النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الرجلين، لقوله تعالى: ﴿وَأَمْسَحُواْ بِرُءُ وسِكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] على قراءة
الجر، فإنه تعالى عطف الرجل على الرأس، والرأس يمسح فكذا الرجل. قلنا :
وقد قرئ بالنصب عطفًا على قوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾ وإذا ذهب إلى المسح يبقى مقتضى
النص غير معمول به، بخلاف العكس، فإن المسح مغمور بالغسل، على أن
الأحاديث الصحيحة تواترت معاضدة لقراءة النصب، فوجب تأويل القراءة
بالكسر، وفيه وجوه: أحدها: العطف على الجوار كقوله تعالى: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ
أَلِيمٍ﴾ [هود: ٢٦] والأليم صفة العذاب فأخذ إعراب الْيَوْم للمجاورة، وقوله تعالى:
[الواقعة: ٢٢] بالجرِّ بعد قوله:
٢٢
﴿ِعَذَابَ يَوْمٍ تُحِيطٍ﴾ [هود: ٨٤] ﴿وَحُورٍ عِيْنِ
لا
﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ [الواقعة: ١٧، ١٨]؛ لأن حور لا يصلح
عطفها على أكواب، لأن الحور لا يطاف بها. والثاني: الاستغناء بأحد الفعلين عن
الآخر، والعرب إذا اجتمع فعلان متقاربان في المعنى، ولكل واحد منهما متعلق
جوزت ذكر أحد الفعلين وعطف متعلق المحذوف على متعلق المذكور على حسب
ما يقتضيه لفظه، حتى كأنه شريكه في أصل الفعل كما قال الشاعر [عبد الله بن
الزبعري من مجزوء الكامل]:
مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحًا
يَا لَيْتَ بَعْلَكِ قَدْ غَدَا
وكقول الأخر [من الرجز لذي الرقة]:
عَلَفْتُهَا تِبْنَا وَمَاءَ بَارِدًا
تقديره علفتها تبنًا وسقيتها ماءً باردًا، ومتقلدًا سيفًا، وحاملًا رمحًا. والثالث قول
الزجاج: يجوز ﴿أَرْجُلِكُمْ﴾ بالخفض على معنى فاغسلوا؛ لأن قوله تعالى: ﴿إِلَى
اُلْكَعْبَيْنِ﴾ قد دلَّ عليه؛ لأن التحديد يفيد الغسل، كما في قوله تعالى: ﴿إِلَى
اُلْمَرَافِقِ﴾ ولو أريد المسح لم يحتج إلى التحديد، كما في قوله: ﴿وَأَمْسَحُواْ
بِرُءُوسِكُمْ﴾ من غير تحديد، ويطلق المسح على الغسل، انتهى.
قال العلامة السيد محمود الآلوسي البغدادي المتوفي سنة ١٢٧٠ هـ في تفسيره
((روح المعاني)) (ج٦: ص٧٣): وفي الأرجل ثلاث قراءات، واحدة شاذة، واثنتان
متواترتان، أما الشاذة فالرفع وهي قراءة الحسن، وأما المتواترتان فالنصب وهي
قراءة نافع، وابن عامر، وحفص، والكسائي، ويعقوب. والجر وهي قراءة ابن
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ سُنَنِ الْوُضُوءِ
٢٨١
كثير، وحمزة، وأبي عمرو، وعاصم، وفي رواية أبي بكر عنه. ومن هنا اختلف
الناس في غسل الرجلين ومسحهما.
قال الإمام الرازي: فنقل القفال في تفسيره عن ابن عباس، وأنس بن مالك،
وعكرمة، والشعبي، وأبي جعفر محمد بن علي الباقر: أن الواجب فيهما المسح
وهو مذهب الإمامية. وقال جمهور الفقهاء والمفسرين: فرضهما الغسل. وقال
داود: يجب الجمع بينهما، وهو قول الناصر للحق من الزيدية. وقال الحسن
البصري، ومحمد بن جرير الطبري: المكلف مخير بين المسح والغسل.
وحجة القائلين بالمسح قراءة الجر، فإنها تقتضي كون الأرجل معطوفة على
الرؤوس، فكما وجب المسح فيها وجب فيها، والقول أنه جر بالجوار كما في
قولهم: هذا جحر ضبٍّ خربٍ.
وقوله [وهو امرؤ القيس في معلقته من الطويل]:
كَبِيرُ أُنَاسٍ فِي بِجَادٍ مُزَمَّلٍ
كَأَنَّ ثَبِيرًا في عَرَانِینِ وَبْلِهِ
باطل من وجوه، أولها: أن الكسر على الجوار معدود في اللحن الذي قد يتحمل
لأجل الضرورة في الشعر، وكلام الله تعالى يجب تنزيهه عنه.
وثانيها: أن الكسر إنما يصار إليه حيثُ حصل الأمن من الالتباس كما في ما
استشهدوا به، وفي الآية الأمن من الالتباس غير حاصل.
وثالثها: أن الجرَّ بالجوار إنما يكون بدون حرف العطف، وأما مع حرف
العطف فلم تتكلم به العرب، وردوا قراءة النصب إلى قراءة الجر فقالوا: إنها
تقتضي المسح أيضًا؛ لأن العطف حينئذٍ على محل الرؤوس لقربه فيتشار كان في
الحكم، وهذا مذهب مشهور للنحاة. ثم قالوا: أَوْلا يجوز رفع ذلك بالأخبار،
لأنها بأسرها من باب الآحاد، ونسخ القرآن بخبر الواحد لا يجوز؟ ثم قال الإمام:
واعلم أنه لا يمكن الجواب عن هذا إلا من وجهين:
الأول: أن الأخبار الكثيرة وردت بإيجاب الغسل، والغسل مشتمل على المسح
ولا ينعكس، فكان الغسل أقرب إلى الاحتياط فوجب المصير إليه، وعلى هذا
يجب القطع بأن غسل الأرجل يقوم مقام مسحهما.
٢٨٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والثاني: أن فرض الأرجل محدود إلى الكعبين، والتحديد إنما جاء في الغسل
لا المسح .
والقوم أجابوا منه بوجهين، الأول: أن الكعب عبارة عن العظمين الناتئين من
جانبي الساق إلا أنهم التزموا أنه يجب أن يمسح ظهور القدمين إلى هذين
الموضعين، وحينئذٍ لا يبقى هذا السؤال. انتهى.
ولا يخفى أن بحث الغسل والمسح مما كثر فيه الخصام، وطالما زلت فيه
الأقدام، وما ذكره الإمام يدل على أنه راجل في هذا الميدان، وضالع لا يطيق
العروج إلى شاوى ضليع، وتحقيق تبتهج به الخواطر والأذهان، فلنبسط الكلام في
تحقيق ذلك رغمًا لأنوف الشيعة، السالكين من السبل كل سبيل هالك.
فنقول وبالله تعالى التوفيق: إن القراءتين متواترتان بإجماع الفريقين، بل بإطباق
أهل الإسلام كلهم، ومن القواعد الأصولية عند الطائفتين أن القراءتين المتواترتين
إذا تعارضتا في آية واحدة فلهما حكم آيتين، فلا بد لنا أن نسعى ونجتهد في
تطبيقهما أولًا مهما أمكن؛ لأن الأصل في الدلائل الإعمال دون الإهمال كما تقرَّر
عند أهل الأصول، ثم نطلب بعد ذلك الترجيح بينهما، ثم إذا لم يتيسر لنا الترجيح
بينهما نتركهما ونتوجه إلى الدلائل الأخر من السنة، وقد ذكر الأصوليون أن
الآيات إذا تعارضت بحيث لا يمكن التوفيق ثم الترجيح بينهما يرجع إلى السنة،
فإنها لما لم يمكن لنا العمل بها صارت معدومة في حقنا من حيث العمل، وإن
تعارضت السنة كذلك نرجع إلى أقوال الصحابة وأهل البيت، أو نرجع إلى القياس
عند القائلين بأن قياس المجتهد يعمل به عند التعارض، فلما تأملنا في هاتين
القراءتين في الآية وجدنا التطبيق بينهما على قواعدنا من وجهين:
الأول: أن يحمل المسح على الغسل كما صرح به أبو زيدٍ الأنصاري وغيره من
أهل اللغة، فيقال للرجل إذا توضأ: تمسح. ويقال: مسح اللَّه تعالى ما بك، أي:
أزال عنك المرض. ومسح الأرض المطر إذا غسلها، فإذا عطفت الأرجل على
الرؤوس في قراءة الجر لا يتعين كونها ممسوحة بالمعنى الذي يدعيه الشيعة،
واعترض ذلك من وجوه:
أولها: أن فائدة اللفظين في اللغة والشرع مختلفة، وقد فرَّق الله تعالى بين
كِتّابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ سُنَنِ الْوُضُوءِ
٢٨٣
الأعضاء المغسولة والممسوحة، فكيف يكون معنى الغسل والمسح واحدًا؟!
وثانيها: أن الأرجل إذا كانت معطوفة على الرؤس وكان الفرض في الرؤس
المسح الذي ليس بغسل بلا خلاف وجب أن يكون حكم الأرجل كذلك، وإلا لزم
الجمع بين الحقيقة والمجاز.
وثالثها: أنه لو كان المسح بمعنى الغسل يسقط الاستدلال على الغسل بخبر
أنه وَ ل غسل رجليه؛ لأنه على هذا يمكن أن يكون مسحهما، فسمى المسح غسلًا.
ورابعها: أن استشهاد أبي زيد بقولهم: تمسحت للصلاة، لا يجدى نفعًا؛
لاحتمال أنهم لما أرادوا أن يخبروا عن الطهور بلفظ موجز، ولم يجز أن يقولوا:
تغسلت للصلاة؛ لأن ذلك يوهم الغسل، قالوا بدله: تمسحت؛ لأن المغسول من
الأعضاء ممسوح أيضًا، فتجوزوا بذلك تعويلًا على فهم المراد، وذلك لا يقتضي
أن يكونوا جعلوا المسح من أسماء الغسل .
وأجيب عن الأول: بأنا لا ننكر اختلاف فائدة اللفظين لغةً وشرعًا، ولا تفرقة
الله تعالى بين المغسول والممسوح من الأعضاء، لكنا ندعي أن حمل المسح على
الغسل في بعض المواضع جائز، وليس في اللغة والشرع ما يأباه على أنه قد ورد
ذلك في كلامهم.
وعن الثاني: بأنا نقدر لفظ: ((امْسَحُوا)) قبل ﴿أَرْجُلِكُمْ﴾ أيضًا، وإذا تعدد اللفظ
فلا بأس بأن يتعدد المعنى، ولا محذور فيه، فقد نقل شارح ((زبدة الأصول)) من
الإمامية أن هذا القسم من الجمع بين الحقيقة والمجاز جائز، بحيث يكون ذلك
اللفظ في المعطوف عليه بالمعنى الحقيقي، وفي المعطوف بالمعنى المجازي،
وقالوا في الآية ﴿لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا
عَابِرِى سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣]: أن الصلاة في المعطوف عليه بالمعنى الحقيقي الشرعي،
وهو الأركان المخصوصة، وفي المعطوف بالمعنى المجازي، وهو المسجد، فإنه
محل الصلاة، وادعى ذلك الشارح أن هذا نوع من الاستخدام، وبذلك فسر جمعٌ
من مفسري الإمامية وفقهائهم.
وعليه فيكون هذا العطف من عطف الجمل في التحقيق، ويكون المسح المتعلق
بالرؤوس بالمعنى الحقيقي، والمسح المتعلق بالأرجل بالمعنى المجازي، على أن
٢٨٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
من أصول الإمامية كالشافعية جواز الجمع بين الحقيقة والمجاز، وكذا استعمال
المشترك في معنييه. ويحتمل هنا إضمار الجار تبعًا للفعل فتدبر. ولا يشكل أن في
الآية حينئذٍ إبهامًا، ويبعد وقوع ذلك في التنزيل؛ لأنا نقول: إن الآية نزلت بعد ما
فرض الوضوء، وعلمه عليه الصلاة والسلام روح القدس إياه في إبتداء البعثة
بسنين، فلا بأس أن يستعمل فيها هذا القسم من الإبهام، فإن المخاطبين كانوا
عارفين بكيفية الوضوء، ولم تتوقف معرفتهم بها على الاستنباط من الآية ولم تنزل
الآية لتعليمهم بل سوقها لإبدال التيمم من الوضوء والغسل في الظاهر، وذكر
الوضوء فوق التيمم للتمهيد، والغالب فيما يذكر لذلك عدم البيان المشبع.
وعن الثالث: بأن حمل المسح على الغسل لداعٍ لا يستلزم حمل الغسل على
المسح بغير داع، فكيف يسقط الاستدلال؟ سبحان الله تعالى هذا هو العجب
العجاب. وعن الرابع: بأنا لا نسلم أن العدول عن ((تغسلت)) لإِ يهامه الغسل، فإن
(تَمَسَّحْت)) يوهم ذلك أيضًا؛ بناءً على ما قاله من أن المغسول من الأعضاء ممسوح
أيضًا، سلمنا ذلك، لكنا لم نقتصر في الاستشهاد على ذلك، ويكفي مسح الأرض
المطر في الفرض.
والوجه الثاني: أن يبقى المسح على الظاهر، وتجعل الأرجل على تلك القراءة
معطوفة على المغسولات، كما في قراءة النصبِ والجرِّ للمجاورة، واعترض أيضًا
من وجوه: الأول والثاني والثالث: ما ذكره الإمام من عدِّ الجر بالجوار لحنًا، وأنه
إنما يصار إليه عند أمن الالتباس، ولا أمن فيما نحن فيه، و كونه إنما يكون بدون
حرف العطف.
والرابع: أن في العطف على المغسولات؛ سواءٌ كان المعطوف منصوب اللفظ
أو مجروره الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بجملة أجنبية ليست اعتراضية،
وهو غير جائز عند النحاة، على أن الكلام حينئذٍ من قبيل: ضربت زيدًا وأكرمت
خالدًا وبكرًا. بجعل بكر عطفًا على زيد، أو إرادة أنه مضروب لا مكرم، وهو
مستهجن جدًّا تنفر عنه الطباع ولا تقبله الأسماع، فکیف یُجنح إلیه أو يُحمل كلام
الله تعالى عليه؟!
وأجيب عن الأول: بأن إمام النحاة الأخفش وأبا البقاء وسائر مهرة العربية
٢٨٥
بَابُ سُنَنِ الْوُضُوءِ
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
EX
وأئمتها جوزوا جر الجوار، وقالوا بوقوعه في الفصيح كما ستسمعه إن شاء الله
تعالی، ولم ینکره إلا الزجاج، وإنکاره مع ثبوته يدلّ على قصور تتبعه، ومن هنا
قالوا: المثبت مقدم على النافي.
وعن الثاني: بأنا لا نسلم أنه إنما يصار إليه عند أمن الالتباس، ولا نقل في ذلك
عن النحاة في الكتب المعتمدة، نعم قال بعضهم: شرط حسنه عدم الالتباس مع
تضمن نكتة وهو هنا كذلك؛ لأن الغاية دلَّت على أن هذا المجرور ليس بممسوح،
إذ المسح لم يوجد مغيًا في كلامهم، ولذا لم يغي في آية التيمم، وإنما يغي
الغسل، ولذا غي في الآية حين احتيج إليه، فلا يرد أنه لم يغي غسل الوجه لظهور
الأمر فيه، ولا قول المرتضى أنه لا مانع من تغييه. والنكتة فيه: الإشارة إلى
تخفيف الغسل حتى كأنه مسح.
وعن الثالث: بأنهم صرحوا بوقوعه في النعت كما سبق من الأمثلة، وقوله
تعالى: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ تُحِيطٍ﴾ [هود: ٨٤] بجر ﴿تُحِيطٍ﴾ مع أنه نعت للعذاب. وفي
التوكيد كقوله [من البسيط لأبي الغريب]:
يَا صَاحِ: بَلِّغْ ذَوِي الزَّوْجَاتِ (كُلِّهِم)
أَنْ لَيْسَ وَصْلٌ إِذَا انْحَلَّتْ غُرَى الذَّنَبِ
بجرِّ ((كُلِّهِم)) على ما حكاه الفراء، وفي العطف كقوله تعالى: ﴿وَحُ عِينُ
٢٢
﴾ [الواقعة: ٢٢، ٢٣] على قراءة حمزة والكسائي، وفي رواية
كَمْثَلِ اللَّلُوِ الْمَكْتُنِ
المفضل عن عاصم فإنه مجرور بجر ﴿ يَأَكَبٍ وَأَبَرِيقَ﴾ ومعطوف على ﴿وِلْدَانٌ تُخَلَّدُونَ﴾ .
وقول النابغة :
وَ(مُوثَّقٍ) فِي حِبَالِ الْقِدِّ مَجْنُوبٍ
لَمْ يَبْقَ إِلَّا أَسِيرٌ غَيْرُ مُنْفَلِتٍ
بجر ((مُوثَقٍ)) مع أن العطف على ((أَسِيرٌ)) وقد عقد النحاة لذلك بابًا على حدة
لكثرته، ولما فيه من المشاكلة، وقد كثر في الفصيح حتى تعدوا عن اعتباره في
الإعراب إلى التثنية والتأنيث وغير ذلك، وكلام ابن الحاجب في هذا المقام لا يعبأ
به. وعن الرابع: بأن لزوم الفصل بالجملة إنما يخل إذا لم تكن جملة ﴿وَأَمْسَحُواْ
بِرُهُوسِكُمْ﴾ متعلقة بجملة المغسولات، فإن كان معناها وامسحوا الأيدي بعد
الغسل برؤوسكم فلا إخلال كما هو مذهب كثير من أهل السنة، من جواز المسح
ببقية ماء الغسل واليد المبلولة من المغسولات، ومع ذلك لم يذهب أحدٌ من أئمة
٢٨٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
العربية إلى امتناع الفصل بين الجملتين المتعاطفتين، أو معطوف ومعطوف عليه،
بل صرح الأئمة بالجواز، بل نقل أبو البقاء إجماع النحويين على ذلك، نعم،
توسط الأجنبي في كلام البلغاء يكون لنكتة وهي هنا ما أشرنا إليه. أو الإيماء إلى
الترتيب، وكون الآية من قبيل ما ذكر من المثال في حين المنع، وربما تكون
كذلك لو كان النظم: وامسحوا رؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين، والواقع ليس
کذلك.
وقد ذكر بعض أهل السنة أيضًا وجهًا آخر في التطبيق، وهو أن قراءة الجر
محمولة على حالة التخفف، وقراءة النصب على حال دونه، واعترض بأن الماسح
على الخف ليس ماسحًا على الرجل حقيقةً ولا حكمًا، لأن الخف اعتبر مانعًا سراية
الحدث إلى القدم فهي طاهرة، وما حلَّ بالخف أزيل بالمسح، فهو على الخف
حقيقةً وحكمًا، وأيضًا المسح على الخفين لا يجب إلى الكعبين اتفاقًا، وأجيب بأنه
يجوز أن يكون لبيان المحل الذي يجزئ عليه المسح، لأنه لا يجزئ على ساقه،
نعم، هذا الوجه لا يخلو عن بعد والقلب لا يميل إليه وإن ادعى الجلال السيوطي
أنه أحسن ما قيل في الآية.
وللإمامية في تطبيق القراءتين وجهان أيضًا، لكن الفرق بينهما وبين ما سبق من
الوجهين اللذين عند أهل السنة: أن قراءة النصب التي هي ظاهرة في الغسل عند
أهل السنة، وقراءة الجرِّ تعادُ إليها، وعند الإمامية بالعكس.
الوجه الأول: أن تعطف الأرجل في قراءة النصب على محلِّ ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾
فيكون حكم الرؤوس والأرجل كليهما مسحًا.
الوجه الثاني: أن ((الواو)) فيه بمعنى ((مع)) من قبيل: استوى الماء والخشبة. وفي
كلا الوجهين بحث لأهل السنة من وجوه:
الأول: أن العطف على المحل خلاف الظاهر بإجماع الفريقين، والظاهر
العطف على المغسولات، والعدولُ عن الظاهر إلى خلافه بلا دليل لا يجوز، وإن
استدلوا بقراءة الجر قلنا: إنها لا تصلح دليلًا على ذلك لما علمت.
والثاني: أنه لو عطف ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ على محل ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ جازَ أن نفهم منه
معنى الغسل؛ إذ من القواعد المقررة في العلوم العربية أنه إذا اجتمع فعلان
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
13
بَابُ سُنَنِ الْوُضُوءِ
٢٨٧
متغايران في المعنى ويكون لكل منهما متعلق، جاز حذف أحدهما، وعطف متعلق
المحذوف على متعلق المذكور كأنه متعلقه، ومن ذلك قوله [وقد تقدم قريبًا]:
مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحًا
يَا لَيْتَ بَعْلَكِ قَدْ غَدَا
فإن المراد: وحاملًا رمحًا ومنه قوله:
وَزَجَّجْنَ الْحَوَاجِبَ وَالْعُيُونَا
إِذَا مَا الْغَانِيَاتُ بَرَزْنَ يَوْمًا
فإنه أراد: وكحلن العيونا.
وقوله [من الطويل لخالد بن الطيفان]:
تَرَاهُ كَأَنَّ مَوْلَاهُ يَجْدَعُ أَنْفَهُ وَغَيْنَيْهِ إِنْ مَوْلَاهُ كَانَ لَهُ وَفْرُ (٥)
أى: يفقأ عينيه، إلى ما لا يحصى كثرة.
والثالث: أن جعل ((الواو)) بمعنى ((مع)) بدون قرينة مما لا يكاد يجوز، ولا قرينة
هاهنا على أنه يلزم كما قيل فعل المسحين معًا بالزمان، ولا قائل به بالاتفاق.
بقي لو قال قائل: لا أقنع بهذا المقدار في الاستدلال على غسل الأرجل بهذه
الآية، مالم ينضم إليها من خارج ما يقوي تطبيق أهل السنة، فإن كلامهم وكلام
الإمامية في ذلك عسى أن يكون فرسي رهان.
قيل له: إن سُنة خير الورى و ليه وآثار الأئمة وم شاهدة على ما يدعيه أهل
السنة، وهي من طريقهم أكثر من أن تحصى، وأما من طريق القوم فقد روى
العياشي، عن علي، عن أبي حمزة قال: سألت أبا هريرة عن القدمين فقال:
تغسلان غساًا.
وروى محمد بن النعمان، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللَّه رَوَّهُ قال: إذا نسيت
مسح رأسك حتى غسلت رجليك فامسح رأسك، ثم اغسل رجليك. وهذا
الحديث رواه أيضًا الكلبي، وأبو جعفر الطوسي بأسانيد صحيحة بحيث لا يمكن
تضعيفها، ولا الحمل على التقية، لأن المخاطب بذلك شيعي حاضر.
(#) هكذا، والرواية المشهورة للبيت:
تراه کأن الله ... ثاب له وفر
٢٨٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وروى محمد بن الحسن الصفار، عن زيد بن علي، عن أبيه، عن جده أمير
المؤمنين رَوَّلَهُ أنه قال: جلست أتوضأ فأقبل رسول اللّه و ◌َل فلما غسلت قدمي
قال: ((يَا عَلِيُّ خَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ)).
ونقل الشريف الرضي عن عليٍ رَو ◌َّهُ في ((نهج البلاغة)) حكاية وضوئه وَله،
وذكر فيه غسل الرجلين، وهذا يدلّ على أن مفهوم الآية كما قال أهل السنة، ولم
يدع أحد منهم النسخ حتى يتكلف لإثباته كما ظنه من لا وقوف له، وما يزعمه
الإمامية من نسبة المسح إلى ابن عباس ﴿ها، وأنس بن مالك وغيرهما كذب
مفترى عليهم، فإن أحدًا منهم ما روي عنه بطريق صحيح أنه جوز المسح إلا ابن
عباس، فإنه قال بطريق التعجب: لا نجد في كتاب اللّه تعالى إلا المسح ولكنهم
أبوا إلا الغسل.
ومراده أن ظاهر الكتاب يوجب المسح على قراءة الجر التي كانت قراءته،
ولكن رسول اللّه وَ له وأصحابه لم يفعلوا إلا الغسل، ففي كلامه هذا إشارة إلى أن
قراءة الجر مؤولة متروكة الظاهر بعمل رسول اللّه ◌َا يل وأصحابه څه، ونسبة جواز
المسح إلى أبي العالية، وعكرمة، والشعبي زور وبهتان أيضًا، وكذلك نسبة
الجمع بين الغسل والمسح أو التخيير بينهما إلى الحسن البصري - عليه الرحمة -
ومثله نسبة التخيير إلى محمد بن جرير الطبري صاحب ((التاريخ الكبير)) والتفسير
الشهير، وقد نشر رواة الشيعة هذه الأكاذيب المختلفة، ورواها بعض أهل السنة
ممن لم يميز الصحيح والسقيم من الأخبار بلا تحقق ولا سند، واتسع الخرق على
الراقع.
ولعل محمد بن جرير القائل بالتخيير هو محمد بن جرير بن رستم الشيعي
صاحب ((الإيضاح للمترشد في الإمامة))، لا أبو جعفر محمد بن جرير بن غالب
الطبري الشافعي الذي هو من أعلام أهل السنة، والمذكور في تفسير هذا هو الغسل
فقط لا المسح، ولا الجمع، ولا التخيير الذي نسبه الشيعة إليه. ولا حجة لهم في
دعوى المسح بما روي عن أمير المؤمنين علي - كرم الله وجهه - أنه مسح وجهه
ويديه، ومسح رأسه ورجليه، وشرب فضل طهوره قائمًا، وقال: إن الناس يزعمون
أن الشرب قائمًا لا يجوز، وقد رأيت رسول اللّه وَ ل يصنع مثل ما صنعت، وهذا
وضوء من لم يحدث.
13
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ سُنَنِ الْوُضُوءِ
٢٨٩
لأن الكلام في وضوء المحدث لا في مجرد التنظيف بمسح الأطراف، كما يدل
عليه ما في الخبر من مسح المغسول اتفاقًا. وأما ما روي عن عباد بن تميم، عن
عمه بروايات ضعيفة: أنه وَّ﴾ توضأ ومسح على قدميه. فهو كما قال الحافظُ: شاذ
منكر، لا يصلح للاحتجاج، مع احتمال حمل القدمين على الخفين ولو مجازًا،
واحتمال اشتباه القدمين المتخففين بدون المتخففين من بعيد، ومثل ذلك عند من
اطلع على أحوال الرواة ما رواه الحسين بن سعيد الأهوازي، عن فضالة، عن
حماد بن عثمان، عن غالب بن هذيل، قال: سألت أبا جعفر رَوّهُ عن المسح على
الرجلين، فقال: هو الذي نزل به جبرائيل عليه السلام، وما روي عن أحمد بن
محمد قال: سألت أبا الحسن موسى بن جعفر رَؤُلَّهُ عن المسح على القدمين كيف
هو؟ فوضع بكفيه على الأصابع ثم مسحهما إلى الكعبين، فقلت له: لو أن رجلاً
قال بأصبعين من أصابعه هكذا إلى الكعبين أيجزئ؟ قال: لا إلا بكفه كلها إلى غير
ذلك مما روته الإمامية في هذا الباب، ومن وقف على أحوال رواتهم لم يعول على
خبر من أخبارهم، وقد ذكرنا نبذة من ذلك في كتابنا: ((النفحات القدسية في رد
الإمامية)) على أن لنا أن نقول: لو فرض أن حكم الله تعالى المسح على ما يزعمه
الإمامية من الآية فالغسل يكفي عنه، ولو كان هو الغسل لا يكفي عنه فبالغسل يلزم
الخروج عن العهدة بيقين دون المسح، وذلك لأن الغسل محصل لمقصود المسح
من وصول البلل وزيادة، وهذا مراد من عبر بأنه مسح وزيادة، فلا يرد ما قيل من
أن الغسل والمسح متضادان لا يجتمعان في محل واحد كالسواد والبياض، وأيضًا
كان يلزم الشيعة الغسل لأنه الأنسب بالوجه المعقول من الوضوء، وهو التنظيف
للوقوف بين يدي رب الأرباب وَالَّ لأنه الأحوط أيضًا؛ لكون سنده متفقًّا عليه
للفريقين كما سمعت، دون المسح للاختلاف في سنده، انتهى.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) الحديث بهذا اللفظ من إفراد مسلم، وأخرجه أيضًا أبو داود،
والنسائي، وابن ماجه مختصرًا، وهو عند جميعهم من حديث منصور عن هلال بن
يساف، عن أبي يحيى، عن عبد الله بن عمرو، قال المنذري: واتفق البخاري
ومسلم على إخراجه من يوسف بن ماهك عن عبد الله بن عمرو نحوه.
٢٩٠
SORION **
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
** eseex
٤٠١ - [٨] وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ وَ تَوَضَّأَ فَمَسَحَ
بِنَاصِيَتِهِ، وَعَلَى الْعِمَامَةِ، وَعَلَى الْخُفَيْنِ.
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
الشَّرْحُ
٤٠١- قوله: (فَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى الْعِمَامَةِ) بكسر العين، وفي رواية
للنسائي: مسح ناصيته وعمامته. واستدلَّ به لما ذهب إليه مالك والشافعي ومن
معهما: من أنه لا يجوز اقتصار المسح على العمامة، بل لا بد مع ذلك من المسح
على الناصية. قيل: رواية مسلم هذه مفصلة، يحمل عليها ما في بعض طرقها: من
أنه وَلَه مسح على الخفين والعمامة. أخرجها الترمذي وصححها. وذهب أحمد
وغيره من فقهاء أصحاب الحديث إلى جواز الاقتصار على العمامة، واحتجوا
بحديث عمرو بن أمية عند أحمد والبخاري وابن ماجه. وبحديث بلال عند
أحمد، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. وبحديث سلمان عند أحمد،
وبأحاديث أبي أمامة، وخزيمة بن ثابت، وأبي طلحة، وأبي ذر عند الطبراني.
وبحديث أنس عند البيهقي، وغير ذلك من الأحاديث التي ذكرها الزيلعي في
((نصب الراية)) واعتذر الأولون عن هذه الأحاديث بوجوه كلها مخدوشة، فمنها:
أنها معلولة مضطربة الأسانيد، وفيها رجال مجهولون، وفيه أن أكثر هذه الأحاديث
صحيحة مستقيمة، كما حقَّق صحتها واستقامتها الحافظ في ((التلخيص)) وغيره.
ومنها: أن أحاديث المسح على العمامة من أخبار الآحاد فلا تعارض الكتاب؛
لأن الكتاب يوجب مسح الرأس. وفيه: أن الآية لا تنفي الاقتصار على المسح على
العمامة، لأن من قال: قَبَّلْتُ رأس فلان يصدق ولو بحائل، وسيأتي توضيحه.
ومنها: أن الله تعالى فرض المسح على الرأس، والحديث في العمامة محتمل
التأويل، فلا يترك المتيقن للمحتمل، والمسح على العمامة ليس بمسح على
الرأس، وفيه: أن هذا الوجه يرجع إلى الوجه الثاني، وقد تقدم جوابه وتوضيحه أنه
أجزأ المسح على الشعر، ولا يسمى رأسًا. فإن قيل: يسمى رأسًا مجازًا بعلاقة
(٤٠١) مُسْلِم (٨١/ ٢٧٤ و٨٣/ ٢٧٤) عَنِ المُغِيرَةِ فِيهِ.
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ سُنَنِ الْوُضُوءِ
٢٩١
BE
المجاورة. قيل: والعمامة كذلك بتلك العلاقة، فإنه يقال: قبلت رأسه، والتقبيل
على العمامة، ويؤيد ذلك حملهم قراءة الجر في ((أَرْجُلِكُمْ)) في آية على حالة
التخفف، فتأمل.
ومنها: أن أحاديث المسح على العمامة مجملة، وحديث المغيرة عند مسلم
مفصل مفسر فتحمل عليه، ويقال: إن أداء المفروض من مسح الرأس وقع بمسح
الناصية؛ إذ هي جزء الرأس، وصارت العمامة تبعًا له، يعني أن المسح على
العمامة كان زائدًا على أصل الفرض، وتعميمًا وتكميلًا، فرخص لهم ◌َّ بفعله
بعد مسح الواجب أن يقتصروا من الاستيعاب على مسح العمائم.
وفيه: أنه لا موجب لحمل أحاديث المسح على العمامة على حديث المغيرة،
فإنها وقائع مختلفة ليست حكاية عن فعل واحد في وقت واحد، وأما إن المسح
على العمامة كان زائدًا على أصل الفرض وإتمامًا ففيه، أنه مجرد دعوی لا دليل
عليها فلا يلتفت إليها .
ومنها: أنها حكايةُ حالٍ فيجوز أن تكون العمامة صغيرة رقيقة بحيث تنقع البلة
منها إلى الرأس.
وفيه: أن الكل من قوله وفعله وتقريره حجة لنا، وفي إنشاء مثل هذه
الاحتمالات في أفعاله وأحواله من غير دليل رد للسنة الصحيحة الثابتة، وأيضًا لا
يتحقق وصول البلة إلى الرأس إلا إذا كانت العمامة غير ذات أكوار، وفيه: إبطال
المسمى العمامة .
ومنها: أنه يحتمل أن ذلك كان قبل نزول المائدة. وفيه: أنه لا يثبت النسخ
بالاحتمال حتى يعلم التاريخ، وأيضًا لا منافاة بين الآية وبين أحاديث المسح حتى
يحتاج إلى التوفيق، أو ادعاء النسخ.
ومنها: ما قال محمد بن الحسن في ((موطئه)): بلغنا أن المسح على العمامة كان
فترك. وفيه: أنه لا يثبت النسخ بمجرد قول الإمام محمد، ولا بد لمن يدعي النسخ
أن يأتي بالحديث الناسخ الصحيح الصريح.
ومنها: أن الخطاب في قوله: ﴿فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ [النساء: ٤٣] كالخطاب
ج
٢٩٢
we XBee
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
في قوله: ﴿وَأَمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، ولا يجوز مسح الوجه في التيمم بحائل،
فكذلك الرأس. وفيه: أنه قد ثبت بالأحاديث الصحيحة المسح على العمامة فقلنا
به، ولم يثبت مسح الوجه في التیمم بحائل لا بحديث صحیح ولا ضعيف، ولا بأثر
صحابي، ولذلك لم يذهب إليه أحد من الأئمة، ولا حاجة إلى رد أحاديث المسح
على العمامة بمثل هذا العذر الواهي.
ومنها: أن المراد بقوله: ((ومَسَحَ عِمَامَتَهُ)) مسحَ ما تحتها، من قبيل إطلاق اسم
الحال على المحل، وفيه: أن هذا مجاز خلاف الأصل فلا يحمل عليه من غير
دلیل .
ومنها: أنه يحتمل أنه مسح ناصیته وسوَّى عمامته بيديه، فحسب الراوي تسوية
العمامة عند المسح مسخًا لكونه بعيدًا. وفيه: أنه نسبة الخطأ إلى الصحابة من غير
دليل، ويرتفع الأمان عن الأحاديث بمثل هذه الاحتمالات.
ومنها: أنه يحتمل أنه كان ذلك لمرض منعه كشف رأسه، فصارت العمامة
كالجبيرة. وفيه: أن هذا أيضًا احتمال محض فلا يلتفت إليه، لما فيه من رد السنة
الصحيحة الثابتة، وبهذا علمت أن الحق ما ذهب إليه أحمد وغيره، فقد ثبت
المسح على الرأس فقط. وعلى العمامة فقط، وعلى الرأس والعمامة، والكل
صحيحٍ ثابت عن رسول اللَّه وَ ليل موجود في كتب الأئمة الصحاح، والنبي وَّ مبين
لأمر الله، فَقَصْرِ الإجزاء على بعض ما ورد لغير موجب ليس من دأب المنصفين.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا النسائي والبيهقي، وأخرجه الترمذي بلفظ: ((مسح
على الخفين والعمامة)).
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ سُنَنِ الْوُضُوءِ
٢٩٣
٤٠٢ - [٩] وَعَنْ عَائِشَةَ رَ﴿َّا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ وَلَهِ يُحِبُّ التَّيَمُنَ مَا
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
اسْتَطَاعَ فِي شَأْنِهِ كُلُّهِ، فِي طُهُورِهِ وَتَرَجُلِهِ وَتَنَعُلِهِ.
الشَّرْحُ
٤٠٢ - قوله: (يُحِبُّ التَّيَمُّنَ) أي: الابتداء باليمين، أي: فيما لم يعهد فيه
المقارنة من باب التشريف، بخلافٍ غسل الوجه، ومسح الرأس والأذنين فإن
المعهود في هذه الأشياء قران اليسار باليمين. (مَا اسْتَطَاعَ) ما إما موصول فهو بدل
من التيمن، وإما بمعنى مادام، وبه احتراز عما لا يستطيع فيه التيمن شرعًا
كالخروج من المسجد، والدخول في الخلاء، والتمخط، والاستنجاء. (فِي شَأْنِهِ)
متعلق بالتيمن، أو بالمحبة، أو بهما على سبيل التنازع، والشأن الأمر والحال،
والخطب. (كُلِّهُ) تأكيد، وهو يدل على التعميم، أي: استحباب التيمن في دخول
الخلاء وأمثاله أيضًا، ويمكن أن يقال: حقيقة الشأن ما كان فعلًا مقصودًا، وما
يستحب فيه التياسر ليس من الأفعال المقصودة، بل هي إما تروك وإما أفعال غير
مقصودة. (فِي طُهُورِهِ) بضمِّ الطاء أي: تطهره. (وَتَرَجُلِهِ) أي: تمشيط الشعر بالماء
أو بالدهن من اللحية والرأس. (وَتَنَعُّلِهِ) أي: لبسه النعل.
وقوله: (فِي طُهُورِهِ ... ) إلخ بدل من (فِي شَأْنِهِ) بإعادة العامل بدل البعض من
الكل، فيكون تخصيصًا بعد تعميم، وخص هذه الثلاثة بالذكر اهتمامًا بها وبيانًا
لشرفها، ولا مانع أن يكون بدل الكل من الكل؛ إذ الطهور مفتاح أبواب العبادات
فبذكره يستغنى عنها، والترجل يتعلق بالرأس، والتنعل بالرجل، وأحوال الإنسان
إما أن تتعلق بجهة الفوق، أو بجهة التحت، أو بالأطراف، فجاء لكل منها بمثال،
قاله العيني. والحديث دليل على استحباب البداءة بشق الرأس الأيمن في الترجل،
والغسل، والحلق، وبالميامن في الوضوء، والغسل، والأكل، والشرب، وغير
ذلك.
(٤٠٢) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٤٢)، ومُسْلِم (٦٧ / ٢٦٨) عَنْ عَائِشَةَ ﴿يَّا فِي الطَّهَارَةِ.
٢٩٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال النووي: قاعدة الشرع المستمرة استحباب البداءة باليمين في كل ما كان من
باب التكريم والتزيين، وما كان بضدها استحب فيه التياسر. والكلام في تقديم
اليمين في الوضوء يأتي في شرح حديث أبي هريرة الذي يتلوه.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) واللفظ للبخاري في باب التيمن في دخول المسجد وغيره من کتاب
الصلاة، وأخرجه أيضًا في الطهارة، والأطعمة، واللباس، وأخرج مسلم في
الطهارة معناه، وأخرجه أيضًا الترمذي في آخر الصلاة، والنسائي في الطهارة،
وفي الزينة، وأبو داود في اللباس، وابن ماجه في الطهارة.
كِتّابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ سُنَنِ الْوُضُوءِ
٢٩٥
الفصل الثاني
٤٠٣ - [١٠] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلِهِ: ((إِذَا لَبِسْتُمْ وَإِذَا
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وأَبُو دَاوُدَ] {صحيحٍ}
تَوَضَّأْتُمْ فَابْدَؤُوا بِأَیَامِنْكُمْ)).
الشّرُ
٤٠٣ - قوله: (إِذَا لَبِسْتُمْ) أي: قميصًا أو سراويل أو نعلًا أو خفًّا ونحوها يعني
أردتم اللبس. (وَإِذَا تَوَضَّأْتُمْ) أي: أردتم التطهر بالوضوء أو الغسل. (فَابْدَؤوا
بِأَيَامِنِكُمْ) جمع الأيمن وهو بمعنى اليمين، وفي رواية. (بِأَيَامِنِكُمْ) جمع الميمنة،
ولا فرق بين اللفظين في العربية، والأمر محمول على الندب كما يدلَّ عليه
حديث: ((كَانَ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ))، وكذلك اقتران الوضوء بالتيامن في اللبس المجمع
على عدم وجوبه في حديث أبي هريرة هذا يصلح أن يكون قرينة لصرف الأمر إلى
الندب، ودلالة الاقتران وإن كانت ضعيفة ولكنها لا تقصر عن الصلاحية للصرف،
لاسيما مع اعتضادها بقول علي رَوَّهُ وفعله. أخرجه الدار قطني من طرق، وبدعوى
الإجماع على عدم الوجوب.
قال النووي: أجمع العلماء - أي أهل السنة - على أن تقديم اليمين على اليسار
من اليدين والرجلين في الوضوء سنة، لو خالفها فاته الفضل، وصح وضوئه، ولا
اعتداد بخلاف الشيعة.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ) في اللباس وسكت عنه، وأخرجه أيضًا ابن ماجه في
الطهارة، وابن خزيمة، لكن ليس في روايتهما ((إذا لبستم))، وابن حبان والبيهقي
كلهم من طريق زهير، عن الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال ابن دقيق
العيد: هو حقيق بأن يصح. وللنسائي، والترمذي من حديث أبي هريرة أن النبي
وَ ل﴾ ((إذا لبس قميصًا بدأ بميامنه)).
(٤٠٣) أَبُو دَاوُد (٤١٤١) فِي اللَِّاسِ، وَابن مَاجَهْ (٤٠٢) فِي الطَّهَارَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً.
٢٩٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٤٠٤ - [١١] وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلَّهِ: ((لَا وُضُوءَ
لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ)).
[ْرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ]
الشَّرْحُ
٤٠٤- قوله: (وَعَنْ سَعِيدٍ بْنِ زَيْدٍ) هو سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل
العدوي القرشي أبو الأعور، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، والمهاجرين
الأولين. قال المصنف: أسلم قديمًا، وشهد المشاهد كلها مع النبي ◌َّ غير بدر،
فإنه كان مع طلحة بن عبيد الله يطلبان خبر عير قريش وضرب له النبي وَّ بسهم،
وكانت فاطمة أخت عمر بن الخطاب تحته، وبسببها كان إسلام عمر، كان آدم
طوالًا أشعر، له ثمانية وثلاثون حديثًا، اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري
بحديث، وروى عنه جماعة، مات بالعقيق فحمل إلى المدينة، ودفن بالبقيع سنة
(٥١) وقيل (٥٠) وله بضع وسبعون سنة.
(لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ) أي: لا يصح الوضوء ولا يوجد شرعًا إلا
بالتسمية، إذ الأصل في النفي الحقيقة، ونفي الصحة أقرب إلى الذات، وأكثر
لزومًا للحقيقة فيستلزم عدمها عدم الذات، وما ليس بصحيح لا يجزيء ولا يعتد به
فالحديث نص على افتراض التسمية عند ابتداء الوضوء، وإليه ذهب أحمد في
رواية، وهو قول أهل الظاهر، وذهبت الشافعية، والحنفية، ومن وافقهم إلى أن
التسمية سنة فقط، واختار ابن الهمام من الحنفية وجوبها، وقال الشاه ولي اللَّه
الدهلوي في ((حجة الله البالغة)): هو - أي الحديث - نص على أن التسمية ركن أو
شرط، ويحتمل أن يكون المعنى لا يكمل الوضوء، لكن لا أرتضي بمثل هذا
التأويل، فإنه من التأويل البعيد الذي يعود بالمخالفة على اللفظ انتهى.
قلت: ويبعده أيضًا القِران بقوله: ((لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا وُضُوءَ لَهُ))، في بعض
الروايات، ويبعده أيضًا أن الحمل على نفي الكمال مجاز، ولا يصار إليه إلا عند
تعذر الحقيقة، وقيام القرينة على إرادة المجاز وهو منتف هاهنا .
(٤٠٤) التِّرْمِذِيُّ (٢٥)، وَابنُ مَاجَهْ (٣٩٨) فِیهِ : عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ .
٢٩٧
بَابُ سُنَنِ الْوُضُوءِ
كِتّابُ الطَّهَارَةِ
13
وحديث: ((مَنْ تَوَضَّأَ وَذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ كَانَ طُهورًا لِجَمِيعِ بَدَنِهِ، وَمَنْ تَوَضَّأَ وَلَمْ
يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ كَانَ طُهُورًا لِأَعْضَاءِ وُضُوئِهِ)) ضعيف جدًّا، أخرجه الدار قطني
والبيهقي مرفوعًا من حديث ابن عمر، وفيه: أبو بكر الداهري عبد الله بن
الحكم، وهو متروك ومنسوب إلى الوضع. وأخرجاه أيضًا من حديث أبي هريرة،
وفيه مرداس بن محمد بن عبد الله بن أبان عن أبيه، وهما ضعيفان، وأخرجاه
أيضًا من حديث ابن مسعود، وفيه: يحيى بن هشام السمسار، وهو متروك
والحاصل: أن هذا الحديث لا يصلح لشدة وهنه أن يكون قرينة لتوجه ذلك النفي
إلى الكمال، لا يقال: إنه تعاضد لكثرة طرقه، واكتسب قوة، لأن هذا إنما يفيد إذا
كان الضعف في طرق الحديث يسيرًا، وأما إذا اشتد الضعف والوهن كما هنا فلا
يكتسب الحديث بكثرة طرقه إلا ضعفًا، وأما ما صرَّح به ابن سيد الناس في ((شرح
الترمذي)) من أنه قد روى في بعض الروايات: ((لَا وُضُوءَ كَامِلًا)) وقد استدلَّ به
الرافعي ففيه أنه قال الحافظُ: لم أره هكذا، انتهى. وتفوه بعض الحنفية أن قول
الحافظ: ((لَمْ أَرَهُ» ليس بحجة على من رآه من المتقدمين.
قلت: لا يكفى للاحتجاج على المطلوب رواية أحد كائنًا من كان ما لم يعلم
كونه حسنًا أو صحيحًا، ولم يعلم حال هذه الزيادة، ولم تثبت من وجه معتبر إلى
الآن، ولا يمكن لهذا البعض المتفوه ولا لغيره من القائلين بعدم الوجوب أن يثبتوا
هذه الزيادة من وجه معتبر، ولو کان بعضهم لبعضٍ ظھیرًا، فلا تغنی رویة ابن سید
الناس هذه الزيادة عن شيء.
وقال بعضُ الحنفية: حمل الرواية على حقيقة معناها الظاهر يوجب تخصيص
الآية الذي هو في حكم النسخ، وليس ذلك إلى خبر الواحد، انتهى.
قلت: حاصل هذا الجواب أن حمل الحديث على معناه الحقيقي الظاهر،
وجعل التسمية في ابتداء الوضوء فرضًا، أي: شرطًا زيادة على آية الوضوء بخبر
الواحد، في رتبة الشرطية، والزيادة على النص القطعي في مرتبة الركنية أو
الشرطية بأخبار الآحاد لا تجوز، لأنها نسخ ونسخ النص القطعي بخبر الواحد لا
يجوز. وفيه أن ذلك ليس بنسخ، لأن النسخ رفع حكم شرعي ثابت بالخطاب، ولم
يرتفع هاهنا حكم على أن الزيادة بخبر الواحد على النص القطعي في مرتبة
٢٩٨
EX
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الوجوب أو الاستحباب تجوز عند الحنفية فكأنها ليست بزيادة عندهم، فيلزمهم أن
يقولوا بوجوب التسمية، كما قال به ابن الهمام، وكما ذهب جمهورهم إلى تعين
الفاتحة وجوبًا، على أن حديث التسمية أصح وأقوى وأشهر من حديث الوضوء
بالنبيذ، والزيادة بالحديث المشهور على القطعي تجوز عند الحنفية فتأمل.
والمراد بقوله: (لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ)، أي: لم يقل: بسم الله على وضوئه،
لقوله في قصة الإناء الذي وضع فيه يدهِ: (تَوَضَّقُوا بِسْم اللَّهِ). ولقوله: ((يَا أَبَا هُرَيْرَةَ
إِذَا تَوَضَّأَتَ فَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ وَالْحَمْدُ للَّهِ))، أخرجه الطَبراني في «الأوسط)).
(رَوَاهُ التِّرْمِذِي وابْنُ مَاجَهْ) وزاد هو في أوله: ((لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا وُضُوءَ لَهُ))،
وأخرجه أيضًا أحمد والبزار والدارقطني والعقيلي والحاكم والبيهقي كلهم من
طريق أبي ثفال المري وهو مقبول قاله الحافظ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) عن
رباح بن عبد الرحمن، وهو أيضًا مقبول، ذكره ابن حبان في ثقات أتباع التابعين
عن جدته أسماء، قال الحافظ في ((التلخيص)): قد ذكرت في الصحابة، وإن لم
يثبت لها صحبة، فمثلها لا يسئل عن حالها عن أبيها سعيد بن زيد بن عمرو، قال
الترمذي: قال محمد - يعني البخاري -: أحسن شيء في هذا الباب حديث
رباح بن عبد الرحمن.
٤٠٥ - [١٢] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وأَبُو دَاوُدَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
الشَّرْجُ
٤٠٥- قوله: (ورَوَاهُ أَحْمَدُ وأَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) وأخرجه أيضًا الترمذي
في ((العلل))، وابن ماجه، والدار قطني وابن السكن والطبراني والبيهقي والحاكم،
وقال: صحيح الإسناد. قال المنذري: وليس كما قال، فإنهم رووه عن يعقوب بن
سلمة الليثي عن أبيه عن أبي هريرة، وقد قال البخاري وغيره: لا يعرف لسلمة
سماع من أبي هريرة ولا ليعقوب سماع من أبيه، انتهى. وأبوه سلمة أيضًا لا يعرف
(٤٠٥) أَحْمَد (٢ / ٤١٨)، وَأَبُو دَاوُد (١٠١)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً.
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ سُنَنِ الْوُضُوءِ
٢٩٩
ما روى عنه غير ابنه يعقوب، فأين شروط الصحة؟ وقد أطال الحافظ الكلام عليه
في ((التلخيص)) (ص٢٦) فارجع إليه.
٤٠٦ - [١٣] وَالدَّارِمِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ، وَزَادُوا فِي
أَوَّلِهِ: ((لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا وُضُوءَ لَهُ)).
الشّرُْ
٤٠٦- قوله: (وَالدَّارِمِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) وأخرجه أيضًا أحمد
والترمذي في ((العلل)) وابن ماجه وابن عدي وابن السكن والبزار والدارقطني
والحاكم والبيهقي من طريق كثير بن زيد الأسلمي وهو صدوق يخطئ، صالح
الحديث، عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، وهو مقبول، قاله
الحافظ عن أبيه عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، وهو ثقة. قال أحمد بن
حنبل: إنه أحسن شيء في هذا الباب، وقال أيضًا: أقوى شيء فيه حديث كثير بن
زيد عن ربيح. وقال إسحاق بن راهويه: هو أصح ما في الباب. وقال في الزوائد
علی ابن ماجه: هذا حديث حسن.
(عَنْ أَبِيهِ) هذا من أوهام المصنف لأن الراوي للحديث هو أبو سعيد سعد بن
مالك بن سنان الخدري لا أبوه مالك بن سنان. (وَزَادُوا) أي: أحمد وأبو داود
والدارمي، وهذا أيضًا من أوهامه فإن هذه الزيادة ليست للدارمي، ففي عبارة
المصنف هاهنا سهوان أحدهما: في الإسناد، وهو زيادة. (عَنْ أَبِيهِ) بعد قوله:
(أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) والثاني: أن زيادة (لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا وُضُوءَ لَهُ) ليست
للدارمي، خلاف ما يفهم من قوله، وزادوا في أوله.
واعلم أنه ورد في الباب أحاديث كثيرة لا يخلو واحد منها عن مقال، لكنها
تعاضدت بكثرة طرقها، قال المنذري في الترغيب: لا شك أن الأحاديث التي
وردت فيها وإن كان لا يسلم شيء منها عن مقال، فإنها تتعاضد بكثرة طرقها،
وتكتسب قوة، انتهى.
(٤٠٦) الدَّارِمِيُّ (١ / ١٧٦) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ.