النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ixE
و((الإصابة)) (ج٢: ص٣٨٤، ٣٨٥) و(ج٣: ص٩٦). وسيكون لنا عودة إلى
البحث عن ذلك في باب أوقات النهي، إن شاء الله تعالى.
(إِذَا تَوَضَّأَ) أي: أراد الوضوء. (خَرَجَتِ الْخَطَايَا) أي : خطایا فیه من فيه، فاللام
بدل من المضاف إليه، أو للعهد بالقرينة المتأخرة، وهكذا فيما بعد، فلا يرد: أن
تمام الخطايا إذا خرجت من فيه فماذا يخرج من سائر الأعضاء؟ والمراد بخطايا
الفم: المراودة على الفاحشة، والمواعدة على المعصية، وغير ذلك من الصغائر.
(خَرَجَتِ الْخَطَايَا) كشمِّ ما لا يجوز كطيب مغصوب. (مِنْ أَنْفِهِ) أي: مع الماء.
(خَرَجْتِ الْخَطَايَا مِنْ وَجْهِهِ) كالنظر إلى ما لا يحل قصدًا. (حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ
أَشْفَارِ عَيْنَيْهِ) أشفار العين أطراف الأجفان التي ينبت عليها الشعر، جمع شفر
بالضم. (فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ) أي: إلى المرفقين. (خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ يَدَيْهِ) كاللمس
لما لا يجوز.
(فَإِذَا مَسَحَ بِرَأْسِهِ) ظاهره الاستيعاب. (خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ رَأْسِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ
أُذُنَيْهِ). فيه: دليل على أن الأذنين من الرأس، وأنهما يمسحان بماء الرأس لا بماء
جديد؛ لأن خروج الخطايا منهما بمسح الرأس إنما يحسن إذا كانا منه، وهذا كما
جعل العينين مخرجًا لخطايا الوجه، والأظفار مخرجًا لخطايا اليدين، وعليه بنى
النسائي الكلام في ((سننه)) فقال: باب مسح الأذنين من الرأس، وما يستدل به على
أنهما من الرأس.
(فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ) أي: إلى الكعبين. (خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ رِجْلَيْهِ) كالمشي فيما
لا ينبغي. (وَصَلَاتُهُ) فريضة كانت أو نافلة. (نَافِلَةً لَهُ) أي: زائدة على تكفير تلك
الخطايا المتعلقة بأعضاء الوضوء، فتكون لتكفير خطايا باقي الأعضاء إن كانت،
وإلا فلتخفيف الكبائر ثم لرفع الدرجات. (رَوَاهُ مُالِك وَالنَّسَائِيُّ) وأخرجه أيضًا
أحمد وابن ماجه والحاكم، وقال: صحيح على شرطهما، ولا علة له، وعبد الله
الصنابحي صحابي.
١٤١
كِتَابُ الطّهَارَةِ
٢٩٩ - [١٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ أَتَى الْمَقْبُرَةَ فَقَالَ:
((السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ
رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا)) قَالُوا: أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((أَنْتُمْ أَصْحَابِي،
وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ)) فَقَالُوا: كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ
يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! فَقَالَ: ((أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ خَيْلٌ غُرِّ مُحَجَّلَةٌ بَيْنَ ظَهْرَيْ
خَيْلِ دُهْم بُهْم، أَلَا يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟)) قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: ((فَإِنَّهُمْ
يَأْتُوَّنَ غُرَّا مُحَّجَّلِينَ مِنَ الْوُضُوءِ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ)). [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
الشَّرْحُ
٢٩٩ - قوله: (أَتَى الْمَقْبُرَةَ) بتثليث الباء والكسر قليل، قيل: إنها البقيع.
(السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْم مُؤْمِنِينَ) منصوب على الاختصاص أو النداء؛ لأنه مضاف،
ويجوز الجر على البدلَّيةِ من الكاف والميم في ((عَلَيْكُمْ)). والمراد: الجماعة وأهل
الدار. (وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ) أتى بالاستثناء مع أن الموت لا شك فيه،
وللعلماء فيه أقوال تبلغ إلى عشرة، أظهرها: أنه للتبرك لا للشك، كما في قوله:
﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ ءَامِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] وقيل: لامتثال أمر الله في
قوله: ﴿وَلَا نَقُولَنَّ لِشَأَىْءٍ إِنِّ فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٣٣) إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤]
وقيل: باعتبار اللحوق في هذا المكان والموت بالمدينة. (وَدِدْتُ) بكسر الدال أي
تمنيت وأحببت. (أَنَّا) بفتح الهمزة وتشديد النون أي أنا وأصحابي. (إِخْوَانَنَا) في
الحياة الدنيا، وقيل: بعد الموت، ووجه اتصال هذه الودادة بذكر أصحاب القبور
أنه ذكر اللاحقين عند تصور السابقين، وذكرهم إظهارًا لشرفهم وكرامتهم ومحبته
إياهم .
(أَوَلَسْنَا) أي: أتقول هذا ولسنا. (أَنْتُمْ أَصْحَابِي) ليس هذا نفيًّا لأخوتهم، ولكن
ذكر مزيتهم الزائدة بالصحبة، فإن الاتصاف في محل الثناء يكون بأرفع حالاته
وأفضل صفاته، وفضيلة الصحبة لا يعدلها عمل، فإنها من الصفات التي لا يلحقهم
(٢٩٩) مُسْلِم (٢٤٩) عن أبي هريرة بطوله في الطهارة.
١٤٢
ON*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
فيها أحد، فهؤلاء إخوة وصحابة، واللاحقون إخوة فحسب. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا
الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ [الحجرات: ١٠]. (وَإِخْوَانْنَا) أي: المراد بإخواني أو الذين لهم أخوة
فقط. (الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ) أي: لم يلحقوا إلى الآن. (فَقَالُوا: كَيْفَ تَعْرِفُ) أي:
يوم القيامة، وفي رواية مالك والنسائي: ((وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ))، فقالوا: يا
رسول اللَّه وَلّ كيف تعرف ... ؟ إلخ. فكأنهم فهموا من تمني الرؤية وتسميتهم
باسم الأخوة دون الصحبة أنه لا يراهم في الدنيا، فإنما يتمنى عادة ما لم يمكن
حصوله، ولو حصل اللقاء في الدنيا لكانوا صحابة، وفهموا من قوله: ((أَنَا فَرَطُهُمْ))
أنه يعرفهم في الآخرة، فسألوا عن كيفية ذلك.
(أَرَأَيْتَ) أي: أخبرني، والخطاب مع كل من يصلح له من الحاضرين أو
السائلين. (بَيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلِ) أي: بينها، ولفظ الظهر مقحم. (دُهْم) بضم الدال
وسكون الهاء جمع أدهم، وهو الأسود، والدهمة السوادة. (بُهْم) بَّضم الموحدة
وسكون الهاء جمع بهيم، وقيل: المراد السود أيضًا، وقيل: البهيَّم الذي لا يخالط
لونه لون سواه، سواء كان أسود، أو أبيض، أو أحمر، بل يكون لونه خالصًا. (أَلَا
يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟) الهمزة للإنكار. (فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنَ الْوُضُوءِ) أي: وسائر
الناس ليسوا كذلك، لاختصاص الغرة والتحجيل بهذه الأمة من بين الأمم،
ويكون الوجه كله متنورًا من أثر الوضوء، ولكن الجبهة تكون أشد تنورًا من أجل
السجود، فلا يخالفه حديث عبد الله بن بسر عند الترمذي وغيره، وقد تقدم وجه
آخر للجمع .
(وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ) بفتحتين، أي: أنا أتقدمهم على الحوض، أهيئ لهم
ما يحتاجون إليه. ففيه بشارة لهذه الأمة، هنيئًا لمن كان النبي وَلَّ فرطه. (رَوَاهُ
مُسْلِمٌ)، وأَخرجَهُ أيضًا مَالك والنسَائِي.
١٤٣
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
٣٠٠ - [١٨] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ وَّةِ: ((أَنَا أَوَّلُ مَنْ
يُؤْذَنُ لَهُ بِالسُّجُودِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يُؤْذَنُ لَهُ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ، فَأَنْظُرَ إِلَى
مَا بَيْنَ يَدََّّ فَأَعْرِفَ أُمَّتِي مِنْ بَيْنِ الْأُمَم، وَمِنْ خَلْفِي مِثْلَ ذَلِكَ، وَعَنْ يَمِينِي
مِثْلَ ذَلِكَ، وَعَنْ شِمَالِي مِثْلَ ذَلِكَ)). فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَعْرِفُ
أُمَّتَكَ مِنْ بَيْنِ الْأُمَم فِيمَا بَيْنَ نُوحٍ إِلَى أُمَّتِكَ؟ قَالَ: ((هُمْ غُرٌّ مُحَجَّلُونَ مِنْ أَثَرِ
الْوُضُوءِ، لَيْسَ أَخَّدٌ كَذَلِكَ غَيْرَّهُمْ، وَأَعْرِفُهُمْ أَنَّهُمْ يُؤْتَوْنَ كُتُبَهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ
وَأَعْرِفُهُمْ تَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ذُرِّيَتْهُمْ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ] {صحيح}
الشّرْجُ
٣٠٠ - قوله: (فَأَنْظُرَ) أي: فأرفع رأسي فأنظر. (فَأَعْرِفَ) أي: أميز، ليستقيم
تعلق من به. (أُمَّتِي) أي: الذين أجابوا. (وَمِنْ خَلْفِي) أي: وأنظر من ورائي. (مِثْلَ
ذَلِكَ) بالنصب، أي: فأعرف أمتِي. (فِيمَا بَيْنَ نُوح) بيان للأمم، حال منه، أي:
الأمم كائنة فيما بين نوح. (إِلَى أَمَّتِك) إلى للانتهاءَ، أي: مبتدأ من نوح منتهيًا إلى
أمتك. (لَيْسَ أَحَدٌ كَذَلِكَ غَيْرَهُمْ) بالرفع على البدلية، وبالنصب على الاستنثاء،
هذا صريح في أن الغرة والتحجيل من خصوصيات أمته وَ له. (وَأَعْرِفُهُمْ أَنَّهُمْ يُؤْتَوْنَ
كُتُبَهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ) ظاهره أنه من خصوصياتهم إلا أن يحمل على أنهم يؤتون ذلك قبل
غيرهم، أو على صفة لم تكن لغيرهم، إذ الذي دلَّت عليه الآيات وبقية الأحاديث
العموم. (وَأَعْرِفُهُمْ تَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ذُرِّيَّتُهُمْ) قال الطيبي: لم يأت بالوصفين هذين
تفصلة وتميزًا كالأول، بل أتى بهما مدحًا لأمته، وابتهاجًا بما أوتوا من الكرامة
والفضيلة، انتهى. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) وفيه ابن لهيعة. قال المنذري: وهو حديث حسن
في المتابعات، وأخرجه أيضًا الطبراني في ((الكبير))، وفيه أيضًا ابن لهيعة.
(٣٠٠) أَحْمَد (٥/ ١٩٩) عن أبي الدرداء.
١٤٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١ - بَابُ مَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ
(بَابُ مَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ) أي: وما يتعلَّق به، قال في ((القاموس)): ((الْوُضُوءِ))
بالضم الفعل، وبالفتح ماؤه، ومصدر أيضًا، أو لغتان قد يعني بهما المصدر، وقد
يعني بهما الماء، انتهى. والمراد: بيان الأشياء التي تنقض الوضوء، وتكون سببًا
لوجوب وضوء آخر. والموجب للوضوء وسببه في الحقيقة هي إرادة الصلاة
المقرونة إليها، كما تدل عليه آية الوضوء، وقد يطلق على نواقض الوضوء لفظ
الموجب كما هنا بالوجه الذي أشرنا إليه.
الفصل الأول
٣٠١ - [١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَِثْتَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: (لَا تُقْبَلُ
صَلَاةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشَّرْجُ
٣٠١ - قوله: (لَا تُقْبَلُ) وفي رواية: ((لَا يَقْبَلُ اللَّهُ))، والقبول ضد الرد، فمعنى
لا تقبل أي: ترد ولا تعتد ولا تجزئ، أي: تبطل ولا تصح، فالقبول في معنى
الإجزاء والصحة، وقد يطلق عدم القبول ويراد به نفى الإثابة لدليل خارجي (صَلَاةُ
مَنْ أَحْدَثَ) أي: صار ذا حدث، والمراد به الخارج من أحد السبيلين. (حَتَّى
يَتَوَضَّأَ) أي: فتقبل حينئذٍ، وقوله: ((يَتَوَضَّأَ)) أي: حقيقة بالماء، أو حكمًا بما يقوم
مقامه، وهو التيمم، وقد أطلق الوضوء على التيمم، أو يتوضأ بمعنى يتطهر،
فيشمل الغسل والوضوء والتيمم.
(٣٠١) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١٣٥)، ومُسْلِم (٢ / ٢٢٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الطَّهَارَةِ، وأَبُو دَاوُد (٦٠)،
والتِّرْمِذي (٧٦).
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ مَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ
١٤٥
والحديث فيه: دليل على بطلان الصلاة بالحدثِ، سواء كان خروجه اضطراريًّا
أو اختياريًّا لعدم التفرقة في الحديث بين حدث وحدث، في حالة دون حالة، ففيه:
رد على من يقول - وهو أبو حنيفة: أنه إذا سبقه الحدث يتوضأ، ويبني على صلاته.
وفيه: أن الصلوات كلها تفتقر إلى الطهارة، ويدخل فيها صلاة الجنازة
والعيدين وغيرهما.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الطهارة، وفي ترك الحيل، ومسلم في
الطهارة، وأخرجه أيضًا الترمذي وأبو داود.
٣٠٢ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ
بِغَيْرِ طُهُورٍ، وَلَا صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
الشّرْئُ
٣٠٢ - قوله: (بِغَيْرِ طُهُورٍ) أي: بلا طهور، وليس المعنى صلاة متلبسة بشيء
مغاير للطهور، إذ لا بد من ملابسة الصلاة بما يغاير الطهور، كسائر شروط
الصلاة، إلا أن يراد بمغاير الطهور، ضد الطهور، حملًا لمطلق المغاير على
الكامل، وهو الحدث.
والطَّهور: بضمِّ الطاءِ فِعل المتطهر، وهو المراد هاهنا، وبالفتح اسم للآلة
كالماء والتراب، وقيل: بالفتح يطلق على الفعل أيضًا، فيجوز هاهنا الوجهان.
(وَلَا صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ) بضم الغين أي: مال حرام. والغلول في الأصل: الخيانة
في المغنم، والسرقة من الغنيمة قبل القسمة، وكل من خان في شيء خفية فقد
غلّ، قال ابن العربي: فالصدقة من مال حرام في عدم القبول واستحقاق العقاب،
كالصلاة بغير طهور في ذلك، انتهى. فكما أن الطهارة شرط للصلاة المقبولة،
كذلك كون المال طيبًا شرط للصدقة المقبولة، ولعل وجه تخصيص الغلول
(٣٠٢) مُسْلِم (١ / ٢٢٤) فِيهِ، وَالتِّرْ مِذِي (١)، وَابن مَاجَهْ (٢٧٢) عَنِ ابْنِ عُمَرَ .
١٤٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بالذكر، وإن كان الحكم عامًّا لجميع الأموال المحرمة - كثمن الخمر وأجرة
المزنية والربا والسرقة ونحوها - أن الغنيمة فيها حق لجميع المسلمين، فإذا كان
التصدق من المال الذي فيها حق غير مقبولة، فأولى أن لا تقبل من المال الذي ليس
فيه حق .
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد، والترمذي، وابن ماجه، وأخرجه أبو داود
والنسائي، وابن ماجه، عن أبي المليح عن أبيه، وابن ماجه عن أنس وأبي بكرة.
٣٠٣ - [٣] وَعَنْ عَلِيِّ قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً، فَكُنْتُ أَسْتَحْيِي أَنْ أَسْأَلَ
النَّبِيِّ وَ لِمَكَانِ ابْنَتِهِ، فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ فَسأَلَهُ؟ فَقَالَ: ((يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشّرْجُ
٣٠٣- قوله: (مَذَّاءً) صيغة مبالغة، أي: كثير المذي، وفيه لغات أفصحها
بفتح الميم وسكون الذال وتخفيف الياء ثم بكسر الذال وتشديد الياء، وهو ماء
أبيض رقيق لزج، يخرج عند الملاعبة والتقبيل، أو تذكر الجماع، أو إرادته عادة،
وقد لا يحس بخروجه. (أَنْ أَسْأَلَ النَّبِيِّ بَلاَ) أي: عن حكم المذي، هل هو نجس
موجب للغسل أم لا؟ (لِمَكَانِ ابْنَتِهِ) أي: فاطمة، لكونها تحته. والمذي كثيرًا ما
يخرج عند ملاعبة الزوجة. (فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ فَسَأَلَهُ) أي: مبهمًا بأن قال مثلا: رجل
خرج من ذكره مذي، ما الحكم فيه؟ لا لعلي خاصة بالتعيين، وقد وقع الاختلاف
في السائل هل المقداد كما في هذه الرواية؟ أو عمار كما في رواية للنسائي؟ أو علي
كما في رواية لابن حبان، والإسماعيلي، والترمذي؟ وجمع ابن حبان بين ذلك،
بأن عليًّا أمر عمارًا أن يسأل، ثم أمر المقداد بذلك، ثم سأل بنفسه، إلا أنه تعقب
بأن قوله: فكنت أستحيي ... إلخ. دال على أنه لم يباشر السؤال، فنسبة السؤال
إليه في رواية من قال: إن عليًّا سأل، مجاز، لكونه الآمر بالسؤال، أو يقال: أنه
(٣٠٣) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٣٢، ٢٦٩)، ومُسْلِم (١٧ / ٣٠٣) عَنْ عَلِيٍّ رَوَّهُ، فِيهِ؛ والنَّسَائِي (١/
٢١٤) .
١٤٧
بَابُ مَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ
*
*
كِتّابُ الطَّهَارَةِ
سأل هو بنفسه بعد سؤالهما للاحتياط، أو يقال: إنه لما أبطأ في السؤال، سأل
بنفسه لشدة احتياجه إليه، وسألا أيضًا في أوقات مختلفة، وأخبراه بذلك، وقد
يجمع بأنه سألهما معًا أن يسألاه و سلو، كما في رواية لعبد الرزاق: فسأله المقداد
بحضرة عمار وعلي، فنسبة عمار إلى أنه سأل عن ذلك محمولة على المجاز لكونه
قصده، ولكون المقداد سأله بحضرته، كما أن نسبة السؤال إلى علي محمولة على
المجاز؛ لكونه الآمر ولکون المقداد سأله بحضرته.
(يَغْسِلُ ذَكَرَهُ) لنجاسته، وإطلاق لفظ: ((ذَكَرَهُ)) ظاهر في غسل الذکر کله، ولیس
كذلك، إذ الواجب غسل محل الخارج وموضع النجاسة فقط، وإنما هو من إطلاق
لفظ الكل على البعض، والقرينة أن الموجب لغسله إنما هو خروج الخارج، فلا
تجب المجاوزة إلى غير محله، ويؤيده ما عند الإسماعيلي في رواية فقال: ((تَوَضَّأُ
وَاغْسِلْهُ)) فأعاد الضمير إلى المذي، وهذا مذهب الجمهور، وذهب بعض المالكية
إلى أنه يغسله كله، عملًا بلفظ الحديث، وذهب بعض الحنابلة إلى أنه يغسله كله
مع الأنثيين. واستدلَّ لذلك برواية أبي داود: ((يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَأُنْثَيْهِ))، وفي رواية
أخرى له: ((فَتَغْسِلُ مِنْ ذَلِكَ فَرْجَكَ وَأُنْتَيْكَ، وَتَوَضَّأْ لِلصَّلاَةِ)). وأجيب بأن رواية
غسل الأنثيين، قد طعن فيها بأنها من رواية عروة عن علي، وعروة لم يسمع من
علي، وأيضًا أكثر الروايات في ((الصحيحين)) وغيرهما خالية عن ذكر الأنثيين، إلا
أنه رواه أبو عوانة في ((صحيحه))، من طريق عبيدة عن علي بالزيادة، وإسناده لا
مطعن فيه كما قال الحافظ في ((التخليص)).
وأجيب عنه: بأنه محمول على الاستحباب، أو أمر بغسل الأنثيين لزيادة
التطهير؛ لأن المذي ربما انتشر فأصاب الأنثيين. ويقال: إن الماء البارد إذا أصاب
الأنثيين رد المذي، فلذلك أمره بغسلهما، قاله الخطابي. واستدل به على تعيين
الماء فيه دون الأحجار ونحوها أخذًا بالظاهر.
وقالت الحنفية: يجوز الاقتصار بالأحجار إلحاقًا للمذى بالبول، وحملًا للأمر
بالغسل على الاستحباب، أو على أنه خرج مخرج الغالب، وهذا هو المعروف في
مذهب الشافعي. (وَيَتَوَضَّأ) فيه أن المذي ينقض الوضوء، ولا يوجب الغسل، وهو
إجماع .
Beexx
١٤٨
Best #ce
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في العلم، وفي الطهارة، ومسلم في الطهارة،
وأخرجه أيضًا النسائي فيها، وقد روي حديث علي هذا من طرق مختلفة عند
أحمد، ومسلم، والترمذى، والنسائي وأبي داود، وابن ماجه، وغيرهم.
٣٠٤ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَْتَهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ يَقُولُ:
(تَوَضَّئُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
الشَّرْجُ
٣٠٤- قوله: (تَوَضَّئُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ) أي: من أكل ما مسته النار، وهو
الذى أثرت فيه النار بطبخ أو قلي أو شيٍّ. والمراد بالوضوء الوضوء الشرعي، أي:
وضوء الصلاة. وهو دليل على أن أكل ما أثرت فيه النار من أسباب وجوب
الوضوء، واختلف العلماء في هذه المسألة، فذهب الأكثر من السلف والخلف إلى
عدم انتقاض الوضوء به. وذهبت طائفة إلى وجوب الوضوء الشرعي به، واستدلت
بحديث أبي هريرة هذا وما في معناه. وأجاب الأولون عنه بوجوه:
منها: أن المراد بالوضوء غسل الفم والكفين، ورد بأن الحقائق الشرعية مقدمة
على غيرها .
ومنها: أنه محمول على الاستحباب لا على الوجوب، وهذا اختيار الخطابي،
وابن تيمية صاحب ((المنتقى))، ورد بأن الأصل في الأمر الوجوب.
ومنها: أنه لما اختلف أحاديث الباب، ولم يتبين الراجح منها، نظرنا إلى ما
عمل به الخلفاء الراشدون بعد النبي وَلّر، فرجحنا به أحد الجانبين، وارتضى بهذا
النووي في «شرح المهذب))، وبهذا یظهر حکمة تصدير البخاري حديث ابن عباس
الآتي بالأثر المنقول عن الخلفاء الثلاثة. قال النووي: كان الخلاف فيه معروفًا بين
الصحابة والتابعين، ثم استقرَّ الإجماع على أنه: لا وضوء مما مست النار، إلا ما
تقدم استثناءه من لحوم الإبل.
(٣٠٤) مُسْلِمٌ (٩٠/ ٣٥٢)، وَالنَّسَائِي (١/ ١٠٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهِ.
كِتَابُ الطُّهَارَةِ
بَابُ مَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ
١٤٩
ومنها: أنه منسوخ بحديث ابن عباس الذى يتلوه، وبحديث أم سلمة وحديث
ابن عباس الآتيين في آخر الفصل الثاني، وما في معناهما من الأحاديث الدالة على
ترك الوضوء مما مست النار، والحكمة في الأمر بالوضوء من ذلك في أول
الإسلام، ما كانوا عليه من قلة التنظيف في الجاهلية، فلما تقرَّرت النظافة وشاعت
في الإسلام، نسخ الوضوء تيسيرًا على المؤمنين. وأبدى الشاه ولي الله الدهلوي
حكمة أخرَى، وارجع إلى حجة الله.
قلتُ: أقوى الأجوبة عندي هو الثالث فهو أولى من دعوى النسخ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ)
وأخرجه أيضًا أحمد، والنسائي، وغيرهما.
٣٠٥ - [٥] قَالَ الشِّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ مُحْيِي السُّنَّةِ رَخْتُهُ: هَذَا مَنْسُوخٌ
بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ
يَتَوَضَّأْ.
[مُتَّفَقُ عَلَيْهِ]
الشَّرْحُ
٣٠٥- قوله: (قَالَ الشِّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ مُحْيِي السُّنَّةِ) البغوي في ((شرح
السنة)). (هَذَا) أي: وجوب الوضوء الشرعي بأكل ما مسته النار. (مَنْسُوخٌ بِحَدِيثٍ
ابْنِ عَبَّاسٍ .. ) إلخ، واعترض عليه بأنه إنما يتم ذلك لو علم تاريخهما، وتقدم
الأول على الثاني، وأجيب بأن صحبة ابنٍ عباس متأخرة، فإنه إنما صحبه بعد
الفتح، قاله الشافعي فيما نقله البيهقي، ويدلّ على تأخر حديث ابن عباس، ما رواه
أحمد في ((مسنده)) عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه عن ابن إسحاق:
حدثنا محمد بن عمرو بن عطاء قال: دخلت على ابن عباس بيت ميمونة زوج
النبي وَ ي لغد يوم الجمعة ... الحديث. وفيه: فأكل وأكلوا معه، قال: ثم نهض
رسول اللَّه ◌َ ل بمن معه إلى الصلاة، وما مس ولا أحد ممن كان معه ماء، قال: ثم
صلى بهم، وكان ابن عباس إنما عقل من أمر رسول اللَّه آخره.
وهذا مع دلالته على تأخره، فيه رد على زعم الخصوصية. قيل: وأصرح من
(٣٠٥) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٢٠٧)، ومُسْلِم (٣٥٤) عَنْهُ فِيهِ.
١٥٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
هذا في النسخ حديث جابر: كان آخر الأمرين من رسول اللَّه ◌َله ترك الوضوء مما
مست النار. رواه أبو داود، والنسائي، وابن الجارود، والبيهقي، وغيرهم، وهو
حديث صحيح ليس في إسناده مطعن، وليست له علة، وقد أعلَّه بعض الحفاظ بما
لا يصلح تعليلاً، وتأوله أبو داود بما هو بعيد جدًّا، يرده ما رواه أحمد عن جابر
مطولًا من طريق محمد بن إسحاق عن عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي
طالب، فإن فيه أن النبي ◌َّلر أكل هو ومن معه، ثم بال، ثم توضأ للظهر، وأنه أكل
بعد ذلك هو ومن معه، ثم صلوا العصر، ولم يتوضئوا، هَذَا مَعْنَى الْحَدِيثِ. فهذا
يدلُّ على أن الوضوء الأول كان للحدث، وليس من أكل ما مست النار، حتى يصح
أن يسمى الفعل الثاني بأكله ثم صلاته من غير أن يتوضأ، آخر الأمرين؛ لأنهما
فعلان ليسا من نوع واحد، وقال ابن حزم في ((المحلى)) (ج١: ص٢٤٣): القطع
بأن ذلك الحديث مختصر من هذا، قول بالظن، والظن أكذب الحديث، بل هما
حديثان كما وردا. انتهى. (أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ) أي: أكل لحم كتف الشاة.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الطهارة، وفي الأطعمة، ومسلم في الطهارة،
وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود.
٣٠٦ - [٦] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ◌ٍِّ:
أَنَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ؟ قَالَ: ((إِنْ شِئْتَ فَتَوَضَّأُ، وَإِنْ شِئْتَ فَلَا تَتَوَضَّأْ) قَالَ:
أَنَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومَ الْإِبِلِّ؟ قَالَ: ((نَعَمْ، فَتَوَضَّأْ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ)) قَالَ: أُصَلِّي فِي
مَرَابِضِ الْغَنَمِ؟ قَالَ: (نَعَمْ)) قَالَ: أَصَلَّ فِي مَبَارِكِ اَلْإِبِلِ؟ قَالَ: ((لَا)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
الشَّرْجُ
٣٠٦ - قوله: (وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) بن جنادة السوائي، صحابي مشهور،
ولأبيه أيضًا صحبة، نزل الكوفة، ومات بها سنة (٧٤) في خلافة عبد الملك بن
(٣٠٦) مُسْلِم (٩١/ ٣٥٤) فِيهِ، وَابن مَاجَهْ (٤٩٥) عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةً.
كِتّابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ مَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ
١٥١
مروان، في ولاية بشر بن مروان، له مائة وستة وأربعون حديثًا، اتفقا على
حديثين، وانفرد مسلم بثلاثة وعشرين، روى عنه جماعة.
(أَنَتَوَضَّأُ) بالنون، وفي بعض النسخ بالياء، وفي بعضها (أَتَوَضَّأ)) بالمتكلم
المفرد، مع حذف همزة الاستفهام، وهي الصحيحة الموافقة لما في ((صحيح
مسلم)). (مِنْ لُحُوم الْغَنَمِ) أي: من أكلها. ( قَالَ: نَعَمْ، فَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ)
المراد به الوضوء الشرعيَ، أي: وضوء الصلاة؛ لأن الحقائق الشرعية مقدمة على
غيرها، والحديثُ نصَّ على أن الأكل من لحم الإبل ناقض للوضوء على كل حال،
نيئًا كان أو مطبوخًا، وإليه ذهب أحمد، وإسحاق بن راهويه، وغيرهما، واختاره
البيهقي، وحكى عن أصحاب الحديث مطلقًا، وحكى عن جماعة من الصحابة،
ورجحه النووي وغيره من الشافعية، وابن العربي من المالكية، والشيخ عبد الحي
اللكنوي من الحنفية، وهذا القول هو المعوّل عليه الصحيح عندنا، وإن كان
الجمهور على خلافه، ويدلَّ عليه أيضًا حديث البراء بن عازب، عند أحمد
والترمذى وأبي داود وابن ماجه والطيالسي وابن الجارود وابن حبان وابن خزيمة
وغيرهم. قال ابن خزيمة: لم أر خلافًا بين علماء الحديث أن هذا الخبر صحيح من
جهةِ النقل لعدالة ناقلیه، انتهى.
وفي الباب عن أسيد بن حضير، وذي الغرة، وعبد الله بن عمر، ولكن
أحاديثهم قد تكلم فيها من جهة السند، وذهب الأكثرون إلى أنه لا ينقض الوضوء،
وأجابوا عن حديثي جابر والبراء بوجوه كلها مخدوشة، قد ردَّ عليها ابن قدامة في
((المغني)) (ج١: ص١٨٨، ١٨٣) ردًّا حسنًا، وقد نقل كلامه شيخنا في ((شرح
الترمذي))، مع الردِّ على تقريرات صاحب ((بذل المجهود)) من الحنفية فارجع إليه،
وأما السؤال عن الحكمة لوجوب الوضوء من لحم الإبل فواقع في غير محله؛ لأن
هذا الحكم تعبد غير معقول المعنى، فلا نحاول أن نتلمس حكمة له.
(أُصَلِّي) بحذف حرف الاستفهام. (فِي مَرَابِضِ الْغَنَم) جمع مَرْبِض بفتح الميم
وكسر الباء، وهو موضع ربوض الغنم، أي: مأوى الغنم. (قَالَ: نَعَمْ) فيه دلیل
على جواز الصلاة في مرابض الغنم مطلقًا، خلافًا لمن قال: إن الإذن بالصلاة فيها
كان قبل أن يبنى المسجد. واستدل بالحديث على طهارة أبوال الغنم وأبعارها؛
لأن مرابض الغنم لا تخلو عن ذلك، والإذن بالصلاة فيها مطلق، ليس فيه
*** 1
١٥٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
تخصيص موضع دون موضع، ولا تقييد بحائل يقي من الأبوال، وهذا هو الحق
خلافًا لأبي حنيفة والشافعي.
(أُصَلِّ فِي مَبَارِك الْإِبِلِ) جمع مَبْرِك بفتح الميم وكسر الراء، وهو موضع بروك
الإبل. (قَالَ: لَا) فيه: دليل على تحريم الصلاة في مبارك الإبل، وإليه ذهب أحمد
ومالك وابن حزم وهو الحق. وذهب الجمهور إلى حمل النهي على الكراهة مع
عدم النجاسة، وعلى التحريم مع وجودها، وهذا إنما يتم على القول بأن علة النهي
هي النجاسة، وذلك متوقف على نجاسة أبوال الإبل وأزبالها، وستعرف أن الحق
طهارة أبوال مأكول اللحم وأزباله، ولو سلمنا النجاسة فيه لم يصح جعلها علة؛
لأن العلة لو كانت النجاسة لما افترق الحال بين أعطانها وبين مرابض الغنم، إذ لا
قائل بالفرق.
وقيل: علة النهي ما فيها من النفور، وبهذا علل أصحاب الشافعي، وأصحاب
مالك، وعلى هذا فيفرق بين كون الإبل في مباركها، وبين غيبتها عنها.
وفيه: أن النهي عن الصلاة فيها مطلق، سواء كانت الإبل فيها أو لم تكن،
وقيل: علة النهي أن يجاء بها إلى مباركها بعد شروعه في الصلاة فيقطعها أو يستمر
فيها مع شغل خاطره. وفيه أيضًا ما تقدم. وقيل: لأن الراعي يبول بينها. وفيه: أن
هذا ظن وتخمين لم يقم عليه دليل، فلا يلتفت إليه.
وقيل: علة النهي شدة نتنها. وقيل: الحكمة في النهي كونها خلقت من
الشياطين، ويدل عليه حديث ابن مغفل عند أحمد والنسائي، وحديث البراء عند
أبي داود، وحديث أبي هريرة عند ابن ماجه، قال الإمام الشوكاني بعد بيان
اختلافهم في تعليل النهي بنحو ما ذكرنا: إذا عرفت هذا الاختلاف في العلة، تبين
لك أن الحق الوقوف على مقتضى النهي، وهو التحريم، كما ذهب إليه أحمد،
والظاهرية، انتهى.
ولا يعارضه حديث الصلاة إلى الراحلة بجعلها سترة في الصلاة؛ لأن ذلك كان
في السفر حالة الضرورة، ولأن النهي مقصور على موضع بروكها وعطنها، وفرق
بين الصلاة في العطن وبين جعلها سترة في الصلاة في حال شد الرحل عليها .
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود الطيالسي وابن ماجه وابن حبان.
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ مَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ
١٥٣
٣٠٧- [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِذَا وَجَدَ
أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ فَلَا يَخْرُجَنَّ مِنَ
الْمَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
الشرخُ
٣٠٧ - قوله: (إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا) أي: كالقرقرة بأن تردد في بطنه
ريح في الصلاة أو خارج الصلاة. (فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ) بفتح الهمزة أي: التبس. (أَخَرَجَ)
الهمزة للاستفهام. (فَلَا يَخْرُ جَنَّ) أي: للتوضؤ؛ لأن المتيقن لا يبطله الشك. (مِنَ
الْمَسْجِدِ) يوهم أن حكم غير المسجد بخلاف المسجد، لكن أشير به إلى أن الأصل
أن يصلي في المسجد؛ لأنه مكانها، فعلى المؤمن ملازمته، والمواظبة على إقامة
الصلوات مع الجماعات. (حَتَّى يَسْمَعَ صَوْنًا) أي: صوت ريح يخرج منه. (أَوْ يَجِدَ
رِيحًا) أي: رائحة ريح خرجت منه، ومعناه حتى يتيقن الحدث بطريق الكناية، أعم
من أن يكون بسماع صوت، أو وجدان رائحة أو يكون بشيء آخر، لا أن سماع
الصوت أو وجدان الريح شرط، إذ قد يكون أصم فلا يسمع الصوت، وقد يكون
أخشم فلا يجد الريح، وينتقض طهره إذا تيقن الحدث.
وفيه: دليل على أن الريح الخارجة من قبل المرأة وذكر الرجل توجب الوضوء،
وبه قال الشافعي، وإليه ذهب بعض الحنفية، ورجحه الشيخ عبد الحي اللكنوي،
لكونه موافقًا للأحاديث، وقال بعض الحنفية: لا توجب. وإليه مال صاحب
((الهداية))، وعلل بأنها لا تنبعث عن محل النجاسة، وهو مبني على أن عين الريح
ليست بنجسة وإنما يتنجس بمرورها على محل النجاسة، وهذا لا يتمشى على قول
من قال من مشايخ الحنفية بتنجس عين الريح، وعلل بعضهم بأنها اختلاج لا ريح،
وليس بشيء خارج، لكن هذا أيضًا قاصر؛ فإنه لا يتمشى فيما إذا وجد النتن، أو
سمع الصوت من القبل أو الذكر، فإن هناك لا شك في خروج شيء.
(٣٠٧) مُسْلِم (٩٩/ ٣٦٢) فِيهِ، وَأَبُو دَاوُد (١٧٧)، وَالتِّرْ مِذِي (٧٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
١٥٤
**
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وفيه: دليل على أن اليقين لا يزول بالشك الطارئ في شيء من أمر الشرع، وهو
قول عامة أهل العلم، فمن حصل له شك أو ظن بأنه أحدث وهو على يقين من
طهارته، لم يضره ذلك حتى يحصل له اليقين، كما أفاده قوله: ((حَتَّى يَسْمَعَ .. ))
إلخ، فإنه علقه بحصول ما يحسه، وذكرهما تمثيل، وإلا فكذلك سائر النواقض،
كالمذي والودي، والحديث عام لمن كان في الصلاة أو خارجها، وهو قول
الجماهير، وللمالكية تفاصيل وفروق بين من كان داخل الصلاة أو خارجها، لا
ینتهض عليها دليل.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا الترمذي، وأبو داود. وروى الجماعة إلا الترمذي
عن عبادة بن تميم عن عمه بنحوه.
٣٠٨ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ شَرِبَ لَبَنَّا فَمَضْمَضَ
وَقَالَ: ((إِنَّ لَهُ دَسَمًّا)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشّؤْخُ
٣٠٨- قوله: (فَمَضْمَضَ) أي: غسل فمه. (إِنَّ لَهُ دَسَمًا) منصوب على أنه
اسم إن، وقدم عليه خبره. وَالدَّسَم بفتحتين: الشيء الذي يظهر على اللبن من
الدهن، وهي بيان لعلة المضمضة من اللبن، فيدل على استحبابها من كل شيء
دسم، لئلا يشغل ما بقي من دسومته في الفم قلب المصلي عن صلاته، ولينقطع
لزوجته ودسمه ويتطهر فمه. ويستنبط منه استحباب غسل اليدين للتنظيف، قال
القاري: مناسبة الحديث للباب، أن المضمضة المذكورة من متممات الوضوء أو
مكملاته، انتهى. أو يقال: أورد الحديث في هذا الباب لبيان أن شرب اللبن ونحوه
مما فيه دسم ليس من نواقص الوضوء، ولا من موجبات المضمضة التي هي من
أركان الوضوء عند أحمد، ومن سننه عند غيره.
(٣٠٨) الجَمَاعَةُ: البُخَارِي (٢١١)، ومُسْلِم (٩٥/ ٣٥٨)، وأَبُو دَاوُد (١٩٦)، والتِّرْ مِذِي (٨٩)، والنَّسَائِي
(١٠٩/١)، وابن ماجه (٤٩٨) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِیهِ .
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ مَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ
١٥٥
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه، وروى ابن
ماجه نحوه عن سهل بن سعد وأم سلمة وأنس.
٣٠٩- [٩] وَعَنْ بُرَيْدَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ نَ صَلَّى الصَّلَوَاتِ يَوْمَ الْفَتْح
بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، فَقَالَ لَّهُ عُمَرُ: لَقَدْ صَنَعْتَ الْيَوْمَ شَيْئًا لَمَّ
تَكُنْ تَصْنَعُهُ! قَالَ: ((عَمْدًا صَنَعْتُهُ يَا عُمَرُ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
الشَّرْحُ
٣٠٩- قوله: (وَعَنْ بُرَيْدَةَ) بضم الموحدة، وفتح الراء، وسكون الياء، وهو
بريدة بن الحصيب، بمهملتين مصغرًا، ابن عبد الله بن الحارث الأسلمي، أبو
عبد الله، وقيل: أبو سهل، وقيل: غير ذلك، أسلم قبل بدر ولم يشهدها، وبايع
بيعة الرضوان، وشهد خيبر، وفتح مكة، واستعمله النبي وَّل على صدقات قومه،
وسكن المدينة، ثم انتقل إلى البصرة، ثم إلى مرو، فمات بها سنة (٦٣) في خلافة
يزيد بن معاوية. له مائة وأربعة وستون حديثًا، اتفقا على حديث، وانفرد البخاري
بحديثين، ومسلم بأحد عشر، روى عنه جماعة، وهو آخر من مات بخراسان من
الصحابة .
(صَلَّى الصَّلَوَاتِ) أي: الخمس المعهودة. (يَوْمَ الْفَتْح) أي: يوم فتح مكة.
(لَقَدْ صَنَعْتَ الْيَوْمَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ) أي: لم تكن تعتاده، وإلا فقد ثبت أنه كان
يفعل قبل ذلك أحيانًا، فقد فعله بالصهباء أيام خيبر، حين طلب الأزواد فلم يؤت إلا
بالسويق، كما سيأتي في حديث سويد. وفي حديث بريدة هذا: تصريح بأن
النبي ◌ٍَّ﴾ كان عادته الوضوء لكل صلاة عملًا بالأفضل، ولما كان وقوع غير المعتاد
يحتمل أن يكون عن سهو، دفع ذلك الاحتمال، ليعلم أنه جائز له ولغيره.
(فَقَالَ: عَمْدًا صَنَعْتُهُ) يعني: بيانًا للجواز، والضمير راجع إلى المذكور، وهو
(٣٠٩) مُسْلِم (٨٦/ ٢٧٧)، وأَبُو دَاوُد (١٧٢)، والترمذي (٦١)، والنَّسَائِي (٨٦/١)، وابن مَاجَهْ
(٥١٠) فِي الطَّهَارَةِ عَنْ بُرَيْدَةَ، وَعِنْدَ البُخَارِي مِنْ حَدِيثٍ أَنَسٍ طَرَفٌ مِنْهُ.
١٥٦
HOMeE
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
جمع الصلوات الخمس بوضوء واحد. وعَمْدًا: تمييز أو حال من الفاعل، قدم
اهتمامًا لشرعية المسألة في الدين.
وفيه: دليل على أن من قدر أن يصلى صلوات كثيرة من الفرائض والنوافل
بوضوء واحد لا تكره صلاته، إلا أن يغلب عليه الأخبثان، وبه قال عامة أهل العلم.
وأما قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] الآية. فالمراد
به: إذا قمتم إلى الصلاة محدثین .
قال الآلوسي في ((روح المعاني)) (ج٦: ص٦٩): ظاهر الآية يوجب الوضوء
على كل قائم إلى الصلاة وإن لم يكن محدثًا، نظرًا إلى عموم: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ من
غير اختصاص بالمحدثين، وإن لم يكن في الكلام دلالة على تكرار الفعل، وإنما
ذلك من خارج على الصحيح، لكن الإجماع على خلاف ذلك، ثم ذكر حديث
بريدة هذا، وقال: فاستحسن الجمهور كون الآية مقيدة، والمعنى: إذا قمتم إلى
الصلاة محدثين، بقرينة دلالة الحال، ولأنه اشترط الحدث في البدل، وهو
التيمم، فلو لم يكن له مدخل في الوضوء مع المدخلية في التيمم، لم يكن البدل
بدلًا، وقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ﴾ صريح في البدلية. وقال بعض المتأخرين: إن في
الكلام شرطًا مقدرًا، أي: إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ... إلخ إن كنتم
محدثين؛ لأنه يلائمه كل الملائمة عطف: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطَّهَّرُواْ﴾ عليه.
وقيل: الأمر للندب، ويعلم الوجوب للمحدث بالسنة، واستبعد لإجماعهم
على أن وجوب الوضوء مستفاد من هذه الآية مع الاحتياج إلى التخصيص بغير
المحدثين من غير دليل، وأبعد منه أنه ندب بالنسبة إلى البعض ووجوب بالنسبة
إلى آخرین.
وقيل: هو للوجوب، وكان الوضوء واجبًا على كل قائم أول الأمر ثم نسخ، فقد
أخرج أحمد وأبو داود وابن جرير وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبيهقي، عن
عبد الله بن حنظلة الغسيل: أن رسول اللَّه وَّل أمر بالوضوء لكل صلاة، طاهرًا
كان أو غير طاهر، فلما شق ذلك عليه، أمر بالسواك عند كل صلاة، ووضع عنه
الوضوء إلا من حدث، ولا يعارض ذلك خبر: أن المائدة آخر القرآن
نزولًا ... إلخ؛ لأنه ليس في القوة مثله، حتى قال العراقي: لم أجده مرفوعًا،
١٥٧
بَابُ مَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
نعم، الاستدلال على الوجوب على كل الأمة أولًا، ثم نسخ الوجوب عنهم آخرًا،
بما يدل على الوجوب عليه، عليه الصلاة والسلام، أولًا ونسخه عنه آخرًا، لا يخلو
عن شيء كما لا يخفى. وأخرج مالك والشافعي وغيرهما، عن زيد بن أسلم: أن
تفسير الآية: إذا قمتم من المضاجع - يعني: النوم - إلى الصلاة، والأمر عليه
ظاهر، انتهى كلام الآلوسي.
ومناسبة الحديث للباب: أنه يدل على أن كل ما أريد القيام إلى الصلاة لا يجب
الوضوء على ما يتوهم من رواية الآية. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي
وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
٣١٠ - [١٠] وَعَنْ سُوَيْدِ بْنِ التُّعْمَانِ: أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللّهِ،وَلَّهِ عَامَ
خَيْبَرَ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالصَّهْبَاءِ - وَهِيَ مِنْ أَدْنَى خَيْبَرَ - صَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ دَعَا
بِالْأَزْوَادِ، فَلَمْ يُؤْتَ إِلَّا بِالسَّوِيقِ، فَأَمَرَ بِهِ فَقُرِّيَ، فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ وَأَكُلْنَا،
ثُمَّ قَامَ إِلَى الْمَغْرِبِ فَمَضْمَضَ وَمَضْمَضْنَا، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأُ.
[ رَوَاهُ البُخَارِيُّ]
الشّرْجُ
٣١٠- قوله: (وَعَنْ سُوَيْدٍ) مصغرًا. (بْنِ التَّعْمَانِ) بضمِّ النون، ابن مالك بن
عامر الأنصاري الأوسي المدني، صحابي، شهد أحدًا وما بعدها، قال الخزرجي:
له سبعة أحاديث، انفرد له البخاري بحديث المضمضة من السويق، ما روى عنه
سوی بشیر بن يسار.
(أَنَّهُ خَرَجَ) في المحرم سنة سبع. (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ لَّهِ عَامَ خَيْبَرَ) أي: عام غزوة
خيبر، وهي بلدة معروفة، غير منصرف للعلمية والتأنيث. (حَتَّى إِذَا كَانُوا) أي:
النبي ◌َّ وأصحابه. (وَهِيَ مِنْ أَدْنَى خَيْبَرَ) أي: الصهباء - بفتح المهملة والمد -
موضع قريب من خيبر، قيل: على بريد منها. (ثُمَّ دَعَا بِالْأَزْوَادِ) ليصيب من الأزواد
(٣١٠) البُخَارِي (٢٠٩) عَنْهُ فِي الطَّهَارَةِ.
١٥٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
من لا زاد عنده، والأزواد جمع زاد. فيه: أن حمل الزاد في السفر لا يقدح في
التوكل، وأخذ المهلب من الحديث: أنه يجوز للإمام أن يأخذ المحتكرين بإخراج
الطعام عند قلته؛ ليبيعوه من أهل الحاجة.
(فَلَمْ يُؤْتَ إِلَّا بِالسَّوِيقِ) وهو ما يحرش من الشعير والحنطة وغيرهما. (فَأَمَرَ بِهِ)
أي: بالسويق. (فَثُرِّي) أي: بُلَّ بالماء، بضم الثاء وتشديد الراء، ويجوز تخفيفها.
(فَمَضْمَضَ) فیه: أنه يستحب المضمضة وإن لم یکن له دسومة لاحتباس بقاياه بین
الأسنان. (ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأ) أي: من أكل السويق وإن كان مما مسته النار،
ففيه: دليل على أن أكل ما مسته النار ليس بناقض للوضوء، وأنه لا يجب الوضوء
لكل صلاة ما لم يحدث.
(رَوَاهُ البُخَارِيُّ) في الطهارة، وفي الجهاد، وفي المغازي، وفي الأطعمة،
وأخرجه أيضًا مالك في ((الموطأ)) في ترك الوضوء مما مست النار، والنسائي وابن
ماجه في الطهارة.
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ مَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ
Be
١٥٩
الفصل الثاني
٣١١ - [١١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَِّلْتَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وٍَّ: ((لَا
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ] {صحيح}
وُضُوءَ إِلَّا مِنْ صَوْتٍ أَوْ رِيحٍ)).
الشَّرْحُ
٣١١ - قوله: (لَا وُضُوءَ إِلَّ مِنْ صَوْتٍ ... ) إلخ أي: لا وضوء واجب إلا من
سماع صوت، أو وجدان رائحة ريح خرجت منه، يعني: من حدث متيقن لا
مشكوك، فلا إشكال في الحصر؛ لأن المقصود نفي جنس الشك وإثبات اليقين.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ) وقال: حسن صحيح، وأخرجه أيضًا ابن ماجه.
٣١٢- [١٢] وَعَنْ عَلِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللّهِ وَ مِنَ الْمَذْي، فقَالَ:
(مِنَ الْمَذْىِ الْوُضُوءُ، وَمِنَ الْمَنِيِ الْغُسْلُ)).
[ْرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ] {صحيح}
الشَّرْجُ
٣١٢- قوله: (مِنَ الْمَذْي) وفي بعض النسخ: ((عَنِ الْمَذْي))، أي: سألته عن
حكم المذي. (مِنَ الْمَذْي الْوُضُوءُ) أي: واجب، وفيه دليل على أن خروج المذي
لا يوجب الغسل، وإنما يوجب الوضوء. (وَمِنَ الْمَنِي الْغُسْلُ) هذا من زيادة
الإفادة، ونوعٍ من جواب أسلوب الحكيم، على حد:َ أَنْتَوضَّأُ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ،
فَقَالَ: ((هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ وَالْحِلُّ مَيْتَتُهُ)).
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وقال: حسن صحيح، وأخرجه أيضًا أحمد، وابن ماجه كلهم
(٣١١) التِّرْمِذِي (٧٤)، وَابن مَاجَهْ (٥١٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهِ، وَقَالَ التِّرْمِذِي: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
(٣١٢) التِّرْمِذِي (١١٤)، وَابن مَاجَهْ (٥٠٤) عَنْ عَلِيٍّ ◌َوَشْتَهُ، فِيهِ، وَقَالَ التِّرْ مِذِي: حَسَنٌ صَحِيحٌ.