النص المفهرس

صفحات 81-100

٨٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
موضوعة. ثم ساق له من موضوعاته أحاديث. وقال أبو نعيم: روى عن آبائه
أحاديث مناكير، لا يكتب، حديثه لا شيء.
٢٥٤ - [٥٧] وَعَنْ عِكْرِمَةَ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسِ قَالَ: حَدِّثِ النَّاسَ كُلَّ جُمُعَةٍ
مَرَّةً، فَإِنْ أَبَيْتَ فَمَرَّتَيْنِ، فَإِنَّ أَكْثَرْتَ فَثَلَاثَّ مَزَّاتٍ، وَلَا تُمِلَّ النَّاسَ هَذَا
الْقُرْآنَ، وَلَا أُلْفِيَنَّكَ تَأْتِي الْقَوْمَ وَهُمْ فِي حَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِهِمْ، فَتَقُصُّ عَلَيْهِمْ،
فَتَقْطَعُ عَلَيْهِمْ حَدِيثَهُمْ، فَتُمِلَّهُمْ، وَلَكِنْ أَنْصِتْ، فَإِذَا أَمَرُوَكَ فَحَدِّثْهُمْ وَهُمْ
يَشْتَهُونَهُ، وَانْظُرِ السَّجْعَ مِنَ الدُّعَاءِ فَاجْتَنِبْهُ؛ فَإِنِّي عَهِدْتُ رَسُولَ اللّهِ وَلِلّـ
وَأَصْحَابَهُ لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا ذَلِكَ.
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ]
الشّرْحُ
٢٥٤- قوله: (حَدِّثِ النَّاسَ) أي: بالآية والحديث والوعظ. (كُلَّ جُمُعَةٍ)
أي: في كل أسبوع. (مَرَّةً) أي: في يوم من أيامها، وهذا إرشاد، وقد بین حكمته.
(فَإِنْ أَبَيْتَ) أي: التحديث مرة وأردت الزيادة. (فَمَرَّتَيْنِ) أي: فحدث مرتين. (فَإِنْ
أَكْثَرْتَ) أي: أردت الإكثار. (وَلَا تُمِلَّ النَّاسَ هَذَا الْقُرْآنَ) من الإملال، والملل
والسآمة بمعنى واحد. قال الطيبي: إشارة إلى تعظيمه، فرتب وصف التعظيم على
الحكم للإشعار بالعلية، أي: لا تحقر هذا العظيم الشأن الذي جبلت القلوب على
محبته وعدم الشبع منه، أي: وإذا كان ذلك الإ كثار يوجب الملل عما هذه أو صافه،
فما بالك بغيره من العلوم التي جبلت النفوس على النفرة من مشاقها ومتاعبها، وقد
تقدم حديث ابن مسعود: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَالِهِ يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ كَرَاهَةَ السَّمَةِ
عَلَيْنَا)).
(وَلَا أَلْفِيَنَّكَ) بضم الهمزة وكسر الفاء، أي: لا أجدنك. قال الطيبي: هو من
باب لا أرينك، أي: لا تكن بحيث ألفينك على هذه، وهي أنك (تَأْتِي الْقَوْمَ) حال
(٢٥٤) الْبُخَارِي (٦٣٣٧) عن ابن عباس رََّهُ ... ، قوله في العلم، وكذا ما نُسب إليه في جميع
الفَصْلِ.

٨١
كِتَابُ الْعِلْم
من المفعول. (وَهُمْ فِي حَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِهِمْ) حال من ((الْقَوْمَ)) أي: والحال أنهم
مشغولون عنك. (فَتَقُصُّ) أي: قصصًا من وعظ أو علم. (فَتَقْطَعُ عَلَيْهِمْ حَدِيثَهُمْ)
أي: كلامهم الذي هم فيه، والفعلان معطوفان على ((تَأْتِي)) وهو الظاهر، وقيل:
منصوبان على جواب النهي. (فَتُمِلَّهُمْ) منصوب جوابًا للنهي، وقيل: مرفوع.
(وَلَكِنْ أَنْصِتْ، فَإِذَا أَمَرُوَكَ) وفي البخاري: ((فَإِنْ أَمَرُوَكَ)) أي: طلبوا منك
التحديث. (فَحَدِّثْهُمْ وَهُمْ يَشْتَهُونَهُ) حال مقيدة، وفيه كراهة التحديث عند من لا
يقبل عليه، والنهي عن قطع حديث غيره، وأنه لا ينبغي نشر العلم عند من لا
يحرص عليه، ويحدث من يشتهي بسماعه؛ لأنه أجدر أن ينتفع به.
(وَانْظُرِ السَّجْعَ مِنَ الدُّعَاءِ فَاجْتَنِبْهُ) السَّجْع: بفتح السين وسكون الجيم موالاة
الكلام على روي واحد، وقيل: هو الكلام المقفى من غير مراعاة وزن، ولا يرد
عليه ما وقع في الأحاديث الصحيحة من الأدعية؛ لأن المراد في قوله: ((انْظُرٍ
السَّجْعَ)) المعهود وهو سجع الكهان والمتشدقين المتكلفين في محاوراتهم، لا
الذي يقع في فصيح الكلام بلا كلفة، فإن الفواصل القرآنية واردة على هذا،
ويؤيده ما قال ◌َّر في قصة المرأة من هذيل: ((أَسَجْعٌ كَسَجْع الْكُهَّانِ؟)) والمعنى:
تأمل السجع المتكلف المانع من الخشوع والضراعة المطلوبة في الدعاء، أو
المستكره منه، وهو سجع الكهان، فاجتنبه ولا تشغل فكرك به لما ذكر. (فَإِنِّي
عَهِدْتُ) أي: عرفت وعلمت. (لَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ) أي: تكلف السجع.
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) في الدعوات، وأخرجه أيضًا البزار في ((مسنده))، والطبراني
عن البزار، كذا في ((الفتح)). وفي الباب عن عائشة أخرجه أحمد. قال الهيثمي
(ج١: ص١٩١): رجاله رجال الصحيح. ورواه أبو يعلى بنحوه.

٨٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
**
٢٥٥ - [٥٨] وَعَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْفَعِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَنْ
طَلَبَ الْعِلْمَ فَأَدْرَكَهُ كَانَ لَّهُ كِفْلَانٍ مِنَ الأَجَرِ، فَإِنْ لَمْ يُدْرِكْهُ كَانَ لَهُ كِفْلٌ مِنَ
[رَوَاهُ الدَّرِامِيُّ] {ضَعِيفٌ جِدًّا}
الأَجْرِ)).
الشَّرْحُ
٢٥٥ - قوله: (وَعَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَع) بالقاف بعد السين المهملة، الليثي
صحابي مشهور، أسلم قبل تبوك وشهدها، كان من أهل الصفة، فلما قبض
النبي وقليل خرج إلى الشام، و کان یشهد المغازي بدمشق وحمص، مات سنة (٨٥)
وقيل: سنة (٨٣)، وهو ابن مائة وخمس سنين. له ستة وخمسون حديثًا، انفرد له
البخاري بحديث، ومسلم بآخر، روى عنه جماعة.
(فَأَدْرَكَهُ) أي: حصله. وقيل: (أَدْرَكَهُ)) أبلغ من ((حصله))؛ لأن الإدراك بلوغ
أقصى الشيء. (كَانَ لَّهُ كِفْلَانٍ) أي: حظان ونصيبان. (مِنَ الأَجْرِ) أجر مشقة
الطلب، وأجر إدراك العلم كالمجتهد المصيب. (كَانَ لَهُ كِفْلٌ مِنَ الأَجْرِ) أي : أجر
مشقة الطلب كالمجتهد المخطئ .
(رواه الدَّارِمِيُّ) وسنده ضعيف جدًّا، فيه يزيد بن ربيعة الرحبي الدمشقي
الصنعاني، قال البخاري: أحاديثه مناكير. وقال النسائي والدارقطني والعقيلي:
متروك. وضعفه ابن أبي حاتم وغيره. والحديث أخرجه أيضًا الطبراني في
((الكبير)). ورواته ثقات، قاله الهيثمي والمنذري. وأخرجه أيضًا أبو يعلى،
والحاكم في ((الكنى))، والبيهقي في ((السنن))، وابن عساكر.
(٢٥٥) الدَّارِمِي (٣٣٥) عن واثلة في العلم.

٨٣
كِتَابُ الْعِلْم
٢٥٦ - [٥٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ
الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ: عِلْمًا عَلِمَهُ وَنَشَرَهُ، وَوَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ،
أَوَ مُصْحَفًا وَرَّثَهُ، أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ، أَوْ بَيْتًا لِابْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ، أَوْ نَهَرًّا أَجْرَاهُ، أَوْ
صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِخَّتِهِ وَحَيَاتِهِ، تَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ)).
[رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ في ((شُعَبِ الْإِيمَانِ))] (حسن}
الشَّرْخُ
٢٥٦ - قوله: (إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ) الجار والمجرور خبر ((إِنَّ)) مقدم على
الاسم، أي: كائن مما يلحقه، واسمها ((عِلْمًا)) و((ما)) عطف عليه. (مِنْ عَمَلِهِ) بيان
((ما)). (وَحَسَنَاتِهِ) عطف تفسير. (بَعْدَ مَوْتِهِ) ظرف (يَلْحَقُ)). (عَلِمَهُ) بالتخفيف
ويجوز التشديد. (وَنَشَرَهُ) هو أعم من التعليم فإنه يشمل التأليف ووقف الكتب.
(تَرَكَهُ) أي: خلفه بعد موته. (أَوَ مُصْحَفًّا وَرَّثَهُ) من التوريث، أي: تركه للورثة ولو
ملكًا. قيل: وفي معناه الكتب الدينية، فيكون له ثواب التسبب، هذا وما بعده من
قبيل الصدقة الجارية حقيقة أو حكمًا، فهذا الحديث كالتفصيل لحديث: ((انْقَطَعَ
عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ)). و((أَوْ)) في هذه الجملة وما بعدها للتفصيل والتنويع. (أَوْ
مَسْجِدًا بَنَاهُ) وفي معناه المدارس والمعاهد الدينية. (أَوْ نَهَرًا) بفتح الهاء ويسكن.
(فِي صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ) أي: أخرجها في زمان كمال حاله، ووفور افتقاره إلى ماله،
وتمكنه من الانتفاع به. وفيه ترغيب إلى ذلك ليكون أفضل صدقته، كما يدل عليه
جوابه وَّ لمن قال: أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ فَقَالَ: ((أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ
شَحِيحٌ)). وإلا فكون الصدقة جارية لا يتوقف على ذلك.
(رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) في السنة بإسناد حسن. (وَالْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الْإِيمَانِ)))،
وأخرجه أيضًا ابن خزيمة في ((صحيحه)) مثله إلا أنه قال: ((أَوْ نَهَرًا كَرَاهُ))، وقال:
يعني: حفره. ولم يذكر المصحف.
(٢٥٦) ابن مَاجَهْ (٢٤٢) عن أبي هريرة.

٨٤
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٥٧ - [٦٠] وَعَنْ عَائِشَةَ أنها قَالَت: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَّهِ يَقُولُ:
((إِنَّ اللَّهَ وَّنْ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْهُ مَنْ سَلَكَ مَسْلَكًّا فِي طَلَبِ الْعِلْمِ سَهَّلْتُ لَهُ طَرِيقَ
الْجَنَّةِ، وَمَنْ سَلَبْتُ كَرِيمَتَيْهِ أَثَبْتُهُ عَلَيْهِمَا الْجَنَّةَ، وَفَضْلٌ فِي عِلْمِ خَيْرٌ مِنْ فَضْلِ
[رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِ ((شُعَبِ الَإِيمَانِ))] (صحيح}
فِي عِبَادَةٍ، وَمِلَاكُ الدِّينِ الْوَرَعُ)).
الشَّرْجُ
٢٥٧ - قوله: (يَقُولُ) حال، والأصل: سمعت قوله، فأخر القول وجعل حالاً
ليفيد الإبهام والتبيين. (أَوْحَى إِلَيَّ) أي: وحيًّا خفيًّا غير متلو. (وَمَنْ سَلَبْتُ) أي:
أخذت. (كَرِيمَتَيْهِ) أي: عينيه الكريمتين عليه، وكل شيء يكرم عليك فهو كريمك
وكريمتك. والمعنى أعميته، فالأكمه بطريق الأولى. (أَنَّبْتُهُ) أي: أعطيته، من
الإثابة. (عَلَيْهِمَا) أي: على الكريمتين يعني: جازيته على فقدهما والصبر عليهما .
(الْجَنَّةَ) مفعول ثان. (وَفَضْلٌ) أي: زيادة. (فِي عِلْمِ خَيْرٌ مِنْ فَضْلِ فِي عِبَادَةٍ).
قال الطيبي: يناسب أن يقال التنكير فيه - أي: في ((فَضْلٌ)) الأول - للتقليل، وفي
الثاني للتكثير. (وَمِلَاكُ الدِّينِ) أي: أصله وصلاحه. قال الجزري: الملاك بالكسر
والفتح، قوام الشيء ونظامه، وما يعتمد عليه فيه، ومنه ملاك الدين. وقال
الطيبي: الملاك بالكسر ما به إحكام الشيء وتقويته وإکماله، قال: و کان من حق
الظاهر أن يقال: ملاك العلم والعمل، فوضع الدين موضعهما تنبيهًا على أنهما
توأمان لا يستقيم مفارقتهما وأنهما لا يكملان بدون الورع. (الْوَرَعُ) بفتحتين،
والمراد به التقوى عن المحرمات والشبهات.
(رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) صدر الحديث تقدم من حديث أبي هريرة في
الفصل الأول، ومن حديث أبي الدرداء في الفصل الثاني. وقوله: ((وَمَنْ سَلَبْتُ
كَرِيمَتَيْهِ أَثَبْتُهُ عَلَيْهِمَا الْجَنَّةَ»، روي معناه عن جماعة من الصحابة: أنس،
وأبي هريرة، وزيد بن أرقم، وعرباض بن سارية. وقوله: ((فَضْلٌ فِي عِلْم ... ))
إلخ. أخرجه البزار والطبراني في ((الأوسط))، والحاكم عن حذيفة، والطبرانيَّ في
((الكبير)) عن ابن عباس بنحوه، وفيه سوار بن مصعب، ضعيف جدًّا.
(٢٥٧) البَيْهَقِي (٥٧٥١) في العلم مِن ((الشُّعَب))، عن عائشةَ عَّا .

٨٥
كِتَابُ الْعِلْم
ISE
٢٥٨ - [٦١] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تَدَارُسُ الْعِلْمِ سَاعَةً مِنَ اللَّيْلِ خَيْرٌ
[رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ] {ضعيف}
مِنْ إِحْيَائِهَا.
الشَّرْجُ
٢٥٨ - قوله: (تَدَارُسُ الْعِلْم) التدارس أن يقرأ بعض القوم مع بعض شيئًا، أو
يعلمهم بعضهم بعضًا، أو يبحثون في مسألة لتحقيق الحق، أو يتذاكرون لتفهم
المقصود. (سَاعَةً مِنَ اللَّيْلِ) الأبلغ أن يراد بالساعة اللغوية لا العرفية. (خَيْرٌ مِنْ
إِحْيَائِهَا) أي: من إحياء الليل بالعبادة. قال الطيبي: شبه الليل بالميت، وأثبت له
الإحياء على طريق الاستعارة التخييلية، ثم كنى عنه بصلاة التهجد؛ لأن في قيام
الليل كل نفع للقائم فيه، ومن نام فقد فقَدَ نفعًا عظيمًا، قال تعالى: ﴿نَتَجَافَى
جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ إلى قوله: ﴿جَزَاءُ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٦ - ١٧] فإذا كان
ثواب التهجد ما ذكره في هذه الآية، فما ظنك بثواب التدارس الذى الساعة منه
أفضل من إحيائها، انتهى مختصرًا. (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) في باب مذاكرة العلم.
٢٥٩ - [٦٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ مَرَّ بِمَجْلِسَيْنِ
فِي مَسْجِدِهِ فَقَالَ: ((كِلَاهُمَا عَلَى خَيْرِ، وَأَخَّدُهُمَا أَفْضَلُ مِنْ صَاحِبِهِ، أَمَّا هَؤُلَاءِ
فَيَّدْعُونَ اللَّهَ وَيُرَغِّبُونَ إِلَيْهِ، فَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُمْ وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُمْ، وَأَمَّا هَؤُلَاءِ
فَيَتَعَلَّمُونَ الْفِقْهَ أَوِ الْعِلْمَ وَيُعَلَّمُونَ الْجَاهِلَ فَهُمْ أَفْضَلُ، وَإِنَّمَا بُعِنْتُ مُعَلِّمًا)).
ثُمَّ جَلَسَ فِهِمْ.
[رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ] {ضعيف}
الشّرْحُ
٢٥٩ - قوله: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَه مَرَّ بِمَجْلِسَيْنِ فِي مَسْجِدِهِ) وفي رواية ابن
ماجه: خرج رسول اللّه وَ ل ذات يوم من بعض حجره فدخل المسجد، فإذا هو
(٢٥٨) الدَّارِمِي (٦٤١) عن ابنِ عبَّاسٍ رَةُ، في العلم.
(٢٥٩) الدَّارِمِى (٣٤٩) عن عبد الله بن عمرو.

٨٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بحلقتين، إحداهما يقرؤون القرآن ويدعون الله، والأخرى يتعلمون ويعلمون،
فقال النبي وَّهِ: (كُلَّ عَلَى خَيْرِ ... )) إلخ. (كِلَاهُمَا) أي: كلا المجلسين، يعني:
أهلهما، أو المراد به المبالغة. (عَلَى خَيْرِ) أي: ثابتان على عمل خير. (أَفْضَلُ مِنْ
صَاحِبِهِ) أي: أكثر ثوابًا. (أَمَّا هَؤُلَاءٍ) قال الطيبي: تقسيم للمجلسين إما باعتبار
القوم أو الجماعة بعد التفريق بينهما باعتبار النظر إلى المجلسين في إفراد الضمير.
(وَيُرَغِّبُونَ إِلَيْهِ) أي: يرغبون فيما عند اللَّه من الثواب. (فَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُمْ) أي:
مطلوبهم فضلاً. (وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُمْ) أي: إياه عدلًا، إذ لا وجوب عليه تعالى، لكن
في ترك هذا فيما بعد تنبيه على أن إعطاء أولئك مطلوبهم كالمتحقق، ففيه إشارة إلى
بون بعيد بينهما. (وَأَمَّا هَؤُلاءِ) أي: وأمثالهم. (فَيَتَعَلَّمُونَ) أولًا. (الْفِقْهَ أَوِ الْعِلْمَ)
شك من الراوى. (وَيُعَلِّمُونَ الْجَاهِلَ) ثانيًا. (فَهُمْ أَفْضَلُ) لكونهم جامعين بين
العبادتين وهو الكمال والتكميل فيستحقون الفضل. (وَإِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّمًا) أي:
بتعليم الله لا بالتعلم من الخلق، ولذا اكتفى به، وفيه إشعار بأنهم منه وهو منهم،
ومن ثم جلس فيهم.
(رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن عبد الرحمن بن رافع
التنوخي، وقد تقدم الكلام فيهما. وأخرجه أيضًا ابن ماجه في السنة من طريق داود
ابن الزبرقان، عن بكر بن خنيس، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم. وداود
متروك، وكذبه الأزدى. وبكر بن خنيس، قال الدارقطني: متروك. وقال أبو
حاتم: صالح، ليس بالقوي. وقال الحافظُ: صدوق، له أغلاط. وأخرجه أيضًا
الطبراني في ((الكبير)) كما في ((الكنز)) (ج٥: ص٢٠٨).

٨٧
a
كِتَابُ الْعِلْم
٢٦٠ - [٦٣] وَعَنْ أَبْبي الدَّرْدَاءِ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ وَةِ: مَا حَدُّ
الْعِلْمِ الَّذِي إِذَا بَلَغَهُ الرَّجُلُ كَانَ فَقِيهًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((مَنْ حَفِظَ عَلَى
أُمَّتِيَ أَرْبَعِينَ حَدِيثًا فِي أَمْرِ دِينِهَا، بَعَثَهُ اللَّهُ فَقِيهًا، وَكُنْتُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَافِعًا
وَشَهِيدًا)).
{ضعيف}
الشّرْجُ
٢٦٠ - قوله: (مَا حَدُّ الْعِلْم) المراد بالحد: المقدار لا المعنى المصطلح
الحادث، ولذا قال: (الَّذِي إِذَا بَلَغَهُ الرَّجُلُ كَانَ فَقِيهًا) يعني: عالمًا في الآخرة،
ومعدودًا في زمرة العلماء فيها، ومستحقًّا لما وعدوا من الثواب. (مَنْ حَفِظَ عَلَى
أُمَّتِي أَرْبَعِينَ حَدِيثًا) قال المناوى: أي نقلها إليهم بطريق التخريج والإسناد، انتهى.
وقال النووي: معنى حفِظها: أن ينقلها إلى المسلمين وإن لم يحفظها ولا عرف
معناها. هذا حقيقة معناه، وبه يحصل انتفاع المسلمين، لا بحفظها ما لم ينقل
إليهم، انتهى. (فِي أَمْرِ دِينِهَا) صحاحًا أو حسانًا. قيل: أو ضعافًا يعمل بها في
الفضائل. قال القاري: هو احتراز عن الأحاديث الأخبارية التي لا تعلق لها بالدين
اعتقادًا أو علمًا أو عملًا، من نوع واحد أو أنواع. (بَعَثَهُ اللَّهُ فَقِيهًا) أي: في زمرة
العلماء. (شَافِعًا) بنوع من أنواع الشفاعات الخاصة. (وَشَهِيدًا) أي: حاضرًا
لأحواله، ومزكيًا لأعماله، ومثنيًا على أقواله.
وحاصل الجواب: أن مقدار العلم الذي إذا بلغه الرجل كان معدودًا في زمرة
العلماء هي معرفة أربعين حديثًا ونقلها إلى المسلمين، وبالنظر إلى هذا الحديث
صنَّف العلماء من السلف والخلف في هذا الباب ما لا يحصى من المصنفات،
واختلف مقاصدهم في تأليفها وجمعها وترتبيها، وسمى كل واحد منهم كتابَهُ
بالأربعين، ذكر في ((كشف الظنون)) كتبًا كثيرة من الأربعينات مع شروحها، من
(٢٦٠) البَيْهَقِي (١٧٢٦) في ((الشُّعَب)) عن أبي الدرداء، وقال: متن مشهور بین الناس، وليس له إسناد
صحيح .

٨٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
شاء الوقوف عليها فليرجع إليه. وسيأتي الكلام على الحديث عند ذكر قول الإمام
أحمد .
٢٦١ - [٦٤] وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ: ((هَلْ
تَدْرُونَ مَنْ أَجْوَدُ جُودًا؟» قَالَواَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «اللَّهُ أَجْودُ جُودًا،
ثُمَّ أَنَا أَجْوَدُ بَنِي آدَمَ، وَأَجْوَدُهُمْ مِنْ بَعْدِي رَجُلٌ عَلِمَ عِلْمًا فَنَشَرَهُ، يَأْتِي يَوْمَ
الْقِيَامَةِ أَمِيرًا وَحَدَهُ)) أَوْ قَالَ: ((أُمَّةً وَاحِدَةً)).
{ضعيف}
الشَّرْحُ
٢٦١ - قوله: (مَنْ أَجْوَدُ) من الجودة أي أحسن (جُودًا) أي: أكثر كرمًا، أو
من الجود أي: من الذي جوده أجود، على حدٍّ: نهاره صائم. والجود قال
الراغب: هو بذل المقتنيات مالًا كان أو علمًا. قيل: ((مَنْ)) الاستفهامية مبتدأ
و((أَجْوَدُ)) خبره و((جُودًا)) تمييز. (قَالَ) أي: النبي ◌ََّ. (اللَّهُ أَجْودُ جُودًا) هو لمجرد
المبالغة، فإنه المتفضل بالإِيجاد والإمداد على جميع البلاد. (ثُمَّ أَنَا أَجْوَدُ بَنِي آدَمَ)
الظاهر أنه على الإطلاق، أي: أفضلهم وأكرمهم. (وَأَجْودُهُمْ) أي: زمانه. (مِنْ
بَعْدِي) يحتمل البعدية بحسب المرتبة، وبحسب الزمان، والأول أظهر، قاله
الطيبي. (رَجُلٌ عَلِمَ) بالتخفيف. (عِلْمًا) أي: عظيمًا نافعًا في الدين. (فَنَشَرَهُ)
بالتدريس، والتصنيف، والترغيب فيه. (أميرًا وَحْدَهُ) يعني: يجيء يوم القيامة
وحده كالأمير الذي معه أتباعه وخدمه في العزة والعظمة. (أَوْ قَالَ: أُمَّةً وَاحِدَةً)
((أَوْ)) للشك من الراوي، والأمة الرجل الجامع للخير، والصنف من الناس،
يعني: يأتي وحده كالجماعة في العزة والعظمة والشرف، وهو نظير قوله تعالى:
﴿إِنَّ إِنْزَهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠]، حيث أطلق الأمة على من جمع من صفات
الفضل، وسمات الخير، والأخلاق الحميدة ما لا يوجد إلا في جماعة، ومنه قول
الشاعر [من السريع لأبي نواس]:
أَنْ يَجْمَعَ الْعَالَمَ فِي وَاحِدٍ
وَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ بِمُسْتَنْكَرٍ
(٢٦١) البَيْهَقِي (١٧٦٧) في ((الشُّعَب)) عن أنسٍ.

٨٩
كِتَابُ الْعِلْمِ
٢٦٢ - [٦٥] وَعَنْهُ، أنَّ النَّبِيَّ وَّلِ قَالَ: ((مَنْهُومَانِ لَا يَشْبَعَانِ: مَنْهُومٌ فِي
الْعِلْمِ لَا يَشْبَعُ مِنْهُ، وَمَنْهُومٌ فِي الدُّنْيَا لَا يَشْبَعُ مِنْهَا)). رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الْأَحَادِيثَ
الثَّلاثَةَ فِي ((شُعَبِ الْإِيمَانِ)) وَقَالَ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي حَدِيثٍ أَبِي الدَّرْدَاءِ:
{صحيح}
هَذَا مَتْنٌ مَشْهُورٌ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ وَلَيْسَ لَهُ إِسْنَادٌ صَحِيحٌ.
الشّرْحُ
٢٦٢- قوله: (مَنْهُومَانٍ) تثنية منهوم من النَّهَم بفتحتين: الولوع بالشيء
وإفراط الشهوة في الطعام، والمنهوم: شديد الشهوة، المنكب على الشيء
لحيازته، المولع به، يعني: حريصان على تحصيل أقصى غايات مطلوبيهما. (لَا
يَشْبَعَانِ) أي: لا يقنعان. (مَنْهُومٌ فِي الْعِلْم لَا يَشْبَعُ مِنْهُ)؛ لأنه في طلب الزيادة دائمًا
وليس له نهاية. (وَمَنْهُومٌ فِي الدُّنْيَا) أي: فِي تحصيل مالها وجاهها. (لاَ يَشْبَعُ مِنْهَا)
فإنه كالمريض المستسقي. قال بعضهم: ما استكثر أحد من شيء إلا ملَّه، وثقل
عليه، إلا العلم والمال، فإنه كلما زاد اشتهى.
(رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ فِي شُعَبِ الإيمان) أما حديث أبي الدرداء
فأخرجه أيضًا الشيرازى في ((الألقاب))، وابن حبان في ((الضعفاء))، وأبو بكر في
((الغيلانيات))، والسلفي، وابن النجار. وقد روي هذا الحديث عن جماعة من
الصحابة: معاذ بن جبل، وابن عباس، وأبي هريرة، وأنس، وأبي سعيد، وعلي،
وأبي مسعود، وأبي أمامة، وابن مسعود، وابن عمر، وجابر بن سمرة بروايات
متنوعة، ذكر أحاديثهم علي المتقي في ((كنز العمال)) (ج٥: ص٢٢١)، وأما
حديث أنس: ((هَلْ تَدْرُونَ مَنْ أَجْودُ جُودًا؟» فأخرجه أيضًا أبو يعلى، وفيه سويد بن
عبد العزيز، وهو متروك الحديث. وأخرجه أيضًا ابن حبان بنحوه، وقال: منكر
باطل. وأما حديثه الثاني: ((مَنْهُومَانِ لَا يَشْبَعَانٍ)) فأخرجه أيضًا الحاكم في
((المستدرك))، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ولم أجد له علَّة
وأقرَّه الذهبي، وأخرج أبو خيثمة في العلم، والطبراني في ((الأوسط)) و((الكبير))،
(٢٦٢) البَيْهَقِي (١٠٢٧٩) في الشُّعَب عن أنسٍ أيضًا.

٩٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والبزار عن ابن عباس بنحوه، وفيه ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف.
(وَقَالَ) أي: البيهقي. (قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي حَدِيثٍ أَبِي الدَّرْدَاءِ) وهو: ((مَنْ حَفِظَ
عَلَى أُمَّتِي)) يعني: في شأنه. (فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ) أي: المحدثين وغيرهم. (وَلَيْسَ لَهُ
إِسْنَادٌ صَحِيحٌ)، وقال النووي: اتفق الحفاظ على أنه حديث ضعيف وإن كثرت
طرقه. وقال الحافظ في ((التلخيص)) (ص٢٦٩): حديث: ((مَنْ حَفِظَ عَلَى أُمَّتِي
أَرْبَعِينَ حَدِيثًا)) روي عن ثلاثة عشر من الصحابة، أخرجها ابن الجوزي في ((العلل
المتناهية))، وبيَّن ضعفها كلها، وأفرد المنذري الكلام عليه في جزء مفرد، وقد
لخصت القول فيه في المجلس السادس عشر من ((الإملاء))، ثم جمعت طرقه في
جزء ليس فيها طريق تسلم من علة قادحة، انتهى.
قال بعضهم: الحكم عليه بالضعف إنما هو بالنظر لكل طريق على حدته، وأما
بالنظر إلى مجموع طرقه فحسن لغيره، فيرتقي عن درجة الضعف إلى درجة
الحسن، وأيضًا قد اتفقوا على جواز العمل بالضعيف في فضائل الأعمال، فتأمل.
٢٦٣ - [٦٦] وَعَنْ عَوْنٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: مَنْهُومَانِ لَا
يَشْبَعَانِ: صَاحِبُ الْعِلْمِ وَصَاحِبُ الدُّنْيَا، وَلَا يَسْتَوِيَانِ، أَمَّا صَاحِبُ الْعِلْمِ
فَيَزْدَادُ رِضَّا لِلرَّحْمَنِ، وَأَمَّا صَاحِبُ الدُّنْيَا فَيَتَمَادَى فِي الطَّغْيَانِ. ثُمَّ قَرَّأَ
﴾ [سورة العلق: ٦ - ٧].
٧
عَبْدُ اللَّهِ: ﴿كَلَّ إِنَّ اُلْإِنسَنَ لَيَطْفَىٌ ﴿ أَن رََّاهُ أُسْتَغْفَ
قَالَ: وَقَالَ الآخَرُ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَؤُ﴾ [سورة الفاطر: ٢٨].
[رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ] {ضعيف}
الشّْخُ
٢٦٣ - قوله: (وَعَنْ عَوْنٍ) هو ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي أبو
عبد الله الكوفي الزاهد، من ثقات التابعين، كان من عباد أهل الكوفة وقرائهم.
وذكر الدار قطني أن روايته عن ابن مسعود مرسلة، ذكره البخاري فيمن مات بين
عشر ومائة إلى عشرين.
(٢٦٣) الدَّارِمِي (٣٣٢) عن عبد الله بن مسعودٍ ... قولُهُ في العلم.

٩١
كِتَابُ الْعِلْم
HENe= **
HENSE
(وَلَا يَسْتَوِيَانٍ) أي: في المآل والعاقبة. (وَأَمَّا صَاحِبُ الدُّنْيَا فَيَتَمَادَى فِي
الطَّغْيَانِ) أي: يستمر فيه. وقيل: يزداد ويتوسع. (ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ) استشهادًا لذم
الثاني. (لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ) لأجل أن رأى نفسه. (اسْتَغْنَى) عن الناس لكثرة ما عنده من
المال. (قَالَ) أي: عون. (وَقَالَ) أي: ابن مسعود بعد قراءته ما سبق وهو قوله:
﴿إِنَّ اُلْإِنسَنَ لَطَّ﴾. (الآخِرُ) بالرفع، أي: الاستشهاد الآخِر، وقيل: بالنصب،
أي: ذكر الاستشهاد الآخر ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَؤُأَ﴾ تقدم معناه.
وحاصل الاستشهاد بالآيتين: أن الأول موجب لزيادة الطغيان المقتضي ترك
الطاعة والعبادة، والثاني سبب لزيادة الخشية المورثة للعمل، فشتان ما بينهما،
فإن طالب الدنيا يزداد بعدًا من اللَّه لسوء أدبه وجرأته على الله تعالى، وصاحب
العلم يزداد قربًا لخشيته ومراعاته أدب الحضرة القدسية.
(رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) أي: موقوفًا على ابن مسعود من قوله، وقد تقدم أن رواية عون
عن ابن مسعود مرسلة فهو منقطع موقوف، وأخرجه الطبراني في ((الكبير)) عنه
مرفوعًا، وفيه أبو بكر الداهري، وهو ضعيف.
٢٦٤ - [٦٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلِهِ: ((إِنَّ أُنَاسًا مِنْ
أُمَّتِي سَيَتَفَقَّهُونَ فِي الدِّينِ، وَيَقْرَؤُوَّنَ الْقُرْآنَ، يَقُولُونَ: نَأْتِي الْأُمَرَاءَ فَنُصِيبُ
مِنْ دُنْيَاهُمْ وَنَعْتَزِلُهُمْ بِدِينِنَا، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ، كَمَا لَا يُجْتَنَى مِنَ الْقَتَادِ إِلَّا
الشَّوْكُ، كَذَلِكَ لَا يُجْتَنَى مِنْ قُرْبِهِمْ إِلَّا))، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ: كَأَنَّهُ يَعْنِي
الْخَطَايَا.
[رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ] {ضعيف}
الشَّرْحُ
٢٦٤ - قوله: (إِنَّ أُنَاسًا) أي: جماعة. (سَيَتَفَقَّهُونَ فِي الدِّينِ) أي: سيدَّعون
الفقه في الدين، كذا قاله الطيبي. أو يطلبون الفقه ويحصلونه. (وَيَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ)
أي: بالقراءات أو بتفسير الآيات، ويأتون الأمراء لا لحاجة ضرورية بل لإظهار
الفضيلة والطمع لما في أيديهم من المال والجاه. (يَقُولُونَ) أي: لدفع الاعتراض.
(٢٦٤) ابن مَاجَهْ (٢٥٥) عن ابنِ عباسٍ في الفتنِ .

٩٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(فَنُصِيبُ) أي: نأخذ. (وَنَعْتَزِلُهُمْ) أي: نبعد عنهم. (بِدِينِنَا) بأن لا نشاركهم في إثم
يرتكبونه. (وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ) أي: قال ◌َله: لا يتحقق ذلك. وهو الإصابة من الدنيا
والاعتزال عن الناس بالدين، أي: حصول الدنيا لهم وسلامة دينهم مع مخالطتهم
إياهم؛ لأن المتقرب إليهم لا يأمن المداهنة، وطلب مرضاتهم، وتحسين حالهم
القبيح. (كَمَا لَا يُجْتَنَى) على بناء المفعول، أي: لا يؤخذ، من: جَنَى الثمرة
واجتناها، و(الْقَتَادُ) شجر ذو شوك لا يكون له ثمر سوى الشوك، ينبت بنجد
وتهامة، وفي المثل: ((دون ذلك خرط القتاد))، فنبه بهذا التمثيل على أن قرب
الأمراء لا يفيد سوى المضرة الدينية أصلًا، وهذا إما مبني على أن ما قدر له من
الدنيا فهو آت لا محالة، سواء أتى باب الأمراء أم لا، فحينئذٍ ما بقي في إتيان
أبوابهم فائدة إلا المضرة المحضة، أو على أن النفع الدنيوي الحاصل بصحبتهم
بالنظر إلى الضرر الدينِي كَلَا شيء، فما بقي إلا الضرر. (كَذَلِكَ لَا يُجْتَنَى) أي: لا
يحصل. (مِنْ قُرْبِهِمْ إِلَّا) وقع كلامه بَّه بِلَا ذِكْرِ المستثنى لكمال ظهوره.
(قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاح) شيخ ابن ماجه صاحب ((السنن)) في رواية هذا الحديث.
(كَأَنَّه) أي: النبي ◌َّ. (يَعْنِي) أي: يريد النبي ◌َّ بالمستثنى المقدر بعد ((إِلَّا)).
(الْخَطَايَا) وهي مضرة الدارين. ومحمد بن الصباح هذا هو ابن سفيان بن أبي
سفيان الجرجرائي أبو جعفر التاجر، شيخ أبي داود، وابن ماجه. قال الحافظُ:
صدوق. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. مات سنة (٢٤٠)، وليس هو محمد بن
الصباح الدولابي أبا جعفر الحافظ البغدادي البزاز صاحب ((السنن))، وشيخ
البخاري ومسلم وأبي داود.
(رواه ابْنُ مَاجَهْ) في السنة. قال: حدثنا محمد بن الصباح: أنبأنا الوليد بن
مسلم، عن يحيى بن عبد الرحمن الكندى، عن عبيد الله بن أبي بردة، عن ابن
عباس. قال في ((الزوائد)): إسناده ضعيف، وعبيد الله بن أبي بردة، لا يعرف،
انتهى. قلتُ: عبيد الله هذا هو ابن المغيرة بن أبي بردة الكناني، وقد ينسب إلى
جده کما وقع في سند ابن ماجه.
قال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) (ج٧: ص٤٩): التي في عدة نسخ من ((سنن
ابن ماجه)) في الوجه الذي أخرجه منه ابن ماجه، عبيد الله بن أبي بردة، وقد رواه

٩٣
كِتَابُ الْعِلْم
getse
الطبراني من الوجه الذي أخرجه منه ابن ماجه فقال: عن عبيد الله بن المغيرة بن
أبي بردة، به. أخرجه الضياء في ((المختارة)). ومقتضاه أن يكون عبيد اللّه عنده
ثقة، انتهى. وقال في ((التقريب)): إنه مقبول. وقال المنذري في ((الترغيب)) بعد ذكر
هذا الحديث: رواته ثقات، انتهى. والحديث أخرجه أيضًا ابن عساكر بنحوه كما
في ((الكنز)) (ج٥: ص٢١٣).
٢٦٥ - [٦٨] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ صَانُوا
الْعِلْمَ وَوَضَعُوهُ عِنْدَ أَهْلِهِ، لَسَادُوا بِهِ أَهْلَ زَمَانِهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ بَذَلُوهُ لِأَهْلِ الدُّنْيَا؛
لِيَنَالُوا بِهِ مِنْ دُنْيَاهُمْ، فَهَانُوا عَلَيْهِمْ، سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ بَّهِ يَقُولُ: ((مَنْ جَعَلَ
الْهُمُومَ هَمَّا وَاحِدًا هَمَّ آخِرَتِهِ، كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ، وَمَنْ تَشَغَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ
أَحْوَالُ الدُّنْيَا، لَمْ يُبَالِ اللَّهُ فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهَا هَلَكَ)). [رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ] {صحيح}
الشَّرْحُ
٢٦٥ - قوله: (لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْم) أي: الشرعى (صَانُوا الْعِلْمَ) أي: حفظوه من
المهانة؛ بحفظ أنفسهم عن المذلةَ ومصاحبة أهل الدنيا طمعًا لما لهم من المال
والجاه. (وَوَضَعُوهُ عِنْدَ أَهْلِهِ) أي: أهل العلم الذين يعرفون قدر العلم. (لَسَادُوا بِهِ)
أي: فاقوا بالسيادة بسبب الصيانة والوضع عند أهله. (أَهْلَ زَمَانِهِمْ) وذلك لأن
العلم رفيع القدر، يرفع قدر من يرفعه، ويصونه عن الابتذال في غير المحال. قال
الزهري: العلم ذكر لا يحبه إلا ذكور الرجال، أي: الذين يحبون معالي الأمور،
ويتنزهون عن سفاسفها. (وَلَكِنَّهُمْ بَذَلُوهُ لِأَهْلِ الدُّنْيَا) بأن خصوهم به، أو ترددوا
إليهم به. (لِيَنَالُوا بِهِ مِنْ دُنْيَاهُمْ) لا لأجل الدين بالنصيحة والشفاعة وغيرهما.
(فَهَانُوا) أي: أهل العلم ذلوا قدرًا، فإنهم أهانوا رفيعًا فأهانهم الله. (عَلَيْهِمْ) أي:
ذلوا مستثقلين على أهل الدنيا. (نَبِيَّكُمْ) هذا الخطاب توبيخ للمخاطبين، حيث
خالفوا أمر نبيهم. فخولف بين العبارتين افتنانًا .
(٢٦٥) ابن مَاجَهْ (٢٥٧) عن ابنِ مسعودٍ.

SOME
٩٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمَّ وَاحِدًا) أي: من جعل همَّه واحدًا موضع الهموم التي
للناس، أو من كان له هموم متعددة فتركها، وجعل موضعها الهمَّ الواحد. (هَمَّ
آخِرَتِهِ) بدل من «همَّا))، وهو همُّ الدين. (كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ) المشتمل على الهموم،
يعني: كفاه هم دنياه أيضًا. (وَمَنْ تَشَغَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ) أي: تفرق فيه الهموم، أو
فرقته الهموم، والباء على الأول بمعنى ((في))، وعلى الثاني للتعدية، وإن جعلت
للمصاحبة - أي: مصحوبة معه - كان صحيحًا. (أَحْوَالُ الدُّنْيَا) بدل من الهموم.
قلت: قوله: ((أَحْوَالُ الدُّنْيَا)) كذا وقع في جميع نسخ ((المشكاة))، والذي عند
ابن ماجه («فِي أَحْوَالِ الدُّنْيَا)). (لَمْ يُبَالِ اللَّهُ) كناية عن عدم الكفاية والعون، مثل ما
يحصل للأول. (فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهَا) أي: أودية الدنيا، أو أودية الهموم. (هَلَكَ) يعني:
لا يكفي هم دنيا ولا هم أخراه.
(رواه ابْنُ مَاجَهْ) في السنة عن ابن مسعود الحديث بتمامه، وأخرجه أيضًا ابن
عساكر كما في ((الكنز)) (ج٥: ص٢٤٣). قال في ((الزوائد)): إسناد الحديث
ضعيف، فيه نهشل بن سعيد، قيل: إنه يروي المناكير، وقيل: بل الموضوعات،
وله شاهد من حديث ابن عمر، صححه الحاكم، انتهى.
٢٦٦ - [٦٩] وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الْإِيمَانِ)) عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ
قَوْلِهِ: ((مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ ... )) إِلَى آخِرِهِ.
{صحيح}
الشَّرْحُ
٢٦٦ - قوله: (وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ قَوْلِهِ) أي:
مبتدأ من قوله: (مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ) يعني: روى المرفوع لا الموقوف. وأخرجه
الحاكم أيضًا (ج٤: ص٣٢٨، ٣٢٩) وقال: حديث صحيح الإسناد، وتعقبه
الذهبي فقال: أبو عقيل يحيى بن المتوكل ضعفوه.
(٢٦٦) أخرَجَهُ البَيْهَقِي (١٠٣٤٠) المرفوعَ عن ابنِ عُمر رَو ◌َتَهُ، موقوفًا.

٩٥
rees
كِتَابُ الْعِلْم
٢٦٧ - [٧٠] وَعَنِ الْأَعْمَشِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: «آفَهُ الْعِلْم
[رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ مُرْسَلًا] {ضعيف}
النِّسْيَانُ، وَإِضَاعَتُهُ أَنْ تُحَدِّثَ بِهِ غَيْرَ أَهْلِهِ).
الشّرْحُ
٢٦٧ - قوله: (آفَةُ الْعِلْمِ النِّسْيَانُ) أي: بعد حصوله، فيه تنبيه على الاجتناب
عن مباشرة الأسباب التي توجب النسيان، من اقتراف الذنوب، وارتكاب
الخطايا، وتشعب الهموم، ومشاغل النفس والدنيا، والإعراض عن استحضاره.
(وَإِضَاعَتُهُ أَنْ تُحَدِّثَ بِهِ غَيْرَ أَهْلِهِ) بأن لا يفهمه، أو لا يعمل به من أرباب الدنيا.
(رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ مُرْسَلًا) أي: معضلًا. وكذا أخرجه عنه ابن أبي شبية، أي:
مرفوعًا معضلًا، وأخرج صدره فقط عن ابن مسعود موقوفًا، قال السيد: المراد
بالإرسال المعنى اللغوى الذي هو الانقطاع؛ لأن الأعمش لم يسمع من أحد من
الصحابة .
٢٦٨ - [٧١] وَعَنْ سُفْيَانَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رِفَهُ قَالَ لِكَعْبٍ: مَنْ
أَرْبَابُ الْعِلْمِ؟ قَالَ: الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِمَا يَعْلَمُونَ. قَالَ: فَمَا أَخْرَجَ الْعِلْمَ مِنْ
قُلُوبٍ الْعُلَمَاءِ؟ قَالَ: الطَّمَعُ.
[رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ] {ضعيف}
الشَّرْحُ
٢٦٨ - قوله: (عَنْ سُفْيَانَ) هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي،
أبو عبد الله من كبار أتباع التابعين، وإمام المسلمين، وحجة الله على خلقه، جمع
في زمنه بين الفقه والاجتهاد فيه، والحديث، والزهد، والعبادة، والورع، والثقة،
وإليه المنتهى في علم الحديث وغيره من العلوم، أجمع الناس على دينه، وزهده،
(٢٦٧) الدَّارِمِي (٦٢٤) من مُرْسَل الأَعْمَش.
(٢٦٨) الدَّارِمِي (٥٨٤) عنه بسندٍ منقطعٍ .

٩٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وورعه، وثقته، وهو أحد الأئمة المجتهدين، وأحد أقطاب الإسلام وأركان
الدين، سمع خلقًا كثيرًا، وروى عنه الأوزاعي، ومالك، وابن جريج، وخلق كثير
سواهم، حتى قيل: روى عنه عشرون ألفًا، يبلغ حديثه ثلاثين ألفًا. وقال في
((التقريب)): إنه ثقة، حافظ، فقيه، عابد، إمام، حجة. ولد سنة (٩٧)، ومات
بالبصرة سنة (١٦١) وله أربع وستون.
(قَالَ لِكَعْبٍ) هو كعب بن ماتع الحميرى، أبو إسحاق المعروف بكعب
الأحبار، جمع الحبر - بكسر الحاء وفتحها - بمعنى العالم والصالح، ويضاف إليه
إما لكثرة كتابته، أو معناه: ملجأ العلماء. وقال الطيبي: الإضافة كما في زيد
الخيل. وهو من آل ذي رعين، وقيل: من ذي الكلاع. أدرك الجاهلية، ولم يره ◌َلّله
وأسلم في زمن عمر، وكان من أهل الكتاب. قال الحافظُ: ثقة، من كبار التابعين،
مخضرم، كان من أهل اليمن فسكن الشام، ومات في حمص، في خلافة عثمان
سنة (٣٢)، وقد بلغ مائة وأربع سنين. وخص عمر كعبًا بذلك السؤال؛ لأنه كان
ممن علم التوراة وغيرها، وأحاط بالعلم الأول.
(مَنْ أَرْبَابُ الْعِلْم؟) أي: من هم أصحابه عندكم أو في كتابكم؟ قال الطيبي: أي
من ملك العلم ورَسخ فيه واستحق أن يسمى بهذا الاسم؟ (الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِمَا
يَعْلَمُونَ) قال الطيبى: وهم الذين سماهم اللَّه الحكماء في قوله: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ
اَلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]؛ لأن الحكيم من علم دقائق الأشياء
وأتقنها برصانة العلم، فعلم منه أن العالم ما لم يعمل لم يكن من أرباب العلم، بل
كان كمثل الحمار يحمل أسفارًا. (فَمَا أَخْرَجَ الْعِلْمَ) أي: نوره وهيبته وبركته. (مِنْ
قُلُوبِ الْعُلَمَاءِ) أي: العاملين، لما تقدم أن غير العاملين ليسوا بعلماء. (قَالَ:
الطَّمَعُ) أي: في الدنيا؛ لأنه يؤدي إلى الرياء والسمعة، والعلم والعمل بدون
الإخلاص لا يوصلان السالك إلى مقام الاختصاص، فمفهومه أن الورع يدخل
العلم في قلوب العلماء.
وقال الطيبي: الفاء أي في قوله: ((فما أخرج))، جزاء شرط محذوف، والتعريف
في العلم للعهد الخارجي، وهو ما يعلم من قوله: ((أَرْبَابُ الْعِلْم)) أي: إذا كان
أرباب العلم من جمع بين العلم والعمل، فلم ترك العالم العمل؟ وما الذي دعاه

٩٧
كِتَابُ الْعِلْم
إلى ترك العمل لينعزل عن هذا الاسم؟ قال: الطمع في الدنيا والرغبة فيها.
(رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) أي: موقوفًا من قول كعب، وهو معضل أيضًا؛ فإن سفيان
الثوري بينه وبين عمر مفاوز.
٢٦٩ - [٧٢] وَعَنِ الأَحْوَصِ بْنِ حَكِيم عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَأَلَ رَجُلُ النَّبِيَّ
وَلِّ عَنِ الشَّرِّ؟ فَقَالَ: ((لَا تَسْأَلُونِي عَنِ الشَّرَّ وَسَلُونِي عَنِ الْخَيْرِ)). يَقُولُهَا
ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: ((أَلَا إِنَّ شَرَّ الشَّرِّ شِرَارُ الْعُلَمَاءِ، وَإِنَّ خَيْرَ الْخَيْرِ خِيَارُ الْعُلَمَاءِ)).
[رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ] {ضعيف}
الشّرْحُ
٢٦٩ - قوله: (عَنِ الْأَخْوَصِ بْنِ حَكِيم) بن عمير العبسي الحمصي، رأى
أنسًا وعبد الله بن بسر، ضعيف الحفظ، منَّ صغار التابعين، قاله الحافظ وضعفه
أيضًا النسائى، وابن معين، وابن المديني. (عَنْ أَبِيهِ) حكيم بن عمير بن
الأحوص، قال أبو حاتم: لا بأس به. وقال الحافظُ: صدوق يهم، من الثالثة،
أي: من أوساط التابعين.
(عَنِ الشَّرِّ) أي: فقط، يعني: عن أشر الناس، كما يدل عليه الجواب. (لَا
تَسْأَلُونِي) بتخفيف النون، فإن لا ناهية. (عَنِ الشَّرِّ) أي: فحسب، قال ابن حجر:
لأني رؤوف رحيم، نبي الرحمة، فالمراد النهي عن لازم ذلك من إيهام غلبة مظاهر
الجلال فيه على مظاهر الجمال، وإلا فالسؤال عن الشر ليجتنب واجب كفاية أو
عينًا، فكيف ينهي عنه. (وَسَلُونِي عَنِ الْخَيْرِ) إما منفردًا أو منضمًا بالسؤال عن
الشر. (يَقُولُهَا ثَلاثًا) قال الطيبي: حال من فاعل ((قال))، والضمير المؤنث راجع
إلى الجملة، أعني: لا تسألوني ... إلخ، أو إلى الجملة القريبة. (أَلَا) بالتخفيف
للتنبيه. (إِنَّ شَرَّ الشَّرِّ) أي: أعظمه. (شِرَارُ الْعُلَمَاءِ ... ) إلخ. المراد بشرار العلماء:
من لا يعملون بعلمهم ولا ينتفع به غيرهم، كما يدل عليه أثر أبي الدرداء.
(٢٦٩) الدَّارِمِي (٣٧٠) عن الأحوصِ بن حكيم عن أبيه مرسلًا.

٩٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال الطيبي: وإنما كانوا شر الشر وخير الخير؛ لأنهم سبب لصلاح العالم وفساده،
وإليهم تنتمي أمور الدين والدنيا، وبهم الحل والعقد.
(رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) أي: مرسلًا من طريق بقية عن الأحوص عن أبيه، وبقية مدلس،
رواه عن الأحوص بالعنعنة، والأحوص ضعيف كما تقدم. وأخرج البزار وأبو نعيم
في ((الحلية)) نحوه عن معاذ بن جبل، وفيه الخليل بن مرة وهو ضعيف.
٢٧٠ - [٧٣] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللّهِ مَنْزِلَةً
يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَالِمًا لَا يَنْتَفِعُ بِعِلْمِهِ.
[رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ] {ضعيف}
الشَّرْحُ
٢٧٠ - قوله: (إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ) قال الطيبي: ((من)) زائدة و((عالم)) خبر
((إن))، وقيل: من تبعيضية، والتقدير: إن بعض أشرارهم. (لَا يَنْتَفِعُ) بصيغة
المعلوم، أي: هو. (بِعِلْمِهِ) بأن تعلم علمًا شرعيًّا وما عمل به، فإنه شر من
الجاهل، وعذابه أشد من عقابه، روى الطبراني وابن عساكر والبيهقي عن أبي
هريرة: ((أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيامَةِ عَالِمٌ لَمْ يَنْفَعْهُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ))، وقيل: بصيغة
المجهول، أي: لا ينتفع الناس بعلمه لأجل كتمه عنهم، وعدم نشره بالتعليم
والتدريس، أو التصنيف، أو بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويؤيد هذا
الاحتمال حديث أبي هريرة الآتي: ((مَثَلُ عِلْم لاَ يُنْتَفَعُ بِهِ .. )» إلخ.
(رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) أي: موقوفًا، قال الألباني: وإسناده ضعيف. رجاله ثقات غير
ابن القاسم بن قيس فلم أعرفه، ورواه الطبراني في ((الصغير)) وابن عبد البر في
((الجامع)) عن أبي هريرة مرفوعًا نحوه وسنده ضعيف جدًّا.
(٢٧٠) رَواه الدار ميُّ في ((سُنَنه)) (١ /٨٢)، ورواه الطبرانيُّ في ((الصغيرِ))، وابن عبد البرِّ (١٩٠/١) عن
أبي هُريرة ... مرفوعًا نحوه.

٩٩
كِتَابُ الْعِلْم
٢٧١ - [٧٤] عَنْ زِيَادِ بْنِ حُدَيْرِ قَالَ: قَالَ لِى عُمَرُ: هَلْ تَعْرِفُ مَا يَهْدِمُ
الإِسْلَامَ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا. قَالَ: يَهْدِمُهُ زَلَّةُ الْعَالِمِ، وَجِدَالُ الْمُنَافِقِ بِالْكِتَابِ،
وَحُكْمُ الأَئِمَّةِ الْمُضِلِينَ.
[رَوَاهُ الدَّرِامِيُّ] {صحيح}
الشَّرْحُ
٢٧١ - قوله: (عَنْ زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ) بضم الحاء وفتح الدال المهملتين، بعدها
تحتية ساكنة، بعدها راء، أبو مغيرة الأسدي، روى عن عمر، وعلي، وابن
مسعود، والعلاء الحضرمي، قال في ((التقريب)): ثقة، عابد من كبار التابعين وثّقه
أبو حاتم، والدارقطني، وابن حبان.
(مَا يَهْدِمُ الإِسْلَامَ) أي: يزيل عزته. (زَلَّةُ الْعَالِم) أي: عثرته بتقصير منه.
(وَجِدَالُ الْمُنَافِقِ) الذي يظهر السنة ويبطن البدعة. (بِالْكِتَابِ) أي: القرآن، وإنما
خص لأن الجدال به أقبح يؤدي إلى الكفر، وذلك لإفساده الدين. (وَحُكْمُ الأَئِمَّةِ
الْمُضِلِّينَ) أي: على وفق أهوائهم وإكراههم الناس عليه، فالعلماء الزائغون عن
الحق، والمنافقون المجادلون المبتدعون، وأمراء الجور هم الذين يضعفون أركان
الإسلام ويعطلونها بأعمالهم. قال الطيبي: المراد بهدم الإسلام: تعطيل أركانه
الخمسة في قوله الثّلا: ((بُنِي الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ ... )) الحديث. وتعطيله إنما
يحصل من زلة العالم، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باتباع الهوى،
ومن جدال المبتدعة وغلوهم في إقامة البدع بالتمسك بتأويلاتهم الزائغة، ومن
ظهور ظلم الأئمة المضلين، وإنما قدمت زلة العالم؛ لأنها هي السبب في
الخصلتين الأخيرتين، كما جاء: ((زَلَّةُ الْعِالِمِ زَلَّةُ الْعَالَمِ)» .
(رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) أي: موقوفًا، وأخرجه أيضًا ابن المبارك، وجعفر الفريابي في
صفة المنافق، ونصر المقدسي في الحجة، وابن النجارِ وآدم بن أبي إياس وابن
عبد البر في العلم، وروي في ((الْخَوفُ عَلَى الْأَمَّةِ مِنْ زَلَّةِ الْعَالِمِ وَجِدَالِ الْمُنَافِقِ»
(٢٧١) الدَّارِمِيُّ (٢١٤) عن زياد بن حدير؛ قال: قال لي عمر.