النص المفهرس

صفحات 501-520

٤٩٨
HON **
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٥٢٧ - [٩] وَعَنْ عَلِيِّ رَوْنَهُ قَالَ: لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْي لَكَانَ أَسْفَلُ
الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ بِّهِ يَمْسَّحُ عَلَى ظَاهِرِ
وَه
خُفَيْهِ.
[ْرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلِلدَّارِمِيِّ مَعْنَاهُ] {صحيح}
13 4
الشّرْحُ
٥٢٧- قوله: (لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأي) أي: بالقياس، وملاحظة المعاني دون
الرواية والنقل. (لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ)َ لقربة من القاذورات والأوساخ. (أَوْلَى
بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ) أي: ما تحت القدمين أولى بالمسح من الذي هو على أعلاهما،
لأنه الذي يباشر المشي ويقع على ما ينبغي إزالته، بخلاف أعلاه، وهو ما على ظهر
القدم. (يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرٍ خُفَّيْهِ) أي: على أعلاهما دون أسفلهما يعني فلا يعتبر
بالرأي والقياس الذي هو على خلاف فعل رسول اللّه وَه .
واعلم: أن العقل الكامل تابع للشرع؛ لأنه عاجز عن إدراك الحكم الإلهية،
فعليه التعبد المحض بمقتضى العبودية، وما ضلَّ من ضل من الكفرة، والحكماء،
والمبتدعة وأهل الأهواء إلا بمتابعة العقل، وترك موافقة النقل. والحديث نص
على المسح المشروع هو مسح ظاهر الخف أي: أعلاه دون باطنه أي: أسفله.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) بإسناد حسن، قاله الحافظ في بلوغ المرام. وقال في ((التلخيص)):
إسناده صحيح. (وَلِلدَّارِمِيِّ) جار ومجرور خبر مقدم مبتدأه. (مَعْنَاهُ) أي: معنى هذا
الحدیث دون لفظه.
واعلم: أن الأحاديث المذكورة في الباب ليس فيها تعرض للقدر المجزئ من
المسحِ، نعم قد روي عن علي رَوَّهُ أنه رأى رسول اللَّه ◌َ ل يمسح على ظاهر الخف
خطوطًا بالأصابع. قال النوويُّ في ((شرح المهذب)): إنه حديث ضعيف وروي عن
جابر أنه وَلّ أرى بعض من علمه المسح أن يمسح بيده من مقدم الخفين إلى
أصل الساق مرة، وفرج بين أصابعه. أخرجه الطبراني في ((الأوسط))، وعزاه
(٥٢٧) أَبُو دَاوُد (١٦٢) عن عليٍّ رَوُنَهُ فيه.

٤٩٩
كِتّابُ الطَّهَارَةِ
EN*
بَابُ الْمَسْجِ عَلَى الْخُفَّيْنِ
Be
ابن الجوزي في التحقيق إلى رواية ابن ماجه.
قال الحافظُ: هو في بعض نسخ ابن ماجه دون بعض. وقد استدر که المزی علی
ابن عساكر في الأطراف، وإسناده ضعيف جدًّا، انتهى. وقد عرفت من هذا أنه لم
يرد في الكيفية والكمية حديث يعتمد عليه إلا حديث علي والمغيرة في بيان محل
المسح. قال الأمير اليماني: والظاهر أنه إذا فعل المكلف ما يسمى مسحًا على لغة
أجزأه، انتهى.

٥٠٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٠ - بَابُ التَّيَمُمِ
(بَابُ التََّّمُّم) قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِن كُنتُم ◌َرْضَّ أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنَكُم مِّنَ
الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُّ الْنِسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيَدِيكُمْ
مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجِ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٦].
والتيمم في اللغة: القصد، وفي الشرع: القصد إلى الصعيد الطيب لمسح
الوجه واليدين بنية استباحة الصلاة ونحوها. وهو من خصائص هذه الأمة نصًّا
وإجماعًا. واختلف هل التيمم عزيمة أو رخصة؟ وفصَّل بعضهم، فقال: هو لعدم
الماء عزيمة، وللعذر رخصة. قال الشاه ولي الله: لما كان من سنة الله في شرائعه
أن يسهل عليهم كل ما لا يستطيعونه وكان أحق أنواع التيسير أن يسقط ما فيه حرج
إلى بدل لتطمئن نفوسهم، ولا تختلف الخواطر عليهم بإهمال ما التزموه غاية
الالتزام مرة واحدة، ولا يألفوا ترك الطهارات أسقط الوضوء والغسل في المرض
والسفر إلى التيمم، ولما كان ذلك كذلك نزل القضاء في الملأ الأعلى بإقامة
التيمم مقام الوضوء والغسل، وحصل له وجود تشبيهي أنه طهارة من الطهارات،
وهذا القضاء أحد الأمور العظام التي تميزت به الملة المصطفوية من سائر الملل،
وهو قوله بَّه: ((جُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا إِذَا لَمْ نَجِد الْمَاءَ)).
قال: إنما خصَّ الأرض؛ لأنها لا تكاد تفقد، فهي أحق ما يرفع به الحرج،
ولأنها طهور في بعض الأشياء كالخفِّ والسيف بدلًا عن الغسل بالماء، ولأن فيه
تذللًا بمنزلة تعفير الوجه في التراب، وهو يناسب طلب العفو، وإنما لم يفرق بين
بدل الغسل والوضوء، ولم يشرع التمرغ؛ لأن من حق ما لا يعقل معناه بادي
الرأي: أن يجعل كالمؤثر بالخاصية دون المقدار، فإنه هو الذي اطمأنت نفوسهم
به في هذا الباب، ولأن التمرغ فيه بعض الحرج فلا يصلح رافعًا للحرج بالكلية،
وفي معنى المرض: البرد الضار لحديث عمرو بن العاص، والسفر ليس بقيد، إنما
هو صورة لعدم وجدان الماء يتبادر إلى الذهن، وإنما لم يؤمر بمسح الرجل

كِتّابُ الطَّهَارَةِ
13
بَابُ التَّيَمُم
٥٠١
بالتراب؛ لأن الرجل محل الأوساخ، وإنما يؤمر بما ليس حاصلًا ليحصل التنبه،
انتھی .
وقد يظُنُّ من لا يفقه أغراض الشريعة الإسلامية أن التراب قد يكون ملوثًا
بالميكروبات الضارة أي: جراثيم الأمراض، فمسح الوجه به ضرر لا نفع فيه،
والذي يقول لم يفهم معني التيمم، ولم يدرك الغرض منه؛ لأن الشارع قد اشترط
أن يكون التراب طاهرًا نظيفًا، ولم يشترط أن يأخذ التراب ويضعه على وجهه، بل
المفروض هو أن يأتي بكيفية خاصة تبيح له العبادة الموقوفة على الوضوء والغسل .
كذا في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة.

٥٠٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
الفصل الأول
٥٢٨ - [١] عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ
بِثَلَاثٍ: جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ، وَجُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ كُلَّهَا
مَسْجِدًا، وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا إِذَا لَمْ نَجِد الْمَاءَ)). [رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشَّرْجُ
٥٢٨- قوله: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ) متحدثًا بنعمة اللَّه ومبينًا لأحكام شرعه.
(فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ) بصيغة المجهول مشددًا أي: فضلنا الله على جميع الأمم
السالفة، وحذف الفاعل للعلم. (بِثَلَاثٍ) أي: بثلاثٍ خصالٍ لم تكن لهم واحدة
منها، ومفهوم العدد غير مراد؛ لأنه قد ثبت أنه فضل بأكثر من ذلك، وقيل: كان
تنزل عليه ممّلّ خصائص أمته شيئًا فشيئًا، فيخبرُ عن كلِّ ما نزل عليه عند إنزاله بما
يناسبه. وقد عدَّ السيوطي خصائص النبي ◌َّ، وفيها خصائص أمته أيضًا في
((خصائصه الكبرى)) زيادة عن المائتين، وهذا إجمال، فَصَّلَهُ قوله: (جُعِلَتْ
صُفُوفُنَا) أي: وقوفنا في الصلاة. (كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ) أي: في الطاعة، أو في
الصلاة، وهي أنهم يتمون المقدم، ثم الذي يليه من الصفوف، ثم يراصون
الصفوف، كما ورد التصريح بذلك في ((سنن أبي داود)) وغيره، بخلاف الأمم
الماضية، فإنهم كانوا يقفون في الصلاة كيفما اتفق.
(مَسْجِدًا) أي: موضع سجود، لا يختص السجود منها بموضع دون غيره، وهذه
لم تكنِ لغير أمته وٍَّ﴿ كما صرح به في رواية عمرو بن شعيب عند أحمد: ((وَكَانَ مَنْ
قَبْلِي إِنَّمَا كَانُوا يُصَلَّونَ فِي كَنَائِسھمْ». وفي رواية ابن عباس عند البزار: «وَلَمْ يَكُنْ
أَحَدِّ مِن الْأَنْبِيَاءِ يُصَلِّي حَتَّى يَبْلُغ مِحْرَابِه)). (وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا) أي: ترابها كما في
حديث علي عند أحمد والبيهقي. والتراب أعم من أن يكون سبخًا أو غيره لأن
المدينة سبخة، وقد كانوا يتيممون منها. (لَنَا طَهُورًا) أي: مطهرًا. فيه دليل على أن
(٥٢٨) مُسْلِم (٤ / ٥٢٢) عَنْ حُذَيْفَةً فِيهِ.

كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ التَّيَمُم
٥٠٣
التراب يرفع الحدث كالماء لاشتراكهما في الطهورية. (إِذَا لَمْ نَجِدِ الْمَاءَ) هذا
القيد قرآني معتبر في الأحاديث المطلقة. واستدلَّ بالحديث على أن التراب متعين
للتيمم دون بقية الجامدات من أجزاء الأرض كالحجر، والكحل، والزرنيخ،
والجص، والنورة، والإثمد، والمرجان، والآجر، والملح معدنيًّا كان أو مائيًّا،
وكالحديد والنحاس والصفر والذهب والفضة، ونحوها مما يذاب بالنار متميزًا
عن التراب.
قال الحافظُ: دلَّ الافتراق في اللفظ حيث حصل التأكيد في جعلها مسجدًا دون
الآخر على الافتراق في الحكم، أي: بتعين التراب للتيمم دون السجود، وإلا
لعطف أحدهما على الآخر نسقًّا كما وقع في حديث جابر عند الشيخين بلفظ:
(وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضِ مَسْجِدًا وَطَهُورًا))، انتهى.
وقال الشوكاني في (السيل الجرار)): ومما يعين التراب ويقيد أنه المراد: أن
جماعة من أهل اللغة كصاحب ((القاموس)) وغيره فسروا الصعيد بالتراب، وما
صعد على وجه الأرض، فجعلوا التراب أحد معنيي الصعيد، فالروايات المصرحة
بالتراب هي معينة لأحد معنيي الصعيد، انتهى.
وقال العلامة القنوجي في تفسير سورة النساء من ((فتح البيان)) (ج٢: ص٢٢٨)
بعد ذكر حديث حذيفة هذا ما لفظه: فهذا مبين لمعنى الصعيد المذكور في الآية،
أو مخصص لعمومه، أو مقيد لإطلاقه. ويؤيد هذا ما حكاه ابن فارس عن كتاب
الخليل: تيمم بالصعيد أي: خذ من غباره، انتهى. والحجر الصلد لا غبار عليه.
قلتُ: ويقوي كون المراد التراب قوله تعالى في المائدة: ﴿فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ
وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ﴾ [المائدة: ٦] وذلك أن كلمة ((مِنْ)) للتبعيض كما قال في ((الكشاف))
حيث قال: إنه لا يفهم أحد من العرب قول القائل: مسحت برأسه من الدهن ومن
التراب إلا معنى التبعيض، والتبعيض لا يتحقق إلا في المسح بالتراب لا من
الحجارة ونحوها، وأيضًا التنصيص على التراب في الأحاديث يدلّ على أن ذلك
البعض هو التراب.
قال الشوكاني في ((السيل الجرار)): ولا يعارض هذا تيممه وَل من الحائط، فإنه
لم يرو أنه كان معمورًا من الحجر، بل الظاهر أنه معمور بالطين، وإذا كان كذلك
فالضرب فيه لا يبعد أن يعلق باليد من تربته ما له أثر يمسح به، وقد أخرج الشافعي

٥٠٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*E
أنه حثّه أي: الحائط الذي تيمم منه، وقد أخرج هذه الزيادة البيهقي من طريق
الشافعي، ثم قال: وفي إسنادها - يعني: هذه الزيادة - إبراهيم بن أبي يحيى شيخ
الشافعي، عن أبي الحويرث - وهو متكلم فيهما - عن الأعرج، عن أبي الصمة،
وهو - يعني: الأعرج - لم يسمع منه، انتهى.
قلتُ: ويلتحق بالتراب الرمل، فيجوز التيمم به أيضًا كالتراب. قال ابن القيم
في ((زاد المعاد)» (ج١: ص٥١): صح عنه ◌َّ أنه قال: «حَيْثُمَا أَدْرَكَتْ رَجُلًا مِنْ
أُمَّتِي الصَّلَاةُ، فَعِنْدَهُ مَسْجِدُهُ وَطَهُورُهُ)). وهذا نص صريح في أن من أدركته الصلاة
في الرملِ له طهور، ولما سافر هو وأصحابه في غزوة تبوك قطعوا تلك الرمال في
طريقهم، وماؤهم في غاية القلة، ولم يرو عنه أنه حمل معه التراب ولا أمر به، ولا
فعله أحد من أصحابه مع القطع بأن في المفاوز الرمال أكثر من التراب، وكذلك
أرض الحجاز وغيره، ومن تدَبَّر هذا قطع بأنه كان تيمم بالرمل، انتهى.
هذا والخصلة الثالثة مبهمة، وقد بينها ابن خزيمة والنسائي وهي: ((أُعْطِيتُ هَذِهِ
الْآيَاتِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مِنْ كَنْزِ تَحْتَ الْعَرْشِ)»، يشير إلى ما حطه اللَّه عن أمته
من الإصر وتحميل ما لا طاقة لهم به، ورفع الخطأ والنسيان.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا ابن خزيمة والنسائي.
٥٢٩ - [٢] وَعَنْ عِمْرَانَ قال: كُنَّا فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِّ وََّ فَصَلَّى بِالنَّاسِ،
فَلَمَّا انْفَتَلَ مِنْ صَلَاتِهِ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مُعْتَزِلٍ لَمَّ يُصَلِّ مَعَ الْقَوْمِ، فَقَالَ: ((مَا
مَنَعَكَ يَا فُلَانُ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ الْقَوْمَ؟)) قَالَ: أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ، وَلَّا مَاءَ. قَالَ:
(عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ؛ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشَّرْحُ
٥٢٩- قوله: (كُنَّا فِي سَفَرٍ) أي: عند رجوعهم من خيبر، أو الحديبية، أو في
طريق مكة، أو بطريق تبوك. (فَصَلَّى بِالنَّاسِ) أي: إمامًا لهم. (فَلَمَّا انْفَتَلَ) أي:
(٥٢٩) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٣٤٤)، ومُسْلِم (٣١٢/ ٦٨٢) عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْن فِيهِ؛ وَفِيهِ قِصَّةٌ.

كِتّابُ الطَّهَارَةِ
13
بَابُ التَّيَمُم
se
٥٠۵
انصرف وفرغ. (إِذَا هُوَ) أي: النبي ◌َّر، ((وهو)) مبتدأ خبره قوله: (بِرَجُلٍ) لم يسم،
وقيل: هو خلاد بن رافع أخو رفاعة، ولكن وَهَّمُوا قائله. (مُعْتَزِلٍ) أي: منفرد عن
القوم، خارج من بينهم، واقف في ناحية، والجملة جواب لـ ((ما))، أي: فلما انفتل
فاجأه رؤية رجل معتزل غير مصلٍّ. (وَلَا مَاءَ) موجود بالكلية. وماء بفتح الهمزة،
ويحتمل أن تكون لا ها هنا بمعنى ليس، فيرتفع الماء حينئذ، ويكون المعنى ليس
ماء عندي. (عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ) اسم فعل بمعنى خذ والزم، والباء زائدة، واللام
للعهد المذكور في الآية. (فَإِنَّه) أي: الصعيد. (يَكْفِيكَ) أي: لصحة الصلاة،
ويجزئك عن الماء عند عدمه.
والحديث نص في جواز التيمم للجنب، وهو مجمع عليه، لم يخالف فيه أحد
من الخلف ولا من السلف إلا ما جاء عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود،
وحكي مثله عن إبراهيم النخعي من عدم جوازه للجنب.
وقيل: إن عمر وعبد الله رجعا عن ذلك، وقد جاءت في جوازه للجنب
الأحاديث الصحيحة. واستدلَّ بالحديث على كون التيمم طهارة مطلقة.
قال الحافظُ: احتجَّ البخاريُّ لعدم وجوب التيمم لكل صلاة بعموم قوله: وَل
((عليك بالصعيد؛ فإنه يكفيك)). قال: وهذه المسألة وافق فيها البخاري الكوفيين
والجمهور، انتهى. قلتُ: وهو الراجح عندي.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في التيمم، وفي علامات النبوة، ومسلم في
الصلاة مطولًا، وأخرجه أيضًا النسائي في الطهارة مختصرًا.

٥٠٦
SB
BeE
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٥٣٠ - [٣] وَعَنْ عَمَّارٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ:
إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أُصِبِ الْمَاءَ. فَقَالَ عَمَّارٌ لِعُمَرَ: أَمَا تَذْكُرُ أَنَّا كُنَّا فِيَ سَفَرِ أَنَا
وَأَنْتَ؛ فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمَّ تُصَلِّ وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ، فَصَلَّيْتُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلَّنَّبِيِّ
﴿﴿ فَقَالَ: ((إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا)) فَضَرَبَ النَّبِيُّ ◌َّهِ بِكَفَيْهِ الْأَرْضَ وَنَفَخَ
فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ؟
[ رَوَاهُ البُخَارِيُّ] {صحیح}
وَلِمُسْلِم نَحْوَهُ.
- وفيه: قَالَ: ((إِنَّمَا يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ الْأَرْضَ، ثُمَّ تَنْفُخَ، ثُمَّ تَمْسَحَ
بِهِمَا وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ))(*).
الشّرْخُ
٥٣٠- قوله: (وَعَنْ عَمَّارٍ) فيه: أن الذي وقع في (الصحيحين)) وغيرهما أن
عبد الرحمن بن أبزى هو الذي روى أول القصة، أعني قوله: جاء رجل إلى عمر بن
الخطاب. فقال: إني أجنبت، فلم أصب الماء. فهذا القدر إنما هو رواية
عبد الرحمن دون عمار، فالصواب أن يقول المصنف: عن عبد الرحمن بن أبزى
بدل عن عمار، ويدل على ما قلنا قوله: فقال عمار لعمر: (جاءَ رَجُلٌ) لم يسم.
(إِنِّي أَجْنَبْتُ) أي: صرت جنبًا. (فَلَمْ أُصِبِ الْمَاءَ) من الإصابة أي: لم أجده، فقال
عمر: لا تصل حتى تجد الماء. (فِي سَفَرٍ) ولمسلم: في سرية، وزاد: فأجنبنا. (أَنَا
وَأَنْتَ) تأكيد وبيان لضمير ((كنا))، فالمعنَى: فأجنبنا كلنا. (فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ) لأنه
كان يتوقع الوصول إلى الماء قبل خروج الوقت، أو لاعتقاد أن التيمم إنما هو عن
الحدث الأصغر لا الأكبر، وهذا هو الأظهر، وقاس عمار الحدث الأكبر على
الأصغر. (فَتَمَعَّكْتُ) أي: تمرغت وتقلبت في التراب، كأنه ظن أن إيصال التراب
إلى جميع الأعضاء واجب في تيمم الجنابة كإيصال الماء في غسلها، وبه يظهر أن
(٥٣٠) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٣٣٨)، ومُسْلِم (١١٢ / ٣٦٨) مِنْ حَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ فِيهِ.
(*) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: عَنْ عَمَّارٍ أَيْضًا، وَسَاقَهَا فِي شَرْحِ السُّنَّةِ (٣٠٨) بِاللَّفْظِ.

كِتّابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ التَّيَمُم
Bes
٥٠٧
المجتهد يخطئ ويصيب. (فَذَكَرْتُ ذَلِكَ) أي: ما ذكر من امتناع عمر عن الصلاة،
وتمعكي في التراب. (إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا) مجمل، تفسيره (فَضَرَبَ النَّبِيُّ ◌َل
بِكَفَّيْهِ الأَرْضَ) فيه: أن تعليمه بَّ لعمار كيفية التيمم كان بالفعل، والرواية الآتية
تدل على أنه كان بالقول.
قال القاري: والجمع بين الحديثين: أنه عليه الصلاة والسلام جمع في التعليم
بين القول والفعل تأكيدًا للإعلام وتنبيهًا على الاهتمام. (وَنَفَخَ فِيهِمَا) يحتمل أن
يكون النفخ لشيء علق بيده خشي أن يصيب وجهه الكريم، أو علق بيده من التراب
شيء له كثرة، فأراد تخفيفه لئلا يبقى له أثر في وجهه. (ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ)
أي: ظاهرهما. والحديث فيه: دليل على أنه يكفي في التيمم ضربة واحدة،
ويكفي في اليدين مسح الكفين، وأن الآية مجملة بينها النبي وَلَّ بالاقتصار على
الكفين، والاكتفاء بالضربة الواحدة، وبمسح الراحتين وظاهر الكفين، هو مذهب
جمهور العلماء وأهل الحديث عملًا بحديث عمار هذا، فإنه أصح حديث في
الباب، كما أقر به التُّورْبَشْتِي والخطابي وابن دقيق العيد وغيرهم.
قال الشيخ عبد الحي اللكنوي: أقوى الأقوال فيه من حيث الدليل هو الاكتفاء
بمسح اليدين إلى الرسغين لما ثبت في روايات حديث عمار الصحيحة: أن
النبي وَّ علمه كيفية التيمم حين بلغه تمعكه في التراب، واكتفى فيه على مسح
الوجه والكفين، انتهى.
وقال الحافظ في ((الفتح)): وما أحسن ما قال: إن الأحاديث الواردة في التيمم لم
يصح منها سوى حديث أبي جهيم، وعمار، وما عداهما فضعيف أو مختلف في
رفعه ووقفه، والراجح: عدم رفعه، فأما حديث أبي جهيم فورد بذكر اليدين
مجملًا، وأما حديث عمار فورد بذكر الكفين في ((الصحيحين))، وبذكر المرفقين
في ((السنن))، وفي رواية: إلى نصف الذراع. وفي رواية: إلى الآباطِ، فأما رواية
المرفقين، وكذا نصف الذراع، ففيهما مقال، وأما رواية الآباط، أي: الآتية في
الفصل الثالث، فقال الشافعي وغيره: إن كان ذلك وقعَ بأمرِ النبيِّ ◌ََّ، فكل تيمم
صحَّ للنبي وَّل بعده فهو ناسخ له، وإن كان بغير أمره فالحجة فيما أمر به. ومما
يقوي رواية ((الصحيحين)) في الاقتصار على الوجه والكفين كون عمار يفتي بعد
النبي وَلّ بذلك، وراوي الحديث أعرف بالمراد به من غيره، ولا سيما الصحابي
المجتهد، انتهى.

٥٠٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال الشوكاني في ((السيل الجرار)): إنَّ جميع الأحاديث الصحيحة ليس فيها إلا
ضربة واحدة للوجه والكفين فقط، وجميع ما ورد في الضربتين أو كون المسح إلى
المرفقين لا يخلو عن ضعف يسقط به عن درجة الاعتبار، ولا يصلح للعمل عليه،
حتى يقال: إنه مشتمل على زيادة، والزيادة يجب قبولها، فالواجب الاقتصار على
ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة، انتهى.
قال ابنُ رشد في ((البداية)): إن الصواب هو أن يعتقد أن الفرض إنما هو الكفان
فقط، وذلك أن اسم اليد لا يخلو أن يكون في الكف أظهر منه في سائر الأجزاء، أو
يكون دلالته على سائر أجزاء الذراع والعضد بالسواء، فإن كان أظهر فيجب المصير
إليه على ما يجب المصير إلى الأخذ بالظاهر، وإن لم يكن أظهر، فيجب المصير
إلى الأخذ بالأثر الثابت، فأما أن يغلب القياس ها هنا على الأثر فلا معنى له، ولا
أن ترجح به أيضًا أحاديث لم تثبت بعد، فالقول في هذه المسألة بيِّن من الكتاب
والسنة، انتهى.
وفي الحديث: أن مسح الوجه واليدين بدل في الجنابة عن كل البدن، وإنما لم
يأمر عمارًا بالإِعادة لأنه عمل أكثر مما كان يجب عليه في التيمم. (رَوَاهُ البُخَارِيُّ)
أي: بهذا اللفظ في باب: هل ينفخ في يديه بعد ما يضرب بهما الصعيد للتيمم؛
وأخرجه أيضًا مسلم كما ذكره المصنف، والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه
بألفاظ مطولًا ومختصرًا.
قوله: (إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيَكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ الْأَرْضَ، ثُمَّ تَنْفُخَ ... ) إلخ. فيه رد
صريح على من أجاب عن رواية عمار المتقدمة بأن تعليمه له وقع بالفعل، وقد ورد
في الأحاديث القولية المسح إلى المرفقين، ومن المعلوم أن القول مقدم على
الفعل .
ووجه الرد: أن رواية مسلم هذه تدل صريحًا على أن التعليم وقع بالقول أيضًا،
كما يدل على ذلك ما وقع في رواية للبخاري: ((يَكْفِيكَ الْوَجْهُ وَالْكَفَّانِ)). وقد تفوّه
بعض أهل الأهواء أن قوله: ((يكفيك الوجه والكفان))، لعله رواية بالمعنى،
وحكاية للفعل بالقول، وإنما كان أشار إليه كما في الرواية المارة؛ ((إنما كان
يكفيك هكذا))، وكانت تلك إشارة إلى المعهود. وقال تلميذه الذي لا يتحاشى مثل
شيخه عن استطالة اللسان على فقهاء أصحاب الحديث وإساءة الأدب في شأنهم

كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ التََّمُم
٥٠٩
نصرة لقول هذا البعض: والقرينة على أن الأصل في روايته هو التعليم بالإشارة،
وأن التعليم بالقول رواية بالمعنى، ما روي عنه عند البخاري: فقال النبي ◌َّ:
((إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا))، فضرب النبي وَلَّ بكفيه الأرض ... إلخ. ففيه ذكر
التعليم القولي مع فعله ◌َّله بالكفين، فلما كان ذكر الكفين جرى في ذيل فعله،
وكان بيانًا لقوله، أخذ بعض الرواة في بيان القول، ثم رفعه، انتهى.
قلتُ: من عادة هؤلاء المشغوفين بآراء الرجال والأقيسة والأهواء أنهم إذا رأوا
حديثًا مرفوعًا صحيحًا مخالفًا لقول إمامهم اشمأزوا منه، واخترعوا لرده تأويلات
متبجحين بها، فتارة يجعلونه منسوخًا، وأخرى رواية بالمعنى، وتارة يحاولون
تضعيفه، وأخرى ينسبون إلى الصحابي فهم خطاب النبي وَّر، ونحو ذلك من
الوجوه الباطلة التي هي تحريفات معنوية للحديث الصحيح. وعندنا لا تخالف بين
هذه الروايات، فقد جمع النبي ◌َّيل في تعليمه لعمار كيفية التيمم بين الإشارة
والقول والفعل، مبالغة في الإعلام، كما أقر به القاري، والشيخ اللكنوي.
فالظاهر: أنه أشار ◌َ ليّ أولًا، ثم فسر إشارته بفعله، وعلم مع ذلك بالقول أيضًا.
وأما رواية البخاري هذه فالأظهر أن الراوي اكتفى فيها بذكر التعليم بالإشارة
والفعل دون القول، فلا دلالة فيها على أن الرواية الأخرى التي فيها ذكر القول
رواية بالمعنى، فإنها تحمل على أن الراوي اقتصر مرة على ذكر الإشارة والفعل،
وأخرى على ذكر القول، ولا بعد فيه عند من له خبرة واطلاع على الأحاديث. وأما
من أعمى الله قلبه وبصيرته فهو معذور.
هذا، وقد أجاب القائلون بمسح اليدين إلى المرفقين، وتعدد الضربة عن
حديث عمار هذا بوجوه أخرى كلها واهية، قد ردها وأبطلها شيخنا في (شرح
الترمذي)) (ج١: ص ١٣٤، ١٣٥) فارجع إليه لتقف على ما تعللوا به لرد هذا
الحديث الصحيح من الأعذار الباردة، وتعتبر. وقد استدل هؤلاء على ما ذهبوا إليه
بأحاديث لا تصلح للاحتجاج لما لا يخلو واحد منها من المقال، كما تقدم إليه
الإشارة في كلام الحافظ. واحتجوا أيضًا بآثار الصحابة، وأنت تعلم أن الأثر لا
يقاوم الحديث المرفوع. وقد ذكر شيخنا في ((شرح الترمذي)) وفي ((أبكار المنن))
(ص٦٣ - ٦٥ /١٤٩ - ١٥٨) أحاديث الضربتين، وبين ما فيها من الكلام، فعليك
أن تراجعهما .

٥١٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٥٣١- [٤] وَعَنْ أَبِي الْجُهَيْمِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ؛ قَالَ: مَرَرْتُ
عَلَى النَِّ نَّهِ وَهُوَ يَبُولُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَّيَّ حَتَّى قَامَ إِلَى جِدَارٍ،
فَحَتَّهُ بِعَصًا كَانَتْ مَعَهُ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى الْجِدَارِ فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ ثُمَّ
[وَلَمْ أَجِدِ هَذِهِ الرّوَايَةَ في ((الصَّحِيحَيْنِ)) وَلَا فِي كِتَابِ الحمِيدِيِّ،
رَدَّ عَلَيَّ.
وَلَكِنْ ذَكَرَهُ فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ))، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنَاَ {ضعيفٌ}
الشَّرْحُ
٥٣١- قوله: (وَعَنْ أَبِي الْجُهَيْم) بضم الجيم وفتح الهاء وسكون الياء. (بْنِ
الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ) بكسر الصادِ المهملة وتشديد الميم، ابن عمرو الأنصاري
الخزرجي ابن أخت أبي بن كعب، صحابي معروف، بقي إلى خلافة معاوية.
واختلف في اسمه، فقيل: هو عبد الله بن الحارث بن الصمة. وقيل: هو عبد الله
ابن الجهيم بن الحارث بن الصمة، نسب إلى جده. وقيل: إنه الحارث بن
الصمة. ولفظ: ((ابْنِ)) بين أبي الجهيم والحارث غلط. وقيل: الحارث بن الصمة
رجل آخر غير أبي الجهيم. ولأبي الجهيم حديثان في ((الصحيحين))، أحدهما في
التيمم على الجدار، والثاني في المار بين يدي المصلي. وسيأتي في باب السترة.
وقال ابن الأثير، وابن عبد البر: راوي حديث التيمم غير راوي حديث المرور،
فالأول هو أبو الجهيم بن الحارث بن الصمة، والثاني أبو الجهيم عبد الله بن
الجهيم الأنصاري، وجعلهما ابن منده وأبو نعيم والحافظ واحدًا. وأبو الجهيم
راوي حديث التيمم وحديث المرور غير أبي الجهم صاحب الأنبجانية المذكور في
حديث عائشة الآتي في باب الستر، واسمه عامر بن حذيفة.
(فَحَتَّهُ) بالتاء الفوقية أي: خدشه حتى يحصل منه التراب. وفيه: دليل على أنه لا
بد في التيمم من التراب. وقيل: حته لتحصيل التراب قصدًا إلى الأفضل، وهو
(٥٣١) هَذَا الحَدِيثُ أَصْلُهُ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)): البُخَارِي (٣٣٧)، ومُسْلِم (٣٦٩)، وَسَيَأْتِي فِي الثَّالِثِ،
وَأَمَّا هَذَا السَِّاقُ؛ فَهُوَ لِلْمُصَنِّفِ فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ)) (٣١٠) مِنْ طَرِيقِ الشَّافِعِي رَْتَهُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ
أَبِي يَحْبَى ... بِسَنَدِهِ، وَقَالَ: إِنَّهُ حَسَنٌ.

٥١١
كِتَابُ الطّهَارَةِ
بَابُ التَّيَمُم
محمول على أنه كان جدارًا مباحًا أو مملوكًا لإِنسان يعرف رضاه. (ثُمَّ وَضَعَ يَدَيْهِ
عَلَى الْجِدَارِ) فيه: أنه يجزئ وضع اليدين في التراب للتيمم، ولا يجب ضربة
التراب. وفيه: أن الضربة الواحدة كافية. (فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ) الذراع - بكسر
الذال - الساعد ومن طرف المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى. قال الحافظُ:
الثابت في حديث أبي جهيم بلفظ: ((يديه لا ذراعيه)) فإنها رواية شاذة مع ما في أبي
الحويرث من الضعف، انتهى.
(ثُمَّ رَدَّ عَلَيَّ) أي: السلام، فيه دليل على استحباب الطهارة لذكر الله، (وَلَمْ أَجِد
هَذِهِ الرِّوَاية) أي: بهذا اللفظ، أي: نقلت هذا الحديث هنا تبعًا للمصنف ولم
أجده. (فِي الصَّحِيحَيْنِ) وروايتهما مذكورة في أول الفصل الثالث من هذا الباب.
(وَلَا فِي كِتَابِ الحمِيدِيِّ) أي: ((الجمع بين الصحيحين)) للحميدي، فالاعتراض
وارد على صاحب ((المصابيح)) حيث ذكر هذا الحديث في الصحاح الموضوع في
اصطلاحه لحديث الشيخين أو أحدهما. (وَلَكنْ ذَكَرَهُ) أي: صاحب ((المصابيح)).
(فِي شَرْح السُّنَّةِ) من كتبه بإسناده من حديث الشافعي، عن إبراهيم بن محمد بن
أبي يحيى، عن أبي الحويرث عن الأعرج عن أبي جهيم بن الصمة، فكأنه غفل عنه
في ((المصابيح)). (وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ) قيل: في تحسينه نظر؛ لأن شيخ
الشافعي إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى قد ضعفه عامة المحدثين. وشيخ شيخه أبا
الحويرث متكلم فيه، وأيضًا هو منقطع لأن ما بين الأعرج وأبي جهيم عمير كما في
رواية البخاري وغيره. ونص عليه أيضًا البيهقي وغيره كما تقدم في كلام الشوكاني
أنه أخرجه البيهقي من طريق الشافعي وتكلم فيه.
قلتُ: أصل الحديث متفق عليه، لكن ليس في روايتهما ذكر الذراع، ولا حتُّ
الجدار بالعصا، ولا أنه سلم عليه وهو يبول، بل فيه: أنه أقبل النبي ◌َّ من نحو بئر
جمل، فلقيه رجل، فسلم عليه ... الحديث، كما سيأتي في الفصل الثالث.

٥١٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثاني
٥٣٢ - [٥] عَنْ أَبِي ذَرَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ
وَضُوءُ الْمُسْلِمِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيُمِسَّهُ
[ْرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ،
بَشْرَتَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ)).
وَرَوَى النَّسَائِي نَحْوهُ إِلَى قَوْلِهِ: ((عَشْرُ سِنِين))] (صحيح}
الشّرْخُ
٥٣٢- قوله: (الطَّيِّبَ) أي: الطاهر. (وَضُوءُ الْمُسْلِم) بفتح الواو، أي:
طهوره، وأطلق عليه اسم الوضوء مجازًّا؛ لأن الغالب في الطَهور هو الوضوء، قاله
السندي. وقال القاري: بفتح الواو؛ لأن التراب بمنزلة الماء في صحة الصلاة.
وقيل: بضم الواو، أي: استعمال الصعيد على الوجه المخصوص كوضوء
المسلم، فهو تشبيه بليغ، وعلى التقديرين يفيد أن التيمم رافع للحدث، فيصلي
بواحد ما شاء من الفرائض والنوافل.
قلتُ: ومما يؤيد ذلك أن اللَّه تعالى جعل التيمم عوضًا عن الماء عند عدمه،
والأصل أنه قائم مقامه في جميع أحكامه، فلا يخرج عن ذلك إلا بدليل، ويجوز
لمن تطهر بالصعيد الطيب ما يفعله المتطهر بالماء. قال الخطابي: يحتجُّ بهذا
الحديث من يرى أن للمتيمم أن يجمع بتيممه بين صلوات ذوات عدد، وهو مذهب
أصحاب الحديث، انتهى.
(وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ) إن وصلية. (عَشْرَ سِنِينَ) المراد منه الكثرة والمبالغة لا
المدة المقدرة أي: التحديد، والمعنى: أن له أن يفعل التيمم مرة بعد أخرى وإن
بلغت مدة عدم الماء واتصلت إلى عشر سنين، وليس في معنى: أن التيمم دفعة
واحدة يكفيه لعشر سنين، قاله الخطابي. وفيه دلالة على أن خروج الوقت غير
ناقض للتيمم بل حكمه حكم الوضوء، وما صح عن ابن عمر: أنه تيمم لكل صلاة
(٥٣٢) أَحْمَد (٥/ ١٥٥، ١٨٠)، وأَبُو دَاوُد (٣٣٢)، والتِّرْ مِذِي (١٢٤)، والنَّسَائِي (١ / ١٧١) عَنْ أَبِي
ذَرِّ فِیهِ .

٥١٣
كِتّابُ الطَّهَارَةِ
13
بَابُ التَّيَمُم
وإن لم يحدث، محمول على الاستحباب. وفيه: دليل على جواز التيمم لرفع
الجنابة عند عدم الماء؛ لأنه ◌َّ جعل الصعيد طهورًا للمسلم، كما في رواية
الترمذي وغيره، وهو بعمومه يشمل الطهور من الحدثين الأصغر والأكبر معًا
لإطلاقه وعدم تقييده بأحدهما .
قلتُ: ويؤيده أيضًا سبب ورود الحديث كما في رواية أحمد وأبي داود،
وحاصله: أنه قال أبو ذر: اجتويت المدينة، فأمرني رسول اللّه وَ له بابل، فكنت
فيها، فأتيت رسول اللّه وَ ﴿ فقلتُ: هلك أبو ذرٍّ، قال: ((مَا حَالُكَ؟)) قلتُ: أتعرض
للجنابة وليس قُربي ماء. قال: ((الصَّعِيدُ طَهُورٌ ... )) إلخ.
(فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ) أي: كافيًّا لغسله، أو وضوئه. (فَلْيُمِسَّهُ) بضم الياء وكسر
الميم من الإمساس. (بَشَرَتَهُ) بفتحتين، ظاهر الجلد، أي: فليوصل الماء إلى
بشرته وجلده، يعني فليتوضأ، أو يغتسل. (فَإِنَّ ذَلِك) أي: الإمساس. (خَيْرٌ) أي:
من الخيور، وليس معناه أن كليهما جائز عند وجود الماء، لكن الوضوء أو الغسل
خير، بل المراد أن الوضوء أو الغسل فرض عند وجود الماء، والخيرية لا ينافي
الفرضية، ونظيره قوله تعالى: ﴿أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا
[الفرقان: ٢٤] ووقع في رواية لأحمد (ج٥: ص١٤٦): ((فَإِذَا وَجَدتَ الْمَاءَ
٢٤
فَأَمِسَّهُ بَشْرَتَك)). وفي رواية لأبي داود: ((فَأَمِسَّهُ جِلْدََكَ)). وهذا أمر وهو للوجوب.
واستدل بقوله: ((فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشْرَتَهُ)). على وجوب الإعادة على من
وجد الماء قبل الفراغ من الصلاة. قال الشوكاني: وهو استدلال صحيح؛ لأن هذا
الحديث مطلق فيمن وجده بعد الوقت، ومن وجده قبل خروجه، وحال الصلاة،
وبعدها. وحديث أبي سعيد الآتي مقيد بمن وجد الماء في الوقت بعد الفراغ من
الصلاة، فتخرج هذه الصورة بحديث أبي سعيد وتبقى صورة وجود الماء قبل
الدخول في الصلاة بعد فعل التيمم، وبعد الدخول في الصلاة قبل الفراغ منها،
داخلتين تحت إطلاق الحديث.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٥ : ص١٨، ١٤٦، ١٥٥). (والتِّرْمِذِيُّ) وقال: هذا حديث
حسن صحيح. (وَأَبُو دَاوُدَ) وسكت عنه، ونقل المنذري تصحيح الترمذي، وأقره،
وأخرجه أيضًا الحاكم (ج١: ص١٨٦، ١٨٧) والبيهقي (ج١: ص٢١٢، ٢٢٠)
والدار قطني (ص٦٨) وابن حبان في ((صحيحه))، والأثرم، وصححه أيضًا أبو حاتم
والحاكم ووافقه الذهبي على تصحيحه في ((تلخيصه)). وفي الباب عن أبي هريرة،

٥١٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أخرجه البزار، وصححه ابن القطان، لكن قال الدارقطني في ((العلل)): إرساله
أصح. وعن عمران بن حصين، وهو الحديث الثاني من الفصل الأول.
٥٣٣- [٦] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ، فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ،
فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ، فَاحْتَلَمَ فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ: هَلْ تَجِدُّونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَّمُّم؟
فَقَالُوا: مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ، فَاغْتَسَلَ، فَمَاتَ، فَلَمَّا
قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ ◌َِّ أُخْبِرَ بِذَلِكَ. قَالَ: ((قَتَلُوهُ، قَتَلَهُمُ اللَّهُ، أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ
يَعْلَمُوا، فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ، إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيُعْصِّبُ عَلَى
جُرْحِهِ خِرْقَةً، ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا، وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {حسن لغيره}
الشّرْحُ
٥٣٣- قوله: (خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ) قيل: ((فِي)) تعليلية أي: خرجنا لإرادة سفر،
وقيل: الجار والمجرور في محل نصب على أنه حال، أي: خرجنا مسافرين.
(فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ) الشج كسر الرأس خاصة وجرحه، وقد يستعمل في غيره، وضمير
المفعول للرجل، وذكر الرأس لزيادة التأكيد، فإن الشج هو كسر الرأس، ففيه
تجريد، والمعنى: فجرحه في رأسه. (وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ) الجملة حال، حملوا
الوجدان على حقيقته، ولم يعلموا أن الوجدان عند الضرورة في حكم الفقدان.
(أُخْبِرَ) بالبناء للمجهول. (قَتَلُوهُ) أسند القتل إليهم لأنهم تسببوا له بتكليفهم له
باستعمال الماء مع وجود الجرح في رأسه؛ ليكون أدل على الإنكار عليهم. (قَتَلَّهُمُ
اللَّهُ) أي: لعنهم، إنما قاله زجرًا وتهديدًا. وفيه أن صاحب الخطأ الواضح غير
معذور، لأنه عابهم بالفتوى بغير علم، وألحق بهم الوعيد بأن دعا عليهم، وجعلهم
في الإثم قتلة له. (أَلَا سَأَلُوا) بفتح الهمزة وتشديد اللام حرف تحضيض دخل على
الماضي فأفاد التنديم. (فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيّ) بكسر العين وتشديد الياء هو التحير في
الكلام، وعدم الضبط، كذا في ((الصحاح)). وفي ((النهاية)) و((لسان العرب)): العِي
(٥٣٣) أَبُو دَاوُد (٣٣٦) مِنْ رِوَايَةِ عَطَاءٍ عَنْ جَابٍِ .

كِتّابُ الطهَارَةِ
13
بَابُ التََّمُم
٥١٥
بكسر العين: الجهل، والمعنى: أن الجهل داء شفاؤه السؤال والتعلم.
(إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ) أي: الرجل المحتلم. (أَنْ يَتَيَمَّمَ) أولًا. (وَيَعْصِبُ) بتشديد
الصاد المكسورة، أي: يشد. (عَلَى جُرْحِهِ) بضم الجيم. (خِرْقَةً) بكسر الخاء،
أي: حتى لا يصل الماء إلى الجرح. (ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا) أي: على الخرقة بالماء.
والحديث دليل على جواز العدول إلى التيمم لخشية الضرر وعلى وجوب المسح
على الجبائر، ومثله حديث علي رَوَّهُ قال: أمرني رسول اللّه وَسليل أن أمسح على
الجبائر. أخرجه ابن ماجه، وهو ضعيف اتفق الحفاظ على ضعفه، وصح عن ابن
عمر: أنه مسح على الجبيرة، ويؤيد وجوب المسح أيضًا ما قيل من أنه عضو تعذر
غسله بالماء، فمسح ما فوقه كشعر الرأس، وقياسًا على مسح أعلى الخفين، وعلى
العمامة، وهذا القياس يقوي النص.
ثم في حديث جابر هذا دليل على أنه يجمع بين التيمم والمسح على الجبيرة، ٦
وغسل سائر الجسد بالماء، وهو مشكل حيث جمع بين التيمم والغسل، ولم ير
أحد الأمرين كافيًا دون الآخر.
وفيه: مخالفة القياس، وهو الجمع بين البدل والمبدل منه. فقيل: الحديث
ضعيف لأن في سنده زبير بن خريق، وهو لين الحديث، وقد تَفَرَّدَ برواية الجمع
بين التيمم والغسل، وهو مع كونه غير قوي في الحديث، قد خالف الأوزاعي كما
سيأتي، فرواية الجمع بين التيمم والغسل ضعيفة لا تثبت بمثلها حكم شرعي،
وقيل: الواو في قوله: ((ويعصب)). بمعنى أو.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) من طريق زبير بن خريق، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر
وسکت عنه، وصححه ابن السکن. وقال ابن أبي داود: تفرد به الزبير بن خریق.
وكذا قال الدار قطني (ص٧٠) قال: وليس بالقوي، وخالفه الأوزاعي، فرواه عن
عطاء عن ابن عباس، وهو الصواب. ونقل ابن السكن عن ابن أبي داود أن حديث
الزبير بن خريق أصح من حديث الأوزاعي.
قال: وهذا أمثل ما ورد في المسح على الجبيرة. وقال البيهقي في ((المعرفة)):
هذا الحديث - يعني : حديث زبير بن خريق، عن عطاء عن جابر - أصح ما روى
في هذا الباب مع اختلاف في إسناده قد بيناه في كتاب ((السنن))، انتهى.
قال الدارقطني: واختلف فيه - أي: في حديث الأوزاعي عن عطاء عن

٥١٦
HEN **
USE
**=
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ابن عباس - على الأوزاعي، فقيل: عنه عن عطاء. وقيل: بلغني عن عطاء،
وأرسل الأوزاعي آخره، فقال: عن عطاء، عن النبي ◌َّ. وهو الصواب.
قلتُ: هي رواية ابن ماجه، والدارمي. واختلف في أن الأوزاعي سمع هذا
الحديث عن عطاء، فقال أبو حاتم وأبو زرعة: لم يسمعه الأوزاعي من عطاء إنما
سمعه من إسماعيل بن مسلم عن عطاء، بين ذلك ابن أبي العشرين في روايته عن
الأوزاعي، ورواه الحاكم في ((المستدرك)) (ج١: ص١٢٨) من حديث بشر بن
بكر، عن الأوزاعي: حدثنا عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس به. قال الحاكم:
وقد رواه الهقل بن زياد، وهو من أثبت أصحاب الأوزاعي، ولم يذكر سماع
الأوزاعي من عطاء، انتهى.
ونقل العلامة أبو الطيب في ((تعليق المغني)) (ص ٧٠) عن الحاكم أنه قال بعد
رواية الحديث من طريق بشر بن بكر بتصريح سماع الأوزاعي من عطاء ما لفظه:
بشر بن بكر ثقة مأمون، وقد أقام إسناده، وهو صحيح على شرطهما، انتهى.
قلتُ: ويمكن الجمع بين الروايتين بأن يكون الأوزاعي سمعه من عطاء بلا واسطة،
ثم سمعه من إسماعيل بن مسلم عن عطاء أو بالعكس، والله أعلم.
وحديث جابر أخرجه أيضًا الدار قطني والبيهقي.
٥٣٤ - [٧] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
{حسن}
الشَّرْحُ
٥٣٤ - قوله: (ورَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) من طريق الأوزاعي. (عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاح
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) وكذا أبو داود أخرجه من طريق الأوزاعي لكن بلاغًا، عن عطاء عنَّ
ابن عباس عقيب رواية عطاء عن جابر، ولعل وجه التخصيص بتخريج ابن ماجه أن
رواية أبي داود عن ابن عباس مختصرة ليس فيها ما أرسله الأوزاعي بآخره، وهو
قوله: قال عطاء: وبلغنا أن رسول اللّه وَ لَه قال: (لَوْ غَسَلَ جَسَدَهُ وَتَرَكَ رَأْسَهُ حَيْثُ
(٥٣٤) ابن مَاجَهْ (٥٧٢) مِنْ رِوَايَةِ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ.

٥١٧
كِتّابُ الطَّهَارَةِ
Ex*
بَابُ التََّمُم
أَصَابَهُ الْجُرْحُ)). وحديث ابن عباس أخرجه أيضًا أحمد والدار قطني، والحاكم
والبيهقي، لكن لم يقع في رواية عطاء هذه عن ابن عباس ذكر للتيمم فيه، فثبت أن
الزبير بن خريق تفرد بسياقه، نبه على ذلك ابن القطان .
قال الحافظُ: لكن روى ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم (ج١: ص ١٦٥) من
حديث الوليد بن عبيد الله بن أبي رباح، عن عمِّه عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس :
أن رجلًا أجنب في شتاء، فسأل، فأمر بالغسل، فِمات، فذكر ذلك للنبي وَّل،
فقال: ((مَا لَهُمْ قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللهُ)) ثلاثًا، ((قَدْ جَعَلَ اللَّهُ الصَّعِيدَ أَوِ التَّيَّهُمَ طَهُورًا)).
قال الحاكم: هذا حديث صحيح، ووافقه الذهبي. وقال الحافظُ: والوليد بن
عبيد اللَّه ضعَّفه الدار قطني، وقواه من صحح حديثه هذا، وله شاهد ضعيف جدًّا
من رواية عطية عن أبي سعيد الخدري، رواه الدار قطني ولم يقع في رواية ابن أخي
عطاء أيضًا ذكر المسح على الجبيرة، فهو من إفراد الزبير بن خريق، انتهى.
وعطاء بن أبي رباح - بفتح الراء والموحدة - واسم أبي رباح أسلم، القرشي
مولاهم، أبو محمد المكي، ثقة، فقيه، فاضل، لكنه كثير الإرسال. قال ابن
سعد: كان من مولدي الجند، ونشأ بمكة، وهو مولى لبنى فهر أو الجمح،
وانتهت إليه فتوى أهل مكة وإلى مجاهد في زمانهما، وأكثر ذلك إلى عطاء،
سمعتُ بعض أهل العلم يقولُ: كان عطاء أسود، أعور، أفطس، أشل، أعرج، ثم
عمي بعد، وكان ثقة فقيهًا، عالمًا، كثير الحديث. وذكر أبو داود العيوب
المذكورة، وزاد: وقطعت يده مع ابن الزبير، وروي عن ابن عباس أنه قال:
تجتمعون إليَّ يا أهل مكة، وعندكم عطاء! وكذا روي عن ابن عمر. وقال أبو
حنيفة: ما رأيت فيمن لقيت أفضل من عطاء. وقال الأوزاعي: مات عطاء يوم مات
وهو أرضى أهل الأرض عند الناس، مات سنة (١١٥) وقيل (١١٤) وله ثمان
وثمانون سنة، وفضائله كثيرة، بسط ترجمته الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) (ج ٧:
ص١٩٩ - ٢٠٣) وقال الذهبي في ((التذكرة)) (ج١: ص٨٦): مناقب عطاء في العلم
والزهد والتأله كثيرة. مات على الأصحِّ في رمضان سنة (١١٤) وقيل: (١١٥)
بمكة .