلِ الصَّلَاةِ
٢٣
Sese
BICSE
الفصل الثانى
٦٣٦، ٦٣٧ - [١١، ١٢] عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبِ
قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((صَّلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الْعَصْرِ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ] {صحيح}
الشَّرْحُ
٦٣٦، ٦٣٧ - قوله: (صَلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الْعَصْرِ)؛ لأنها وسطى بين
صلاتي الليل وصلاتي النهار، كالإصبع الوسطى بين الأصابع. وهذا الحديث
أيضًا نَصٌّ صريح في أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) حديث ابن مسعود، أخرجه أيضًا أبو داود الطيالسي وأحمد
ومسلم، وصححه الترمذي وحديث سمرة حسنه الترمذي في كتاب الصلاة،
وصححه في التفسير، ولكنه من رواية الحسن عن سمرة، وقد اختلف في صحة
سماعه منه، فقال: شعبة: لم يسمع منه شيئًا، وقيل: سمع منه حديث العقيقة،
وقال البخاري: قال علي بن المديني: سماع الحسن من سمرة صحيح. ومن أثبت
مقدم على من نفى، قاله الشوكاني، وتقدم بسط الكلام فيه.
وانظر تفصيل الكلام في ((تهذيب التهذيب)) في ترجمة الحسن (ج٢: ص ٢٦٣ -
٢٧٠)، و((نصب الراية)) (ج٢ ص٨٩)، والحديث أخرجه أيضًا أحمد (ج٥ :
ص٧، ١٢، ١٣) وفي رواية له: أن النبي وَّ قال: ((حافظوا على الصلوات))،
وسماها لنا أنها صلاة العصر.
(٦١٧)، (٦١٨) التِّرْ مِذِي (١٨١) فِيهَا عَنْهُ وَصَحَّحَهُ.
٢٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٦٣٨ - [١٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ بَهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُرْءَانَ
اُلْفَجْرِّ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ قَالَ: ((تَشْهَدُهُ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ، وَمَلَائِكَةُ
النَّهَارِ)).
[ْرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ] {صحيح}
الشَّرْجُ
٦٣٨ - قوله: (إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ) أي: صلاة الفجر؛ سميت قرآنًا وهو القراءة؛
لأنها ركن منها، لا تجوز الصلاة إلا بها، كما سميت ركوعًا وسجودًا وقنوتًا أي:
قيامًا. (كَانَ) كلمة ((كان)) لإفادة أنه كذلك في تقدير الله أو علمه، أو زائدة، أو
للدلالة على الاستمرار مثل: كان الله غفورًا رحيمًا. (مَشْهُودًا) أي: محضورًا.
(تَشْهَدُهُ) أي: تحضره، وهو استئناف مبين. (مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ) أي:
ينزل هؤلاء ويصعد هؤلاء، فهو في آخر ديوان الليل وأول ديوان النهار. وفائدة
تسميته بالقرآن: الحث على طول القراءة فيها، فيسمع الناس القرآن، ولذلك
كانت صلاة الفجر أطول الصلوات قراءة، قاله الطيبي. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في التفسير
وصححه، وأخرجه أيضًا أحمد والنسائي وابن ماجه.
(٦١٩) التِّرْ مِذِي (٣١٣٥)، وَابن مَاجَهْ (٦٧٠) عَنْهُ فِيهَا .
كِتّابُ الصَّلَاةِ
بَابُ فَضَائِلِ الصَّلَاةِ
need
٢٥
الفصل الثالث
٦٣٩، ٦٤٠ - [١٤، ١٥] عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَعَائِشَة قَالَا: الصَّلَاةُ
[رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ زَيْدٍ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْهُمَا تَعْلِيقًا] {حسن}
الْوَسْطَى: صَلَاةُ الظَّهْرِ.
الشَّرْجُ
٦٣٩، ٦٤٠ - قوله: (عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَعَائِشَةَ) أي: موقوفًا. (قَالَا:
الصَّلَاةُ الْوَسْطَى: صَلَاةُ الظَّهْرِ)؛ لأنها وسط طرفي النهار، ولأنها متوسطة بين
نَّهَارِيَّتَيْنِ، وجاء ذلك أيضًا عن أبي سعيد، وعبد الله بن شداد، وابن عمر، أخرجه
ابن المنذر وغيره، وعن أسامة بن زيد، أخرجه الطيالسي وأحمد، واحتجَّ لهم
بحديث زيد بن ثابت الآتي، وسيأتي الجواب عنه.
(رَوَاهُ مَالِكْ عَنْ زَيْدٍ) أي: وحده، وأخرجه أحمد (ج٥: ص ١٨٣) والطيالسي،
وابن جرير أيضًا.
(وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْهُمَا) أي: عن زيد وعائشة جميعًا. (تَعْلِيقًا) قال الترمذيُّ في
((جامعِهِ)): وقال زيد بن ثابت وعائشة: ((صلاة الوسطى صلاة الظهر)) انتهى. وهذا
كما ترى ذكر الترمذي قولهما بلا إسناد. وقد تقدم التنبيه على أنه لا يقال في مثل
هذا: ((رَوَاهُ)). إنما يقال: (ذَكَرَهُ)) أو ((أَوْرَدَهُ)). فقول المصنف: ((رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ
عَنْهُمَا تَعْلِيقًا)). لا يخلو عن تسامح، والتعليق: هو أن يُحذف من مبدأ إسناده واحد
فأكثر على التوالي، ويُعْزَى الحديث إلى فوق المحذوف من رواته، واستعمله
بعضهم في حذف كل الإسناد، كقال رسول اللّه وَ له كذا، وهو مأخوذ من تعليق
الجدار والطلاق لاشتراكهما في قطع الاتصال. هذا، والصحيح عن عائشة مثل
قول الجمهور: أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصرِ. كما نصَّ عليه ابنُ كثير،
روى ذلك عنها ابن أبي شيبة، وابن جرير، وسعيد بن منصور، وأبو عبيد.
(٦٢٠)، (٦٢١) مَالِك (٢٧)، والتِّرْ مِذِي (١٨٢) عنهما فيها .
٢٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
٦٤١ - [١٦] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ يُصَلِّي الظُّهْرَ
بِالْهَاجِرَةِ، وَلَمْ يَكُنْ يُصَلِّ صَلََّةً أَشَدَّ عَلَى أَصْحَابٍ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ مِنْهَا،
فَتَزَّلَتْ: ﴿حَفِظُواْ عَلَى القَلَوَتِ وَالصَّلَوْةِ الْوُسْطَى﴾ وَقَالَ: إِنَّ قَبْلَهَا صَلَاتَيْنِ
وَبَعْدَهَا صَلَاتَيْنِ.
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وأَبُو دَاوُدَ] {صحيح}
الشَّرْجُ
٦٤١ - قوله: (بِالْهَاجِرَةٍ) أي: في شدة الحرِّ بعد الزوال. (أَشَدَّ) أي: أشق
وأصعب. (مِنْهَا) أي: من صلاة الظهر بالهاجرة؛ ولذا كانوا يسجدون على
ثيابهم. (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ) أي: بالأداء لوقتها والمداومة عليها بجميع
شروطها وأركانها، وفي فَاعَلَ، هنا قولان: أحدهما: أنه بمعنى فعل، كطارقت
النعل، وعاقبت اللص، ولما ضمن المحافظة معنى المواظبة عداها بعلى. والثاني
أن: فَاعَلَ، على بابها من كونها بين اثنين، فقيل: بين العبد وربه، كأنه قال: احفظ
هذه الصلاة يحفظك الإله الذي أمرك بها. وقيل: بين العبد والصلاة، أي:
احفظها تحفظك عن المعاصي وعن البلايا والمحن، وبالشفاعة في المحشر.
(وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى) ذكر للخاص بعد العام، أي: ما كان ينبغي أن تضيعوها لثقلها
عليكم، فإنها الوسطى، أي: الفضلى، قاله الطيبي.
(وَقَالَ) أي: زيد بن ثابت، أو قال النبي وَّل، والأول هو الصواب، قاله السيد،
ويؤيده رواية الطحاوي عن زيد بن ثابت، قال: ((كان النبي وَّ يصلي الظهر
بالهجير، وكانت أثقل الصلوات على أصحابه، فنزلت: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ
وَالضَّلَوْةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]؛ لأن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين)). قال الحافظُ:
وروى الطيالسي من طريق زهرة بن معبد قال: كنا عند زيد بن ثابت فأرسلوا إلى
أسامة، فسألوه عن الصلاة الوسطى، فقال: هي الظهر. ورواه من وجه آخر وزاد:
((كان النبي وَلّ يصلي الظهر بالهجير، فلا يكون وراءه إلا الصف أو الصفان،
والناس في قائلتهم، وفي تجارتهم))، فنزلت.
(٦٢٢) أَحْمَد (٥/ ١٨٣)، وأَبُو دَاوُد (٤١١) عنه فيها .
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ فَضَائِلِ الصَّلَاةِ
٢٧
قال الشوكاني: أثر زيد وأثر أسامة استدل بهما من قال: إن الصلاة الوسطى هي
الظهر، وأنت خبير بأن مجرد كون صلاة الظهر كانت شديدة على الصحابة لا
يستلزم أن تكون الآية نازلة فيها، غاية ما في ذلك: أن المناسب أن تكون الوسطى
هي الظهر، ومثل هذا لا يعارض به تلك النصوص الصحيحة الصريحة الثابتة في
((الصحيحين)) وغيرهما من طرق متعددة، وعلى فرض أن قول هذين الصحابيين
تصريح ببيان سبب النزول لا إبداء مناسبة، فلا يشك من له أدنى إلمام بعلوم
الاستدلال أن ذلك لا ينتهض لمعارضة ما سلف. (إِنَّ قَبْلَهَا صَلَاتَيْنٍ) أى: إحداهما
نهارية وأخرى ليلية. (وَبَعْدَهَا صَلاَتَيْنٍ) كذلك، أو هي واقعة وسط النهار.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٥: ص ١٨٣). (وَأَبُو دَاوُدَ) وسكت عليه هو والمنذري. قال
الشوكاني: وأخرجه البخاري في ((التاريخ))، والنسائي بإسناد رجاله ثقات.
٦٤٢، ٦٤٣ - [١٧، ١٨] وَعَنْ مَالِكِ، بَلَغَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْن أَبِي طَالبٍ
وَعَبْدَ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ كَانَا يَقُولَانِ: الصَّلَاةُ الْوَسْطَى: صَلَاةُ الصُّبْحِ.
[رَوَاهُ فِي الْمُوطَّأ] (ضعيف}
الشَّرْجُ
٦٤٢، ٦٤٣ - قوله: (وَعَنْ مَالِكِ، بَلَغَهُ أَنَّ عَلَيَّ بْنَ أَبِي طَالبٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنِ
عَبَّاسٍ كَانَا يَقُولَانِ: الصَّلَاةُ الْوسْطَى: صَلَاةُ الصُّبْح) وهو قول أبي أمامة، وأنس،
وجابر. قال الحافظُ: والمعروفُ عن عَلِيٍّ خلافه. وقال الزرقاني: المعروف عنه
أنها العصر، أخرجه عنه عبد الرزاق، وابن جرير، والبيهقي، وابن المنذر. وروى
ابنُ أبي حاتمٍ وابن جرير عن زِرٍّ، قال: قلتُ لعبيدة: سلْ عليًّا عن الصلاة
الوسطى، فسأله، فقال: كنا نراها الفجر أو الصبح حتى سمعتُ رسول اللَّه ◌ِل
يقول يوم الأحزاب: ((شَغُلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوَسْطَى: صَلَاةِ الْعَصْرِ)). وروى عبد اللَّه
ابن أحمد في مسند أبيه عن عليٍّ قال: ((كُنَّا نراها الفجر))، فقال رسول اللَّه ◌َيّ:
((هي صلاة العصر))، يعني: صلاة الوسطى.
(٦٢٣)، (٦٢٤) التِّرْ مِذِي (١/ ٣٤٢) عن ابن عمر وابن عباس تعليقًا.
٢٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
قلتُ: واحتج لمن قال: إنها صلاة الصبح بما رواه النسائي عن ابن عباس،
قال: ((أدلج رسول اللَّه ◌َ ل، ثم عرس، فلم يستيقظ حتى طلعت الشمس أو بعضها،
فلم يُصَلِّ حتى ارتفعت الشمس فصلى، وهي صلاة الوسطى)). قال الشوكاني:
ویمکن الجواب عنه بوجهین :
الأول: أن ما روي من قوله في هذا الخبر: ((وهي صلاة الوسطى))، يحتمل أن
يكون من المدرج وليس من قول ابن عباس، ويحتمل أن يكون من قوله. وقد
أخرج عنه أبو نعيم، وابن جرير، وابن المنذر، والبزار أنه قال: ((الصَّلَاةُ الْوسْطَى
صَلَاةُ الْعَصْرِ))، وهذا صريح لا يتطرق إليه من الاحتمال ما يتطرق إلى الأول، فلا
يعارضه .
الوجه الثاني: ما تقرر من القاعدة: أن الاعتبار عند مخالفة الراوي روايته بما
روى لا بما رأى، فقد روى عنه أحمد في «مسنده)) قال: قال رسول اللَّه ◌َلَ عدوًّا
فلم يفرغ منهم حتى أخر العصر عن وقتها، فلما رأى ذلك قال: ((اللّهم من حبسنا
عن الصلاة الوسطى املأ بيوتهم نارًا أو قبورهم نارًا))، على أن ابن عباس لم يرفع
تلك المقالة إلى رسول اللّه وَ له، بل قالها من قِبَلِ نفسه، وقوله ليس بحجة، انتهى
بزيادة يسيرة.
(رَوَاهُ) أي: مالك. (فِي الْمُوَطَّأٍ) قال القاري: فيه: أنه ينحل الكلام إلى أن
مالكًا رواه في ((الموطأ)) عن مالك بلغه، ولا يخفى ما فيه من الحزازة، فكان حق
المصنف أن يقول أولًا: عن علي وابن عباس ... إلخ. ثم يقولُ: رواه مالك في
((الموطأ)) بلاغًا. فإن مالكًا ليس من الرواة بل من المخرجين، انتهى.
قلتُ: أما أثر علي فأخرجه البيهقي بسنده عن مالك هكذا بلاغًا. قال ابن
التركماني: وفي ((التمهيد)) روي من حديث حسين بن عبد الله بن ضمرة عن أبيه.
عن جده، عن علي قال: هي صلاة الصبح، وحسين هذا متروك الحديث، ولا
يصح حديثه. وقال قومٌ: ما أرسله مالك في ((موطئه)) عن علي أنها الصبح أخذه من
حديث ابن ضمرة؛ لأنه لا يوجد عن علي إلا من حديثه، انتهى. وأما أثر ابن عباس
فوصله ابن جرير من طرق، وأخرجه أيضًا سعيد بن منصور وعبد بن حميد.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ فَضَائِلِ الصَّلَاةِ
٢٩
٤٤ ٦ - [١٩] وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَر تَعْلِيقًا.
الشّرْجُ
٤٤ ٦ - قوله: (وَرَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَر تَعْلِيقًا) قال الترمذيُّ:
وقال ابن عباس وابن عمر: صلاة الوسطى صلاة الصبح، انتهى. ولم أقف على
من وصله عن ابن عمر، نعم، قال ابن كثير: حكاه ابن أبي حاتم عن ابن عمر،
وحكى أبو محمد عبد المؤمن خلف الدمياطي في كتابه المسمى ((كشف الغطاء عن
الصلاة الوسطى)) عن ابن عمر على الصحيح عنه: أنها العصر والله أعلم.
٤٥ ٦ - [٢٠] وَعَنْ سَلْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُول اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((مَنْ
غَدَا إِلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ غَدَا بِرَايَةِ الْإِيمَانِ، وَمَنْ غَدَا إِلَى السُّوقِ غَدَا بِرَايَةٍ
إِبْلِیسَ)).
[رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ] {ضعيف}
13
الشَّرْخُ
٦٤٥ - قوله: (مَنْ غَدَا إِلَى صَلَاةِ الصُّبْح ... ) إلخ. قال الطيبي: تمثيل لبيان
حزب الله وحزب الشيطان، فمن أصبح يغدو إلى المسجد، كأنه يرفع أعلام
الإيمان، ويظهر شعائر الإسلام، ويوهن أمر المخالفين. وفي ذلك ورد الحديث
((فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ))، ومن أصبح يَغْدُو إلى السوق، فهو من حزب الشيطان، يرفع
أعلامه ويشيد من شوكته، وهو في توهين دينه، وفي قوله: ((غَدَا)) إشارة إلى أن
التبكير إلى السوق محظور، فمن راجع بعد أدائه وظائف طاعته لطلب الحلال،
وما يتقوم به صلبه للعبادة، ويتعفف عن السؤال كان من حزب الله تعالى، انتهى.
(٦٢٥) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَر
(٦٢٦) ابن مَاجَهْ (٢٢٣٤) في التجارات عن سلمان.
٣٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(غَدَا بِرَايَةٍ إِبْلِيسَ) أي: فينبغي أن لا يدخل السوق إلا لضرورة، وقيل: هذا في
حق من غدا إلى السوق من غير أن يغدو إلى صلاة الصبح، وإلا فمن غدا إلى
السوق بعد الغدو إلى الصلاة لكسب الرزق الحلال فلا بأس به، كما تقدم.
(رواه ابْنُ مَاجَهْ) في التجارات.
قال في ((الزوائد»: في إسناده عيسى بن ميمون، متفق على تضعيفه.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الأَذَانِ
se
٣١
٤ - بَابُ الأذانِ
(بَابُ الأَذَانِ) بفتح الهمزة أي: مشروعيته كيفية وكمية، وهو في اللغة الإعلام،
وفي الشرع: الإعلامُ بوقت الصلاة بألفاظ مخصوصة.
قال الحافظُ: وردت أحاديث تدل على أن الأذان شرعت بمكة قبل الهجرة،
فذكر تلك الأحاديث، ثم قال: والحقُّ أنه لا يصح شيء من هذه الأحاديث، وقد
جزم ابن المنذر بأنه ◌َ ◌ّلي كان يصلي بغير أذان منذ فرضت الصلاة بمكة إلى أن هاجر
إلى المدينة، وإلى أن وقع التشاور في ذلك على ما في حديث عبد الله بن عمر، ثم
حديث عبد الله بن زيد، انتهى. والمراد بحديث عبد الله بن عمر وحديث عبد الله
ابن زيد اللذان ذكرهما المصنف في الفصل الثالث، وهما أصح ما ورد في تعيين
ابتداء وقت الأذان، وفيهما دليل أيضًا على أن بدء الأذان كان في السنة الأولى من
الهجرة؛ لأن المراد بقوله: ((فَتَادِ بِالصَّلَاةِ) في حديث ابن عمر، أي: بالصلاة
جامعة، وكان ذلك قبل الأذان المخصوص المشروع برؤيا عبد الله بن زيد،
وكانت رؤياه في السنة الأولى بعد بناء المسجد، على ما قال الحافظ في ((تهذيب
التهذيب)) (ج٥: ص٢٢٤) وقيل: كان بدؤه في السنة الثانية، والأول هو الراجح.
٣٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الأول
٦٤٦ - [١] عَنْ أَنَس قَالَ: ذَكَرُوا النَّارَ وَالنَّاقُوسَ، فَذَكَرُوا الْيَهُودَ
وَالنَّصَارَى، فَأُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَّشْفَعَ الْأَذَانَ، وَأَنْ يُوتِرَ الْإِقَامَةَ. قَالَ إِسْمَاعِيلُ:
فَذَكَرْتُ لِأَيُّوبَ، فَقَالَ: إِلَّا الْإِقَامَةَ.
[مُثَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشَّرْجُ
٦٤٦ - قوله: (ذَكَرُوا) أي: الصحابة لإعلام وقت الصلاة. (النَّارَ وَالنَّاقُوسَ)
أي: ذكر جمع منهم إيقاد النار، وذكر جمع ضرب الناقوس، وهو خشبة طويلة
يضربها النصارى بأقصر منها لإعلام أوقات صلاتهم. (فَذَكَرُوا) أي: الصحابة.
(الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى) وفي روايةٍ: لما كثر الناس ذكروا أن يعلموا وقت الصلاة بشيء
يعرفونه، فذكروا أن يوروا نارًا أو يضربوا ناقوسًا. وأوضح من ذلك ما وقع عند
أبي الشيخ بلفظ: فقالوا: لو اتخذنا ناقوسًا، فقال رسول اللَّه وَله: ((ذَاكَ
لِلنَّصَارَى))، فقالوا: لو اتخذنا بوقًّا، فقال: ((ذَاكَ لِلْيَهُودِ))، فقالوا: لو رفعنا نارًا،
فقال: ((ذَاكَ لِلْمَجُوسِ)). فعلى هذا ففي الرواية التي ذكرها المصنف اختصار، كأنه
كان فيه: فذكروا النار والناقوس والبوق، فذكروا اليهود والنصارى والمجوس.
واللف والنشر فيه معكوس، فالنار للمجوس، والناقوس للنصارى، والبوق
لليهود، وسيأتي في حديث ابن عمر التنصيص على أن البوق لليهود. وقال
الكرماني: يحتمل أن تكون النار والبوق جميعًا لليهود جمعًا بين حديثى أنس وابن
عمر، انتهى.
ورواية أبي الشيخ تغني عن هذا الاحتمال. (فَأُمِرَ) ببناء المجهول. (بِلَالٌ) أي:
أمره النبي ◌َّ كما وقع مصرحًا به في رواية النسائي وغيره، وفي الكلام اختصار،
والتقدير: فافترقوا بعد أن ذكروا ما ذكروا من نار وناقوس وبوق، فرأى عبد الله بن
(٦٤٦) البُخَارِي (٦٠٣)، ومُسْلِم (٣/ ٣٧٨)، وأَبُو دَاوُد (٥٠٨)، والتِّرْ مِذِي (١٩٣)، والنَّسَائِي (٢]
(٣)، وابنُ ماجه (٧٢٩) فِيهِ، وَاخْتَصَرَهُ بَعْضُهُمْ.
٣٣
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْأَذَانِ
زيد الأذان، فجاء إلى النبي ◌َّ فقصَّ عليه رؤياه فصدقه فأمر بلال ... إلخ. (أَنْ
يَشْفَعَ الْأَذَانَ) أي: يأتي بكلماته مَثْنَى مَثْنَى إلا كلمة التوحيد في آخره فإنها مفردة.
وإلا لفظ التكبير في أوله فإنه أربع، وقد جاء به صریح الروايات، فالمراد معظمه.
(وَأَنْ يُوتِرَ الْإِقَامَةَ) أي: يأتي بألفاظها مرة مرة سوى التكبير في أولها وآخرها، فهو
أيضًا محمول على التغليب، أو معناه: أن يجعل على نصف الأذان فيما يصلح
للانتصاف، فلا يشكل بتكرار التكبير في أولها وآخرها، ولا بكلمة التوحيد في
آخرها، وفيه دليل على أن الإقامة فرادى، وهو مذهب أكثر أهل العلم من الصحابة
والتابعين، وإليه ذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. إلا أن مالكًا يقول:
إن الإقامة عشر كلمات بتوحيد ((قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ)) .
وأما الشافعي وأحمد وإسحاق، فعندهم إحدى عشرة كلمة، فإنهم يقولون
بتثنية ((قد قامت الصلاة))، والحديث حجة لهم على مالك، كما سيأتي، وكذلك
حجة على من زعم أن الإقامة مثنى مثل الأذان، وهم الحنفية. وقال صاحب «فیض
الباري)): لم يسنح لي ترجيح تثنية الإقامة بعد، مع ثبوت كلا الأمرين قطعًا.
(قَالَ إِسْمَاعِيلُ) أي: ابن إبراهيم بن مقسم الأسدي مولاهم، أبو بشر البصري
المعروف بابن علية، ثقة حافظ، قال شعبة: إسماعيل ابن علية ريحانة الفقهاء.
وقال أيضًا: هو سيد المحدثين. مات سنة (١٩٣) أو (١٩٤) وهو ابن (٨٣).
(فَذَكَرْتُهُ) أي: الحديث. (لِأَيُّوبَ) أى ابن أبي تميمة السختياني، نسبة إلى عمل
السختيان وبيعه، وهو جلود الضان، ثقة ثبت حجة من كبار الفقهاء العباد، من
صغار التابعين، مات سنة (١٣١) وله (٦٥) وبسط فضائله وفضائل ابن علية في
((تهذيب التهذيب))، فارجع إليه. (فَقَالَ: إِلَّا الْإِقَامَةَ) أي: إلا قوله: ((قد قامت
الصلاة))، فإنها تشفع؛ لأنها المقصود من الإقامة بالذات، فالمراد بالمنفي غير
المراد بالمثبت، فالمراد بالمثبت جميع الألفاظ المشروعة عند القيام إلى الصلاة،
والمراد بالمنفي خصوص قوله: ((قد قامت الصلاة))، وحصل من ذلك جناس تام.
وقد ادعى ابن منده أن قوله: (إِلَّ الْإِقَامَةَ)، من قول أيوب غير مسند، وكذا قال
أبو محمد الأصيلي: إنه من قول أيوب، وليس من الحديث، وقولهما متعقب
بحديث معمر، عن أيوب عند عبد الرزاق؛ لأنه رواه عنه بسنده متصلًا بالخبر
٣٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
مفسرًا، ولفظه: كان بلال يثني الأذان ويؤتر الإقامة إلا قوله: ((قد قامت الصلاة)).
والأصل: أن ما كان في الخبر فهو منه حتى يقوم دليل على خلافه، ولا دليل في
رواية إسماعيل هذه؛ لأنه إنما يتحصل منها أن خالدًا الحذاء كان لا يذكر الزيادة،
وكان أيوب يذكرها، وكل منهما روى الحديث عن أبي قلابة عن أنس، فكان في
رواية أيوب زيادة من حافظ فتقبل، قاله الحافظ في ((الفتح)). (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) واللفظ
للبخاري، إلا أن أول الحديث وصدره إلى قوله: ((وَأَنْ يُوتِرَ الْإِقَامَةَ)) من رواية
عبد الوارث، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، ذكرها في باب بدء الأذان، وقوله:
إسماعيل ... إلخ. ليس في هذه الرواية، إنما هي في رواية أخرى، وهي رواية
إسماعيل، عن خالد بن أبي قلابة، ذكرها في باب الإقامة واحدة إلا قوله: قد
قامت الصلاة. والحاصل أن أول الحديث مروي من طريق، وآخره من طريق
آخر، وصنيع المصنف يدل على أن جميع الحديث مروي من طريق واحدة، ولا
يخفى ما فيه. والحديث أخرجه أيضًا أحمد، والترمذي، وأبو داودٍ، والنسائي،
وابن ماجه، إلا أنه ليس في الترمذي، والنسائي، وابن ماجه: ((إِلَّا الْإِقَامَةَ)).
٤٧ ٦ - [٢] وَعَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ قَالَ: أَلْقَى عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ التَّأْذِينَ
هُوَ بِنَفْسِهِ، فَقَالَ: ((قُلْ: اللَّهُ أَكْبَرْ اللَّهُ أَكْبَرْ، اللَّهُ أَكْبَرْ اللَّهُ أَكْبَرْ، أَشْهَدُ أَنْ لَا
إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ
مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ تَعُودُ فَتَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ
إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَّى
الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، اللَّهُ أَكْبَرْ اللَّهُ
أَكْبَرْ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشَّرْجُ
٦٤٧ - قوله: (وَعَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ) القرشي الجمحي المكي المؤذن، صحابي
مشهور، قيل: اسمه أوس، وقيل: سمرة، وقيل: سلمة، وقيل: سلمان. وأبوه
(٦٤٧) مُسْلِمٍ (٦ / ٣٧٩)، وَأَبُو دَاوُد (٥٠٢)، والتِّرْمِذِي (١٩٢)، والنَّسَائِي (٤/٢)، وابن مَاجَهْ
(٧٠٩) فِيهِ عَنْهُ.
٣٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الأَذَان
معير - بكسر الميم وسكون العين المهملة وفتح التحتانية - وقيل: عمير بن لوذان.
مات بمكة سنة (٥٩) وقيل: تأخر بعد ذلك أيضًا. (أَلْقَى عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ وَ
التَّأْذِينَ) أي: الأذان يعني: لقنني كل كلمة من هذه الكلمات. (اللَّهُ أَكْبَرْ) بسكون
الراء؛ لأنه روي وسمع موقوفًا غير معرب في مقاطعه في الصلاة والأذان، وأكبر:
بمعنى كبير، أو المراد أكبر من كل شيء. (أَشْهَدُ) أى: أعلم وأبين، وقيل:
أقضى، وقيل: أتيقن وأتحقق. (ثُمَّ تَعُودُ) أي: ترجع بهذه الكلمات.
(فَتَقُولُ) بالخطاب فيهما، وهما فعلان بمعنى الأمر، وفي بعض روايات أبي
محذورة: ((ثم ارجع فمدمن صوتك: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله.
أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله)). وفي بعض رواياته:
((تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله،
أشهد أن محمدًا رسول الله. تخفض بها صوتك ثم ترفع صوتك بالشهادة: أشهد أن
لا إله إلا الله ... )) إلخ.
وهذه الروايات نصوص صريحة في مشروعية الترجيع وسنيته في الأذان. قال
النووي: في حديث أبي محذورة حجة بينة ودلالة واضحة لمذهب مالك
والشافعي وجمهور العلماء أن الترجيع في الأذان ثابت مشروع، وهو العود إلى
الشهادتين مرتين برفع الصوت بعد قولهما مرتين بخفض الصوت.
وقال أبو حنيفة والكوفيون: لا يشرع الترجيع؛ عملًا بحديث عبد الله بن زيد،
فإنه ليس فيه ترجيع، وحجة الجمهور هذا الحديث الصحيح، والزيادة مقدمة مع
أن حديث أبي محذورة هذا متأخر من حديث عبد الله بن زيد، فإن حديث أبي
محذورة سنة ثمان من الهجرة بعد حنين، وحديث ابن زيد في أول الأمر، وانضم
إلى هذا كله عمل أهل مكة والمدينة وسائر الأمصار، انتهى.
قلتُ: اختلف أقوال الحنفية في الترجيع، فقال بعضُهم بكراهته، كما في
((ملتقى الأبحر))، وقال بعضهم: هو خلاف الأولى. وقال ابن نجيم في ((البحر
الرائق)): الظاهر من عباراتهم أن الترجيع عندنا مباح فيه ليس بسنة ولا مكروه.
وقال صاحب ((فيض الباري)): لا خلاف فيه عند التحقيق إلا في الأفضلية، انتهى.
وللحنفية ومن تبعهم في القول بكراهة الترجيع أو كونه خلاف الأولى والأفضل
٣٦
e wera
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أعذار عن العمل بروايات الترجيع الصريحة الصحيحة، وكلها باردة سخيفة
مخدوشة، ذكرها شيخنا في ((شرح الترمذي)) (ج١: ص ١٧٠، ١٧١)، وفي ((أبكار
المنز)) (ص٧٦ - ٨٠ / ١٧٦ - ١٨٥) ثم بسط الكلام في ردها، فعليك أن
تراجعهما. قال السندي في ((حاشية ابن ماجه في شرح قوله: ((ثم قال لي: ارجع
فمد من صوتك))، ما لفظه: هذا صريح في أنه ◌ّ﴾ أمره بالترجيع، فسقط ما توهم
أنه كرره له تعليمًا فظنه ترجيعًا، وقد ثبت عدم الترجيع في أذان بلال يعرفه من له
معرفة بهذا العلم بلا ريب، فالوجه: القول بجواز الوجهين، انتهى. قلتُ: هذا هو
الحق أن الوجهين جائزان ثابتان مشروعان سنتان من سنن النبي وَاللّ.
(حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ) حي اسم فعل بمعنى الأمر، وفتحت ياؤه لسكونها وسكون ما
قبلها، أي: هلموا إليها، واقبلوا عليها، وتعالوا مسرعين إليها. (حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ)
هو الخلاص من كل مكروه والظفر بكل مراد، وقيل: هو البقاء أي: أسرعوا إلى ما
هو سبب الخلاص من العذاب، والفوز بالثواب، والبقاء في دار القرار وهو الصلاة
في المسجد.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) فيه نظر؛ لأن نص الحديث في ((صحيح مسلم)) هكذا: عن أبي
محذورة، أن النبي ◌ّيّ علمه هذا الأذان: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله
إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا
رسول الله. ثم يعود فيقول، أي: بالغيبة فيهما: أشهد أن لا إله إلا الله، مرتين.
أشهد أن محمدًا رسول الله، مرتين. حي على الصلاة، مرتين. حي على الفلاح،
مرتين. زاد إسحاق - أى: شيخ مسلم راوي الحديث - الله أكبر الله أكبر. لا إله
إلا الله.
قال النووي: هكذا وقع في هذا الحديث في ((صحيح مسلم)) في أكثر الأصول
في أوله: الله أكبر الله أكبر. مرتين فقط. ووقع في غير مسلم: الله أكبر، الله
أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أربع مرات. قال عياض: ووقع في بعض طرق
الفارسي في ((صحيح مسلم)) أربع مرات، انتهى.
قلتُ: وأخرجه أيضًا بتربيع التكبير الشافعي وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن
حبان. وقال ابن القطان: الصحيح في هذا تربيع التكبير، وبه يصح كون الأذان
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْأَذَان
٣٧
تسع عشر كلمة، كما في الرواية الآتية مضمومًا إلى تربيع التكبير الترجيع.
قال الحافظ حاكيًا عن ابن القطان: وقد وقع في بعض روايات مسلم بتربيع
التكبير، وهي التي ينبغي أن تعد في الصحيح، انتهى. وقد رواه أبو نعيم في
((المستخرج))، والبيهقي بتربيع التكبير، وقال بعده: أخرجه مسلم عن إسحاق،
وكذلك أخرجه أبو عوانة في ((مستخرجه)) من طريق ابن المديني عن معاذ.
واعلم: أن ما ذكره البغوي هاهنا في ((المصابيح)) هو لفظ أبي داود، والنسائي،
وابن ماجه، كما لا يخفى، وصنيعه هذا مخالف لما اشترط على نفسه من أنه يورد
في الصحاح ما أخرجه الشيخان أو أحدهما. وأما اللفظ الذي ذكره صاحب
((المشكاة)) فليس هو لمسلم كما عرفت ولا لأبي داود والنسائي وابن ماجه.
٣٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثاني
٤٨ ٦ - [٣] عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﴿يَا قَالَ: كَانَ الْأَذَانُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ
وَّهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَالإِقَامَةُ مَرَّةً مَرَّةً غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: قَدْ قَامَت الصَّلَاةُ قَدْ
قَامَتِ الصَّلَاةُ.
[ْرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ] {حسن}
الشّرْحُ
٦٤٨ - قوله: (كَانَ الْأَذَانَ) أي: ألفاظه من الجمل. (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ
وََّ) أي: في عهدِه، عدى بـ: ((على)) لمعنى الظهور، قاله الطيبي. (مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ،
وَالإِقَامَةُ مَرَّةً مَرَّةً) أي: كانت كلمات الأذان مكررة، والإقامة مفردة نظرًا إلى
الغالب. وقال القاري: خص التكبير عن التكرير في أول الأذان، فإنه أربع لما
تقدم، وخص التهليل عنه في آخره، فإنه وتر بالاتفاق. وهذا الحديثُ بظاهره يدلُّ
على نفي الترجيع، انتهى. قلتُ: الترجيعُ، وإن كان غير مذكور في هذا الحديث،
لكنه ثبت بحديث أبي محذورة، وهو حديث صحيح مشتمل على زيادة غير منافية
فيجب قبولها، ولو صرَّح ابن عمر بالنفي؛ لكان حديث أبي محذورة أحرى
بالقبول؛ لأن المثبت مقدم على النافي، وخص التكبير عن الإفراد في أول الإقامة
وآخرها لحديث عبد الله بن زيد عند أبي داود وغيره. (غَيْرَ أَنَّهُ) أي: المؤذن. (كَانَ
يَقُولُ) أي: في الإقامة. (قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ) أي: مرتين. والمعنى: قاربت قيامها.
وقال في ((النهاية)): أي: قام أهلها، أو حان قيام أهلها. وقيل: عبر بالماضي؛
إعلامًا بأن فعلها القريب الوقوع كالمحقق، حتى يتهيأ له، ويبادر إليه. كذا في
((المرقاة)). (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وسكت عليه هو والمنذري. (وَالنَّسَائِيُّ والدَّارِمِيُّ)
وأخرجَهُ أيضًا الشافعي، وأحمد، وأبو عوانة، وابن خزيمة، والدار قطني، وابن
حبان، والحاكم، وفي إسناده أبو جعفر المؤذن.
(٦٤٨) أَبُو دَاوُد (٥١٠)، وَالنَّسَائِي (٢/ ٢١) فِيهِ عَنْهُ.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الأَذَانِ
٣٩
قال ابن حبان: اسمه محمد بن مسلم بن مهران. قال شعبة: لا يحفظ لأبي
جعفر غير هذا الحديث. وقال الحافظ في ((التقريب)): أبو جعفر المؤذن مقبول.
وقال ابن معين والدار قطني: ليس به بأس، وقد صرح اليعمري في ((شرح الترمذي))
أن حدیث ابن عمر إسناده صحيح.
٤٩ ٦ - [٤] وَعَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ عَلَّمَهُ الْأَذَانَ تِسْعَ عَشْرَةَ
كَلِمَةً، وَالإِقَامَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً.
[ْرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ
وَالدَّارِمِيُّ وابْنُ مَاجَهْ] {حسن}
الشَّرْجُ
٦٤٩ - قوله: (الْأَذَانَ تِسْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً)؛ لأن التكبير في أوله أربع، والترجيع
في الشهادتين يصير كل واحدة منهما أربعة ألفاظ، والحيعلتين أربع كلمات،
والتكبير كلمتان، وكلمة التوحيد في آخره، وهذا نص صريح في سنية الترجيع في
الأذان. (وَالْإِقَامَةَ) بالنصب عطفًا على ((الأذان)) أي: وعلمه الإقامة. (سَبْعَ عَشْرَةَ
كَلِمَةً) بتربيع التكبير في أول الإقامة، وترك الترجيع، وزيادة: ((قد قامت الصلاة
مرتين))، وباقي ألفاظها كالأذان، فتكون الإقامة ذلك المقدار.
قال السندي: هذا العدد لا يستقيم إلا على تربيع التكبير في أول الأذان،
والترجيع والتثنية في الإقامة، وقد ثبت عدم الترجيع في أذان بلال وإفراد إقامته،
فالوجه جواز الكل. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٣: ص٤٠٩) و(ج ٦: ص ٤٠١) بذكر ألفاظ
الأذان والإقامة تفصيلاً. (والتّرْمِذِيُّ) مختصرًا، وقال: حديث حسن صحيح.
(وَأَبُو دَاوُدَ) بذكر الأذان والإقامة مفسرًا، وسكت عليه هو والمنذري. (وَالنَّسَائِيُّ
وَالدَّارِمِيُّ) كلاهما مختصرًا، إلا أن النسائي قال: ثم عدها أبو محذورة تسع عشرة
كلمة، وسبع عشرة كلمة. (وابْنُ مَاجَهْ) مطولًا، وأخرجه أيضًا الطيالسي، وابن
الجارود، والدار قطني، والحاكم، والبيهقي، وتكلم عليه بأوجه من التضعيف
(٦٤٩) أَبُو دَاوُد (٥٠٣)، والتِّرْمِذِي (١٩٢)، والنَّسَائِي (٤/٢)، وابن مَاجَهْ (٧٠٩) فِيهِ عَنْهُ.