النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٧٨
seetel
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
كانت النجاسة رطبة، وهو الذي فهمه الترمذي، وحمل عليه الحديث. وقد نقل
ذلك عن غير واحد من أهل العلم.
قلتُ: معنى حديث ابن مسعود هذا قريب من معنى حديث المرأة الأشهلية
وحديث أم سلمة، فالظاهر أن يترك حديث ابن مسعود على إطلاقه، ولا يخصص
بالنجاسة اليابسة لعدم وجود دليل على هذا التخصيص، فالقدم التي أصابتها
النجاسة الرطبة كالخف والنعل والذيل تطهر إذا مرت على الأرض اليابسة
الطاهرة، وزالت النجاسة المتعلقة بالقدم بالتناثر والدلك والمسح، والله أعلم.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) فيه نظر ظاهر؛ لأنه لم يروه الترمذي في ((جامعِهِ))، بل ذكره
بقوله: وفي الباب عن عبد الله بن مسعود قال: كنا نصلى ... إلخ. والحديث إنما
أخرجه أبو داود، وسكت عنه هو والمنذري، وأخرجه ابنُ ماجه في الصلاة،
والحاكم وصححه، والطبراني في ((الكبير)). قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد))
(ج١: ص ٢٨٥): رجاله ثقات، واللفظ الذي ذكره الترمذي موافق لرواية الحاكم
(ج١: ص١٣٩) والطبراني، ولفظ أبي داود: قال عبد الله: كنا لا نتوضأ من
موطئ ولا نكف شعرًا ولا ثوبًا. ولفظ ابن ماجه: قال عبد الله: أمرنا أن لا نكف
شعرًا ولا ثوبًا ولا نتوضأ من موطئ. وكان على المصنف أن يعزو الحديث إلى
الثلاثة أو إلى أبي داود على الأقل.
٥١٦ - [٢٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَتِ الْكِلَابُ تُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي
الْمَسْجِدِ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ وَسِّه، فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ] (صحيح)
الشَّرْحُ
٥١٦- قوله: (كَانَتِ الْكِلَابُ تُقْبِلُ وَتُدْبِرُ) من الإقبال والإدبار جملة في محل
النصب على الخبرية على أن ((كَانَتْ)) ناقصة، وعلى الحال على أنها تامة بمعنى
(٥١٦) البُخَارِي (١٧٤) وأَبُو دَاوُد (٣٨٢) عن ابن عمر فيها.

٤٧٩
بَابُ تَظْهِيرِ النَّجَاسَاتِ
HEHIMIE *
كِتّابُ الطَّهَارَةِ
13
وجدت. وفي رواية أبي داود والإسماعيلي وأبي نعيم والبيهقي: ((كانت الكلاب
تبول، وتقبل، وتدبر)). بزيادة (تَبُولُ)) قبل ((تُقْبِلُ وَتُدْبِرُ)) والظاهر أن هذه الزيادة
محفوظة. (فِي الْمَسْجِدِ) الألف واللام للعهدِ أي: في مسجد النبي. قال
الخطابي: كان إقبالها وإدبارها في أوقات نادرة، ولم يكن على المسجد أبواب
تمنع من عبورها فيه. قلتُ: ويمكن ذلك مع وجود الغلق والأبواب أيضًا كما في
زماننا. (فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ) في نفي الرش مبالغة ليست في نفي الغسل والصب؛
لأن الرش ليس جريان الماء بخلاف الغسل، فإنه يشترط فيه الجريان والسيلان،
فنفي الرش أبلغ من نفي الغسل والصب. (شَيْئًا) عام لأنه نكرة وقعت في سياق
النفي، وهو أيضًا يفيد المبالغة في عدم النضح بالماء أي: شيئًا من الماء. (مِنْ
ذَلِك) أي: من أجل البول والإقبال والإدبار.
والحديث فيه دليل على أن الأرض إذا أصابتها نجاسة فجفت بالشمس أو
الهواء، فذهب أثر النجاسة تطهر؛ إذ عدم الرش يدل على عدم الصب والغسل
بالأولى، فلولا أن الجفاف يفيد تطهير الأرض ما تركوا ذلك. والحديث مشكل
جدًّا على الشافعية، حيث لم يقولوا بكون الجفاف مطهرًا للأرض، فقال بعضهم:
لفظ: ((تَبُولُ)) ليس بمحفوظة في الحديث، يدل على كونه غير محفوظ في ترك
البخاري هذا اللفظ في روايته. قلتُ: روى هذا الحديث عبد الله بن أحمد عن أبيه
ثنا سكن بن نافع الباهلي أبو الحسين ثنا صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري عن
سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه قال: ((كنت أعزب، شابًا، أبيت في المسجد في
عهد رسول اللَّه وَله، وكانت الكلاب تقبل وتدبر في المسجد، فلم يكونوا يرشون
شيئًا من ذلك)). وهذا كما ترى ليس فيه لفظ: ((تَبُولُ)) والطريق غير طريق البخاري،
فالظاهر أن ترك لفظ: ((تَبُولُ)) والاقتصار على تقبل وتدبر من ابن عمر، أو من غيره
من الرواة، لا من البخاري، فكان ابن عمر أو غيره يذكر لفظة «تَبُولُ)) مرة ويتركها
أخرى، وكيف ما كان الأمر، فالظاهر أن هذه اللفظة محفوظة. وتأوله ابن المنذر
فقال: كانت الكلاب تبول خارج المسجد في مواطنها ثمٍ تقبل وتدبر في المسجد،
وكذا قال الخطابي. قلتُ: هذا خلاف الظاهر، لا يتكلّف له إلا المتعصب لرأي
إمامه، وهلا قال: كانت الكلاب تبول خارج المسجد وتستنجي هناك ثم تدخل
المسجد؟ ومن أكبر موانع هذا التأويل أن قوله: ((في المسجد)). ليس ظرفًا لقوله:

٤٨٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
((وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ)) وحده وإنما هو ظرف لقوله: ((تبول)) وما بعده كلها، وتقدَّم شيء من
الكلام فيه في شرح حديث صب الماء على بول الأعرابي فتذكر.
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) الحديث أورده البخاري في (صحيحه)) معلقًا بصيغة الجزم،
فقال: قال أحمد بن شبيب عن أبيه ... إلخ. قال أبو نعيم: رواه البخاري بلا
سماع. وقال العينيُّ: ذكره البخاري معلقًا، وأورده الحافظ فَّي المقدمة في سياق
تعاليقه المرفوعة، فقال: حديث أحمد بن شبيب عن أبيه وصله أبو نعيم والبيهقى،
وغيرهما، انتهى. وأخرجه أيضًا أحمد في ((مسنده)) (ج٢: ص ٧١).
٥١٧ - [٢٥] وَعَنِ الْبَراءِ بْنِ عَازبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وٍَّ: ((لَا
بَأْسَ بِبَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ)).
{ضعيف}
الشَّرْجُ
٥١٧- قوله: (لَا بَأْسَ بِبَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ) فيه دليل على أن بول ما يؤكل
لحمه طاهر، لكن الحديث ضعيف جدًّا لا يصلحُ للاستدلال، كما ستقف عليه،
والعجب من المصنف أنه أورد هذا الحديث الضعيف، ولم يذكر حديث العرنيين
وأحاديث الإذن بالصلاة في مرابض الغنم، وهي أحاديث صحيحة، وأصل
استدلال القائلين بطهارة بول ما يؤكل لحمه بهذه الأحاديث الصحيحة، ولذلك
ذكرها المحدثون في باب طهارة أبوال مأكولات اللحم، فحديثُ العرنيين،
وحديث الإذن بالصلاة في مرابض الغنم؛ يدلان على طهارة أبوال الإبل والغنم
نصًّا، ويقاسُ عليها غيرها مما يؤكل لحمه.
وأما حديثُ أبي هريرة مرفوعًا: ((اسْتَنْزِهُوا مِنَ الْبَوْلِ؛ فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ
مِنْهُ)). أخرجه ابن خزيمة وغيره، فمحمولُ على بول الإنسان لا بول سائر الحيوان.
وكذا حديث ابن عباس المتفق عليه قال: مَرَّ النبيَّ وَّ بقبرين، فقال: ((إِنَّهُما
يُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ .. ))، الحديث.
(٥١٧) أحمد، والدَّارَ قُطْني (١ / ١٢٨) عن البراء.

٤٨١
بَابٌ تَظْهِيرِ النَّجَاسَاتِ
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
المرادُ به بول الناس لا بول سائر الحيوان، لما في رواية للبخاري: (كَانَ لَا يَسْتَتِرُ
مِنْ بَوْلِهِ). قال البخاريُّ: ولم يذكر سوى بول الناس، انتهى. فلا يكون في حديث
ابن عباس هذا حجة لمن حمله على العموم في بولٍ جميع الحيوان. وارجع للبسط
والتفصيل إلى ((الفتح)) (ج١: ص١٦٨) و((النيل)) (ج١: ص٤٩) و((أبكار المنن))
(ص ٤٣ / ١٠٢ - ١٠٥).
٥١٨ - [٢٦] وَفِي رِوَايةِ جَابِرٍ قَالَ: ((مَا أُكِلَ لَحْمُهُ فَلاَ بَأْسَ بِبَوْلِهِ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ ] {ضعيف}
الشَّرْحُ
٥١٨- قوله: (وَفِي رِوَايةِ جَابٍ قَالَ: مَا أُكِلَ لَحْمُهُ فَلاَ بَأْسَ بِبَوْلِهِ. رَوَاهُ) لو قال:
رواهما لكان أقرب إلى الصواب، فإنهما حديثان، الأول عن البراء بن عازب،
والثاني عن جابر بن عبد الله مرفوعًا. (أَحْمَدُ) ما وجدت الحديث في ((مسنده)) لا
في مسند البراء ولا في مسند جابر، ولم أر أحدًا من أصحاب كتب التخريج
والأحكام والجوامع، وشروح الحديث كالحافظ، والزيلعي والسيوطي والهيثمي
وعلي المتقي، والشوكاني وغيرهم، أنه عزاه لأحمد. (والدار قطني) (ص ٤٧) في
سند حديث البراء سوار بن مصعب، وهو متروك الحديث عند جميع أهل النقل،
متفق على ترك الرواية عنه، وفي سند حديث جابر عمرو بن الحصين، عن يحيى بن
العلاء، وهما أيضًا متروكان ذاهبا الحديث. وقال: أحمد في يحيى بن العلاء:
كذاب، يَضَعُ الحديث. وقال الحافظ في التلخيص (ص١٦): إسناد كل من
الحديثين ضعيف جدًّا، انتهى. والحديث أخرجه أيضًا البيهقي وضعفه، وأخرجه
الخطيب في ((تاريخه)) عن علي بن أبي طالب بلفظ: لا بأس ببول الحمار، وكل ما
أكل لحمه. كذا في ((كنز العمال)) (ج٥: ص٨٨) وأورد حديث علي هذا ابن
الجوزي في ((الموضوعات))، وأقره السيوطي في ((اللآلئ المصنوعة))، ثم ابن عراق
في ((تنزيه الشريعة)) (ج٢: ص٦٦) والشوكاني في ((الفوائد المجموعة)) (ص٦).
(٥١٨) عِنْدَهُمَا، الدار قطني (١ / ١٢٨).

٤٨٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
*
٩ - بَابُ الْمَسْجِ عَلَى الْخُفْيْنِ
(بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ) أي: باب ذكر أدلة شرعية على ذلك، وما يتعلق به
من التوقيت في المسح، وبيان محله، وشرطه، والمسح إصابة اليد المبتلة
بالعضو، وإنما عدي بعلى إشارة إلى موضعه، وهو فوق الخف دون داخله وأسفله
على ما ورد مخالفًا للقياس. والخف: نعل من أدم يغطي الكعبين، والجورب لفافة
الرجل من أي شيء كان من الشعر، أو الصوف أو الكرباس، أو الجلد ثخينًا أو
رقيقًا إلى ما فوق الكعب يتخذ للبرد. والمسح على الخفين ثابت بالسنة كما
سترى. وقد صرح جمع من الحفاظ بأن المسح على الخفين متواتر، وجمع
بعضهم رواته فجاوزوا الثمانين، ومنهم العشرة. وقال الحسن البصري: حدثني
سبعون من الصحابة أن رسول اللَّه وَ ليل كان يمسح على الخفين. أخرجه ابن أبي
شيبة. وذكر أبو القاسم بن منده أسماء من رواه في تذكرته، فكانوا ثمانين صحابيًّا .
وذكر الترمذي والبيهقي في ((سننهما))، وابن عبد البر في ((الاستذكار)) منهم
جماعة. قال النووي: أجمعَ من يعتد به في الإجماع على جوازِ المسح على الخفين
في السفر والحضر سواء كان لحاجة أو لغيرها.

كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ
٤٨٣
الفصل الأول
٥١٩ - [١] عَنْ شُرَيْح بْنِ هَانِيٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَلَيَّ بْنِ أَبِي طَالبٍ عَنِ
الْمَسْحِ عَلَى الْخُقَّيْنِ، فَقَالَ: جَعَلَّ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَّالِيَهُنَّ
لِلْمُسَافِرِ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ.
[رَوَاهُ مُسْلِّمْ] {صحيح}
الشَّرْخُ
٥١٩- قوله: (عَنْ شُرَيْح) بالتصغير. (بْنُ هَانِئٍ) بالهمزة على وزن فاعل،
أدرك زمن النبي ◌َّ، وبه كنى النبي ◌َّ أباه هانئ بن يزيد، فقال: أنت أبو شريح.
وشريح من جملة أصحاب علي رضي الله عنه، كذا ذكره المصنف في أسماء رجاله
في عداد الصحابة، وقد تقدم أنه مخضرم تابعي، فكأن المصنف تبع ابن عبد البر
في ذكر المخضرمين مع الصحابة. (عَنِ الْمَسْحِ) أي: عن مدته. (ثَلَاثَةَ أَيَّام
وَلَيَالِيَهُنَّ) بفتح الياء. (لِلْمُسَافِرِ وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمَ) فيه دليل لما ذهب إليه جمهور
العلماء من توقيت المسح بثلاثة أيام للمسافر، ويوم وليلة للمقيم، وهو الحق
والصواب، لما ورد في التوقيت بذلك أحاديث عن أكثر من عشرة من الصحابة.
وإنما زاد في المدة للمسافر؛ لأنه أحق بالرخصة من المقيم لمشقة السفر واختلفوا
في ابتداء مدة المسح، فقال كثير من العلماء: إن ابتداء المدة من حين الحدث بعد
لبس الخف لا من حين اللبس ولا من حين المسح. ونُقل عن أحمد أنه قال: إن
ابتداءها من وقت اللبس.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد والنسائي وابن ماجه وابن حبان.
(٥١٩) مُسْلِم (٨٥/ ٢٧٦) عَنْ عَلِيٍّ رَو ◌ْتَهُ فِيهِ، وَفِيهِ قِصَّةٌ.

٤٨٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٥٢٠ - [٢] وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ.
غَزْوَةَ تَبُوَكَ، قَالَ الْمُغِيرَةُ: فَتَبَرَّزَ رَسُولُ اللّهِ وَلهَ قِبَلَ الْغَائِطِ، فَحَمَلْتُ مَعَهُ
إِداوَةً قَبْلَ الْفَجْرِ ، فَلَمَّا رَجَعَ أَخَذْتُ أُهْرِيقُ عَلَى يَدَيْهِ مِن الْإِداوَةِ، فَفَسَلَ يَدَيْه
وَوَجْهَهُ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ، ذَهَبَ يَحْسِرُ عَنْ ذِرَاعَيْهِ، فَضَاقَ كُمُّ الْجُبَّةِ،
فَأَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ، وَأَلْقَى الْجُبَّةَ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ
مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ، وَعَلَى الْعِمَامَةِ، ثُمَّ أَهْوَيْتُ لِأَنْزِعَ خُقَّيْهِ، فَقَالَ: ((دَعْهُمَا فَإِنِّي
أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنٍ)) فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا، ثُمَّ رَكِبَ وَرَكِبْتُ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَوْمِ،
وَقَدْ قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ وَيُصَلِّي بِهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَقَدْ رَكَعَ بِهِمْ
رَكْعَةً، فَلَمَّا أَحَسَّ بِالنَّبِّ ◌َِّ ذَهَبَ يَتَخَّرُ، فَأَوْمَأَ إِلَّيْهِ، فَأَدْرََكَ النَّبِيُّ ◌َّهِ إِحْدَى
الرَّكْعَتِينِ مَعَهُ، فَلَمَّا سَلَّمَ، قَامَ النَّبِيُّ نَّهِ، وَقُمْتُ مَعَهُ، فَرَكَعْنَا الرَّكْعَةَ الَّتِي
سَبَقَتْنَا.
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشَّرْخُ
٥٢٠ - قوله: (فَتَبَرَّزَ) أي: خرج إلى البراز، وهو الفضاء الواسع، فكنوا به عن
قضاء الحاجة. (قِبَلَ الْغَائِطِ) بكسر القاف وفتح الباء. أي: جانبه لقضاء الحاجة.
والغائط هو المكان المطمئن في الفضاء أو المكان المنخفض من الأرض.
(فَحَمَلْتُ مَعَهُ) أي: ذاهبا معه. (إِداوَةٌ) بكسر الهمزة، أي: إناء من ماء أخذ المغيرة
من أعرابية صَبَّتْهُ له من قربة جلد ميتة دبغته، وأخذ الماء ليتوضأ به لا ليستنجي.
(قَبْلَ الْفَجْرِ) أي: قبل صلاة الصبح وبعد طلوع الفجر. (فَلَّمَّا رَجَعَ) من قضاء
الحاجة. (أَخَذْتُ) أي: شرعت. (أَهْرِيقُ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الْإِدَاوَةِ) أي: أصب الماء.
وفيه دلالة على جواز الاستعانة في الطهارة بصب الماء. (فَغَسَلَ يَدَيْهِ) أي: كفيه.
(وَوَجْهَهُ) لا دلالة فيه على عدم وجوب المضمضة والاستنشاق في الوضوء، كما
زعم ابن حجر لاحتمال عدم ذكره لهما إما اختصارًا أو نسيانًا، أو لكونهما داخلين
(٥٢٠) أَخْرَجَهُ مُسْلِم (١٠٥/ ٢٧٤) (٧٩/ ٢٧٤) (٢٧٤/٨١) بِطُولِهِ فِيهِ. وَفِي الْبُخَارِي (١٨٢) أَصْلُهُ
بِدُونِ ذَكْرِ المَسْحِ عَلَى النَّاصية وَالعِمَامَةُ، وصَّلَاةُ عبد الرحمن.

٤٨٥
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْحُفَّيْنِ
في حد الوجه من وجه على ما حققه في محله، ومع تحقق الاحتمال لا يصح
الاستدلال، قاله القاري.
قلتُ: قد وقع ذكر المضمضة والاستنشاق عند البخاري في الجهاد ففيه: أنه
تمضمض واستنشق وغسل وجهه. (وَعَلَيْهِ) أي: على بدنه، والواو للحال (جبَّةٌ)
أي: شامية من جباب الروم. (ذَهَبَ) أي: شرع وأخذ، وهو استئناف. (يَحْسِرُ) من
باب ضرب أي: يكشف كميه. (عَنْ ذِرَاعَيْهِ) أي: ليغسلهما. (فَضَاقَ كُمُّ الْجُبَّةِ)
بحيث لم يقدر على أن يخرج يديه إلى المرفقين عن كمي الجبة من غاية ضيقهما .
(وَأَلْقَى الْجُبَّةَ) أي: ذيلها. (وَعَلَى الْعِمَامَةِ) تحصيلًا وتكميلًا للاستيعاب الواجب.
(ثُمَّ أَهْوَيْتُ) أي: مددت يدي. وقيل: قصدت الهوى من القيام إلى القعود.
وقيل: الإهواء إمالة اليد إلى شيء ليأخذه، أي: انحنيت. (لِأَنْزِعَ خُقَّيْهِ) كأنه لم
يكن قد علم برخصة المسح، أو علمها وظن أنه بَلهل سيفعل الأفضل بناء على أن
الغسل أفضل، أوجوز أنه لم يحصل شرط المسح وهذا الأخير أقرب لقوله:
(دَعْهُمَا) أي: اتركهُما ولا تنزعْهُما عن رجلي. (فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا) أي: القدمين.
(طَاهِرَتَيْنٍ) أي: لبستهما حال كون قدمي طاهرتين.
وفيه: دليل على أن الشرط لمسح الخفين طهارة القدمين وقت اللبس. ويلزم
منه اشتراط تمام الوضوء عند من يقول بوجوب الترتيب في الوضوء، ولا يلزم عند
غيره كما لا يخفى. والراجح هو القول الأول؛ لقوله: وَله. (إِذَا تَطَهَّرَ وَلَبِسَ
خُفَيْهِ). في حديث أبي بكرة الآتي في الفصل الثاني، ولحديث صفوان بن عسال
عند أحمد وغيره: قال: ((أمرنا النبي ◌ّ أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناهما
على طهر ... )) الحديث. ولحديث أنس مرفوعًا: ((إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلَبِسَ خُقَّيْهِ
فَلْيَمْسَحْ عَلَيْهِمَا ... )) الحديث. أخرجه الدار قطني والحاكم وصححه. قال الأمير
اليماني: تقييد اللبس والمسح ببعد الوضوء دليل على أنه أريد بالطهارة في حديث
المغيرة وما في معناه الطهارة المحققة من الحدث الأصغر.
(فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا) فيه رد على من زعم أن المسح على الخفين منسوخ بآية
المائدة، لأنها نزلت في غزوة المريسيع، وهذه القصة كانت في غزوة تبوك، وهي
بعدها باتفاق، إذ هي آخر المغازي. (فَانْتَهَيْنَا) أي: وصلنا. (وَقَدْ قَامُوا إِلَى

٤٨٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
الصَّلاَةِ) أي: صلاة الصبح، جملة حالية. (وَيُصَلَّ بِهِمْ) أي: والحال أنه يصلي
إمامًا لهم. وفي مسلم: وقد قاموا في الصلاة يصلي بهم.
(عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ) بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة القرشي
الزهري أبو محمد المدني، أحد العشرة، ولد بعد الفيل بعشر سنين، وأسلم قديمًا
على يد أبي بكر الصديق، وهاجر إلى الحبشة الهجرتين، وأحد الستة، شهد بدرًا
والمشاهد كلها، وكان اسمه عبد الكعبة، ويقال: عبد عمرو، فغيره النبي وَل ـ
أصيب يوم أحد، وجرح عشرين جراحة أو أكثر فأصابه بعضها في رجله فعرج. قال
الزهرى: تصدق على عهد النبي وَّر بأربعة آلاف، ثم بأربعين ألف دينار، ثم حمل
على خمس مائة فرس، ثم على خمسمائة راحلة، وكان عامة ماله من التجارة.
وأوصى لنساء النبي وَّله بحديقة قُوِّمت بأربعمائة ألف، ومناقبه كثيرة شهيرة، له
خمسة وستون حديثًا، اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بخمسة. مات سنة
(٣٤). وقيل: (٣٣). وقيل: (٣١). قال بعضهم: وله (٧٥) سنة، ودفن بالبقيع.
(فَلَمَّا أَحَسَّ بِالنَّبِيِّ) أي: علم بمجيئة. (ذَهَبَ يَتَأَخَّرُ) من موضعه، ليتقدم
النبي ◌َّ. (فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ) أي: أشار إليه أن يكون على حاله. (فَأَدْرََكَ النَّبِيُّ ◌َّهِ إِحْدَى
الرَّكْعَتَيْنِ مَعَهُ) أي: اقتدى به في الركعة الثانية. وفيه جواز اقتداء الفاضل
بالمفضول، وأن الأفضل تقديم الصلاة في أول الوقت، فإنهم فعلوها أول الوقت،
ولم ينتظروا النبي وَّر، وأن الإمام الراتب إذا أخر عن أول الوقت استحب للجماعة
أن يقدموا أحدهم فيصلي بهم.
(فَلَمَّا سَلَّمَ) أي: عبد الرحمن. (قَامَ النَّبِيُّ) أي: لأداء ما سبق. فيه: أن من سبقه
الإِمام ببعض الصلاة أتى بما أدرك، فإذا سلم أتى بما بقي عليه، ولا يسقط ذلك
عنه. وفيه: اتباع المسبوق للامام في فعله في ر کوعه، وسجوده، وجلوسه، وإن لم
يكن ذلك موضع فعله للإمام، وإنما المسبوق إنما يفارق الإمام بعد سلام الإمام.
(فَرَكَعْنَا) أي: صلى كل منا منفردًا، ويحتمل على بعد أن يكون المعنى: صلَّيْتُ
معه مقتديًا به في الركعة التي فاتتنا، فيكون دليلًا على جواز إمامة المسبوق، ولا
يخفى ما في هذا الاستدلال من الضعف والوهن؛ لأن ضمير الجمع يكفي له
الاشتراك في أصل القضاء، ولا يقتضي ذلك التبعية بحيث أن يكون أحدهما إمامًا

13
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ الْمَسْجِ عَلَى الْخُفَّيْنِ
٤٨٧
للآخر في قضاء ما فاتتهما من الركعة، ولو سلم فهي واقعة حال تحتمل
الخصوصية وغير ذلك.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) للحديث طرق وألفاظ عند مسلم ليس السياق المذكور من أوله إلى
آخره، أي: بتمامه في طريق منها، بل هو مأخوذ مركب من عدة طرق عنده كما لا
يخفى على من تأمل في طرقه وألفاظه. وأصل الحديث متفق عليه بين الشيخين وله
ألفاظ في الصحيحين، وأبي داود، والنسائي وابن ماجه، أخرجوه مطولًا
ومختصرًا، أورده مسلم في الطهارة والصلاة والبخاري فيهما، وفي الجهاد،
والمغازي، واللباس، وليس في روايته ذكر المسح على الناصية والعمامة، وصلاة
عبد الرحمن بن عوف بالناس.

٤٨٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثاني
٥٢١- [٣] عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ وَ أَنَّهُ رَخَّصَ لِلْمُسَافِرِ ثَلاَثَةَ أَيَّامِ
وَلَيَالِيَهُنَّ، وَلِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً، إِذَا تَطَّهَّرَ فَلَبِسَ خُفَّيْهِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا.
[رَوَاهُ الْأَثْرَمُ فِي سُنَنِهِ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَالَ الْخِطَّائِيُّ: هُو صَحِيحُ الْإِسْنَادِ هَكَذَا في
(الْمنْتَقَى))] {حسن}
الشَّرْحُ
٥٢١- قوله: (عَنْ أَبِي بَكْرَةَ) بسكون الكاف وبالتاء، هو نفيع - بضم النون
وفتح الفاء وسكون الياء - بن الحارث بن كلدة - بفتحتين - بن عمرو الثقفي.
وقيل: اسمه مسروح، بمهملات. قيل: تدلَّى من حصنِ الطائف إلى النبي وَل
بكرة وأسلم، فكنَّه النبيُّ وَالّر بأبي بكرة وأعتقه، فهو من مواليه، كان من خيار
الصحابة، ونزل البصرة، وكان ممن اعتزلَ يوم الجمل وصفين، ولم يقاتل مع
واحد من الفريقين، له مائة واثنان وثلاثون حديثًا، اتفقا على ثمانية، وانفرد
البخاري بخمسة، ومسلم بآخر، روى عنه أولاده عبد الرحمن وعبيد الله ومسلم
وغیرهم، مات سنة (٥١) أو (٥٢).
(رَخَّصَ لِلْمُسَافِرِ) أي: في المسح على الخفين. (إِذَا تَطَهَّرَ) أي: كل من
المسافر والمقيم إذا تطهر من الحدث الأصغر. (فَلَبِسَ خُفَّيْهِ) أي: لبس خفيه بعد
تمام الطهارة، قاله ابن الملك. قال القاري: ولا يشترط التعقيب، فالفاء لمجرد
البعدية. وقال الأمير اليماني: ليس المراد من الفاء التعقيب بل مجرد العطف لأنه
معلوم أنه ليس شرطًا في المسح. وفي رواية ابن ماجه: ((إِذَا تَوَضَّأَ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ)).
قال السنديُّ: ظاهرُهُ أنه يلبس خفيه بعد الوضوء.
(أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا) هذا الحديث مثل حديث علي رََِّهُ في إفادة مقدار المدة
(٥٢١) التِّرْمِذِيُّ فِيهِ، ابْنُ خُزَيْمَةَ (١٩٢)، الدَّارَقُطْني (١ / ٢٠٤) عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، وَصَحَّحَهُ أَيْضًا
الخَطَّابِيُّ.

٤٨٩
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ
للمسافر والمقيم، ومثل حديث أنس وصفوان في شرطية الطهارة أي: الوضوء
وقت اللبس، وفيه: إبانة أن المسح رخصة لتسمية الصحابي له بذلك.
(رَوَاهُ الأَثْرَمُ) بفتح الهمزة وسكون المثلثة وفتح الراء، هو أبو بكر أحمد بن
محمد بن هانئ الإسكافي الطائي، ويقال: الكلبي، صاحب الإمام أحمد بن
حنبل، سمع عفان بن مسلم، وأبا الوليد الطيالسي والقعنبي وأبا نعيم ومسددًا
وطبقتهم، وصنف التصانيف، حدَّث عنه النسائي في ((السنن))، وموسى بن
هارون، وابن صاعد، وآخرون، وله كتاب في علل الحديث ومسائل أحمد بن
حنبل، وكان من أفراد الحفاظ. قال أبو بكر الخلال: كان جليل القدر، حافظًا.
وقال الخطيب في (تاريخه)) (ج٥: ص١١٠): كان الأثرمُ ممن يُعَدُّ في الحفاظ
والأذكياء. وقال الذهبي في ((التذكرة)): كان له تيقظ عجيب. قال ابن معين: كان
أحد أبويه جِنِّيًّا. وقال إبراهيم الأصبهاني: الأثرم أحفظ من أبي زرعة الرازي
وأتقن. قال الذهبي: أظنُّه مات بعد الستين ومائتين. وله كتاب نفيس في السنن يدل
على إمامته وسعة حفظه. وقال الخطيب: كان الأثرم من أهل إسكاف بني جنيد،
وبه مات. (وَابْنُ خُزَيْمَةَ) بضم الخاء المعجمة فزاي بعدها تحتية مثناة فتاء تأنيث،
هو الحافظ الكبير، إمام الأئمة، شيخ الإسلام أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة
السلمي النيسابوري، ولد سنة (٢٢٣) وعني بهذا الشأن في الحداثة، انتهت إليه
الإمامة والحفظ في عصره بخراسان، حدث عنه الشيخان خارج ((صحيحهما)). قال
الذهبي: كان هذا الإمام فريد عصره. قال أبو حاتم محمد بن حبان التميمي: ما
رأيتُ على وجه الأرض من يحسن صناعة السنن، ويحفظ ألفاظها الصحاح
وزياداتها حتى كأن السنن بين عينيه إلا محمد بن إسحاق بن خزيمة فقط. وقال
الدارقطني: كان ابن خزيمة إمامًا ثبتًا معدوم النظير، وفضائله كثيرة، استوعب
الحاكم سيرته وأحواله، وقد ذكر شيئًا منها الذهبي في ((التذكرة)) (ج٢: ص ٢٨٧ -
٢٩٦) توفي سنة (٣١١) وهو في تسع وثمانين سنة. (وَالدَّارَ قُطْنِيُّ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ)
بفتح الخاء المعجمة وتشديد الطاء المهملة نسبة إلى الخطاب، وهو أبو سليمان
أحمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البستي، صاحب ((معالم السنن)) في شرح
أبي داود، و((إعلام السنن)) في شرح صحيح البخاري، توفي سنة (٣٨٨). (هُو
صَحِيحُ الْإِسْنَادِ هَكَذَا فِي الْمَنْتَقَى) من الأخبار في الأحكام، کتاب مشهور شرحه

٤٩٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الشوكاني، وسمى شرحه ((نيل الأوطار)). وهو لمجد الدين أبي البركات
عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم المعروف بابن تيمية الحنبلي المتوفى سنة
(٦٥٢) وهو جد شيخ ابن القيم تقي الدين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن
عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن تيمية الحراني المتوفى سنة (٧٢٨)
وارجع لترجمتهما، وكشف أحوال ((المنتقى)) إلى ((إتحاف النبلاء)) وأوائل ((نيل
الأوطار)) و((مقدمة تحفة الأحوذي))، والحديث أخرجه أيضًا الشافعي وابن أبي
شيبة وابن حبان وابن الجارود والبيهقي، والترمذي في العلل المفرد، وصححه
أيضًا الشافعي وابن خزيمة.
٥٢٢ - [٤] وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَأْمُرُنَا إِذَا
كُنَّا سَفْرًا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ، وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ] {صحيح}
وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ.
الشّرْحُ
٥٢٢- قوله: (وَعَنْ صَفْوَانَ) بفتح الصاد وسكون الفاء. (بْنِ عَسَّالٍ) بفتح
العين. (يَأْمُرُنَا) ظاهره وجوب المسح، ولكن الإجماع صرفه عن ظاهره، فبقي
للإباحة والندب. وقد اختلف العلماء هل الأفضل المسح على الخفين أو نزعهما
وغسل القدمين؟ فذهب جماعات من الصحابة، والعلماء بعدهم إلى أن الغسل
أفضل لكونه الأصل. قال النووي: صرح أصحابنا بأن الغسل أفضل بشرط أن لا
يترك المسح رغبة عن السنة، كما قالوا في تفضيل القصر على الإتمام.
قلتُ: ويؤيدهم قول أبي بكرة في الحديث السابق: رخص. وذهب جماعة من
التابعين إلى أن المسح أفضل لحديث صفوان هذا، ولأجل من طعن فيه من أهل
البدع من الخوارج والروافض، وإحياء ما طعن المخالفون فيه أفضل من تركه.
(إِذَا كُنَّا سَفْرًا) بسكون الفاء جمع سافر، كصحب جمع صاحب أي مسافرين. (أَنْ
(٥٢٢) التِّرْمِذِي (٩٦)، وَالنَّسَائِي (١/ ٨٤)، وابن مَاجَهْ (٤٧٨) عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ فِيهِ.

13
كِتّابُ الطَّهَارَةِ
He *E
بَابُ الْمَسْجِ عَلَى الْحُفَّيْنِ
٤٩١
لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا) يعني: يأمرنا أن نمسح عليهما، والخفاف بكسر الخاء جمع الخف.
(إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ) أي: فننزعهما ولو قبل مرور الثلاث، وهو استثناء مفرغ تقديره: أن
لا ننزع خفافنا من حدث من الأحداث إلا من جنابة، فإنه لا يجوز للمغتسل أن
يمسح على الخف، بل يجب عليه النزع، وغسل الرجلين كسائر الأعضاء. (وَلَكِنْ)
عطف على مقدر يدل عليه ((إِلَّ مِنْ جَنَابَةٍ)) وقوله: (مِنْ غَائِطٍ) متعلق بمحذوف
تقديره أمرنا أن ننزع خفافنا من جنابة، ولكن لا ننزعهن من غائط. (وَبَوْلٍ وَنَوْم)
أي: لأجل هذه الأحداث إلا إذا مرت المدة المقدرة. وقال الخطابي في ((معالَّم
السنن)) (ج١: ص٦٢): كلمة لكن موضوعة للاستدراك، وذلك لأنه تقدمه نفي
واستثناء، وهو قوله: ((كان يأمرنا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام وليالهن إلا من
جنابة)). ثم قال: لكن من بول وغائط ونوم. فاستدركه بـ(لَكِنْ)) ليعلم أن الرخصة
إنما جاءت في هذا النوع من الأحداث دون الجنابة، فإن المسافر الماسح على خفه
إذا أجنب كان عليه نزع الخف وغسل الرجل مع سائر البدن، وهذا كما تقول: ما
جاءني زيد لكن عمرو، وما رأيت زيدًا لكن خالدًا انتهي. والحديث فيه دليل على
اختصاص المسح على الخفين بالوضوء دون الغسل، وهو مجمع عليه .
(رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ) وأخرجه أيضًا الشافعي وأحمد وابن ماجه وابن خزيمة
وابن حبان والدار قطني والبيهقي، والخطابي في ((معالم السنن)). قال الترمذي عن
البخاري: إنه حديث حسن، بل قال البخاري: ليس في التوقيت شيء أصح من
حديث صفوان بن عسال المرادي. ذكره في ((سبل السلام)) (ج١: ص٨٦)
وصححه الترمذي، وابن خزيمة والخطابي.

٤٩٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
مََّ فِي غَزْوَةِ
٥٢٣ - [٥] وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: وَضَّأْتُ النَّبِيَّ
تَبُوَكَ فَمَسَحَ أَعْلَى الْخُفَّيْنِ وَأَسْفَلَهُ.
[ْرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّْمِذِيُّ وابْنُ مَاجَهْ .. وقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ مَغْلُولٌ، وَسَأَلْتُ أَبَا زُرْعَة
وَتُحمَّدًا - يَغْنِي الْبُخَارِي - عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَا: لَّيْسَ بِصَحِيحٍ (*). وَكَذَا ضَعَّفهُ أَبُو دَاوُدَ.
{ضعيف}
الشَّرْحُ
٥٢٣- قوله: (وَضَّأْتُ النَّبِيَّ وَجِّهِ) أي: سكبت الوضوء على يديه. وقيل:
حصلت وضوءه. (فَمَسَحَ أَعْلَى الْخُفَّيْنِ وَأَسْفَلَهُ) فيه: بيان محل المسح على الخف
وأنه أعلاه وأسفله، لكن الحديث فيه كلام كما ستعرف، ولم أقف في المسح على
ظاهر الخف وباطنه على حديث مرفوع صحيح خال عن الكلام، وقد ثبت عن علي
والمغيرة مرفوعًا بإسناد جيد مسح الخفين على ظاهرهما فقط، كما سيأتي،
فالراجح أن محل المسح هو أعلى الخف دون أسفله.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وابْنُ مَاجَهْ) وأخرجه أيضًا أحمد وابن الجارود
والدار قطني والبيهقي كلهم من طريق الوليد بن مسلم عن ثور بن يزيد، عن رجاء
ابن حيوة عن كاتب المغيرة، عن المغيرة. وفي رواية ابن ماجه: عن وراد كاتب
المغيرة، عن المغيرة. (وقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ مَعْلُولٌ) هذا لحن على طريق
أهل اللغة؛ لأنه من عَلَّهُ بالشرابِ إذا سقاه مرة بعد أخرى. ويقالُ له: المعلل،
أيضًا، والأجود فيه أن يقال: معل بلام واحدة؛ لأنه مفعول أعل قياسًا، وأما معلل
فمفعول علل وهو لغة بمعنى ألهاه بالشيء وشغله. والحديث المعلل أو المعل: ما
اطلع فيه على علة غامضة خفية تقدح في صحته مع ظهور السلامة، يتنبه لها
الحذاق المهرة من أهل هذا الشأن، كإرسال في الموصول، ووقف في المرفوع،
(٥٢٣) أَبُو دَاوُد (١٦٥)، وَالتِّرْ مِذِي (٩٧)، وَالنَّسَائِي عَنْهُ فِيهِ، وَنَقَلَ أَبُو دَاوُد أَنَّ ثَوْرًا لَمْ يَسْمَعُهُ مِنْ
رَجَاءٍ .
(*) وَنَقَلَ التِّرْ مِذِي عَنِ البُخَارِي وَأَبِي زَرْعَةَ قَالَا: لَيْسَ بِصَحِيحٍ.

٤٩٣
بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ
كِتّابُ الطَّهَارَةِ
ونحو ذلك، وحديث المغيرة هذا قد بين الترمذي علته بقوله: لم يسنده أي: لم
يروه متصلًا عن ثور بن يزيد غير الوليد بن مسلم.
(وَسَأَلْتُ أَبَا زُرْعَة) هو عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ أبو زرعة
الرازي القرشي مولاهم، إمام حافظ ثقة مشهور، روى عن خلق كثير وعنه مسلم
والترمذي والنسائي وابن ماجه وأبو حاتم وآخرون. قال الخطيب: كان إمامًا ربانيًا
حافظًا مكثرًا. وقال الذهبي: سمع خلقًا كثيرًا بالحرمين، والعراق، والشام،
والجزيرة، وخراسان، ومصر. وكان من أفراد الدهر حفظًا وذكاءً ودينًا وإخلاصًا
وعلمًا وعملًا. وقال ابنُ حبَّان في ((الثقات)): كان أحد أئمة الدنيا في الحديث مع
الدين والورع، والمواظبة على الحفظ والمذاكرة، وترك الدنيا وما فيه الناس،
مات في آخر يوم من سنة (٢٦٤) وله أربع وستون سنة، وقد بسطَ ترجمته الذهبي
في ((التذكرة)) (ج٢: ص١٣٦ - ١٣٨) والحافظ في ((تهذيب التهذيب)) (ج ):
ص٣٠ - ٣٣) والشيخ في مقدمة ((شرح الترمذي)) (ص٢٢٩).
(وَمُحمَّدًا - يَعْنِي الْبُخَارِي - عَنْ هَذَا الْحَدِيث فَقَالَا: لَيْسَ بِصَحِيح) لأن ابن
المبارك روى هذا عن ثور عن رجاء، قال: حدثت عن كاتب المغيرة مرسلًا عن
النبي ◌ََّ، ولم يذكر فيه المغيرة. (وَكَذَا ضَعَّفهُ أَبُو دَاوُدَ) قال: بلغني أنه لم يسمع
ثور هذا الحديث من رجاء، وهذا خلاف ما علل به أبو زرعة والبخاري، أن رجاء
لم يسمعه من كاتب المغيرة. قلتُ: وضعفه أيضًا الشافعي وأحمد وأبو حاتم
وموسى بن هارون والدارقطني، وغيرهم.
واعلم: أنه أعلَّ هذا الحديث بخمس علل:
الأولى: تدليس الوليد بن مسلم، وهي مدفوعة بأن الوليد قال: حدثنا ثور،
كما في رواية ابن ماجه، وفي رواية الترمذي أخبرني ثور، فلا تدلیس.
والثانية: أن ثورًا لم يسمعه من رجاء، فإنه قال: حدثت عن رجاء، كما ذكره
الأثرم عن أحمد. وأجيب عنها بأن الدار قطني والبيهقي، روياه من طريق داود بن
رشید، وهو ثقة، ثنا الوليد بن مسلم عن ثور بن يزيد: ثنا رجاء بن حيوة. فقد صرح
ثور في هذه الرواية بالسماع من رجاء، فزالت العلة. قال الحافظُ: لكن رواه أحمد
ابن عبيد الصفار في ((مسنده)) عن أحمد بن يحيى، عن الحلواني، عن داود

٤٩٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ابن رشيد، فقال عن رجاء، ولم يقل: حدثنا رجاء، فهذا اختلاف على داود يمنع
القول بصحة وصلة مع ما تقدم في كلام الأئمة، انتهى.
الثالثة: الإرسال، فقد رواه ابن المبارك عن ثور مرسلًا لم يذكر المغيرة،
وأجيب عنها بأن الوليد بن مسلم ثقة، فإن خالفه ابن المبارك في هذه الرواية فإنما
زاد أحدهما من الآخر، وزيادة الثقة مقبولة، ولم يتفرد الوليد بذكر المغيرة بل تابعه
على ذلك إبراهيم بن أبي حبيبة عند الشافعي في ((الأم)) ومحمد بن عيسى بن سميع
على ما ذكره الدار قطني في ((العلل))، فقد روياه عن ثور مثل الوليد بن مسلم.
والرابعة: أن رجاء لم يسمعه عن كاتب المغيرة، فإنه قال: حدثت عن كاتب
المغيرة. كما تقدم.
والخامسة: جهالة كاتب المغيرة وهي مدفوعة بما في رواية ابن ماجه من
تصریح اسمه بأنه وراد.
قلتُ: الظاهر أن حديث المغيرة هذا ضعيف، فإن العلة الرابعة عقيمة عن
الجواب، وهي مؤثرة وحدها في صحة الحديث، وأما ما ذكر من متابعة إبراهيم
ابن أبي حبيبة، ومحمد بن عيسى بن سميع لثور ففيه أن ابن أبي حبيبة هذا قد ضعفه
عامة المحدثين، ووثقة تلميذه الشافعي فقط، ومحمد بن عيسى وإن كان صدوقًا
لکنه یخطئ ویدلس .
٥٢٤ - [٦] وَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ وَهِ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ عَلَى
ظَاهِرِهِمَا.
[ْرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ] {صحيح}
الشّرْحُ
٥٢٤- قوله: (عَلَى ظَاهِرِهِمَا) أي: على أعلاهما، فيه دليل على أن محل
المسح أعلى الخفين وظاهرهما، لا غير.
(٥٢٤) أَبُو دَاوُد (١٦١)، وَالتِّرْمِذِي (٩٨) فِيهِ، وَحَسَّنَهُ.

٤٩٥
بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ
كِتَابُ الطّهَارَةِ
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وقال: حديث حسن. (وَأَبُو دَاوُدَ) وسكت عنه. ونقل المنذري
تحسين الترمذي وأقره. وقال الحافظ في ((التلخيص): إسناده صحيح. والحديث
أخرجه أيضًا البخاري في ((التاريخ الأوسط)) والطيالسي والبيهقي. وفي الباب أيضًا
عن عمر بن الخطاب عند ابن أبي شيبة والبيهقي، قاله الشوكاني.
٥٢٥ - [٧] وَعَنْهُ قَالَ: تَوَضَّأَ النَّبِيُّ وَّهِ وَمَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ
وَالثَّعْلَيْنِ.
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وابْنُ مَاجَهْ] {صحيح}
الشّرْحُ
٥٢٥- قوله: (وَمَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ) تثنية جورب، وهو لفافة الرجل،
وقيل: غشاء للقدم من صوف أو شعر أو كرباس، أو جلد، ثخينًا كان أو رقيقًا إلى
نحو الساق. (وَالثَّعْلَيْنِ) أي: مع النعلين، تثنية النعل، وهو ما وقيت به القدم من
الأرض كالنعلة، قاله في ((القاموس)). وقال الجزري: النعل مؤنثة، وهي التي
تلبس في المشى، تسمى الآن تاسومة، انتهى.
والمعنى أن النعلين لبسهما فوق الجوربين، فمسح على الجوربين والنعلين
معًا، وكان قاصدًا بمسحه ذلك إلى جوربيه لا إلى نعليه، فكان مسحه على
الجوربين هو الذي تطهر به، ومسحه على النعلين فضل. هذا حاصل ما قاله
الخطابي والطحاوي وابن القيم والطيبي وقيل في معناه غير ذلك، والصواب ما
قال هؤلاء الأئمة. وفي الحديث: دليل على جواز مسح الجورب من أي شيء كان
تخينًا أو رقيقًا، لأنه ورد في الحديث مطلقًا غير مقيد بوصف التجليد، أو التنعيل،
أو الصفافة والثخونة من كرباس، أو صوف، أو شعر أو جلد، لكن الحديث قد
تكلم فيه الأئمة كما سيأتي.
(٥٢٥) أَحْمَد (٤/ ٢٥٢)، وَأَبُو دَاوُد (١٥٩)، وَالتِّرْ مِذِي (٩٩)، وَابن مَاجَهْ (٥٥٩) فِيهِ، وَصَحَّحَهُ
التِّرْمِذِي، وَنَقَلَ أَبُو دَاوُد عَنْ عبدالرحمن بْنِ مَهْدِيِّ أَنَّهُ كَانَ لَا يُحَدِّثُ بِهِ، وَقَالَ البَيْهَقِي: مُنْكَرٌ،
ضَعَّفَهُ الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ مَهْدِيٍّ، وَأَحْمَدُ، وَجَمَاعَةٌ.

٤٩٦
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وفي الباب عن أبي موسى أخرجه ابن ماجه والطحاوي والبيهقي وهو ضعيف،
وعن بلال أخرجه الطبراني وغيره، وفيه أيضًا ضعف، نعم قد صح المسح على
الجوربين عن كثير من الصحابة، ذكر أسماءهم أبو داود في سننه. وقد أشبع شيخنا
الكلام على هذه المسألة في شرح الترمذي (ج ١: ص ١٠٠ - ١٠٤) وابن حزم في
المحلى (ج٢: ص٨٤ - ٨٧) فارجع إليهما. والراجحُ عندي أن الجوربين إذا كان
ثخينين بحيث يستمسكان على القدمين بلا شد ويمكن المشي فيهما يجوز المسح
عليهما؛ لأنهما في معنى الخفين، وإن لم يكونا كذلك ففي جواز المسح عليهما
عندي تأمل، عملًا بقوله: ((دَعْ مَا يُرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يُرِيبُكَ)). ومن اطمئنَّ قلبه بعد
إمعان النظر في المسألة بإطلاق القول في المسح عليهما فهو وشأنه. (رَوَاهُ أَحْمَدُ
وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وابْنُ مَاجَهْ) وأخرجه أيضًا البيهقي، وابن حبان في صحيحه،
كلهم من حديث أبي قيس، عن هزيل بن شرحبيل عن المغيرة. والحديث قد
صححه الترمذي، وضعفه كثير من الأئمة مثل سفيان الثوري، وعبد الرحمن بن
مهدي وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلي بن المديني ومسلم بن الحجاج،
وأبي داود، والنسائي، والبيهقي، والنووي. وحاصل ما ضعفوه به أن المعروف
عن المغيرة حديث المسح على الخفين، وأن هزيل بن شرحبيل رواه عن المغيرة
فقال: مسح على الجوربين، فخالف جميع الناس الذين رووا عن المغيرة المسح
على الخفين. قلتُ: قال الشيخ تقي الدين في الإمام: ومن يصححه يعتمد على
كونه ليس مخالفًا لرواية الجمهور مخالفة معارضة، بل هو أمر زائد على ما رووه
ولا يعارضه، ولا سيما وهو طريق مستقل برواية هزيل عن المغيرة لم يشارك
المشهورات في سندها. وقال غيره: مخالفةُ هزيل للناس إنما تضر إذا كان ما رووه
حكاية عن فعل وقت واحد، وأما إذا كان حكاية عن وضوءين مختلفين وقعا في
وقتين مختلفين، فلا يضره الرواية المعروفة عن المغيرة في المسح على الخفين؛
لأنهما حديثان مختلفان، وروايتان عن حادثتين مختلفتين، والمغيرة صحب
النبي ◌َّ نحو خمس سنين، فلا بعد في أن يشهد من النبي وقائع متعددة يحكيها،
فيسمع بعض الرواة منه شيئًا، ويسمع غيره شيئًا آخر.

كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ الْمَسْجِ عَلَى الْخُفَّيْنِ
٤٩٧
الفصل الثالث
٥٢٦ - [٨] عَنِ الْمُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: مَسَحَ رَسُولَ اللهِ وَلَ عَلَى
الْخُفَّيْنِ، فقلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَسِيتَ؟ قَالَ: ((بَلْ أَنْتَ نَسِيتَ، بِهَذَا أَمَرَنِي
رَبِّي رَاْ)) .
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وأَبُو دَاوُدَ] {ضعيف}
الشَّرْحُ
٥٢٦- قوله: (نَسِيتَ) يحتمل تقدير همزة الاستفهام وتركه. (قَالَ) أي:
رسول اللّهِ وَّه ما نسيت. (بَلْ أَنْتَ نَسِيتَ) أي: إني مشرع حيث نسبت إلى
النسيان. (بِهَذَا أَمَرَنِي رَبِّي) ففعلي عمد، أو المعنى تركت الأدب حيث جزمت
بنسبة النسيان إلي، فيكون قوله: ((بل نسيت)). معناه أخطأت، ويكون من باب
المشاكلة، ومعنى قوله: بهذا. أي: بالمسح أمرني. أي: أمر إباحة وندب، ربي
أي: بالوحي الغير المتلو. وقيل: فيه إشارة إلى أن المسح على الخفين ثابت
بالكتاب أيضًا أي: على قراءة الجر في ﴿أَرْجُلِكُمْ﴾ .
(رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ) قال الشوكاني: الحديث إسناده صحيح، ولم يتكلم عليه
أبو داود، ولا المنذري في تخريج السنن ولا غيرهما. قلتُ: في سنده بكير بن
عامر البجلي، قال الحافظ في ((التقريب)): ضعيف، انتهى. وضعَّفه يحيى بن معين
والنسائي وأبو زرعة وأحمد في رواية. ووثقه ابن سعد والحاكم والعجلي، وذكره
ابن حبان في ((الثقات))، وقال: أبو داود: ليس بالمتروك.
(٥٢٦) أَحْمَد (٤/ ٣٥٣)، وأَبُو دَاوُد (١٥٦) عنه.