النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
عروة، فمبني على شرطه المعروف في الرواية، وهو شرط شديد، خالفه فيه أكثر
أهل العلم. وقال ابن عبد البر: صحح هذا الحديث الكوفيون، وثبتوه لرواية
الثقات من أئمة الحديث له، وحبيب لا يُنْكَرُ لقاؤه عروة، ولروايته عمن هو أكبر
من عروة وأقدم موتًا. وقال في موضع آخر: لا شك أنه أدرك عروة، كذا في ((نصب
الراية)) (ج١ : ص٧٢).
ومن هذا كله ظهر أن أبا داود وابن عبد البر قد صحَّحا سماع حبيب من عروة بن
الزبير، ولم يلتفتا إلى كون حبيب مدلسًا. وحاصل ما علل به المضعفون طريق
حبيب عن عروة عن عائشة: أن عروة المذكور هنا إن كان هو المزني، كما قاله
البيهقي وغيره، فهو مجهول، وإن كان هو ابن الزبير، وهو ما يدل عليه كلام
الترمذي، وبه صرح أحمد وابن ماجه في روايتهما، فالحديث منقطع، لكون
حبيب بن أبي ثابت لم يدركه، فيكون ضعيفًا لانقطاعه، وقد عرفت ما فيه. ومع
كل هذا، فإن حبيبًا لم ينفرد برواية هذا الحديث، وقد تابعه عليه هشام بن عروة عن
أبيه عروة بن الزبير عند الدار قطني (ج١: ص ٥٠) وتكلم الدار قطني فيه بلا حجة
بينه ودلیل ظاهر، وقد جاء الحدیث بأسانيد أخرى عند أحمد وابن ماجه والبزار
والدار قطني والطبري، بعضها حسن جيد، وبعضها يقارب الحسن، ينجبر بها
ضعف الانقطاع في حديث حبيب، عن عروة، عن عائشة، لو سلم. وانظر هذه
الروايات في ((نصب الراية)) (ج١: ص٧٢، ٧٥).
(وَأَيْضًا إِسْنَادُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيَّ عَنْهَا) بين التر مذي سببه بقوله: ولا نعرف لإبراهيم
التيمي سماعًا من عائشة، انتهى. وحديث إبراهيم التيمي هذا رواه أحمد وأبو داود
والنسائي والدارقطني، كلهم من طريق الثوري، عن أبي روق، عن إبراهيم
التيمي، عن عائشة. (قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا مُرْسَلٌ) أي: منقطع. (وَإِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ لَمْ
يَسْمَعْ مِنْ عَائِشَةَ) هذا ما اتفقا عليه أئمة الجرح والتعديل، وقال الدارقطني بعد أن
صرح بعدم سماع إبراهيم عن عائشة: وقد روى هذا الحديث معاوية بن هشام،
عن الثوري، عن أبي روق، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن عائشة، فوصل
إسناده. ومعاوية هذا أخرج له مسلم في ((صحيحه))، ووثقه أبو داود، وذكره ابن
حبان في الثقات.

كِتَابُ الطَّهَارَةِ
GERECE
بَابُ مَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ
BREEX
Bese **
١٨١
ومن هذا يتبين أن رواية إبراهيم التيمي عن عائشة هنا لها أصل، وليست من
الضعيف الذي يعرض عنه، وقد تكلّم الدارقطني في رواية معاوية بن هشام
الموصولة، لكن لم ينصف في الكلام كما لا يخفى، وإبراهيم التيمي هذا هو :
إبراهيم بن يزيد بن شريك التيمي، تيم الرباب، أبو أسماء الكوفي العابد، قال في
((التقريب)): ثقة إلا أنه يرسل ويدلس، من صغار التابعين، مات سنة (٩٢) وله
أربعون سنة، وأما عروة بن الزبير، فهو عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد
الأسدي، أبو عبد الله المدني، ولد سنة (٢٣) وكان من كبار التابعين، وهو أحد
الفقهاء السبعة بالمدينة، وقال الحافظُ: ثقة فقيه مشهور. مات سنة (٩٤) على
الصحيح، ومولده في أوائل خلافة عمر الفاروق، وأما عروة المزني، فهو شيخ لا
يُدری من هو؟
٣٢٥ - [٢٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: أَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ كَتِفًّا، ثُمَّ مَسَحَ
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَأَحْمَدُ] {حسن}
يَدَهُ بِمِسْحِ كَانَ تَحْتَهُ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى.
الشَّرْجُ
٣٢٥ - قوله: (كَتِفًا) بفتح الكاف وكسر التاء، وبكسر الكاف وسكون التاء،
وبفتح الكاف والتاء معًا، ثلاث لغات، والمعنى لحم كتف شاة مشوي. (بِمِسْحٍ)
بكسر الميم ثوب من الشعر غليظ.
(كَانَ تَحْتَهُ) أي: تحت رسول اللَّه ◌ِ له. (ثُمَّ قَامَ) أي: إلى الصلاة. (فَصَلَّى) أي:
ولم يتوضأ، وفيه دليل على أن أكل ما مسته النار لا ينقض الوضوء، وأن غسل اليد
بعد الطعام ليس بواجب، بل يكفي مسحها .
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وسكت عليه هو والمنذري. (وابْنُ مَاجَهْ) وأخرجه أيضًا ابن
حبان في ((صحيحه))، وأصله في ((الصحيحين)) كما تقدم.
(٣٢٥) أَبُو دَاوُد (١٨٩)، وَابن مَاجَهْ (٤٨٨) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الطَّهَارَةِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (١١٦٢)،
وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحِ، كَمَا تَقَدَّمَ.

١٨٢
***
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٣٢٦ - [٢٦] وَعَنْ أُمّ سَلَمَةَ أَنَّهَا قَالَت: قَرَّبْتُ إِلَى رَسُولِ اللّهِ وَّهِ جَنْبًا
مَشْوِيًّا، فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأُ.
[رَوَاهُ أَحْمَدُ] {صحيح}
الشّرُْ
٣٢٦ - قوله: (جَنْبًا) أي: ضلعًا. (مَشْوِيًّا) من شوى اللحم يشوي شيًّا، أي:
عرضه للنار فنضج. (وَلَمْ يَتَوَضَّأَ) أي: لا شرعيًّا ولا لغويًّا لبيان الجواز.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٦: ص٣٠٧) وأخرجه أيضًا الترمذي في الأطعمة، وقال:
حسن صحيح غريب .
(٣٢٦) التِّرْمِذِي (١٨٢٩) فِي الأَطْعَمةِ، والنَّسَائِي (١/ ١٠٧) في الحُدُودِ، عَنْهَا.

كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ مَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ
١٨٣
الفصل الثالث
٣٢٧ - [٢٧] عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: أَشْهَدُ لَقَدْ كُنْتُ أَشْوِي لِرَسُولِ اللَّهِ
وَّ بَطْنَ الشَّاةِ، ثُمَّ صَلَّى وَّلَمْ يَتَوَّضَّأْ.
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
الشَّرْحُ
٣٢٧- قوله: (عَنْ أَبِي رَافِعٍ) مولى النبي ◌ََّ. (أَشْهَدُ) أي: أقسم بالله.
(لِرَسُولِ اللَّهِ) أي: لأكله. (بَطْنَ الشّاةِ) يعني: الكبد والطحال وما معهما من القلب
وغيرهما. (ثُمَّ صَلَّى) أي: فأكل ثم صلى، وكان القياس ثم يصلي، لكن أتى به
ماضيًا؛ لأن قوله: ((كُنْتُ أَشْوي)) ماض في المعنى؛ لأنه حكاية لصورة الحال
الماضية. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الطهارة، أخرجه أيضًا أحمد (ج٦: ص٨، ٩).
(٣٢٧) مُسْلِمٌ (٣٥٧) فيه عن أبي رافع، وساقه أَحْمَد (٦/ ٣٩٢) مطوّلًا وفيه قصة الذِّرَاعِ؛ وفيه: ثُمَّ عاد
إليهم ◌َّ، فوجد عندهم لحمًا باردًا، فأكل ثُمَّ دخل المسجد، فصلَّى ولم يمسَّ مَاءً وَّ.

١٨٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٣٢٨ - [٢٨] وَعَنْهُ قَالَ: أُهْدِيَتْ لَهُ شَاةٌ، فَجَعَلَهَا فِي الْقِدْرِ، فَدَخَلَ
رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ فَقَالَ: ((مَا هَذَا يَا أَبَا رَافِعٍ؟)) فَقَالَ: شَةٌ أُهْدِيَتْ لَنَا يَا
رَسُولَ اللَّهِ، فَطَبَخْتُهَا فِي الْقِدْرِ، فَقَالَ: ((نَاوِلُّنِي الذُّرَاعَ يَا أَبَا رَافِعٍ)) فَنَاوَلْتُهُ
الذَّرَاعَ، ثُمَّ قَالَ: (نَاوِلْنِي الذِّرَاعَ الْآخَرَ)) فَنَاوَلْتُهُ الذُّرَاعَ الْآخَرَ، ثُمَّ قَالَ:
(نَاوِلْنِي الذِّرَاعَ الْآخَرَ)) فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا لِلشَّةِ ذِرَاعَانٍ، فَقَالَ لَهُ
رَسُولُ اللَّهِ وَ لَّهِ: ((أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَكَتَّ لَنَاوَلْتَنِ ذِرَاعًا فَذِرَاعًا مَا سَكَتَّ))، ثُمَّ دَعَا
بِمَاءٍ فَتَمَضْمَضَ فَهُ، وَغَسَلَ أَطْرَافَ أَصَابِعِهِ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى، ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِمْ،
فَوَجَدَ عِنْدَهُمْ لَحْمَا بَارِدًا فَأَكَلَ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى، وَلَمْ يَمَسَّ مَاءً.
[رَوَاهُ أَحْمَدُ] {ضعيف}
الشّرُْ
٣٢٨ - قوله: (أُهْدِيَتْ لَهُ) أي: لأبي رافع. (شَاةٌ) برفعها على الفاعل، قيل:
فيه التفات، والأظهر أنه نقل بالمعنى. (فَجَعَلَهَا فِي الْقِدْرِ) بكسر القاف أي للطبخ.
(يَا أَبَا رَافِع) يقرأ بالهمزة ولا تكتب. (نَاوِلْنِ الذَّرَاعَ) بكسر الذال من طرف المرفق
إلى طرف الإصبع الوسطى والساعد مؤنثة فيهما، وقد تذكر. وخص النبي وَل
الذراع بالطلب لمحبته واستحسانه للذراع، لسرعة نضجها، واستمرائها، مع زيادة
لذتها، وحلاوة مذاقها، وبُعدها عن مواضع الأذى. (فَقَالَ) أي: أبو رافع على
سبيل الالتفات، وفي رواية لأحمد: فَقُلْتُ لَهُ. (إِنَّمَا لِلشَّةِ ذِرَاعَانِ) وفي رواية
لأحمد: ((وَهَلْ لِلشَّاةِ إِلَّ ذِرَاعَانٍ؟)). وفي حديث أبي عبيد عند الدرامي، والترمذي
في ((الشمائل)): ((وكم للشاة ذراع؟)). والظاهر أن هذا استفهام استبعاد لا إنكار؛
لأنه لا يليق بهذا المقام، قاله القاري.
(أَما) بالتخفيف للتنبيه. (إِنَّكَ لَوْ سَكَتَّ) أي: عما قلت، وامتثلت أدبي.
(لَنَاوَلْتَنِي ذِرَاعًا فَذِرَاعًا مَا سَكَتَّ) أي: ما سكت أنت وطلبت أنا. قال الطيبي: الفاء
في: (فَذِرَاعًا) للتعاقب، كما في قوله: الأمثل فالأمثل. و((مَا)) في ((مَا سَكَتَّ))
(٣٢٨) مسند أحمد في المسند (٦/ ٣٩٢) بسند ضعيف.

كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ مَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ
١٨٥
للمدة، والمعنى: ناولتني ذراعًا غب ذراع إلى ما لا نهاية له ما دمتَ ساكتًا، فلما
نطقت انقطعت، انتهى. وفي رواية لأحمد: (لَوْ سَكَتَّ لَنَاوَلْتَنِي مِنْهَا مَا دَعَوْتُ بِهِ))
أي: ما طلبته، من الدعوة بالفتح؛ لأن الله تعالى يخلق ما يشاء، وكان يخلق فيها
ذراعًا بعد ذراع معجزة وكرامة له بَّه، وإنما منع كلامه من ذلك، قيل: لأنه شغل
النبي وَّ عن التوجه إلى ربه، بالتوجه إليه أو إلى جواب سؤاله. وقيل: لأن ظهور
شيء من عالم الغيب على سبيل خرق العادة مشروط بأن لا يتطرق إليه الشك
والتردد، ولا يقع شيء من الخلل والنقص في اليقين والتصديق، والله أعلم.
(وَغَسَلَ أَطْرَافَ أَصَابِعِهِ) أي: محل الدسومة والتلوث على قدر الحاجة. (ثُمَّ
عَادَ إِلَيْهِمْ) أي: إلى أبي رافع وأهل بيته. (فَوَجَدَ عِنْدَهُمْ لَحْمًا بَارِدًا فَأَكَلَ)؛ لأنه كان
يحبُّ اللحم وما كان يجده دائمًا. (وَلَمْ يَمَسَّ مَاءً) أي: للوضوء ولا لغسل الفم قبل
الصلاة .
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٦: ص٣٩٢) أي: عن أبي رافع مطولًا هكذا، ورواه أيضًا عنه
مختصرًا (ج٦: ص٨) مثل رواية الدارمي عن أبي عبيد.
٣٢٩ - [٢٩] وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: ثُمَّ دَعَا
بِمَاءٍ ... إِلَى آخِرِهِ.
{ضعيف}
الشّرْجُ
٣٢٩ - قوله: (وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ) في باب ما أكرم به النبي ◌َّ في
بركة طعامه، من أول ((مسنده))، وكذا رواه الترمذي في ((شمائله))، كلاهما من
طريق شهر بن حوشب، عن أبي عبيد. قال الحافظ في ((الإصابة)) (ج٤:
ص١٣١): ورجاله رجال الصحيح إلّا شهر بن حوشب. وأبو عبيد هذا، مولى
للنبي وَّ، وصحابي لا يعرف اسمه، له هذا الحديث فقط.
(٣٢٩) رواه الدَّارِمِيُّ في «سننه» (٢٢/١)، ورواه أَحْمَد (٤٨٤/٣، ٤٨٥).

١٨٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٣٣٠ - [٣٠] وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَأُبَّيٌّ وَأَبُو طَلْحَةَ
جُلُوسًا فَأَكَلْنَا لَحْمًا وَخُبْزًا، ثُمَّ دَعَوْتُ بِوَضُوءٍ، فَقَالَا: لِمَ تَتَوَّضَّأُ؟ فَقُلْتُ:
لِهَذَا الطَّعَامِ الَّذِي أَكَلْنَا، فَقَالَا: أَتَتَوَضَّأُ مِنَ الطََِّّاتِ؟! لَمْ يَتَوَضَّأْ مِنْهُ مَنْ هُوَ
خَيْرٌ مِنْكَ.
[رَوَاهُ أَحْمَدُ] {جيد الإسناد}
الشَّرْجُ
٣٣٠- قوله: (وَأُبَيٌّ) أي: أبيُّ بن كعب. (وَأَبُو طَلْحَةَ) اسمه زيد بن
سهل بن الأسود بن حرام الأنصاري النجاري المدني، مشهور بكنيته، من كبار
الصحابة، شهد العقبة وبدرًا والمشاهد كلها، وهو أحد النقباء، وزوج أم سليم أم
أنس بن مالك، وكان من الرماة المذكورين. وقال النبي ◌َّهُ: ((لَصَوْتُ أَبِي طَلْحَةً
فِي الْجَيْشِ خَيْرٌ مِنْ فِئَةٍ)). قَتل يوم حنين عشرين رجلًا، وأبلى يوم أحد بلاء عظيمًا،
وشلت يده التي وقى بها النبي ◌َّالّر، له اثنان وتسعون حديثًا، اتفقا على حدیثین،
انفرد البخاري بحديث، ومسلم بآخر، روى عنه نفر من الصحابة والتابعين. مات
سنة (٣٤) وقال أنس: عاش بعد النبي وَلّ أربعين سنة، لم يفطر فيها إلا يوم أضحى
أو فطر، وكان في أيام النبيِّ وٍَّ لا يصومُ لاشتغاله بالغزو، وعلى هذا يكون وفاته
سنة (٥١)، وبه جزم المدائني، قيل: وهذا أثبت.
(أَتَتَوَضَّأُ مِنَ الطَّيِّبَاتِ) فيه: أن نقض الوضوء إنما يكون بخبيث ينافيه كالخارج
من السبيلين، وهو معقول المعنى، وغيره ألحق به وإن لم يكن معقول المعنى،
كالنوم والإغماء والجنون؛ لأنه مظنة لخروج الخبيث. (لَمْ يَتَوَضَّأُ مِنْهُ) أي: من
مثل هذا الطعام. (مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ) أي: النبي ◌َّ .
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) قال الهيثمي (ج١: ص٢٥١): ورجاله ثقات.
(٣٣٠) أَحْمَد (٤/ ٣٠) عن أنس عن أبي طلحة وغيره.

كِتّابُ الطَّهَارَةِ
13
بَابُ مَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ
١٨٧
٣٣١ - [٣١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: قُبْلَةُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وَجَسَّهَا بِيَدِهِ
مِنَ الْمُلَامَسَةِ، فَمَنْ قَبَّلَ امْرَأَتَهُ أَوْ جَسَّهَا بِيَدِهِ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ.
[رَوَاهُ مَالِكٌ وَالشّافِعِيُّ ] {صحيح}
الشَّرْجُ
٣٣١- قوله: (فَمَنْ قَبَّلَ امْرَأَتَهُ) بالنصب على المفعولية. (وَجَسَّهَا) بفتح
الجيم وتشديد السين المهملة، أي: مسها. (بِيَدِهِ) أي: بلا حائل. (مِنَ الْمُلَامَسَة)
أي: المذكورة في قوله تعالى: ﴿أَوْ لَمَسُْمُ النِّسَآءُ﴾. (فَمَنْ قَبَّلَ امْرَأَتَهُ أَوْ جَسَّهَا
بِيَدِهِ) فقد لا مس، ومن لا مس (فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ) قال الطيبي: تفريع على ما أصله من
قبل، أى: إذا كان التقبيل والجس من الملامسة فيلزم أن يتوضأ من قَبَّلَ أو جس،
والترتيب مفوض إلى ذهن السامع.
(رَوَاهُ مَالِك) عن الزهري، عن سالم بن عبد اللّه، عن أبيه عبد الله بن عمر.
(وَالشَّافِعِيُّ) عن مالك في ((الأم)) (ج١: ص١٢) وأخرجه أيضًا الدار قطني (ج١ :
ص٥٣) عن الحسين بن إسماعيل، عن أحمد بن إسماعيل، عن مالك. ومن طريق
الشافعي رواه البيهقي (ج١ : ص١٢٤).
٣٣٢- [٣٢] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ: مِنْ قُبْلَةِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ
الْوُضُوءُ.
[رَوَاهُ مَالِكٌ] {صحيح}
الشَّرْحُ
٣٣٢- قوله: (مِنْ قُبْلَةِ الرَّجُلِ) من إضافة المصدر لفاعله. (امْرَأَتَهُ) بالنصب
على أنه مفعول ((قُبْلَةِ))؛ لأنها اسم مصدر. (الْوُضُوءُ) مبتدأ مؤخر أي: يجب منها
(٣٣١) مَالِك (٦٤)، والشَّافِعِيُّ (٨٦) ضَّا عن ابن عمر فيه موقوفًا.
(٣٣٢) رواه مالك في ((الموطأ)) (٦٥).

١٨٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الوضوء. قال الطيبي: في تقديم الخبر على المبتدأ المعرف إشعار بالخلاف، ورد
على من يقول: ليس حكم التقبيل والجس حكم سائر النواقض، فرد وقيل: ليس
حكمه إلا كحكمها، فيكون من قصر القلب.
(رَوَاهُ مَالِك) أنه بلغه أن عبد الله بن مسعود كان يقول: ((مِنْ قُبْلَةِ الرَّجُلِ ... ))
إلخ. وقد أخرج الطبراني والدار قطني والبيهقي وغيرهم بأسانيدهم نحوه، بألفاظ
متقاربة، بمعنى أن اللمس ما دون الجماع، فمن قبل أو لمس فعليه الوضوء.
٣٣٣- [٣٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَوَهُ قَالَ: إِنَّ الْقُبْلَةَ
مِنَ اللَّمْسِ فَتَوَضَّؤُوا مِنْهَا.
{ضعيف}
الشّرْحُ
٣٣٣- قوله: (إِنَّ الْقُبْلَةَ مِنَ اللَّمْسِ) أي: المذكور في الآية. (فَتَوَضَّؤُوا مِنْهَا)
رواه الدار قطني (ج١: ص٥٣) كما قال المصنف، وقال صحيح. وقال الزيلعي في
((نصب الراية)) بعد ذكر أثر عمر عن البيهقي (ج١: ص١٢٤) بنحو ما رواه
الدار قطني: أما أثر عمر فضعفه ابن عبد البر في ((التمهيد)) وقال: هو عندهم خطأ،
وهو صحيح عن ابن عمر لا عن عمر، انتهى. وهذه الآثار الثلاثة كلها موقوفة على
بعض الصحابة ممن قالوا بكون اللمس ناقضًا، وليست في حكم المرفوع، إذ
للرأي فيه مجال؛ فإنهم أخذوه من قوله تعالى: ﴿أَوْ لَمَسُْمُ النِّسَاءَ﴾ واستنبطوه عما
فهموا من هذه الآية، وقد ثبت عن النبي ◌َّ عدم النقض بالقبلة واللمس، كما تقدم
عن عائشة، وهو من أقوى القرائن على أن المراد باللمس في الآية هو الجماع، وبه
فسر حبر القرآن عبد الله بن عباس وعلي ﴿ه، فيجب الأخذ بالحديث المرفوع
الصحيح الصريح، ولا ينبغي التردد في تفسير الآية، التفسير الصحيح أن اللمس
كناية عن الجماع؛ لأنه لا حجة في قول الصحابي عند معارضة الحديث المرفوع
الصحيح.
(٣٣٣) الدَّارَ قُطْني (٣٧) فيه عن عمر رَضِ لَّهُ.

١٨٩
كِتَابُ الطُّهَارَةِ
بَابُ مَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ
٣٣٤ - [٣٤] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ تَمِيم الدَّارِىِّ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ: ((الْوُضُوءُ مِنْ كُلِّ دَم سَائِلِ)).
[رَوَاهُمَا الدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَالَ: عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ تَمِيم الدَّارِيِّ وَلَا رَآهُ، وَيَزِيدُ بْنُ
خَالِدٍ وَيَزِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ مُجْهُولَانِ] {ضعيف}
الشَّرْجُ
٣٣٤- قوله: (وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ) هو عمر بن عبد العزيز بن
مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، القرشي الأموي، أبو
حفص المدني، ثم الدمشقي، أمير المؤمنين، أمه أم عاصم بنت عاصم بن
عمر بن الخطاب، واسمها ليلى، ولي إمرة المدينة للوليد، وكان مع سليمان
كالوزير، وولي الخلافة بعده سنة (٩٩) فَعُدَّ مع الخلفاء الراشدين، مات في رجب
سنة (١٠١) بدير سمعان من أرض حمص، وله أربعون سنة، ومدة خلافته سنتان
وخمسة أشهر وأيام، وكان على صفة من الزهد، والعبادة، والتقى، والعفة،
وحسن السيرة، لا سيما أيام خلافته. وقال ميمون بن مهران: ما كانت العلماء عند
عمر إلا تلامذته. وقال هشام بن حسان: لما جاء نعي عمر قال الحسن البصري:
مات خير الناس. ومناقبه وفضائله كثيرة جدًّا.
(عَنْ تَمِيم الدَّارِيِّ) نسبة إلى أحد أجداده، الدار بن هانئ بن حبيب، وهو
تميم بن أوسَّ بن خارجة الداري، أبو رقية بقاف وتحتانية مصغرًا، صحابي
مشهور، سكن بيت المقدس بعد قتل عثمان، وكان إسلامه سنة (٩) وكان من أهل
الكتابين، وقال ابن سيرين: كان يختم في ركعة. وقال مسروق: صلى ليلة حتى
أصبح يقرأ آية يرددها: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ أَجْتَرَحُواْ السَّيِّئَاتِ﴾ [الجاثية: ٢١] وهو أول من
أسرج السراج في المسجد، وكان أقطعه النبي ◌َّ بيت حبرون، له ثمانية عشر
حديثًا، انفرد له مسلم بحديث، روى عنه سيد البشر وَّةُ خبر الجساسة، وناهيك
بهذه المنقبة الشريفة، قيل: مات سنة (٤٠) وروى عنه أيضًا جماعة.
(٣٣٤) الدَّارَقُطْني (١ / ١٥٧) عن تميم الداري فيه، وهو منقطع.

١٩٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(الْوُضُوءُ مِنْ كُلِّ دَم سَائِل) أي: كثير فاحش لا قليل. فيه: أن خروج الدم السائل
ولو كان من غير السبيّين ناقض للوضوء، وإليه ذهب بعض الأئمة، لكن الحديث
ضعيف جدًّا، لا يصلح للاحتجاج كما سيأتي، وقد استدل القائلون بالوضوء من
الخارج النجس من غير السبيلين؛ كالقيء ملء الفم، والرعاف والدم الفاحش،
بأحاديث وآثار عن الصحابة، وليس في شيء من ذلك حجة أصلاً، فمن أقوى
أدلتهم حديث عائشة عند البخاري وغيره، في شأن فاطمة بنت أبي حبيش، وكانت
من المستحاضات، ففيه أنه وَ له قال: ((إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ))، وفيه أيضًا: ((ثُمَّ تَوَضَّنِي
لِكُلِّ صَلَاةٍ حَتَّى بِجِيءَ ذَلِكَ الْوَقْتُ))، قالوا: المراد من السبيلين، سبيل البول
وسبيل البراز، ودم الاستحاضة لا يخرج من ثقب البول، فعلم أن دم الاستحاضة -
وهو مما يخرج من غير السبيلين - من نواقض الوضوء، وأشير بقوله: ((إِنَّمَا ذَلِك
عِرْقٌ)) إلى تعميم الحكم بانتقاض الوضوء من خروج الدم من أي عرق كان من
البدن غير السبيلين.
وفيه: أن فرج المرأة وقبلها الذي يخرج منه دم الاستحاضة في حكم مخرج
البول للمجاورة، ولذا عد الحيض والمني من نواقض الطهارة، وأيضًا دم
الاستحاضة حدث بنفسه من جملة الأحدث المستقلة ناقض للوضوء، ولا يقاس
عليه غيره؛ لأن الأصل عدم النقض، حتى يقوم ما يرفع هذا الأصل، ولم يقم دليل
على ذلك.
وأما قوله: (إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ)) فإنما أراد به رد زعمها: أن دم الاستحاضة في حكم
دم الحيض لا غير، يعني أن دمها ليس مما تعتاده النساء، بل هو دم عرق انفجرت
لمرض، فافهم.
واستدلوا أيضًا بحديث أبي الدرداء عند الترمذي، وفيه: ((قَاءَ، فَتَوَضَّأُ)). ولا
حجة لهم فيه، لاحتمال أن تكون الفاء للتعقيب فقط لا للسببية، كما في قوله: ((قَاءَ
فَأَقْطَرَ)). ولو سلم أن الفاء للسببية، لم تدل أيضًا على نقض الوضوء بالقيء؛ لأنه قد
يتوضأ الإنسان بعده من أجل النظافة وإزالة القذر الذي يبقى في الفم والأنف وعلى
بعض الأعضاء، فالقيء سبب له، ولكنه سبب عادي طبيعي، ولا يكون سببًا شرعيًّا
إلا بنص صريح من الشارع.

١٩١
بَابُ مَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
13
والحاصل: أن وجوب الوضوء أو نقض الوضوء لا يثبت بالفعل فقط؛ لأن
الفعل لا يدل على الوجوب إلا أن يفعله ويأمر الناس بفعله، أو ينص على أن هذا
الفعل ناقض للوضوء. ومن أصرح أدلتهم ما أخرجه ابن ماجه عن عائشة مرفوعًا:
((مَنْ قَاءَ أَوْ رَعَفَ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَنْصَرِفْ وَلْيَتَوَضَّأْ ... )) الحديث.
وفيه: أنه حديث ضعيف، ضعفه أحمد وغيره، وقد ذكر العلامة الشوكاني في
((النيل))، والزيلعي في ((نصب الراية))، ما فيه من العلة وكلام الأئمة مفصلًا،
فارجع إليهما .
واستدلوا بأحاديث أخرى كلها ضعيفة ساقطة لا تقوم بها حجة، وأيضًا هي
معارضة لما ذكره البخاري معلقًا عن جابر: أن النبي ◌َّيّ كان في غزوة ذات الرقاع،
فرُمي رجل بسهم، فنزفه الدم، فركع وسجد، ومضى في صلاته.
قال الحافظُ: أخرجه أحمد وأبو داود، والدارقطني، وصححه ابن خزيمة،
وابن حبان، والحاكم، وذكر العيني في ((شرح الهداية)) (ج١: ص١٢٢) حديث
جابر هذا من رواية ((سنن أبي داود))، و((صحيح ابن حبان)) والدار قطني والبيهقي،
وزاد فيه: فبلغ ذلك رسول اللَّه ◌َ ل فدعا لهما. قال: ولم يأمره بالوضوء، ولا
بإعادة الصلاة، انتهى.
وفي عدم الانتقاض بخروج الدم من البدن غير السبيلين أحاديث وآثار كلها
مقررة للأصل، ذكرها الزيلعي والدار قطني والشوكاني.
(رَوَاهُمَا) أي: الحديثين السابقين. (الدَّارَقُطْنِيُّ) الحديث الثاني رواه الدار قطني
من طريق يزيد بن خالد، عن يزيد بن محمد، عن عمر بن عبد العزيز، قال: قال
تميم الداري ... إلخ، ورواه ابن عدي في ((الكامل)) عن زيد بن ثابت، وفيه:
أحمد بن الفرج، أبو عتبة الحمصي، وهو ممن لا يحتج بحديثه، ولكنه يكتب،
قاله ابن عديٍ. وقال ابن أبي حاتم: محله الصدق. وقال ابن حبان في ((الثقات)):
يخطئ. وكذّبه محمدُ بن عوف الطائي. (وَقَالَ) أي: الدارقطني بعد إخراج
الحدیث.
(عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ تَمِيم الدَّارِيِّ وَلَا رَآهُ، وَيَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ) قال
الحافظ في ((لسان الميزان)»: يزيد بن خالدًّ شيخ لبقية، لا يُدرى من هو.

١٩٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(وَيَزِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الراوي عن عمر بن عبد العزيز، قال الحافظ في ((اللسان)): لا
يدرى من هو. (مَجْهُولَانِ) هذا آخر كلام الدار قطني في ((سننه)). وقد ظهر بهذا أن
حديث تميم هذا ضعيف من وجهين: الانقطاع بين عمر بن عبد العزيز وبين تميم،
وجهالة اليزيدين. وذكر الزيلعي كلام الدارقطني هذا في ((نصب الراية)) وأقره.

كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ آدَابِ الْخُلَاءِ
١٩٣
٢ - بَابُ آدَابِ الْخَلَاءِ
(بَابُ آدَابِ الْخَلَاءِ) قيل: الْأَدَبُ: مراعاة حدٍّ كل شيء، وقيل: هو استعمال ما
يحمد قولًا وَفعلًا، ويطلقون الآداب على ما يليق بالشيء، أو بالشخص، فيقال:
آداب الدرس وآداب القاضي. والْخَلَاءُ: بفتح الخاء والمد، موضع قضاء
الحاجة، سمي به لخلائه في غير أوقات قضاء الحاجة، أو لأن الإنسان يخلو فيه،
وأصله المكان الخالي، ثم كثر استعماله حتى تجوز به عن ذلك.
الفصل الأول
٣٣٥ - [١] عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِذَا
أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ، فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشَّرْجُ
٣٣٥- قوله: (عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ) هو خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة
الأنصاري الخزرجي النجاري، أبو أيوب المدني، شهد العقبة، وشهد بدرًا،
وأحدًا، والمشاهد كلها مع النبي وََّ، ونزل عنده رسول اللّه وَل حين قدم المدينة
شهرًا حتى بنى المسجد، وكان مسكنه المدينة، وحضر مع عليٍّ حرب الخوارج،
وورد المدائن في صحبته، وعاش بعد ذلك زمانًا طويلًا حتى مات بالقسطنطينية
مرابطًا سنة (٥١) في خلافة معاوية، وكان ذلك مع يزيد بن معاوية لما غزاه،
فخرج معه فمرض، ولما ثقل قال لأصحابه: إذا أنا مت فاحملوني، فإذا صاففتم
(٣٣٥) البُخَارِي (٣٩٤)، مُسْلِم (٥٩/ ٢٦٤)، أَبُو دَاوُد (٩)، التِّرْمِذِي (٨)، النَّسَائِي (١ / ٢٢) إِلَّ ابن
مَاجَهْ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ فِهِ.

EE
١٩٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
العدو فادفنوني تحت أقدامكم. قال البغوي: قُبِرَ ليلًا وأمر يزيد بالخيل تقبل وتدبر
حتى عمي قبره. وقال ابن حبان: كان المسلمون على حصار القسطنطينية فقدموه
حتى دفن إلى جانب حائط، له مائة وخمسون حديثًا، اتفقا على سبعة، وانفرد
البخاري بحديث، ومسلم بخمسة، روى عنه جماعة من الصحابة والتابعين، وله
فضائل .
(إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ) هو في الأصل اسم للمكان المطمئن الواسع من الأرض في
الفضاء، ثم صار يطلق على كل مكان أعد لقضاء الحاجة؛ لأن العادة أن يُقضى في
المنخفض لكونه أستر له، ثم اتسع حتى أطلق على النجو نفسه، أي: الخارج من
الإنسان، تسمية للحال باسم المحل، والمراد: هاهنا هو الأول، إذ لا يحسن
استعمال الإتيان في النجو الخارج، إذ لا يقال: أتى البول أو العذرة، بخلاف
استعمال الإتيان بالنظر إلى المكان فإنه كثير شائع، وأيضًا لا يحسن النهي عن
الاستقبال والاستدبار إلا قبل المباشرة بإخراج الخارج، وذلك عند حضور المكان
لا عند المباشرة بإخراج ذلك، فليتأمل. وقد أوضح ذلك السندهي في ((حاشيته
على البخاري))، فارجع إليها.
(فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ) أي: جهة الكعبة. (وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا) أي: استقبلوا
جهة الشرق أو الغرب لقضاء الحاجة، وهذا خطاب لأهل المدينة ومن قبلته في
تلك الجهة، والمقصود: الإرشاد إلى جهةٍ أخرى لا يكون فيها استقبال القبلة ولا
استدبارها، وهذا مختلف بحسب البلاد، فللكل أن يأخذوا بهذا الحديث بالنظر
إلى المقصود لا بالنظر إلى المفهوم. والحديث بظاهره دليل على منع الاستقبال
والاستدبار عند قضاء الحاجة مطلقًا من غير فرق بين الصحراء والبنيان. والمسألة
مختلف فيها بين العلماء لتعارض الأحاديث في ذلك.
فقال بعضهم بعموم النهي أخذًا بظواهر أحاديث النهي، وترجيحًا لها على
أحاديث الرخصة أو التخصيص. وقال بعضهم بخصوص النهي بالصحراء؛ جمعًا
بين الأحاديث؛ لأن إعمال الأدلة كلها أولى من إهمال بعضها. وقال بعضهم
بالإباحة والجواز مطلقًا رجوعًا إلى البراءة الأصلية، أو حملًا للنهى على التنزيه،
أو النسخ، فجعلوا أحاديث الإباحة قرينة على حمل النهي على التنزيه، أو ناسخة

١٩٥
كِتَابُ الطُّهَارَةِ
بَابُ آدَابِ الْخُلَاءِ
لأحاديث المنع. وقال بعضهم بالفرق بين الاستقبال فيحرم مطلقًا، والاستدبار
فيجوز مطلقًا .
وهاهنا أقوال أخرى لكنها غير مشهورة. والأول: هو المشهور عن أبي حنيفة،
واختاره ورجحه من المالكية ابن العربي في ((شرح الترمذي))، ومن الظاهرية ابن
حزم في ((المحلى))، ومن فقهاء أهل الحديث ابن القيم في ((الهدي)) (ج١ :
ص٢٧٢) والشوكاني في ((النيل)) (ج١: ص٨١) وفي ((السيل الجرار))، وشيخنا
الأجل المباركفوري في ((شرح الترمذي)) (ج١: ص١٩).
والثاني: مذهب الأئمة الثلاثة، ومال إليه الطحاوي من الحنفية، وقال الأمير
اليماني في ((السبل)) (ج١: ص١١٩): هو أقرب الأقوال. وقال الحافظُ: هو أعدل
الأقوال، ويؤيده ما روي عن ابن عمر، أنه قال: إنما نهي عن ذلك في الفضاءِ.
وإليه يظهر ميلان السندهي في ((حواشيه على البخاري))، وغيره كما سيأتي.
وعندي: الاحتراز عن الاستقبال والاستدبار في البيوت أحوط وجوبًا لا ندبًا،
والمقام من معارك النظار فتدبره ولا تعجل.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا مالك وأحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن
ماجه، وغيرهم.
٣٣٦ - [٢] قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ مُحْيِي السُّنَّةِ رَخْتُ: هَذَا الْحَدِيثُ فِي
الصَّحْرَاءِ، وَأَمَّا فِي الْبُنْيَانِ فَلَا بَأْس، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ:
ارْتَقَيْتُ فَوْقَ بَيْتِ حَقْصَةَ لِبَعْضٍ حَاجَتِي، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ يَقْضِي
حَاجَتَهُ مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ، مُسْتَقْبِلَ الَشَّامِ .
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشَّرُْ
٣٣٦- قوله: (قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ مُحْيِي السُّنَّةِ) البغوي في ((المصابيح)). (هَذَا
الْحَدِيثُ) أي: حكمه. (وَأَمَّا فِي الْبُنْيَانِ) قال ابنُ حجر: يعني: الخلاء ليطابق
(٣٣٦) البُخَارِي (١٤٨)، مُسْلِم (٦٢ / ٢٦٦)، أَبُو دَاوُد (١٢)، التِّرْمِذِي (١١)، النَّسَائِي (١ / ٢٣) عَنْهُ
فِیهِ .

١٩٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الحديث الذي استدل به. (ارْتَقَيْتُ) أي: صعدت.
(فَوْقَ بَيْتِ حَفْصَةَ) أي: سطحه، وهي أخت عبد الله بن عمر، أم المؤمنين
زوجة رسول اللَّه وَ لَّ وبنت عمر بن الخطاب العدوية، قيل: إنها ولدت قبل
المبعث بخمسة أعوام، وكانت قبل رسول اللَّه وقال تحت خنيس بن حذافة
السهمي، هاجرت معه، ومات عنها بعد غزوة بدر، فلما مات ذكرها عمر على أبي
بكر وعثمان فلم يجبه واحد منهما، فخطبها رسول اللّه وَ له، فأنكحه إياها سنة
ثلاث، وقيل: سنة اثنتين. لها ستون حديثًا، اتفقا منها على ثلاثة، وانفرد مسلم
بستة، روى عنها جماعة من الصحابة والتابعين. ماتت في شعبان سنة (٤٥) وهي
ابنة ستين سنة، وقيل: ماتت سنة (٤١) وإضافة البيت إلى حفصة مجازية باعتبار
تعلق السكنى، وإلا فالبيت كان ملكًا للنبي ◌َلال .
(يَقْضِي حَاجَتَهُ) أي: في الخلاءِ. (مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ) هذا هو أصل الأئمة الثلاثة في
جواز الاستدبار في الأبنية، وابتنوا عليه جواز الاستقبال، ويظهر من صنيع البغوي
أنه ذهب إلى أن النهي ورد أولًا عامًّا، ثم خص عمومه بحديث ابن عمر، وفيه
خدشات من وجوه كثيرة، ذكرها ابن القيم، وابن العربي، وغيرهما، وهي تضعف
القول بكونه مخصصًا لأحاديث النهي، قال السندهي في ((حاشيته على البخاري))
بعد بيان بعض هذه الخدشات: فالوجه أن حديث النهي من أصله مخصوص
بالفضاء لا يعم البناء أصلًا، وهو الموافق للقرائن - وقد أشرنا إلى بعض هذه
القرائن في بيان معنى الغائط - فلعل من فهم عموم الحكم ما فهم من لفظ
الحديث، إنما فهم من ظنه أن علة النهي إكرام القبلة عن المواجهة بالنجاسة،
ففهم من عموم هذه العلة عموم الحكم.
وقال في ((حاشيته على ابن ماجه)): ويؤيد القول بالخصوص تقييد حديث النهي
بإتيان الغائط في كثير من الروايات، والمراد به المكان المنخفض في الفضاء كما
قررنا، وبه يظهر التوفيق بين الأحاديث. وقال في ((حاشيته على النسائي)): ويمكن
أن يكون محمل الحديث الصحراء، وإطلاق اللفظ جاء على ما كان عليه العادة
يومئذٍ، إذ لم يكن لهم كنف في البيوت في أول الأمر، انتهى.
قال: ومن قرائن حمل الغائط في حديث أبي أيوب على معناه اللغوى أي:

كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ آدَابِ الْخُلَاءِ
THENNEE
١٩٧
المكان المطمئن من الأرض في الفضاء أي: الصحراء، أن النهي عن جهتين،
والتخيير بين جهتين أخريين عند إتيان الغائط إنما يحسنان في الفضاء لا في البيوت،
فإن الإنسان في الفضاء متمكن عند إتيان الغائط من الجهات الأربع، فيمكن أن
ينهى عن بعضها، ويخير بين بعضها، وأما في البيوت فلا يتمكن عادة عند إتيان
الغائط من الجهات الأربع، بل يتمكن منها عند بناء الكنيف، وأما بعد البناء عند
إتيان الغائط فهو يصير تابعًا لكيفية البناء، انتهى.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا مالك وأحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن
ماجه وغيرهم.
٣٣٧ - [٣] وَعَنْ سَلْمَانَ رَّهُ قَالَ: نَهَانَا - يَعْنِي: رَسُولُ اللَّهِ وَلِ - أَنْ
نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطِ أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ
ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ بِعَظْمٍ.
[رَوَاهُ مُسْلِمْ]
الشّرْجُ
٣٣٧ - قوله: (وَعَنْ سَلْمَانَ) هو سلمان الفارسي أبو عبد الله، ابن الإسلام،
ويقال له: سلمان الخير، أصله من أصبهان، وقيل: من رامهر مز، أسلم عند قدوم
النبي ◌َّيّ المدينة، وأول مشاهده الخندق، وقال ابن عبد البر: ويقال: إنه شهد
بدرًا. سافر يطلب الدين من قريته، فدان أولًا بالنصرانية، وقرأ الكتب وصبر في
ذلك على مشقات متتالية، فأخذه قوم من العرب فباعوه من اليهود، ثم إنه كوتب،
فأعانه رسول اللَّه ◌َلّل في كتابته، ويقال: إنه تداوله بضعة عشر سيدًا حتى أفضى إلى
النبي ◌َّ لما قدم النبي ◌َّل إلى المدينة، وقال: ((سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ)). وهو أحد
الذين اشتاقت إليهم الجنة، وكان من المعمرين، قيل: عاش (٢٥٠) سنة. وقيل:
(٣٥٠) سنة، والأول أصحُّ، وكان يأكل من يده، ويتصدق بعطائه، مات بالمدائن
سنة (٣٥) وقيل: سنة (٣٣) وقيل: غير ذلك، له ستون حديثًا، اتفقا على ثلاثة،
وانفرد البخاري بواحد، ومسلم بثلاثة، روى عنه جماعة من الصحابة والتابعين.
(٣٣٧) مُسْلِمٌ (٥٧/ ٢٦٢) عَنْ سَلْمَانَ فِيهِ.

١٩٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(قَالَ: نَهَانَا يَعْنِي) أي: يريد سلمان بالناهي (رسول اللَّه ◌ََّ). (أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ)
أى: بفروجنا عند خروج الغائط أو البول. (لِغَائِطٍ) قال النووي: كذا ضبطناه في
مسلم: (لِغَائِطٍ)) باللام، وروي في غيره ((بغائط)) أي: بالباء، وهما بمعنى. (أَوْ أَنْ
نَسْتَنْجِي بِالْيَمِينِ) أو فيه وفيما بعده للعطف، والاستنجاء إزالة النجو وقطعه بالماء
أو بالحجارة، وفيه: دليل على تحريم الاستنجاء باليمين؛ لأنه الأصل في النهي ولا
صارف له، فلا وجه للحكم بالكراهة فقط، وهذا تنبيه على شرف اليمين وصيانتها
عن الأقذار.
(أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ) وفي رواية أحمد الآتية في الفصل الثالث:
((ولا نكتفي بدون ثلاثة أحجار)). وفي كلتا الروايتين دليل واضح على أن الاقتصار
على أقل من ثلاثة أحجار لا يجوز، وإن حصل الإنقاء بما دونها، ولا يعارضه
حديث أبي هريرة الآتي في الفصل الثاني بلفظ: ((مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ
أَحْسَنَ، وَمَنْ لاَ فَلاَ حَرَجَ)) أخرجه أبو داود وغيره؛ لأن حديث سلمان هذا أصح منه،
فيقدم عليه أو يجمع بينهما بما قال الحافظ في ((الفتح)): أَخَذَ بهذا - أي: بحديث
سلمان - الشافعيُّ وأحمدُ وأصحابُ الحديث، فاشترطوا أن لا ينقص من الثلاث
مع مراعاة الإنقاء، إذا لم يحصل بها فيزداد حتى ينقي، ويستحب حينئذٍ الإيتار؛
لقوله: ((مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ)). وليس بواجب لزيادة في أبي داود حسنة الإسناد قال:
((وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ)). وبهذا يحصل الجمع بين الروايات في هذا الباب، انتهى.
وقال ابن تيمية في ((المنتقى)) بعد ذكر حديث أبي هريرة المذكور: وهذا محمول
على أن القطع على وتر سنة فيما زاد على ثلاث؛ جمعًا بين النصوص، انتهى.
(أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيع، أَوْ بِعَظْم) أو للعطف بمعنى الواو لا للشك. والرجيع هو
الخارج من الإنسان أو الحيوان، يَّشمل العذرة والروث، فعيل بمعنى فاعل، سمي
رجيعًا؛ لأنه رجع عن حالته الأولى فصار ما صار بعد أن كان علفًا أو طعامًا. وفي
حديث رويفع عند أبي داود ((رجيع دابة)). وأما عذرة الإنسان فهي داخلة تحت
قوله وَلّ: ((فَإِنَّهَا رِكْسٌ)) في بعض الأحاديث.
وفي الحديث: دليل على أن لا يجوز الاستنجاء بالرجيع والعظم، وعلة النهي
عن الاستنجاء بالرجيع أنه علف لدواب الجن، ولأنه لا يطهر، ولأنه رجس بكسر

١٩٩
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ آدَاب الْخُلَاءِ
الراء، وهو المستقذر المكروه، والتعليل بعدم التطهير عائد إلى كونه رجسًا، وفيه :
تنبيه على جنس الرجس، فلا يجزئ الاستنجاء بالرجس مطلقًا، والعلة في النهي
عن العظم أنه طعام الجن، أي: فيجدون عليه من اللحم أوفر ما كان عليه، ولأنه لا
يطهر فإنه لزج لا يكاد يتماسك فلا ينشف النجاسة، ولا يقطع البلة. وقيل: إنه لا
يخلو في الغالب عن الدسومة، وقيل: لأنه ربما يجرح.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه
وغيرهم.
٣٣٨- [٤] وَعَنْ أنس قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهَ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاَءَ
يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشَّرُ
٣٣٨ - قوله: (إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ) أي: أراد دخول موضع قضاء الحاجة. ولا
يختص هذا بالأمكنة المعدة لذلك، بل يعمُّ ويشمل حتى لو بال في إناء مثلًا في
جانب البيت ما لم يشرع في قضاء الحاجة، فيقول في الأمكنة المعدة قبيل
دخولها، وفي غيرها في أول الشروع، كتشمير ثيابه مثلاً، ومن نسي يستعيذ بقلبه لا
بلسانه. (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِك) كان ◌َّ يستعيذ إظهارًا للعبودية ويجهر بها للتعليم.
(مِنَ الْخُبُثِ) بضمتين جمع الخبيث، وهو الموذي من الجن والشياطين.
(وَالْخَبَائِثِ) جمع الخبيثة، والمراد: ذكور الشياطين وإناثهم، وقد جاءت الرواية
بإسكان الباءِ في الخُبْث أيضًا إما على التخفيف أو على أنه اسم بمعنى الشرِّ،
فالخبائث صفة النفوس، فيشمل ذكور الشياطين وإناثهم جميعًا، والمراد التعوذ
من الشر وأصحابه. (مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي
وابن ماجه وغيرهم.
(٣٣٨) البُخَارِي (١٤٢)، مسلم (١٢٢ / ٣٧٥)، أَبُو دَاوُد (٥)، التِّرْ مِذِي (٥)، النَّسَائِي (١ / ٢٠)، ابن
ماجه (٢٩٨) عَنْ أَنَسٍ رَؤُهُ، فِیهِ.