النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْعُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وأخرجه مسلم رواية في الرؤيا، وأخرجه أيضًا أحمد وأبو عوانة والبيهقي وغيرهم.
٣٨٩ - [١١] وَعَنْ أَبِى أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَّهِ قَالَ: (مَا جَاءَنِي
جِبْرَئِيْلُ عَلَ قَطُّ، إِلَّا أَمَرَنِي بِالسِّوَاكِ، لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ أَحْفِيَ مُقَدَّمَ فِيَّ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ] {ضعيف جدًّا}
الشّرْجُ
٣٨٩- قوله: (أُحْفِيَ) من الإحفاء وهو الاستيصال. (مُقَدَّم فِيَّ) بكسر الفاء
وتشديد الياء، أي: فمى، والمراد من مقدم الفم هي اللثة، بكسر اللام وتخفيف
المثلثة ما حول الأسنان من اللحم، يعني: خفت أن استأصل لثتي من كثرة
مداومتي على السواك بسبب إكثار جبرائيل في الوصية.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٥: ص٢٦٣) وفي سنده علي بن يزيد الألهاني، وهو ضعيف،
أخرجه ابن ماجه مطولًا، وفيه: عثمان بن أبي العاتكة عن علي بن يزيد الألهاني،
وعثمان متروك. قال الحافظ في ((التقريب)): ضعفوه في روايته عن علي بن يزيد
الألهاني، وروي نحوه عن ابن عباس وأنس وسهل بن سعد وعائشة، ذكر
أحاديثهم الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج٢: ص٩٨، ٩٩) مع الكلام عليها.
٣٩٠ - [١٢] وَعَنْ أَنَس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((لَقَدْ أَكْثَرْتُ عَلَيْكُمْ
فِي السِّوَاكِ)).
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ]
الشّرْجُ
٣٩٠ - قوله: (لقد أَكْثَرْتُ عَلَيْكُمْ) بصيغة المعلوم، أي: أكثرت عليكم الأمر
والوصية في حق السواك. وقال الحافظ: أي: بالغت في تكرير طلبه منكم، أو في
(٣٨٩) أَحْمَد (٥/ ٢٦٣) عن أبي أمامة.
(٣٩٠) البُخَارِي (٨٨٨) عن أَنسٍ في الطَّهَارَةِ.

كِتّابُ الطَّهَارَةِ
se
بَابُ السوّاكِ
٢٦١
إيراد الأخبار في الترغيب فيه. وقال ابن التين: معناه أكثرت عليكم، وحقيق أن
أفعل، وحقيق أن تطيعوا. وحكى الكرماني أنه روى ((أَكْثِرْتُ)) بصيغة الماضي
المجهول، أي: بولغت من عند اللَّه بطلبه منكم. (فِي السِّوَاكِ) أي: في أمره
وشأنه. وفائدة هذا الكلام مع كونهم عالمين به إظهار الاهتمام بشأنه. وقال
السندهي: هذا بمنزلة التأكيد لما سبق من التكرير لمن علم به سابقًا، وبمنزلة
التكرير والتأكيد جميعًا لمن لم يعلم به. (رَوَاهُ البُخَارِيُّ) في الجمعة، وأخرجه
أيضًا أحمد والنسائي في أول سننه .
٣٩١ - [١٣] وَعَنْ عَائِشَةَ رَ﴿َّا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَّه يَسْتَنُّ وَعِنْدَهُ
رَجُلَانِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ، فَأُوحِيَ إِلَيْهِ فِي فَضْلِ السِّوَاكِ أَنْ كَبِّرْ، أَعْطِ
السِّوَاَكَ أَكْبَرَهُمَا.
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {صحيح}
الشَّرْجُ
٣٩١- قوله: (يَسْتَنُّ) بفتح الياء وسكون المهملة وفتح التاء وتشديد النون من
الاستنان، وهو استعمال السواك، من السِّن بالكسر؛ لأن السواك يمر على
الأسنان، وقيل: من السَّن بالفتح؛ لأن السواك يسن الأسنان أي: يحددها، يقال:
سننت الحديد أي حككته على الحجر حتى يتحدد، والمسن بكسر الميم، الحجر
الذي يحد به السكين. (أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ) أي: سنًّا. (فَأُوحِيَ) بصيغة
المجهول. (إِلَيْهِ) أي: من غير أن يميل إلى الآخر، فيكون تأكيدًا للوحي المنامي.
(أَنْ كَبِّرْ) بصيغة الأمر نائب فاعل أوحي، أي: أوحي إليه أن فضل السواك وحقه أن
يقدم من هو أكبر، وفيه: تقديم ذي السن في السواك، ويلتحق به الطعام،
والشراب، والمشي، والكلام، والركوب، وهذا ما لم يترتب القوم في الجلوس،
فإذا ترتبوا فالسنة حينئذٍ تقديم الأيمن، كما أشرنا إليه في شرح حديث ابن عمر.
(أَعْطِ السِّوَالَ أَكْبَرَهُمَا) الظاهر أن هذا تفسير من أحد الرواة، ويحتمل أن يكون من
قول النبي وَله .
(٣٩١) أَبُو دَاوُد (٥٠) عن عائشةَ في الطهارةِ، وأَصْلُهُ عِنْدَ الْبُخَارِي .

٢٦٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) بسند حسن كما قال الحافظ في ((الفتح)) و((التلخيص)). وقال
المنذريُّ: وأخرج مسلم معناه من حديث ابن عمر مسندًا، وأخرجه البخاري
تعليقًا، انتهى. كأنه يشير إلى أن حديث عائشة هذا محمول على حال حكاية
المنام، وأن القضية واحدة، وفيه نظر فتأمل.
٣٩٢ - [١٤] وَعَنْهَا قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: («تَفْضُلُ الصَّلَاةُ الَّتِي
يُسْتَُكُ لَهَا عَلَى الصَّلَاةِ الَّتِي لَا يُسْتَاكُ لَهَا سَبْعِينَ ضِعْفًا)).
[رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ] {ضعيف}
الشَّرْجُ
٣٩٢- قوله: (تَفْضُلُ الصَّلَاةُ) أي: تزيد في الفضيلة وزيادة المثوبة.
(سَبْعِينَ) مفعول مطلق أو ظرف، أي: تفضل مقدار سبعين. وقوله: (ضِعْفًا) بكسر
الضاد تمييز أريد به مثل العدد المذكور، وهي كناية عن الكثرة، أو أريد به
خصوص هذا العدد، والله تعالى أعلم.
(رَوَاهُ الْبَيْهَِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج٦: ص٢٧٢)،
والبزار، وأبو يعلى، وابن خزيمة، والدار قطني، وابن عدي، وأبو نعيم، ومداره
عندهم على محمد بن إسحاق، ومعاوية بن يحيى الصدفي، كلاهما عن الزهري
عن عروة. ورواه الحاكم (ج١: ص١٤٦) وقال: صحيح الإسناد على شرط
مسلم، كذا قال. ومحمد بن إسحاق إنما أخرج له مسلم في المتابعات.
قال المنذري: وروی أبو نعيم نحوه عن ابن عمر بإسناد جيد، وعن ابن عباس
بإسناد صحيح، انتهى. وقد أطال الحافظ الكلام على حديث عائشة في
((التلخيص))، وقال: رواه أبو نعيم من حديث ابن عمر ومن حديث ابن عباس ومن
حديث جابر، وأسانيده معلولة.
(٣٩٢) البَيْهَقِي (١/ ٣٨) عن عَائِشةً
.

كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ السوّاكِ
٢٦٣
٣٩٣- [١٥] وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ زَيْدِ بْنٍ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قال: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللَّهِ نَّهَ يَقُولُ: (لَوْلًا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ
صَلَةٍ، وَلَأَخَّرْتُ صَلَاةَ الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ)) قَالَ: فَكَانَ زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ يَشْهَدُ
الصَّلَوَاتِ فِي الْمَسْجِدِ وَسِوَاكُهُ عَلَى أُذُنِهِ مَّوْضِعَ الْقَلَمْ مِنْ أُذُنِ الْكَاتِبِ. لَا
يَقُومُ إِلَى الصَّلَاةِ إِلَّ اسْتَنَّ، ثُمَّ رَدَّهُ إِلَى مَوْضِعِهِ.
[رَوَاهُ التَّْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ إِلَّ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرُ: (وَلَخَّرْتُ صَلَاةَ الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ)). وقَالَ
التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ] (صحيح )
الشَّرْحُ
٣٩٣- قوله: (وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بفتح اللام، هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن
عوف الزهري القرشي المدني، قيل: اسمه عبد الله وقيل: إسماعيل، وقيل: اسمه
وكنيته واحد، قال ابن سعد: كان ثقة، فقيهًا، كثير الحديث. وقال المصنف: هو
أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالفقه في المدينة في قول، ومن مشاهير التابعين
وأعلامهم، وهو كثير الحديث، روى عن خلق كثير من الصحابة والتابعين، وروى
عنه خلائق. مات سنة (٩٤) وقيل سنة (١٠٤) وهو ابن (٧٤) سنة.
(عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُھَنِيِّ) بضم الجيم وفتح الهاء نسبة إلى جهينة، وهو زيد بن
خالد الجهني أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو طلحة المدني من مشاهير الصحابة.
قال ابن عبد البر: كان صاحب لواء جهينة يوم الفتح، له أحد وثمانون حديثًا، اتفقا
علی خمسة، وانفرد مسلم بثلاثة، روى عنه ابنه خالد، وابن المسيب، وغيرهما،
توفي بالكوفة سنة (٦٨) أو (٧٨) وهو ابن (٨٥) سنة.
(وَلَأَخَّرْتُ صَلَاةَ الْعِشَاءِ) أي: حكمت بتأخيرها وجوبًا. (قَالَ) أي: أبو سلمة.
(فَكَانَ زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ يَشْهَدُ الصَّلَوَاتِ) أي: الخمس. (فِي الْمَسْجِدِ) أي: يحضرها
للجماعة. (وَسِوَاكُهُ عَلَى أَذُنِهِ) بضم الذال ويسكن والجملة حال. (مَوْضِعَ الْقَلَم
مِنْ أُذُنِ الْكَاتِبِ) أي: والحال أن سواكه كان موضوعًا على أذنه موضع القلم الكائنَ
(٣٩٣) أَبُو دَاوُد (٤٧)، والتِّرْمِذِي (٢٣) وصحَّحَهُ عن زيدِ بنِ خالدٍ .

٢٦٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
ixe
من أذن الكاتب. (لَا يَقُومُ إِلَى الصَّلَاةِ إِلَّ اسْتَنَّ) أي: استاك للصلاة أخذًا بظاهر
الحديث، قال القاري: قد انفرد زيد بن خالد به فلا يصلح حجة، أو استاك
لطهارتها، انتهى.
قلت: فيه: أنه لم يتفرد به زيد بن خالد، فقد تقدم عن أبي هريرة أنه قال: كان
أصحاب النبي ◌َّ سوكهم على آذانهم، يستنون بها لكل صلاة. وإن عبادة بن
الصامت وأصحاب رسول اللَّه وَ ◌ّليل كانوا يروحون والسواك على آذانهم، ثم صنيع
زيد بن خالد هذا يدل عليه ظاهر الحديث الذي رواه، وليس ينفيه شيء من
الأحاديث المرفوعة، فكيف لا يكون حجة، وبهذا ظهر بطلان تأويل القاري
بقوله: استاَ لطهارتها .
(ثُمَّ رَدَّهُ إِلَى مَوْضِعِهِ) أي: من الأذن. قال ابن حجر: وحكمته أن وضعه في ذلك
المحل يسهل تناوله، ويذكر صاحبه به فيستاك من غير ذهول.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ) وسكت عنه، ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره،
وأخرجه أيضًا أحمد (ج٤: ص١١٦ وج٥: ص١٩٣) وأخرجه أصحاب السنن من
حديث أبي هريرة كما تقدم.

كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ سُنَنِ الْوُضُوءِ
٢٦٥
٤ - بَابُ سُنَنِ الْوُضُوءِ
(بَابُ سُنَنِ الْوُضُوءِ) لم يرد بالسنن، سنن الوضوء فقط، أي: ما يقابل الفرض
بل أراد بالسنن، أفعال النبي ◌َّر وأقواله، أعم من أن تكون سنة أو فرضًا، يقال:
جاء في السنة كذا، أي: في الحديث.
الفصل الأول
٣٩٤ - [١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِذَا اسْتَيْقَظَ
أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي
أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشَّرُْ
٣٩٤- قوله: (مِنْ نَوْمِهِ) هذا يدل على عموم الحكم عقب كل نوم ليلاً أو
نهارًا، لكن جاء عند الترمذي، وأبي داود وابن ماجه: ((من الليل))، مكان قوله:
((من نومه))، والمطلق محمول على المقيد، فيدل على خصوصه بنوم الليل، ويؤيده
قوله في آخر الحديث: ((بَاتَتْ يَدُهُ))، فإن حقيقة المبيت تكون بالليل، إلا أن التعليل
المنصوص الآتي يقتضي إلحاق نوم النهار بنوم الليل، وإنما خُصَّ نوم الليل بالذكر
للغلبة، بل قيل: ليس حكم الغسل قبل الغمس في الإناء مخصوصًا بالقيام من
النوم، بل المعتبر فيه الشك في نجاسة اليد، فإن الظاهر أن المقصود من الحديث:
إذا شك أحدكم في يديه مطلقًا، سواء كان لأجل الاستيقاظ من النوم أو لأمر آخر،
إلا أنه فرض الكلام في جزءٍ واقع بينهم على كثرة، ليكون بيان الحكم فيه بيانًا في
(٣٩٤) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٦٢)، ومُسْلِم (٨٧/ ٢٨٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ في الطَّهَارَةِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِم
وأَبُو دَاوُد (١٠٤)، والتِّرْمِذِي (٢٤)، والنَّسَائِي (١/ ٦).

٢٦٦
eger
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
i*E
الكلي بدلالة العقل، فالتقييد بالاستيقاظ لأن توهم نجاسة اليد في الغالب يكون من
المستيقظ، فلا مفهوم له.
(فَلَا يَغْمِسْ) بتخفيف الميم من باب ضرب، هو المشهور، ويحتمل أن يكون
بالتشديد من باب التفعيل. (فِي الٍإِنَاءِ) أي: في الظرف الذي فيه الماء وغيره من
المائعات، وخرج بذكر الإناء البرك والحياض التي لا تفسد بغمس اليد فيها على
تقدير نجاستها. (حَتَّى يَغْسِلَهَا) إلى رسغها. (ثَلَاثًا) كذا في جميع طبعات الهند
للمشكاة وفي نسخة القاري وسقط هذا اللفظ في نسخة الألباني طبعة دمشق وهو
من إفراد مسلم. (فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ) يعني: لا يدري تعيين الموضع الذي
باتت، أي: صارت يده منه، يعني هل لاقت مكانًا طاهرًا أو نجسًا؟ وفيه إيماء إلى
أن الباعث على الأمر بغسل اليد احتمال النجاسة؛ لأن الشرع إذا ذكر حكمًا وعقبه
بعلة دل على أن ثبوت الحكم لأجلها .
قال الشافعيُّ وغيره من العلماء: سبب الحديث أن أهل الحجاز كانوا يستنجون
بالحجارة، وبلادهم حارة، فإذا ناموا عرقوا فلا يومن أن تطوف يده على موضع
النجاسة، أو على قذر غير ذلك، فعلم بهذا أن حكم الغسل للشك في نجاسة اليد،
فمتى شك في نجاستها كره له غمسها في الإناء قبل غسلها، سواء قام من نوم الليل
أو النهار، أو شك في نجاستها من غير نوم.
وقال التوربشتي: هذا في حقِّ مَن بات مستنجيًّا بالأحجار معروريًا، ومن بات
على خلاف ذلك ففي أمره سعة ويستحب له أيضًا غسلها؛ لأن السنة إذا وردت
لمعنى لم تكن لتزول بزوال ذلك المعنى. وقال الباجي: الأظهر في سبب الحديث
أن النائم لا يكاد أن يسلم من حك جسده، وموضع بثرة في بدنه، ومس رفغه
وإبطه، وغير ذلك من مغابن جسده، ومواضع عرقه، فاستحب له غسل اليد تنظفًا
وتنزهًا، قال: وتعليقه بنوم الليل لا يدل على الاختصاص؛ لأن المستيقظ لا يمكنه
التحرز من مس رفغه وإبطه، وفتل ما يخرج من أنفه، وقتل برغوث، وحك موضع
عرق، فإذا كان المعنى الذي شرع له غسل اليد موجودًا في المستيقظ لزمه ذلك
الحكم، ولا يسقط عنه بأن الشرع علقه على النائم، انتهى مختصرًا ملتقطًا.
وعلى هذا يكون الحكم عامًّا لكل متوضئ، ولا يختص بالنائم، وأما على ما

كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ سُنَنِ الْوُضُوءِ
leMees
٢٦٧
قال الشافعي وغيره في سبب الحديث فيكون استحباب الغسل للمتوضئ المستيقظ
من النوم خاصة، وهذا القدر يكفي لمناسبة الحديث بالباب.
وأما من يريد الوضوء من غير نوم فيستحب له، لما سيأتي في صفة الوضوء من
أفعاله بَّهَ. ثم النهي عن الغمس قبل الغسل للتنزيه، والأمر في رواية ((فَلْيَغْسِلْ))
للندب عند الجمهور، فلو خالف، وغمس قبل الغسل فقد أساء، ولا يفسد الماء،
والقرينة الصارفة التقييد بالثلاث في غير النجاسة العينية، فإنه يدل على ندبية
الغسل، ولأنه علل بأمر يقتضي الشك في نجاسة اليدين، والوجوب لا يبني على
الشك. وحمله أحمد على كراهة التحريم، وقال: بوجوب الغسل في نوم الليل،
ولا يبعد من الشارع الإيجاب لرفع الشك، ومن قال بأن الأمر بالغسل للتعبد
كمالك، لا يفرق بين الشاك والمتيقن، والراجح عندي ما ذهب إليه الجمهور،
والله أعلم. والحديث فيه مسائل كثيرة:
منها: استحباب غسل النجاسة ثلاثًا؛ لأنه إذا أمر به في المتوهمة ففي المحققة
أولى. ومنها: استحباب الأخذ بالاحتياط في العبادات وغيرها ما لم يخرج عن حد
الاحتياط إلى حد الوسوسة.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) واللفظ لمسلم وأخرجه أيضًا مالك والشافعي وأحمد والترمذي
وأبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم، وفي الباب عن ابن عمر وجابر عند
الدار قطني وابن ماجه.
٣٩٥ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ: ((إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ
مَنَامِهِ فَتَوَضَّأَ، فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلاَثًا، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ بَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ)). [مُتَفَقٌ عَلَيْهِ]
الشَّرْحُ
٣٩٥- قوله: (فَتَوَضَّأَ) أي: أراد الوضوء وسقط هذا اللفظ من نسخة
(٣٩٥) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِيُّ (٣٢٩٥)، ومُسْلِم (٢٣ / ٢٣٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهَا، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ،
والنَّسَائِيُّ (٦٧/١).

٢٦٨
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الألباني. (فَلْيَسْتَنْثِرْ) أي: فليخرج ماء الاستنشاق والقذر اليابس المجتمع من
المخاط، يعني: فليستنثر بعد الاستنشاق، فإن الاستنثار هو إخراج الماء الذي
جذبه بريح الأنف إلى أقصاه، فهو من تمام الاستنشاق، والأمر للندب عند
الجمهور، وللوجوب عند الظاهرية.
(فَإِنَّ الشَّيْطَانَ) الفاء للسببية. (يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ) بفتح الخاء قيل: أعلى
الأنف، وقيل: كله، وقيل: هو أقصى الأنف المتصل بالبطن المقدم من الدماغ،
وقيل: غير ذلك. قال عياض وغيره: بيتوتة الشيطان إما حقيقية، فإن الأنف أحد
المنافذ التي يتوصل منها إلى القلب، والمقصود من الاستنثار: إزالة آثاره، وليس
عليه ولا على الأذن غلق، وفي الحديث: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ لِا يَفْتَحُ غَلَقًّا)). وجاء الأمر
بكظم الفم في التثاؤب من أجل دخول الشيطان في الفم. وإما مجاز، فإن ما ينعقد
فيه من الغبار والرطوبة قذرات توافق الشيطان، فالمراد: أن الخيشوم محل قذر
يصلح لبيتوتة الشيطان، فينبغي للإنسان تنظيفه، والراجح أنه محمول على
الحقيقة، وموكول معرفته وعلمه إلى الشارع، فإن الله تعالى خصَّ نبيه وَ لَهبأسرار
يقصر عن دركها العقول والأفهام. فالصواب في أمثال هذه الأحاديث أن يؤمن
بظواهرها، ويحترز عن بيان كيفياتها، وظاهر الحديث يقتضي أن يحصل لكل
نائم. ويحتمل أن يكون مخصوصًا بمن لم يحترز من الشيطان بشيء من الذكر،
كما في حديث آية الكرسي: ((وَلَا يَقْرَبَكَ شَيْطَانٌ)).
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، أخرجه البخاري في بدء الخلق، ومسلم في الطهارة، واللفظ
المذكور للبخاري، وأخرجه أيضًا النسائي.

كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ سُئَنِ الْوُضُوءِ
٢٦٩
٣٩٦ - [٣] وَقِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ بْنِ عَاصِمٍ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ
وَهِ يَتَوَضَّأُ؟ فَدَعَا بِوَضُوءٍ فَأَفْرَغَ عَلَّى يَدَيْهِ، فَغَسَلَّ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، ثُمّ
مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرِ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنٍ إِلَى
الْمِرْفَقَيْنِ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، بَدَأَ بِمُقَدَّم رَأْسِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ
بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَ إِلَّى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَّأَ مِنْهُ، ثُمَّ غَسَلَ
رِجْلَيْهِ.
[رَوَاهُ مَالِكٌ وَالَّنِسَائِيُّ وَلَبِي دَاوُدَ نَحْوَهُ، ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْجَامِعِ] {صحيح }
وَفِي الْمُنَّفَقِ عَلَيْهِ: قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ: تَوَضَّأُ لَنَا وُضُوءَ
رَسُولِ اللَّهِ نَّهِ، فَدَعَا بِإِنَاءٍ، فَأَكْفَأَ مِنْهَ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَاَ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ
فَاسْتَخْرَجَهَا، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفَّ وَاحِدَةٍ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ
يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا فَغَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى
الْمِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا، فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ فَأَقْبَلَ بِيَدَيْهِ
وَأَدْبَرَ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا كَانَ وُضُوءُ رَسُولِ اللَّهِ
وَفِي رِوَايَةٍ: فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، بِدَأَ بِمُقَدَّم رَأْسِهِ حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ
رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ: فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ مِنْ مَاءٍ. وَفِي
أُخْرَى: فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفَّةٍ وَاحِدَةٍ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا.
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: فَمَسَحَ رَأْسَهُ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ غَسَلَ
رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ.
وَفِي أُخْرَى لَهُ: فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ
الشَّرْجُ
٣٩٦- قوله: (وَقِيلَ) القائل هو عمرو بن أبي الحسن الأنصاري، أخو
عمارة بن أبي الحسن، جد عمرو بن يحيى بن عمارة، ففي رواية للبخاري من
(٣٩٦) البُخَارِي (١٨٥)، (١٨٦)، (١٩١)، (١٩٢)، (١٩٩)، مسلم (٢٣٥/١٨) عنه في الطهارة.

٢٧٠
same* *
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
طريق وهيب، قال: شهدت عمرو بن أبي حسن سأل عبد الله بن زيد، وفي رواية
أبي نعيمٍ في ((المستخرج)) عن عمرو بن أبي حسن قال: كنت كثير الوضوء، فقلت
لعبد الله بن زيد الحديث. فهاتان الروايتان صريحتان في أن القائل والسائل هو
عمرو بن أبي الحسن .
(لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ بْنِ عَاصِم) بن كعب الأنصاري المازني المدني صحابي
شهير، له هذا الحديث، وأحاديث أخرى، قيل: شارك وحشيًّا في قتل مسيلمة
الكذاب. مختلف في شهوده بدرًا، استشهد بالحرة، وكان في آخر ذي الحجة سنة
(٦٣) وهو ابن (٧٠) سنة، وهو غير عبد الله بن زيد بن عبد ربه الذي أُرِيَ النداء
في المنام، وليس لابن عبد ربه إلا حديث الأذان فقط.
(فَدَعَا بِوَضُوءٍ) بفتح الواو ما يتوضأ به والباء للتعدية أي طلبه. (فَأَفْرَعَ) أي:
صب الماء. (عَلَى يَدَيْهِ) بالتثنية أي: إحدى يديه، وفي ((المصابيح)): ((على يده
اليمنى)). وكذا في رواية النسائي، ويؤيد رواية الإفراد الإظهار في موضع الإضمار
في قوله: (فَغَسَلَ يَدَيْهِ) أي: إلى الرسغين، وفيه: غسل اليد قبل إدخالها في الإناء
ولو كان من غير نوم. (مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ) وفي ((المصابيح)) بدون التكرار، قال ابن
حجر: وجه الاحتياج إلى التكرير أن الاقتصار على الأول يوهم التوزيع، انتهى.
قال الحافظُ: كذا لمالك بلفظ مرتين، ووقع في رواية وهيب عند البخاري، وخالد
عند مسلم، والدراوردي عند أبي نعيم بلفظ: (ثَلَاثًا)). وهؤلاء حفاظ قد اجتمعوا،
فروايتهم مقدمة على رواية الحافظ الواحد، ولم يحمل على وقعتين؛ لأن المخرج
واحد، والأصل عدم التعدد، انتهى.
وقال ابن حجر: اقتصر على مرتين في بعض الأحيان لبيان الجواز، وإلا فقد
صح عنه ◌َّ أنه فعل الثلاث، انتهى. ثم غسلهما في أول الوضوء سنة باتفاق
العلماء كما قاله النووي. قال الأمير اليماني: وليس هو غسلهما عند الاستيقاظ،
أي: الذي تقدم حديثه، بل هذا سنة الوضوء، فلو استيقظ وأراد الوضوء فظاهر
الحديثين أنه يغسلهما للاستيقاظ ثلاث مرات، ثم للوضوء كذلك، ويحتمل
تداخلهما، انتهى.
قلتُ: هذا الأخيرُ هو الراجح عندي.

كِتّابُ الطَّهَارَةِ
13
بَابُ سُنَنِ الْوُضُوءِ
٢٧١
(ثُمَّ مَضْمَضَ) المضمضة لغة: تحريك الماء في الفم. (وَاسْتَنْثَرَ) أي: استنشق
الماء، ثم استخرج ذلك بنفس الأنف بإعانة اليد اليسرى، فلم يذكر الاستنشاق؛
لأن ذكر الاستئثار دليل عليه، فإنه لا يكون إلا بعد الاستنشاق. ثم إنهم اختلفوا في
وجوب المضمضة والاستنشاق والاستنثار، فذهب أحمد إلى وجوب الثلاثة في
الوضوء، وغسل الجنابة، وهو الراجح، واستدل له بأدلة.
منها: مواظبة النبي ◌ّلير عليها بالفعل في جميع وضوئه.
ومنها: حديث عائشة عند البيهقي بلفظ: إن رسول اللَّهُ وَّلَه قال: ((الْمَضْمَضَةُ
وَالْاسْتِنْشَاقُ مِنَ الْوُضُوءِ الَّذِي لَا بُدَّمِنْهُ)) .
ومنها: أنه من تمام غسل الوجه، فالأمر بغسله أمر بها، ولا موجب لتخصيصه
بظاهره دون باطنه، فإن الجميع في لغة العرب يسمى وجهًا.
ومنها: حديث أبي هريرة المتفق عليه: ((إِذَا تَوضَّأْ أَحَدكمْ فَلْيَجْعَلِ فِي أَنْفِهِ مَاءِ ثُمَّ
ليَنْثر)).
ومنها: حديث سلمة بن قيس عند الترمذي والنسائي بلفظ: ((إِذَا تَوَضَّأْتَ
فَانْتَئِرْ)).
ومنها: حديث لقيط بن صبرة الآتي في الفصل الثاني، وفيه: ((وَبَالِغْ فِي
الاسْتِنْشَاقِ إِلا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا)). وفي رواية من هذا الحديث: ((إِذَا تَوَضَّأَتَّ
فَمَضْمِضْ)) أخرجها أبو داود وغيره.
ومنها: حديث أبي هريرة عند الدار قطني: بلفظ أمر رسول اللَّه ◌َل بالمضمضة
والاستنشاق.
واستدلَّ من قال بالسنية في الوضوء بقوله لعلَّا للأعرابي: ((تَوَضَّأْ كَمَا
أَمَرَكَ اللَّهُ))، فأحال على الآية، وليس فيها ذكر المضمضة والاستنشاق والاستنثار.
وأجيب عنه: بأنه قد صحَّ أمر رسول اللَّهُ وَّر بها، والواجب الأخذ بما صحَّ
عنه، ولا يكون الاقتصار على البعض في مبادئ التعليم ونحوها موجبًا لصرف ما
ورد بعده وإخراجه عن الوجوب، وبأن الأمر بغسل الوجه أمر بها كما تقدم،
وارجع لمزيد التفصيل إلى ((النيل)) للشوكاني، و((الهدي)) لابن القيم، و((المغني))
لابن قدامة .

@DE
٢٧٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(ثَلَاثًا) أي: بثلاث غرفات، وهذا ظاهر في الجمع بين المضمضة والاستنشاق
من كل غرفة، والرواية الآتية المتفق عليها أظهر في ذلك، واختلفوا في الأفضل
بعدما اتفقوا على جواز الوصل والفصل كليهما، فذهب أحمد والشافعي إلى
أفضلية الوصل والجمع، وهو المذهب الصحيح المختار عندي؛ لأن رواية الجمع
أكثر وأصرح وأصح، وأما ما جاء في بعض الأحاديث من الفصل فهو محمول على
الجواز، وقد ذكر شيخنا في ((شرح الترمذي)) أحاديث الوصل مع الجواب عن
دلائل الحنفية والمالكية القائلين بأفضلية الفصل فارجع إليه.
(ثُمَّ غَسَلَ) أي: بيديه لحديث علي عند أبي داود وغيره. (وَجْهَهُ) هو من منابت
شعر الرأس إلى أسفل الذقن طولًا، ومن شحمة الأذن إلى شحمة الأذن عرضًا. (ثُمَّ
غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ) وفي رواية لمسلم: غسل يده اليمنى ثلاثًا، ثم الأخرى
ثلاثًا. فيحمل على أنه وضوء آخر لكون مخرج الحديث غير متحد. (إِلَى
الْمِرْفَقَيْنِ)، أي: مع المرفقين، فهما داخلان في غسل اليدين. والدليل على ذلك
فعله ◌َّ، ففي الدار قطني بإسناد حسن من حديث عثمان في صفة الوضوء: ((فغسل
يديه إلى المرفقين، حتى مسَّ أطرافَ العضدين)). وفيه عن جابر قال: ((كان
رسول اللَّه ◌َ ليهِ إذا توضأ أدارَ الماءَ على مرفقيه)). لكن إسناده ضعيف. وفي البزار
والطبراني من حديث وائل بن حجر في صفة الوضوء: ((وغسل ذراعيه حتى جاوز
المرافق)). وفي الطحاوي من حديث ثعلبة بن عباد عن أبيه مرفوعًا: ((ثم غسل
ذراعيه حتى يسيل الماء على مرفقيه)). فهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضًا.
قال إسحاق بن راهويه: ((إِلَى)) في الآية يحتملُ أن تكون بمعنى الغاية وأن تكون
بمعنى مع، فَبَيَّنَتِ السنة أنها بمعنى مع.
(ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ) أي: كله، كما في رواية، واختلفوا في مقدار المفروض،
فذهب مالك إلى وجوب الاستيعاب، وهو الراجح؛ لأن لفظ الآية مجمل؛ لأنه
يحتمل أن يراد منها مسح الكل على أن الباء زائدة، أو مسح البعض على أنها
تبعيضية، فتبين بفعل النبي ◌َّي أن المراد الأول، ولم ينقل أنه مسح بعض رأسه إلا
في حديث المغيرة، لكن فيه: ((أنه مسحَ على ناصيتِهِ وعمامته))، فلا حجة فيه على
الاكتفاء ببعض الرأس.

كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ سُنَنِ الْوُضُوءِ
٢٧٣
قال ابن القيم: لم يصح عنه وَّر في حديث واحد أنه اقتصر على مسح بعض
رأسه البتة، لكن كان إذا مسح بناصيته كمل على العمامة كما في حديث المغيرة،
ولم يذكر العدد في مسح الرأس كغيره، فاقتضى الاقتصار على مرة واحدة.
(فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ) الإدبار هو الذهاب إلى جهة القفاء، والإقبال عكسه، والواو
لمطلق الجمع لا تقتضي الترتيب، فكأن الأصل فأدبر بهما وأقبل، وقد وقع كذلك
في رواية للبخاري. والتفسير الآتي يؤيد بل يعين ذلك. وقيل: إنه من تسمية الفعل
بابتدائه، أي: بدأ بقبل الرأس وذهب إلى جهة قفاه، وأدبر أي بدأ بدبر الرأس،
وقيل غير ذلك. (بَدَأَ بِمُقَدَّم رَأْسِهِ ثُمَّ ذَهَبَ ... ) إلخ هذا عطف بيان لقوله: ((فأقبل
بهما وأدبر)). ومن ثم لم تدخل الواو على بدأ، أي: وضع كفيه وأصابعه عند مقدم
رأسه، ثم أمرَّهما حتى وصل إلى قفاه أي مؤخر رأسه. (ثُمَّ رَدَّهُمَا) أي: على جنب
الرأس. (حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ) وهو مقدم الرأس، أي: مبتدأ شعره.
(ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ) أي: إلى الكعبين كما في رواية للبخاري. (رَوَاهُ مَالِكَ وَالنَّسَائِيُّ)
أي: بهذا اللفظ. (وَلِأَّبِي دَاوُدَ نَحْوهُ) أي: بمعناه. (ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْجَامِعِ) أي:
((جامع الأصول)) وهو ابن الأثير، وأصل الحديث أخرجه أيضًا أحمد والشيخان
والترمذي وابن ماجه بألفاظ متقاربة مختصرًا ومطولًا.
قوله: (وَفِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ) هذا من زيادات المصنف على ((المصابيح))، واللفظ
المذكور هنا لمسلم، وللبخاري معناه. (تَوَضَّأَ) بصيغة الأمر. (وَضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ
(وَّ﴾ أي: نحو وضوئه. (فَدَعَا بِإِنَاءٍ) فيه ماء. (فَأَكْفَأَ) يقال: كفأ الإناء إذا كبه،
وأكفأه أماله. (مِنْهُ) قال الأبهري: ضمن أكفأ معنى أفرغ وصبّ فعداه بمن. (ثُمَّ
أَدْخَلَ يَدَهُ) اليمنى في الإناء. (فَاسْتَخْرَجَهَا) أي: اليد من الإناء مع الماء.
(فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ) أي: واستنثر، وقد ذكر في رواية الثلاثة كما سيأتي. (مِنْ
كَفَّ وَاحِدَةٍ) بأن جعل ماء الكف بعضه في فمه وبعضه في أنفه، والكف یذکر
ويؤنث. (فَفَعَلَ ذَلِكَ) أى المذكور من المضمضة والاستنشاق. (ثَلَاثًا) أي: ثلاث
مرات بأن تمضمض واستنشق من غرفة، ثم تمضمض واستنشق من غرفة، ثم
تمضمض واستنشق من غرفة، وهو صريح في الجمع، وحجة واضحة للشافعي في
الوصل، صرح به ابن الملك وغيره من الأئمة الحنفية، والقول بأن قيد الوحدة
احتراز من التثنية سخيف جدًّا، فإن الظاهر على هذا أن يقال: بكف واحدة لا من

٢٧٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
كف واحدة. (ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ) أي: في الإناء، والظاهر أن المراد بها الجنس، قاله
القاري. (ثَلَاثًا) قيد للأفعال الثلاثة لا للأخير فقط. (مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ) قيد للأفعال.
(فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ) هو موافق للآية في الإتيان بالباء، ومسح يتعدى بها وبنفسه.
قال القرطبي: إن الباء هاهنا للتعدية يجوز حذفها وإثباتها. وقيل: دخلت الباء
هاهنا لمعنى تفيده، وهو أن الغسل لغة يقتضي مغسولًا به، والمسح لا يقتضي
ممسوحًا به، فلو قال: امسحوا رؤوسكم، لأجزأ المسح باليد بغير ماء، فكأنه
قال: وامسحوا برؤوسكم الماء، وهو من باب القلب والأصل فيه امسحوا
رؤوسكم بالماء .
(فَأَقْبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ) يعني: استوعب المسح. (ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ) ظاهره الاكتفاء
بمرة، ويحتمل مرتين بقرينة ما قبله، ويحتمل التثليث على ما هو المعروف من
دأبه وََّ، قاله القاري. (إِلَى الْكَعْبَيْنِ) أي: مع الكعبين، والكعب هو العظم
الناشز عند متلقى الساق والقدم. (هَكَّذَا كَانَ وُضُوءُ رَسُولِ اللَّهِ وَلِ﴾ أي: غالبًا،
وقيل: أي في بعض الأوقات.
قوله: (وَفِي رِوَايَةٍ) أي: لمسلم. (ثُمَّ رَدَّهُمَا) أي: على أطراف الرأس. قوله:
(وَفِي رِوَايَةٍ) أي: للبخاري، وقد ذكرها في باب مسح الرأس مرة. (فَمَضْمَضَ
وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ) فيه حجة واضحة لمن فرق بين الاستنشاق والاستنثار إلا أن
الاستنثار يستلزم الاستنشاق بلا عكس. (ثَلَاثًا بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ) بفتح الغين والراء
وقيل: بضمها جمع غرفة. قيل: الغرفة بالفتح في الأصل المرة من الاغتراف،
وبالضم الماء المغروف في اليد. وقيل: هي ملأ الكف من الماء، يعني: أخذ
غرفة، ومضمض واستنثر بها، وكذا في الثانية والثالثة، وهذا أيضًا نص صريح في
الجمع والوصل .
قوله: (وَفِي أُخْرَى) أي: للشيخين لكن وقع في مسلم من كفّ واحدةٍ، وهذه
الرواية أوردها البخاري في باب: من مضمض واستنشق من غرفة واحدة.
(فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفَّةٍ وَاحِدَةٍ) المراد بالكفة الغرفة والحفنة، فاشتق لذلك
من اسم الكف، وجعل عبارة عن ذلك المعنى وسمى الشيء باسم ما كان فيه،
وليست تأنيث الكف. وقيل: قوله: ((مِنْ كَفَّةٍ)) هي بالضم والفتح كغرفة وغرفة،

٢٧٥
بَابُ سُنَنِ الْوُضُوءِ
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
أي: مما ملأ كفه من الماء. (فَفَعَلَ ذَلِكَ) أي: ما ذكر من المضمضة والاستنشاق.
(ثَلَاثًا) أي: ثلاث مرات، فيه أيضًا دليل صريح على ما تقدم من أن السنة في
المضمضة والاستنشاق أن يكون بثلاث غرفات، يتمضمض ويستنشق من كل
واحدة منها .
قوله: (وِفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ) ذكرها في باب غسل الرجلين إلى الكعبين. (مَرَّةً
وَاحِدَةً) نص صريح في عدم تكرار مسح الرأس، وحجة واضحة للجمهور في عدم
تثليث مسح الرأس خلافًا للشافعي، ومن أقوى الأدلة على ذلك أيضًا الحديث
المشهور الذي صححه ابن خزيمة وغيره من طريق عبد الله بن عمرو بن العاص
في صفة الوضوء، حيث قال النبي وَّر بعد أن فرغ: ((مَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَدْ أَسَاءَ
وَظَلَمَ)) فإن رواية سعيد بن منصور فيها تصريح بأنه مسح رأسه مرة واحدة، فدلَّ
على أن الزيادة في مسح الرأس على المرة غير مستحبة، ويحمل ما ورد من
الأحاديث في تثليث المسح كحديث علي عند الدار قطني، وحديث عثمان عند أبي
داود في بعض طرقه - إن صحت - على إرادة الاستيعاب بالمسح، لا أنه مسحات
مستقلة لجميع الرأس؛ جمعًا بين الأدلة. قوله: (وَفِي أَخْرَى لَهُ) أي: للبخاري
ذكرها في باب الوضوء من التور. (مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ) يتعلق بقوله: ((فَمَضْمَضَ
وَاسْتَنْثَرَ))، والمعنى: أنه جمع بينهما ثلاث مرات، كل مرة من غرفة. ويحتمل أن
يتعلق بقوله: ((ثلاث مرات))، والمعنى أنه جمع بينهما ثلاث مرات من غرفة
واحدة، والأول موافق لباقي الروايات، فهو أولى، كذا في ((الفتح)). قال
المؤلفُ: وإنما أطنبنا الكلام في الحديث؛ لأن ما ذكر في ((المصابيح)) بلفظه لم
يوجد إلا في رواية مالك والنسائي، فأما معناه فما ذكرته في المتفق عليه عقبه.
وبقية الروايات إنما أوردتها تنبيهًا على أن ما في ((المصابيح)) منها، ذكره الطيبي.
قال السيد جمال الدين: كأنه اعتراض على الشيخ محيي السنة حيث أورد حديث
عبد الله بن زيد بهذا اللفظ في الصحاح مع أنه غير مذكور في أحد ((الصحيحين))،
انتھی .

٢٧٦
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
i*E
٣٩٧- [٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسِ قَالَ: تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ مَرَّةً
مَرَّةً، لَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا.
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ]
الشَّرْحُ
٣٩٧- قوله: (مَرَّةً مَرَّةً) نصب على المصدر، يعني غسل كل عضو مرة
واحدة، ومسح برأسه مرة.
(لَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا)، أي: في هذا الوضوء، أو في ذلك الوقت، أو باعتبار علمه،
وإلا فقد صحت الزيادة في روايات كثيرة، وإنما فعل ذلك لبيان الجواز، أو
لمراعاة الحال في الاستعجال، أو قلة الماء، وبيان الجواز يكفي فيه إطلاق
القرآن. وفيه دليل على أن الواجب من الوضوء مرة مرة، ولهذا اقتصر عليه النبي
مَخلّ، ولو كان الواجب مرتين مرتين، أو ثلاثًا ثلاثًا، لما اقتصر على مرة مرة، وقد
جاءت الأحاديث الصحيحة بالغسل مرتين مرتين، وثلاثًا ثلاثًا، وبعض الأعضاء
ثلاثًا وبعضها مرتين.
قال الترمذي: وقد ذكر في غير حديث أن النبي وَلَّ توضأ بعض وضوئه مرة
وبعضه ثلاثًا. والاختلاف دليل على جواز ذلك كله، وأن الثلاث هي الكمال،
والواحدة تجزئ.
(رَوَاهُ البُخَارِيُّ)، أي: في باب الوضوء مرة مرة، والحديث مجمل، وقد رواه
البخاري في باب غسل الوجه باليدين من غرفة واحدة مطولًا ومفصلًا، وأخرجه
أيضًا أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه مختصرًا، وأبو داود مطولًا ومختصرًا.
وفي الباب أحاديث عن جماعةٍ من الصحابة، ذكرها الشوكاني في ((النيل)) مع
الكلام عليها .
(٣٩٧) الْبُخَارِي (١٥٧) وَاللَّفْظُ لَهُ، وَأَبُو دَاوُد (١٣٨)، وابن مَاجَهْ (٤١١)، والتِّرْ مِذِي (٤٢)، والنَّسَائِي
(١/ ٦٢) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الطَّهَارَةِ.

كِتّابُ الطَّهَارَةِ
13
بَابُ سُنَنِ الْوُضُوءِ
٢٧٧
٣٩٨- [٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ.
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ]
الشَّرْجُ
٣٩٨- قوله: (تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ) أي: لكل عضو من أعضاء الوضوء لبيان
الجواز أيضًا، والنصب في مرتين على المفعول المطلق المبين للكمية.
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) في باب الوضوء مرتين مرتين، والظاهر: أن حديث عبد الله بن
زيد هذا غير حديثه المفصل المتقدم، فإنه ليس فيه الغسل مرتين إلا في اليدين إلى
المرفقين، نعم روى النسائي من طريق سفيان بن عيينة في حديث عبد الله بن زيد
التثنية في اليدين والرجلين، ومسح الرأس، وتثليث غسل الوجه، لكن في الرواية
المذكورة نظر، قاله الحافظ. والحديث أخرجه أيضًا أحمد. وفي الباب عن أبي
هريرة أخرجه أبو داود والترمذي وصححه وابن حبان: أَن النَّبِيَّ وَّ تَوَضَّأْ مَرَّتَيْنِ
مَرَّتَيْنِ .
٣٩٩ - [٦] وَعَنْ عُثْمَانَ رَهُ أَنَّهُ تَوَضَّأَ بِالْمَقَاعِدِ، فَقَالَ: أَلَا أُرِيكُمْ
وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ، فَتَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلاثًا.
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
الشَّرْحُ
٣٩٩- قوله: (تَوَضَّأَ بِالْمَقَاعِدِ) بفتح میم، جمع مقعد، والمراد بها دكاكين
عند دار عثمان. وقيل: درج. وقيل: موضع بقرب المسجد اتخذ للقعود فيه
للحوائج والوضوء. (أَلَا) للتنبيه أو الهمزة للإنكار. (أُرِيكُمْ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ وَ)
أي: كيفية وضوئه. (فَتَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا) هذا هو الأكمل، وقد استدل به للشافعي
(٣٩٨) الْبُخَارِي (١٥٨) عَنْ عَبْدِ الله بْنِ زَيْدٍ فِي الطَّهَارَةِ.
(٣٩٩) مُسْلِم (٩/ ٢٣٠) عَنْ عُثْمَانَ فِيهِ .

٢٧٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
على سُنِيَّةٍ تثليث مسح الرأس، وأجيب عنه بأنه مجمل، تبين في الروايات
الصحيحة التي فصلت فيها أعضاء الوضوء أن المسح لم يتكرر، فيحمل على
الغالب، أو يختص بالمغسول. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). وأخرجه أيضًا أحمد، وفي الباب
عن جماعة من الصحابة، ذكر أحاديثهم العيني في ((شرح البخاري)).
٤٠٠ - [٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو قَالَ: رَجَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ وَلِّ مِنْ
مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِمَاءٍ بِالطَّرِيقِ تَعَجَّلَ قَوْمٌ عِنْدَ الْعَصْرِ، فَتَوَضَّئُوا
وَهُمْ عُجَّالٌ، فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِمْ وَأَعْقَابُهُمْ تَلُوحُ لَمْ يَمَسَّهَا الْمَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ
وَه : ((وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ، أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
الشَّرُْ
٤٠٠ - قوله: (حَتَّى إِذَا كُنَّا) أي: صرنا. (بِمَاءٍ بِالطَّرِيقِ) قال الطيبي: الظرف
الأول خبر كان والثاني صفة، أي: إذا كنا نازلين بماء كائن في طريق مكة. (تَعَجَّلَ)
بتشديد الجيم. (قَوْمٌ عِنْدَ الْعَصْرِ، فَتَوَضَّئُوا وَهُمْ عُجَالٌ) بضم العين وتشديد الجيم.
جمع عاجل كجهال جمع جاهل. وقيل: بكسر العين وتخفيف الجيم كقيام جمع
قائم، وقيل: جمع عجلان بمعنى المستعجل، وكغضاب جمع غضبان. قال
الطيبي: تعجل بمعنى استعجل، يعني تطلبوا تعجيل الوضوء عند العصر فتوضئوا
عاجلين. وقيل: الأظهر أن معناه استعجلوا في السير، وتقدموا علينا عند دخول
العصر مبادرة إلى الوضوء، فتوضؤوا على العجلة بحكم ضيق الوقت في السفر.
(وَأَعْقَابُهُمْ) عقب بكسر القاف مؤخر القدم، وهي مؤنثة. (تَلُوحُ) أي: يظهر
للناظر فيها بياض لم يصبها الماء الذي أخذوه لغسل الأرجل مع إصابته سائر القدم،
وذلك لعجلتهم في الوضوء بسبب ضيق الوقت، فكأن مقصودهم الغسل، إلا أنهم
كانوا يتعجلون فيه لئلا تفوتهم الصلاة، فلم يحصل لذلك إسباغ الأرجل. وفي
رواية ذكرها العيني: رأى قومًا توضئوا وكأنهم تركوا من أرجلهم شيئًا، وفي
حديث أبي هريرة عند مسلم: أن النبي وقالو رأى رجلاً لم يغسل عقبه فقال ذلك
(٤٠٠) مُسْلِم (٢٦/ ٢٤١) فِيهِ، وَأصَلَّهُ عِنْدَ البُخَارِي (٦٠) مِنْ حَدِيثٍ عَبْدِ الله بْنِ عمرو رَو ◌ْنَهُ.

٢٧٩
كِتّابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ سُنَنِ الْوُضُوءِ
الوعيد. (لَمْ يَمَسَّهَا الْمَاءُ) جملة حالية مبنية لتلوح.
(وَيْلٌ) قيل: الويل الخزي والهلاك والمشقة من العذاب. قال الأبهري: جاز
الابتداء بالنكرة لأنه دعاء، وأصح الأقوال في معناه ما رواه ابن حبان في ((صحيحه))
من حديث أبي سعيد: ((واد في جهنم)). (لِلْأَعْقَابِ) أي: المرئية إذ ذاك، فاللام
للعهد، ويلتحق بها ما يشاركها في ذلك، ففي حديث عبد الله بن الحارث بن جزء
الزبيدي عند ابن خزيمة والطبراني ((وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ وَبُطُونِ الْأَقْدَامِ مِنَ النَّارِ)). قيل:
معناه: ((وَيْلٌ لِأَصْحَابِ الْأَعْقَابِ الْمُقَصِّرِينَ فَي غَسْلِهَا)) نحو: ﴿وَسْئَلِ اُلْقَرْيَةَ﴾
[يوسف: ٨٢] والأعقاب تختص بالعقاب إذا قصر في غسلها. (مِنَ النَّارِ) بيان للويل
كما في قوله: ﴿فَاجْتَلِبُواْ الرّحْسَ مِنَ الْأَوْثَنِ﴾ [الحج: ٣٠] ويجوز أن تكون بمعنى
((فِي)) كما في قوله تعالى: ﴿مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] أي: في يوم الجمعة. وفي
الوعيد والإنكار دليل على أن وظيفة الرجلين الغسل الوافي لا المسح، ولا الغسل
الخفيف المبقع المشابه للمسح، لأن الوعيد لا يكون إلا على ترك الواجب.
(أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ) أي: أَتِمُّوه وأكملوه، والوضوء هو غسل الأعضاء الثلاثة،
ومسح الرأس، فالأمر بإسباغ الوضوء أمر بتكميل الغسل وإبلاغ الماء كل ظاهر
أعضائه، فقوله: (أَسْبِغُوا) تأكيد للوعيد المذكور عام، يشمل الرجلين وغيرهما من
أعضاء الوضوء، لأنه لم يقل: أسبغوا الرجلين، بل قال: أسبغوا الوضوء، ومطلوبية
الإسباغ غير مختصة بالرجلين فكما أنه مطلوب فيهما كذلك مطلوب في غيرهما .
وتخصيص الوعيد بلفظ الأعقاب؛ إنما هو لأجل تقصيرهم في وظيفة الرجلين.
والحديث يدلّ على وجوب غسل الرجلين في الوضوء، وهو مذهب جمهور
المحدثين والمفسرين من أهل السنة. قال الحافظُ: قد تواترت الأخبار عن النبي
وَّه في صفة وضوئه أنه غسل رجليه، وهو المبين لأمر الله، وقد قال في حديث
عمرو بن عبسة الذى رواه ابن خزيمة وغيره مطولًا في فضل الوضوءِ: ((ثُمَّ يَغْسِلُ
قَدَمَيْهِ كَمَا أَمْرَهُ اللَّهُ))، ولم يثبت عن أحد من الصحابة خلاف ذلك إلّ من علي،
وابن عباس، وأنس، وقد ثبتَ عنهم الرجوع عن ذلك.
قال عبد الرحمن بن أبي ليلى: أجمع أصحاب رسول اللّه وَ له على غسل
القدمين، رواه سعيد بن منصور. وقال الطيبي: ذهب الشيعة إلى أنه يمسح على