النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٣٣٩- [٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ وَلَهُ بِقَبْرِيْنِ فَقَالَ: ((إِنَّهُمَا
لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِيَ كَبِيْرٍ، أَمَّاً أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ - وَفِي
رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: لَا يَسْتَنْزِهُ مِنَّ الْبَوْلِ - وَأَمَّا الْآخَرُ: فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، ثُمَّ
أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً فَشَقَّهَا بِنِصْفَيْنِ، ثُمَّ غَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرِ وَاحِدَةً)) قَالُوا: يَا
رَسُولَ اللَّهِ لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟ فَقَالَ رَسُولَ اللَّهِ: ((لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
یَیْبَسًا».
الشّرْجُ
٣٣٩- قوله: (مَرَّ النَّبِيُّ ◌َلَ بِقَبْرَيْنِ) أي: جدیدین كما في رواية ابن ماجه،
قال الحافظُ: الظاهر من مجموع طرق الحديث أن المقبورين كانا مسلمين.
(فَقَالَ: إِنَّهُمَا) أي: صاحبي القبرين. وقيل: أعاد الضمير إلى غير مذكور؛ لأن
سياق الكلام يدل عليه، وقيل: الضمير يرجع إلى قبرين بتقدير المضاف كما ذكرنا.
(وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ) أي: في أمرٍ كان يكبر ويشق عليهما الاحتراز عنه لو أراداه، لا
أنه في نفسه ليس بكبير، كيف وهما يعذبان فيه. فإن عدم التنزه يبطل الصلاة،
والنميمة سعي بالفساد المفضي إلى سفك الدماء، وأيضًا ورد في رواية للبخاري
(وَإِنَّهُ لَكَبِيرٌ)) فيحمل قوله: ((وإنه لكبير)) على كبر الذنب، وقوله: ((وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي
كَبِيرٍ)) على سهولة الدفع والاحتراز والتوقي. (لَا يَسْتَتِرْ مِنَ الْبَوْلِ) أي: من بوله كما
في رواية، فاللام عوض عن المضاف إليه، أو للعهد، والمعنى: لا يجعل بينه وبين
بوله سترة، يعني: لا يتحفظ منه، وفيه: دليل على نجاسة بول الإنسان، ووجوب
اجتنابه وهو إجماع، وعظم أمره، وأنه من أعظم أسباب عذاب القبر كالنميمة. (لَا
يَسْتَنْزِهُ مِنَ الْبَوْلِ) أي: لا يجتنب ولا يحترز عن وقوعه عليه، وقيل: أي لا يستبرئ
ولا يتطهر ولا يستبعد عنه. (فَكَانَ يَمْشِي) أي: بين الناس.
(٣٣٩) البُخَارِي (٢١٦)، مُسْلِم (١١١ / ٢٩٢)، أَبُو دَاوُد (٢٠)، التِّرْمِذِي (٧٠)، النَّسَائِي (٢٨/١)،
ابن مَاجَهْ (٣٤٧) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ إِلَّا النَّسَائِي، ففي الجنائز (١٠٦/٤).

كِتَابُ الطُّهَارَةِ
بَابُ آدَابِ الْخُلَاءِ
٢٠١
(بِالثَّمِيمَةِ) هي: نقل كلام الغير لقصد الإضرار. والباء للمصاحبة أو التعدية
على أنه بمعنى: يشهر النميمة بين الناس ويشيعها .
(ثُمَّ أَخَذَ) أي: النبي ◌َّ (جَرِيدَةً رَطْبَةً) بفتح الراء وسكون الطاء، أي: غصنًا من
النخل. (فَشَقَّهَا بِنِصْفَيْنٍ) مفعول مطلق، والباء زائدة للتأكيد، وقيل: حال أي:
جعلها مشقوقة حال كونها متلبسة بنصفين. (وَاحِدَةً) أي: من كل من الشقين. (لِمَ
صَنَعْتَ هَذَا؟) أي: الغرز. (لَعَلَّهُ) أي: العذاب، أو الهاء ضمير الشأن. (أَنْ يُخَفَّفَ
عَنْهُمَا) أي: صاحبي القبرين. (مَا لَم يَّيْبَسَا) بالتذكير، وبفتح الباء الموحدة،
ويجوز كسرها، أي: ما دام لم ييبس النصفان أو القضيبان، قيل: وجه هذا التحديد
أنه وسلّ سأل التخفيف عنهما وشفع لهما فأجيبت شفاعته بالتخفيف إلى مدة بقاء
النداوة، أي: جعل زمان بقاء النداوة والرطوبة علامة لتخفيف العذاب بشفاعته والخيل.
ودعائه، كما صرح به في حديث جابر في آخر ((صحيح مسلم))، لا أن في الجريد
معنى خصه، ولا أن في الرطب معنى ليس في اليابس، وهذا بناء على أن القصة في
حديث ابن عباس وحديث جابر واحدة كما رجحه النووي. وفيه نظر.
وقيل: تخفيف العذاب كان ببركة يده وَالر، فالحديث واقعة حال خاص لا يفيد
العموم .
وقيل: هو عام بدليل أنه تأسى بذلك بريدة بن الحصيب الصحابي، فأوصى أن
يوضع على قبره جريدتان، وروي نحوه عن أبي برزة الأسلمي، والظاهر عندي:
أنه مخصوص بالنبي ولّ ليس بعام، وأما ما يفعله القبوريون من وضع الرياحين
على القبور، وغرس الأشجار عليها، وسترها بالثياب، وإجمارها وتبخيرها
بالعود، واتخاذ السرج عليها فلا شك في كونه بدعة وضلالة. ومن زعم أن هذا
الحديث أصل لهذه الأمور المحدثة فقد جهل وافترى على رسول اللّه وَيه .
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الطهارة، والجنائز، والأدب، والحج، ومسلم
في الطهارة، وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه،
وغيرهم.

٢٠٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
i **
٣٤٠ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَُّنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((اتَّقُوا
اللَّعِنَيْنِ)) قَالُوا: وَمَا اللََّعِنَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ
النَّاسِ، أَوْ فِي ظِلّهِمْ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
الشُّؤْخُ
٣٤٠- قوله: (اللَّعِنَيْنِ) أي: الأمرين الجالبين للعن، الحاملين للناس
عليه، الداعيين إليه، فكأنهما لاعنان، من باب تسمية الحامل والداعي فاعلًا،
أي: اللذين هما سببا اللعنة غالبًا، وقد يكون اللاعن بمعنى الملعون، أي:
الملعون فاعلهما، ولفظ مسلم: ((اتَّقُوا اللَّغَانَيْنِ)). والمعنى: اتقوا فعلِ اللعانين
أي: صاحبي اللعن، وهما اللذان يلعنهما الناس في العادة. (الَّذِي يَتَخَلَّى) أي:
يتغوط أو يبول، بحذف المضاف، أي: أحدهما تَخَلِّي الذي يتخلى. (أَوْ فِي ظِلُّهِمْ)
أو للتنويع، والمراد بالظل: مستظل الناس الذي اتخذوه مقيلا ومناخًا ينزلونه
ويقعدون فيه، إذ ليس كل ظل يحرم القعود لقضاء الحاجة تحته، فقد قعد النبي وَ ال
تحت حائش النخل لحاجته وله ظل بلا شك، ويدل له حديث أحمد: ((أَوْ ظِلّ
يُسْتَظَلُّ بِهِ». والحديثُ يدلَّ على تحريم التخلي في طرق الناس وظلهم لما فيه أذية
المسلمين بتنجيس من يمر به ونتنه واستقذاره. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد
وأبو داود.
(٣٤٠) مُسْلِمٌ (٦٨ / ٢٦٩)، وَأَبُو دَاوُد (٢٥) فِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً.

كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ آدَاب الْحُلَاءِ
٢٠٣
٣٤١ - [٧] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((إِذَا شَرِبَ
أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الْإِنَاءِ، وَإِذَا أَتَى الْخَلَاءَ فَلَا يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَلَا
يَتَمَسَّحْ بِيَمِینِهِ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشَّرْحُ
٣٤١- قوله: (وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ) هو: أبو قتادة الأنصاري السلمي، فارس
رسول اللّه وَله، اسمه الحارث، وقيل: عمرو، وقيل: النعمان، وقيل: عون بن
ربعي بكسر الراء وسكون الموحدة بعدها مهملة مكسورة، والمشهور الحارث بن
ربعي بن بلدمة، وهو ممن غلبت عليه كنيته، صحابي مشهور، شهد أحدًا وما
بعدها، ولم يصح شهوده بدرًا. توفي بالكوفة سنة (٥٤) وهو ابن سبعين سنة، له
مائة وسبعون حديثًا، اتفقا على أحد عشر، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم
بثمانية. روى عنه جماعة.
(فَلَا يَتَنَفَّسْ) بالجزم و((لا)) ناهية في الثلاثة، وروي بالضم فيها على أن (لا))
نافية، والمعنى: لا يخرج نفسه. (فِي الِإِنَاءِ) أي: في داخله لئلا يقل برودة الماء
الكاسرة للعطش بحرارة النفس، أو كراهة أن ينحدر قذرة من نفسه، بل إذا أراد
التنفس فليرفع فمه عن الإناء فيتنفس ثم يشرب. (وَإِذَا أَتَى الْخَلَاءَ فَلَا يَمَسَّ) بفتح
الميم على الأفصح. (ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ) وفي رواية: ((إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَمَسَّ ذَكَرَهُ
بِيَمِينِهِ)) وِفي الأخرى: ((لَا يُمْسِكَنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَهُوَ يَبُولُ)). وهذه الروايات
كلها تدلَّ على أن النهي عن مسِّ الذكر باليمين مقيد بحالة البول، فيكون ما عداها
مباحًا، ويحمل على هذا المقيد ما ورد في بعض الروايات من النهي المطلق عن
مس الذكر باليمين لاتحاد المخرج والحديث.
وقيل: يكونُ ممنوعًا أيضًا من باب الأولى؛ لأنه نهى عن ذلك مع مظنة الحاجة
في تلك الحالة، ويؤيد القول الأول حديث طلق بن علي، وقد سأله وَّل عن مس
(٣٤١) البُخَارِي (١٥٣)، مُسْلِم (٦٣ / ٢٦٧)، أَبُو دَاوُد (٣١)، التِّرْ مِذِي (١٥)، ابن مَاجَهْ (٣١٠)،
النَّسَائِي (١ / ٢٥) عَنْ أَبِي قَتَادَةَ فِهِ .

٢٠٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
ذكره فقال: ((إنما هو بضعة منك))؛ لأنه يدل على الجواز في كل حال، فخرجت
حالة البول بهذا الحديث الصحيح، وبقي ما عداها على الإباحة، وإنما خص
النهي بحالة البول من جهة أن مجاور الشيء يعطى حكمه، فلما منع الاستنجاء
باليمين منع مس آلته حسمًا للمادة.
(وَلَا يَتَمَسَّحْ) بالسكون وضمها. (بِيَمِينِهِ) أي: لا يستنجي باليد اليمنى تكريمًا
لليمين. والحديث: دليل على تحريم الأمور الثلاثة المذكورة؛ لأنه الأصل في
النهي، ولا صارف له، وحمله الجمهور على التنزيه.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجاه في الطهارة والأشربة، وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي وأبو
داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم مطولاً ومختصرًا.
٣٤٢ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَو ◌َهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((مَنْ تَوَضَّأَ
فَلْيَسْتَنْثِرْ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشَّرْحُ
٣٤٢- قوله: (مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ) من الاستنثار وهو: طرح الماء الذي
يستنشقه، ولم یذکر الاستنشاق؛ لأن ذكر الاستنثار دلیل علیه، إذ لا يكون إلا منه.
وفيه دليل على وجوب الاستنثار، وفيه خلاف، وسيأتي الكلام فيه في سنن الوضوء
إن شاء الله تعالى. (وَمَنِ اسْتَجْمَرَ) أي: استنجى بالجمرة أي الحجر. (فَلْيُوتِرْ)
يشمل الإنقاء بالواحد أيضًا لكن يحمل هذا المطلق على المقيد في الروايات
الأخر .
والمعنى: فليوتر بثلاث أو خمس أو سبع أو غير ذلك، والواجب الثلاثة لتلك
الروايات وما زاد عليها مستحب لقوله: ((ومن لا فلا حرج)).
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد والنسائي وابن ماجه.
(٣٤٢) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٦١)، مُسْلِم (٢٢ / ٢٣٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهِ.

كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ آدَابِ الْخُلَاءِ
٢٠٥
٣٤٣ - [٩] وَعَنْ أَنَس قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهِ يَدْخُلُ الْخَلَاءَ،
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلَامٌ إِدَاوَةً مِنْ مَاءٍ وَعَنَزَةً يَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ.
الشّرْخُ
٣٤٣- قوله: (يَدْخُلُ الْخَلَاءَ) المراد بالخلاء هاهنا الفضاء؛ بقرينة العنزة؛
لأنه كان إذا توضأ صلى إليها في الفضاء، أو يستتر بها بأن يضع عليها ثوبًا أو يركزها
بجنبه لتكون إشارة إلى منع من يروم المرور بقربه، أو ينبش الأرض الصلبة لئلا
يرتد البول إليه، أو لغير ذلك من قضاء الحاجات التي تعرض له، ولأن خدمته في
البيوت تختص بأهله. (وَغُلَامٌ) زاد في رواية لمسلم: ((نَحْوِي)) والغلام هو
المترعرع، قيل: إلى حد السبع سنين، وقيل: إلى الالتحاء، ويطلق على غيره
مجازًّا، قيل: أراد بالغلام الآخر ابن مسعود، وأراد بقوله: ((نَحْوِي)) أي: في كونه
كان يخدمه وَّله، فإن ابن مسعود كان صاحب سواد رسول اللّه وَل يحمل نعله
وسواكه، أو أطلق عليه الغلام مجازًا، وقيل: هو أبو هريرة، وقيل: جابر بن
عبد الله، وفيه دليل على جواز الاستخدام للصغير.
(إِدَاوَةً) بكسر الهمزة أي مطهرة، وهي إناء صغير من جلد يتخذ للماء. (مِنْ مَاءٍ)
أي: مملوءة منه. (عَنَزَةً) بالنصب عطفًا على الإداوة، بفتح النون أطول من العصا
وأقصر من الرمح فيها سنان. (يَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ) يؤخذ منه ومن غيره أنه وَّ كان
يقتصر على الماء تارة وعلى الحجر أخرى، وكثيرًا ما كان يجمع بينهما، قاله
القاري. وفيه رد على من أنكر أن يكون النبي وَ لّ استنجى بالماء وهو مالك ومن
وافقه. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود والنسائي.
-
(٣٤٣) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٥٠، ٥٠٠)، مُسْلِم (٧٠/ ٢٧١) عَنْ أَنَسٍ فِيهِ.

٢٠٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثاني
٣٤٤ - [١٠] عَنْ أَنَسِ قَالَ: كَانَ النَِّيُّ بِّهِ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ نَزَعَ
خَاتَمَهُ.
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسِنْ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ. وَفِي رِوَايَتِهِ: وَضَعَ. بَدَلَ: نَزَعَ] {ضعيف}
الشّرْحُ
٣٤٤ - قوله: (إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ) أي: أراد دخوله. (نَزَعَ) أي: أخرج من
إصبعه. (خَاتَمَهُ) بفتح التاء، وقيل: بكسرها؛ لأن نقشه: مُحَمَّد رَسُول اللَّه. وفيه:
دليل على تبعيد ما فيه ذكر الله عند قضاء الحاجة، والقرآن بالأولى، حتى قيل:
يحرم إدخال المصحف في الخلاء لغير ضرورة. قال الأمير اليماني: هذا فعل
منه وَلّ، وقد عرف وجهه، وهو صيانة ما فيه ذكر الله رم عن المحلات المستخبثة
فدل على ندبه، وليس خاصًّا بالخاتم، بل في كل ملبوس فيه ذكر الله، انتهى.
وقال الطيبي: فيه دليل على وجوب تنحية المستنجي اسم الله واسم رسوله
والقرآن، قيل: فلو غفل عن تنحية ما فيه ذكر الله حتى اشتغل بقضاء الحاجة، أو
خاف ضياعه، غيَّه في فمه، أو في عمامته، أو نحوها.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ... ) إلخ. وأخرجه أيضًا ابن ماجه وابن حبان والحاكم كلهم من
طريق همام عن ابن جريج عن الزهري عن أنس. (وَقَالَ) أي: الترمذي: (هَذَا
حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ) وافقه المنذري في تصحيحه وصوبه، وقال: رواته
ثقات أثبات، وتبعه أبو الفتح القشيري في آخر ((الاقتراح))، ومال إلى تصحيحه
موسى بن هارون، وصححه ابن حبان، وقال النووي في ((الخلاصة)): هذا - أي:
تصحیح الترمذي - مردود عليه.
(٣٤٤) أَبُو دَاوُد (١٩)، التِّرْمِذِي (١٧٤٦)، النَّسَائِي (٨/ ١٧٨)، ابن مَاجَهْ (٣٠٣) عَنْ أَنَسٍ فِيهِ، وَقَالَ
التِّزْمِذِي: غَرِيبٌ، وَقَالَ أَبُو دَاوُد: مُنْكَرٌ؛ وَهِمَ فِيهِ هَمَّمٌ، وَخَالَفَ التِّرْمِذِي فَصَخَّحَهُ.

كِتَابُ الطَّهَارَةِ
13
بَابُ آدَابِ الْخُلَاءِ
٢٠٧
(وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ) وقال النسائي: إنه غير محفوظ، وذكر
الدار قطني الاختلاف فيه، وأشار إلى شذوذه.
والمنكر: ما رواه الضعيف مخالفًا للثقة، ومقابله ((المعروف))، وهو هاهنا
حديث ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن أنس قال: ((إِنَّ النَّبِيّ وَالِه
اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ ثُمَّ أَلْقَاهُ))، والوهم فيه من همام كما قاله أبو داود، ولم يرو
حديث أنس بلفظ: ((إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ وَضَعَ خَاتَمَهُ))، وقد خالف أصحاب ابن
جريج .
وإطلاق المنكر على حديث همام هذا إنما هو على مذهب ابن الصلاح من عدم
الفرق بين الشاذ والمنكر، وحكم النسائي عليه بكونه غير محفوظ أصوب، فإنه
شاذ في الحقيقة على مذهب الجمهور من الفرق بين المنكر والشاذ، إذ المتفرد به
وهو همام، من شرط الصحيح، وثقه ابن معين وغيره، وقال أحمد: ثبت في كل
المشائخ لكنه بالمخالفة صار حديثه شاذًّا .
وقد نوزع أبو داود في حكمه على هذا الحديث بالنكارة مع أن رجاله رجال
الصحيح، نازعه المنذري وموسى بن هارون وغيرهما، قال موسى بن هارون: لا
أدفع أن يكونا حديثين، ومال أيضًا إليه ابن حبان فصحح حديثين معًا، وقد تابع
همامَ: يحيى بنُ الضريس البجلي، ويحيى بنُ المتوكل البصري، أخرجهما
الحاكم والدار قطني، وقد رواه عمرو بن عاصم وهو من الثقات عن همام موقوفًا
على أنس، وقال المارديني في ((الجوهر النقي)): الحديثان مختلفان متنًا وكذا
سندًا؛ لأن الأول رواه ابن جريج عن الزهري بلا واسطة والثاني بواسطة، فانتقال
الذهن من الحديث الذي قال أبو داود فيه: إنما يعرف عن ابن جريج، عن زياد بن
سعد، عن الزهري، عن أنس قال: ((إِنَّ النَّبِيَّ وَ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ ثُمَّ أَلْقَاهُ)) إلى
حديث وضع الخاتم مع اختلافهما سندًا ومتنًا كما بيناه، لا يكون إلا عن غفلة
شديدة، وحال همام لا يحتمل مثل ذلك، هذا مع أن له شاهدًا أخرجه البيهقي، عن
يحيى بن المتوكل عن ابن جريج عن الزهري عن أنس ... إلخ.
وذكر الدارقطني في كتاب ((العلل)): أن يحيى بن الضريس رواه عن ابن جريج
كرواية همام، فهذه متابعة ثانية، وابن ضريس ثقة، فتبين بذلك أن الأمر فيه كما

٢٠٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
ذكر الترمذي من الحسن والصحة، انتهى مختصرًا.
وقال الحافظ - بعد بيان وجه حكم أبي داود على هذا الحديث بالنكارة والكلام
في متابعة يحيى بن المتوكل - ما نصه: على أن للنظر مجالًا في تصحيح حديث
همام؛ لأنه مبني على أن أصله حديث الزهري عن أنس في اتخاذ الخاتم، ولا مانع
أن يكون هذا متنًا آخر غير ذلك المتن، وقد مال إلى ذلك ابن حبان فصححهما
جميعًا، ولا علة له عندي إلا تدليس ابن جريج، فإن وجد عنه تصريح بالسماع فلا
مانع من الحكم بصحته، انتهى. وإن شئت مزيد التفصيل فارجع إلى ((التلخيص))
(ج١: ص٣٩) و((عون المعبود)) (ج١: ص٩، ٨) و((الجوهر النقي)).
(وَفِي رِوَايَتِهِ) أي: أبي داود. (وَضَعَ) أي: من يده. (بَدَلَ نَزَعَ) أي: من إصبعه،
ولا تفاوت واختلاف بينهما معنى.
٣٤٥ - [١١] وعَنْ جَابِرِ قَالَ: كَانَ النَِّيُّ ◌َّهِ إِذَا أَرَادَ الْبَرَازَ انْطَلَقَ حَتَّى
لَا يَرَاهُ أَحَدٌ.
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {صحيح}
الشّرْحُ
٣٤٥- قوله: (الْبَرَازَ) أي: الفضاء أو قضاء الحاجة بفتح الباء والكسر لغة
قليلة، الفضاء: الواسع من الأرض، ثم كنوا به عن الغائط، يقال: تبرز أذا تغوط،
وهو أن يخرج إلى البراز كما قيل: تخلى إذا صار إلى الخلاء. (انْطَلَقَ) أي: ذهب
في الصحراء. (حَتَّى لا يَرَاهُ أَحَدٌ) أي: إلى أن يصل إلى موضع لا يراه فيه أحد،
وفيه دليل على مشروعية التباعد عند الحاجة عن حضور الناس إذا كان في مراح من
الأرض، ويدخل في معناه: الاستتار بالأبنية، وضرب الحجب، وإرخاء الستر،
وإعماق الآبار والحفائر، ونحو ذلك من الأمور الساترة للعورات، وكل ما ستر
العورة عن الناس. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وسكت عنه، وفيه: إسماعيل بن عبد الملك
الكوفي قد تكلم فيه غير واحد، وقال الحافظُ: صدوق كثير الوهم، وأخرجه أيضًا
(٣٤٥) أَبُو دَاوُد (٢)، ابن مَاجَهْ (٣٣٥) فِيهِ عَنْ جَابِرٍ .

٢٠٩
كِتَابُ الطّهَارَةِ
بَابُ آدَاب الْخُلَاءِ
ابن ماجه، وفيه أيضًا: إسماعيل بن عبد الملك، ويؤيده حديث المغيرة بن شعبة
عند الترمذي وصححه، وأبي داود والنسائي وابن ماجه بلفظ: ((كانَ إذا ذهبَ
المذهبَ أبعد)).
٣٤٦ - [١٢] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ وَِّ ذَاتَ يَوْمِ، فَأَرَادَ
أَنْ يَبُولَ، فَأَتَّى دَمِثًا فِي أَصْلِ جِدَارٍ ، فَبَالَ، ثُمَّ قَالَ: ((إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَبُولَ
فَلْيَرْتَدْ لِبَوْلِهِ».
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {ضعيف}
الشَّرْحُ
٣٤٦- قوله: (ذَاتَ يَوْم) أي: يوما، و((ذات)) زائدة، وقيل: كناية عن
الساعة، أي: كنت يومًا أو ساعَّة يوم معه عليه الصلاة والسلام. (دَمِثًّا) بفتح الدال
وكسر الميم، قال الخطابي: الدمث المكان السهل الذي يجذب فيه البول فلا يرتدُ
على البائل، يقال للرجل إذا وصف باللين والسهولة: إنه لدمث الأخلاق، وفيه
دمائة. ويقال: دَمِثَ المكان كفرح دمثًا أي: لَانَ وسهل. (فِي أَصْلِ جِدَارٍ) أي:
قريب منه. (فَلْيَرْتَدْ) بسكون الدال المخففة من الارتياد، أي: فليطلب مكانًا مثل
هذا، فحذف المفعول لدلالة الحال عليه. وفيه دليل على أنه ينبغي لمن أراد قضاء
الحاجة أن يعمد إلى مكان لين سهل لا صلابة فيه ليأمن من رجوع رشاش البول
ونحوه علیه .
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وأخرجه أيضًا أحمد، والبيهقي. والحديث في سنده رجل
مجهول ولذا ضعفه النووي، وهو وإن كان ضعيفًا فأحاديث الأمر بالتنزه عن البول
تفيد ذلك، وقد روى الطبراني في ((الأوسط)) عن أبي هريرة قال: كان رسول الله
وَاله يتبوأ لبوله كما يتبوأ لمنزله.
قال الهيثمي (ج١: ص٢٠٤): هو من رواية يحيى بن عبيد بن دجي عن أبيه،
ولم أر من ذكرها، وبقية رجاله موثقون.
(٣٤٦) أَبُو دَاوُد (٣) عَنْ أَبِي مُوسَى فِيهِ، وفيه راوٍ لم يُسَمَّ.

٢١٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٣٤٧ - [١٣] وَعَنْ أَنَسِ رَضِفَهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َِّهِ إِذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ لَمْ
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ والدَّارِمِيُّ] {صحيح }
يَرْفَعْ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنَ الْأَرْضِ.
الشَّرْحُ
٣٤٧- قوله: (إِذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ) أي: قضاء الحاجة، يعني: إذا أراد القعود
للغائط أو البول.
(لَمْ يَرْفَعْ ثَوْبَهُ) مبالغة في دوام التستر. (حَتَّى يَدْنُوَ) أي: يقرب. (مِنَ الْأَرْضِ)
احتراز عن كشف العورة، وهذا من أدب قضاء الحاجة، ويستوي فيه الصحراء
والبنيان؛ لأن في رفع الثوب كشف العورة، وهو لا يسوغ إلا عند الحاجة، ولا
ضرورة في الرفع قبل القرب من الأرض قاله الطيبي، وقال العزيزي: لم يرفع
ثوبه، أي: لم يتم رفعه حتى يدنو من الأرض، فيندب رفعه شيئًا محافظة على الستر
ما لم يخف تنجس ثوبه وإلا رفعه بقدر حاجته، انتهى. ويمكن أن نستنبط منه
قولهم: ما أبيح للضرورة يتقدر بقدر الضرورة.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ والدَّارِمِيُّ) أخرجه الترمذي والدارمي من طريق
عبد السلام بن حرب عن الأعمش عن أنس. وقال الترمذي: وروى وكيع
والحماني عن الأعمش قال: قال ابن عمر: كَانَ الشَِّيُّ وَ إِذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ ...
الحديث، قال: وكلا الحديثين مرسل، أي: منقطع؛ لم يسمع الأعمش من
أنس بن مالك، ولا من أحد من أصحاب النبي وَله .. وأخرجه أبو داود من طريق
وكيع، عن الأعمش عن رجل عن ابن عمر: أَنَّ النَّبِيَّ وَجَهَ كَانَ ... الحديث. قال:
رواه عبد السلام بن حرب، عن الأعمش عن أنس بن مالك وهو أي الحديث
ضعيف، أي: لجهالة الراوي عن ابن عمر في الأول، والانقطاع في الثاني.
وأخرجه أيضًا الطبراني في ((الأوسط)) عن جابر، قال الهيثمي: وفيه الحسين بن
عبيد الله العجلي، قيل فيه: كان يضع الحديث.
(٣٤٧) التِّرْمِذِي (١٤) عَنْهُ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد (١٤) فِيهِ عَنِ ابن عمر، وَضَعَّفَهُ التِّرْمِذِي.

٢١١
بَابُ آدَاب الْخُلَاءِ
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
HOME *
HE
ee
٣٤٨ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلِ: ((إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ
مِثْلُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ أُعلِّمُكُمْ: إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ، وَلَا
تَسْتَدْبِرُوهَا)) وَأَمَرَ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ ، وَنَهَى عَنِ الرَّوْثِ وَالرِّمَّةِ، وَنَهَى أَنْ يَسْتَطِيبَ
الرَّجُلُ بِيَمِينِهِ.
[رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ] {حسن}
الشّرْحُ
٣٤٨ - قوله: (إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ مِثْلُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ) أي: في الشفقة. (أُعَلِّمُكُمْ) كما
يعلم الوالد ولده كل ما يحتاج إليه ولا يبالي بما يستحيي بذكره، فهذا تمهيد لما
يبين لهم من آداب الخلاء، إذ الإنسان كثيرًا ما يستحي من ذكرها، سيما في مجلس
العظماء، وفي هذا بيان وجوب إطاعة الآباء، وأن الواجب عليهم تأديب أولادهم
وتعليمهم ما يحتاجون إليه من أمور دينهم.
(وَأَمَرَ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ) لأن المطلوب شرعًا الإِنقاء والإيتار، وهما يحصلان بثلاثة
أحجار. (وَنَهَى عَنِ الرَّوْثِ وَالرِّمَّةِ) أي: عن استعمالها في الاستنجاء. الروث:
رجيع ذوات الحوافر، ذكره صاحب ((المحكم)) وغيره، قال السندهي: والأشبه أن
يراد هاهنا رجيع الحيوان مطلقًا، ليشمل رجيع الإنسان، وذكر بإطلاق اسم الخاص
على العام، ويحتمل أن يقال: ترك ذكر رجيع الإنسان؛ لأنه أغلظ فيشمله النهي
بالأولى، و((الرِّمَّة)) بكسر الراء وتشديد الميم: العظم البالي، ولعل المراد هاهنا
مطلق العظم. ويحتمل أن يقال: العظم البالي لا ينتفع به، فإذا منع عن تلويثه فغيره
أولى، قاله السندهي. ويجوز أن يكون الرمة جمع الرميم أي العظام البالية، قال
في ((شرح السنة)): تخصيص النهي بهما يدل على أن الاستنجاء يجوز بكل ما يقوم
مقام الأحجار في الإنقاء، وهو كل جامد طاهر قالع للنجاسة، غير محترم من مدر
وخشب وخرق وخزف انتهى. (أَنْ يَسْتَطِيبَ) أي: يستنجي. (الرَّجُلُ) وكذا
المرأة، قال الطيبي: سمى الاستنجاء استطابة لما فيه من إزالة النجاسة وتطهيرها.
(٣٤٨) أَبُو دَاوُد (٨)، النَّسَائِي (١/ ٣٨)، ابن مَاجَهْ (٣١٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، كُلُّهُمْ فِيهِ، وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِم
(٢٦٥).

٢١٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ) بسند حسن، وأخرجه أيضًا الشافعي وأحمد وأبو داود
والنسائي وابن حبان وابن خزيمة، وأبو عوانة في (صحيحه)) بألفاظ متقاربة،
وسکت عنه أبو داود والمنذري.
٣٤٩ - [١٥] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ الْيُمْنَى
لِطُهُورِهِ وَطَعَامِهِ، وَكَانَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى لِخَلَائِهِ وَمَا كَانَ مِنْ أَذَّى.
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {صحيح}
الشّرْجُ
٣٤٩ - قوله: (لِطُهُورِهِ) بضمِّ الطاءِ، أي: لوضوئه فيما لم يعهد فيه المقارنة،
ويكون من باب التشريف، بخلاف غسل الوجه ومسح الرأس والأذن، فإن
المعهود في هذه الأشياء قران اليسار باليمين. (وَطَعَامِهِ) أي: لأكله وشربه وما كان
من مكرم كالإعطاء واللبس والسواك والتنعل والترجل والمصافحة والاكتحال.
(لِخَلَائِهِ) أي: لأجل استنجائه في الخلاء. (وَمَا كَانَ) تامة أي ما وجد ووقع. (مِنْ
أَذَى) ((من)) بيانية أي ما تستكرهه النفس الزكية كالمخاط والرعاف وخلع الثوب.
والظاهر أن إدخال الماء في الأنف باليمين والامتخاط باليسار.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في الطهارة، وأخرجه أيضًا أحمد والطبراني كلهم من طريق
إبراهيم النخعي عن عائشة، قال المنذري: إبراهيم لم يسمع من عائشة، فهو
منقطع. وأخرجه أبو داود من طريق أخرى عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة
بمعناه. وأخرجه في اللباس من حديث مسروق عن عائشة، ومن ذلك الوجه
أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجه، ويأتي في آخر الفصل الأول من
سنن الوضوء.
(٣٤٩) أَبُو دَاوُد (٣٣) عَنْ عَائِشَةَ ﴿َّا فِيهِ، وَهُوَ مَعْلُومٌ.

كِتّابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ آدَابِ الْخُلَاءِ
٢١٣
٣٥٠ - [١٦] وَعَنْهَا قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَهِ: ((إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إِلَى
الْغَائِطِ فَلْيَذْهَبْ مَعَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ ، يَسْتَطِيبُ بِهِنَّ، فَإِنَّهَا تُجْزِئُ عَنْهُ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ والدَّارِمِيُّ] {حسن}
الشَّرْخُ
٣٥٠- قوله: (إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْغَائِطِ) أي: الخلاء. (فَلْيَذْهَبْ) أمر
وجوب. (مَعَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ) الباء للتعدية. (يَسْتَطِيبُ) بالرفع مستأنف، علة للأمر
أو حال بمعنى عازمًا على الاستطابة. (بِهِنَّ) الباء للآلة. (فَإِنَّهَا) أي: الأحجار.
(تُجْزِئُ) من الإجزاء أي تكفي وتغني، وفي بعض النسخ : ((تَجْزِيْ)) بفتح التاء وكسر
الزاي بعده ياء، من جزى يجزى مثل قضى يقضي وزنًا ومعنى، قاله القاري. (عَنْهُ)
أي: عن المستنجي، أو عن الماء المفهوم من المقام، وهو الأظهر معنى.
والحاصل: أن الاستطابة بالأحجار تكفي المستنجي، أو تكفي عن الماء وتنوب
عنه، وإن بقي أثر النجاسة بعد ما زالت عين النجاسة وجرمها وذلك رخصة، ففيه
دليل على كفاية الأحجار وعدم وجوب الاستنجاء بالماء، وهو أيضًا يدل على
وجوب الاستجمار بثلاثة أحجار؛ لأن الإجزاء يستعمل غالبًا في الواجب.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ ... ) إلخ. وأخرجه أيضًا الدار قطني، وقال: إسناده صحيح.
٣٥١- [١٧] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((لَا تَسْتَنْجُوا
بِالرَّوْثِ وَلَا بِالْعِظَامِ؛ فَإِنَّهَا زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنَ الْجِنِّ)).
[رَوَاهُ التَّْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ إِلَّ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: ((زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنَ الجِنِّ)] (صحيح)
الشُرْحُ
٣٥١- قوله: (فَإِنَّهَا) وفي بعض النسخ ((فإنه)). قال الطيبي: الضمير في
(٣٥٠) أَبُو دَاوُد (٤٠)، النَّسَائِي (١/ ٤٢.٤١) عَنْ عَائِشَةَ فِيه.
(٣٥١) التِّرْ مِذِي (١٨) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِيهِ.

٢١٤
ese
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
((فَإِنَّه)) راجع إلى الروث والعظام باعتبار المذكور، كما ورد في ((شرح السنة))،
و((جامع الأصول))، وفي بعض نسخ ((المصابيح)). وفي بعضها و((جامع
الترمذي)): ((فَإِنَّهَا)) فالضمير راجع إلى العظام، والروث تابع لها، عليه قوله
تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْ تِجَرَةً أَوْ لَوَّا أُنْفَضُوْاْ إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١] انتهى.
وقال ابن حجر المكي: وسكت عن الروث؛ لأن كونه زادًا لهم إنما هو مجاز،
لما تقرر أنه لدوابهم، انتهى.
وفي رواية أحمد ومسلم في قصة ذهابه إلى الجن وقراءته عليهم القرآن وسألوه
الزاد فقال: ((لَكُمْ كُلُّ عَظْم ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لَحْمًا،
وَكُلُّ بَعَرَةٍ عَلَفٌ لِدَوَابّكُمْ))َ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((فَلاَ تَسْتَنْجُوا بِهِمَا فَإِنَّهُمَا طَعَامُ
الْجِنِّ» (زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنَ الْجِنِّ) قال الطيبي: فيه أن الجن مسلمون حيث سماهم
إخوانًا وأنهم ليأكلون.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في الطهارة وفي التفسير. (وَالنَّسَائِيُّ) في الطهارة. وأصل
حديث ابن مسعود هذا عند مسلم، وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود والدار قطني
والحاکم من طرق عنه.
٣٥٢ - [١٨] وَعَنْ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((يَا
رُوَيْفِعُ لَعَلَّ الْحَيَاةَ سَتَطُولُ بِكَ بَعْدِي، فَأَخْبِرِ النَّاسَ أَنَّ مَنْ عَقَدَ لِحْيَتَهُ، أَوْ
تَقَلَّدَ وَتَرًّا، أَوِ اسْتَنْجَى بِرَجِيعِ دَابَّةٍ أَوْ عَظْمٍ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا مِنْهُ بَرِيٌ).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {صحيح}
الشَّرْحُ
٣٥٢- قوله: (وَعَنْ رُوَيْفِع) بضمِّ الراء وكسر الفاء تصغير رافع، بكسر الفاء،
ابن ثابت بن السكن بن عدي بن حارثة الأنصاري المدني، صحابي سكن مصر،
(٣٥٢) أَبُو دَاوُد (٣٦)، النَّسَائِي (٨/ ١٣٥ .١٣٦) عَنْ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ، وَفِيهِ قِصَّةٌ.

٢١٥
كِتّابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ آدَابٍ الْخُلَاءِ
وأمَّره معاوية على طرابلس سنة (٤٦) فغزا إفريقية. قال أحمد بن البرقي الفتياني:
توفي ببرقة سنة (٥٦) وهو أمير عليها، وقد رأيتُ قبره بها. له ثمانية أحاديث، روى
عنه حنش الصنعاني وبسر بن عبيد الله.
(لَعَلَّ الْحَيَاةَ سَتَطُولُ بِكَ) الباء للإلصاق. (بَعْدِي) أي: بعد موتي، وقد ظهر
مصداق ذلك، فطالت به الحياة حتى مات سنة (٥٦) بإفريقية، وهو آخر من مات
بها من الصحابة كما ذكره أبو زكريا بن منده.
(فَأَخْبِرِ النَّاسَ) الفاء جزاء شرط محذوف والتقدير: فإذا طالت فأخبر،
والمعنى: لعل الحياة ستمتد حال كونها ملتصقة بك، حتى ترى الناس قد ارتكبوا
أمورًا من المعاصي يتجاهرون بها، فإذا رأيت ذلك فأخبرهم. (مَنْ عَقَدَ لِحْيَتَهُ)
قيل: هو معالجتها حتى تنعقد وتنجعد. وقيل: كانوا يعقدونها في الحرب،
فأمرهم بإرسالها، كانوا يفعلون ذلك تكبرًا وعجبًا، وقيل: هو فتلها كفتل
الأعاجم. (أَوْ تَقَلِّدَ وَتَرًا) بفتحتين وتر القوس، أو مطلق الحبل والخيط.
قيل: المراد به ما كانوا يعلقونه عليهم وعلى أولادهم وخيلهم من العوذ
والتمائم التي يشدونها بتلك الأوتار، ويرون أنها تعصم من الآفات والعين. وقيل:
النهي من جهة تعليق الأجراس عليها. وقيل: لئلا تختنق الخيل عند شدة الركض.
(أَوِ اسْتَنْجَى بِرَجِيعِ دَابَّةٍ) هو الروث والعذرة. (فَإِنَّ مُحَمَّدًا مِنْهُ بَرِيٌ) هذا من باب
الوعيد والمبالغة في الزجر الشديد، وقوله: ((مِنْهُ بَرِيءٌ))، هكذا في بعض النسخ
وكذا وقع عند أبي داود، وفي بعض نسخ ((المشكاة)) ((بَرِئَ مِنْهُ)) وهكذا وقع في
رواية النسائي.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في الطهارة وسكت عنه هو والمنذري، وأخرجه أيضًا النسائي
في الزينة.

٢١٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
** ese
٣٥٣- [١٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ إِ: ((مَنِ اْتَحَلَ
فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَلَ فَقْدَ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَلَ
فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ، وَمَنْ أَكَلَ فَمَا تَخَلَّلَّ فَلْيَلْفِظْ، وَمَا لَكَ بِلِسَانِهِ
فَلْيَبْتَلِعْ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ، وَمَنْ أَتَى الْغَائِطَ فَلْيَسْتَِرْ، فَإِنْ
لَمْ يَجِدْ إِلَّا أَنْ يَجْمَعَ كَثِيبًا مِنْ رَهْلِ فَلْيَسْتَدْبِرْهُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَلْعَبُ بِمَقَاعِدٍ
بَنِي آدَمَ، مَنْ فَعَلَ فَقَّدْ أَحْسَنَ، وَمَنَّ لَا فَلَا حَرَجَ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وابْنُ مَاجَهْ والدَّارِمِيُّ] {ضعيف}
الشَّرْحُ
٣٥٣- قوله: (مَن اكْتَحَلَ) أي: أراد الاكتحال. (فَلْيُوتِرْ) أي: ثلاثًا متوالية
في كل عين، وقيل: ثلاثًا في اليمنى واثنين في اليسرى ليكون المجموع وترًا،
والتثليث علم من فعله وَلّر، ففي ((شمائل الترمذي)) أنه كانت له مكحلة يكتحل كل
ليلة ثلاثة في هذه وثلاثة في هذه. (مَنْ فَعَلَ) كذلك. (فَقْدَ أَحْسَنَ) أي: فعل فعلًا
حسنًا ويثاب عليه؛ لأنه سنة رسول اللّه وَثله. (وَمَنْ لَا) أي: لا يفعل الوتر. (فَلَا
حَرَجَ) فيه دليل على أن أمره ◌َ له يدلَّ على الوجوب وإلا لما احتاج إلى بيان سقوط
وجوبه بقوله: ((لا حرج)) أي: لا إثم، قاله الطيبي.
(وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ) هذا محمول على أن
القطع على وتر سنة فيما إذا زاد على ثلاث جمعًا بين النصوص، وقال الشوكاني:
الأدلة المتعارضة قد دلت على عدم جواز الاستجمار بدون ثلاث، وليس لمن جوز
دليل يصلح للتمسك به في مقابلتها، انتهى وقد تقدم الكلام عليه في شرح حديث
سلمان من الفصل الأول.
(فَمَا تَخَلَّلَ) ما شرطية، أي: أخرج من بين أسنانه بعود ونحوه. (فَلْيَلْفِظْ) بكسر
الفاء، أي: فليرم به وليخرجه من فمه، وهو جزاء قوله: ((ما تخلل))، والشرطية
جزاء الشرط الأول. (وَمَا لَاَ) عطف على ((ما تخلل))، واللوك إدارة الشيء في
(٣٥٣) أَبُو دَاوُد (٣٥)، وابن مَاجَهْ (٣٣٧، ٣٣٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فيه، وَفِيهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ.

٢١٧
كِتّابُ الطَّهَارَةِ
13
بَابُ آدَابِ الْخَلَاءِ
HER
ENCE
الفم، قيل: معناه: أنه ينبغي للآكل أن يلقي ما يخرج من بين أسنانه بعود ونحوه لما
فيه من الاستقذار، ويبتلع ما يخرج بلسانه، وهو معنى ((لَاَكَ))؛ لأنه لا يستقذر،
ويحتمل أن يكون المراد بـ((مَا لَاَكَ)) ما بقي من آثار الطعام على لحم الأسنان وسقف
الحلق وأخرجه بإدارة لسانه، وأما الذي يخرج من بين أسنانه فيرميه مطلقًا، سواء
أخرجه بعود أو باللسان؛ لأنه يحصل له التغيير غالبًا. (مَنْ فَعَلَ) أي: ما ذكر من
رمي ذاك وابتلاع هذا. (وَمَنْ أَتَى الْغَائِطَ) أي: الخلاء. (فَلْيَسْتَتِرْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) أي:
شيئًا ساترًا. (إِلَّا أَنْ يَجْمَعَ كَثِيبًا) أي: كومة. (مِنْ رَمْلِ فَلْيَسْتَدْبِرْهُ) أي: ليجعله
خلفه لئلا يراه أحد، قال الطيبي: الاستثناء متصل، أي: فإن لم يجد ما يستتر به إلا
جمع كثيب من رمل فليجمعه ويستدبره؛ لأن القبل يسهل ستره بالذيل ونحوه.
(فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَلْعَبُ بِمَقَاعِدِ بَنِي آدَمَ) أي: يقصد الإنسان بالشر في تلك
المواضع، يعني: يحضر تلك الأمكنة وترصدها بالأذى والفساد؛ لأنها موضع
يهجر ذكر اللَّه فيه، فأمر بستر العورات ما أمكن، والامتناع من التعرض لأبصار
الناظر، وهبوب الرياح، وترشش البول على ثيابه وبدنه، وكل ذلك من لعب
الشيطان به، وقصده إياه بالأذى. والمقاعد جمع مقعدة يطلق على أسفل البدن،
وعلى موضع القعود لقضاء الحاجة، وكلاهما يصح إرادته، وعلى الأول: الباء
للإلصاق، وعلى الثاني: للظرفية. قال السندهي: لا بد من اعتبار قيد على الأول،
أي: يلعب بالمقاعد إذا وجدها مكشوفة، فليستتر ما أمكن، انتهى.
(مَنْ فَعَلَ) أي: جمع الكثيب والستر. (فَقْدَ أَحْسَنَ) بإتيان السنة. (وَمَنْ لَا) بأن
كان في الصحراء من غير ستر. (فَلَا حَرَجَ) أي: إذا لم يره أحد، وأما عند الضرورة
فالحرج على من نظر إليه.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ... ) إلخ. وأخرجه أيضًا ابن حبان والحاكم والبيهقي كلهم من
طريق حصين الحبراني، قال الذهبي: لا يعرف. وقال الحافظُ: مجهول. عن أبي
سعيد الحبراني الحمصي التابعي. قال أبو زرعة: لا يعرف. وقال الحافظُ:
مجهول، وذكرهما ابن حبان في ((الثقات)). وقال أبو زرعة: حصين الحبراني
شيخ، وقال الحافظ في ((الفتح)) في حديث أبي هريرة هذا: حسن الإسناد.

EBENE
٢١٨
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
٣٥٤ - [٢٠] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّل قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((لَا
يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي مُسْتَحَمِّهِ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ، أَو يَتَوَضَّأُ فِيهِ، فَإِنَّ عَامَّةَ الْوَسْوَاسِ
مِنْهُ)). [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ إِلَّ أَنَهُمَا لَمْ يَذْكُرَا: (ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ، أو يَتَوَضَّأُ فِيهِ)]
{ضعيف }
الشَّرْحُ
٣٥٤- قوله: (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّل) بمعجمة وفاء مثقلة مفتوحة كمُعَظّم
ابن عبد نهم بن عفيف، يكنى أبا عبد الرحمن المزني، صحابي بايع تحت
الشجرة، سكن المدينة، ثم تحول إلى البصرة، قال الحسن البصري: كان أحد
العشرة الذين بعثهم عمر إلينا يفقهون الناس، وكان من نقباء أصحابه، وهو أول من
دخل (تستر)) حين فتحت. له ثلاثة وأربعون حديثًا، اتفقا على أربعة، وانفرد
البخاري بحديث، ومسلم بحديث. مات سنة (٥٧)، وقيل: بعد ذلك.
(لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي مُسْتَحَمِّهِ) بفتح الحاءِ وتشديد الميم، أصله الموضع الذي
يغتسل فيه بالحميم، وهو الماء الحار، ثم قيل للاغتسال بأي ماء كان: استحمام.
وذكر ثعلب: أن الحميم يطلق أيضًا على الماء البارد من الأضداد، وفي معنى
المغتسل المتوضأ، ولذا قال فيما بعد: أو يتوضأ. واختلفوا في تعيين محمل
النهي، فحمله بعضهم على الأرض اللينة التي لا منفذ فيها كالبالوعة ونحوها،
نظرًا إلى أن البول في الرخوة يستقر موضعه، وفي الصلبة يجري ولا يستقر، فإذا
صب عليه الماء ذهب أثره بالكلية، وعكس بعضهم فحمل النهي على الأرض
الصلبة، نظرًا إلى أنه في الصلبة يخشى عود الرشاش بخلاف الرخوة، والأولى أن
يُحمل الحديث على إطلاقه، ولا يقيد المغتسل بشيء من القيود فيحترز عن البول
فیه مطلقًا، فإن حصول الوسواس ليس مختصًا باللين ولا بالصلب، بل قد يحصل
من البول فيهما جميعًا. (ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ) ثم استبعادية، يعني بعيد من العاقل أن
يجمع بين ما قبلها وما بعدها، يريد أن النهي عنه ما دام مراده أن يغتسل فيه، وأما
(٣٥٤) أَبُو دَاوُد (٢٧)، النَّسَائِي (١ / ٣٤)، التِّرْمِذِي (٢١)، ابن مَاجَهْ (٢٠٤) عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مُغَفَّلٍ
فِیهِ .

كِتّابُ الطَّهَارَةِ
13
بَابُ آدَابِ الْخُلَاءِ
wees
٢١٩
إذا ترك الاغتسال فيه ويريد أن لا يعود إليه، أي: جعله مهجورًا من الاغتسال أو
اغتسل فيه ابتداء ولم ييل فيه فلا نهي، ويجوز في ((يَغْتَسِلُ)) الرفع أي: ثم هو
يغتسل، والجزم بالعطف على فعل النهي، وجوز النصب بإعطاء ((ثُمَّ)) حكم واو
الجمع.
(فَإِنَّ عَامَّةَ الْوَسْوَاسِ مِنْهُ) أي: أكثر الوسواس يحصل بسبب مجموع ما تقدَّم،
وهو البول في المستحم أو المتوضأ، ثم الغسل أو الوضوء فيه؛ لأنه يصير ذلك
الموضع نجسًا، فيقع في قلبه وسوسة بأنه هل أصابه منه رشاش أم لا؟ ويجوز في
الواو الأولى الفتح والكسر، وهو بالكسر المصدر، وبالفتح الاسم.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وسكت عنه هو والمنذري. (والتِّرْمِذِيُّ) وقال: غريب.
(وَالنَّسَائِيُّ) وأخرجه أيضًا أحمد وابن ماجه وابن حبان والحاكم وقال: صحيح على
شرط الشيخين. والضياء في ((المختارة)).
٣٥٥- [٢١] وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((لَا
يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي جُحْرٍ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ ]
الشَّرْجُ
٣٥٥- قوله: (وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ) بفتح المهملة، وسکون الراء و کسر
الجيم، بعدها مهملة كنرجس، غير منصرف للعجمة والعلمية، هو عبد الله بن
سرجس المزني حليف بني مخزوم، صحابي، سكن البصرة. له سبعة عشر حديثًا،
انفرد له مسلم بحديث، روى عنه نفر من التابعين .
(لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي جُحْرٍ) أي: ثقب، بتقديم الجيم المضمومة وسكون الحاء
المهملة: كل شيء تحتفره السباع والهوام لأنفسها. وجه النهي: أن الجحر مأوى
الهوام وذوات السموم فلا يؤمن أن تصيبه مضرة من قبل ذلك. ويقال: إن الذي
يبول في الجحر يخشى عليه عادية الجن كما عند أبي داود، والنسائي. قالوا لقتادة
(٣٥٥) أَبُو دَاوُد (٢٩)، وَالنَّسَائِي (١/ ٣٣) عَنْ عَبْدِ الله بْنِ سَرْجِسٍ فِهِ.