النص المفهرس
صفحات 501-520
BeeN
٥٠٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
العلام)) بما نصه: قد يستبعد أن يصيد أبو قتادة الحمار الوحشي لأجله وحده دون
رفقته وهو إشكال في موضعهِ، والذي يزيل هَذَا الإشكال هو أن نفهم أن الصيد عند
العرب هواية محببة لديهم وظرف يتعشقه ملوكهم وكبارهم، فلا يبعد أن أبا قتادة
لما رأى حمر الوحش شاقه طرادها قبل أن يفكر في أنه سيصيدها ليأكل لحمها هو
وأصحابه، وهذا شيء علمناه من أنفسنا فلقد تعبنا في طراد الصيد وأنفقنا في سبيله
الوقت والمال لذة وشوقًا فإذا ظفرنا به رخص لدينا وذهب خطره من قلوبنا، والله
أعلم.
٢٧٢٣ - [٣] وعَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ، قال: خَمْسٌ لَا جُنَاحَ
عَلَى مَنْ قَتَلَّهُنَّ فِي الْحَرَمِ وَالْإِحْرَامِ: الْفَأْرَةُ وَالْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ وَالْعَقْرَبُ
وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشّوْجُ
٢٧٢٣ - قوله: (وعَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ وََّ) كذا في رواية مالك عن نافع
عن عبد الله بن عمر عند الشيخين، وهكذا وقع في رواية ابن عيينة عن الزهري عن
سالم عن أبيه عند مسلم، ووقع عند البُخَارِي من رواية أبي عوانة عن زيد بن جبير
قال: سمعتُ ابنَ عُمر يقول: حدثتني إحدى نسوة التَّبِيِّ عن النبيِّ ◌ََّ، وعند
الشيخين من رواية يونس عن الزهري عن سالم قال: قال عبد الله بن عمر قالتْ
حفصةُ: قال رسولُ اللهِ وَله: خمس من الدواب ... الحديث.
قال الحافظُ: هَذَا والذي قبله قد يُوهم أنَّ عبد الله بن عمر ما سمع هَذَا الحديث
من التَّبِيَِّ، ولكن وقعَ في بعضٍ طرق نافع عنه: ((سمعتُ النبيَّ ◌ََِّ)). أخرجَهُ
مسلمٌ من طريق ابن جريج، قال: أخبرني نافع، وقال مسلم بعده: لم يقل أحد عن
نافع عن ابن عمر: سمعت. إلا ابن جريج، وتابعه محمد بن إسحاق، ثم ساقه من
طريق ابن إسحاق عن نافع كذلك، فالظاهرُ: أن ابن عمر سمعه من أختهِ حفصةً عن
(٢٧٢٣) مُسْلِم (٧٢/ ١١٩٩)، وَأَبُو دَاوُد (١٨٤٦)، وَالنَّسَائِي (٥/ ١٩٠) عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ، وَاتَّفَقَا عَلَيْهِ
مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ عَنْ حَقْصَةَ فِيهِ.
٥٠١
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْمُحْرِمُ يَجْتَنِبُ الصَّيْد
النبيِّ مَثّة، وسمعه أيضًا من النَّبِي وَلَه يحدث به حين سُئل عنه، فقد وقع عند أحمد
من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: نادى رجل، ولأبي عوانة في
((المستخرج)) من هَذَا الوجه: أنَّ أعرابيًّا نادى رسولَ اللهِ وَ لَه ما نقتلُ من الدوابِّ إذا
أحرمنا؟ والظاهر: أن المبهمة في رواية زيد بن جبير هي حفصة، ويحتملُ أن تكون
عائشة، وقد رواه ابنُ عيينة عن ابن شهابٍ، فأسقط حفصة من الإسناد، والصواب
إثباتها في رواية سالم، انتهى.
وقال الولي العراقي بعد ذكر اختلاف الروايات في الصحابي الَّذِي روى هَذَا
الحديث عن الَّبِيِ وَّهِ: ولا يضرُّ هَذَا الاختلاف، فالحديثُ مقبول سواء كان من
رواية ابن عمر عن النَّبِي ◌َّ أو بواسطة حفصة أو غيرها من أمهات المؤمنين
رضي الله عنهن. وقد تقدَّم من حديث ابن جريج في صحيح مسلم بسماع ابن عمر
له من النَّبِي ◌َّه .
(خَمْسٌ) أي: من الدوابِّ، كما في رواية عند الشيخين، وهي بتشديد الموحدة
جمع دابة، وهي في الأصل ما يدبُّ على وجهِ الأرضِ، والهاء للمبالغة، تقع على
المذكر والمؤنث. قال الحافظُ: الدوابُ جمع دابة وهو ما دب من الحيوان،
وقد أخرجَ بعضُهُم منها الطير لقوله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِ اُلْأَرْضِ وَلَا طَيْرٍ يَطِيُرُ
بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: الآية ٣٨]، وحديث الباب يردُّ عليه؛ فإنه ذكر في الدواب الخمس:
الغراب والحدأة، ويدلَّ على دخول الطير أيضًا عموم قوله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِ
اُلْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: الآية ٧] وقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِِّ مِّنِ دَابَةٍ لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾
[العنكبوت: الآية ٦٠] وفي حديث أبي هريرة عند مسلم في صفة بدء الخلق: ((وَخَلَقَ
الدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ)) ولم يفرد الطير بذكر، وقد تصرف أهل العرف في الدابة،
فمنهم من يخصها بالحمارِ، وَمِنْهُم من يخصها بالفرس، وفائدة ذلك تظهر في
الحلف، انتهى.
وقال العَيْنِي: الدابةُ في الأصل لكلِّ ما يدبُّ على وجهِ الأرض، ثم نقلَهُ العرف
العام إلى ذوات القوائم الأربع من الخيل والبغال والحمير، ويسمى هَذَا منقولًا
عرفيًّا، فإن قلت: في أحاديث الباب الغراب والحدأة وليسا من الدوابِّ، ولو قال
من الحيوان لكان أصواب، قلتُ: أكثر ما ذكر في أحاديث الباب الدواب فنظر إلى
٥٠٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
هَذَا الجانب، انتهى. وكلمة ((خمس)) مرفوع على الابتداء لتخصصها بالصفة وهي
قوله: ((لا جُنَاحَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ)) والخبر قوله: ((الْفَأْرَةُ وَالْغُرَابُ ... )) إلخ، وأما على
ما وقع في الرواية الأخرى بلفظ: ((خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ)) فالصفة المخصصة هي
قوله: ((مِنَ الدَّوَابِّ)) والخبر قوله: (لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ قَتَلَّهُنَّ) بضم الجيم أي: لا إثم
ولا جزاء والمعنى لا حرج. (فِي الْحَرَمِ) أي: في أرضِهِ، بفتح الحاء والراء
المهملتين وهو الحرم المشهور أي حرم مَكة. (وَالْإِحْرَام) أي: في حاله، ولفظ
الكتاب لمسلم، أخرجه من رواية ابن عيينة عن الزهري عنَ سالم عن أبيه، واللفظ
المُتفق عَلَيْهِ: ((خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ)) أخرجاه من
طريق مالك عن نافع عن ابن عمر.
قال الحافظ: ويؤخذ من الحديث جواز قتلهن للحلال، وفي الحلِّ من بابٍ
الأولى، وقد وقعَ ذكر الحل صريحًا عند مسلم من طريق معمر عن الزهري عن
عروة عن عائشة بلفظ: (يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَم)) ويعرف حكم الحلال بكونه لم
يقم به مانع وهو الإحرام فهو بالجواز أولى، انتهى.
وقال الولي العراقي: نص في الحديثِ على المحرم؛ لكونه جوابًا للسؤال عنه،
ويعلم حكم الحلال من طريق أولى فإنه لم يقم به مانع من ذلك. فإذا أبيح مع قيام
المانع فمع فقده أولى. قال: واقتصر في حَدِيث ابنِ عُمَر على نفي الجناح وهو
الإثم عن قتل هذه المذكورات، وليس في ذلك ترجيح فعل قتلها على تركه، وفي
حديث عائشة عند مسلم الأمر، وهو يدلَّ على ترجيح قتلها على تركه، وهو
محتمل للوجوب والندب بناءً على أن المندوب مأمور به وهو المرجح في الأصول
ومذهب الشافعية والحنابلة والظاهرية استحباب قتل المؤذيات، وهي الخمس
المذكورة وما في معناها، وتمسكوا بالأمر به في هَذَا الحديث، وفيه زيادة على
نفي الجناح الَّذِي في حديث ابن عمر.
وقال الحافظ: ليس في نفي الجناح وكذا الحرج في طريق سالم دلالة على
أرجحية الفعل على الترك، لكن ورد في طريق زيد بن جبير عند مسلم بلفظ ((أمر))
وكذا في طريق معمر عند مسلم وعبد الرزاق، ولأبي عوانة من طريقٍ ابنٍ نمير عن
هشامٍ عن أبيه بلفظ: (ليَقْتُلِ الْمُحْرِمُ» وظاهر الأمر: الوجوب، ويحتملُ الندب
٥٠٣
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْمُحْرِمُ يَجْتَنِبُ الصَّيْد
والإباحة. قال: ويؤيد الإباحة رواية الليث عن نافع عن ابن عمر عند النسائي
بلفظ: ((أَذِنَ)) وفي حديث أبي هريرة عند أبي داود وغيره: ((خَمْسٌ قَتْلُهُنَّ حَلَالٌ
لِلْمُحْرِمِ)) ثم إنه وقع التقييد بالخمس في حديث عائشة أيضًا كما سيأتي.
قال الحافظ: التقييدُ بالخمس وإن كان مفهومه اختصاص المذكورات بذلك،
لكنه مفهومٍ عدد وليس بحجة عند الأكثرِ، وعلى تقدير اعتباره يحتمل أنْ يَكُون
قاله ◌َّ﴾ أولًا، ثم بيَّن بعد ذلك أن غير الخمس يشترك معها في الحكمِ، فقد وردَ
في بعضٍ طرق حديث عائشة بلفظ: ((أربع)) وفي بعضٍ طرقها بلفظ: ((ست))، فأما
طريق: (أربع))، فأخرجها مسلمٌ عن طريقِ القاسم عنها فأسقط العقرب، وأما طريق
((ست))، فأخرجها أبو عوانةً في ((المستخرجٍ)) من طريق المحاربي عن هشام عن أبيه
عنها فأثبت الخمس، وزاد ((الحية))، ويشهد لها طريق شيبان عن أبي عوانة عند
مسلمٍ، وإن كانت خالية عن العددِ، ولفظها: سألَ رجلٌ ابنَ عُمر: ما يقتل الرجل
من الدوابِّ وهو محرمٌ فقالَ: حدثتني إحدى نسوة النَّبِي وَّ أنه كان يأمر بقتلٍ
الكلبِ العقورِ، والفارة، والعقرب، والحدأة، والغراب، والحية، قال: وفي
الصلاة أيضًا. فلم يقل في أوله خمسًا وزاد الحية وزاد في آخره ذكر الصلاة لينبه
بذلك على جواز قتل المذكورات في جميع الأحوال.
وقد وقعَ في حديثِ أبي سعيدٍ عند أبي داود نحو رواية شيبان، وزاد السبع
العادي فصارتْ سبعًا، وفي حديث أبي هريرة عند ابنٍ خزيمة وَابْن المنذرِ، زيادة
ذكر الذئب والنمر على الخمسِ المشهورةِ فتصيرُ بهذا الاعتبار تسعًا، لكن أفادَ ابنُ
خزيمة عن الذهلي أن ذكر الذئب والنمر من تفسير الراوي للكلبِ العقورِ، ووقعَ
ذكر الذئب في حديث مرسل أخرجه ابن أبي شيبة وسعيد بن منصورٍ وعبد الرزاق
والْبَيْهَقِي وأبو دَاوُد من طريق سعيد بن المسيب عن النَّبِيِّ قال: ((يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ
الْحَيَّةَ وَالذِّتْبَ)) ورجاله ثقاتٌ، وأخرج أحمد من طريق حجاج بن أرطاة عن وبرة
عن ابن عمر قال: أمرَ رسولُ اللهِ وَلّهبقتلِ الذئب للمحرم. وحجاج ضعيف وخالفه
مسعر عن وبرة فرواه موقوفًا، أخرجه ابن أبي شيبة، فهذا جميع ما وقفت عليه في
الأحاديث المرفوعة زيادة على الخمس المشهورة ولا يخلو شيء من ذلك من
مقال، انتهى.
٥٠٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْخُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال بعضُ الحنفية: مرسل سعيد بن المسيب يكفي للاحتجاج فإن مراسليه
مقبولة، قال: فهذا المرسل في قوة المسند عندنا، وقد تأيد بحديث الحجاج بن
أرطاة، وبما أخرجه الطحاوي بإسناده عن أبي هريرة عن النَّبِي وَله بلفظ: ((وَالْحَيَّة
وَالذَّئِبِ وَالْكَلْبِ الْعَقُور))، قال الشيخ عابد السندي في ((شرح مسند أبي حنيفة)):
فإلحاق الذئب بالخمس إنما هو إلحاق بالنص كإلحاق الحية، نعم من لا معرفة له
بالأدلةِ من الحنفية ألحقه من حيث المعنى، والجامع الابتداء بالأذى، انتهى.
(الْفَأْرَةُ) بهمزة ساكنة، ويجوزُ فيها التسهيل أي: تخفيفها ألفًا وجمعها: فأر،
قال القاري: الفأرة بالهمزة ويبدل أي: الوحشية والأهلية، انتهى. وبالأمر بقتلها
قال الجمهور من السلف والخلف إلا إبراهيم النخعي فإنه منع المحرم من قتلها،
حكاه عنه الساجي وابنُ المنذر وغَيْرهما، وزاد الساجي: وأراه قال: فإن قتلها ففيها
فِدية. قال ابنُ المنذر: وهذا لا معنى له؛ لأنه خلاف السنة وقول أهل العلم. وقال
الخطابي: هَذَا مخالف للنص خارج عن أقاويل أهل العلمِ، وعند المالكية خلاف
في قتلٍ ما انتهى صغرُهُ منها إلى حدٍّ لا يمكنُ منه الأذى، وليس هَذَا الخلاف عند
غيرهم، كذا في ((شرح التقريب))، وقال الحافظ: لم يختلف العُلَمَاء في جواز قتل
الفأرة للمحرم إلا ما حكي عن إبراهيم النخعي فإنه قالَ: فيها جزاء إذا قتلها
المحرم، أخرجه ابنُ المنذر وقال: هَذَا خلافُ السنةِ وخلافُ قولِ جميع أهل
العلم. وروى البيهقي بإسناد صحيح عن حماد بن زيد قال: لما ذكروا له هَذَا القول
ما كان بالكوفة أفحش ردًّا للآثار من إبراهيم النخعي لقلة ما سمع منها ولا أحسن
اتباعًا لها من الشعبي لكثرة ما سمع ونقلَ ابنُ شاس عن المالكيةِ خلافًا في جوازٍ
قتل الصغير منها الَّذِي لا يتمكّن من الأذى، والفار أنواع، منها الجُرَذ، بالجيمِ
بوزن عمر، والخُلْد بضمِّ المعجمة وسكون اللام، وفأرة الإبل، وفارة المسك،
وفأرة الغيط وحكمها في تحريم الأكل وجواز القتل سواء، وقد أطلق الفويسقة
عليها في حَدِيث جَابِرٍ عند البُخَارِي في الأدبِ، وذكر سبب تسميتها بذلك في
حديث أبي سعيد عند ابن ماجه، قيل له: لم قيل للفأرة الفويسقة؟ فقال: لأنَّ
النبيَّ ◌َّة استيقظ وقد أخذت الفتيلة لتحرق بها البيت، وقيل: إنما سميت بذلك؛
لأنَّهَا قطعت حبال سفينة نوح .
(وَالْغُرَابُ) أي: الأبقع كما في الرواية الآتية، قال الحافظ: زاد في رواية سعيد
٥٠٥
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْمُحْرِمُ يَجْتَنِبُ الصَّيْد
ابن المسيب عن عائشة عند مسلم ((الأبقع)) وهو الَّذِي في ظهرِهِ أو بطنه بياض.
وأخذ بهذا القيد بعض أصحاب الحديث كما حكاه ابن المنذر وغيره، وقد اختاره
ابنُ خزيمة وهو قضية حمل المطلق على المقيد، قال ابنُ قدامة: يلتحقُ بالأبقع ما
شاركه في الإيذاء وتحريم الأكل، وقد اتفق العُلَمَاء على إخراج الغراب الصغير
الَّذِي يأكل الحب من ذلك، ويقال له: غراب الزرع، ويقال له: الزاغ. وأفتوا
بجواز أكله فبقي ما عداه من الغربان ملتحقًّا بالأبقع. ومنها: الغداف على الصحيح
في ((الروضة)) بخلافٍ تصحيح الرافعي، وسمى ابنُ قدامة الغداف: غراب البين.
والمعروف عند أهل اللغة: أنه الأبقع، قيل: سمي غراب البين؛ لأنَّهُ بان عن نوح
لما أرسله من السفينة ليكشف خبر الأرض، فلقي جيفة فوقع عليها ولم يرجع إلى
نوح، وكان أهل الجاهلية يتشاء مون به فكانوا إذا نعب مرتين قالوا: آذن بشر، وإذا
نعبَ ثلاثًا قالوا: آذن بخيرٍ فأبطل الإسلام ذلك.
وقال صاحب ((الهداية)): المرادُ بالغرابِ في الحديث الغداف والأبقع؛ لأنهما
يأكلان الجيف، وأما غراب الزرع فلا، وكذا استثناءه ابنُ قدامة، وما أظنُّ فيه
خلافًا، وعليه يحمل ما جاء في حديث أبي سعيد إن صح حيث قال فيه: ((ويرمي
الغراب ولا يقتله))، وروى ابن المنذر وغيره عن علي ومجاهد، وعند المالكية
اختلاف آخر في الغراب والحدأة هل يتقيد جواز قتلهما بأن يبتدءا بالأذى؟ وهل
يختصُّ ذلك بكبارها؟ والمشهور عنهم كما قال ابن شاس: لا فرق وفاقًا للجمهور،
ومن أنواع الغربان: الأعصم وهو الَّذِي في رجليه أو في جناحيه أو بطنه بياض أو
حمرة، وحكمه حكم الأبقع، ومنها: العقعقُ وهو قدر الحمامة على شكلٍ
الغرابِ، قيل: سمي بذلك؛ لأنَّهُ يعقُّ فراخه فيتركها بلا طعم، والعرب تتشاءم به
أيضًا، وحكمه حكم الأبقع على الصحيح، وقيل: حكم غراب الزرع. وقال
أحمد: إن أكل الجيف وإلا فلا بأس به، انتهى كَلَام الحَافِظ باختصارٍ .
وقال الولي العراقي: إنَّ مذاهب الأئمة الأربعة متفقة على أنه يستثنى من الأمر
بقتلِ الغراب غراب الزرع خاصة، فإمّا أن يكونوا اعتمدوا التقييد الَّذِي في حديثٍ
عائشة بالأبقع، وألحقوا به ما في معناه في الأذى وأكل الجيف وهو الغداف، وإما
أن يكونوا أخذوا بالروايات المطلقة وجعلوا التقييد بالأبقع لغلبته لا لاختصاص
الحكم به، وأخرجوا عن ذلك غراب الزرع وهو الزاغ لحلّ أكله، فهو مستثنى
٥٠٦
se *** * cese
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بدليل منفصل.
(وَالْحِدَأَةُ) بكسر الحاء وفتح الدال المهملتين وبعد الدال همزة بغير مدٍّ، وحكى
صاحب ((المحكم)) المد فيه ندورًا بزيادة الهاء فيه للوحدة، وليست للتأنيث، بل
هي كالهاء في التمرةٍ، وحكى الأزهري فيها حدوة بواو بدل الهمزة، وجمع الحدأة.
حدأ بكسر الحاء والقصر والهمز كعنبة وعنب، ووقع في حديث عائشة الآتي
بلفظ. ((الْحُدَيَّا)) بضمِّ الحاءِ وفتح الدال وتشديد التحتانية مقصور تصغير الحدأةِ،
وقال القاري: (الحُدَيًّا) تصغير حدٍّ، لغة في الحدا أو تصغير حدأة، قُلِبت الهمزةُ
بعد ياءِ التصغير ياء، وأدغم ياء التصغير فيه فصار حدية، ثم حذفت التاء وعوض
عنها الألف لدلالته على التأنيث أيضًا. وقال الحافظ: قال قاسم بن ثابت: الوجه
فيه الهمزة، وكأنه سهل ثم أَدْغِم، وقيل: هي لغة حجازية وغَيْرهم يقولون حدية،
ومن خواص الحدأة أنها تقف في الطيران، ويقال: إنها لا تخطف إلا من يمينٍ من
تختطف منه دون شماله .
(وَالْعَقْرَبُ) يطلقُ على الذكر والأنثى سواء وجمعه العقارب، وقد يقال للأنثى:
عقربة وعقرباء ممدود غير مصروف، وليس منها العقربان بل هي دويبة طويلة كثيرة
القوائم، قاله صاحب ((المحكم))، ويقال: إن عينها في ظهرها، وأنها لا تضر ميتًا
ولا نائمًا حتى يتحرك، ويقال: لدغته العقرب بالغين المعجمة ولسعته بالمهملتين،
وقد تقدم اختلاف الرواة في ذكر الحية بدلها ومن جمعهما.
قال الحافظ: والذي يظهر لي أنه وَلّ نبَّه بإحداهما على الأخرى عند الاقتصار،
وبين حكمهما معًا حيث جمع. قال ابنُ المنذرٍ: لا نعلمهم اختلفوا في جوازٍ قتل
العقرب. وقال نافع: لما قيل له: فالحية؟ قال: لا يختلف فيها، وفي رواية: ومن
يشك فيها. وتعقّبه ابنُ عبدِ البر بما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق شعبة أنه سألَ
الحكم بن عتيبة وحماد بن أبي سليمان فقالا: لا يقتلُ المحرمُ الحيَّةَ ولا العقربَ،
وقال: ومن حجتهما أن هذين من هوام الأرض، فليزم من أباحَ قتلهما مثل ذلك في
سائر الهوام. قال: وهذا اعتلالٌ لا معنى له؛ لأنَّ رسولَ الله وَ ل قد أباح للمحرم
قتلهما، نعم عند المالكية خلاف في قتل صغير الحية والعقرب التي لا تتمكّن من
الأذى.
كِتَابُ المُنَاسِكِ
بَابُ المُحْرِمُ يَجْتَنِبُ الصَّيْد
٥٠٧
(وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ) قال الحافظ: الكلب معروف والأنثى كلبة. واختلف العُلَمَاء
في المراد بها ها هنا، وهل لوصفهِ بكونِهِ عقورًا مفهوم أو لا؟ فروى سعيد بن
منصور بإسنادٍ حسنٍ عن أبي هريرة قال: الكلب العقور الأسد، وعن سفيان عن زيد
ابن أسلم أنهم سألوه عن الكلب العقور فقال: وأي كلب أعقر من الحية؟ وقال
زفر: المرادُ بالعقور هنا الذئب خاصة. وقال مالك في ((الموطأ)»: كل ما عَقر الناس
وعدا عليهم وأخافهم مثل الأسد والنمر والفهد والذئب هو العقور، وكذا نقل أبو
عبيدٍ عن سفيان وهو قول الجمهور، وقال أبو حنيفة: المراد بالكلبِ هنا الكلب
المتعارف خاصة ولا يلتحق به في هَذَا الحكم سوى الذئب.
واحتجَّ للجمهور بقوله بَّه: ((اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلَابِكَ)) فقتلَهُ الأسدُ.
وهو حديث حسن أخرجه الحاكم، انتهى. قال الشوكاني بعد ذكره: غاية ما في
ذلك جواز الإطلاقِ لا أن اسم الكلب هنا متناول لكلِّ ما يجوز إطلاقه عليه وهو
محل النزاع، فإن قيل: اللامُ في الكلبِ تفيد العموم. قلنا بعد تسليم ذَلِك: لا يتمُّم
إلا إذا كان إطلاق الكلب على كل واحد منها حقيقة وهو ممنوع، والسند أنه لا
يتبادر عند إطلاق لفظ الكلب إلا الحيوان المعروف، والتبادر علامة الحقيقة
وعدمه علامة المجاز، والجمع بين الحقيقة والمجاز لا يجوز، نعم إلحاق ما عقر
من السباع بالكلب العقور بجامع العقر صحيح، وأما أنه داخل تحت لفظ الكلب
فلا، انتهى.
وقال النووي: اتفقَ العلماءُ على جوازٍ قتل الكلب العقور للمحرم والحلال في
الحلِّ والحرم، واختلفوا في المراد بهِ، فقيل: هَذَا الكلبُ المعروفُ خاصة، حكاه
القاضي عن الأوزاعي وأبي حنيفة والحسن بن صالح وألحقوا به الذئب. وحمل
زفر الكلب على الذئب وحده، وقال الجمهورُ: ليسَ المراد تخصيص هَذَا الكلب
بل المراد كل عاد مفترس كالسبع والنمر، وهذا قول الثوري والشافعي وأحمد
وغَيْرهم، ومعنى العاقر الجارح، انتهى.
قال الحافظ: واختلف العلماءُ في غيرِ العقورِ مما لم يؤمر باقتنائهِ فصرَّح بتحريم
قتله القاضيان: حسين والماوردي وغَيْرهما، ووقع في ((الأمِّ)) للشافعي الجواز،
واختلفَ كلامُ النوويِّ فقال في البيع من ((شرح المهذب)): لا خلافَ بين أصحابنا
٥٠٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
i*2
في أنه محترم لا يجوز قتله، وقال في التيمُّم والغصبِ: إنه غير محترم، وقال في
الحج: يكره قتله كراهة تنزيه، وهذا اختلاف شديد وعلى كراهة قتله اقتصر
الرافعي وتبعه في ((الروضة)) وزاد أنها كراهة تنزيه، وقال الولي العراقي: سواء
حمل الكلب على مدلوله المعروف أو على كل سبع مفترس فتقييده بالعقور يخرج
غيره ويقتضي أنَّ غير العقور من الكلاب محترم لا يجوز قتله، وبه صرَّح الرافعي
في كتاب الأَطْعِمَة والنووي في البيع في ((شرح المهذب))، وزاد أنه لا خلاف فيه
بين أصحابنا، وقال الرافعي في الحج: إن قتله مكروه، وقال النووي: هناك مراده
كراهة تنزيه، وذكر الرافعي في الغصب أنه غير محترم، وكذا ذكر النووي في
التيمم، وهذه مواضع مختلفة. وقال شيخُنا الأسنوي في ((المهماتِ)): جزم
بالتحريم القاضي الحسين والمارودي وإمام الحرمين، ومذهب الشافعي جواز
قتله، صرح به في ((الأم)) في باب الخلاف في ثمن الكلب، انتهى.
ومن يقولُ بجواز قتل غير العقور يجيب عن هَذَا التقييد بأنه للاستحباب وغير
العقور يجوز قتله ولا يستحب، والله أعلم، ثم إنه قال الحافظ: وذهب الجمهور
كما تقدم إلى إلحاق غير الخمس بها في هَذَا الحكم إلا أنهم اختلفوا في المعنى في
ذلك، فقيل: لكونها مؤذية فيجوز قتل كل مُؤْذٍ، وهذا قضية مذهب مالك. وقيل:
لكونها مما لا يؤكل، فعلى هَذَا كل ما يجوز قتله لا فدية على المحرم فيه، وهذا
قضية مذهب الشافعي، وقد قسم هو وأصحابه الحيوان بالنسبة للمحرم إلى ثلاثة
أقسام: قسم: يستحبُّ كالخمس، وما في معناه مما يؤذي، وقسم: يجوز كسائر ما
لا يؤكل لحمه، وهو قسمان: ما يحصلُ منه نفع وضرر فيباح لما فيه من منفعة
الاصطياد، ولا يكره لما فيه من العدوانٍ، وقسم: ليس فيه نفع ولا ضرر، فيكره
قتله ولا يحرم، والقسم الثالث: ما أبيحَ أكلُّهُ أو نهي عن قتلهِ، ولا يجوز ففيه
الجزاء إذا قتله المحرم، وخالف الحنفيةُ فاقتصروا على الخمس إلا أنهم ألحقوا بها
الحية لثبوت الخبر والذئب لمشاركته للكلب في الكلبية، وألحقوا بذلك ما ابتدأ
بالعدوان والأذى من غيرها.
وتعقب: بظهورٍ المعنى في الخمسٍ وهو الأذى الطبيعي والعدوان المركب،
والمعنى إذا ظهر في المنصوص عليه تعدَّى الحكم إلى كلٍّ ما وجد فيه ذلك المعنى
كما وافقوا عليه في مسائل الربا، قال ابنُ دقيق العيد: والتعدية بمعنى الأذى إلى
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْمُحْرِمُ يَجْتَنِبُ الصَّيْد
٥٠٩
كل مؤذٍ قوي بالإضافة إلى تصرف أهل القياس، فإنه ظاهر من جهة الإيماء بالتعليل
بالفسق وهو الخروج عن الحدِّ، وأما التعليل بحُرمة الأكل ففيه إبطالٌ لما دلَّ عليه
إيماء النص من التعليل بالفسق؛ لأنَّ مقتضى العلة أن يتقيد الحكم بها وجودًا
وعدمًا، فإن لم يتقيد وثبت الحكم عند عدمها بطل تأثيرها بخصوصها، وهو خلاف
ما دلَّ عليه ظاهر النص من التعليل بها، انتهى.
وقال غيره: هو راجع إلى تفسيرِ الفسقِ، فمن فسَّره بأنه الخروج عن بقية
الحيوان بالأذى علل به، ومن قال بجواز القتل وتحريم الأكل علل به، وقال من
علل بالأذى أنواع الأذى مختلفة، وكأنه نبه بالعقرب على ما يشاركها في الأذى
باللسع ونحوه من ذوات السموم كالحية والزنبور والبرغوث، وبالفارة على ما
يشاركها في الأذى بالنقب والقرض كابن العرس، وبالغراب والحدأة على ما
يشاركهما بالاختطاف كالصقر والبازي، وبالكلب العقور على ما يشاركه في الأذى
بالعدوان والعقر والافتراس بطبعه كالأسد والنمر والفهد. وقال من علّل بتحريم
الأكل وجواز القتل: إنما اقتصر على الخمسِ لكثرة ملابستها للناس بحيث يعم
أذاها، والتخصيص لأجل الغلبة إذا وقع لم يكن له مفهوم على ما عرف في
الأصول. قلت: وفي مذهبِ الحنفية في السباعِ، وفي قتل غير العقورِ روايتان كما
يظهر من فروعهم من شاء الوقوف على ذلك رجع إلى ((الهداية)) و((الدر المختار))
و((شرح اللباب)) و((فتح القدير)) و((البدائع))، هذا وقد أطنبَ الولي العراقي على
عادتهِ في شرحٍ حَدِيث ابنٍ عُمَر وعائشة في ((طرح التثريب)) (ج٥: ص ٥٦ - ٧٢)
وأجمل المحب الطبري في القرى (ص ٢١٥، ٢١٦) فأحسن فراجعهما إن شئت.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البُخَارِي في الحجِّ وفي بدء الخلق ومسلم في الحجِّ،
وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد (ج٢: ص ٣، ٨، ٣٢، ٣٧، ٣٨، ٥٤، ٦٥، ٧٧، ٨٢،
١٣٨) ومالك وأبو دَاوُد والنَّسَائِي وَابْن ماجه وعبد الرزاق (ج٤: ص ٤٤٢)
والطحاوي والدارمي وَابْن الجارود (ص ١٥٥) والْبَيْهَقِي (ج٥: ص ٢٠٩، ٢١٠)
وغَيْرهم.
٥١٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٧٢٤ - [٤] وَعَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ نََّ قَالَ: ((خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ
فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْحَيَّةُ، وَالْغُرَابُ الْأَبْقَعُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ،
وَالْحُدَيَّا)).
[متفق عليه] {صحيح}
الشّرْجُ
٢٧٢٤ - قوله: (خَمْسٌ) بالتنوين مبتدأ، وقوله: (فَوَاسِقُ) صفته وهو غير
منصرف والخبر قوله: (يُقْتَلْنَ) قال الطيبي: وروي بلا تنوينٍ مضافًا إلى فَوَاسق،
قال التُّورْبَشْتِي: والصحيحُ هو الأول، ويدلَّ عليه رواية البُخَارِي في أحدٍ طرقِهِ:
((خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابٌ كُلَّهُنَّ فَاسِقٌ)) أي: كلُّ واحدٍ أو واحد منها فاسق، وهو جمع
فاسقة، وأراد بفسقهن خبثهن وكثرة الضرر فيهن، انتهى.
وقال النووي: هو بإضافة خمس لا بتنوينه، وجوز ابنُ دقيق العيد الوجهين
وأشار إلى ترجيح الثاني، فإنه قال: رواية الإضافة تشعر بالتخصيص فيخالفها
غيرها في الحكم من طريق المفهوم، ورواية التنوين تقتضي وصف الخمس بالفسق
من جهة المعنى، فيشعر بأن الحكم المرتب على ذلك وهو القتل معلل بما جعل
وصفًا، وهو الفسق فيدخل فيه كل فاسق من الدواب، ويؤيده رواية البُخَارِي من
طريق يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة بلفظ: ((خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ
فَاسِقٌ)) وفي رواية لمسلم: ((كُلَّهَا فَوَاسِقُ)) قال الحافظ: قال النووي وغيره: تسمية
هذه الخمس فواسق تسمية صحيحة جارية على وفق اللغةِ، فإن أصل الفسق لغة
الخروج، ومنه فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرها، وقوله تعالى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ
رَيِّهٌِّ﴾ [سورة الكهف: ٤٨] أي: خرج، وسمي الرجل فاسقًا لخروجه عن طاعة ربه فهو
خروج مخصوص، وزعم ابنُ الأعرابي أنه لا يعرف في كلام الجاهلية ولا شعرهم
فاسق، يعني: بالمعنى الشرعي، وأما المعنى في وصف الدواب المذكورة
بالفسق، فقيل: لخروجها عن حكمٍ غيرها من الحيوانِ في تحريم قتله، وقيل: في
(٢٧٢٤) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٨٢٩)، ومُسْلِم (٦٧ / ١١٩٨) فِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا،
والتِّرْمِذي (٨٣٧)، والنَّسَائِي (٢٠٩/٥).
٥١١
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْمُحْرِمُ يَجْتَنِبُ الصَّيْد
حل أكله؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ فِسْقَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِّ﴾ [الأنعام: الآية ١٤٦] وقوله: ﴿وَلَا
تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ الَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: الآية ١٢١] وقيل: لخروجها عن حكم
غيرها بالإيذاء والإفساد وعدم الانتفاع، ومن ثَم اختلف أهل الفتوى، فمن قال
بالأول ألحق بالخمس كل ما جاز قتله للحلال في الحرم وفي الحلِّ، ومن قالَ
بالثاني ألحق ما لا يؤكل إلا ما نهي عن قتله، وهذا قد يجامع الأول، ومن قال
بالثالث يخص الإلحاق بما يحصل منه الإفساد، ووقع في حديث أبي سعيد عند ابن
ماجه: قيلَ له: لم قيل للفارة: فويسقة؟ فقال: لأنَّ النبيَّ وَّ استيقظَ، وقد أخذت
الفتيلة لتحرق بها البيت. فهذا يؤمئ إلى أنَّ سبب تسمية الخمس بذلك لكون فعلها
يشبه فعل الفساق وهو يرجح القول الأخير، والله أعلم.
(فِي الْحِلِّ وَالْحَرَم) أي: حلالًا كان أو محرمًا. (الْحَيَّةُ) بأنواعها وفي معناها
العقرب، (وَالْغُرَابُ الْأَبْقَعُ) أي: الَّذِي فيه سواد وبياض. (وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ) قال
الحافظ: في الكلب بهيمية وسبعية كأنه مركب، وفيه منافع للحراسة والصيد،
وفيه من اقتفاء الأثرِ وشمِّ الرائحة والحراسة وخفة النوم والتودد وقبول التعليم ما
ليس لغيره وقيل: إن أولٌّ من اتخذه للحراسة نوح ◌ِالَّ. (وَالْحُدَيَّا) بصيغة
التصغيرِ. قال التُّورْبَشْتِي: إنما خصَّ هذه الخمس من الدواب المؤذية والضارية
وذوات السموم لما أطلعه اللهُ تعالى عليه من مفاسدها، أو لأنها أقرب ضررًا إلى
الإنسان وأسرع في الفسادٍ، وذلك بغيرِ تمكّن الإنسان من دفعها والاحتراز عنها،
فإن منها ما يطير فلا يدرك ومنها ما يختبئ في نفق من الأرض كالمنتهز الفرصة،
فإذا أمكن من الضرر يبادر إليه، وإذا أحس بطلب استكن، ومنها: ما لا يمتنع
بالكف والزجر بل يصول صولة العدو المباسل، وقد يصيب المعرض عنه
بالمكروه كما يصيب المتعرض له، ثم إنه يتمكن من الهجوم على الإنسان
لمخالطته بهم ولا كذلك السباع العادية فإنها متنفرة عن العمرانات في أماكنها
يتخذ الإنسان منها حذره، انتهى.
واستدل بالحديث: على جوازٍ قتل من لجأ إلى الحرم ممن وجب عليه القتل؛
لأن إباحة قتل هذه الأشياء معلل بالفسق، والقاتل فاسق فيقتل، بل هو أولى؛ لأن
فسق المذكورات طبيعي والمكلف إذا ارتكب الفسق هاتك لحرمة نفسه، فهو أولى
بإقامة مقتضى الفسق عليه. وأشار ابن دقيق العيد إلى أنه بحث قابل للنزاع،
٥١٢
*
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وسيأتي بسط القول في باب حرم مكة إن شاء الله.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاريُّ في الحجِّ وفي بدء الخلق، ومُسْلِم فِي الحج،
وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد مرارًا والنَّسَائِي والترمذي وابن ماجه والدرامي وعبد الرزاق
(ج٤: ص ٤٢٢) والْبَيْهَقِي (ج٥: ص ٢٠٩).
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْمُحْرِمُ يَجْتَنِبُ الصَّيْد
٥١٣
الفصل الثاني
٢٧٢٥ - [٥] عَنْ جَابِرِ رَو ◌ْتَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَ قَالَ: (لَحْمُ الصَّيْدِ
لَكُمْ فِي الإِحْرَامِ حَلَالٌ، مَا لَمَّ تَصِيدُوهُ، أَوْ يُصَادَ لَكُمْ)).
[ْرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْتِرْمِذِّيُّ وَالْنَّسَائِيُّ]
الشّرُ
٢٧٢٥ - قوله: (لَحْمُ الصَّيْدِ لَكُمْ فِي الإِحْرَام حَلَالٌ) يعني: لحم صيد ذبحه
حلال من غير دلالة المحرم وإعانته وإشارته وأمَره حلال لكم، وقوله: ((لَحْمُ
الصَّيْدِ لَكُمْ فِي الإِحْرَام حَلَالٌ» كذا في جميع نسخ ((المشكاة)) و ((المصابيح)»،
وهكذا رواه الشافعي في ((الأم)) (ج٢: ص ١٧٦) ولفظ أبي داود والنَّسَائِي وَابْن
حِبَّان كما في ((الموارد)) (ص٢٤٣) والْبَيْهَقِي (ج٥: ص ١٩٠) ((صَيْدُ الْبَرِّ - أي:
مصيده - لَكُمْ حَلَالٌ)) وزاد أحمد (ج ٣: ص ٣٦٢) وعبد الرزاق (ج ٤: ص ٤٣٤)
والترمذي والدار قطني (ص٢٨٥) ((وَأَنْتُمْ حُرُمٌ)). بضمتين جمع حرام، بمعنى
المحرم كردح جمع رداح، ويقال: رجل حرام، وامرأة حرام. وفي رواية الحاكم
(ج ١: ص ٣٥٢) وَابْن الجارود (ص١٥٤): ((لَحْمُ صَيْدِ الْبَرِّ لَكُمْ حَلاَلٌ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ))
وكذا وقع في رواية للبيهقي (ج٥: ص ١٩٠).
(مَا لَمْ تَصِيدُوهُ) أي: بأنفسكم مباشرة. (أَوْ يُصَادَ لَكُمْ) أي: لأجلكم، وقوله:
(يُصَادَ)) كذا بالألف عند أبي داود والنَّسَائِي والدار قطني وَابْن حِبَّان والْبَيْهَقِي
والطحاوي، ووقع عند أحمد (ج٣: ص ٣٦٢) والترمذي وابن الجارود والشافعي
((أَوْ يُصَدْ لَكُمْ)) أي: مجزومًا بدون الألف، وهكذا وقع في رواية للحاكم كما قال
الحافظ في ((التلخيص)) (ص٢٢٥) وهكذا وقع عند أحمد (ج٣: ص ٣٨٧) ويؤيد
ذلك ما وقع عنده أيضًا (ج٣: ص ٣٨٩) بلفظ: ((لَحْمُ الصَّيْدِ حَلَالٌ لِلْمُحْرِمِ مَا لَمْ
يَصِدْهُ أَوْ يُصَدْ لَهُ)) ورواه عبدالرزاق بلفظ: ((إِلَّا مَا اصْطَدْتُمْ أَوْ اصْطِيدَ لَكُمْ)) وَرواية
(٢٧٢٥) أَبُو دَاوُد (١٨٥١)، والتِّرْمِذِي (٨٤٦)، والنَّسَائِي (١٨٧/٥) عَنْ جَابِرٍ .
٥١٤
*Bese
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الجزم أي: بدون الألف ظاهرة لا إشكال فيها، فإنها جاريةٌ على قوانين العربية؛
لأن قوله: ((أَوْ يُصَدْ)) معطوف على المجزوم، وأما رواية الألف، فقيل: هي جارية
على لغةٍ منها قول الشاعر:
أَلَمْ يأتيك والأَخْبَار تنمى
ومنها قوله تعالى: ﴿مَنْ يَتَّقِي وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف: الآية ٩٠] بإثبات الياء ولا يخفى ما
فيه. وقال السندي: الوجهُ نصب (يُصَاد)) على أن ((أو)) بمعنى ((إلَّا أَنْ)) فلا إشكال.
انتهى. وقال القاري: قال بعض علمائنا: بالنصبِ بإضمار ((أن)) و((أو)) بمعنى (إلا))
يعني لحم صيد ذبحه حلال من غير دلالة المحرم وإعانته حلال لكم، إلا أن يصادَ
لأجلِكُم، وبهذا يستدلَّ مالك والشافعي على حُرمة لحم ما صاده الحلال لأجل
المحرم .
قلتُ: ما ذهبَ مالك والشافعي هو مذهب جمهور العلماء، كما قدمنا في أول
البابٍ، واحتج لهم بحديث جابر: ((فما صاده الحلال لأجل المحرم؛ حرم على
المحرم، وما لم يصده لأجله؛ حل له))، وقد صحَّ هَذَا التفصيل عن عثمان بن
عفان، وأراد هؤلاء بهذا التفصيل الجمع بين الأحاديث المطلقة في التحريم أو
الجواز؛ لأن كلها صحيح لا يمكن رده، وبالجمع المذكور تجتمع الأدلة وإعمالها
أحسن من إهمال بعضها مع صحتها وهو جمع مستقيم ليس فيه تكلف أو تعسف.
قال الشنقيطي: أظهرُ الأقوالِ وأظهرها دليلًا هو القول المفصل بين ما صيد
لأجل المحرم، فلا يحل له وبين ما صاده الحلال لا لأجل المحرم، فإنه يحلُّ له،
والدليل على هَذَا أمران: الأول: أن الجمع بين الأدلة واجب متى ما أمكن؛ لأن
إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما ولا طريق للجمع إلا هَذَه الطريق ومن عدل
عنها لا بد أن يلغي نصوصًا صريحة. الثاني: حَدِيث جَابِرِ الَّذِي نحنُ في شرحِهِ.
قلت: وهو صريح في الفرق والجمع المذكور، وظاهر في الدلالة لمذهب
الجمهور. قال الشوكاني: هَذَا الحديث صريح في التفرقة بين أن يصيده المحرم أو
يصيده غيره له، وبين أن لا يصيده المحرم ولا يصاد له، بل يصيده الحلال لنفسه
ويطعمه المحرم ومقيد لبقية الأحاديث المطلقة كحديث الصعب وطلحة وأبي
قتادة، ومخصص لعموم الآية المتقدمة. يعني: أنه يحملُ ما جاءَ مطلقًا في بعضٍ
٥١٥
كِتَابُ المُنَاسِكِ
EXXX
بَابُ الْمُحْرِمُ يَجْتَنِبُ الصَّيْد
طرق حديث أبي قتادة ونحوه على أنه لم يقصدهم باصطيادِهِ، وَّ ويحملُ حديث
الصعب وما وافقه على أنه قصدهم باصطياده؛ لأنَّهُ كان عالمًا بأنه يمرُّ به فصاده
لأجلهِ، وتحمل الآية الكريمة على الاصطيادٍ وعلى لحمٍ ما صيد للمحرم للأحاديث
المبينة للمراد من الآية، ويؤيد ذلك حديث أبي قتادة عند أحمد وَابْن ماجه
وعبد الرزاق والدارقطني والْبَيْهَقِي وَابْن خزيمة وفيه: وذكرتُ أني لم أكن
أحرمت، وإني إنما اصطدته لك، فأمر النبيُّ وَّةِ أصحابَهُ، فأكلوا ولم يأكل منه
حين أخبرته أني اصطدته له. وقد تقدم الكلام عليه.
هذا؛ وأجابَ الحنفيةُ عن حَدِيث جَابِرِ بثلاثة أوجهٍ: أحدها: تأويله بحيث لا
يخالف مذهبهم بل يوافقه. والثاني: الكلام في سنده وإعلاله. والثالث: ترجيح
حديث أبي قتادة وتقديمه على حديث جابر. أما التأويل فبوجوه وكلها مخدوشة
باطلة، لا يخفى بطلانها على المنصف، فمنها: ما قال صاحبُ ((الهداية))
والطحاوي: أنَّ معناه أن يصادَ لكم بأمركم، وهذا؛ لأنَّ الغالب في عمل الإنسان
لغيره أنْ يَكُون بطلب منه. ومنها: ما قاله صاحب ((الهداية)) أيضًا أن اللام في أو
يصاد لكم للملك، والمعنى: أن يصاد ويجعل له فيكون تمليك عين الصيد من
المحرم، وهو ممتنع أن يتملكه فيأكل من لحمِهِ. وقال القاري: وأبو حنيفة رَّتْهُ
يحمله على أن يهدى إليكم الصيد دون اللحم. انتهى.
ويبطل هَذَا التأويل رواية الحديث بلفظ: (لَحْمُ الصَّيْدِ لَكُمْ حَلَالٌ ... )) إلخ.
ومنها ما قيل: ((إنَّ لَكُمْ)) بمعنى: إعانتكم، أو إشارتكم، قال البنوري بعد ذكره:
هَذَا تأويل محض لا يطمئن بمثله القلب. قلتُ: وهو نحو ما تقدم من تأويل
صاحب ((الهداية)) والطحاوي. ومنها: ما قيل: إن اللام ليس في معنى ((لأجلكم))،
بل هي للتوكيل كما في قَوْلِه: بعت له ثوبًا، واشتريت له لحمًا، وإذا احتمل كلا
الوجهين لم يبق حجة في الحمل على الوجه الأول، وفيه: أن الوجه الأول هو
المتعين، أعني: أن اللام في (لَكُمْ) بمعنى لأجلكم لا للتوكيل، يدل عليه رواية أبي
قتادة عند أحمد وابن ماجه وغَيْرِهما بلفظ: ((ولمْ يأكلْ منْهُ حينَ أخبرتُهُ أَني اصطدتُهُ
لَهُ)). ويدل عليه أيضًا قول عثمان رَوثَّهُ حين أبى من أكل لحم الصَّيْد: ((إِنِّي ◌َسْتُ
كَهَيْئَتِكُمْ، إنَّما صِيدٍ لِأَجْلي» .
٥١٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ومنها: ما قَالَ بَعْضُهُم: إن غرض الحديث كما قاله الجمهور، ولكن ليس
الغرض المنع والحرمة، وإنما الغرض الكراهة فقط، والنهي من قبيل سدٍّ
الذرائع، كما أنَّهُ - عليه الصلاة والسلام - أخذ صيد أبي قتادة؛ بيانًا للجواز، ولم
يأخذ صيد صعب بن جثامة لسدِّ الزرائع، وفيه: أن حمله على الكراهةٍ فقط بعيد
جدًّا؛ لأنَّهُ خلاف الظاهر ويبطله أيضًا رواية أبي قتادة عند أحمد وابن ماجه والحكم
عليها بالوهم من غير دليل ليس مما يلتفت إليه.
وأما الجواب عن حَدِيث جَابِرٍ بالكلام في سِنده: فهو أنَّ في إسناد هَذَا الحديث
عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب عن مولاه المطلب عن
جابر بن عبد الله، وعمرو مختلف فيه. فقال الدوري عن ابنٍ معينٍ: في حديثه
ضعف، ليسَ بالقوى. وقال ابن أبي خثيمة عن ابن معين: ضعيف. وقال النسائي:
ليس بالقوي وقد اضطرب هو في هَذَا الحديث، فقال أكثر أصحابه عنه عن المطلب
ابن عبد اللَّه عن جابر بن عبد الله، وقال الدراوردي عنه عن رجل من بني سلمة عن
جابرٍ، وهو عندَ الشافعي والدار قطنِ والْبَيْهَقِي والْحَاكِم، وقال يوسف بن خالد
السمتي عنه: عن المطلب بن عبد الله عن أبي موسى الأشعري، وهو عند الطَّبَرَاني
في ((الكبير)) وَابْن عدي في ((الكامل))، ووافقه إبراهيم بن سويد عن عمرو عند
الطحاوي، والمطلب بن عبد الله. قال فيه ابن سعدٍ: ليس يحتجُّ بحديثه؛ لأنَّهُ
يرسل كثيرًا وليس له لقي وعامة أصحابه يدلِّسُون. وقال الحافظ في ((التقريب)):
المطلب بن عبد الله بن المطلب بن حنطب، صَدُوق كثير التدليس والإرسال. وقال
الترمذي: لا يعرف له سماع عن جابر. وقال في موضوع آخر: قال محمد - يعني :
البُخَارِي: لا أعرفُ له سماعًا من أحدٍ من الصَّحَابَة إلا قوله: ((حدثني مَنْ شَهِد
خطبةَ رسولِ الله ◌ِّ)، وقال ابن أبي الحاتم في ((المراسيل)) عن أبيه: لم يسمع من
جابٍ، وعلى هَذَا فالحديثُ مُرسل. قال ابن التركماني: هَذَا الحديث معلول،
عمرو بن أبي عمرو مع اضطرابه في هَذَا الحديث متكلّم فيه. قال ابن معين وأبو
داود: ليس بالقوي. زاد يحيى: وكان مالك يستضعفه. وقال السعدي: مضطرب
الحديث، والمطلب قال فيه ابن سعدٍ: ليس يحتجُّ بحديثه؛ لأنَّهُ يرسل عن النبيِّ وَله
كثيرًا، وعامة أصحابه يدلسون، ثم الحديث مرسل أي: منقطع. قال الترمذي:
المطلب لا يعرف له سماع من جابرٍ، فظهر بهذا أن الحديث فيه أربع علل:
٥١٧
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ المُحْرِمُ يَجْتَنِبُ الصَّيْد
إحداها: الكلام في المطلب. ثانيتها: أنه ولو كان ثقة، فلا سماع له من جابر،
فالحديثُ مرسل، ثالثتها: الكلام في عمرو، ورابعتها: أنه ولو كان ثقة، فقد
اختلف عليه فيه، كما مر، وقد أخرجَهُ الطحاوي من وجهٍ آخر عن المطلب عن أبي
موسى. وقال ابن حزم في ((المحلى)): هو خبر ساقط. انتهى.
وأجيب: أن هَذَا كله ليس فيه ما يقتضي ضعف هَذَا الحديث ورده؛ لأنَّ عمرو
المذکور ثقة، وهو من رجال البخاري ومسلم، وممن روی عنه مالك بن أنس،
وكلُّ ذلك يدلُّ على أنه ثِقة. وقال الحافظُ في ((التقريبٍ)): ثقة ربما وهم. وقال فيه
النووي في ((شرح المهذب)): أما تضعيف عمرو بن أبي عمرو؛ فغير ثابتٍ؛ لأنَّ
البُخَارِي ومسلمًا رويا له في ((صحيحيهما)) واحتجا به وهما القدوة في هَذَا البابِ،
وقد احتج به مالك وروى عنه وهو القدوة، وقد عرف من عادته أن لا يروي في
كتابه إلا عن ثقةٍ. وقال أحمد بن حنبل فيه: ليس به بأس. وقال أبو زرعة: هو ثقة.
وقال أبو حاتم: لا بأس به. وقال ابن عدي: لا بأس به؛ لأنَّ مالكًا روى عنه ولا
يروي مالك إلا عن صَدُوق ثقة.
قلت: وقد عرف أن الجرح لا يقبل ولا يثبت إلا مفسَّرًا، ولم يفسِّرْه ابنُ معين
والنَّسَائِي بما يثبت تضعيف عمرو المذكور. وقال الشيخ ولي الدين: قد تبع
النسائي على هَذَا ابن حزم وسبقهما إلى تضعيفه يحيى بن معين وغيره، لكن وثَّقُه
أحمد وأبو زرعة وأبو حاتم وَابْن عدي وغَيْرهم، وأخرجَ له الشيخان في
((صحيحيهما)) وكفى بهما، فوجب قبول خبره، وقد سكت عنه أبُو دَاوُد على خبره،
فهو عنده حسن أو صحيح؛ كذا ذكر السندي.
قلت: وصحَّحه الحاكم وقال: إنه على شرطِ الشيخين، وقرَّره الذهبي، وقال
الشافعي: هَذَا أحسن حديث روي في هَذَا الباب وأقيس، وأما إعلال الحديث بأن
عَمْرًا اضطرب في هَذَا الحديث وأنه اختلف عليه فيه فالجواب: أن الاضطراب
والاختلاف إنما يضر إذا تساوت الطرق ولم يترجح واحد منها بوجه من وجوه
الترجيح، كما تقرَّر في موضعهِ، وأما إذا ترجح واحد منها فيقدم هو على غيره،
فإنه لا يعل الراجح بالمرجوح، وها هنا رواية من روى عن عمرو عن المطلب عن
جابرٍ أرجح من رواية من روى عن عمرو عن رجل عن جابر؛ لكثرة من روى بعدم
٥١٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ذكر الواسطة؛ ولذا قال الحاكم بعد روايته من طريق يعقوب بن عبد الرحمن
ويحيى بن عبد الله بن سالم عن عمرو عن المطلب عن جابر: وهكذا رواه مالك بن
أنس وسليمان بن بلال ويحيى بن عبد الله بن سالم عن عمرو بن أبي عمرو متصلًا
مسندًا، ثم أخرج أحاديثهم ثم أخرجه من طريق الشافعي، أخبرنا عبد العزيز بن
محمد الدراوردي عن عمرو بن أبي عمرو عن رجل من بني سلمة عن جابر، قال
الحاكم: وهذا لا يعلل حديث مالك وسليمان بن بلال ويعقوب بن عبد الرحمن
الإسكندراني، فإنهم وصلوه وهم ثقات. انتهى، كذا في ((نصب الراية)).
وأما الاختلاف عليه في الصحابي، فلا يضر أيضًا؛ فإنَّ يوسف بن خالد السمتي
متروك، وأما رواية إبراهيم بن سويد عند الطحاوي، فقال الحافظ في ((التلخيص))
بعد ذكرها: قد خالفه إبراهيم بن أبي يحيى وسليمان بن بلال والدراوردي ويحيى
ابن عبد الله بن سالم ويعقوب بن عبد الرحمن ومالك فيما قيل، وآخرون وهم
أحفظ منه وأوثق. انتهى.
وأما إعلال هَذَا الحديث بعدم سماع المطلب من جابرٍ وكون الحديث مرسلًا،
فقد أجابَ عنه الشنقيطي بأن قول الترمذي المذكور وكذا قول البُخَارِي ليس في
شيءٍ من ذلك ما يقتضي رد روايته لما قدمنا في ((سورة النساء)) من أن التّحْقِيق هو
الاكتفاء بالمعاصرة، ولا يلزم ثبوت اللقي، وأحرى ثبوت السماع كما أوضحه
مسلم في مقدمة ((صحيحه)) بما لا مزيد عليه مع أنَّ البُخَارِي ذكر في كلامه هَذَا
الَّذِي نقله عنه الترمذي أن المطلب مولى عمرو المذكور صرح بالتحديث ممن
سمع خطبة رسول اللّه وَ لَّ، وهو تصريح بالسماع من بعض الصَّحَابَة بلا شكّ.
وقال النووي في ((شرح المهذب)): وأما إدراك المطلب لجابرٍ فقال ابنُ أبي حاتم -
في ((الجرح والتعديل)) -: وروى عن جابرٍ قال: ويشبه أنْ يَكُون أدركه، هَذَا هو
كلام ابن أبي حاتمٍ، فحصل شك في إدراكه، ومذهب مسلم الَّذِي ادعى في مقدمة
((صحيحه)) الإجماع فيه أنه لا يشترط في اتصال الحديث اللقاء، بل يُكتفى بإمكانه،
والإمكان حاصل قطعًا، ومذهب علي بن المديني والبخاري والأكثرين اشتراط
ثبوت اللقاء، فعلى مذهب مسلم الحديث متصل، وعلى مذهب الأكثرين يكون
مرسلًا لبعض كبار التابعين، وقد سبق أن مرسل التابعي الكبير يحتج به عندنا إذا
اعتضد بقول الصَّحَابَة أو قول أكثر العُلَمَاء أو غير ذلك مما سبق، وقد اعتضد هَذَا
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابَ الْمُحْرِمُ يَجْتَنِبُ الصَّيْد
٥١٩
الحديث فقال به من الصَّحَابَة من سنذكره في فرع مذاهب العلماء. انتهى كلام
النووي .
قال الشنقيطي: فظهرت صحَّةُ الاحتجاج بالحديث المذكور على كلِّ التقديرات
على مذاهب الأئمة الأربعة؛ لأنَّ الشافعي منهم هو الَّذِي لا يحتج بالمرسلِ، وقد
عرفت احتجاجه بِهَذَا الحَدِيث على تقدير إرساله. قال الشنقيطي: نعم، يشترط في
قبول رواية المدلس التصريح بالسماع والمطلب المذكور مدلس، لكن مشهور
مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد صحة الاحتجاج بالمرسل لا سيما إذا اعتضد بغيره
كما ها هنا وقد علمتَ من كلام النووي موافقة الشافعية، ومن المعلوم أنَّ من
يحتج بالمرسل يحتج بعنعنة المدلس من باب أولى، فظهرت صحة الاحتجاج
بالحديث المذكور عند مالك وأبي حنيفة وأحمد مع أن هَذَا الحدیث له شاهد عند
الخطيب وَابْن عدي من رواية عثمان بن خالد المخزومي عن مالك عن نافع عن ابن
عمر، كما نقله الحافظ في ((التلخيص)) - والزيلعي في ((نصب الراية)) - وهو
يقويه، وإن كان عثمان المذكور ضعيفًا؛ لأنَّ الضعيف يقوي المرسل، كما عرف
في علوم الحديث، فالظاهرُ أن حَدِيث جَابِرِ هَذَا صالح، وأنه نص في محلِّ النزاع،
وهو جمع بين هذه الأدلة بعين الجمع الَّذِي ذكرنا أولًا، فاتضح بهذا أن الأحاديث
الدالة على منع أكل المحرم مما صاده الحلال كلها محمولة على أنه صاده من
أجله، وأن الأحاديث الدالة على إباحة الأكل منه محمولة على أنه لم يصده من
أجله. انتهى كلام الشنقيطي.
وأما الوجه الثالث مما أجاب به الحنفية عن حديث جابرٍ، وهو ترجيح حديث
أبي قتادة عليه، فقال ابن الهمام في تقريره: إنَّ في حديث أبي قتادة أنهم لما
سألوه ◌َالَّلا لم يجب بحله لهم حتى سألهم عن موانع الحل أكانت موجودة أم لا؟
فقال ◌َله: ((أَمِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا أَوْ إِشَارَةً إِلَيْهَا؟)) قالوا: لا. قال: ((فَكُلُوا
إِذَا)). فلو كانَ من الموانع أنَّ يصاد لهم لنظمه في سلك ما يُسأل عنه منها في
التفحص عن الموانع؛ ليجيب بالحكم عند خلوه عنها، وهذا المعنى كالصريح في
نفي كون الاصطياد للمحرم مانعًا، فيعارض حديث جابرٍ، ويقدم عليه لقوة ثبوته إذ
هو في (الصَّحِيحَيْن)) وغَيْرِهما من الكُتب الستة بخلاف ذلك، بل قيل: في حديث
جابرٍ انقطاع، يعني: فالأولى هو ترجيح حديث أبي قتادة، وتعقب بأنه لا تعارض