النص المفهرس
صفحات 621-640
٦١٨
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وفي بعض النسخ: حديث حسن صحيح، وصحَّحه أيضًا ابن عبد البر، وابن
العربي في ((شرح الترمذي)) (ج١: ص٢٥٠، ٢٥١) وقال: رواة حديث ابن عباس
هذا كلهم ثقات مشاهير، لا سيما وأصل الحديث صحيح في صلاة جبريل
بالنبي وَّ، وإنما هذه الرواية تفسير مجمل، وإيضاح مشكل. وقال ابن عبد البر
في ((التمهید)): وقد تكلّم بعض الناس في حديث ابن عباس هذا بكلام لا وجه له،
ورواته كلهم مشهورون بالعلم.
وارجع لتفصيل الكلام عليه إلى ((التلخيص)) (ص٦٤) و((النيل)) (ج١: ص٢٨٩)
و((نصب الراية)) (ج١: ص١١٦) والحديث أخرجه أيضًا الشافعي وأحمد، وابن
الجارود وابن خزيمة وابن حبان في ((صحيحيهما)) والدار قطني والحاكم، وفي
الباب عن جابر عند أحمد والترمذي والنسائي والحاكم، وأبي هريرة عند النسائي
والدار قطني، وأبي سعيد عند أحمد والطبراني في ((الكبير)).
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمَوَاقِيتِ
٦١٩
الفصل الثالث
٥٨٦ - [٤] عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَّرَ الْعَصْرَ شَيْئًا،
فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ: أَمَا إِنَّ جِبْرَئِيلَ قُّدْ نَزَلَ فَصَلَّى أَمَامَ رَسُولَ اللَّهِ وَةِ، فَقَالَ لَهُ
عُمَرُ: اعْلَمْ مَا تَقُولُ يَا عُرْوَةُ. فَقَالَ: سَمِعْتُ بَشِيرَ بْنَ أَبِي مَسْعُودٍ يَقُولُ:
سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِلِهِ يَقُولُ: («نَزَّلُّ جِبْرَئِيلُ فَأَمَّنِي،
فَصَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ))
يَحْسُبُ بِأَصَابِعِهِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشّرْحُ
٥٨٦ - قوله: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن
شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، القرشي الزهري المدني،
وكنيته أبو بكر، التابعي الفقيه الحافظ، متفق على جلالته وإتقانه، مات في رمضان
سنة (١٢٤) روى عن ابن عمر، وسهل بن سعد، وأنس بن مالك، ومحمود بن
الربيع، وسعيد بن المسيب، وأبي أمامة بن سهل، وطبقتهم من صغار الصحابة،
وكبار التابعين، وروى عنه الأوزاعي، والليث، ومالك، وابن عيينة، وغيرهم.
قال أبو داود: حديثه ألفان ومائتان، النصف فيها مسند. قال عمر بن عبد العزيز:
لم يبق أحد أعلم بسنة ماضية من الزهري. وقال مالك: بقي ابن شهاب وما له في
الدنيا نظير، وفضائله كثيرة، بسط ترجمته الحافظ في ((التهذيب)) (ج٩: ص٤٤٥ -
٤٥١) والذهبي في ((التذكرة)) (ج١: ص٩٦ - ١٠٠) وابن خلكان في ((تاريخه))
(ج١ : ص ٤٥١، ٤٥٢).
( أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ) بن مروان الأموي، أحد الخلفاء الراشدين، وفي رواية
عبد الرزاق عن معمر عن ابن شهاب، قال: كنا مع عمر بن عبد العزيز ... فذكره.
(٥٨٦) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٥٢١)، ومُسْلِم (٦١٠) عن أبي مسعودٍ الأنصاري في الصلاةِ، وفيه
(٦١١) رواية عن عائشةَ قِّ وَأَبُو دَاوُد (٣٩٤)، والنَّسَائِي (١/ ٢٤٥)، وابن مَاجَهْ (٦٦٨).
٦٢٠
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْعُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وفي رواية شعيب عن الزهري: سمعتُ عروة يحدث عمر بن عبد العزيز، الحديث.
(أَخَّرَ الْعَصْرَ) وهو يومئذٍ أمير المدينة في زمان الوليد بن عبد الملك، وكان
ذلك زمان يؤخر فيه الصلاة بنو أمية. (شَيْئًا) أي: تأخيرًا يسيرًا، أو شيئًا قليلًا من
الزمان، يعني: أخر شيئًا حتى خرج الوقت المستحب لا أنه أخرها حتى غربت
الشمس، وفي رواية للبخاري: ((أخّر الصلاة يومًا)). وفي رواية عبد الرزاق: مرة.
وظاهر السياقين أنه فعل ذلك يومًا ما، لا أن ذلك كان عادة له، وإن كان أهل بيته
معروفين بذلك، وفي رواية أبي داود: وكان قاعدًا على المنبر فأخر العصر شيئًا.
وفيها: إشارة إلى سبب تأخيره وهو اشتغاله بشيء من مصالح المسلمين.
(فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ) أي: ابن الزبير. (أَمَا) بالتخفيف حرف استفتاح بمنزلة ألا . (قَدْ
نَزَلَ) صبيحة ليلة الإسراء. (فَصَلَّى أَمَامَ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ) قال السيوطيُّ: لا إشكال في
فتح همزة ((أَمَامَ)) بل في كسرها؛ لأن إضافة أمام معرفة، والموضع موضع الحال
فيوجب جعله نكرة بالتأويل كغيره من المعارف الواقعة أحوالًا كأرسلها العراك،
وقال السندهي: بكسر الهمزة، وهو حال لكون إضافته لفظية نظرًا إلى المعنى، أو
بفتح الهمزة، وهو ظرف، والمعنى يميل إلى الأول.
قلتُ: ويؤيده قوله في الحديث: ((فَأَمَّنِى))، ومقصود عروة بذلك أن أمر
الأوقات عظيم قد نزل لتحديدها جبريل، فعلمها النبي وَّ بالفعل، فلا ينبغي
التقصير في مثله.
(اعْلَمْ) أمر من العلم أي: كُن حافظًا ضابطًا له، ولا تقله عن غفلةٍ، أو من
الإعلام أي: بَيَّنَ لي حاله وإسنادك فيه. (مَا تَقُولُ يَا عُرْوَةُ) الظاهر أنه استبعاد لإخبار
عروة بنزول جبريل بدون الإسناد، فكأنه غَلَّظ عليه بذلك مع عظيم جلالته، إشارة
إلى مزيد الاحتياط في الرواية، لئلا يقع في محظور الكذب على رسول اللَّه وَل
وإن لم يتعمد، وزاد في رواية للبخاري وغيره: أو أن جبريل هو الذي أقام
لرسول اللّه بَ ◌ّه وقت الصلاة؟ (فَقَالَ) أي: عروة. (سَمِعْتُ بَشِيرَ بْنَ أَبِي مَسْعُودٍ)
عقبة بن عمرو الأنصاري، ذكره ابن منده في الصحابة، وجزم ابن عبد البر بأنه ولد
على عهد النبي ◌َّ، وجزم البخاري، والعجلي، ومسلم، وأبو حاتم الرازي بأنه
تابعي، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) في التابعين، وذكره الحافظ في القسم الثاني
من حرف الباء في ذكر من له رؤية من ((الإصابة)) (ج١: ١٦٨).
٦٢١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمَوَاقِيتِ
(سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُودٍ) تقدم ذكره. (يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلَهِ يَقُولُ: نَزَلَ
جِيْرَئِيلُ فَأَمَّنِي، فَصَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ
صَلَّيْتُ مَعَهُ) قال الطيبي: معنى إيراد عروة الحديث: أنى كيف لا أدرى ما أقول
وأنا صحبت وسمعت ممن صحب وسمع ممن صاحب رسول اللّه وَل وسمع منه
هذا الحديث؟ فعرفت كيفية الصلاة وأوقاتها وأركانها، انتهى.
قال القرطبي: قول عروة: أن جبريل نزل، ليس فيه حُجة واضحة على عمر بن
عبد العزيز، إذ لم يبين له الأوقات، قال: وغاية ما يتوهم عليه أنه نبهه وذكره بما
كان يعرفه من تفاصيل الأوقات، قال: وفيه بعد لإنكار عمر على عروة حيث قال
له: ((اعلم ما تحدث يا عروة)). قال: وظاهر هذا الإنكار أنه لم يكن عنده علم من
إمامة جبريل. قال الحافظ في ((الفتح)): لا يلزم من كونه لم يكن عنده علم منها أن
لا يكون عنده علم بتفاصيل الأوقات المذكورة من جهة العمل المستمر، لكن لم
يكن يعرف أن أصله بتبيين جبريل بالفعل، فلهذا استثبت فيه، وكان يرى أن لا
مفاضلة بين أجزاء الوقت الواحد. قال: وورد في هذه القصة بيان أبي مسعود
للأوقات، وفي ذلك ما يرفع الإشكال، ويوضح توجيه احتجاج عروة به، فروى
أبو داود والدار قطني وابن خزيمة والطبراني، عن أسامة بن زيدٍ، عن الزهري هذا
الحديث، وزاد في آخره: ((قال أبو مسعود: فرأيتُ رسول اللّه وَله يصلي الظهر
حين تزول الشمس ... ))، فذكر الحديث. ويعضد رواية أسامة ويزيد عليها أن
البيان من فعل جبريل، ما رواه الباغندي في مسند عمر بن عبد العزيز والبيهقي في
((السنن الكبرى))، من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، عن أبي بكر بن حزم أنه
بلغه، عن أبي مسعود ... فذكره منقطعًا.
لكن رواه الدار قطني والطبراني في ((الكبير)) من طريق آخر عن أبي بكر بن حزم، عن
عروة، فرجع الحديث إلى عروة ووضح أن له أصلًا، وأن في رواية مالك ومن تابعه
اختصارًا، وبذلك جزم ابن عبد البر، انتهى كلامُ الحافظ بتلخيص وزيادة يسيرة.
قلتُ: رواية الطبراني ذكرها الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (ج١: ص٣٠٥،
٣٠٦) وقال بعد إيرادها: في الصحيح أصله من غير بيان لأولِ الوقت وآخره، وفي
رواية الطبراني هذه. (وَكَذَا فِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ) أيوب بن عتبة، ضعفه ابن
المديني، ومسلم، وجماعة، ووثقه عمرو بن علي في رواية، وكذلك يحيى بن
معين في رواية، وضعفه في روايات، والأكثر على تضعيفه، انتهى.
٦٢٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(يَحْسُبُ) بضم السين مع التحتانية من الحساب، والظاهر أن فاعله النبي وَّ،
أي: يقول ذلك حال كونه يحسب تلك المرات بعقد أصابعه. (بِأَصَابِعِهِ خَمْسَ
صَلَوَاتٍ) كل واحدة منها مرتين تحديدًا لأوائل الأوقات وأواخرها، وهو بالنصب
مفعول يحسب أو صليت.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في مواقيت الصلاة وبدء الخلق والمغازي،
ومسلم في الصلاة، وأخرجه أيضًا مالك وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه
وغيرهم .
٥٨٧- [٥] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضْتَهُ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ: إِنَّ أَهَمَّ
أُمُورِكُمْ عِنْدِي الصَّلَاةُ، مَنْ حَفِظَهَا وَحَافَظَ عَلَيْهَا حَفِظَ دِينَهُ، وَمَنْ ضَيَّعَهَا فَهُوَ
لِمَا سِوَاهَا أَضْيَعُ، ثُمَّ كَتَبَ أَنْ صَلُّوا الظُّهْرَ إِنْ كَانَ الْفَيْءُ ذِرَاعًا إِلَى أَنْ يَكُونَ
ظِلَّ أَحَدِكُمْ مِثْلَهُ، وَالعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ بَيْضَاءُ نَفِيَّةٌ قَدْرَ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ
فَرْسَخَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ، وَالمَغْرِبَ إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ،
وَالعِشَاءَ إِذَا غَابَ الشَّفَقُ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، فَمَنْ نَامَ فَلَا نَامَتْ عَيْنُهُ، فَمَنْ نَامَ فَلَا
نَامَتْ عَيْنُهُ، فَمَنْ نَامَ فَلَا نَامَتْ عَيْنُهُ، وَالصُّبْحَ وَالنُّجُومُ بَادِيَةٌ مُشْتَبِكَةٌ)).
[رَوَاهُ مَالِكٌ] {ضعيف}
الشَّرْجُ
٥٨٧- قوله: (عُمَّالِهِ) جمع عامل أي: أمرائه. (أَنْ) بفتح الهمزة وكسرها.
(أَهَمَّ أُمُورِكُمْ) وفي ((الموطأ)): (أَهَمَّ أَمْرِكُمْ)). أي: بالإِفرادِ. (عِنْدِي) أي: في
اعتقادي. (مَنْ حَفِظَهَا) بأن أدى بشرائطها وأركانها. (وَحَافَظَ عَلَيْهَا) أي: سارع إلى
فعلها في وقتها، أو داوم عليها، أو لم يبطلها بالرياء والسمعة. (حَفِظَ دِينَهُ) أي:
حفظ معظم دينه وعماده كقوله: ((الحج عرفة))، أو حفظ بقية أمور دينه، فإن
المواظبة عليها يستدل بها على صلاح المرء. وقال الطيبي: المحافظة على الصلاة
أن لا يسهو عنها ويؤديها في أوقاتها ويتم أركانها وركوعها وسجودها ويؤكد نفسه
(٥٨٧) مَالِك عنه موقوفًا.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمَوَاقِيتِ
se
٦٢٣
بالاهتمام بها والتكرير بمعنى الاستقامة والدوام. (وَمَنْ ضَيَّعَهَا) أي: الصَلاة بأن
أخرها أو ترك بعض ما يجب فيها فضلاً عن تركها رأسًا. (فَهُوَ لِمَا سِوَاهَا) من بقية
أمور الدين. (أَضْيَعُ) أي: أكثر تضييعًا وهو أفعل التفضيل من التضييع على ما روي
عن سيبويه، ويحتمل أن يكون اللام بمعنى ((في)) يعني أنه ضائع في تركه الصلاة
وأنه أضيع في غيره، والمعنى أنه إذا علم أنه مضيع للصلاة ظن به التضييع لسائر
العبادات التي تخفى، أو يقال: إنه إذا ضيع الصلاة فقد ضيع سائر العبادات وإن
عملها، لما روي: إن أول ما ينظر فيه من عمل العبد الصلاة، فإن قبلت منه نظر
فيما بقي من عمله، وإن لم تقبل منه لم ينظر في شيء من عمله، قاله الباجي.
(ثُمَّ كَتَبَ) أي: عمر إليهم بعد التنبيه المذكور. (أَنْ) أي: بأن (صَلُّوا الظُّهْرَ إِنْ
كَانَ الْفَيْءُ ذِرَاعًا) أن مصدرية والوقت مقدر أي: وقت كون الفيء قدر ذراع، وهو
مختص بمحل يكون كذلك، فإن مقدار الفيء يختلف باختلاف الأمكنة والأزمنة.
وفيه: دليلٍ على تعجيل صلاة الظهر. (إِلَى أَنْ يَكُونَ) أي: يستمر وقتها إلى أن
يصير. (ظِلَّ أَحَدِكُمْ مِثْلَهُ) أي: سوى فيء الزوال.
(وَالْعَصْرَ) بالنصب عطف على الظهر. (وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ) الجملة حالية. (قَدْرَ
مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ) ظرف لقوله: مرتفعة، أي: ارتفاعها قدر أن يسير الراكب.
(فَرْسَخَيْنٍ) للبطئ. (أَوْ ثَلَاثَةٌ) أي: ثلاثة فراسخ للسريع، وقيل: فرسخين في
الشتاء، وثلاثة في القيظ، فأو للتنويع، وقيل: للشك من الراوي. ووقع في كتاب
عمر إلى أبي موسى الأشعري عند مالك: ثلاثة فراسخ، على سبيل الجزم،
والفرسخ ثلاثة أميال، واختلفوا في تحديد الميل. وفيه دليل على أن وقت العصر
يدخل قبل أن يصير ظل الشيء مثليه؛ لأن هذا السير لا يمكن إلا إذا صلى العصر
قبل المثلين بل على المثل متصلًا.
(قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ) وفي ((الموطأ)): قبل غروب الشمس. (إِذَا غَابَ الشَّفَقُ)
الأحمر. (إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ) أي: ويستمر إلى ثلث الليل. (فَمَنْ نَامَ) أي: قبل العشاء
كما في رواية البزار، ورويت هذه الجملة في ((مسند البزار)) عن عائشة مرفوعا،
قاله السيوطي. (فَلَا نَامَتْ عَيْنُهُ) دعاء بنفي الاستراحة على من ينام عن صلاة
العشاء؛ لأنه وَ ليل كان يكره النوم قبلها، وكرره ثلاثًا زيادة في التغليظ والتنفير عنه،
٦٢٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وفيه كراهة النوم قبل العشاء، ولا يختص ذلك بالعشاء بل يدخل في معناها بقية
الصلوات. قال ابن حجر: هو محمول عندنا على تفصيل، وهو أنه تارة ينام قبل
الوقت، وتارة بعد دخوله، ففي الثاني إن علم أو ظن أن نومه يستغرق الوقت لم
يجز له النوم إلا أن وثق من غيره أنه يوقظه بحيث يدرك الصلاة كاملة في الوقت،
وكذا في الأول عند جماعات من أصحابنا. وقال آخرون: لا حرمة فيه مطلقًا؛ لأنه
قبل الوقت لم يكلف بها بعد، انتهى. (بَادِيَةٌ) أي: ظاهرة من البُدُوِّ وهو الظهور.
(مُشْتَبِكَةٌ) قال الجزري: اشتبكت النجوم أي: ظهرت واختلط بعضها ببعض لكثرة
ما ظهر منها .
(رَوَاهُ مَالِك) في أوائل ((الموطأ)) عن نافع مولى عبد الله بن عمر، أن عمر بن
الخطاب كتب ... إلخ. وهو منقطع؛ لأن نافعًا لم يلق عمر.
٥٨٨ - [٦] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ قَدْرُ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ وَلِلّه
الظُّهْرَ فِي الصَّيْفِ ثَلَاثَةً أَقْدَامٍ إِلَى خَمْسَةِ أَقْدَامٍ، وَفِي الشِّتَاءِ خَمْسَةَ أَقْدَامٍ إِلَى
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ ] {صحيح}
سَبْعَةٍ أَقْدَام.
الشَّرْجُ
٥٨٨ - قوله: (كَانَ قَدْرُ صَلاةِ رَسُولِ اللَّهِ وَلَّ) بالجر على البدلية من الصلاة،
وبالنصب بتقدير أعني. (ثَلَاثَةَ أَقْدَام) أي: من الفيء. (إِلَى خَمْسَةِ أَقْدَام ... ) إلخ.
قال السندي: أي: قدر تأخير الصلاةً عن الزوال ما يظهر فيه قدر ثلاثة أقدَّام للظل،
أي: يصير ظل كل شيء ثلاثة أقدام من أقدامه فيعتبر قدم كل إنسان بالنظر إلى
ظله. والمراد: أن يبلغ مجموع الظل الأصلي والزائد هذا المبلغ، لا أن يصير
الزائد هذا القدر ويعتبر الأصلي سوى ذلك، فهذا قد يكون لزيادة الظل الأصلي
كما في أيام الشتاء، وقد يكون لزيادة الظل الزائد بسبب التبريد كما في أيام
الصيف، انتهى.
(٥٨٨) أَبُو دَاوُد (٤٠٠)، النَّسَائِي (١/ ٢٥٠) في الصلاة عن ابن مسعود رَضِلّهُ.
٦٢٥
بَابُ الْمَوَاقِيتِ
*
كِتَابُ الصَّلَاةِ
وقال الخطابي: هذا أمر يختلف في الأقاليم والبلدان، ولا يستوي في جميع
المدن والأمصار، وذلك أن العلة في طول الظل وقصره هو زيادة ارتفاع الشمس
في السماء وانحطاطها، فكلما كانت أعلى وإلى محاذاة الرؤوس في مجراها
أقرب، كان الظل أقصر، وكلما كانت أخفض ومن محاذاة الرؤوس أبعد، كان
الظل أطول، ولذلك ظلال الشتاء تراها أبدًا أطول من ظلال الصيف في كل مكان،
وكانت صلاة رسول اللَّه وَل بمكة والمدينة وهما من الإقليم الثاني.
ويذكرون أن الظل فيهما في أول الصيف في شهر آذار - هو الشهر الثالث من
السنة الشمسية، أعنى: مارس - ثلاثة أقدام وشيء، ويشبه أن تكون صلاته معالتّله إذا
اشتدَّ الحرُّ متأخرة عن الوقت المعهود قبله، فيكون الظل عند ذلك خمسة أقدام،
وأما الظل في الشتاء فإنهم يذكرون أنه في تشرين الأول - هو الشهر العاشر من
السنة الشمسية، أعنى: أكتوبر - خمسة أقدام أو خمسة أقدام وشيء.
وفي كانون - أي: الأول وهو الشهر الثاني عشر من السنة الشمسية، أعنى:
ديسمبر، وكانون الثاني وهو الشهر الأول، أعنى: يناير - سبعة أقدام أو سبعة
أقدام وشيء، فقول ابن مسعود ينزل على هذا التقدير في ذلك الإقليم دون سائر
الأقاليم والبلدان التي هي خارجة عن الإقليم الثاني، انتهى.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وسكت عنه هو والمنذري. (وَالنَّسَائِيُّ) واللفظ له، وأخرجه
أيضًا الحاكم.
٦٢٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢ - بَابُ تَغْجِيلِ الصَّلَاةِ
(بَابُ تَعْجِيلِ الصَّلَاةِ) المراد بها: جنس الصلاة المكتوبة، وفي بعض النسخ:
((الصلوات))، بلفظ الجمع، يعني: أن الأصل في الصلاة تعجيلها، والمبادرة
إليها، وأداؤها في أول الوقت؛ لقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [آل
عمران: ١٣٣]. ولقوله تعالى: ﴿فَأَسْتَبِقُواْ الْخَيْرَتِّ﴾ [البقرة: ١٤٨] إلا ما خصه الشارع
لحكمة اقتضت تأخيرها كصلاة العشاء والظهر في شدة الحر.
الفصل الأول
٥٨٩ - [١] عَنْ سَيَّارِ بْنِ سَلَامَةَ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي عَلَى أَبِي بَرْزَةَ
الْأَسْلَمِيِّ، فَقَالَ لَهُ أَبِيٍ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يُصَلِّ الْمَكْتُوبَةَ؟ فَقَالَ:
كَانَ يُصَلِّ الْهَجِيرَ الَّتِي تَدْعُونَهَا الْأُولَى حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ، وَيُصَلِّي
الْعَصْرَ، ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إِلَى رَحْلِهِ فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَنَسِيثٌ
مَا قَالَ فِي الْمَغْرِبِ، وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ الْعِشَاءَ الَّتِي تَدْعُونَهَا الْعَتَمَةَ،
وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالحَدِيثَ بَعْدَهَا، وَكَانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ حِينَ
يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ، وَيَقْرَأُ بِالسِِّّينَ إِلَى الْمِائَةِ.
- وَفِي رِوَايَةٍ: وَلَا يُبَالِي بِتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَلَا يُحِبُّ النَّوْمَ قَبْلَهَا
وَلَا الْحَدِيثَ بَعْدَهَا
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشّرْحُ
٥٨٩- قوله: (عَنْ سَيَّارِ) بفتح سين وتشديد تحتية. (بْنِ سَلَامَةَ) بفتح السين
وتخفيف لام، الرياحي، يكنى أبا المنهال البصري، من ثقات التابعين، روى عن
(٥٨٩) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٥٤١) (٧٤١)، ومُسْلِم (٢٣٥ / ٦٤٧) أَيْضًا عَنْهُ. وأَيْضًا أَبُو دَاوُد.
٦٢٧
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ تَعْجِيلِ الصَّلَاةِ
PSE
أبي برزة الأسلمي وغيره، مات سنة (١٢٩).
(دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي) أي: سلامة، قال الحافظ: لم أقف على من ترجمه. (عَلَى
أَبِي بَرْزَةَ) بفتح موحدة وسكون راء. (الأَسْلَمِيِّ) بفتح الهمزة، وسكون اللام نسبة
إلى أسلم بن أفصى، واسم أبي برزة نقلة - بنون مفتوحة ومعجمة ساكنة - ابن
عبيد، صحابي مشهور بكنيته، أسلم قبل الفتح وغزا سبع غزوات، ثم نزل البصرة،
وغزا خراسان، ومات بها سنة (٦٥) على الصحيح، له ستة وأربعون حديثًا اتفقا
على حديثين وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بأربعة .
(يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ) أي: الصلوات المفروضة باعتبار أوقاتها. (كَانَ يُصَلِّي
الْهَجِيرَ) أي: صلاة الهجير، والهجير - بفتح الهاء وتخفيف الجيم - والهاجرة
بمعنى: وهو وقت شدة الحر، وسميت بذلك الظهر؛ لأن وقتها يدخل حينئذٍ.
(الَّتِي تَدْعُونَهَا) أي: تسمونها وأنَّث الموصول والضمير لكون الصلاة مرادة، أو
أنهما؛ لأن الهجير بمعنى الهاجرة، أو التقدير صلاة الهجير. (الأُولَى) لأنها أول
صلاة ظهرت وصليت، أو لأنها أول صلاة النهار العرفي. (حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ)
أي: تزول عن وسط السماء إلى جهة المغرب، مأخوذ من الدحض وهو الزلق،
وفي رواية لمسلمٍ: حينَ تزولُ الشمسُ. وهي تفسير لقوله: ((تدحض. ومقتضي
ذلك أنه كان يصلّي الظهر في أول وقتها ولا يخالف ذلك الأمر بالإبراد، لاحتمال
أن يكون ذلك في البرد، أو قبل الأمر بالإبراد، أو عند فقد شروط الإبراد؛ لأنه
يختص بشدة الحر، أو لبيان الجواز، قاله الحافظ.
(إِلَى رَحْلِهِ) أي: منزله ومسكنه ومحل أثاثه. (فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ) حال من
رحله، أو صفة له، وليس بظرف للفعل، أي: الكائن في أبعد المدينة وآخرها.
(وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ) أي: بيضاء نقية قوية الأثر حرارة ولونًا وإنارة وشعاعًا، والجملة
حالية أي: حال كون الشمس صافية اللون عن التغيير والاصفرار، فإن كل شيء
ضعفت قوته فكأنه قد مات. وقال العيني: حياة الشمس عبارة عن بقاء حرها لم
يفتر، وبقاء لونها لم يتغير، وإنما يدخلها التغيير بدنو المغيب، كأنه جعل مغيبها
موتًا لها، انتھی.
والحديث: يدلُّ على المبادرة بصلاة العصر في أول وقتها، وأن وقتها يدخل
SOME
٦٢٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بمصيره ظل كل شيء مثله؛ لأنه لا يكون أن يذهب بعد صلاة العصر إلى منزله في
أبعد المدينة والشمس بيضاء نقية بعد مصير الظل مثلي الشيء.
(وَنَسِيتُ مَا قَالَ) أي: أبو برزة. (فِي الْمَغْرِبِ) قائل ذلك هو سيار بينه أحمد في
روايته. (وَكَانَ) أي: النبي ◌َّ وهو عطف على ((كَانَ يُصَلِّي)). (يَسْتَحِبُّ) بفتح الياء
وكسر الحاء. (أَنْ يُؤَخِّرَ) على بناء المعلوم أو المجهول. (الْعِشَاءَ) إلى ثلث الليل كما
سيأتي. (الَّتِي تَدْعُونَهَا الْعَتَمَةَ) بفتحات، هي الظلمة التي بعد غيبوبة الشفق، وفيه
إشارة إلى ترك تسميتها. (وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا) لما فيه من التعريض لصلاة العشاء
على الفوات. (وَالْحَدِيثَ) أي: التحادث مع الناس بكلام الدنيا. (بَعْدَهَا) لما فيه
من تعريض قيام الليل بل صلاة الفجر على الفوات عادة، ولينام عقب تكفير الخطيئة
بالصلاة فيكون ختم عمله على عبادة كفرت خطاياه، وقد ورد الكلام بعدها في العلم
وغيره من أمور المسلمين ومصالحهم مما لا يخل، ولذلك حمل هذا الحديث على
ما لا يكون من الخير، وخص منه أيضًا المسافر والمصلي لما روى أحمد وأبو يعلى
والطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط) عن ابن مسعود مرفوعًا: ((لَا سَمَرَ بَعْدَ الصَّلَاةِ)»
يعني: العشاء الآخرة إلا لأحد رجلين مصل أو مسافر، ولما روي أيضًا في الأحكام
عن عائشة مرفوعًا: ((لا سمر إلا لثلاثة: مصل، أو مسافر أو عروس)).
(وَكَانَ يَنْفَتِلُ) أي: ينصرف أو يلتفت إلى المأمومين. (مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ) أي:
الصبح. (حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ) أي: الذي بجنبه، وإذا كان هذا وقت الفراغ
فيكون الشروع بغلس، ففيه دليل على استحباب التعجيل بصلاة الصبح؛ لأن ابتداء
معرفة الإنسان وجه جليسه يكون في أواخر الغلس، وقد صرح بأن ذلك كان عند
فراغ الصلاة، ومن المعلوم من عادته ويّيلهول ترتيل القراءة، وتعديل الأركان،
فمقتضى ذلك أنه كان يدخل فيها مغلسًا، ولا يخالف ذلك حديث عائشة الآتي
حيث قالت: ((ما يعرفن من الغلس))؛ لأن الفرق بينهما ظاهر، وهو أن حديث أبي
برزة متعلق بمعرفة من هو مسفر جالس إلى جنب المصلي، فهو ممكن، وحديث
عائشة متعلق بمن هو متلفف مع أنه على بعد فهو بعيد، قاله الحافظ.
(وَيَقْرَأُ) أي: في الصبح. (بِالسِّقِّينَ) أي: آية يعني: أنه كان يقرأ بهذا القدر من
الآيات، وربما يزيد. (إِلَى الْمِائَةِ) من الآي، وقدرها في رواية للطبراني بسورة
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ تَعْجيل الصَّلَاةِ
٦٢٩
الحاقة ونحوها، قال العيني: قوله: يقرأ بالستين إلى المائة. يدل على أنه كان
يشرعُ في الغلس، ويمدها بالقراءة إلى وقت الإِسفار، وإليه ذهب الطحاوي. (وَفِي
رِوَايَةٍ) للشيخين: (وَلَا يُبَالِي) بل يستحب، وهو من المبالاة بمعنى الاكتراث
بالشيء. (وَلَا يُحِبُّ النَّوْمَ قَبْلَهَا) بل يكرهه.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) واللفظُ للبخاري في باب وقت العصر وأخرجه أيضًا أحمد وأبو
داود والنسائي وابن ماجه، وأخرج الترمذي طرفًا منه.
٥٩٠ - [٢] وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: سَأَلْنَا جَابِرَ
ابْنَ عَبْدِ اللَّه عَنْ صَلَاةِ النَّبِّ وََّ فَقَالَ: كَانَ يُصَلِّ الظَّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ، وَالعَصْرَ
وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَالمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ، وَالعِشَاءَ إِذَا كَثُرَ النَّاسُ عَجَّلَ، وَإِذَا
قَلُوا أَخَّرَ، وَالصُّبْحَ بِغَلَّسٍ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
الشّرُ
٥٩٠- قوله: (وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ) بن أبي طالب
الهاشمي أبو عبد اللَّه المدني، أمه رملة بنت عقيل بن أبي طالب من ثقات
التابعين .
(عَنْ صَلَاةِ النَّبِيِّ) أي: عن أوقات صلاته. (بِالْهَاجِرَةِ) هي شدة الحر نصف
النهار عقب الزوال، سميت بذلك من الهجر وهو الترك؛ لأن الناس يتركون
التصرف حينئذٍ لشدة الحر، أو لأنهم يستكنون في بيوتهم كأنهم قد تهاجروا. قال
القسطلاني: قوله: ((كان يصلي الظهر بالهاجرة))، أي: إلا أن يحتاج إلى الإبراد
لشدة الحر، انتهى. وتعقب بأنه لو كان ذلك مراده لفصل كما فصل في العشاء.
وقال السندي: لعل المطلوب أنه كان يصلي الظهر في أول وقتها، أي: لا يؤخرها
تأخيرًا كثيرًا فلا ينافي الإبراد. ولعل تخصيص أيام الحر لبيان أن الحر لا يمنعه من
أول الوقت فكيف إذا لم يكن هناك حر. (إِذَا وَجَبَتْ) المرادِ بوجوب الشمس أي:
سقوطها وغيبوبة جميعها. (إِذَا كَثُرَ النَّاسُ عَجَّلَ، وَإِذَا قَلَّوا أَخَّرَ) قال الطيبي:
(٥٩٠) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٥٦٥)، ومُسْلِم (٢٣٣/ ٦٤٦) فِيهَا عَنْهُ، والنَّسَائِي (١/ ٢٦٤).
٦٣٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الجملتان الشرطيتان في محل النصب حالان من الفاعل أي: يصلي العشاء معجلًا
إذا كثر الناس، ومؤخرًا إذا قلوا، أو يحتمل أن يكونا من المفعول والراجح مقدر
أي: عجلها أو أخرها، انتهى. والتقدير معجلة ومؤخرة، وفي رواية: إذا رآهم
اجْتَمَعُوا عجَّل وإذا رآهم أَبْطَؤوا أخَّر.
والحديث فيه: مشروعية ملاحظة أحوال المؤتمين، والمبادرة بالصلاة مع
اجتماع المصلين؛ لأن انتظارهم بعد الاجتماع ربما كان سببًا لتأذي بعضهم، وأما
الانتظار قبل الاجتماع فلا بأس به لهذا الحديث، ولأنه من باب المعاونة على البر
والتقوى. قال الشوكاني: الحديث يدل على استحباب تأخير صلاة العشاء لكن
مقيدًا بعدم اجتماع المصلين. (وَالصُّبْحَ بِغَلَسٍ) ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بضوء
الصباح.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) واللفظ للبخاري في باب: وقت العشاء إذا اجتمع الناس أو
تأخروا. وأخرَجَهُ أيضًا أبو داود والنسائيُّ.
٥٩١ - [٣] وَعَنْ أَنَس قَالَ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِيِّ ◌َ بِالظَّهَائِرِ
سَجَدْنَا عَلَى ثِيَابِنَا اتَّقَاءَ الْخَّرّ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
الشَّرْحُ
٥٩١- قوله: (بِالظَّهَائِرِ) الباء زائدة، وهي جمع ظهيرة، وهي الهاجرة أي:
شدة الحر من نصف النهار عقب الزوال، ولا يقال في الشتاء ظهير، والمراد بها
صلاة الظهر، وجمعها بالنظر إلى تعدد الأيام. (عَلَى ثِيَابِنَا) الظاهر أنها الثياب التي
هم لا بسوها، ضرورة أن الثياب في ذلك الوقت قليلة، فمن أين لهم ثياب فاضلة؟
فهذا يدل على جواز أن يسجد المصلي على ثوب هو لابسه، كما عليه الجمهور،
ومن لم يجوز يحمله على الثياب المنفصلة عن البدن، أو التي لا تتحرك بحركة
المصلي، وهو تأويل لا تساعده الروايات، ولا النظر في الواقع. (اتَّقَاءَ الْحَرِّ)
بالنصب على أنه مفعول له، أي: لأجل اتقاء الحر.
(٥٩١) البُخَارِي (٢٥٤٢)، ومُسْلِم (١٩١ / ٦٢٠) فِيهَا عَنْهُ.
٦٣١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ تَعْجيل الصَّلَاةِ
وفي الحديث: جواز استعمال الثياب، وكذا غيرها في الحيلولة بين المصلي
وبين الأرض؛ لاتقاء حرها وكذا بردها. وفيه: تقديم الظهر في أول الوقت،
وظاهر الأحاديث الواردة في الأمر بالإِبراد يعارضه، فمن قال: الإبراد رخصة فلا
إشكال. ومن قال: سنة فإما أن يقول التقديم المذكور رخصة، وإما أن يقول
منسوخ بالأمر بالإبراد كحديث المغيرة بن شعبة كنا نصلي مع رسول اللّه وَ له صلاة
الظهر بالهاجرة، فقال لنا: ((أَبْرِدُوا بِالصَّلاَةِ؛ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ)) أخرجه
ابن ماجه وغيره، وصحَّحه أبو حاتم وأحمد. وأحسن منهما أن يقال: إن شدة الحر
قد توجد مع الإبراد فيحتاج إلى السجود على الثوب، أو إلى تبريد الحصى؛ لأنه
قد يستمر حره بعد الإبراد، ويكون فائدة الإبراد وجود ظل يمشي فيه إلى المسجد،
أو يصلي فيه في المسجد، كذا في ((الفتح)).
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
(وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ) في باب وقت الظهر عند الزوال.
٥٩٢ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضْتَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((إِذَا اشْتَدَّ
الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ ».
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
الشّرْحُ
٥٩٢- قوله: (فَأَبْرِدُوا) من الإبراد وهو الدخول في البرد، يقال: أبرد إذا دخل
في البرد، كأظهر إذا دخل في الظهيرة. (بِالصَّلاةِ) أي: بصلاة الظهر، والباء
للتعدية أي: أدخلوها في البرد، وأخروها عن شدَّة الحرِّ في أول الزوال، وقيل:
الباء زائدة وأبرد متعد بنفسه، ومعنى أبردوا: أخروا على سبيل التضمين، أي:
أخروا الصلاة إلى أن يبرد الوقت وينكسر الوهج، والأمر للندب والقرينة الصارفة
أن العلة فيه دفع المشقة عن المصلي لشدة الحر فصار من باب الشفقة والنفع.
(٥٩٢) البُخَارِي (٥٣٣، ٥٣٦)، مُسْلِم (١٨٠/ ٦١٥)، أَبُو دَاوُد (٤٠٢)، التِّرْ مِذِي (١٥٧)، النَّسَائِي (١/
٢٤٨)، ابن ماجه (٦٧٨) فِيهَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
٦٣٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٥٩٣ - [٥] وَفِي رِوَايةٍ لِلْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: ((بِالظُّهْرِ؛ فَإِنَّ شِدَّةَ
الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، وَاشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا، فَقَالَتْ: رَبِّ، أَكَلَ بَعْضِي
بَعْضًا، فَأَذِنَ لَّهَا بِنَفَسَيْنٍ: نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ، وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، أَشَدُّ مَا
تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ ، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُّونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه](*)
- وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: ((فَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ فَمِنْ سَمُومِهَا، وَأَشَدُّ
مَا تِجِدُونَ مِنَ الْبَرْدِ فَمِنْ زَمْهَرِيرِهَا)»( ** ).
الشَّرْحُ
٥٩٣- قوله: (بالظَّهْرِ) أي: بدل بالصلاة. (فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ)
بفتح فاء وسكون ياء ثم حاء مهملة أي: من سطوع حرها، وسعة انتشارها،
وتنفسها. ومنه: مكان أفيح، أي: متسع، وأرض فيحاء أي: واسعة، وهذا كناية
عن شدة استعارها، وظاهره أن مثار وهج الحر في الأرض من فيح جهنم حقيقية،
وقيل: بل هو على وجه التشبيه والاستعارة، وتقديره: أن شدة الحر تشبه نار جهنم
فاحذروه، واجتنبوا ضرره، والأول أولى، ويؤيده قوله: ((اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا،
فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ)). قال النووي: هو الصواب؛ لأنه ظاهر الحديث ولا مانع من
حمله على حقيقته، فوجب الحكم بأنه على ظاهره. واستبعد هذا بل استشكل؛ لأن
اشتداد الحر في الأرض تابع لقرب الشمس وبعدها كما هو المشاهد المحسوس،
وأجيب: بأنه يمكن أن يكون الشمس بحيث أن جعل الله تعالى بين مادة جرمها
وبين جهنم ارتباطًا وعلاقة ومناسبة تقبل بها الشمس حرارة نار جهنم؛ حتى تكون
حرارة الشمس سببًا لاشتداد الحر في الأرض في الظاهر، وحينئذ فلا استبعاد في
نسبة اشتداد الحر في البلاد إلى فيح جهنم؛ لأنه هو السبب الأصلي الباطني الغيبي
لذلك، والله تعالى أعلم.
(٥٩٣) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٥٣٨) فِيهَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ.
(*) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٣٢٦٠) في بدء الخلق، مُسْلِم (٦١٧) في الصلاةِ، عن أبي هريرة.
( ** ) لم أجده.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ تَعْجِيلِ الصَّلَاةِ
٦٣٣
والفاء في ((فَإِنْ)) لتعليل الإبراد أي: وعند شدته يذهب الخشوع الذي هو روح
الصلاة وأعظم المطلوب منها. قيل: وإذا كان العلة ذلك فلا يشرع الإبراد في
البلاد الباردة، واختلفوا في حدِّ الإبراد، ولم يرد في تحديده إلا ما تقدم من حديث
ابن مسعود: ((كان قدر صلاة رسول اللَّه وَ ل الظهر في الصيف))، إلخ. وما روي
من حديث أبي ذر عند الشيخين فإن فيه: فقال له: أبرد حتى رأينا طيء التلول ...
الحديث. فهذه الغاية متعلقة بأبرد، أي قال له: أبرد إلى أن ترى، أو متعلقة بمقدر
أي قال له: أبرد فأبرد إلى أن رأينا، والفيء هو ما بعد الزوال من الظل.
ومعنى الحديث: أنه أخَّر تأخيرًا كثيرًا حتى صار للتلول فيء، وهي في الغالب
منبطحة غير شاخصة لا يصير لها فيء في العادة إلا بعد زوال الشمس بكثير، فيستنبط
منه حد الإبراد وهو أن يؤخر بحيث يصير للجدر ظلال يمشون فيها، والله أعلم.
(وَاشْتَكَتِ) جملة مبينة للأولى، وإن دخلت الواو بين المبين والمبين كما في قوله
تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَنَفَجَّرُ﴾ [البقرة: ٧٤]. (النَّارُ إِلَى رَبِّهَا) شكاية حقيقية بلسان
المقال بحياة وإدراك خلقهما الله تعالى فيها، وقيل: مجازية عرفية بلسان الحال.
قال ابن عبد البر: لكلا القولين وجه ونظائر والأول أرجح، وقال عياض: إنه
الأظهر، والله قادر على خلق الحياة بجزء منها حتى تكلم أو يخلق لها كلامًا يسمعه
من شاء من خلقه. وقال القرطبي: لا إحالة في حمل اللفظ على حقيقيته، وإذا أخبر
الصادق بأمر جائز لم يحتج إلى تأويله، فحمله على حقيقته أولى. وقال النووي
نحو ذلك، ثم قال: حمله على حقيقته هو الصواب، وقال نحو ذلك التوربشتي،
ورجّح البيضاوي حمله على المجاز فقال: شكواها مجاز عن غليانها، وأكلها
بعضها بعضًا مجاز عن ازدحام أجزائها بحيث يضيق مكانها عنها، فيسعى كل جزء
في إفناء الجزء الآخر والاستيلاء على مكانه، وتنفسها مجاز عن لهبها وخروج ما
يبرز منها .
وقال الزين بن المنير: المختار حمله على الحقيقة لصلاحية القدرة لذلك،
ولأن استعارة الكلام للحال وإن عهدت وسمعت لكن الشكوى وتفسيرها والتعليل
له والإذن، والقبول، والتنفس، وقصره على اثنين فقط بعيد من المجاز خارج عما
ألف من استعماله. (فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنٍ) تثنية نفس وهو ما يخرج من الجوف ويدخل
فيه من الهواء. (نَفَسٍ) بالجر على البدل أو البيان، ويجوز الرفع بتقدير أحدهما .
٦٣٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ) برفع ((أشد)) على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: ذلك أشد
ما تجدون، أو مبتدأ خبر محذوف أي: أشد ما تجدون من الحر من ذلك النفس،
ويجوز الجر على البدل من النفس المجرور، والنصب بتقدير أعني، وعلى كل
تقدير فـ ((ما)) إما موصولة أو موصوفة، ((ومن الحر)) ومن الزمهرير بيان.
(وَأَشَدُّمَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ) أي: شدَّة البرد ولا مانع من حصول الزمهرير من
نفس النار؛ لأن المراد بالنار محلها، وهو جهنم وفيها طبقة زمهريرية. والحديث
يدل على استحباب الإبراد، ولا يعارض ذلك الأحاديث الواردة بتعجيل الظهر
وأفضلية أول الوقت؛ لأنها عامة أو مطلقة، وحديث الإبراد خاص أو مقيد، ولا
تعارض بين عام وخاص ولا بين مطلق ومقيد، وأما حديث خباب عند مسلم، قال:
((شكونا إلى رسول اللَّه ◌َ لل حرَّ الرمضاء في جباهنا وأكفنا فلم يشكنا)). أي: لم
يعذرنا ولم يزل شكوانا، فمحمول على أنهم طلبوا تأخيرًا زائدًا على قدر الإبراد؛
لأن الإبراد أن يؤخر بحيث يصير للحيطان في يمشون فيه، ويتناقص الحر،
والتأخير الزائد عنه أن يزول حر الرمضاء، وذلك قد يستلزم خروج الوقت فلذلك
لم یجبهم.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) للحديث طرفان: أما طرفه الأول، وهو طرف الإبراد: فأخرجه
أيضًا مالك وأحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم.
وأما طرفه الثاني، وهو اشتكاء النار: فأخرجه أيضًا مالك وأحمد والترمذي في
صفة جهنم، وابن ماجه في الزهد. قال العيني والقسطلاني: وأخرجه النسائي في
الصلاة. (وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِي: فَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ ... ) إلخ. لم أجد هذه
الرواية في البخاري، نعم رواها مسلم والترمذي وابن ماجه بنحوها. (فَمِنْ
سَمُومِهَا) بفتحِ السين المهملة: الريح الحارة. (فَمِنْ زَمْهَرِيرِهَا) أي: من أثر طبقتها
الباردة .
كِتَابُ الصَّلاةِ
* Does*
بَابُ تَعْجيل الصَّلَاةِ
** cese
٦٣٥
٥٩٤ - [٦] وَعَنْ أَنَس قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ يُصَلِّيِ الْعَصْرَ،
وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ حَيَّةٌ، فَيَذْهَّبُ الذَّاهِبُ إِلَى الْعَوَالِي، فَيَأْتِهِمْ وَالشَّمْسُ
مُرْتَفِعَةٌ، وَبَعْضُ الْعَوَالِي مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ أَوْ نَحْوِهِ. [مْتَّفَقُ عَلَيْه]
الشّرْحُ
٥٩٤- قوله: (وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ حَيَّةٌ) أي: صافية اللون عن التغير
والاصفرار. (فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ) أي: بعد صلاة العصر. (إِلَى الْعَوَالِي) جمع عالية
وهي قرَى مجتمعة حول المدينة أبعدها على ثمانية أميال كما جزم به عياض وابن
عبد البر وغير واحدٍ، وآخرهم صاحب ((النهاية))، وأقربها من المدينة على ميلين
وبعضها على ثلاثة أميال. (فَيَأْتِيهِمْ) أي: فيصل إلى أهل العوالي. (وَالشَّمْسُ
مُرْتَفِعَةٌ) أي: دون ذلك الارتفاع لكنها لم تصل إلى الحدِّ الذي توصف به؛ لأنها
منخفضة، وفي ذلك دليلٌ على تعجيلِهِ وَلّه لصلاة العصر لوصف الشمس بالارتفاع
بعد أن تمضي مسافة أربعة أميال. (وَبَعْضُ الْعَوَالِي) أي: بين العوالى والمدينة
المسافة المذكورة. (أَوْ نَحْوَهُ) أي: نحو هذا المقدار أي: قريبٌ من أربعةِ أميالٍ،
وظاهر إيراد المصنف يقتضي أن هذا من كلام أنس، وليس كذلك بل هو مدرج من
كلام الزهري الراوي عن أنسٍ في الحديث، بيَّنه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري
في هذا الحديث فقال فيه بعد قوله: ((والشمس حية)): قال الزهريُّ: والعوالي من
المدينة على ميلين أو ثلاثة، فهذا اختصار مخل موهم لخلاف المقصود، وحق
العبارة أن يقول: وعن الزهري عن أنسٍ، ثم يقول: قال الزهري: وبعض
العوالي ... إلخ.
والحديث: يدلّ على استحبابِ المبادرة بصلاة العصر أول وقتها؛ لأنه لا يمكن
أن يذهب بعد صلاة العصر ميلين وثلاثة والشمس لم تتغير بصفرة ونحوها، إلا إذا
صلى العصر حين صار ظل الشيء مثله.
(٥٩٤) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البخاري (٥٥٠)، مُسْلِم (٦٢١٧) فِي الصَّلَاةِ عَنْهُ، أَبُو دَاوُد (٤٠٤)، النَّسَائِي (١/
٢٥٢)، ابن مَاجَهْ (٦٨٢).
٦٣٦
HETEN*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال النووي: ولا يكاد يحصل هذا إلا في الأيام الطويلة، وهو دليل للجمهور
القائلين بأن أول وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثله.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) فيه نظر لأن زيادة: ((وبعض العوالي))، إلخ. من إفراد البخاري.
والحديث أخرجه أيضًا أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم.
٥٩٥ - [٧] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ: ((تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ:
يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ حَتَّى إِذَا اصْفَرَّتْ، وَكَانَتْ بَيْنَ قَرْنِي الشَّيْطَانِ؛ قَامَ
فَقَرَ أَرْبَعًا لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشَّرْجُ
٥٩٥- قوله: (تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ) إشارة إلى مذكور حكمًا أي: صلاة العصر
التي أخرت إلى الاصفرار، قاله ابن الملك. وقال الطيبي: إشارة إلى ما في الذهن
من الصلاة المخصوصة، والخبر بيان لما في الذهن. والمنافق إما محمول على
حقيقته بأن يكون بيانًا لصلاته، أو يكون تغليظًا، يعني: من أخَّرَ صلاة العصر إلى
قبيل الغروب فقد شبه نفسه بالمنافق، فإن المنافق لا يعتقد حقيقة الصلاة بل إنما
يصلي لدفع السيف، ولا يبالي بالتأخير؛ إذ لا يطلب فضيلة ولا ثوابًا، والواجب
على المسلم أن يخالف المنافق.
(يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ) أي: ينتظر غروبها، وهي جملة استئنافية بيان للجملة
السابقة. قال النووي: فيه تصريح بذم تأخير صلاة العصر بلا عذر. (حَتَّى إِذَا
اصْفَرَّتْ) أي: الشمس. (وَكَانَتْ بَيْنَ قَرْنَي الشَّيْطَانِ) أي: جانبي رأسه، وهو كناية
عن قرب الغروب، وذلك لأن الشيطان عند الطلوع والاستواء والغروب ينتصب
دون الشمس، بحيث يكون الطلوع والغروب بين قرنيه، فهو محمول على حقيقته،
و((كلمة)) إذا للشرط، وقوله: (قَامَ) أي: إلى الصلاة جزاؤها والشرطية استئنافية.
(فَنَقَرَ أَرْبَعًا) من نقر الطائر الحبة نقرًا، أي: التقطها.
(٥٩٥) مُسْلِم (١٩٥/ ٦٢٢)، أَبُو دَاوُد (٤١٣)، التِّرْمِذِي (١٦٠)، النَّسَائِي (١ / ٢٥٤) فِيهَا عَنْ أَنَسٍ.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ تَعْجِيلِ الصَّلَاةِ
٦٣٧
قال الجزري: يريد تخفيف السجود، وأنه لا يمكث فيه إلا قدر وضع الغراب
منقاره فيما يريد أكله، انتهى. وقال السندي: كأنه شبه كل سجدتين من سجداته
من حيث أنه لا يمكن يمكث فيهما ولا بينهما بنقر طائر إذا وضع منقاره يلتقط شيئًا،
انتهى. يعني إنما قال: ((أربعًا)) أي: أربع سجدات مع أن في العصر ثماني
سجدات؛ لأنه لا يمكث بينهما، فكأنه سجد أربعًا.
وفيه تصريح بذم من صلى مسرعًا بحيث لا يكمل الخشوع والطمأنينة والأذكار،
وقيل: معنى (نقر)) أربعًا أي: لقط أربع ركعات سريعًا، فالنقر عبارة عن السرعة في
أداء الصلاة، وقيل: عن سرعة القراءة وقلتها وقلة الذكر فيها. (لَا يَذْكُرُ اللَّه فِيهَا)
لعدم اعتقاده أو لخلوه عن الإخلاص. (إِلَّا قَلِيلًا) أي: ذكرًا قليلًا، وقيل: الظاهر
أنه منفصل أي: لكنه في زمن قليل يذكر الله فيه بلسانه فقط. قيل: وتخصيص
الأربع بالنقر وفي العصر ثمان سجدات اعتبار بالركعات.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) فيه نظر لأن لفظة: ((إِذَا اصْفَرَّتْ)) ليست في رواية مسلم، بل هي
في رواية أبي داود، ولفظُ مسلم كذا: ((حَتَّى إِذَا كَانَتْ بَيْنَ قَرْنَي الشَّيْطَانِ)).
والحديث أخرجه أيضًا أحمد، والتر مذي، وأبو داود، والنسائي.
٥٩٦ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((الَّذِي تَفُوتُهُ
صَلَاةُ الْعَصْرِ فَكَأَنَّمَا وُبِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
الشّرْحُ
٥٩٦- قوله: (الَّذِي تَفُوتُهُ) أي: بغروب الشمس، قاله نافع الراوي لهذا
الحديث، وقيل: بفوت الوقت المختار ومجيء وقت الاصفرار، روى ذلك أبو
داود عن الأوزاعي في هذا الحديث، وقيل: بفوت الجماعة والإمام، والراجح هو
الأول لما روي ذلك مرفوعًا عند ابن أبي شيبة، ذكره السيوطي (صَلَاةُ الْعَصْرِ) أي:
بغير اختياره، وظاهره التغليظ على من تفوته صلاة العصر وأن ذلك مختص بها
(٥٩٦) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٥٥٢)، ومُسْلِم (٢٠٠/ ٦٢٦) فِيهَا عَنْهُ.