النص المفهرس

صفحات 661-680

٦٥٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
علي بن أبي طالب، قاله أبو حاتم، فاتصل سنده، والحديث أخرجه أيضًا أحمد،
والنسائي في مسند علي، وأخرج ابن ماجه منه النهي عن تأخير الجنازة فقط،
وأخرجه الحاكم في ((النكاح)) (ج٢: ص١٦٢) مطولًا وقال: هذا حديث غريب
صحيح ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
٦٠٨ - [٢٠] وَعَنِ ابْنِ عُمَر قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((الْوَقْتُ الْأَوَّلُ
مِنَ الصَّلَاةِ رِضْوَانُ اللَّهِ، وَالوَقْتُ الْآخِرُ عَفْوُ اللَّهِ)). [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ] {موضوع}
الشّرْجُ
٦٠٨ - قوله: (الْوَقْتُ الْأَوَّلُ مِنَ الصَّلَاةِ) ((مِنْ)) تبعيضية، والتقدير: من أوقات
الصلاة، قاله القاري. وقال الطيبي: ((من)) بیان للوقت، انتھی. وخص منه بعض
الأوقات كالعشاء والظهر في شدة الحر. (رِضْوَانُ اللَّهِ) أي: يحصل بأدائها فيه
رضوان اللَّه تعالى عن فاعلها، وهو خبر إما بحذف مضاف، أي: الوقت الأول
سبب رضوان اللَّه؛ لما فيه من المبادرة إلى الطاعة، وهي مؤدية إلى رضاه، أو على
المبالغة، أي: الوقت الأول عين رضا الله تعالى عنه.
(وَالْوَقْتُ الْآخِرُ) أي: بحيث يحتمل أن يكون خروجًا عن الوقت، أو المراد به
وقت الكراهة نحو الاصفرار في العصر، والتجاوز عن نصف الليل في العشاء،
قاله القاري. (عَفْوُ اللَّهِ) ولا عفو إلا عن ذنب. قال المناوي: والعفو يكون عن
المقصرين، فأفاد أن تعجيل الصلاة أول وقتها أفضل، انتهى. وقال الشافعيُّ: ولا
يؤثر على رضوان اللَّه شيء؛ لأن العفو لا يكون إلا عن تقصير، نقلَهُ البيهقي، زاد
في حديث أبي محذورة عند الدار قطني بسند ضعيف جدًّا: ((وأوسطه رحمة الله))،
أي: يحصل لفاعل الصلاة فيه رحمته، ومعلوم أن رتبة الرضوان أبلغ.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وكذا الدار قطني والبيهقي، كلهم من طريق يعقوب بن الوليد
المدني، عن عبد الله بن عمر العمري، عن نافع، عن ابن عمر. ونقل البيهقي عن
(٦٠٨) التِّرْمِذِي (١٧٢) فِيهَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَوُهُ .

٦٥٩
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ تَعْجيل الصَّلَاةِ
أبي أحمد بن عدي الحافظ أنه قال: هذا الحديث بهذا الإسناد باطل، ثم قال
البيهقي: هذا حديث يعرف بيعقوب بن الوليد المدني، ويعقوب منكر الحديث،
ضعفه يحيى بن معين، وكذبه أحمد بن حنبل، وسائر الحفاظ، ونسبوه إلى
الوضع، نعوذ بالله من الخذلان. وقال في ((المعرفة)): حديث ((الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ
وَقْتِهَا رِضْوانُ اللهِ)) إنما يعرف بيعقوب بن الوليد، وقد كذبه أحمد بن حنبل، وسائر
الحفاظ. قال: وقد روي هذا الحديث بأسانيد كلها ضعيفة، وإنما يروى عن أبي
جعفر محمد بن علي من قوله، انتهى.
قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (ج١: ص١٢٧) بعد ذكر كلام البيهقي هذا:
وأنكر ابن القطان في كتابه على أبي محمد عبد الحق كونه أعل الحديث بالعمري،
وسكت عن يعقوب، قال: ويعقوب هو علة، فإن أحمد قال فيه: كان من الكذابين
الكبار، وكان يضع الحديث. وقال أبو حاتم: كان يكذبُ، والحديث الذي رواه
موضوع، وابن عدي إنما أعله به، وفي بابه ذكره، انتهى. والعجب من الترمذي
أنه سكت عن هذا الحديث، ولم يعله بيعقوب ولا بالعمري.
٦٠٩ - [٢١] وَعَنْ أُمِّ فَرْوَةَ قَالَت: سُئِلَ النَّبِيُّ وَ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟
قَالَ: ((الصَّلَاةُ لِأَوَّلِ وَقْتِهَا)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ التِّرْمِذِي:
لَا يُزْوَى إِلَّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ وَلَيْسَ هُوَ بِالْقَوِيِّ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ] (صحيح)
الشَّرْحُ
٦٠٩ - قوله: (عَنْ أُمِّ فَرْوَةَ) ذكر ابن عبد البر والطبراني أن أم فروة هذه بنت
أبي قحافة أخت أبي بكر الصديق لأبيه، كانت ممن بايع تحت الشجرة، وكانت
من المهاجرات، وتبعهما على ذلك المنذري، وابن العربي، وغيرهما من
العلماء، وَوَهَّمُوا وغَلَّطُوا من قال: إنها أنصارية. ورجَّح الحافظُ وغيره أنها غير
أخت أبي بكر الصديق، وأنها أنصارية، أخذ ذلك من ظاهر بعض الروايات، أنها
جدة القاسم بن غنام الأنصاري، أو عمته. والراجح عندنا هو القول الأول.
(٦٠٩) أَبُو دَاوُد (٤٢٦)، وَالتِّرْمِذِي (١٧٠) فِيهَا عَنْ أُمِّ فَرْوَةً.

٦٦٠
EN *
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والظاهرُ أنها جدة القاسم بن غنام من جهة أمه أو أم أبيه، ففي رواية للحاكم عن
القاسم بن غنام الأنصاري، عن جدته أم أبيه الدنيا، عن أم فروة جدته، عن
رسول اللَّه ◌َ ل، وفي رواية أخرى له: عن القاسم بن غنام، عن جدته الدنيا، عن
جدته أم فروة، وكانت ممن بايعت النبي ◌ُّ، وكانت من المهاجرات الأول، فهذا
يدل على غلط من ظن أنها أنصارية.
(أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ) أي: أكثر ثوابًا. (الصَّلاةُ لأَوَّلِ وَقْتِهَا) اللام بمعنى ((في)»،
قاله ابن الملك. وقال الطيبي: اللام للتأكيد، فيه دليل على أن الصلاة لأول الوقت
أفضل الأعمال، لكن الحديث ضعيف، كما سيأتي، لکن له شاهد من حديث ابن
مسعود عند الحاكم والدار قطني والبيهقي، وأيضًا المحافظة منه وَّل على الصلاة
أول الوقت دالة على أفضليته.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٦: ص٣٧٤، ٣٧٥، ٤٤٠). (وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ) وسكت
عنه هوٍ والمنذري. (وَقَالَ التِّرْ مِذِيُّ: لَا يُرْوَى) أي: هذا الحديث. (إِلَّا مِنْ حَدِيثٍ
عَبْدِ اللَّه بْنِ عُمَرَ) بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب المدني، وفي كلام
الترمذي هذا نظر؛ لأنه رواه عن القاسم بن غنام غيره أيضًا، فقد رواه عنه عبيد الله
ابن عمر العمري عند الحاكم، والدار قطني، والضحاك بن عثمان عند الدار قطني،
ونسب الحافظ رواية الضحاك هذه في ((الإصابة)) للطبراني. (وَلَيْسَ هُوَ بِالْقَوِيِّ عِنْدَ
أَهْلِ الْحَدِيثِ) قد اختلف في جرحه وتعديله، فضعفه الحاكم، وابن حبان، وابن
المديني، وأبو حاتم، وصالح جزرة، ويحيى بن سعيد، والنسائي، والبخاري فيما
حكاه الترمذي عنه، ووثقه أحمد بن حنبل، وابن معين، وابن عدي، ويعقوب بن
شيبة، والعجلي. وقال الذهبي في ((الميزان)): صدوق في حفظه شيء. وقال
الخليلي: ثقة، غير أن الحفاظ لم يرضوا حفظهِ. ثم إنه يظهر من كلام الترمذي
الذي نقله المصنف أن الحدیث قد تفرد به عبد الله بن عمر العمري، وهو ضعيف،
فيكون الحديث ضعيفًا، لكن الظاهر أن سبب ضعف الحديث كونه مضطرب
الإسناد، كما قال الترمذي بعد ذلك: واضطربوا عنه في هذا الحديث، واختلف
في أن اضطرابه من قبل عبد الله بن عمر العمري أو من قبل شيخه القاسم بن غنام،
والظاهر: أن اضطراب سنده من جهة القاسم بن غنام، وقد ذكره ابن حبان في
((الثقات))، وذكره العقيلي في ((الضعفاء))، وقال: في حديثه اضطراب.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ تَعْجِيلِ الصَّلَاةِ
٦٦١
وقال الحافظُ: صدوقٌ مضطربُ الحديثِ، وتفصيل الاضطراب أنه ورد في
بعض الروايات عن القاسم، عن جدته أم فروة. وفي بعضها: عَنْ عَمَّتِهِ أُمِّ فَرْوَةً.
بدون واسطة، وفي بعضها: عَنْ بَعْضٍ أُمَّهَاتِهِ. وفي بعضها: عَنْ بَعْضٍ أَهْلِهِ. وفي
بعضها: عَنْ عَمَّاتِهِ. وفي بعضها: عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ. كل هؤلاء عن أم فروة، وتقدمت
روايتا الحاكم وهما أوضح الروايات في ذلك. والذي يظهر: أن القاسم بن غنام
يروي الحديث تارة، فيذكر الواسطة المبهمة، ويرويه أخرى فيحذفها، ويقول:
عن أم فروة. قال الزيلعيُّ في ((نصب الراية)) (ج١: ص٢٤١): ذكر الدار قطني في
((كتاب العلل)) في هذا الحديث اختلافًا كثيرًا واضطرابًا، ثم قال: والقول قول من
قال: عن القاسم، عن جدته الدنيا، عن أم فروة، انتهى. وهكذا رواه الحاكم في
((المستدرك))، والدار قطني في ((سننه)). قال في ((الإمام)): وما فيه من الاضطراب في
إثبات الواسطة بين القاسم وأم فروة، وإسقاطها يعود إلى العمري، وقد ضعف،
ومن أثبت الواسطة يقضي على من أسقطها، وتلك الواسطة مجهولة، انتهى.
فالحديث ضعيف بكل حال لجهل الواسطة بين القاسم بن غنام وبين أم فروة.
٦١٠ - [٢٢] وَعَنْ عَائِشَةَ ﴿َّ قَالَتْ: مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ صَلَاةً
لِوَقْتِهَا الْآخِرِ مَرَّتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ] {صحيح}
الشَّرْجُ
٦١٠- قوله: (مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ صَلَاةً لِوَقْتِهَا الْآخِرِ مَرَّتَيْنِ ... ) إلخ.
يعني: أنه صلى بعض الصلوات في آخر وقتها، لكنه لم يقع له ذلك أكثر من مرة
إلى أن توفاه الله تعالى. قيل: وتلك المرة هي التي صلاها وَّ للتعليم حين جاء
رجل سائل عن أوقات الصلاة، فكان كل صلاة في آخر وقته. وأما حديث إمامة
جبريل فخارج عن المبحث؛ لأنه لم يكن اختيارًا منه، أو المقصود المبالغة في عدم
وقوع ذلك منه بَّر، فلا يحتاج إلى الجواب عما وقع ذلك منه أحيانًا، يعني: أن
(٦١٠) التِّرْ مِذِي (١٧٤) فِيهَا عَنْ عَائِشَةَ، وَقَالَ: حَسَنٌ، وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ.

٦٦٢
جاع
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أوقات صلاته عليه الصلاة والسلام كلها كانت في وقتها الاختياري إلا ما وقع من
التأخير إلى آخره نادرًا لبيان الجواز.
ووقع في بعض نسخ الترمذي: ((لوقتها الآخر إلا مرتين)). بزيادة إلا ، وهو يوافق
ما نقله الزيلعي في ((نصب الراية)) (ج١: ص٢٤٤) وصاحب ((جمع الفوائد)) (ج١ :
ص٦٠) كلاهما عن الترمذي. والظاهر: أن المراد منه حين إمامة جبريل وسؤال
الرجل، لكن الظاهر أن يكون المراد غير ما هو للتعلم والتعليم، أو لم يفعل من
حين تزوجها، فأخبرت بما أحاط به علمها، كذا قيل.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وقال: غريب، وفي بعض النسخ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. قال: وليس
إسناده بمتصل. وأخرجه أيضًا الدار قطني، والحاكم، والبيهقي كلهم من طريق
سعيد بن أبي هلال، عن إسحاق بن عمر، عن عائشة. قال الزيلعي في ((نصب
الراية» (ج١: ص٢٤٤): قال البيهقي: وهو مرسلٌ؛ إسحاق بن عمر لم يدرك
عائشة، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: إسحاق بن عمر روى عنه سعيد بن هلال،
مجهول، انتهى. وكذلك قال ابن القطان في كتابه: أنه منقطع، وإسحاق بن عمر
مجهول، وأخرجه أيضًا الدار قطني عن عمرة عن عائشة نحوه، وفي سنده معلى بن
عبد الرحمن، قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه، فقال: متروك الحديث،
وأخرجه أيضًا عن أبي سلمة، عن عائشة نحوه، وفيه الواقدي، وهو معروف
عندهم، انتهى مختصرًا، قال العلامة أحمد محمد شاكر في تعليقه على ((الترمذي))
(ج١: ص٣٢٩): قد ترك الزيلعيُّ أصحَّ إسناد لهذا الحديث، فقد روى الحاكم
(ج١: ص١٩٠) من طريق أبي النضر هاشم بن القاسم، قال: حدثنا الليث بن
سعد، عن أبي النضر، عن عمرة، عن عائشة، قالت: ((ما صلى رسول اللَّه وَل
الصلاة لوقتها الآخر حتى قبضه الله)). قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط
الشيخين، ووافقه الذهبي، ورواه البيهقي (ج١: ص٤٣٥) عن الحاكم، وأبو
النضر شيخ الليث هو سالم أبو النضر مولى عمر بن عبيد الله، وهو مجمع على
توثيقه، وهذا الحديث هو الذي أشار الزيلعي إلى أن الدار قطني رواه من طريق
معلى بن عبد الرحمن، عن الليث، وهو في ((سنن الدار قطني)) (ص٩٢) وقد أشار
البيهقي إلى رواية معلى، ومعلى هذا ليس بثقة كان يضع الحديث، ولكن الرواية
صحت برواية أبي النضر هاشم بن القاسم عن الليث، انتهى.

٦٦٣
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ تَعْجِيلِ الصَّلَاةِ
١١ ٦ - [٢٣] وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((لَا يَزَالُ أُمَّتِى
بِخَيْرِ - أَوْ قَالَ: عَلَى الْفِطْرَةِ - مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا الْمَغْرِبَ إِلَى أَنْ تَشْتَبِكَ
النُّجُومُ».
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {حسن}
الشّرْجُ
٦١١ - قوله: (لَا يَزَالُ) بالتحتية وفي رواية لأحمد، وكذا في أبي داود بالمثناة
الفوقية. (أُمَّتِي بِخَيْرِ، أَوْ قَالَ: عَلَى الْفِطْرَةِ) أي: السنة المستمرة، أو الإسلام أو
الاستقامة، ((أو)) للشَّك من الراوي. (إِلَى أَنْ تَشْتَبِكَ النُّجُومُ) أي: تظهر جميعًا،
ويختلط بعضها ببعض؛ لكثرة ما ظهر منها، وهو كناية عن الظلام. فيه: دليل على
استحباب المبادرة والتعجيل بصلاة المغرب، وكراهة تأخيرها إلى اشتباك النجوم،
وقد عكست الروافض القضية، فجعلت تأخير صلاة المغرب إلى اشتباك النجوم
مُستحبًّا، والحديث يرده. قال النووي في ((شرح المسلم)): إن تعجيل صلاة المغرب
عقيب غروب الشمس مجمع عليه. قال: وقد حكي عن الشيعة فيه شيء لا التفات
إليه، ولا أصل له. وأما الأحاديث الواردة في تأخير المغرب إلى قرب غروب
الشفق، فكانت لبيان آخر الوقت؛ لأنها كانت جوابًا للسائل عن الوقت، وأحاديث
التعجيل عامتها إخبار عن عادة رسول اللّه وَليل المتكررة التي واظب عليها إلا لعذر
فالاعتماد عليها. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وسكت عنه هو والمنذري، وأخرجه أيضًا أحمد
(ج٥: ص٤١٧، ٤٢٢) والحاكم في ((المستدرك)) (ج١: ص١٩٠) وقال: صحيح
على شرط مسلم، وأقرّهُ الذهبي، وفي سنده عندهم محمد بن إسحاق، وهو مدلس
لكنه صرح بالتحديث، قال الزيلعي: قال الشيخُ في ((الإمام)): وقد خولف ابن
إسحاق في هذا الحديث، قال ابن أبي حاتم: ورواه حيوة وابن لهيعة، عن يزيد بن
حبيب، عن أسلم أبي عمران التجيبي، عن أبي أيوب، عن النبي وَلّ أنه قال:
((بَادِرُوا بِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ قَبْلَ طُلُوع النُّجُوم))، قال أبو زرعة: وحديث حيوة أصح،
انتھی کلامه.
قلتُ: حديث ابن لهيعة أخرجه أحمد (ج٥: ص٤١٥) وأخرج أحمد أيضًا
(٦١١) أَبُو دَاوُد (٤١٨) فِيهَا عَنْهُ.

٦٦٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(ج٥: ص٤٢١) من حديث ابن أبي ذئب، عن يزيد بن أبي حبيب عن رجل، عن
أبي أيوب بنحوه.
٦١٢ - [٢٤] وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ، عَنِ الْعَبَّاسِ.
[ضعيف]
الشّرُْ
٦١٢- قوله: (وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ، عَنِ الْعَبَّاسِ) وكذا روى ابن ماجه والحاكم
وابن خزيمة في (صحيحه)) وأبو بكر البزار كلهم من حديث إبراهيم بن موسى، عن
عباد بن العوام، عن عمر بن إبراهيم، عن قتادة، عن الحسن، عن الأحنف بن
قیس، عن العباس بن عبد المطلب. قال البوصيري في ((الزوائد)) : إسناده حسن،
وجعله الحاكم شاهدًا صحيحًا لحديث أبي أيوب المتقدم ووافقه الذهبي. وقال أبو
بكر البزار: لا نعلمه یروی عن العباس إلا من هذا الوجه، ورواه غیر واحد عن عمر
ابن إبراهيم، عن قتادة، عن الحسن مرسلاً. قال الترمذي: وحديث العباس قد
روي عنه موقوفًا وهو أصحُّ، قال ابن سيد الناس: ومراد البزار بالمرسل هنا
الموقوف؛ لأنه متصل الإسناد إلى العباس. وذكر الخلال بعد إيراد هذا الحديث:
قال أبو عبد الله: هذا حديث منكر. كذا في ((النيل)).
١٣ ٦ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلِ: (لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ
عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُؤَخِّرُوا الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، أَوْ نِصْفِهِ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وابْنُ مَاجَهْ] {صحيح}
الشَّرْحُ
٦١٣ - قوله: (إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفِهِ) قال مَيْرَك: ((أَوْ)) يحتمل التنويع، أي:
(٦١٢) قال التبريزي: ((ورواه الدارمي عن العباس)).
(٦١٣) التِّرْمِذِي (١٦٧) فِيهَا، وَصَخَّحَهُ، وَابن مَاجَهْ (٦٩١) عَنْهُ.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ تَعْجِيلِ الصَّلاةِ
٦٦٥
إلى ثلث الليل في الصيف ونصف الليل في الشتاء. وقيل: ((أو)) بمعنى بل،
والظاهر: أنه شك من الراوي، أي: سعيد بن أبي سعيد المقبري، أو من الرواة
عنه، وأخرجه الحاكم من طريق عبد الرحمن السراج، عن سعيد، عن أبي هريرة.
وفيه: ((إلى نصف الليل)) بغير شك. والحديث صريح في أن التأخير في العشاء
أولى من التعجيل، ولا يعارضه ما تقدم من أحاديث أفضلية أول الوقت؛ لأنها
عامة، وحديث أبي هريرة هذا وما في معناه من الأحاديث الدالة على تأخير العشاء
خاصة، فيجب بناء العام عليها .
(رَوَاهُ أَحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ) وقال: حديث حسن صحيح. (وابْنُ مَاجَهْ) وأخرجه
أيضًا الحاكم (ج١: ص١٤٦).
٦١٤ - [٢٦] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَل قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((أَعْتِمُوا
بِهَذِهِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّكُمْ قَدْ فُضِّلْتُمْ بِهَا عَلَىَّ سَائِرِ الْأُمَمِ، وَلَمْ تُصَلَّهَا أُمَّةٌ قَبْلَكُمْ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {صحيح}
الشَّرْحُ
٦١٤ - قوله: (أَعْتِمُوا) بفتح الهمزة وكسر التاء، أمر من باب الإفعال. (بِهَذِهِ
الصَّلَاةِ) أي: العشاء، والباء للتعدية، أي: أدخلوها في العتمة، أو للمصاحبة،
أي: أدخلوا العتمة متلبسين بهذه الصلاة، فالجار والمجرور حال، يقال: أعتم
الرجل إذا دخل في العتمة، وهي ثلث الليل الأول بعد غيبوبة الشفق، أو مطلق
الظلمة بعد غيبوبته، وقيل: هو مأخوذ من العتم الذي هو الإبطاء، والمعنى:
أخروا العشاء الآخرة. وفيه: دليل على استحباب تأخير صلاة العشاء عن أول
وقتها، وتنبيه على أفضلية التأخير، وهو مقيد إلى الثلث أو النصف لما تقدم.
(قَدْ فُضِّلْتُمْ) بصيغة المجهول من التفضيل. (بِهَا) أي: بصلاة العشاء. (عَلَى
سَائِرِ الأَمَم) أي: جميعها أو باقيها. (وَلَمْ تُصَلَّهَا أَمَّةٌ قَبْلَكُمْ) التوفيق بينه وبين قوله
(١٤ ٦) أَبُو دَاوُد (٤٢١) فِيهَا .

٦٦٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
في حديث جبريل: ((هذا وقت الأنبياء من قبلك)). أن صلاة العشاء كانت تصليها
الرسل نافلة لهم، أي: زائدة، ولم تكتب على أممهم كالتهجد؛ فإنه وجب على
رسول اللَّه وَله ولم يجب علينا، قاله الطيبي. وقال مَيْرَك: يحتملُ أنه أراد أنه لم
تصلها على النحو الذي تصلونها من التأخير وانتظار الاجتماع في وقت حصول
الظلام وغلبة المنام على الأنام، كذا في ((المرقاة)). (رَوَاهُ أبُو دَاوُد) وسکت عليه هو
والمنذري.
٦١٥ - [٢٧] وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِوَقْتِ هَذِهِ
الصَّلَاةِ، صَلَاةِ الْعِشَاءِ الْآخِرَة، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ يُصَلِّيهَا لِسُقُوطِ الْقَمَرِ
لِثَالِئَةٍ.
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ ] {صحيح}
الشّرْحُ
٦١٥ - قوله: (وَعَنِ النُّعْمَانِ) بضمِ النون. (بْنِ بَشِيرٍ) مكبَّرًا، ابن سعد بن
ثعلبة الأنصاري الخزرجي، أبو عبد اللَّه المدني، له ولأبويه صُحبة، وأمه عمرة
بنت رواحة. ولد على رأس أربعة عشر شهرًا من الهجرة، وهو أول مولود ولد في
الأنصار بعد قدوم النبي وَّ، سكن الشام، ثم ولي إمرة الكوفة، ثم حمص، وكان
فصيحًا، له مائة وأربعة وعشرون حديثًا، اتفقا على خمسة، وانفرد البخاري
بحديث، ومسلم بأربعة، قتله خالد بن خلي الكلاعي بحمص يوم راهط سنة (٦٤)
أو (٦٥) أو (٦٦) وله (٦٤) سنة.
(أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِوَقْتِ هَذِهِ الصَّلَاةِ) هذا من باب التحدث بنعمة اللّه عليه بزيادة
العلم، مع ما فيه من حمل السامعين على اعتماد مرويه، ولعل وقوع هذا القول منه
بعد موت غالب أكابر الصحابة وحفاظهم الذين هم أعلم بذلك منه، قاله القاري.
ويحتمل أنه قال ذلك على ظن أنه لم يضبط وقت صلاة العشاء من الصحابة أحد كما
ضبطه هو، بناء على أنه بحث عنه واستقرأه واجتهد في علمه ومشاهدته ما لم ير شيئًا
من ذلك لأحد غيره من الصحابة. (صَلَاةِ الْعِشَاءِ) بالجرِّ على البدلِ، وبالنصب
(٦١٥) أَبُو دَاوُد (٤١٩)، والتِّرْمِذِي (١٦٥)، والنَّسَائِي (١ / ٢٦٤) فِيهَا عَنْهُ.

٦٦٧
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ تَعْجِيلِ الصَّلَاةِ
بتقدير: أعني. (الْآخِرَةِ) احتراز عن المغرب. (لِسُقُوطِ الْقَمَرِ) اللام للوقت أي
وقت غروبه وغيبته. (لِثَالِثَةٍ) أي: في ليلةٍ ثالثةٍ من الشهر، وهو متعلق بسقوط
القمر، وقيل: صفة للقمر، أي: لسقوط القمر الكائن لليلةٍ ثالثةٍ من الشهر.
والحاصل: أنَّه ◌َ له كان يصلي العشاء وقت مغيب القمر في الليلة الثالثة من
الشهر، وكان هذا هو الغالب، وإلا فقد علم أنه كان يعجل تارة ويؤخر أخرى
حسب ما يرى من المصلحة.
قال العلّامةُ في تعليقهِ على ((الترمذيِّ)): قدِ استدلَّ بعضُ علماء الشافعية بهذا
الحديث على استحباب تعجيل العشاء. انظر ((المجموع)) للنووي (ج ٣ : ص٥٥ -
٥٨) وتعقبهم ابن التركماني في ((الجوهر النقي)) (ج١: ص ٤٥) فقال: إنَّ القمر في
الليلة الثالثة يسقط بعد مُضِيٍّ ساعتين ونصف ساعة ونصف سبع ساعة من ساعات
تلك الليلة المجزأة على ثنتي عشرة ساعة، والشفق الأحمر يغيبُ قبل ذلك بزمن
كثير، فليس في ذلك دليل على التعجيل عند الشافعية ومن يقول بقولهم.
قال: وقد يظهر هذا النقد صحيحًا دقيقًا في بادي الرأي، وهو صحيح من جهة أن
الحديث لا يدلُّ على تعجيل العشاء، وخطأ من جهة حساب غروب القمر، فلعل
ابن التركماني راقب غروب القمر في ليلة ثالثة من بعض الشهور، ثم ظن أن موعد
غروبه متحد في كل ليلة ثالثة من كل شهر، وليس الأمر كذلك، ثمَّ نقل لإِثبات
خطأ ابن التركماني جدولين لأوقات غروب القمر في الليالي الثالثة من شهور سنة
١٣٤٥ هـ. وسنة ١٣٥٦هـ، بحساب مدينة القاهرة ذكر فيهما أوقات العشاء،
وأوقات الفجر، وأوقات غروب القمر بالساعة العربية، بتقسيم اليوم والليلة إلى
٢٤ ساعة واحتساب مبدئها من غروب الشمس. قال: ومنه يظهر خطأ ابن
التركماني؛ فإنك إذا قسمت الوقت بين غروب الشمس وبين طلوع الفجر إلى اثني
عشر قسمًا - سماها ابن التركماني ساعات - وجدت أن القمر يغرب في بعض
الليالي الثالثة قبل الوقت الذي ذكر، وفي بعض الليالي بعده. ومنه يظهر أيضًا أن
النعمان بن بشير لم يستقرئ أوقات صلاة النبي وَيّ العشاء استقراءً تامًّا، ولعله
صلاها في بعض المرات في ذلك الوقت، فظن النعمان أن هذا الوقت يوافق
غروب القمر الثالثة دائمًا، ومما يؤيد ذلك أن رسول اللّه وَ ليل لم يكن يلتزم وقتًا معينًا

EACH
٦٦٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
في صلاتها، كما قال جابر بن عبد الله في ذكر أوقات صلاة النبي وَله: والعشاء
أحيانًا يؤخرها، وأحيانًا يعجل، إذا رآهم اجتمعوا عجل، وإذا رآهم أبطؤوا أخر.
وهو حديث صحيح أخرجه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وسكت عنه هو والمنذري. (والدَّارِمِيُّ) وأخرجه أيضًا أحمد
(ج٤: ص٢٧٤) والترمذي والحاكم (ج١: ص١٩٤) والبيهقي (ج١: ص٤٤٨،
٤٤٩). قال ابن العربي في ((عارضة الأحوذي)) (ج١: ص٢٧٧): حديث النعمان
حديث صحيح وإن لم يخرجه الإمامان، فإن أبا داود خرجه عن مسدد، والترمذي
عن ابن أبي الشوارب، كلاهما عن أبي عوانة، عن أبي بشر جعفر بن أبي وحشية،
عن بشير بن ثابت، عن حبيب بن سالم، فأما حبيب بن سالم مولى النعمان بن
بشير، فقال أبو حاتم: هو ثقة، وأما بشير بن ثابت، فقال يحيى بن معين: إنه ثقة.
ولا کلام فیمن دونهما، وإن کان هشیم قد رواه عن أبي بشر، عن حبيب بن سالم
بإسقاط بشير. وما ذكرناه أصح. وكذلك رواه شعبة وغيره، وخطأً من أخطأ في
الحديث لا يخرجه عن الصحة، انتهى.
قلتُ: حديث شعبة أخرجه أحمد (ج٤: ص٢٧٢) عن يزيد بن هارون،
والحاكم (ج١: ص١٩٤) من طريق يزيد بن هارون، عن شعبة، عن أبي بشر نحو
رواية أبي عوانة. وحديث هشيم أخرجه أيضًا أحمد (ج٤: ص ٢٧٠) وأبو داود
الطيالسي، كلاهما عن هشيم، وأخرجه الحاكم (ج ١: ص١٩٤) من طريق عمرو
ابن عون، عن هشيم، عن أبي بشر، عن حبيب بن سالم بغير ذكر واسطة بشير بن
ثابت .
قال الحاكم: تابعه رقبة بن مصقلة، عن أبي بشر، هكذا اتفق رقبة وهشيم على
رواية هذا الحديث عن أبي بشر، عن حبيب بن سالم، وهو إسناد صحيح،
وخالفهما شعبة وأبو عوانة فقالا: عن أبي بشر، عن بشير بن ثابت، عن حبيب بن
سالم، انتهى، ورقبة بن مصقلة ثقة، وروايته عند النسائي عن محمد بن قدامة،
عن جرير بن عبد الحميد، عن رقبة. وهذا كما ترى قد اختلفت الرواية عن أبي
بشر، فبعضهم رواه عنه، عن حبيب بن سالم بلا واسطة، وبعضهم رواه عنه، عن
بشير بن ثابت، عن حبيب، وقد رجح التر مذي وتابعه ابن العربي رواية من زاد عن
بشير بن ثابت .

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ تَعْجِيلِ الصَّلاةِ
٦٦٩
EXTE
قال الترمذي: وحديث أبي عوانة أصح عندنا؛ لأن يزيد بن هارون روى عن
شعبة عن أبي بشر نحو رواية أبي عوانة، وصرح ابن العربي كما تقدم بأن هشيمًا
أخطأ في روايته، ولكن متابعة رقبة بن مصقلة له تبعد احتمال الخطأ. والظاهر أن
أبا بشر سمعه من حبيب وسمعه من بشير بن ثابت عن حبيب، فكان يرويه مرة هكذا
ومرة هكذا كما تراه كثيرًا في صنيع الرواة، والإسناد صحيح في الحالين كذا حققه
صاحب ((التعليق))، وهو تحقيق جيد.
٦١٦ - [٢٨] وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيج قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((أَسْفِرُوا
بِالْفَجْرِ، فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ)). [رَوَاهُ التَّْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ وَلَيْسَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ:
((فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ))] (حسن)
الشّرْحُ
٦١٦- قوله: (أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ) أي: صلوا صلاة الفجر إذا أضاء الفجر
وأشرق. (فَإِنَّه) أي: الإسفار بالفجر. (أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ) احتجَّ به الحنفية على أفضلية
تأخير الفجر إلى الإسفار. وأجيب عنه بأن استمرار صلاته وق لقه بغلس ومداومته على
التغليس يشعر بأن المراد بـ((أسفروا)) غير ظاهره، فقيل: يحمل على التأخير حتى
يتبين وينكشف بحقيقة الأمر، ويعرف يقينًا طلوع الفجر، وعلى هذا ((أَعْظَمُ)) ليس
للتفضيل. وقيل: يحملُ على الليالي المقمرة؛ لأنَّ أول الفجر لا يتضح معها لغلبة
نور القمر لنوره. وقيل: يحمل على الليالي القصيرة لإدراك النوم الصلاة كما في
حديث معاذ بن جبل قال: بعثني رسول اللَّه ◌َ له إلى اليمنِ فقال: ((يَا مُعَاذُ، إِذَا كَانَ
فِي الشِّتَاءِ؛ فَغَلِّسْ بِالْفَجْرِ، وَأَطِلِ الْقِرَاءَةَ قَدْرَ مَا يُطِيقُ النَّاسُ، وَلا تُمِلَّهُمْ، وَإِذَا كَانَ
الصَّيْفُ، فَأَسْفِرْ بِالْفَجْرِ، فَإِنَّ اللَّيْلَ قَصِيرٌ، وَالنَّاسُ يَنَامُونَ، فَأَمْهِلْهُمْ حَتَّى يُدْرِكُوا))
ذكره البغوي في ((شرح السنة))، وأخرجه بقي بن مخلد في ((مسنده))، وأبو نعيم في
الحلية .
(٦١٦) أَبُو دَاوُد (٤٢٤)، التِّرْمِذِي (١٥٤)، النَّسَائِي (١/ ٢٧٢)، ابنُ ماجه (٦٧٢) فِي الصَّلَاةِ عَنْهُ،
وَصَخَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.

٦٧٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقيل: المراد: طولوا القراءة في صلاة الصبح حتى تخرجوا منها مسفرين،
وهو الأوفق بحديث: ((ما أسفرتم بالفجر فإنه أعظم للأجر))، قال الإمام ابن القيم
في ((إعلام الموقعين)) بعد ذكر حديث رافع بن خديج ما لفظه: وهذا بعد ثبوته إنما
المراد به الإسفار دوامًا لا ابتداء فيدخل فيها مغلسًا، ويخرج منها مسفرًا كما كان
يفعله وَاليه، فقوله موافق لفعله لا مناقض له، وكيف يظن به المواظبة على فعل ما
الأجر الأعظم في خلافه، انتهى.
وهذا هو الذي اختاره الطحاوي في ((شرح الآثار))، وبسط الكلام فيه، وقال في
آخره: فالذي ينبغي الدخول في الفجر في التغليس والخروج منها في وقت
الإسفار، على موافقة ما روينا عن رسول اللَّه وَ ◌ّله وأصحابه، وهو قول أبي حنيفة،
وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، انتهى. ولا يخدش هذا الجواب حديث عائشة
المتقدم: ((فتنصرف النساء ما يعرفن من الغلس))؛ لأنه يمكن أن يقال: إنه كان
أحيانًا. وقيل في جواب حديث رافع هذا: أن قوله: ((أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ))، مروي
بالمعنى، والأصل: أصبحوا بالصبح، كما في رواية أبي داود. قال الجزري: أي:
صلوها عند طلوع الصبح، يقال: أصبح الرجل إذا دخل في الصبح، انتهى. قال
السيوطي في ((حاشية أبي داود)): وبهذا يعرف أن رواية من روى هذا الحديث
بلفظ: ((أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ)) مروية بالمعنى، وأنه دليل على أفضلية التغليس بها لا على
التأخير إلى الإسفار، انتهى.
وقال السندي في ((حاشية ابن ماجه)): تعين أن ((أَسْفِرُوا)) منقول بالمعنى، محتاج
إلى الدليل؛ إذ يمكن العكس. نعم، قد سقط استدلال من يقول بالإسفار بلفظ :
(أَسْفِرُوا))؛ لاحتمال أنه من تصرف الرواة، والأصل: ((أصبحوا))، كما سقط
استدلال من يقول بالتغليس بلفظ: ((أَصْبِحُوا)) لاحتمال أنه من تصرف الرواة، إلا
أن يقال: الموافق لأدلة التغليس لفظ: ((أصبحوا))، وتلك أدلة كثيرة، ولا دليل
على الإسفار إلا هذا الحديث بلفظ: ((أَسْفِرُوا)) والأصل عدم التعارض، فالظاهر أن
الأصل لفظ: ((أَصْبِحُوا)) الموافق لباقي الأدلة لا لفظ: ((أَسْفِرُوا)) المعارض، وإنما
جاء لفظ: ((أَسْفِرُوا)) من تصرف الرواة، لكن قد يقال ((أَسْفِرُوا)) هو الظاهر لا
((أَصْبِحُوا))؛ لأنه لو كان ((أَصْبِحُوا)) صحيحًا لكان مقتضى قوله: ((أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ)) أنه
بلا إصباح تجوز الصلاة وفيها أجرٌ دون أجرٍ، ويمكن الجواب بأن معنى ((أَصْبِحُوا))

٦٧١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
se
بَابُ تَعْجِيلِ الصَّلَاةِ
تيقّنوا بالإصباح بحيث لا يبقى فيه أدنى وهم، ولو كان ذلك الوهم غير مناف
للجوازِ، وذلك لأنه إذا قوي الظن بطلوع الفجر يجوز الصلاة ويثاب عليها، لكن
التأخير حتى يتبين وينكشف بحيث لا يبقى وهم ضعيف فيه أولى وأحسن، فأجره
أكثر، وعلى هذا المعنى حمل الإسفار إن صح؛ توفيقًا بين الأدلة، انتهى كلام
السندي .
قلتُ: أحسن الأجوبة وأسلمها وأولاها ما قاله الإمام ابن القيم بأن المراد
الإسفار: دوامًا لا ابتداء، والله أعلم.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وقال حديث حسن صحيح. (وَأَبُو دَاوُدَ) وسكت عليه هو
والمنذري. (والدَّارِمِيُّ) وأخرجه أيضًا الطيالسي وأحمد (ج٣: ص ٤٦٥، وج٤:
ص١٤٠، ١٤٢، ١٤٣) وابن ماجه والبيهقي وابن حبان والطبراني والطحاوي في
((معاني الآثار))، قال الحافظ في ((الفتح)): رواه أصحاب السنن، وصححه غير
واحد .

ESONE
٦٧٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثالث
٦١٧ - [٢٩] عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيج قَالَ: كُنَّا نُصَلِّ الْعَصْرَ مَعَ
رَسُولِ اللَّهِ وَّةِ، ثُمَّ تُنْحَرُ الْجَزُّورُ فَتُقْسَمُ عَشَرَ قِسَم، ثُمَّ تُطْبَخُّ فَتَأْكُلُ لَحْمًّا
نَضِيجًا قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشَّرْحُ
٦١٧ - قوله: (الْجَزُورَ) بفتح الجيم، قال الطيبي: هو البعير، ذكرًا كان أو
أنثى، إلا أن اللفظ مؤنثة، يقال: هذه الجزور وإن أردت ذَكَرًا، انتهى. وقال
النووي: الجزور - بفتح الجيم - لا يكون إلا من الإبل، وقال المجدُ في
((القاموس)): الجزور البعير، أو خاص بالناقة المجزورة، الجمع جزائر، وجزر،
وجزرات. (فَتُقْسَمُ عَشْرَ قِسَم) بكسر القاف وفتح السين، جمع قسمة. (ثُمَّ تُطْبَخُ)
بالتأنيث، وفي بعض النسخّ ((نَطْبُخُ)) بالنون، وكذا وقع في ((صحيح مسلم))، وهو
من باب نصر ومنع. (لَحْمًا نَضِيجًا) أي: مشويًّا، وقال الجزري: النضيج:
المطبوخ، فعيل بمعنى مفعول. (قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ) قال الطيبي: في تخصيص
القسم بالعشر، والطبخ بالنضج، وعطف (تنحر)) على ((نصلي)) إشعار بامتداد
الزمان، وأن الصلاة واقعة أول الوقت. قلتُ: الحديث يدل على مشروعية
المبادرة بصلاة العصر وتعجيلها، فإن نحر الجزور، ثم قسمتها، ثم طبخها ثم
أكلها نضجًا، ثم الفراغ من ذلك قبل غروب الشمس من أعظم المشعرات بالتبكير
بصلاة العصر، فهو من حجج الجمهور، وهو يرد ما قاله أبو حنيفة من أن أول وقت
العصر مصير ظل الشيء مثليه، وقد خالفه الناس في ذلك، ومن جملة المخالفين له
أصحابه، وقد تقدم البسط في ذلك. (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في كتاب
الشركة، وهو من الأحاديث المذكورة في غير مظنتها، وأخرجه مسلم في
الصلاة، واللفظ له، وفي الباب عن أنس عند مسلم.
(٦١٧) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٢٤٨٥)، ومُسْلِم (٦٢٥) في الصلاة عنه.

كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ تَعْجيل الصَّلَاةِ
٦٧٣
:Yabe
٦١٨ - [٣٠] وَعَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُمَرَ قَالَ: مَكَثْنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ نَنْتَظِرُ
رَسُولَ اللَّهِ نَّهِ صَلَةِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ، فَخَرَجَ إِلَيْنَا حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ أَوْ
بَعْدَهُ، فَلَ نَدْرِي أَشَيْءٌ شَغَلَهُ فِي أَهْلِهِ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ حِينَ خَرَجَ: ((إِنَّكُمْ
لَتَنْتَظِرُونَ صَلَةً مَا يَنْتَظِرُهَا أَهْلُ دِينٍ غَيْرُكُمْ، وَلَوْلَا أَنْ يَثْقُلَ عَلَى أُمَّتِي لَصَلَّيْتُ
بِهِمْ هَذِهِ السَّاعَةَ)) ثُمَّ أَمَرَ الْمُؤَذِّنَّفَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَصَلَّى. [رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشَّرْحُ
٦١٨- قوله: (مَكَثْنَا) بفتح الكاف وضمها، أي: لبثنا في المسجد. (ذَاتَ
لَيْلَةٍ) أي: ليلة من الليالي (صَلَاةِ الْعِشَاءِ) ظرف لـ: ((ننتظر)) أي: ننتظر رسول اللَّه
وَلَّه وقت صلاة العشاء. (الآخِرَةِ) بالجر على النعت، ولعل تأنيثها باعتبار مرادف
العشاء، وهو العتمة، وجوز النصب على أنها صفة الصلاة أو بتقدير: أعني. (حِينَ
ذَهَبَ) أي: مضى. (أَوْ بَعْدَهُ) عطف على حين ذهب و((أو)) للشك من الراوي.
(أَشَيْءٌ شَغَلَهُ) أي: عن تقديمها المعتاد. (أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ؟) بأن قصد بتأخيرها إحياء
طائفة كثيرة من أول الليل بالسهر في العبادة التي هي انتظار الصلاة. و(غَيْرُ) بالرفع
عطف على ((شيء))، وبالجر عطف على ((أهله))، قاله القاري. (فَقَالَ حِينَ خَرَجَ) من
الحجرة الشريفة. (مَا يَنْتَظِرُهَا أَهْلُ دِينِ غَيْرُكُمْ)؛ لأنها صلاة مخصوصة بهذه الأمة
كما في حديث معاذ بن جبل المتقدم، أي: فانتظاركم لها شرف مخصوص بكم،
فلا تكرهوه.
قال القاري: ((غيركم)) بالرفع على البدل، وبالنصب على الاستثناء، والأول هو
المختار، أي: انتظار هذه الصلاة من بين سائر الصلوات من خصوصياتكم التي
خصكم الله بها، فكلما زدتم؛ يكون الأجر أكمل مع أن الوقت زمان يقتضي
الاستراحة، فالمثوبة على قدر المشقة، انتهى.
(وَلَوْلَا أَنْ يَتْقُلَ) بصيغة التذكير، أي: التأخير أو هذا الفعل، وفي ((سنن أبي
داود)): ((تثقل))، بالتأنيث أي: الصلاة هذه الساعة. (لَصَلَّيْتُ بِهِمْ) أي: دائمًا.
(٦١٨) مُسْلِمٌ (٦٣٩) فيها عن ابن عمر.

٦٧٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(هَذِهِ السَّاعَةَ) قال الطيبي: أي: لزمت على صلاتها في مثل هذه الساعة. وفي
الحديث: أنه يستحب للإمام والعالم إذا تأخر عن أصحابه، أو جرى منه ما يظن أنه
يشق عليهم أن يعتذر إليهم ويقول: لكم في هذا مصلحة من جهة كذا، أو كان لي
عذر، أو نحو هذا. وفيه أيضًا التصريح بأن ترك التأخير إنما هو للمشقة والثقل على
الأمة. واختلفوا: هل الأفضل تقديمها أم تأخيرها؟ ويأتي إيضاح القول الحق فيه
في شرح حديث أبي سعيد الآتي. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أبو داود والنسائي.
٦١٩ - [٣١] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ يُصَلِّي
الصَّلَوَاتِ نَحْوًا مِنْ صَلَاتِكُمْ، وَكَانَ يُؤَخِّرُ الْعَتَمَةَ بَعْدَ صَلَاتِكُمْ شَيْئًا، وَكَانَ
يُخفِّفُ الصَّلَاةَ.
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشَّرُْ
٦١٩- قوله: (نَحْوًا) أي: قريبًا. (مِنْ صَلَائِكُمْ) أي: في هذه الأوقات
المعتادة لكم. (وَكَانَ يُؤَخِّرُ الْعَتَمَةَ) أي: العشاء، وإطلاق العتمة على العشاء لبيان
الجواز وأن النهي للتنزيه لا للتحريم، أو للتعريف؛ لأنها أشهر عندهم. (بَعْدَ
صَلَائِكُمْ) في وقتكم المعتاد. (شَيْئًا) أي: يسيرًا أو كثيرًا. (وَكَانَ يُخفِّفُ الصَّلَاةَ)
وفي ((صحيح مسلم)): ((وكان يخفف في الصلاة)). أي بزيادة: ((فِي))، قال ابنُ
حجرٍ: أي: إذا كان إمامًا، وذلك أغلبي أيضًا؛ لما يأتي أنه عليه الصلاة والسلام
طول بهم حيث قرأ الأعراف في ركعتي المغرب، انتهى.
والحديث: يدل على استحباب مطلق التأخير للعشاء، وهو مقيد بنصف الليل أو
ثلثه .
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد والنسائي مختصرًا بلفظ: ((كان رسول اللَّه ◌َايَة.
يؤخر العشاء الآخرة)) .
(٦١٩) مُسْلِم (٦٤٣) فيها عن جابر بن سمرة.

٦٧٥
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ تَعْجيل الصَّلَاةِ
٦٢٠ - [٣٢] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ صَلَاةَ
الْعَتَمَةِ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْنَا حَتَّى مَضَى نَحْوٌ مِنْ شَطْرَ اللَّيْلِ، فَقَالَ: ((خُذُوا
مَقَاعِدَكُمْ)) فَأَخَذْنَا مَقَاعِدَنَا، فَقَالَ: ((إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوا وَأَخَذُوا مَضَاجِعَهُمْ،
وَإِنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلَاةَ، وَلَوْلَا ضَعْفُ الضَّعِيفِ، وَسُقْمُ
السَّقِيم لَأَخَّرْتُ هَذِهِ الصَّلَاةَ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ)). [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ] {صحيح}
الشّرُْ
٦٢٠ - قوله: (صَلَّيْنَا) أي: أردنا أن نصلي جماعة. (نَحْوٌ) أي: قريب. (مِنْ
شَطْرِ اللَّيْلِ) أي: نصفه. (فَقَالَ) أي: فخرج فقال: (خُذُوا) أي: الزموا. (فَأَخَذْنَا
مَقَاعِدَنَا) أَي: ما تفرقنا عن أماكننا. (إِنَّ النَّاسَ) أي: غير أهل مسجد النبي وَّ.
(قَدْ صَلَّوا) بفتح اللام. (وَأَخَذُوا مَضَاجِعَهُمْ) أي: مكانهم للنوم، يعني: وناموا.
(لَنْ تَزَالُوا) وفي بعض نسخ ((أبي داود)): ((لم تزالوا)). (فِي صَلَاةٍ) أي: حكمًا
وثوابًا، والتنكير للتعميم؛ لئلا يتوهم خصوص الحكم بصلاة العشاء، أي: أى
صلاة انتظرتموها فأنتم فيها مادمتم تنتظرونها. (وَلَوْلَا ضَعْفُ الضَّعِيفِ ... ) إلخ.
هو بضم أو فتح فسكون، والسقم بضم فسكون أو بفتحتين، ومقتضى الموافقة: أن
يختار فيهما الضم مع السكون، ثم السقم هو المرض، والضعف أعم فقد يكون
بدونه، أي: لو لا مخافة المشقة عليهما. زاد أحمد في روايته: ((وحاجة ذي
الحاجة)). (لَأَخَّرْتُ) أي: دائما. (هَذِهِ الصَّلَاةَ) أي: العشاء. (إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ)
أي: نصفه أو قريبًا منه وهو الثلث. والحديث فيه تصريح بأفضلية التأخير لولا
ضعف الضعيف، وسقم السقيم، وحاجة ذي الحاجة، وهو من حجج من قال: بأن
التأخير أفضل.
قال الحافظ في ((الفتح)) بعد ذكر حديث أبي سعيد هذا، وحديث أبي هريرة
المتقدم بلفظ: (لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُؤَخِّرُوا الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ أَوْ
نِصْفِهِ)) ما نصُّه: فعلى هذا من وجد به قوة على تأخيرها، ولم يغلبه النوم، ولم يشق
(٦٢٠) أَبُو دَاوُد (٤٢٢)، والنَّسَائِي (١/ ٢٦٨)، فيها عن أبي سعيد.

٦٧٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
على أحد من المأمومين، فالتأخير في حقِّه أفضل، وقد قرَّر النووي ذلك في ((شرح
مسلم))، وهو اختيار كثير من أهل الحديث من الشافعية وغيرهم، والله أعلم.
ونقل ابن المنذر عن الليث وإسحاق: أن المستحب تأخير العشاء إلى قبل الثلث،
وقال الطحاوي: يستحب إلى الثلث، وبه قال مالك وأحمد وأكثر الصحابة
والتابعين، وهو قول الشافعي في الجديد، وقال في القديم: التعجيل أفضل،
وكذا قال في ((الإملاء))، وصححه النووي، وجماعة، وقالوا: إنه مما يفتى به في
القديم، وتعقب: بأنه ذكره في ((الإملاء)) وهو من كتبه الجديدة، والمختار من
حيث الدليل أفضلية التأخير، ومن حيث النظر التفضيل، والله أعلم، انتهى كلام
الحافظ .
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وسكت عليه هو والمنذري. (وَالَّسَائِيُّ) وأخرجه أيضًا أحمد
وابن ماجه وابن خزيمة في ((صحيحه))، وغيرهم، واللفظ المذكور لأبي داود.
وقال الشوكاني: وإسناده صحيح .
٦٢١ - [٣٣] وَعَنْ أُمّ سَلَمَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ أَشَدَّ تَعْجِيلًا
لِلُّهْرِ مِنْكُمْ، وَأَنْتُمْ أَشَدُّ تَعْجِيلًا لِلْعَصْرِ مِنْهُ.
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ] {ضعيف}
الشَّرْجُ
٦٢١ - قوله: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِِّ أَشَدَّ تَعْجِيلًا لِلظَّهْرِ مِنْكُمْ) فيه: دليل على
استحباب تعجيل الظهر، ونحوه ما روى الترمذي عن عائشة: ما رأيت أحدًا أشد
تعجيلًا للظهر من رسول اللَّه وَ له، ولا من أبي بكر، ولا من عمر. قال ابنُ قُدامة في
((المغنى)): لا نعلمُ في استحباب تعجيل الظهر في غير الحر والغيم خلافًا، انتهى.
(وَأَنْتُمْ أَشَدُّ تَعْجِيلًا لِلْعَصْرِ مِنْهُ) قال الطيبي: ولعل هذا للإنكار عليهم
بالمخالفة. قال القاري: الظاهر أن الخطاب لغير الأصحاب، قال: وفي الجملة
يدل الحديث على استحباب تأخير العصر كما هو مذهبنا.
(٦٢١) أَحْمَد (٦/ ٢٨٩)، والتِّرْ مِذِي (١٦١) فيها عن أمَّ سَلَمة
.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ تَعْجيل الصَّلَاةِ
٦٧٧
قلتُ: وكذا استدل به العيني في ((البناية شرح الهداية)) على أفضلية تأخير
العصر. وقد أجاب عن هذا الاستدلال الشيخ عبد الحي اللكنوي، فقال: ولا
يخفى على الماهر ما في الاستناد بهذا الحديث؛ فإنه إنما يدل على كون التعجيل
في الظهر أشد من التعجيل في العصر، لا على استحباب التأخير. وقال شيخنا في
((شرح الترمذي)) بعد نقل كلام القاري: ليس فيه دلالة على استحباب تأخير العصر،
نعم، فيه أن الذين خاطبتهم أم سلمة كانوا أشد تعجيلًا للعصر منه وَّةَ، وهذا لا يدلُّ
على أنه وَّ كان يؤخر العصر، حتى يستدلَّ به على استحباب التأخير.
وقال صاحبُ ((العرفِ الشذي)) ما لفظه: حديث الباب ظاهره مبهم والتأخير
هاهنا إضافي، وإطلاق الألفاظ الإضافية ليست بفاصلة، انتهى. ثم قال بعد هذا
الاعتراف: نعم يخرج شيء لنا، انتهى.
قال شيخنا: لا يخرج لكم شيء من هذا الحديث أيها الأحناف، كيف وظاهره
مبهم، والتأخير فيه إضافي، وأطلق فيه اللفظ الإضافي، وهو ليس بفاصل، وقد
ثبت بأحاديث كثيرة صحيحة صريحة استحباب التعجيل، وترك الأحاديث
الصحيحة الصريحة في أفضلية التعجيل، والتشبث بمثل هذا الحديث ليس إلا من
أثر التقليد، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٦: ص٢٨٩، ٣١٠). (والتِّرْمِذِيُّ) قال العلامة أحمد محمد
شاكر في تعليقه على ((الترمذي)): لم أجده في شيء من الكتب الستة وغيرها إلا في
((الترمذي)) و((مسند أحمد)).
٦٢٢ - [٣٤] وَعَنْ أَنَس قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ إِذَا كَانَ الْحَرُّ أَبْرَدَ
بِالصَّلَاةِ، وَإِذَا كَانَ الْبَرْدُ عَجَّلَّ.
[رَوَاهُ النَّسَائِيُّ] (صحيح)
الشَّرْحُ
٦٢٢- قوله: (أَبْرَدَ) من الإبراد، وهو الدخول في البرد، والباء للتعدية أي:
(٦٢٢) النَّسَائِي (١/ ٢٤٨) فيها عن أنس.