النص المفهرس
صفحات 61-80
٦٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْعُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ذهابًا إلى نصرة مذهب بعض الأئمة على مذهب بعض، ولا يكون جامع الهمة على
ظهور الصواب، والتدارؤ بالسنة مثل ذلك. قال المظهر: مثاله قول أهل السنة:
الخير والشر من الله تعالى. لقوله تعالى: ﴿قُلْ كُلُّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨]، ويدفعه
القدري بقوله: ﴿مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَيْنَ الهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَنِ نَّفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]،
فنهوا. فالطريق أن يؤخذ ما أجمعوا عليه وَيُؤَول الآية الأخرى، كما نقول: انعقد
الإجماع على أن الكل بتقدير اللّه، وأما قوله: ﴿وَمَآ أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ﴾ فخارج عن
مسئلة القضاء والقدر، فإن معناه: ما أصابك من هزيمة وتلف مال ومرض فهو
جزاء ما عملت من الذنوب، كما قال: ﴿وَمَا أَصَبَكُم مِّن قُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ
أَيْدِيَكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِرٍ
[الشورى: ٣٠] .
(إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِهَذَا) بسبب التدارؤ، أو بمثل هذا الإختلاف،
و((ضَرَبُوا)) بيان له يعني: فيحرم التدارؤ بالقرآن. (ضَرَبُوا كِتَابَ اللَّهِ) أي: جنسه.
(بَعْضَهُ بِبَعْضٍ) أي: دفعوا بعضه ببعض، وردوا ما لا يوافق مرادهم. وقيل:
صرفوا بعضه ببعض عن المعنى المراد منه إلى أهوائهم، من ضرب الدابة إذا أراد
صرفها. (وَإِنَّمَا نَزَلَ كِتَابُ اللَّهِ) المراد به الجنس. (فَلَا تُكَذَّبُوا بَعْضَهُ بِبَعْضٍٍ) بل
قولوا: كل ما أنزله الله على رسوله حق. أو بأن تنظروا إلى ظاهر لفظين منه مع
عدم النظر إلى القواعد التي تصرف أحدهما عن العمل بنسخه أو بتخصيصه أو
تقييده أو تأويله، فإن ذلك يؤدى إلى قدح في الدين. (فَمَا عَلِمْتُمْ مِنْهُ) أي: علمًا
موافقًا للقواعد. (فَقُولُوا) به. (وَمَا جَهِلْتُمْ) أي: منه كالمتشابهات وغيرها.
(فَكِلُوهُ) بكسر الكاف أمر من وكل يكل أي ردوه وفوضوه. (إِلَى عَالِمِهِ) وهو الله
تعالى، أو من هو أعلم منكم من العلماء، ولا تلقوا معناه من تلقاء أنفسكم.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٢: ص١٨٥) من رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري،
عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. (وابْنُ مَاجَهْ) في باب القدر من السنة
نحوه من طريق أبي معاوية، عن داود بن أبي هند، عن عمرو بن شعيب، وقد أشار
إليه المصنف في الفصل الثاني من باب الإيمان بالقدر بعد ذكر حديث أبي هريرة،
وأخرجه أيضًا البيهقي في ((شعب الإيمان)).
كِتَابُ الْعِلْم
SCENE*3
HEREE
٦١
٢٤٠ - [٤٣] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لِهِ: ((أُنْزِلَ الْقُرْآنُ
عَلَى سَبْعَةٍ أَحْرُفٍ، لِكُلُّ آيَةٍ مِنْهَا ظَهْرٌ وَبَطْنٌ، وَلِكُلِّ حَدٍّ مُطَّلَع)).
[رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ]
الشّرْجُ
٢٤٠ - قوله: (أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةٍ أَحْرُفٍ) وفي رواية: (ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ))،
وفي أخرى: ((عَشْرَةٍ أَخْرُفٍ)). وأجيب بأنه أخبر أولًا بالقليل ثم بالكثير. وقوله:
((عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ)) حال لا صلة ((أُنْزِلَ)) أي: أنزل القرآن حال كونه مشتملًا على
سبعة أحرف، والحرف لغة: طرف كل شيء. وبه سمي حروف الهجاء؛ لأنها
أطراف الكلمة، واختلفوا في معنى الحديث على أربعين قولًا، ذكرها السيوطي في
((الإتقان)) مع العزو لقائليها، وأكثرها غير مختار، والظاهر عندنا والله أعلم بمراد
كلام نبيه: أن عدد السبعة فيه للتحديد والتعيين، لا للتكثير والتوسعة، والمعنى:
أن القرآن أنزل على سبعة أوجه، يجوز أن يقرأ بكل وجه منها، وليس المراد أن كل
كلمة ولا جملة منه تقرأ على سبعة أوجه، بل المراد أن غاية ما انتهى إليه عدد
القراءات المفرقة في القرآن أو في الكلمة الواحدة منه إلى سبعة، وأما ما يوجد من
بعض الكلمات يقرأ على أكثر من سبعة أوجه فهو مما لا يثبت الزيادة، وكان
اختلاف هذه الأحرف السبع المقصورة على السماع من النبي وَّل من جهات:
منها: تغيير اللغة وإبدال اللفظ بمرادفه.
ومنها: الاختلاف في كيفية الأداء والنطق.
ومنها: زيادة لفظ ونقصه.
ثم إن الأحرف السبع المشهورة التي يقرأها الناس اليوم هي حرف واحد من
الأحرف السبع المذكورة في الحديث المباحة للتيسير على الناس في أول الأمر،
(٢٤٠) المُصَنِّفُ فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ) (١٢٢) عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ مُرْسَلًا قَالَ: ويُرْوَى
عَنْ أَبِي الأَخْوَصِ، عِنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قُلْتُ: أَخْرَجَهُ الطََّرِيُّ (١٠، ١١) فِي أولِ التَّفْسِيرِ وَطُرُقِهِ.
٦٢
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قد أجمع الصحابة في عهد عثمان على ترك الستة منها لفقدان الحاجة إليها، ولرفع
الخلاف الذي وقع في الناس بإنكار بعضهم قراءة بعض، وتكفير كل من الفريقين
الآخر، واتفقوا على لغة قريش بعد ما جمعه زيد بن ثابت بأمر عثمان، لما لم يكن
في ذلك ترك واجب ولا فعل حرام، وهي التي استقر الأمر عليها في العرضة
الأخيرة التي عرضها النبي ولو على جبريل، والمصاحف العثمانية مشتملة عليها
جامعة لها، فلا يجوز الآن القراءة بخلافها؛ لما أنه لم ينقل إليها بالتواتر، هذا.
وههنا أبحاث طويلة مفيدة ارجع لها إلى عارضة الأحوذي وفتح الباري وتفسير
الحافظ ابن جرير.
(لِكُلِّ آيةٍ مِنْهَا) أي: من تلك الأحرف السبعة، والجملة الاسمية صفة لسبعة
والضمير رابطة. (ظَهْرٌ وَبَطْنٌ) وفي رواية الطبراني: ((لِكُلِّ حَرْفٍ مِنْهَا ظَهْرٌ وَبَطْرٌ)).
قيل: الظهر ما ظهر معناه لأهل العلم من غير روية، والبطن بخلافه. وقيل: الظهر
ما يبينه التفسير أي النقل والرواية، والبطن ما يستكشفه التأويل أي: الفهم
والدراية. وقيل: الظهر القراءة والتلاوة، والبطن التدبر والفهم. وقيل: الظهر
الإيمان به والعمل بمقتضاه، والبطن التفاوت في فهمه.
وقال الشاه ولي اللَّه: أكثر ما في القرآن بيان صفات الله تعالى وآياته،
والأحكام، والقصص، والاحتجاج على الكفار، والموعظة بالجنة والنار، فالظهر
الإحاطة بنفس ما سيق الكلام له، والبطن في آيات الصفات التفكر في آلاء اللَّه
والمراقبة، وفي آيات الأحكام الاستنباط بالإيماء والإشارة والفحوى والاقتضاء،
وفي القصص معرفة مناط الثواب والمدح أو العذاب والذم، وفي العظة رقة القلب
وظهور الخوف والرجاء وأمثال ذلك.
(وَلِكُلِّ حَدٍّ مُطَّلَعٌ) وفي رواية الطبراني ((وَلِكُلِّ حَرْفٍ حَدٌّ، وَلِكُلِّ حَدٍّ مُطَّلَعٌ))،
فمعنى قوله: ((لِكُلِّ حَرْفٍ حَدٌّ) أي: نهاية في التلاوة، لا تجوز مخالفتها والتجاوز
منها إلى غير المسموع، وكذا نهاية في التفسير فلا يجاوز إلى ما يخالف الكتاب
والسنة وما عليه أصحابه وَّه. وقال العلقمي: أي ينتهي إلى ما أراد الله من معناه،
وقيل: لكل حكم مقدار من الثواب والعقاب. وقوله: ((وَلِكُلُّ حَدٍّ مُطَّلَعٌ)) المراد
بالحد: الأحكام. والمطلع: بشدة الطاء وفتح اللام، مكان الاطلاع من موضع
٦٣
كِتَابُ الْعِلْم
عال، يقال: مطلع هذا الجبل من مكان كذا أي مأتاه ومصعده منه. والمعنى أن
لكل حد من حدود الله، وهي أحكام الدين التي شرع للعباد موضع اطلاع من
القرآن، فمن وفق أن يرتقي ذلك المرتقى اطلع منه على ذلك الحد المتعلق بذلك
المطلع. وقيل: أي لكل حدٍّ وطرف من الظهر والبطن مطلع، أي: مصعد، أي:
موضع يطلع عليه بالترقي إليه، فمطلع الظهر تعلم العربية وتتبع ما تتوقف عليه
معرفة الظاهر من أسباب النزول والناسخ وغير ذلك، ومطلع البطن تزكية النفس
والرياضة، ويقرب منه قول الشاه ولي اللّه: أن مطلع كل حد الاستعداد الذي به
يحصل، كمعرفة اللسان والآثار، وكلطف الذهن واستقامة الفهم.
(رَوَاهُ) أي: البغوى، مصنف ((المصابيح)). (في شرح السنة)، وأخرجه أيضًا
الطبراني في ((الكبير)). والجملة الأولى جاءت من أحد وعشرين صحابيًا، ذكر
السيوطي في ((الإتقان)) أسماءهم، ومن ثم نص أبو عبيد على أنها متواترة، أي:
لفظًا. وأما تواترها المعنوي فلا خلاف فيه.
٢٤١ - [٤٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ:
((الْعِلْمُ ثَلاثَةٌ: آيَةٌ مُحْكَمَةٌ، أَوْ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ، أَوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ، وَمَا كَانَ سِوَى
ذَلِكَ فَهُوَ فَضْلٌ)).
[رَوَاهُ أُبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ] {ضعيف}
الشَّرْجُ
٢٤١- قوله: (الْعِلْمُ) أي: العلم الذي هو أصل علوم الدين، واللام
للعهد الذهني. (آيَةٌ مُحْكَمَةٌ) أي: علمها، فالنكرة عام في الإثبات كقوله: ﴿عَلِمَتْ
نَفْسُ﴾ [التكوير: ١٤]، والمضاف مقدر قبلها. وكذا قوله: ((أَوْ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ»، والمراد
بالمحكمة: غير المنسوخة، أو ما لا يحتمل إلا تأويلًا واحدًا. وهي إشارة إلى
كتاب اللَّه، وخص المحكم بالذكر؛ لأن المحكمات هن أم الكتاب وأصله،
ومحفوظة من الاحتمال والاشتباه. (أَوْ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ) أي: ثابتة إسنادًا بأن تكون
صحيحة، أو حكمًا بأن لا تكون منسوخة، و((أَوْ)) للتنويع. (أَوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ) قيل:
(٢٤١) أَبُو دَاوُد (٢٨٨٥) فِي الفَرَائِضِ، وَابن مَاجَهْ (٥٤) عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو بِسَنٍَ ضَعِيفٍ.
٦٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
المراد بالفريضة: ما يجب العمل به، وبالعادلة المساوية لما يؤخذ من القرآن
والسنة في وجوب العمل، فهذا إشارة إلى الإجماع والقياس، والظاهر أن المراد
بالعادلة: أي في القسم، وبالفريضة: كل حكم من أحكام الفرائض يحصل به
العدل في قسمة التركات بين الورثة، ففيه حث على تعلم الفرائض وتحريض
عليه، ويدلَّ صنيع أبي داود في ((سننه)) أنه اختار هذا المعنى حيث أورد هذا الحديث
في الفرائض، وكذا أشار إليه ابن ماجه فإنه ذكر الحديث في باب اجتناب الرأي
والقياس من كتاب السنة، فكأنه قصد بذلك الرد على من حمل قوله: ((فَرِيضَةٌ
عَادِلَةٌ)) على الأحكام المستنبطة بالرأي والقياس، يعني: أراد إبطال الرأي
المصطلح عليه بين الفقهاء، وقيل: بل أراد إبطال الرأي بمعنى الحكم بمجرد
الهوى.
(وَمَا كَانَ سِوَى ذَلِكَ فَهْوَ فَضْلٌ) يعني: كل علم سوى هذه العلوم الثلاثة وما
يتعلق بها مما يتوقف هذه الثلاثة عليه ويستخرج منه، فهو زائد لا ضرورة في
معرفته .
قال الشاه ولي اللَّه: قوله: ((الْعِلْمُ ثَلَاثَةٌ ... )) إلخ. هذا ضبط وتحديد لما يجب
عليهم بالكفاية، فيجب معرفة القرآن لفظًا، ومعرفة محكمه بالبحث عن شرح
غريبه، وأسباب نزوله، وتوجيه معضله، وناسخه ومنسوخه، فأما المتشابه فحكمه
التوقف أو الإرجاع إلى المحكم، والسنة القائمة ما ثبت في العبادات والارتفاقات
من الشرائع والسنن مما يشتمل عليه علم الفقه، والقائمة ما لم ينسخ ولم يهجر ولم
يشذ راويه وجرى عليه جمهور الصحابة والتابعين، والفريضة العادلة الأنصباء
للورثة، ويلحق به أبواب القضاء مما سبيله قطع المنازعة بين المسلمين بالعدل،
فهذه الثلاثة يحرم خلو البلد عن عالمها لتوقف الدین علیه، وما سوى ذلك من باب
الفضل والزيادة، انتهى باختصار.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وسكت عنه. (وابْنُ مَاجَهْ)، وأخرجه أيضًا الحاكم، وفيه عبد
الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي، وقد تكلم فيه غير واحد، وكان البخاري يقوي
أمره وقال: مقارب الحديث، ولم يذكره في الضعفاء، وفيه أيضًا عبد الرحمن بن
رافع التنوخي، وقد غمزه البخاري وأبو حاتم.
٦٥
كِتَابُ الْعِلْمِ
٢٤٢ - [٤٥] وَعَنْ عَوْفٍ بْنِ مَالِكِ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {صحيح}
وَه : ((لَا يَقُصُّ إِلَّا أَمِيرٌ، أَوْ مَأْمُورٌ، أَوْ مُخْتَالٌ)) .
الشَّرْحُ
٢٤٢ - قوله: (وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ الأَشْجَعِيِّ) الغطفاني صحابي مشهور،
شهد فتح مكة، ويقال: كانت معه راية أشجع يوم الفتح، ثم سكن دمشق، له سبعة
وستون حدیثًا، اتفقا على حدیث، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بخمسة، روی
عنه جماعة. قال الواقدي: شهد خيبر، ونزل حمص، وبقي إلى خلافة عبد
الملك، ومات سنة (٧٣).
(لَا يَقُصُّ) القص التحدث بالقصص والأخبار والمواعظ، أي: لا يتكلم
بالقصص والمواعظ، وهو نفي أي: خبر لا نهي؛ لأنه لو حمل على النهي الصريح
لزم أن يكون المختال مأمورًا بالاقتصاص.
والمعنى: لا يصدر هذا الفعل إلا عن هؤلاء الثلاثة، وقد علم أن الاقتصاص
مندوب إليه، فيجب تخصيصه بالأمير والمأمور، أي: المأذون له من الأمير دون
المختال، وهذا كما يقال عند رؤية الأمر الخطير: لا يخوض فيه إلا حكيم عارف
بكيفية الورود، أو جاهل لا يدري كيف يدخل ويخرج فيهلك، قاله الطيبي. (أَوْ
مُخْتَالٌ) أي: مفتخر متكبر طالب للرياسة.
وفي الحديث: الزجر عن الوعظ بغير إذن الإمام؛ لأنه أعرف بمصالح الرعية،
فمن رأى فيه حسن العقيدة وصدق الحال يأذن له أن يعظ الناس وإلا فلا.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في العلم وسكت عنه. وقال المنذري: فيه عباد بن عباد الخواص
وفيه مقال. قلت: قد وثقه ابن معين والعجلي والفسوي، والحديث أخرجه أيضًا
الطبراني في ((الكبير))، وفي روايته: ((مُتَكَلَّفٌ)) بدل ((مُخْتَالٌ)).
(٢٤٢) أَبُو دَاوُد (٣٦٦٥) فِيهِ، عَنْ عَوْفٍ بْنِ مَالِك.
٦٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٤٣ - [٤٦] وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ،
وَفِي رِوَايَتِهِ: ((أَوْ مُرَاءٍ)) بَدَلَ: ((أَوْ مُخْتَالٌ)) .
{ضعيف}
الشّرُ
٢٤٣ - قوله: (وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ عَمْرٍو ... ) إلخ، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٦:
ص٢٣)، وأخرج البيهقي نحوه عن عمرو بن مالك، وعن كعب بن عياض،
والطبراني في ((الكبير)) عن عبادة بن الصامت بإسناد حسن. (وَفِي رِوَايَتِهِ) أي:
رواية الدارمي. (مُرَاءٍ) يعني: يرائي الناس بقوله وعمله، لا يكون وعظه وكلامه
حقيقة. (بَدَلَ أَوْ مُخْتَالٌ) بالخاء المعجمة من الاختيال.
٢٤٤ - [٤٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلِ: «مَنْ أَفْتِيَ بِغَيْرِ
عِلْم كَانَ إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَقْتَاهُ، وَمَنْ أَشَارَ عَلَى أَخِيهِ بِأَمْرٍ يَعْلَمُ أَنَّ الرُّشْدَ فِي
غَيْرِهِ فَقَدْ خَانَهُ)) .
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {حسن}
الشّرْجُ
٢٤٤ - قوله: (مَنْ أَفْتِيَ) على بناء المفعول، قال القاري: يعني: كل جاهل
سأل عالمًا عن مسألة فأفتاه العالم بجواب باطل فعمل السائل بها ولم يعلم بطلانها
فإثمه على المفتي إن قصر في اجتهاده، انتهى.
والحاصل: أنه من وقع في خطأ بفتوى عالم فالإِثم على ذلك العالم لا على
متبعه، وهذا إذا لم يكن الخطأ في محل الاجتهاد، أو كان إلا أنه وقع لعدم بلوغه
في الاجتهاد حقه، وفيه زجر عن الإفتاء بغير علم. (وَمَنْ أَشَارَ عَلَى أَخِيهِ بِأَمْرٍ) أي:
أمر أخاه المستشير بأمر. (يَعْلَمُ) المراد بالعلم ما يشمل الظن. (أَنَّ الرُّشْدَّ) أي:
(٢٤٣) أَخْرَجَهُ الدَّارِمِي (٢٧٨٢) عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَن أَبِهِ، عَنْ جَدِّهِ؛ في الثَّالِثِ: أَوْ مُرَاءٍ.
(٢٤٤) أَبُو دَاوُد (٣٦٥٧) وَاللَّفْظُ لَهُ فِيهِ، وَابن مَاجَهْ (٥٣) بِاخْتِصَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
٦٧
كِتَابُ الْعِلْمِ
المصلحة. (فِي غَيْرِهِ) أي: غير ما أشار إليه. (فَقَدْ خَانَهُ) أي: خان المستشار
المستشير، إذ ورد أن: ((الْمُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ))، و((مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّ)).
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في العلم، وسكت عنه هو والمنذريُّ، وأخرجه أيضًا أحمد،
والحاكم، وأخرجه ابن ماجه في السنة مقتصرًا على الفصل الأول بنحوه.
٢٤٥ - [٤٨] وَعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ وََِّّ نَهَى عَنِ الْأَغْلُوطَاتِ.
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {ضعيف}
الشّرْحُ
٢٤٥ - قوله: (نَهَى عَنِ الأَغْلُوطَاتِ) جمع الأغلوطة بضم الهمزة، أي: عن
سؤال المسائل التي يغالط به العلماء الإشكال فيها، قيل: المراد بها المسائل التي
يقع المسئول عنها في الغلط، ويمتحن بها أذهان الناس. وإنما نهى عنها لوجوه
منها: أن فيها إيذاءًا وإذلالًا للمسؤول عنه، وعجبًا وبطرًا لنفسه، ومنها: أنها تفتح
باب التعمق، وإنما الصواب ما كان عند الصحابة والتابعين أن يوقف على ظاهر
السنة، وما هو بمنزلة الظاهر من الإيماء والاقتضاء والفحوى، ولا يمعن جدًّا، وأن
لا يقتحم في الاجتهاد حتى يضطر إليه ويقع الحادثة، فإن الله تعالى يفتح عند ذلك
العلم عناية منه بالناس، وأما تهيئته من قبل فمظنة الغلط .
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في العلم، وسكت عنه، وفي إسناده عبد الله بن سعد البجلي
الدمشقي. قال أبو حاتم: مجهول. وقال ابن حبان في ((ثقاته)): يخطئ، وأخرجه
أيضًا أحمد.
(٢٤٥) أَبُو دَاوُد (٣٦٥٦) عَنْ مُعَاوِيَةً فِيهِ.
٦٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٤٦ - [٤٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَةِ (تَعَلَّمُوا
الْفَرَائِضَ وَالْقُرْآنَ، وَعَلَّمُوا النَّاسَ فَإِنِّي مَقْبُوضٌ)).
[رَوَاهُ التَّرْمِذِيُّ] {ضعيف}
الشَّرُْ
٢٤٦ - قوله: (تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ) قيل: المراد بالفرائض هنا علم الميراث،
وعلى هذا بنى الترمذي الكلام في ((جامعه)) حيث ذكر هذا الحديث في باب تعليم
الفرائض. وقيل: المراد بالفرائض السنن الصادرة منه ◌َالر، المشتملة على الأوامر
والنواهي الدالة عليها بقرينة ذكر القرآن، فكأنه قال: تعلموا الكتاب والسنة.
وقيل: المراد ما فرض الله على عباده. وقيل: أراد جميع ما يجب معرفته.
(وَعَلِّمُوا النَّاسَ) المذكور. (فَإِنِّي مَقْبُوضٌ) أي: سأقبض وينقطعان.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) من طريق عوف، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة. قال
الحافظ في ((الفتح)): رواته موثقون، إلا أنه اختلف فيه على عوف الأعرابي اختلافًا
كثيرًا، فقال الترمذي: إنه مضطرب، والاختلاف عليه أنه جاء عنه من طريق ابن
مسعود، وجاء عنه من طريق أبي هريرة، وفي أسانيدها عنه أيضًا اختلاف، انتهى.
قلت: أخرجه من حديث ابن مسعود أحمد والترمذي والنسائي والحاكم
وصححه. وقد ذكره المصنف في آخر الفصل الثالث، ولفظه عند ابن ماجه،
والدار قطني، والحاكم من حديث أبي هريرة: ((تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ، فَإِنَّهَا نِصْفُ
الْعِلْمِ، وَإِنَّهُ أَوْلُ مَا يُنْزَعُ مِنْ أَمَّتِي)). وفي سنده حفص بن عمر بن أبي العطاف، قال
البخاري: منكر الحديث، وضعفه أيضًا ابن معين، والنسائي، وأبو حاتم وابن
حبان .
(٢٤٦) التِّرْ مِذِي (٢٠٩١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الفَرَائِضِ، وَقَالَ: فِيهِ اضْطِرَابٌ، قُلْتُ: وَأخْرَجَهُ الدَّارِمِي
(٢٢٧)، وَالدَّارَ قُطْني (٤/ ٨١) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مُطَوَّلًا.
٦٩
2ess
كِتَابُ الْعِلْم
٢٤٧ - [٥٠] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَلِّ فَشَخَصَ
بِبَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ قَالَ: ((هَذَا أَوَانُ يُخْتَلَسُ فِيهِ الْعِلْمُ مِنَ النَّاسِ حَتَّى لَا
يَقْدِرُوا مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ)».
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ] {صحيح}
الشَّرْحُ
٢٤٧ - قوله: (فَشَخَصَ) أي: رفع. (بِبَصَرِهِ) أو نظر بعينه. (ثُمَّ قَالَ ... ) إلخ.
كأنه وَلّ لما شخص ببصره إلى السماء وانتظر الوحي فأوحى إليه باقتراب أجله،
فقال: ((هَذَا أَوَانُ يُخْتَلَسُ فِيهِ الْعِلْمُ ... )) إلخ. فيكون المراد بالعلم الوحي. (هَذَا
أَوَانُ) أي: وقت. (يُخْتَلَسُ فِيهِ) أي: يختطف ويسلب بسرعة، وهي صفة ((أَوَأَنُ)).
(الْعِلْمُ) قيل: هو محمول على آخر الزمان حين ينتزع العلم رأسًا بقبض العلماء،
وعلیه بنی ابن ماجه الكلام حیث ذکر حدیث زیاد بن لبید، الذي بمعنی حدیث أبي
الدرداء في الفتن.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في العلم، وقال: حديث حسن غريب. وأخرجه أيضًا النسائي
والحاكم (ج١: ص٩٩، ١٠٠) وقال: هذا إسناد صحيح. وأخرجه أحمد (ج٦ :
ص٢٦، ٢٧) والحاكم (ج١: ص٩٩، ١٠٠) وصححه من حديث عوف بن مالك
الأشجعي، وأحمد (ج٤: ص٢١٨، ٢١٩) وابن ماجه والحاكم (ج١: ص٩٩،
١٠٠) من حديث زياد بن لبيد بإسناد فيه انقطاع.
(٢٤٧) التِّرْمِذِي (٢٦٥٣) عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ فِي العِلْمِ.
٧٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٤٨ - [٥١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رِوَايَةً: ((يُوشِكُ أَنْ يَضْرِبَ النَّاسُ أَكْبَادَ
الْإِبِلِ، يَطْلُبُونَ الْعِلْمَ فَلَا يَجِدُونَ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْ عَالِمِ الْمَدِينَةِ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ] {ضعيف}
وَفِي جَامِعِهِ: قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: إِنَّهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَمِثْلُهُ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ،
قَالَ إسحاق بْنُ مُوسَى: وَسَمِعْتُ ابْنَ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ الْعُمَرِيُّ الزَّاهِدُ
وَاسْمُهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ.
الشّرْحُ
٢٤٨ - قوله: (رِوَايَةً) بالنصب على التمييز، وهو كناية عن رفع الحديث إلى
رسول اللَّهِ وَّله، وإلا لكان موقوفًا، وقد صرَّح ابنُ عيينة برفعه فقال: ((قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ وَلَ)) في رواية الحميدى، ومسدد، وعبد الرحمن بن بشر عنه عند الحاكم. قال
الحاکم: وقد کان ابن عيينة ربما یجعله روایة فذكره بسنده، ثم قال: وليس هذا
مما يوهن الحديث، فإن الحميدى هو الحكم في حديثه لمعرفته به وكثرة ملازمته
له.
(يُوشِك أَنْ يَضْرِبَ النَّاسُ أَكْبَادَ الْإِبِلِ) أي: المحاذي لأكبادها، يعني: يرحلون
ويسافرون في طلب العلم، قال الطيبي: ضرب أكباد الإبل، كناية عن السير
السريع؛ لأن من أراد ذلك يركب الإبل، ويضرب على أكبادها بالرجل. (فَلَا
يَجِدُونَ أَحَدًا) أي: في العالم. (أَعْلَمَ مِنْ عَالِمِ الْمَدِينَةِ) قيل: هذا في زمان
الصحابة والتابعين، وأما بعد ذلك فقد ظهرت العلماء الفحول في كل بلدة من بلاد
الإسلام أكثر ما كانوا بالمدينة، فالإضافة للجنس، وهذا مخالف لما ذهب إليه ابن
عيينة وعبد الرزاق كما سيأتي. وقيل: هو إخبار عن آخر الزمان حين يأرز العلم
والدين إلى المدينة .
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في العلم، وقال: حديث حسن صحيح. وأخرجه أيضًا
(٢٤٨) التِّرْمِذِي (٢٦٨٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي العِلْمِ، وَقَالَ: حَسَنٌ.
٧١
كِتَابُ الْعِلْم
الحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وأخرج الطبراني نحوه
عن أبي موسى، وفيه عبد الله بن محمد بن عقيل، وفيه مقال. (وَفِي جَامِعِهِ) أي:
وذكر الترمذي تفسيره في «جامعه» بقوله: (قَالَ ابْنُ عُبَيْنَةَ) وهو سفيان بن عيينة بن
أبي عمران ميمون الهلالي أبو محمد الكوفي ثم المكي. قال الحافظُ: ثقة حافظ
فقيه إمام حجة إلا أنه تغير حفظه بآخره، أي: سنة سبع وتسعين ومائة قبل موته
بأشهر، وكان ربما دلس لكن عن الثقات. مات في رجب سنة (١٩٨) وله إحدى
وتسعون سنة. روى عن الإمام مالك وغيره ممن لا يحصون. وروى عنه الشافعي،
وعبد الرزاق وأحمد بن حنبل، وابن معين، وإسحاق بن راهوية، وغيرهم
وطوائف كثيرون.
(إِنَّهُ) أي: عالم المدينة. (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) هو إمام دار الهجرة، صاحب المذهب
المشهور، وصاحب الكتاب ((الموطأ)). (وِمِثْلُهُ) أي: مثل قول ابن عيينة في مالك
منقول. (عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ) وهو عبد الرزاق بن همام ابن نافع الحميرى، مولاهم أبو
بكر الصنعاني. قال في ((التقريب)): ثقة، حافظ مصنف شهير، عمي في آخره
فتغير، وكان يتشيع، روى عن مالك وابن عيينة والثوري والأوزاعي وخلق، وروى
عنه ابن عيينة وأحمد وإسحاق وعلي ويحيى وغيرهم. مات سنة إحدى عشرة
ومائتين، وله خمس وثمانون سنة.
(قَالَ إسحاق بْنُ مُوسَى) الخطمي أبو موسى الأنصاري المدني، قاضي
نيسابور، وشيخ مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. قال الحافظُ: ثقة
متقن. مات سنة (٢٤٤). (أنه قال: هو) أي: المراد في الحديث. (الْعُمَرِيُّ) نسبة
إلى عمر بن الخطاب. (الزَّاهِدُ) فاختلف النقل عن ابن عيينة في تعيين عالم
المدينة، ويمكن أن يكون له قولان في ذلك، أو الأول حكاية لقول التابعين، فإنه
قال: كانوا أي التابعون يرون أنه مالك بن أنس. (وَاسْمُهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) قال
في التقريب: عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي
المدني، ثقة من أتباع التابعين، وهو والد عبد اللَّه الزاهد العمري، انتهى. وكان
نبيهًا، بارع الجمال، وثَّقَة النسائي، وابن حبان، كذا فسر الترمذي ((الْعُمَرِيُّ
الزَّاهِدُ)) بعبد العزيز بن عبد الله، وهو خطأ منه، والصواب أن ((الْعُمَرِيُّ الزَّاهِدُ)) هو
٧٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
38
ابنه عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي
المدني .
قال ابن حبان: كان من أزهد أهل زمانه وأشدهم تخليًا للعبادة. وقال ابن سعد:
كان عابدًا ناسكًا عالمًا. وقال الزبير: كان أزهد أهل زمانه وأعبدهم. والدليل على
ما قلنا من أن اسم ((الْعُمَرِيُّ الزَّاهِدُ)) عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله، كلام
الحافظ في تهذيب التهذيب (ج٥: ص٣٠٢، ٣٠٣) فارجع إليه .
وقال في ((التقريب)): عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن
الخطاب العمري الزاهد، ثقة، مات سنة (١٨٤) وله ست وثمانون. كان ابن عيينة
يقول: إنه عالم المدينة، انتهى. هذا وقد حمل بعضهم الحديث على آخر الزمان
فقال: الظاهر أن النبي ◌َّ أراد به الإخبار عن حال آخر الزمان حين يأرز العلم
والدين إلى المدينة كما يظهر من بعض الأحاديث.
قال الشيخ عبد الحق الدهلوى: وهذا القول أقرب إلى الصواب.
قلت: بل حمله على أول الأمر هو الأقرب كما فهمه أكثر علماء الأمة.
٢٤٩ - [٥٢] وَعَنْهُ - فِيمَا أَعْلَمُ - عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَلَ قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ
رَقِ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسٍ كُلِّ مِائَةٍ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {صحيح}
الشّرْحُ
٢٤٩ - قوله: (فِيمَا أَعْلَمُ) بضم الميم مضارعًا. الظاهرُ أنه قول أبي علقمة
الراوى عن أبي هريرة يقول: في علمي أن أبا هريرة رفع الحديث إلى النبي وَلِلّه
أي: رواه مرفوعًا لا موقوفًا من قوله، وهو وإن لم يجزم برفعه لكن مثل هذا لا يقال
من قبل الرأي، ولا مسرح فيه للاجتهاد، إنما هو من شأن النبوة فتعين كونه
مرفوعًا. (يَبْعَثُ) أي: يقيض. (لِهَذِهِ الأَمَّةِ) أي: أمة الإجابة، ويحتمل أمة
(٢٤٩) أَبُو دَاوُد (٤٢٩١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي المَلَاحِمِ.
٧٣
كِتَابُ الْعِلْمِ
ecorea *
الدعوة. (عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةٍ سَنَةٍ) أي: انتهاءه وآخره.
قال الطيبي: الرأس مجاز عن آخر السنة، وتسميته رأسًا باعتبار أنه مبدأ لسنة
أخرى. واختلف في المائة هل تعتبر من المولد النبوي، أو البعثة، أو الهجرة، أو
الوفاة؟ قال المناوى: ولو قيل بأقربية الثاني لم يبعد، لكن صنيع السبكي وغيره
مصرح بأن المراد الثالث.
(مَنْ يُجَدِّدُ) مفعول ((يَبْعَثُ)). (لَهَا) أي: لهذه الأمة. (دِينِهَا) المراد من تجديد
الدين للأمة إحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة، والأمر بمقتضاهما،
وإماتة البدع والمحدثات، وكسر أهلها باللسان، أو تصنيف الكتب، أو التدريس
أو غير ذلك، ولا يعلم ذلك المجدد إلا بغلبة الظن ممن عاصره من العلماء بقرائن
أحواله والانتفاع بعلمه، إذ المجدد للدين لا بد أن يكون عالمًا بالعلوم الدينية
الظاهرة والباطنة، ناصرًا للسنة، قامعًا للبدعة، وأن يعم علمه أهل زمانه، وإنما
كان التجديد على رأس كل مائة سنة؛ لانخرام العلماء فيه غالبًا، واندراس السنن،
وظهور البدع، فيحتاج حينئذٍ إلى تجديد الدين، فيأتي الله من الخلق بعوض من
السلف إما واحدًا أو متعددًا، كذا في ((مجالس الأبرار))، ولا يلزم أن يكون على
رأس كل مائة سنة مجدد واحد فقط، بل يمكن أن يكون أكثر من واحد، ؛ لأن
قوله: ((مَنْ يُجَدِّدُ)) يصلح للواحد وما فوقه.
قال الحافظ في الفتح: وهو أي: حمل الحديث على أكثر من واحد متجه، فإن
اجتماع الصفات المحتاج إلى تجديدها لا ينحصر في نوع من أنواع الخير، ولا يلزم
أن جميع خصال الخير كلها في شخص واحد إلا أن يدعى ذلك في عمر بن
عبد العزيز، فإنه كان القائم بالأمر على رأس المائة الأولى باتصافه بجميع صفات
الخير وتقدمه فيها. وأما من جاء بعده فالشافعي وإن كان متصفًا بالصفات
الجميلة، إلا أنه لم يكن القائم بأمر الجهاد، والحكم بالعدل، فعلى هذا كل من
كان متصفًّا بشيء من ذلك عند رأس المائة هو المراد سواء تعدد أم لا، انتهى.
وارجع للتفصيل إلى ((عون المعبود شرح أبي داود)).
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في أول الملاحم من طريقين متصل ومعضل، وسكت عنه
المنذري، وأخرجه أيضًا الحاكم، والبيهقي في ((المعرفة))، وابن عدي في مقدمة
٧٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
((الكامل))، واتفق الحفاظ على تصحيحه، وممن نص على صحته من المتأخرين
الحافظ أبو الفضل العراقي، والحافظ ابن حجر، ومن المتقدمين الحاكم في
(المستدرك)) والبيهقي في ((المدخل)).
٢٥٠- [٥٣] وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعُذْرِيِّ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَلَ: ((يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُوَّلُهُ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ
الْغَالِينَ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلُ الْجَاهِلِينَ)).
[رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الْمَدْخَلِ مُرْسَلًا]
وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ جَابِرِ (فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالَ)) فِي بَابِ التََّمُّمِ إِنْ شَاءَ
اللَّهُ تَعَالی.
الشّرْجُ
٢٥٠ - قوله: (إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعُذْرِيِّ) بضم العين وسكون الذال
المعجمة، منسوب إلى عذرة بن سعد أبي قبيلة من خزاعة. قال في ((كنز العمال)):
هو مختلف في صحبته. قال ابن منده: ذُكِر في الصحابة ولا يصح، انتهى. وذكره
الحافظ في ((الإصابة)) (ج١: ص١١٧) في القسم الرابع من الألف، فقال: إبراهيم
ابن عبد الرحمن العذري، تابعي، أرسل حديثًا فذكره ابن منده وغيره في
الصحابة. وقال الذهبي في ((الميزان)): تابعي مقل ما علمته واهيًا، أرسل ((يَحْمِلُ
هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفِ عُدُولُهُ))، رواه غير واحد عن معان بن رفاعة عنه، ومعان
ليس بعمدة، ولاسيما أتى بواحد ليس يدرى من هو، انتهى. وقال الحافظ في
((لسان الميزان)) (ج١: ص٧٧) بعد ذكر كلام الذهبي هذا: وذكره ابن حبان في
((الثقات))، وقال: يروي المراسيل، وروى حديثه من طريق حماد بن زيد عن بقية،
عن معان عنه .
(٢٥٠) البَيْهَقِي أخرجه هو في ((السنن)) أيضًا (١٠/ ٢٠٩) فِي ((المَدْخَلِ)) عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
العُذْرِيِّ مُرْسَلًا.
٧٥
كِتَابُ الْعِلْمِ
*
(يَحْمِلُ) أي: يحفظ. (هَذَا الْعِلْمَ) أي: علم الكتاب والسنة، يعني: يأخذه
ويقوم بإحيائه. (مِنْ كُلِّ خَلَفٍ) أي: من كل قرن يخلف السلف بفتح اللام، وهو
الجماعة الماضية، والخلف كل من يجيء بعد من مضى، إلا أنه بالتحريك في
الخير، وبالتسكين في الشر، يقال: خلف صدق وخلف سوء، ومعناهما القرن من
الناس، وهو هنا بالفتح، قاله الجزري. (عُدُولُهُ) بضم العين جمع العدل، أي:
ثقاته، يعني: من كان صاحب الديانة والتقوى. قال الطيبي: و((مِنْ)) إما تبعيضية
مرفوعًا على أنه فاعل ((يَحْمِلُ)) و((عُدُولُهُ)) بدل منه، وإما بيانية على طريقة: لقيني
منك أسد. جرد من الخلف الصالح، والعدول الثقات وهم هم، كقوله تعالى :
﴿وَلْتَكُنْ مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] وعلى التقديرين فيه تفخيم
لشأنهم .
(يَنْفُونَ) جملة حالية أو استئنافية. (عَنْهُ) أي: عن هذا العلم. (تَحْرِيفَ الْغَالِينَ)
أي: المبتدعين الذين يتجاوزون في كتاب الله وسنة رسوله عن المعنى المراد
فيحرفونه عن جهته، من غلا يغلو إذا جاوز الحد. (وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ) الانتحال
ادعاء الشيء لنفسه، كادعاء شعر غيره أو قوله: لنفسه، يعني: أن المبطل إذا اتخذ
قولًا من علمنا يستدل به على باطله أو اعتزى إليه ما لم يكن منه، نفوا عن هذا العلم
قوله، ونزهوه عما ينتحله. (وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ) أي: معنى القرآن والحديث إلى ما
ليس بصواب. والحديث كأنه تفسير لحديث أبي هريرة المتقدم في بعث المجدد.
قيل: في قوله: ((تَحْرِيفَ الْغَالِينَ)) إشارة إلى التشدد والتعمق، وفي ((إِنْتَحَالَ
الْمُبْطِلِينَ)) إلى الاستحسان وخلط ملة بملة. وفي ((تَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ)) إلى التهاون
وترك المأمور به بتأويل ضعيف.
وقال الطيبي في معنى الحديث: أي: يحمون الشريعة ومتون الروايات من
تحريف غلاة الدين، والأسانيد من القلب والانتحال، والمتشابه من تأويل
الزائغين. والنحلة هو التشبه بالباطل، انتهى. وهذا معنى ما ورد من قوله وقال: ((لاَ
يَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِى ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِىَ أَمْرُ اللَّهِ)).
رواه الشيخان .
(رَوَاهُ) بعده بياض بالأصل، وألحق ((الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الْمَدْخَلِ)) كما ترى،
٧٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وأخرجه أيضًا الحاكم في ((المستدرك))، وابن عدي في ((الكامل))، وأبو نصر
السجزي في ((الإبانة))، وأبو نعيم في ((الحلیة))، وابن عساكر في ((تاریخه)) کلهم،
عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري مرسلاً. قال أبو نعيم: وروى عن أسامة بن
زيد وأبي هريرة كلها مضطربة غير مستقيمة، وأخرجه ابنًّعدي، والبيهقي، وابن
عساكر عن إبراهيم: ثنا الثقة من أشياخنا، وأخرجه الخطيب وابن عساكر عن
أسامة بن زيد، وابن عساكر أيضًا عن أنس، والديلمي عن ابن عمر، والعقيلي في
((الضعفاء)) عن أبي أمامة، والبزار والعقيلي أيضًا عن ابن عمر، وأبي هريرة معًا.
قال الخطيب: سُئل أحمد بن حنبل عن هذا الحديث، وقيل له: إنه كلام
موضوع. قال: لا هو صحيح سمعته من غير واحد، كذا في ((كنز العمال)) (ج٥ :
ص٢١٠). وقال الحافظ في ((الإصابة)) (ج١: ص١١٨،١١٧): أورد الحديث أبو
نعيم ثم قال: هكذا أي: مرسلًا رواه الوليد عن معان. ورواه محمد بن سليمان بن
أبي كريمة، عن معان، عن أبي عثمان، عن أسامة، ولا يثبت.
قلت: ووصل هذا الطريق الخطيب في ((شرف أصحاب الحديث)). وقد أورد
ابن عدي هذا الحديث من طرق كثيرة كلها ضعيفة.
وقال في بعض المواضع: رواه الثقات عن الوليد، عن معان، عن إبراهيم،
قال: حدثنا الثقة من أصحابنا أن رسول اللَّه وَحفتر، فذكر، انتهى.
وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج١: ص ١٤٠) بعد ذكر حديث ابن عمر
وأبي هريرة من رواية البزار: فيه عمرو بن خالد القرشي، كذبه يحيى بن معين
وأحمد بن حنبل ونسبه إلى الوضع، هذا ومن أحب البسط فليرجع إلى ((التقييد
والإيضاح)) (ص١١٦) للعراقي، و((التدريب)) (ص١١٠) للسيوطي، و((شرح
الألفية)) (ص١٢٥) للسخاوي.
(وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ جَابِرٍ فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيّ) بكسر العين وتشديد الياء، أي: العجز
في العلم والجهل. (السُّؤَالِ) أي: عن أهل العلم. (فِي بِابِ التَّيَمُّم)؛ لأنه أنسب
بهذا الباب.
كِتَابُ الْعِلْمِ
*
٧٧
mase
الفصل الثالث
٢٥١ - [٥٤] عَنِ الْحَسَن مُرْسَلَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: (( مَنْ جَاءَهُ
الْمَوْتُ وَهُوَ يَطْلُبُ الْعِلَّمَ لِيُحْيِىَ بِهِ الإِسْلَامَ، فَبَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِّينَ دَرَجَةٌ وَاحِدَةٌ
فِي الْجَنَّةِ)).
[رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ ] {ضعيف}
الشرحُ
٢٥١ - قوله: (عَنِ الْحَسَنِ) هو إذا أطلق في علم الحديث فالمراد البصري،
أي: الحسن بن أبي الحسن البصرى، واسم أبيه يسار بالتحتية والمهملة.
الأنصاري مولاهم، أحد أئمة الهدى. قال الحافظُ: ثقة، فقيه، فاضل، مشهور،
وكان يرسل كثيرًا ويدلس. قال البزار: كان يروي عن جماعة لم يسمع منهم
فيتجوز ويقول: حدثنا وخطبنا، يعني: قومه الذين حدثوا وخطبوا بالبصرة، وهو
رأس أهل الطبقة الثالثة يعني: أوساط التابعين، مات في رجب سنة (١١٠) وقد
قارب التسعين، انتهى، وولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر، ورأى عثمان وعليًّا
بالمدينة، ولم يسمع منهما حديثًا، وقد أرسل عن كثير من الصحابة. قال ابن
المديني: مرسلات الحسن إذا رواها عنه الثقات صحاح، ما أقل ما يسقط منها .
وقال محمد بن سعد: كان الحسن جامعًا عالمًا رفيعًا فقيهًا ثقة، مأمونًا عابدًا
ناسكًا، كثير العلم، فصيحًا جميلًا وسيمًا، ما أرسله فليس بحجة. وقد بسط
ترجمته في ((تهذيب التهذيب)) (ج٢: ص٢٦٣، ٢٧٠).
(وَهُوَ يَطْلُبُ الْعِلْمَ) الجملة حال من المفعول في (جَاءَهُ لِيُحْيِىَ بِهِ الإِسْلَامَ) لا
لغرض فاسد من المال والجاه. (دَرَجَةٌ) وهي درجة النبوة. (وَاحِدَةٌ) أكد الدرجة
بواحدة؛ لأنها تدل على الجنسية وعلى العدد، والذي سبق له الكلام هو العدد،
والحاصل أن العلماء المخلصين لم تَفُتْهُمْ إلا درجة الوحي.
(٢٥١) الدَّارِمِي (٣٥٤) في العلمِ من مُرْسَل الحسنِ.
٧٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
*
(رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) وكذا ابن عساكر، أي: عن الحسن مرسلًا، وأخرجه ابن النجار عنه
عن أنس، والطبراني في ((الأوسط)) عن ابن عباس، وفيه محمد بن الجعد، وهو
متروك. والخطيب عن سعيد بن المسيب، عن ابن عباس، وابن النجار عن أبي
الدرداء .
٢٥٢ - [٥٥] وَعَنْهُ مُرْسَلًا قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ عَنْ رَجُلَيْنِ كَانَا
فِي بَنِى إِسْرَائِيلَ: أَحَدُهُمَا كَانَ عَالِمًا يُصَلِّى الْمَكْتُوبَةَ، ثُمَّ يَجْلِسُ فَيُعَلِّمُ
النَّاسَ الْخَيْرَ، وَالآخَرُ يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ، أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ: ((فَضْلُ هَذَا الْعَالِمِ الَّذِي يُصَلَّى الْمَكْتُوبَةَ، ثُمَّ يَجْلِسُ فَيُعَلِّمُ
النَّاسَ الْخَيْرَ، عَلَى الْعَابِدِ الَّذِى يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ كَفَضْلِي عَلَى
أَدْنَاكُمْ)).
[رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ] {حسن}
الشَّرْحُ
٢٥٢- قوله: (سُئِلَ رَسُولُ اللّهِ،وَّهِ عَنْ رَجُلَيْنٍ) عن شأنهما وحكمهما.
(أَحَدُهُمَا كَانَ عَالِمًا) أي: غلب علمه على عبادته. (يُصَلِّ الْمَكْتُوبَةَ) أي: يكتفي
بالعبادة المفروضة. (الْخَيْرَ) أي: العلم والعبادة وأمثال ذلك تدريسًا، أو تأليفًا، أو
غيرهما. (يَصُومُ النَّهَارَ) أي: دائمًا أو غالبًا. (وَيَقُومُ اللَّيْلَ) كله أو بعضِه، وقد تعلم
فرض علمه. (أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟) أي: أكثر ثوابًا. (فَضْلُ هَذَا الْعَالِمِ الَّذِي ... ) إلخ.
أطنب في الجواب حيث لم يقل: الأول أو العالم؛ لتعظيم شأنه وتقريره في ذهن
السامع. (كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ) وسببه أن العلم نفعه متعدٍّ، والعبادة نفعها قاصر،
والعلم إما فرض عين أو كفاية، والعبادة الزائدة نافلة، وثواب الفرض أكثر من
ثواب النفل.
(رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) وأخرج الترمذي نحوه عن أبي أمامة، وقد تقدَّم في الفصل
الثاني .
(٢٥٢) الدَّارِمِي (٣٤٠).
٧٩
كِتَابُ الْعِلْم
٢٥٣ - [٥٦] وَعَنْ عَلِيِّ رَضِفْتَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَِّ: ((نِعْمَ الرَّجُلُ
الْفَقِيَهُ فِي الدِّينِ، إِنِ احْتِيجَ إِلَيْهِ نَفَعَ، وَإِنِ اسْتُغْنِيَ عَنْهُ أَغْنَى نَفْسَهُ)).
[رَوَاهُ رَزِينٌ]
الشّرْحُ
٢٥٣- قوله: (نِعْمَ الرَّجُلُ الْفَقِيهُ فِي الدِّينِ) ((الْفَقِيهُ)) هو المخصوص
بالمدح، والجار متعلق به، أي: الذي فقه في الدين وعلم من العلوم الشرعية ما
ينتفع به وينفع الناس، وليس المراد من يعلم الفروع فقط كما توهم بعضهم. (إِنٍ
احْتِيجَ) بكسر النون وضمها، شرطية مستأنفة لبيان استحقاق المدح، أي: إن
احتاج الناس. (إِلَيْهِ) أي: إلى فقهه. (نَفَعَ) أي: غيره. (وَإِنِ اسْتُغْنِيَ) على البناء
للمفعول. (أَغْنَى نَفْسَهُ). قال الطيبى: قوبل ((نَفَعَ))، بـ((أَعْنَى)) ليعم الفائدة، أي:
نفع الناس وأغناهم بما يحتاجون إليه، ونفع نفسه وأغناها بما يحتاج إليه من قيام
الليل، وتلاوة كتاب الله، وغيرها من العبادات.
وقال الشيخ عبد الحق الدهلوي في ((اللمعات)): معنى الحديث: أن من شأن
العلم وما يليق بحاله أن لا يُحْوِجَ نفسه إلى الخلق طمعًا في صحبتهم واختلاطهم
ومنافعهم، ولا ينقطع عنهم مطلقًا بأن لا يفيدهم بالعلم ويحرمهم عنه، بل إن
احتاج الناس إليه بأن اضطروا إليه، ولم يكن هناك عالم سواه فيسألوه عن العلم
ليفيدهم ويعلمهم، دخل فيهم للإفادة ونفعهم بالعلم لئلا يضلوا، وإن استُغْنِيَ عنه
بأن لا يلجأوا ويضطروا إليه، وكان هناك من يكفيهم في التعليم أغنى نفسه ولم
يداخلهم ولا يتذلل لهم، بل يستغني عنهم، ويشتغل بالعبادة وبالعلم أيضًا بمطالعة
الكتاب والسنة والتصنيف ونحوهما.
(رَوَاهُ رَزِينٌ) أخرجه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) من طريق عيسى بن
عبد الله بن محمد بن عمر بن علي، حدثني أبي عن أبيه عن جده عن علي رفعه،
وعيسى هذا، قال الدارقطني: إنه متروك. وقال ابن حبان: يروي عن آبائه أشياء
(٢٥٣) ذكر رزين عن علي رََّهُ، قلتُ: وَهو في ((الفردوس)) (٦٧٤٢) ولم يسنده ولده.