النص المفهرس
صفحات 561-580
٥٥٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
KE
حتى يدعونهن إلى معاشرته.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وسكت عنه هو والمنذري.
قلتُ: في سنده أبو اليمان الرحال، قال الحافظُ في ((التقريب)): مستور، وذكره
ابن حبان في ((الثقات)).
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
13
بَابُ الْمُسْتَحَاضَةِ
٥٥٩
١٣ - بَابُ الْمُسْتَخَاصَةِ
(بَابُ الْمُسْتَحَاضَةِ) هي المرأة التي استمرَّ بها الدم بعد أيامها، من الاستحاضة،
وهي جريان الدم من فرجها في غير أوانه من عرق في أدنى الرحم دون قعره، يقال
لذلك العرق: العاذل. يقال: استحيضت المرأة - بالبناء للمفعول - إذا استمر بها
الدم، فهي مستحاضة، وهي من الأفعال اللازمة البناء للمفعول، وأصلها من
الحيض، لحق الزوائد للمبالغة كما يقال: قر في المكان واستقر، وأعشب، ثم
يزاد للمبالغة فيقال: اعشوشب.
قال العيني (ج١: ص ١٤٢): فإن قلتَ: ما وجه بناء الفعل للفاعل في الحيض،
وللمفعول في الاستحاضة؟ قلتُ: لما كان الأول معروفًا معتادًا نسب إليها،
والثاني لما كان نادرًا غير معروف الوقت، وكان منسوبًا إلى الشيطان كما ورد أنها
رکضة منه، بُني لما لم يسم فاعله.
فإن قلتَ: ما هذه السين؟ قلتُ: يجوزُ أن تكون للتحول كما في استحجر
الطين، وها هنا تحول دم الحيض إلى غيره، وهو دم الاستحاضة، انتهى.
حكمها حكم الطاهرة في العبادات والوطء عند الجمهور، خلافًا لأحمد في
الوطء .
واعلم: أن المستحاضة على أربعة أقسام: الأولى: مبتدأة مميزة. الثانية:
مبتدأة غير مميزة. الثالثة: معتادة من غير تمييز. الرابعة: معتادة بتمييز. فأما
الأولى فهي التي ابتدأ بها الحيض، ولم تكن حاضت قبله، واستمرَّ بها الدم،
وكانت مميزة بأن ترى في بعض الأيام دمًا أسود، وفي بعضها دمًا أحمر أو أصفر،
فحيضها مدة تمييزها، أي: حكمها أن حيضها زمن الدم الأسود بشرط أن لا يزيد
على أكثر الحيض، فإن زاد على أكثره لم يكن حيضًا. قال ابنُ العربي في ((شرح
الترمذي)»: الأصل في اعتبار التمييز حديث لا بأس به، يرويه العلماء عن فاطمة
بنت أبي حُبيش: أن دمَ الحيض دم أسود يعرف. وقد خرجناه من طريق حسنة لها
٥٦٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
مدخل في الصحة، يعضده قوله في الصحيح حسب ما قدمناه لها: ((إِذَا أَقْبَلَتِ
الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ)) وفي هذا الحديث عندي نظر عظيم، والأول أقرب إلى
الحجة وأسلم واضح المحجة، انتهى.
وأما الثانية: وهي مبتدأة من غير تمييز؛ فإن حاضت حيض (لُدَّاتِهَا) - يعني:
أهل سنها - وقيل: أقرانها، حكم لها بحكم الحيض، وإن زادت عليه، فقيل:
تجلس أكثر الحيض يعني: خمسة عشر يومًا، ثم يحكم لها بالاستحاضة. وقيل:
تجلس عادة نسائها كأختها وأمها. وقيل: تجلس غالب الحيض من كلِّ شهرٍ،
وذلك ستة أيام أو سبعة أيام، وهذا أشبه بالحقِّ لحديثٍ حمنة بنت جحش الآتي في
الفصل الثاني.
وأما الثالثة: وهي المعتادةُ من غير تمييزٍ، يعني: التي لها عادة معلومة قبل أن
تستحاض، ولا تمييز لها لكون دمها لا يتميز بعضه من بعض، فإنها تجلس أيام
عادتها، ثم تغتسل عند انقضائها، وتتوضأ لكلِّ صلاة، وعليه يدلَّ حديث أم سلمة
وحديث عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده في الفصل الثاني، وحديث عائشة في
أم حبيبة بنت جحش عند مسلم وغيره. ففيه: ((امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ
ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي)).
وأما الرابعة: وهي المعتادةُ بتمييز، فإن كان الأسود في زمن العادة فقد اتفقت
العادة والتمييز، فيعملُ بهما، وإن اختلفت العادة والتمييز، فقيل: يقدم التمييز
وتدع العادة، يعني: يكون الاعتبار للتمييز لا للعادةِ؛ لأن التمييز أولى؛ لأن العادة
قد تختلف والتمييز لا يختلف؛ ولأن النظر إلى اللونِ اجتهاد والنظر إلى العادة
تقليد، والاجتهاد أولى من التقليد. وقيل: العبرة للعادة لا للتمييز فترد إلى العادة
وهو الراجح عندي؛ لأن العادة أقوى لكونها لا تبطل دلالتها، والدم الأسود إذا زاد
على أكثر مدة الحيض بطلت دلالته، فما لا تبطل دلالته أولى؛ ولأنه مَ ل ورد أم حبيبة
والمرأة التي استفتت لها أم سلمة إلى العادة من غير استفصال وتفريق بين كونها
مميزة وغير مميزة، وكذا حديث عدي بن ثابت عام في كل مستحاضة، وقد تكلّم
في إسناده بما لا يوجب سقوطه عن درجة الاعتبار.
ثم اعلم: أن الحنفية لم يعتبروا التمييز مطلقًا، فالمستحاضة عندهم على ثلاثة
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ المُسْتَحَاضَةِ
٥٦١
أنواع: الأولى: مبتدأة مميزة كانت أو غير مميزة، وحكمها عندهم أنها تجلس
أكثر الحيض. والثانية: معتادة ذات تمييز كانت أو غير ذات تمييز، وحيضها أيام
عادتها. والثالثة: متحيرة. وهي التي كانت لها عادة معلومة لكن نسيت أيامها،
والتبس عليها قدر عادتها، وقد تحيروا في حكم المتحيرة، وتخبطوا، واضطربت
أقوالهم فيه اضطرابًا يبعد فهمه على أذكياءِ الطلبة، فضلًا عن النساء الموصوفات
بنقصان العقل والدين، ولا إشكال في حكمها عندنا، فإنها إن كانت ذات تمييز،
فالدم الأسود حيض، وإن كانت غير ذات تمييز، جلست ستة أيام أو سبعة أيام،
كما في حديث حمنة، وحديث فاطمة: ((إن دم الحيض دم أسود يعرف)). يردُّ عليهم
في منع اعتبار التمييز مطلقًا .
هذا، وقد وردت في المستحاضة روايات مختلفة، لكنها عند الإمعان ترجع إلى
ثلاثة أحاديث، يعلم منها أحكام جميع أنواع المستحاضة كما أشرنا إلى ذلك.
قال ابنُ قُدامة في ((المغني)) (ج١: ص٣٢٣): قال الإمام أحمد: الحيضُ يدور
على ثلاثة أحاديث، حديث فاطمة وأم حبيبة وحمنة. وفي رواية حديث أم سلمة
مكان حديث أم حبيبة، انتهى. وقد بسط الكلام في أحوال المستحاضة وأنواعها
في ((المغني)) (ج١: ص٣٢٨ - ٣٥٢) فمن شاء رجع إليه.
٥٦٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الأول
٥٥٩- [١] عَنْ عَائِشَةَ ﴿َّا قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى
النَّبِيِّ نَّهِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ
الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: ((لَا، إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِحَيْضِ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ
فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ، ثُمَّصَلِّيَ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشّرْحُ
٥٥٩- قوله: (فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ) بضم حاء مهملة وفتح باء موحدة وياء
ساكنة بعدها شين معجمة، واسمه قيس بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن
قصي، مهاجرية جليلة، روت عن النبي وَل حديث الاستحاضة، وعنها عروة ابن
الزبير. وقيل: عن عروة عن عائشة، أن فاطمة بنت أبي حبيش قالت : ... فذكره.
وهو أول أحاديث الفصل الثاني .
(أُسْتَحَاضُ) بهمزة مضمومة وفتح تاء، أي: استمر بي الدم فلا ينقطع، ولم ترد
الاستحاضة الفقهية، وهي جريان الدم في غير أوانه، لأنها لو كانت تعلم أنها
استحاضة شرعية ما أشكل عليها الأمر. (فَلَا أَطْهُرُ) أي: لا ينقطع عني الدم. (أَفَأَدَعُ
الصَّلَاةَ) عطف على مقدرة بعد الهمزة؛ لأن لها صدر الكلام، أي: أيكون لي حكم
الحائض فأترك الصلاة؟
(فَقَالَ: لَا) أي: لا تدعي الصلاة. (إِنَّمَا ذَلِك) بكسر الكاف خطاب للمؤنث
أي: الذي تشتكينه. (عِرْقٌ) بكسر العين، أي: دم عرق انشق وانفجر منه الدم، أو
إنما سبب ذلك عرق في أدنى الرحم، وهذا بيان لعدم كونه حيضًا، وليس بيانًا
لكونه ناقضًا للوضوء كما توهمت الحنفية.
(٥٥٩) البُخَارِي (٢٢٨)، ومُسْلِم (٦٢ / ٣٣٣) فِي الطَّهَارَةِ عَنْهَا.
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ الْمُسْتَحَاضَةِ
eese
٥٦٣
قال الخطابي: ليس معنى الحدث ما ذهب إليه هؤلاء، ولا مراد الرسول وَالله من
ذلك ما توهموه، وإنما أراد أن هذه العلة إنما حدثت بها من تصدع العرق، وتصدع
العرق علة معروفة عند الأطباء، يحدث ذلك عند غلبة الدم، فتتصدع العروق إذا
امتلأت تلك الأوعية، انتهى.
قلتُ: لا شكّ في أن هذا هو مراده وَ لَّ بذلك الكلام، وما ساق الكلام إلا
لأجله، وليس فيما قاله الخطابي تخصيص لعمومه، ولا تقييد لإطلاقه كما لا
يخفى. (وَلَيْسَ بِحَيْضٍ) فإن الحيض يخرج من قَعر رحم المرأة، فهو إخبار
باختلاف المخرجين، وهو رد لقولها: لا أطهر؛ لأنها اعتقدت أن طهارة الحائض
لا تعرف إلا بانقطاع الدم، فَكَثَّتْ بعدم الطهر عن اتصاله، وكانت قد علمت أن
الحائض لا تصلي، فظنت أن ذلك الحكم مقترن بجريان الدم، فأبان لها وَ ل أنه
ليس بحيض وأنها طاهرة يلزمها الصلاة. (فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ) بفتح الحاء ويجوز
كسرها، والمراد بالإقبال ابتداء دم الحيض، وبالإدبار ابتداء انقطاعها .
واعلم أنهم اختلفوا في أن فاطمة بنت أبي حبيش معتادة كانت أو مميزة غير
معتادة، فمال البيهقي والترمذي وغيرهما من فقهاء أصحاب الحديث إلى أنها
مميزة. قال الترمذي: قال أحمد وإسحاق في المستحاضة: إذا كانت تعرف
حيضها بإقبال الدم وإدباره، فإقباله أن يكون أسود، وإدباره أن يتغير إلى الصفرة،
فالحكم فيها على حديث فاطمة بنت أبي حبيش، انتهى.
واستدل هؤلاء على كونها مميزة بأول حديث الفصل الثاني، وبقوله: ((إِذَا
أَقْبَلَتْ حِيضَتُكِ))، في هذا الحديث. قالوا: الحِيضة بالكسر، والمراد بها الحالة
التي تكون للحيض من قوة الدم في اللون والقوام، وإن كان بالفتح فالمراد بإقبال
حيضتها بالصفة.
قال بعض الحنفية: لفظ الإقبال والإدبار يؤيد الشافعي في اعتبار اللون، فإنه
يعلمُ منه أن دم الحيض دم متميز بنفسه يعرف إذا أقبل وإذا أدبر، فالإحالة على الدم
مشعر بأن دم الطمث مغاير لدم الاستحاضة بنفسه، ومتميز كتمايز سائر الماهيات،
ولذا اكتفى بالإحالة على الاسم؛ لأنه كان من الأشياء المتميزة بنفسها كما في
رواية: ((فَإِنَّهُ دَمٌ أَسْوَدُ يُعْرَفُ)).
٥٦٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قلتُ: في الاستدلال به على كونها ذات تمييز خفاء؛ لأنه يمكن أن يقال: أن
المراد بالحِيضة - بالكسر - الحالة التي كانت تحيض فيها، وهي تعرفها، فيكون
ردًّا إلى العادة. وبإقبال حَيضتها - بالفتح - إقبال أيام الحيض، أي: وجود الدم في
أوَّلِ أيام العادةِ، ويؤيده ما في رواية للبخاري من هذا الحديث: ((فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا))،
يعني: قدر أيام الحيضة، وقال من ذهب إلى كونها مميزة: أي: ذهب قدر الحيضة
على ما قدره الشارع، أو على ما تراه المرأة باجتهادها، ولا يخفى بعد هذا التأويل
بل يبطله ما وقع في رواية أخرى للبخاري أيضًا: ((وَلَكِنْ دَعِي الصَّلاَةَ قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي
كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا)). فإنها صريحة في أنه وَّ ردها إلى عادتها، وبالجملة في
الاستدلال بلفظ إقبال الحيض وإدباره على كونها مميزة نظر، واحتجَّ من ذهب إلى
كونها معتادة بروايتي البخاري المتقدمتين، وبما رواه أبو داود وغيره من طريق
المنذر، عن عروة، عن فاطمة أنها سألت رسول اللَّه وَ ل الحديث.
وفيه: ((فانظري إذا أتاك قرؤك فلا تصلي وإذا مر قرؤك فتطهري، ثم صلي ما بين
القرء إلى القرء)). والأصل في القرء الوقت المعلوم، ولذلك أطلق على الضدين
الحيض والطهر؛ لأن لكل منهما وقتًا، وبما رواه أبو داود أيضًا والدار قطني عن
عروة، عن أسماء بنت عميس: أن فاطمة أمرتها أن تسأل رسول اللّه وَله، فأمرَ أن
تقعد الأيام التي كانت تقعد، ثم تغتسل.
قال المنذري: حديث حسن. وبحديث أم سلمة الآتي، فإن المرأة التي استفتت
لها أم سلمة هي فاطمة بنت أبي حبيش كما ستقف عليه. والظاهر عندي: أن فاطمة
بنت أبي حبيش كانت معتادة متميزة، وكان الدم الأسود في زمن عادتها، أي:
اتفقت العادة والتمييز، فردها إلى العادة مرة، وإلى التمييز أخرى، لأنه لم يكن
بينهما تخالف، ويحتمل كما قال البيهقي: أن كانت لها حالان في مدة استحاضتها
حالة تميز بين الدمين، فأفتاها بترك الصلاة عند إقبال الحيض وبالصلاة عند
إدبارها، وحالة لا تميز فيها بين الدمين، فأمرها بالجوع إلى العادة، انتهى.
(فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ) أي: واغتسلي. ففي رواية للبخاري: (ثُمَّ اغْتَسِلِي،
وَصَلِّي)). لكن ليس فيها ذكر غسل الدم. وهذا الاختلاف من الرواة، اقتصر بعض
الرواة على أحد الأمرين والآخر لوضوحه عنده. (ثُمَّ صَلِّي) أي: بعد الاغتسال.
كِتّابُ الطَّهَارَةِ
13
بَابُ الْمُسْتَحَاضَةِ
٥٦٥
زاد البخاري في هذه الرواية: ((ثُمَّ تَوَضَّتِي لِكُلِّ صَلَاةٍ حَتَّى يَجِئَ ذَلِكَ الْوَقْتُ)).
والحديث فيه: دليل على أن المستحاضة إذا أقبلت حيضتها بالعادة أو بالصفة تعمل
على إقبالها، فتترك الصلاة، فإذا انقضى قدرها أي: قدر أيام العادة، أو قدر
الحيضة على ما تراه المرأة باجتهادها بحسب قوة الدم ولونه، اغتسلت منه، ثم
صار حكم دم الاستحاضة حكم الحدث، فتتوضأ لكل صلاة لا تصلي بذلك
الوضوء أكثر من فريضة واحدة مؤداة أو مقضية، لظاهر قوله: ((ثُمَّ تَوَضَّتِي لِكُلِّ
صَلَاةٍ)) وبهذا قال الجمهور، فوضوء المستحاضة عندهم للصلاة لا للوقت، وأما ما
روى أبو حنيفة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أن النبي ◌َّ قال لفاطمة
بنت أبي حبيش: ((تَوَضَّئِي لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ)). ففي كونه محفوظًا نظر قوي وكلام
ظاهر، فإن الطرق الصحيحة كلها قد وردت بلفظ: (تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ))، وأما هذا
اللفظ فلم يقع في واحد منها، وقد تفرد به أبو حنيفة، وهو سيئ الحفظ كما صرح به
ابن عبد البر.
وقال بعضُ الحنفيةِ: لو ثبتَ لفظ: ((وَقْتِ الصَّلَاةِ)) لم ينفصلْ منه الأمر أيضًا؛
لأنه يجري البحث بعده في السبب هل هو الصلاة أو الوقت؟ ويسوغُ لهم - أي:
الشافعية - أن يقولوا: إنَّ اللام للظرف، فوقت الصلاة ظرف للوضوء لا سبب،
وإنما السببُ هو الصلاة كما في قولنا: أتيتُ فلانًا لخمس مضين من رمضان، فإنَّ
اللام فيه للظرف لا للسبب، فالوضوء يجب على المعذور لأجل الصلاة في وقتها
عندهم، فصحَّ ما في المعنى لوقت كل صلاة على مذهبهم أيضًا، انتهى.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) واللفظ للبخاري في باب غسل الدم. وأخرجه أيضًا الترمذي وأبو
داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم.
٥٦٦
Ex
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثاني
٥٦٠ - [٢] عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ أَنَّهَا كَانَتْ
تُسْتَحَاضُ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ بَّهِ: ((إِذَا كَانَ دَمُ الْخَيْضِ فَإِنَّهُ دَمٌ أَسْوَدَّ يُعْرَفُ فَإِذَا
كَانَ ذَلِكَ، فَأَمْسِكِي عَنِ الصَّلَاةِ، فَإِذَا كَانَ الآخَرُ، فَتَوَضَّتِي وَصَلِّي فَإِنَّمَا هُوَ
عِرْقٌ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ] {حسن}
الشّرْجُ
٥٦٠- قوله (فَإِنَّه) أي: الحيض، أو دمه. (يُعْرَفُ) بصيغة المجهول من
المعرفة أي: تعرفه النساء باعتبار لونه، وثخانته، ونتنه. وقيل: بكسر الراء من
الأعراف أي: له عرف ورائحة. (فَإِذَا كَانَ ذَلِك) بكسر الكاف، أي: فإذا كان الدم
دمًا أسود. قال القاري: أعاده لطولِ الفصل كما في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِنَبُ
مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا﴾.
[البقرة: ٨٩] وقوله: ((فَإِنَّهُ دَمٌ أَسْوَدُ)) استئناف مبين متفرع على كون الدم دم الحيض،
ولا يصلح أن يكون تعليلًا للجواب المذكور أو المقدر كما قرَّره ابن حجر، فتدبر.
(فَأَمْسِكِي عَنِ الصَّلَاةِ) من الإمساك أي: اتركيها. (فَإِذَا كَانَ الآخَرُ) بفتح الخاء أي :
الذي ليس بتلك الصفة بأن كان دمًا أحمر أو أصفر. (فَتَوَضَّتِي) لكل صلاة مفروضة
أي: بعد الاغتسال من انقطاع دم الحيض. (فَإِنَّمَا هُوَ) أي: الدم الذي هو على غير
صفة السواد. (عِرْقٌ) أي: دم عرق انفجر، يقال له: العاذل. يعني: دم الاستحاضة
يخرج من عرق في أدنى الرحم دون قعره.
والحديث فيه: دليلٌ على أنه يعتبر التمييز بصفة الدم، فإذا كان متصفًا بصفة
السواد فهو حيض، وإلا فهو استحاضة. وفيه دلالة على أنه فاطمة كانت مميزة،
ولا مانع من اجتماع المعرفتين في حقها وحق غيرها، وقد تقدم الكلام في ذلك.
(٥٦٠) أَبُو دَاوُد (٢٨٦)، وَالنَّسَائِي (١ / ١٨٥) فِيهِ عَنْهُ.
كِتَابُ الطّهَارَةِ
بَابُ المُسْتَحَاضَةِ
٥٦٧
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) قال: حدثنا محمد بن المثنى: عن محمد بن أبي عدي، عن
محمد يعني: ابن عمرو، قال: ثنى ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن فاطمة
بنت أبي حبيش، قال: إنها كانت تستحاض ... الحديث. قال أبو داود: قال ابن
المثنى: ثنا به ابن عدي من كتابه هكذا، ثم ثنا به بعد حفظًا، قال: حدثنا محمد بن
عمرو عن الزهري عن عروة، عن عائشة قالت: إن فاطمة كانت تستحاض، فذكر
معناه. قال في ((عون المعبود) (ج١: ص١١٥): والحاصل أن ابن عدي لما حدث
ابن المثنى من كتابه حدثه من غير ذكر عائشة بين عروة وفاطمة. ولما حدثه من
حفظه ذكر عائشة بين عروة وفاطمة، ولذلك قال ابن القطان: هذا الحديث
منقطع. وأجاب ابن القيم: بأنه ليس كذلك، فإن محمد بن أبي عدي مكانه من
الحفظ والإتقان لا يجهل، وقد حفظه، وحدث به مرة عن عروة عن فاطمة، ومرة
عن عائشة عن فاطمة وقد أدرك كلتيهما، وسمع منهما بلا ريب، ففاطمة بنت عمه،
وعائشة خالته. فالانقطاع الذي رمي به الحديث مقطوع دابره، وقد صرح بأن
فاطمة حدثته، انتهى. والحديث أخرجه أيضًا ابن حبان والحاكم وصححاه،
وأخرجه أيضًا الدار قطني والبيهقي .
٥٦١ - [٣] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: إِنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهَرَاقُ الدَّمَ عَلَى عَهْدٍ
رَسُولِ اللَّهِ وَ لَ، فَاسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ النَّبِيِّ ◌َّهِ، فَقَالَ: ((لِتَنْظُرْ عَدَدَ اللَّيَالِي
وَالأَّيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا، فَلْتَتْرُكُ
الصَّلَاةَ قَدْرَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهْرِ، فَإِذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ فَلْتَغْتَسِلْ، ثُمَّ لِتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ، ثُمَّ
[رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ، وَرَوَى النَّسَائِيُّ مَعْنَاهُ] {صحيح}
لِتُصَلِّ)).
الشَّرْحُ
٥٦١- قوله: (إِنَّ امْرَأَةً) هي فاطمة بنتُ أبي حبيش، سماها حماد بن زيد
ووهيب، وعبد الوارث، وسفيان الثوري في روايتهم عن أيوب، عن سليمان بن
يسار عند الدار قطني. (كَانَتْ تُهَرَاقُ) بضم التاء وفتح الهاء وتسكن، أي: تصب،
(٥٦١) مَالِك (١٥)، وَأَبُو دَاوُد (٢٧٤)، وَالنَّسَائِي (١/ ١١٩ - ١٢٠) فِيهِ عَنْهُ.
٥٦٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
** E
وتهراق هكذا جاء مجهولًا، ونائب فاعله ضمير يرجع إلى المرأة، وهاءه بدل من
الهمزة. أراق الماء يريقه، وهراقه يهريقه بفتح هاء هراقه، ويقال: أهرقته أهرقه
إهراقًا بجمع بين البدل والمبدل منه كذا في ((المجمع)). وقد تقدم تحقيقه بأبسط
من هذا. (الدَّمَ) بالنصب على التمييز وإن كانت معرفة على تقدير زيادة اللام، أي:
تهراق هي الدم، أو منصوب بنزع الخافض، أي: تهراق بالدم، وفي رواية:
((الدماء)). بالجمع للدلالة على الكثرة. قيل: يجوز فيه الرفع على أنه بدل من
ضمير تهراق، أو على أنه مسند إليه، والألف واللام بدل من الإضافة، والتقدير:
تهراق دماؤها. (فَاسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ) هذا قول الراوي عن أم سلمة، أي: سألت
لهذه المرأة بأمرها إياها، ففي رواية للدار قطني: أن فاطمة بنت أبي حبيش
استحيضت، فأمرت أم سلمة أن تسأل لها. وتقدَّم في حديث عائشة المتفق عليه:
أن فاطمة هي السائلة، وفي حديث أسماء بنت عميس الآتي في الفصل الثالث أن
السائلة أسماء، ولا تخالف بين هذه الروايات، فإنه يقال: إن فاطمة أمرت أسماء
وأم سلمة كلتيهما أن تسألا لها رسول اللّه وَ له فسألتا مجتمعتين أو غير مجتمعتين،
وسألت فاطمة بنفسها أيضًا لمزيد التوثق والاحتياط .
(لِتَنْظُرْ) أي: تتفكر وتعرف. (عَدَدَ اللَّيَّالِ وَالأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ) أي:
تحيض فيهن. (مِنَ الشَّهْرِ) بيان لهن أو للأيام واللياليَ. قال الزرقاني: فيه تصريح
بأنها لم تكن مبتدأة بل كانت لها عادة تعرفها، وليس فيه بيان كونها مميزة أو
غيرها، فاحتج به من قال: إن المستحاضة المعتادة ترد لعادتها ميزت أم لا، وافق
تمييزها عادتها أو خالفها، انتهى. (قَدْرَ ذَلِكَ) أي: قدر عادة حيضها. (فَإِذَا خَلَّفَتْ
ذَلِك) أي: تركت أيام الحيض التي اعتادتها خلفها، وجاوزتها، ودخلت في أيام
الاستحاضة. (فَلْتَغْتَسِلْ) أي: غسل انقطاع الحيض. (ثُمَّ لِتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ) الاستثفار:
أن تشد فرجها ودبرها بخرقة عريضة بعد أن تحتشي قطنًا وتوثق طرفي الخرقة في
شيء تشده على وسطها، فتمنع بذلك سيل الدم، وهو مأخوذ من ثفر الدابة الذي
يجعل تحت ذنبه. (ثُمَّ لِتُصَلَّ) بكسر اللام وإسكانها.
وفيه: دليل على أن الاغتسال إنما هو مرة واحدة عند انقضاء أيام الحيض، وأن
حكم المستحاضة حكم الطاهرة في الصلاة، وكذا في الصيام، والقراءة، وسائر
العبادات إجماعًا، وغشيان الزوج إياها إلا أنها توضأ لكل صلاة.
كِتّابُ الطَّهَارَةِ
13
بَابُ الْمُسْتَحَاضَةِ
٥٦٩
(رَوَاهُ مَالِكْ وأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ) وأخرجه أيضًا الشافعي وأحمد وابن ماجه
والدار قطني والبيهقي، بعضهم حديث نافع وأيوب، فبعضهم قال: عن سليمان بن
يسار، عن أم سلمة، وبعضهم قال: عن سليمان بن يسار، عن رجل، عن أم سلمة،
وبعضهم قال: عن سليمان بن يسار، عن رجل. ولم يذكر أم سلمة. ورجح أبو
داود رواية من قال: عن سليمان بن يسار عن أم سلمة. قال البيهقي: هو حديث
مشهور إلا أن سليمان لم يسمعه ها هنا. وكذا قال المنذري. وقد رواه البيهقي أيضًا
من طريق موسى بن عقبة، عن سليمان، عن مرجانة، عن أم سلمة. قال الحافظ في
((التقريب)): مرجانة والدة أم علقمة، علق لها البخاري في الحيض، وهي مقبولة.
وقال النووي في ((الخلاصة)): حديث صحيح، ولم يلتفت إلى دعوى الانقطاع.
وقال الحافظ في ((التلخيص)): قال النووي: على شرطهما، وجمع ابن عبد البر بين
هذا الاختلاف في الرواية بأنه يحتمل أن سليمان سمع عن رجل، عن أم سلمة، ثم
سمعه عن أم سلمة، فحدث به على الوجهين. وقال في ((الجوهر النقي)): ذكر
صاحب ((الكمال)) أن سليمان سمع من أم سلمة، فيحتمل أنه سمع هذا الحديث
عنها وعن رجل عنها .
٥٦٢ - [٤] وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ - قَالَ يَحْيَى بْنُ
معِينِ: جَدُّ عَدِيِّ اسْمُهُ دِينَارٌ - عَنِ النَّبِّ ◌َِّ أَنَّهُ قَالَ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ: (تَدْعُ
الصَّلََّةَ أَيَّمَ أَقْرَائِهَا الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُ فِيهَا، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتَنَوضَّأُ عِنْدَ كُلِّ
صَلَاةٍ، وَتَصُومٍ، وَتُصَلَّي)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ]
الشّرْحُ
٥٦٢- قوله: (وَعَنْ عُدَيِّ بْنِ ثَابِتٍ) الأنصاري الكوفي، ثقة، رمي بالتشيع،
مات سنة (١١٦). (عَنْ أَبِيهِ) هو ثابت الأنصاري والد عدي، ذكره ابن حبان في
((الثقات)). وقال الحافظ: مجهول الحال. (عَنْ جَدِّهِ) أي: جد عدي صحابي.
واختلف في اسمه على أقوال فقيل: اسمه دينار، وقيل: عمرو بن أخطب، وقيل:
(٥٦٢) أَبُو دَاوُد (٢٩٧)، وَالتِّرْمِذِي (١٢٦) (١٢٧)، وَابن مَاجَهْ (٦٢٥) فِيهِ عَنْهُ.
٥٧٠
ECE
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
عبيد بن عازب، وقيل: قيس بن الخطيم، وقيل: إنه يعني: جده أبا أمه، وهو
عبد الله بن يزيد الخطمي، كذا زعم يحيى بن معين فيما حكى الدار قطني. وكذا
قال أبو حاتم الرازي، واللالكائي، وغير واحد. وقال الحافظ في ((تهذيب
التهذيب)): ولم يترجَّح لي في اسم جده إلى الآن شيء من هذه الأقوال كلها، إلا أن
أقربها إلى الصواب أن جده هو جده لأمه عبد الله بن يزيد الخطمي. والله أعلم،
انتهى. وعبد الله بن يزيد هو أبو موسى الأوسي الأنصاري الخطمي، صحابي
صغير، شهد الحديبية وهو ابن سبع عشر سنة، وشهد الجمل والصفين مع علي.
وكان أميرًا على الكوفة زمن ابن الزبير، له سبعة وعشرون حديثًا، روى له البخاري
حديثين .
(قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ) بفتح الميم ابن عون الغطفاني المري مولاهم، أبو زكريا
البغدادي، أحد الثقات الحفاظ المشهورين، وأحد أئمة الجرح والتعديل، ولد
سنة (١٥٨) ومات بالمدينة النبوية سنة (٢٣٣) وله (٧٧) سنة إلا نحوًا من عشرة
أيام، وغسل على أعواد النبي ◌َّره، وحمل على سريره وَلّل، ماتَ أبوه فخَلف لابنه
يحيى هذا ألف ألف درهم وخمسين ألف درهم، فأنفق جميع المال على الحديث،
وكتب بيده ستمائة ألف حديث، روى عنه البخاري ومسلم وأبو داود وأحمد وأبو
حاتم وأبو زرعة الرازيان وغيرهم. قال أحمدُ بنُ حنبل: كلَّ حديث لا يعرفه یحیی
ابن معين فليس هو بحديث، وفضائله كثيرة، بسط ترجمته الحافظ في ((تهذيب
التهذيب)) (ج١١: ص٢٨٠ - ٢٨٨) وابن خلكان في ((تاريخه)) (ج٢ :
ص٢١٤٠٢١٦) والذهبي في ((التذكرة)) (ج٢: ص١٧، ١٨).
(جَدُّ عُدٌَّ اسْمُهُ دِينَارٌ) قال الترمذي: سألتُ محمدًا - يعني: البخاري - عن هذا
الحديث، فقلتُ: عدي بن ثابت عن أبيه عن جده، جد عدي ما اسمه؟ فلم يعرف
محمدٌ اسمه. وذكرتُ لمحمدٍ قول يحيى بن معين: اسمه دينار، فلم يعبأ بهِ.
(قَالَ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ) أي: في شأنها. (تَدَعُ الصَّلَاةَ) أي: تتركها. (أَيَّامَ أَقْرَائِهَا)
جمع قرء وهو مشترك بين الحيض والطهر. والمراد به ها هنا الحيض للسباق
واللحاق. (الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُ فِيهَا) أي: قبل أن يصيبها ما أصابها من الاستحاضة.
(ثُمَّ) أي: بعد فراغ زمن حيضها باعتبار العادة. (تَغْتَسِلُ) أي: للطهارة من الحيض
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
13
بَابُ الْمُسْتَحَاضَةِ
٥٧١
مرة. (وَتَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ) ((عند كل)) متعلق بـ ((تتوضأ)) لا بتغتسل.
وفيه: دليل على أن المستحاضة تتوضأ عند كل صلاة. والحديث ضعيف كما
ستعرف، لكن له شواهد، ذكرها الزيلعي في ((نصب الراية))، والحافظ في
((الدراية))، ومنها حديث عائشة في الفصل الأول. (وَتَصُومُ) أي: الفرض والنفل.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ) وأخرجه أيضًا الدارمي، وابن ماجه كلهم من حديث
شريك، عن أبي اليقظان، عن عدي بن ثابت. وشريك هذا هو ابن عبد الله النخعي
قاضي الكوفة، قد تكلم فيه غير واحد، وأبو اليقظان هو عثمان بن عمير الكوفي،
وهو ضعيف جدًّا. قال الحافظُ في ((التقريبِ)): إنه ضعيف، واختلط، وكان
يدلس، ويغلو في التشيع.
٥٧٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٥٦٣- [٥] وَعَنْ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْش قَالَتْ: كُنْتُ أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً
كَثِيرَةً شَدِيدَةً، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ وَِّ أَسْتَفْتِيهِ وَأُخِرُهُ، فَوَجَدْتُهُ فِي بَيْتِ أُخْتِي زَبْنَبَ
بِنْتِ جَحْشٍ، فقلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً، فَمَا
تَأْمُرُنِي فِيهَاً؟ قَدْ مَنَعَتْنِي الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ. قَالَ: ((أَنْعَتُ لَكِ الْكُرْسُفَ، فَإِنَّهُ
يُذْهِبُ الدَّمَ)) قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: ((فَتَلَجَّمِي)) قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ
ذَلِكَ. قَالَ: ((فَاتَّخِذِي ثَوْبًا)) قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، إِنَّمَا أَنُجُ ثَجًّا. فَقَالَ
النَّبِيُّ وَِّ: ((سَآمُرُكِ بِأَمْرَيْنِ، أَيَّهُمَا صَنَعْتِ أَجْزَأَ عَنْكِ مِنَ الْآَخَرِ، وَإِنْ قَوِيتِ
عَلَيْهِمَا، فَأَنْتِ أَعْلَمُ)) قَالَ لَهَا: ((إِنَّمَا هَذِهِ رَكْضَةٌ مِنْ رَكَضَاتِ الشَّيْطَّانِ،
فَتَحَيَّضِي سِنَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامِ فِي عِلْمِ اللَّهِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي، حَتَّى إِذَا رَأَيْتِ
أَنَّكِ قَدْ طَهُرْتٍ وَأَسْتَنْقَأْتِ، فَصَلِّي ثَلَاثًا وَّعِشْرِينَ لَيْلَةً، أَوْ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً
وَأَيَّامَهَا، وَصُومِي، فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُكِ، وَكَذَلِكَ فَافْعَلِي كُلَّ شَهْرِ كَمَا تَحِيضُ
النِّسَاءُ وَكَمَا يَطْهُرْنَ مِيقَاتٍ حَيْضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ، وإِنْ قَوِيتٍ عَلَيَّ أَنْ تُؤَخِّرِينَ
الظُّهْرَ وَتُعَجِّلِينَ الْعَصْرَ، فَتَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ الظَّهْرِ وَالعَصْرِ،
وَتُؤَخِّرِينَ الْمَغْرِبَ وَتُعَجِّلِينَ الْعِشَاءَ، ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَّ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ،
فَافْعَلِي، وَتَغْتَسِلِينَ مَعَ الْفَجْرِ، فَافْعَلِي وَصُومِي إِنْ قَدَرْتِ عَلَى ذَلِكَ))
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((وَهَذَا أَعْجَبُ الأَمْرَيْنِ إِلَيَّ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ] {حسن}
الشَّرْجُ
٥٦٣- قوله: (وَعَنْ حَمْنَةَ) بفتح الحاء المهملة وسكون الميم بعدها نون
وهاء. (بِنْتِ جَحْشٍ) بتقديم الجيم المفتوحة على الحاء الساكنة بعدها شين
معجمة، الأسدية، أخت زينب زوج النبي وَله. كانت تحت مصعب بن عمير،
فقتل عنها يوم أحد، وخلف عليها طلحة بن عبيد الله. صحابية، لها حديث، وهي
أم ولدي طلحة: عمران ومحمد. (حَيْضَةً) بفتح الحاءِ، وهو مصدر استحاض على
(٥٦٣) أَحْمَد (٤٣٩/٦)، وَأَبُو دَاوُد (٢٨٧)، وَالتِّرْ مِذِي (١٢٨)، وَابن مَاجَهْ (٦٢٢، ٦٢٧) فِيهِ عَنْهَا .
٥٧٣
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ الْمُسْتَحَاضَةِ
حدٍّ أنبته الله نباتًا، ولا يضره الفرق في اصطلاح العلماء بين الحيض والاستحاضة،
إذ الكلام وارد على أصل اللغة. (كَثِيرَةً) في الكمية. (شَدِيدَةً) في الكيفية. (أَسْتَفْتِهِ
وَأُخْبِرُهُ) الواو لمطلق الجمع، وإلا كان حقَّها أن تقول: أخبره وأستفتيه. (فَمَا
تَأْمُرُنِي) ما استفهامية. (فِيهَا) أي: في حال وجود الحيضة. (قَدْ مَنَعَتْنِي) استئناف
مبين لما ألجأها إلى السؤال. ويمكن أن يجعل حالًا من الضمير المجرور في
قولها: ((فيها)). (الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ) أي: على زعمها.
(أَنْعَتُ) أي: أصف. (الْكُرْسُنَ) بضمِّ الكاف والسين بينهما راء. أي: القطن
وكأنه ينعت لها لتحتشي به فيمنعُ نزول الدم ثم يقطعه. (فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الدَّمَ) أي: يمنع
خروجه إلى ظاهر الفرج، أو معناه فاستعمليه لعلَّ دمك ينقطع. (هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ)
أي: من أن يكون الكرسف مانعًا من الخروج أو قاطعًا. (فَتَلَجَّمِي) قال ابنُ
العربي: قوله: ((تلجمی))، كلمة غريبة لم يقع لي تفسيرها في كتاب، وإنما أخذتها
استقراء. قال الخليل: اللجام معروف، أخذناه من هذا كأن معناه: افعلي فعلًا
يمنع سيلانه واسترساله، كما يمنع اللجام استرسال الدابة. وقال الجزري في
((النهاية)): أي: اجعلي موضع الدم عصابة تمنع الدم، تشبيهًا بوضع اللجام في فم
الدابة. (فَاتَّخِذِي ثَوْبًا) أي: تحت اللجام مبالغة في الاحتياط من خروج الدم. (هُوَ
أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ) أي: من أن يمنعه. (أَنْجُّ) بضم المثلثة وتشديد الجيم، من ثج الدم
والماء لازم ومتعد، أي: أنصب أو أصبه، فعلى الثاني تقديره أثج الدم، وعلى
الأول إسناد الثج إلى نفسها للمبالغة، على معنى أن النفس جعلت كأن كلها دم
ثجاج، وهذا أبلغ في المعنى.
(سَآمُرُكِ) السين للتأكيد. (بِأَمْرَيْنٍ) أي: حكمين أو صنعين. (أَيُّهُمَا) بالنصب لا
غير، والناصب له: ((صنعتِ)) قاله أبو البقاء. (أَجْزَأَ عَنْكِ) أي: أغنى عنك. (مِنَ
الآخَرِ) من بمعنى البدلِ. (فَإِنْ قَوِيتٍ عَلَيْهِمَا) أي: قدرت على كل واحد منهما.
(فَأَنْتِ أَعْلَمُ) بما تختارينه منهما، فاختاري أيهما شئت. (إِنَّمَا هَذِهِ) أي: الثجة أو
العلة. (رَكْضَةٌ) بفتح الراء أي: دفعة وضربة. والركض الضرب بالرجل والإصابة
بها كما تركض الدابة وتصاب بالرجل. أراد الإضرار بها والأذى. والمعنى: أن
الشيطان قد وجد بذلك طريقًا إلى التلبيسِ عليها في أمر دينها وطهرها وصلاتها،
حتى أنساها ذلك عادتها، وصار في التقدير كأنه ركضة بآلةٍ من ركضاته، ولا ينافي
٥٧٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ما تقدم من أنها عرق يقال له: العاذل؛ لأنه يحمل على أن الشيطان ركضه حتى
انفجر. والأظهر أنها ركضة منه حقيقة إذا لا مانع من حملها عليه. (فَتَحَيَّضِي)
بتشديد الياء المفتوحة بعد الحاء، أي: التزمي أحكام الحيض، وعدي نفسك
حائضًا. (سِتَّةَ أَيَّام أَوْ سَبْعَةَ أَيَّام) قيل: ((أو) للشك من بعض الرواة، وقد ذكر
النبي ◌ّل﴿ أحد العدَّدين اعتبارًا بالغالب من حال نساء قومها، وقيل: للتخيير بين كل
واحد من العددين؛ لأنه العُرف الظاهر والغالب من أحوال النساء، وقيل: ليس
للتخيير بين الستة والسبعة بل للتنويع على معنى اعتبار حالها بحال من هي مثلها
وفي مثل سنها من نساء أهل بيتها، فإن كانت عادة مثلها منهن أن تقعد ستًّا قعدت
ستًّا، وإن سبعًا فسبعًا، فكأنها كانت مبتدأة لم يتقدم لها أيام ولم تميز بين الدمين،
ويحتمل أنها كانت معتادة ونسيت أن عادتها كانت ستًّا أو سبعًا، يعني: أنه قد ثبت
لها في ما تقدم أيام ستة أو سبعة، إلا أنها قد نسيتها، فلا تدري أيتهما كانت،
فأمرها أن تتحرَّى، وتجتهد، وتبني أمرها على ما تيقنته من أحد العددين. (فِي
عِلْمِ اللَّهِ) معناه على قول الشك، أي: في علمه الذي بينه وشرعه لنا، كما يقال:
في حكم الله وفي كتاب الله. وقيل: معناه: ما أمرتك فهو حكم الله. وعلى قول
التخيير فيما علم الله من ستة أو سبعة، وقيل: فيما أعلمك الله من عادات النساء
من الست أو السبع. وقيل: في علم الله من أمرك من الست أو السبع، أي: هذا
شيء بينك وبين الله، فإنه يعلم ما تفعلين من الإتيان بما أمرتك به أو تركه. (ثُمَّ
اعْتَسِلِي) أي: مرة واحدة بعد الستة أو السبعة من الحيض. (حَتَّى إِذَا رَأَيْتِ) أي:
علمت. (وَاسْتَنْقَأْتِ) من الاستنقاء وهو: مبالغة في تنقية البدن وتنظيفه، وهو في
نسخ ((المشكاة)) كلها مضبوط بالهمزة دون الياء، وهو استعمال جائز ومسموع، إذ
أن همزة ما ليس بمهموز كثير في كلام العرب. قال يونسُ: أهلُ مكة يخالفون
غيرهم من العرب، فيهمزون النبئ. والبرئية، والذرئية والخابئة، نقله السيوطي
في المزهر (ج٢: ص١٣٣) وقال الجوهري في ((الصحاح)): ((مادة: ر ث ی)) ابن
السكيت. قالت امرأة من العرب: رثأتُ زوجي بأبيات وهمزت. قال الفراء: ربما
خرجت فصاحتهم إلى أن يهمزوا ما ليس بمهموز. قالوا: رثأث الميت ولبأت
بالحج وحلأت السويق تحلئة، وإنما هو من الحلاوة، انتهى. فقول أبي البقاء
وصاحب ((المغرب)): أن ((استنقأت)) بالهمز خطأ، جرأة عظيمة منهما منشؤها
قصور العلم والإطلاع.
٥٧٥
كِتّابُ الطهَارَةِ
13
بَابُ الْمُسْتَحَاضَةِ
ee
(فَصَلِّي) أي: بالوضوء عند كل صلاة. (ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً) يعني: وأيامها إن
كانت مدة الحيض سبعة. (أَوْ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَأَيَّامَهَا) إن كانت مدة الحيض
ستة. (وَصُومِي) ما شئت من فريضة وتطوع. (فَإِنَّ ذَلِكَ) أي: ما قدر لك من الأيام
في حق الصلاة والصوم. (يُجْزِئُك) أي: يكفيك. (وَكَذَلِك) أي: مثل ما ذكرت
لك الآن. (فَافْعَلِي كُلَّ شَهْرِ كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ وَكَمَا يَطْهُرْنَ) أي: اجعلي حيضَكِ
بقدر ما يكون عادة النساء من ستة أو سبع، وكذلك اجعلي طهرك بقدر ما يكون
عادة النساء من ثلاث وعشرين أو أربع وعشرين. (مِيقَاتٍ حَيْضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ) نصب
على الظرف يعني إن كان وقت حيضهنٍ في أول الشهر فليكن حيضك في ذلك
الوقت. (وإِنْ قَوِيتِ عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِينَ الظَّهْرَ) فتأتي بها في آخر وقتها قبل خروجه.
(وَتُعَجِّلِينَ الْعَصْرَ) فتأتي به في أولٍ وقتِهِ، فتكون قد أتت بكل صلاة في وقتها،
وجمعت بينهما جمعًا صوريًّا. (وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ) أي: بغسل واحد.
(الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ) بالجرِّ بدل، ويجوز الرفع والنصب، وإثبات النون في أن
((تؤخرين)) و((تعجلين)) بإهمال أن الناصبة، تشبيهًا لها بما المصدرية. قال [ابن
مالك] في الألفية [البيت من إعراب الفعل]:
مَا أُخْتِهَا حَيْثُ اسْتَحَقَّتْ عَمَلا
وَبَعْضُهُمْ أَهْمَلَ أَنْ حَمْلًا عَلَى
قال ابنُ حجرٍ: الظاهرُ أن كلمة ((أن)) مصدرية لكنها لا تنصبه حملاً على ((ما))
المصدرية. ومنه قراءة مجاهد ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمُّ الرَّضَاعَةَ﴾ بضمِّ الميم، كما أن ما
قد تنصب حملا على أن. ومنه: ((كَمَا تَكُونُوا يُوَلَّى عَلَيْكُمْ))، وفي رواية أخرجها
الديلمي من حديث أبي بكرة مرفوعًا، وأخرجها البيهقي بلفظ: ((يُؤَمَّرُ عَلَيْكُمْ))،
وبحذف أبي بكرةَ، وقال: إنَّه منقطعٌ، وفي طريقه يحيى بن هاشم، وهو في عداد
من يضع، ويجوز أن تكون مخففة من الثقيلة. وارجع للتفصيل إلى شواهد
((التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح)) (ص١١٧، ١١٨).
(وَتَغْتَسِلِينَ مَعَ الْفَجْرِ، فَافْعَلِي) هذا تأكيد، والشرطية باعتبار المجموع.
(وَصُومِي) أي: في هذه المدة التي تصلي فرضًا ونفلًا. (إِنْ قَدِرْتِ عَلَى ذَلِكَ) بدل
من الشرط الأول هذا، والجمع بين الصلاتين بغسلٍ واحد هو الأمر الثاني، بدليل
قوله: ((وَهُوَ أَعْجَبُ الْأَمْرَيْنِ إِلَيَّ)). وأما الأمرُ الأولُُ، فقيل: هو الوضوء لكل صلاة
بعد الاغتسال عن الحيض بمرور الستة أو السبعة الأيام، فإن في صدر الحديث
٥٧٦
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
((سآمرك بأمرين))، ثم ذكر لها الأمر الأول أنها تحيض ستًّا أو سبعًا، ثم تغتسل
وتصلي، وقد علمَ أنها توضأ لكل صلاة؛ لأن استمرار الدم ناقض للوضوء، فلم
يذكره في هذه الرواية، وقد ذكره في غيرها، ثم ذكر الأمر الثاني من جمع
الصلاتين. وقيل: الأمر الأول هو الاغتسال لكل صلاة.
قلتُ: لم يصرح في حديث حمنة هذا بالوضوء لكل صلاة، ولا بالاغتسال لكل
صلاة. والظاهرُ عندي هو القول الأول، وإليه ذهب الأمير اليماني، وأبو الطيب
السندي، والإمام الشافعي. ورجّح شيخنا في ((شرحٍ الترمذيِّ)) أن الأمر الأول هو
الاغتسال لكلِّ صلاةٍ، وبه فسر القاري وغيره مستدلا بما ورد في روايات قصة أم
حبيبة المفسرة عند أبي داود وغيره، ولا يخفى ما فيه.
قال القاري: وتعليقُهُ عليه الصلاة والسلام هذا بقوتها لا ينافي قوله السابقَ: ((فإن
قويت عليهما))؛ لأن ذلك لبيان أنها إذا قويت عليهما تختار ما شاءت، وهذا لبيان
أنها إذا قويت عليهما تختار الأحب إليه عليه الصلاة والسلام. (وَهَذَا) أي: الجمع
بين الصلاتين بغسل واحد. (أَعْجَبُ الْأَمْرَيْنِ إِلَيَّ) الحدیث قد استدل به على أن
المستحاضة ترجع إلى الغالب من عادة النساء، ولا مخالفة بينه وبين الأحاديث
القاضية بالرجوع إلى عادة نفسها، كحديث أم حبيبة وغيرها، والقاضية بالرجوع
إلى التمييز بصفات الدم كحديث عروة عن فاطمة بنت أبي حبيش، فإنه يحمل هذا
الحديث على عدم معرفتها لعادتها، وعدم إمكان التمييز بصفات الدم.
وحاصل الكلام في المستحاضة: أنها إن كانت معتادة ترجع إلى عادتها
المعروفة، سواء كانت مميزة أو غير مميزة لحديث أم حبيبة عند مسلم وغيره،
ففيه: ((امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ خَيْضَتُكِ)). وإن كانت غير معتادة وهي مميزة
تعمل بالتمييز لحديث: ((إِذَا كَانَ دَمُ الْحَيْضِ فَإِنَّهُ أَسْوَدُ يُعْرَفُ)).
وإن كانت مبتدأة غير مميزة لا عادة لها ولا تمييز، أو كانت معتادة لكنها نسيت
عادتها، ترجع إلى عادة النساء القرائب، فإن اختلفت عادتهن فالاعتبار بالغالب
منهن، فإن لم يوجد غالب، تحيضت سًّا أو سبعًا كما أمرَ رسولُ اللَّهِ وَ لِّ حمنةَ بنت
جحش. والله أعلم.
13
كِتّابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ الْمُسْتَحَاضَةِ
٥٧٧
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٦: ص ٣٨١، ٣٨٢، ٤٣٩). (وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ) وأخرجه
أيضًا الشافعي في ((الأمِ)) (ج١: ص٥١، ٥٢) وابن ماجه، والدار قطني (ص٧٩)
والحاكم (ج١: ص١٧٢، ١٧٣) والبيهقي (ج١: ص ٣٣٨، ٣٣٩) كلهم من طريق
عبد الله بن محمد بن عقيل، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمران بن
طلحة، عن أمه حمنة. قال الترمذيُّ: هذا حديث حسن صحيح، وسألت محمدًا
عن هذا الحديث، فقال: هو حديث حسن. وهكذا قال أحمد بن حنبل: هو حديث
صحيح، انتهى. وقال أبو داود: سمعت أحمد يقولُ: حديث ابن عقيل في نفسي
منه شيء، وهذا يخالف ما نقله الترمذي عنه هنا من تصحيحه، وأجيب عنه بأنه
يمكن أن يكون قد كان في نفسه من الحديث شيء، ثم ظهرت له صحته، وقيل :
لعله يريد أن في نفسه شيئًا من جهة الفقه، والاستنباط، والجمع بينه وبين
الأحاديث الأخرى، وإن كان صحيحًا ثابتًا عنده من جهة الإسنادِ.