النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢٠
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
امتناع لبس السراويل على هيئته مطلقًا، فغير صحيح عنهما، وقال الولي العراقي:
لم يأمر في الحديث بقطع السراويل عند عدم الإزار كما في الخفّ، وبه قال
أحمد، وهو الأصح عند أكثر الشافعية.
وقال إمام الحرمين والغزالي: لا يجوز لبس السراويل على حاله إلا إذا لم يتأت
فتقه وجعله إزارًا، فإن تأتى ذلك لم يجز لبسه، وإن لبسه لزمته الفدية. وقال
الخطابي: يحكى عن أبي حنيفة أنه قال: يفتق السراويل ويتزر به، وقالوا: هَذَا كما
جاء في الخف أنه يقطع.
قال الخطابي: وهو الأصل في المال أن تضييعه حرام والرخصة إذا جاءت في
لبس السراويل، فظاهرها اللبس المعتاد، وستر العورة واجب، وإذا فتق السراويل
واتزر به لم تستتر العورة، وأما الخف فإنه لا يغطي عورة وإنما هو لباس رفق وزينة
فلا يشتبهان، ومرسل الإذن في لبس السراويل إباحة لا تقتضي غرامة، انتهى.
قال الحافظ: ومن أجاز لبس السراويل على حاله قيده بأن لا يكون في حالة لو
فتقه لكان إزارًا؛ لأنه في تلك الحالة يكون واجد الإزار، انتهى.
قلت: الظاهر عندنا ما ذهب إليه أحمد وأكثر الشافعية من أنه يجوز لبس
السراويل بغير فتق عند عدم الإزار، ولا يلزمه شيء.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) أخرجه البُخَارِي في الحِجِ وفي اللباس بلفظ: ((مَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ
فَلْيَلْبَسِ الْخُقَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسِ السَّرَاوِيلَ لِلْمُحْرِم)) وأخرجه مسلم في
الحجِّ، وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد (ج١: ص ٢١٥، ٢٢١، ٢٢٨، ٢٧٩، ٢٨٥، ٣٣٧)
وأبو دَاوُد والترمذي والنَّسَائِي وَابْن ماجه والْبَيْهَقِي (ج٥: ص ٥٠).
٤٢١
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابٌ مَا يَجْتَنِبُهُ الْمُحْرِمُ
٢٧٠٥ - [٣] وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ◌َهِ بِالْجِعْرَانَةِ،
إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ أَعْرَابِيٌّ عَلَيْهِ جُبَّةٌ، وَهُوَ مُتَضَمِّخٌ بِالْخَلُوقِ، فَقَالَ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَحْرَمْتُ بِالْعُمْرَةِ، وَهَذِهِ عَلَيَّ، فَقَالَ: ((أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ
فَاغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَأَمَّا الْجُبَّةُ فَانْزِعْهَا، ثُمَّ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ، كَمَا تَصْنَعُ
فِي حَجِّكَ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشَّرُْ
٢٧٠٥- قوله: (وَعَنْ يَعْلَى) بمفتوحةٍ وسكون مهملة وفتح لام وقصر
كـ((يرضى)). (بْنِ أَمَيَّةَ) بمضمومة فخفة مفتوحة وشدة تحتية، هو يعلى ابن أمية بن
أبي عبيدة بن همام التميمي حليف قريش، وهو المعروف بيعلى بن منية بضمِّ الميم
وسكون النون وفتح التحتانية وهي أمه، وقيل: جدته أم أبيه، كنيته أبو خلف،
ويقال: أبو خالد، ويقال: أبو صفوان، أسلم يوم الفتح وشهد الطائف وحنينًا
وتبوك مع رسول الله بَّه، وروى عنه وعن عمر بن الخطاب وروى عنه أولاده
صفوان ومحمد وعثمان وغَيْرهم، واستعمله أبو بكر على حلوان في الرِّدة، ثم عمل
لعمر على بعض اليمن، فحمي لنفسه حمى فعزله، ثم عمل لعثمان على صنعاء
اليمن، وحج سنة قتل عثمان، فخرج مع عائشة في وقعة الجمل، ثم شهد صفين
مع عليٍّ، وكان جوادًا معروفًا بالكرم، له تسعة عشر حديثًا، مات سنة بضع
وأربعين.
(كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ وَّهِ بِالجِعْرَانَةِ) أي: معتمرين سنة ثمان في ذي القعدة بعد فتح
مكَّة بالعمرة المسماة بعمرة الجعرانة، وهو اسم مكان بين الطائف ومكة، وهو
إلى مكة أقرب وفي ضبطه لغتان مشهورتان. قال النووي: إحداهما إسكان العين
يعني: بعد الجيم المكسورة وتخفيف الراء، والثانية كسر العين وتشديد الراء،
الأولى أفصح، وبهما قال الشافعي وأكثر أهل اللغة، انتهى.
(٢٧٠٥) البُخَارِي (١٨٤٧)، ومُسْلِم (١١٨٠)، وأَبُو دَاوُد (١٨٢٢)، والترمذي (٨٣٦)، ومُسْلِم (٥/
١٣٠) فِيهِ عَنْ يَعْلَى بِنْ أُمَيَّةَ.
٤٢٢
#eese
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
وقال ابنُ الأثيرِ: وهي قريب من مكَّة وهي في الحلِّ وميقات الإحرام، وقال
القاري: الجعرانة موضع معروف، أحرم منه النَِّي وَّ للعمرة، وهو أفضل من
التنعيم عند الشافعية خلافًا لأبي حنيفة، بناء على أن الدليل القولي أقوى؛ لأن
القول لا يصدر إلا عن قصده، والفعل يحتمل أنْ يَكُون اتفاقيًّا لا قصديًّا، وقد
أمرَ وَلَّ عائشة ◌َّا أن تعتمر عن التنعيمِ، وهو أقرب المواضع من الحرم، انتهى.
وقد تقدَّم الكلام على ذلك في شرح حديث عائشة ثاني أحاديث باب قصة حجة
الوداع.
(إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ أَعْرَابِيٌّ) منسوب إلى الأعرابِ وهم سكان البادية، أي: بدوي.
قال الحافظُ في ((الفتح)): لم أقف على اسمِهِ. وقال في ((مقدمة الفتح)): الصواب أنه
أي: الرجل المبهم يَعلى بن أمية راوي الحديث، كما أخرجه الطحاوي من طريق
شعبة عن قتادة عن عطاءٍ: أن رجلاً يقالُ له يعلى بن أمية أحرم وعليه جبة، فأمره
النَّبِي وَِّ أن ينزعها.
قلت: روى الطحاوي بسندِهِ إلى شعبة عن قتادة عن عطاء بن أبي رباح، أن رجلًا
يقال له: يعلى بن أمية أحرم وعليه جبة، فأمره النبيُّ ◌ِّله أن ينزعها. قال قتادة: قلتُ
لعطاءٍ: إنما كنا نرى أن نشقها، فقال عطاء: إن الله لا يحبُ الفساد، فإن صحَّ
الحديثُ فيكون هو يعلى بن أمية صاحب القصة كما قال الحافظ: وأبهم اسمه كما
يحصل كثيرًا من بعض الرواة لغرضٍ ما، والله أعلم.
(عَلَيْهِ جُبَّةٌ) ثوب معروف، وفي رواية: ((عَلَيْهِ قَمِيصٌ)). (وَهُوَ) أي: الرجل.
(مُتَضَمِّخٌ) بالضاد والخاء المعجمتين أي: متلوث ومتلطخ، يقال: تضمخ بالطيب
إذا تلطخ به وتلوث به. (بِالْخَلُوقِ) بفتح الخاء المعجمة نوع من الطيب يجعل فيه
زعفران. (إِنِّي أَحْرَمْتُ بِالْعُمْرَةِ وَهَذِهِ) أي: الجبة. (عَلِيَّ) بتشديد الياء.
(أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ) أي: لصق ببدنك من الجبة. (فَاغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) قال
عياضٌ وغيرُهُ: يحتملُ أنه من لفظِ النبيِّ ◌ََّ فيكون نصًّا في تكرار الغسل، ويحتملُ
أنَّه من كلام الصحابي، وأنه ◌َّ أعاد لفظ: ((أَغْسِلْهُ)) ثلاث مرات على عادته أنه إذا
تكلم بكلمة أعادها ثلاث مرات لتفهم عنه، انتهى. وقال القاري: ذكر الثلاث إنما
هو لنوقف إزالة الخلوق عليها غالبًا، وإلا فالواجب إزالة العين بأي وجه كان،
انتھی .
٤٢٣
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابَ مَا يَجْتَنِبُهَ المُحرِمُ
وفي روايةٍ للبخاريِّ: قلتُ لعطاءٍ: أرادَ الإِنقاء حين أمره أن يغسل ثلاث مرات؟
فقال: نعم. قال الحافظ: القائل هو ابن جريج وهو دال على أنه فهم من السياق أن
قوله: ((ثَلاث مَرَّاتٍ)) من لفظ النَّبِي ◌َّةِ، لكن يحتملُ أنْ يَكُون من كلام الصحابي
وأنه وَّ أعاد لفظة. ((اغْسِلْهُ)) مرة ثم مرة على عادته، أنه كان إذا تكلّم بكلمةٍ أعادها
ثلاثًا لتفهم عنه، نبه علیه عياض، انتهى.
وفي رواية أبي داود والْبَيْهَقِي: أمره أن ينزعها نزعًا ويغتسل مرتين أو ثلاثًا. قال
النووي: إنما أمر بالثلاث مبالغة في إزالة لونه وريحه والواجب الإزالة، فإن
حصلت بمرة كفت ولم تجب الزيادة، ولعلَّ الطيب الَّذِي كان على هَذَا الرجل كثير
ويؤيده قوله: ((مُتَضَمِّخ)).
(وَأَمَّا الْجُبَّةُ فَانْزِعْهَا) بكسر الزاي، أي: اقلعها فورًا وأخرجها. (ثُمَّ اصْنَعْ فِي
عُمْرَتِكَ) هَذَا يدلُّ على أن المأمور به من الأعمال ما زاد على الغسل والنزع. (كَمَا
تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ) قال الباجي: هَذَا يقتضي أنه وَّ علم من حالِ السائلِ أنه عالم بما
يفعل في الحج، وإلا فلا يصحُّ أن يقول له ذلك؛ لأنَّهُ إذا لم يعلم ما يفعل الحاج لم
يمكنه أن يمتثله المعتمر، انتهى.
اعلم: أنهم اختلفوا في المرادِ بقوله و لهذا، فقال ابنُ العربي: كأنهم كانوا في
الجاهلية يخلعون الثياب ويجتنبون الطيب فِي الإِحْرَام إذا حجوا، وكانوا يتساهلون
في ذلك في العمرة، فأخبره النَّبِي وَّ أنَّ مجراهما واحد. وقال ابنُ المنيرِ في
((الحاشيةٍ)): قوله: ((وَاصْنَعْ)) معناه: اترك؛ لأنَّ المراد بيان ما يجتنبه المحرم فيؤخذ
منه فائدة حسنة وهي أن الترك فعل. قال: وأما قول ابن بطال: أراد الأدعية وغيرها
مما يشترك فيه الحج والعمرة ففيه نظر؛ لأن التروك مشتركة بخلاف الأعمال، فإن
في الحج أشياء زائدة على العمرة كالوقوف وما بعده، وقال النووي كما قال ابن
بطال وزاد: ويستثنى من الأعمال ما يختصُّ به الحج.
وقال الباجي: يجبُ أنْ يَكُون ما أمره بأن يفعل غير ما أمره من إزالة القميص
وغسل الصفرة؛ لأنهما قد نص عليهما فلا معنى أن ينصرف قوله: ((وَافْعَلْ فِي
عُمْرَتِكَ مَا تَفْعَلُ فِي حَجِّكَ)) إليهما. والوجه الآخر: أنه قد عطف هَذَا اللفظ الثاني
على النزوع والغسل، فالظاهر أنهما غيرهما ولا شيء يمكن أن يشار إليه في ذلك إلا
٤٢٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْخُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفدية .
قال الحافظ: كذا قالَ الباجي ولا وجه لهذا الحصر، بل الَّذِي تبيَّن من طريق
أخرى أن المأمور به الغسل والنزع، وذلك أن عند مسلم والنَّسَائِي من طريق سفيان
عن عمرو بن دينار عن عطاء في هَذَا الحديث: فقال: ((مَا كُنْتَ صَانِعًا فِي حَجِّكَ؟))
قال: أَنْزِعُ عَنِّي هَذِهِ الثَِّابَ وَأَغْسِلُ عَنِّي هَذَا الْخَلُوقَ، فقالَ: ((مَا كُنْتَ صَانِعًا فِي
حَجِّكَ فَاصْنَعْهُ فِي عُمْرَتِك)) انتهى.
واستدلَّ بحديثٍ يعلى على منع استدامة الطيب بعد الإحرام للأمرِ بغسلٍ أَثَرِهِ
من الثوبٍ والبدنٍ، وقد تقدَّم الكلام في هَذَا في شرح حديث عائشة أول أحاديث
باب الإحرام والتلبية، واستدل به أيضًا على أن من أصابه طيب في إحرامه ناسيًا أو
جاهلًا ثم علم فبادر إلى إزالته فلا كفارة عليه وهو مذهب الشافعي، وقال مالك: إنْ
طالَ ذلك عليه لزمته، وعن أبي حنيفة وأحمد في رواية تجب مطلقًا، كَذَا فِي
(الفَتْح)).
وقال العَيْنِي: في الحديث أنه وَّر لم يأمر الرجل بالفدية، فأخذ به الشافعي
والثوري وعطاء وإسحاق وداود وأحمد في رواية، وقالوا: إنّ من لبس في إحرامه
ما ليس له لبسه جاهلاً فلا فدية عليه والناسي في معناه، وقال أبو حنيفة والمزني في
روايةٍ عنه: يلزمه إذا غطى رأسه متعمدًا أو ناسيًّا يومًا إلى الليل، فإن كان أقل من
ذلك فعليه صدقة يتصدق بها، وقال مالك: يلزمُهُ إذا انتفع بذلك أو طال لبسه عليه،
انتھی .
قال ابنُ بطالٍ: لو لزمته الفدية لبينها الشَّبِيِ وَّ أي في هَذَا الحديثِ؛ لأنَّ تأخيرَ
البيان عن وقتِ الحاجةِ لا يجوزُ. وفرَّق مالك في من تطيب أو لبس ناسيًا بين من
بادر فنزع وغسل وبين من تمادى والشافعي أشد موافقة للحديث؛ لأنَّ السائل في
حديثٍ الباب كان غير عارف بالحكمٍ، وقد تمادى ومع ذلك لم يؤمر بالفدية،
وقول مالك فيه احتياط، وأما قول الكوفيين والمزني فهو مخالف لهذا الحديث،
وأجاب ابن المنير في ((الحاشيةٍ)): بأن الوقت الَّذِي أحرم فيه الرجل في الجبة كان
قبل نزول الحكم؛ ولهذا انتظرَ النَّبِي وَّ الوحي - كما يدلّ عليه القصة - قال: ولا
خلاف أن التكليف لا يتوجَّه على المكلف قبل نزول الحكم، فلهذا لم يؤمر الرجل
٤٢٥
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ مَا يَجْتَنِبُهُ المُحْرِمُ
بفدية عما مضى بخلاف من لبس الآن جاهلاً، فإنَّه جهل حكمًا استقر، وقصر في
علم ما كان عليه أن يتعلمه لكونه مكلفًا به، وقد تمكن من تعلمه، وأجيب أيضًا:
بأنَّ الحديث ساكت عن الفدية نفيًا وإثباتًا. قال الباجي: لا يقتضي ذلك إثبات
الفدية ولا نفيها، وإنما أحاله على من قدم علم من حال من أحرم بالحجِّ، انتهى.
واستدلَّ بالحديث: على أن المحرم إذا صار عليه مخيط نزعه ولا يلزمه تمزيقه
ولا شقه، وأنه إذا نزعه من رأسه لم يلزمه دم، وهو مذهب الجمهور، وروي عن
إبراهيم النخعي والشعبي أنه لا ينزعه من قبل رأسه بل يشقه ويمزقه لئلا يصير مغطيًا
لرأسه، أخرجه ابنُ أبي شيبة عنهما وعن عليٍّ نحوه، وكذا عن الحسن وأبي قلابة
وقد وقع عند أبي داود بلفظٍ: ((اخْلَعْ عَنْكَ الْجُبَّةَ)) فخلعها من قبل رأسه، انتهى.
قال الطَّبَري: ووجهُ الحجة عليهما أي: على الشعبي والنخعي: أنَّ النبيَّ ◌َِله
أمره بالنزع والخلع، والمتعارف فيهما إنما هو من قبل الرأس، ولو أراد الشق
لأمره به، ثم لما نزعه من قبل رأسه أقرَّه عليه، ولو كان ممتنعًا لما أقرَّه عليه، ولو
وجب بذلك فدية لذكره وبينه كما بين غيره من الأحكام؛ لأنه موضع ضرورة فإنه
سأل عما يجب عليه في تلك العمرة، والله أعلم.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجَهُ البخاريُّ في الحجِّ وفي فضائل القُرْآن ومُسْلِم فِي الحجِّ،
وأخرجَهُ أيضًا أحمد (ج٤: ص ٢٢٢، ٢٢٤) وأبو داود والترمذي والنَّسَائِي
والطيالسي والْبَيْهَقِي وغَيْرِهم، وأخرجه مالك مرسلًا، وفِي الحَدِيث قصة عند
الشيخين وأحمد، وهي أن يعلى بن أمية قال لعمر: أرني النَّبِي ◌َّ حين يوحى إليه
قال: فبينما النَّبِي ◌ََّ بالجِعْرَانة ومعه نفرٌ من أصحابهِ جاءه رجلٌ فقال: يا
رسول اللّه، كيف ترى في رجل أحرم بعمرة وهو متضمخ بطيبٍ؟ فسكت النبيُّ وَل
ساعة فجاءه الوحي، فأشار عُمر إلى يعلى، فجاء يَعْلِى وعَلَى رَسولِ اللهِ وَل ثوبٌ
قد أظلَّ به فأدخل رأسه، فإذا رسولُ اللهِ مَليل محمر الوجه وهو يغط ثم سري عنه،
فقال: ((أَيْنَ الَّذِي سَأَلَ عَنِ الْعُمْرَةِ؟)) فأَتِي بالرجلِ فقال: ((اغْسِلِ الطَّيبَ ... )) إلخ.
وفيها: دليل على أنَّ المفتي والْحَاكِم إذا لم يعرف الحكم يمسك عن الجواب
حتى يتبيَّن له، وعلى أن بعض الأحكام ثبت بالوحي، وإن لم يكن مما يتلى، وعلى
أنَّ النَّبِي ◌َِّ لم يكن يحكمُ بالاجتهاد إلا إذا لم يحضره الوحى.
٤٢٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٧٠٦ - [٤] وَعَنْ عُثْمَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ: ((لَا يَنْكِحُ
الْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكِحُ وَلَا يَخْطُبُ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشّرْخُ
٢٧٠٦ - قوله: (لَا يَنْكِحْ) بفتح الياء وكسر الكاف وتحريك الحاء بالكسر
لالتقاء الساكنين على النهي وبالضمِّ على النفي، قال صاحبُ ((المحلى)): مرفوع
على الخبرية، ويحتملُ أنْ يَكُون مجزومًا بالكسر. وقال الخطابي: الرواية
الصحيحة بكسر الحاءِ على معنى النهي، أي: لا يعقد لنفسه ولا يتزوج امرأةً.
(الْمُحْرِمُ) بحجِّ أو عمرةٍ أو بهما. (وَلَا يُنْكِحْ) بضمِّ الياء وكسر الكاف مجزومًا، أو
بضمِّ الحاءِ، أي: لا يعقد لغيره بولاية ولا وكالة. (وَلَا يَخْطُبْ) بضم الطاء من
الخِطبة بكسر الخاء، أي: لا يطلب امرأة بنكاحٍ. وزاد ابنُ حبان فِي ((صَحِيحِه)) :
((وَلَا يُخْطَبْ عَلَيْهِ)) كما في ((نصبِ الرايةِ)) و((الدِّرايةِ)) و((الفتحِ)).
قال التُّورِبَشْتِي: يروى هَذَا الحديث عن وجهين: أحدهما: على صيغة الخبر
ويكون ((لا)) للنفي، وعلى صيغة النهي و((لا)) هي الجازمة والكلمات الثلاث
مجزومة بها، إلا أن الأولى منها تحرك بالكسر للوصل، وذكر الخطابي أنها على
صيغة النهي أصح.
قال التُّورِ بَشْتِي: قد أخرج هَذَا الحديث مسلم وأبو دَاوُد وأبو عيسى الترمذي،
وأبو عبد الرحمن النسائيُّ في كتبهم، والذي وجدناه الأكثر فيما يعتمدُ عليه من
روايات الأثبات هو الرفع في تلك الكلمات. وقد ذهب الأكثرون من فُقهاء
الأمصارِ لا سيما من أصحاب الحديث إلى أنَّ المراد منه النهي، وإن روي على
صيغة الخبر، وإيراد الإنشاء بصيغةِ الخبرِ أبلغ من إيراده بصيغة الإنشاء، كما هو
مقرَّر في موضعهِ.
(٢٧٠٦) مُسْلِم (١٤٠٩/٤١)(١٤٠/٤٢)، وَأَبُو دَاوُد (١٨٤١)، والترمذي (٨٤٠)، وابنُ ماجه
(١٩٦٦)، والنَّسَائِي (٥/ ١٩٢) عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَقَّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ.
٤٢٧
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
THE eaxX:
بَابُ مَا يَجْتَنِبُهُ المُخرِمُ
والحَدِيث يَدُلُّ عَلَى أَنَّه لا يجوزُ للمحرم أن يتزوج ولا أن يزوج غيره، وإليه ذهب
أكثر أهل العلم، وعزاه النووي في ((شرح المهذب)) لجماهير العُلَمَاء من الصَّحَابَة
والتابعين فمن بعدهم، وقالَ: وهو مذهب عمر بن الخطاب وعثمان وعلي وزيد بن
ثابت وَابْن عمر وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار والزهري ومالك وأحمد
والشافعي وإسحاق وداود وغَيْرهم. وقال في ((شرح مسلم)): قال مالك والشافعي
وأحمد وجمهور العُلَمَاء من الصَّحَابَة فمن بعدهم: لا يصحّ نكاح المحرم، انتهى.
وذهبت جماعةٌ أخرى إلى أنه يجوزُ للمحرم أنْ يتزوَّج ويُزَوِّج غيره، وممن قال
بهذا القول أبو حنيفة، وهو مروي عن الحكم بنٍ عتيبة والثوري والنخعي وعطاء
وحماد بن أبي سليمان وعكرمة ومسروق. قيل: وهو قول ابن عباس وَابْن مسعود
وأنس ومعاذ بن جبل، وإليه يظهر ميل البُخَارِي حيث ترجم في المناسك بلفظ:
باب تزويج المحرم. وفي النكاح بلفظ: باب نكاح المحرم. وأوردَ فيهما حديث
ابن عباس في تزوج النَّبِي بِ لّ ميمونة محرمًا.
قال الحافظ في الحج: أورد فيه حديث ابن عباس في تزوج ميمونة، وظاهر
صنيعه أنه لم يثبت عنده النهي عن ذلك، ولا أن ذلك من الخصائص، وقد تَرْجم في
النكاح: باب نكاح المحرم، ولم يزد على إيراد هَذَا الحديث، انتهى. وقال الحافظ
في النكاحِ: كأنه يجنح إلى الجواز؛ لأنَّهُ لم يذكر في الباب شيئًا غير حديث ابن
عباس في ذلك، ولم يخرج حديث المنع كأنه لم يصح عنده على شرطه، انتهى.
واستدل الأولون بحديث عثمان ومما روى عن ابن عمر: أنَّ رسولَ اللّه وَخَ.
قال: (لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكَحُ وَلَا يَخْطُبُ وَلا يُخْطَبُ عَلَيْهِ))، ذكره الهيثمي
وقال: رواه الطّبَرَانِيُّ في ((الأوسطِ)) عن أحمد بن القاسم، فإن كان أحمد بن القاسم
ابن عطية فهو ثقة، وإن كان غيره فلم أعرفه، وبَقِيَّة رِجَالِه لم يتكلّم فيهم أحد،
واحتجَّ الَّذِين ذهبوا إلى أنَّ الإحرام لا يمنع عقد النكاح بحديث ابن عباس الآتي،
ففيه التصريح بأنه وي لا تزوَّج ميمونة وهو مُحرم، والله تعالى يقول: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ
فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: الآية ٢١] وهو المشرع لأمته بأقواله وأفعاله وتقريره،
فلو كان تزويج المحرم حرامًا لما فعله وَّةِ، واحتجوا أيضًا بما روي عن عائشة مثل
حديث ابن عباس أخرجه الطحاوي والْبَيْهَقِي (ج ٧: ص ٢١٢) والبزار والطَّبَرَاني
٤٢٨
serx Xeese
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
في ((الأوسط)). قال الهيثمي (ج٤: ص ٢٦٨) بعد عزوه إلى البزار والطََّرَاني:
ورجال البزار رِجَال الصَّحِيح، انتهى.
وبما روي عن أبي هريرة مثل حديث ابن عباس أيضًا أخرجه الطحاوي
والدار قطني وَابْن حِبَّن كما فِي ((مَوَارِدِ الظَّمْآنِ)) (ص٣٠٩)، قال الحافظ في
((الفتح)) في الحج: صحَّ نحو حديث ابن عباس عن عائشة وأبي هريرة، وقال في
النكاحِ: قدمت في الحجّ أن حديث ابن عباس جاء مثله صحيحًا عن عائشة وأبي
هريرةَ، فأما حديث عائشة فأخرجَهُ النسائيُّ من طريق أبي سلمة عنه. وأخرجه
الطحاوي والبزار من طريق مسروق عنها وصححه ابن حبان وأكثر ما أعل بالإرسال
وليس ذلك بقادحٍ فيه .
وقال النسائي: أخبرنا عمرو بن علي، أنبأنا أبو عاصمٍ، عن عثمان بن الأسود،
عن ابنٍ أبي مليكة، عن عائشة مثله. قال عمرو بن علي: قلتُ لأبي عاصم: أنت
أمليت علينا من الرقعة ليس فيه عائشة، فقال: دَع عائشة حتى أنظر فيه، وهذا إسناد
صحيحٌ لولا هذه القصة، ولكن هو شاهد قوي أيضًا.
وأما حديث أبي هريرة، فأخرجه الدار قطني، وفي إسناده كامل أبو العلاء وفيه
ضعف، لكنه يعتضد بحديثي ابن عباس وعائشة، وفيه ردٌّ على قولِ ابنِ عبد البر:
إن ابن عباس تفرَّد من بين الصَّحَابَة بأنَّ النبيَّ وَلِّ تزوَّج وهو محرم، وجاء عن
الشعبيِّ ومجاهد مرسلاً مثله أخرجهما ابن أبي شيبة، وأخرج الطحاوي من طريق
عبد الله بن محمد بن أبي بكر قال: سألتُ أنسًا عن نكاحِ المُحْرِم، فقال: لا بأسَ
به، وهل هو إلا كالبيع؟! وإسناده قوي لكنه قياس في مقابل النص فلا عبرة به،
و کأن أنسًا لم يبلغه حدیث عثمان، انتهى.
واعلم: أنَّ النفي أو النهي في قَوْلِه: ((لَا يَنْكِحُ وَلَا يُنْكَحُ)). للتحريم، وفي قَوْلِه:
((لَا يَخْطُب)) للتنزيه عند الأئمة الثلاثة ومن وافقهم، وفي الكلِّ للتنزيه عند أبي
حنيفة ومن وافقه، فاتفق الأئمة الأربعة على كون النفي في الثالث للتنزيه، والظاهر
عندنا: أن النهي في الجميع للتحريم فلا يجوز للمحرم أن يخطب امرأة، وكذلك
المحرمة لا يجوز للرجل خطبتها، فحرمة الخطبة كحرمة النكاح؛ لأن الصيغه فيها
متحدة، فالحكم بحرمة أحدها دون الآخر يحتاج إلى دليل خاص، ولا دليل عليه.
٤٢٩
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ مَا يَجْتَنِبُهُ الْمُحْرِمُ
والظاهر من الحديث: حُرمة النكاح وحرمة وسيلته التي هي الخطبة كما تحرم
خطبة المعتدة، وما ذكروه من أن الخطبة لا تحرم فِي الإِحْرَام، وإنما تكره - هو
خلاف الظاهر من النصِّ ولا دليل عليه، وما استدل به بعض أهل العلم من الشافعية
وغَيْرهم على أنَّ المتعاطفين قد يكون أحدهما مخالفًا لحكم الآخر كقوله تعالى:
وكُلُواْ مِن ثَمَرِهِةٍ إِذَا أَثْمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام، الآية ١٤١] قالوا: الأكلُ
مباحٌ، وإيتاءُ الحقِّ واجبٌ لا دليل فيه؛ لأن الأمر بالأكل معلوم أنه ليس للوجوب،
بخلاف قوله في الحديث: ((وَلَا يَخْطُبُ)) فلا دليل على أنه ليس للتحريمِ؛ كقوله
قبله ((لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ».
هذا؛ وأجابَ القائلون بجواز عقد النكاح في الإِحْرَام عن حديث عثمان بوجوه؛
منها: أنَّ حديثَ ابن عباس أصح وأقوى؛ لأنَّهُ اتفق عليه الشيخان، وأما حديث
عثمان فهو مما انفرد به مسلم، وقد تعارضا فيقدم عليه حديث ابن عباس.
وفيه: أنَّ حديث عثمان تشريع قولي عام مقطوع الدلالة في الحكم، وحديث
ابن عباس وما في معناه واقعة عين، ومن المعلوم أن الحديث القولي العام يقدم
على الفعلي عند التعارض وإن كان أقوى إسنادًا. قال الحافظ: يترجَّحُ حديث
عثمان بأنه تقعيد قاعدة، وحديث ابن عباس واقعة عين تحتمل أنواعًا من
الاحتمالات، انتهى.
ومنها: أنَّ الْمَرَاد بالنكاح في حديث عثمان وَطْءُ الزوجةِ وهو حرام في حال
الإحرام إجماعًا، وليس المراد به العقد، وفيه أولًا: أنَّ في نفسٍ الحديث قرينتين
دالتين على أنَّ المراد عقد النكاح لا الوطء، الأولى: أن قوله: ((وَلَا يُنكح)) بضمِّ
الياءِ دليل على أنَّ المراد لا يزوج لا الوطء؛ لأنَّ الولي إذَا زوج قبل الإحرام وطلب
الزوج وطء زوجته في حال إحرام وليها، فعليه أن يمكنه من ذلك إجماعًا فدلَّ ذلك
على أنَّ الْمَرَاد بقوله: (وَلَا يُنْكح)) ليس الوطء بل التزويج كما هو ظاهر، وأما ما
قال ابن الهمام: من أنَّ الْمَرَاد بالجملة الثانية التمكين من الوطء والتذكير باعتبار
الشخص، أي: لا تمكن المحْرِمة من الوطء زوجها فلا يخفى ما فيه من التكلُّف
والتعسُّف، على أنَّه ينافيه قوله: ((وَلَا يَخْطُبُ)) وهي القرينةُ الثانية الدَّالَّة على المرادِ
بالنكاح في الجملتين الأوليين عقد النكاح لا الوطء؛ لأنَّ المراد بالخطبة هي خطبة
٤٣٠
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
المرأة التي هي طلب تزويجها، وذلك دليل على أنَّ الْمَرَاد العقد؛ لأنَّهُ هو الَّذِي
يطلب بالخطبة، وليس من شأن وطء الزوجة أن يطلب بخُطبة كما هو معلوم.
قال الحافظ: تأويلُ أهلِ الكوفة حديث عثمان بأنَّ الْمَرَاد به الوطء متعقب
بالتصريح فيه بقوله: ((وَلَا يُنكح)) بضم أوله، وبقوله فيه: ((وَلَا يَخْطُب)).
وثانيًا: أن أبان بن عثمان راوي الحديث وهو من أعلم الناس بمعناه فسَّره بأنَّ
المرادَ بقوله: ((ولا ينكحِ)) أي: لا يزوج؛ لأنَّ السبب الَّذِي أورد فيه الحديث هو أنه
أرسل له عمر بن مُبيد الله حين أراد أن يزوج ابنه طلحة بن عمر ابنة شيبة بن جبيرٍ،
فأنكرَ عليه ذلك أشد الإنكار، وبين له أن حديث عثمان عن النَّبِي ◌َّ دليل على منع
عقد النكاح في حالِ الإحرام ولم يعلم أنه أنكر عليه أحد تفسيره الحديث بأنَّ الْمَرَاد
بالنكاح فيه العقد لا الوطء.
وثالثًا: أنه روى أحمد من حَدِيث ابنٍ عُمَر أنه سئل عن امرأةٍ أرادَ أن يتزوَّجها
رجلٌ وهو خارج من مكة، فأراد أن يعتمر أو يحج فقال: لا تتزوجها وأنت محرم،
نهى رسولُ اللهِ وَل عنه، فنراه صرح بأن النكاحَ المنهي عنه في الإحرام: التزويج،
وروى مالك والْبَيْهَقِي والدار قطني عن أبي غطفان بن طريف أن أباه طريفًا تزوج
امرأة وهو محرم فرد عمر بن الخطاب نكاحه، انتهى.
وهذا دليلٌ على أن عمر يفسر النكاح الممنوع فِي الإِحْرَام بالتزويج، وقد روى
البيهقي في ((السننِ الكبرى)) بإسنادِهِ عن الحسنِ عن عليٍّ قال: من تزوج وهو محرم
نزعنا منه امرأته، وروى بإسناده أيضًا عن جعفر بن محمد عن أبيه أنَّ عليًّا رَضِ لُّ قال:
لا ينكح المحرمُ فإنْ نكح ردَّ نكاحه. وروي بإسناده أيضًا عن شوذب مولى زيد بن
ثابت: أنه تزوج وهو محرم. ففرق بينهما زيد بن ثابت، وروي بإسناده أيضًا عن
سعيد بن المسيب أن رجلًا تزوج وهو محرم فأجمع أهل المدينة على أن يفرق
بینھما .
وقال الحافظ: قد ثبت أن عمر وعليًّا وغَيْرهما من الصَّحَابَة فرقوا بين محرم نكح
وبين امرأته ولا يكون هَذَا إلا عن ثبت، انتهى. فهذه الآثار صريحة في أنَّ النكاح
المنهي عنه فِي الإِحْرَام هو التزويج، وأن النهي للتحريم، وحمل هذه الآثار على أن
عملهم ذلك كان من قبيل الزجر والتعزير؛ سدًّا للذرائع بعيد جدًّا، بل هو باطل.
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ مَا يَجْتَنِبُهُ الْمُحْرِمُ
٤٣١
5
BASE
ومن الوجوه التي أجاب بها القائلون بجواز النكاح فِي الإِحْرَامِ: أنَّ النهي في
حديث عثمان للكراهة، وأنَّ الْمَرَاد منه أنَّ النكاح والخطبة ليست من شأنٍ
المحرم، فإنه في شُغل شاغل عن ذَلِك، قال التُّوربَشْتِي: قصد النَّبِي ◌َّ بذلك كف
المحرم وتفتير رغبته عن النكاح والإنكاح والخطبة؛ لكونها مدعاة إلى هيجان
الشهوة ولم يقصد تحريمه، وقال الشيخ محمد عابد السندي: الأولى أن يقال:
النهى للكراهة جمعًا بين الدلائل، وذلك لأن المحرم في شغل عن مباشرة عقود
الأنكحة؛ لأن ذلك يوجب شغل خاطره عما هو بصدده من المناسك، فكرهه
النَّبِي ◌َّةَ لذلك، وإنما قلنا: إنه الأولى؛ لأنَّهُ لا قائل بعدم جواز الخطبة للمحرم
كما تقدم .
وحاصله: أنَّ قران النكاح والإنكاح بالخطبة دليل على أن النهي للكراهة؛ لأنَّهُ
لا خلاف في جوازِ الخطبةِ، وإنَّما الخلاف في كراهتها، فالخِطْبةُ تصحُّ عندهم مع
الكراهةِ، فكذا النكاح والإِنكاح. وقال ابن الهمام: يحمل قوله: ((لَا يَنْكِحُ
الْمُحْرِمُ)) على نهي الكراهة جمعًا بين الدلائل، وذلك لأن المحرم في شغل عن
مباشرة عقود الأنكحة؛ لأنَّ ذلك يوجبُ شغل قلبه عن الإحسان في العبادة لما فيه
من خطبة ومراودات ودعوة واجتماعات، ويتضمن تنبيه النفس لطلب الجماع،
وهذا محمل قوله: ((وَلَا يَخْطُبُ)) ولا يلزم كونه وَّ باشر المكروه أي: في قصةٍ
تزويج ميمونة محرمًا؛ لأنَّ المعنى المنوط به الكراهة هو عليه الصلاة والسلام منزه
عنه، ولا بعد في اختلاف حكم في حقِّنا وحقه لاختلاف المناط فيه وفينا كالوصال
نهانا عنه وفعله، انتھی.
وقال التُّورِبَشْتِي: فإن قيلَ: كيفَ يصرف معنى الحديث إلى التنزه عن الخلال
الثلاث، وأنت تأبي أن يقال: وَهِمَ ابنُ عباسٍ - أي: في قَوْلِه: تزوَّجَ النبيُّ وَّةٍ وَهُوَ
مُحْرِمٌ - فترى أنَّ النبيَّ وَّه لم يتنزَّه عن ذلك، قلنا: كان النبيُّ وَّةَ مشرعًا يفعل
الشيء ليعلم أنه مُباح، ويفعل الشيء ليقتدى به وكان يفعل الشيء أيضًا متخصصًا به
ولم يكن هَذَا من باب ما خص به؛ لأنَّهُ لو كان كذلك لبينه ولم يكن للاقتداء؛ لأنَّهُ
لم يحثٍ عليه، بل منع عنه حالة الإحرام بالمفهوم عن الحديث، وبعد فإن حاله اَ ل
في التمكّن من الاستقامةِ والتصرف في القوى البشرية كانت خلاف حال غيره من
الأمة، وقد كان ◌َله مسيطرًا على حوائج النفس بتمكين الله إياه، وفي هَذَا المعنى
٤٣٢
celees
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
حديث عائشة: ((كان رسولُ اللهِ وَلَه يُقَبِّل ويُبَاشِرِ وَهُو صَائِمٌ، وكانَ أَمْلَكَكُم
لِإِرْبِهِ)).
وفيه: أن الأصل في النهي التحريم، وهو الَّذِي فهمه راوي الحديث أبان بن
عثمان وغيره من الصحابة؛ كعمر وابنه وعلي وزيد بن ثابت، فلا يعدل عنه إلا
بدليلٍ صريح، وأما حديث ابن عباس، فسيأتي الجواب عنه، وقد سبق منا أن النهي
في قُّوْلِه: ((لَا يَخْطُبُ)) أيضًا للتحريم كالجملتين الأوليين.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجَهُ أيضًا أحمد (ج١: ص ٥٧، ٦٤، ٦٨، ٧٣) ومالك
وأبو دَاوُد والترمذي والنَّسَائِي وَابْن ماجه وَابْن حِبَّن والْبَيْهَقِي وَابْن الجارود
والدارمي والحميدي وغَيْرهم، وليس للترمذي فيه: ((وَلَا يَخْطُبُ)) وزاد ابنُ حباٍ :
((وَلا يُخْطَبُ عَلَيْه)).
٢٧٠٧ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ بَّهِ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ، وَهُوَ
مُحْرِمٌ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشُّ
٢٧٠٧ - قوله: (تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ) أمَّ المؤمنين، وهي بنت الحارث الهلالية،
آخر امرأة تزوَّجها ممن دخل بهن، تزوجها سنة سبع، وتوفيت بـ((سَرِف)» حيث بنی
بها رسول اللّه ◌َالَ سنةً إحدى وخمسين على الراجح.
(وَهُوَ مُحْرِمٌ) قد اشتهر عَنِ ابْن عَبَّاسٍ برواية الثقات عنه أنه قال: تَزَوَّجَ
رَسُولُ اللَّهِ بَ لِهِ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ. وقد تقدَّم أن له شاهدين قويين من حديث أبي
هريرة وعائشة، ويعارض ذلك ما سيأتي من حديث يزيد بن الأصم عن ميمونة،
ومن حديث أبي رافع أنه: تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ وََّ مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَلَالٌ. ويؤيد هَذَا ما
رواه ابنُّ سعدٍ عن ميمون بن مهران، قال: دخلت على صفية بنت شيبة وهي عجوزة
(٢٧٠٧) البُخَارِي (٥١١٤)، ومسلم (١٤١٠)، وأبو دَاوُد (١٨٤٤)، والتِّرْمِذي (٨٤٤)، والنَّسَائِي (٥/
١٩١)، وابنُ ماجه (١٩٦٥) فِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ مَا يَجْتَنِبُهُ المُحْرِمُ
٤٣٣
كبيرة، فسألتها: أتزوَّجَ رسولُ اللهِ نَّه ميمونَةَ وهُو مُحْرِم؟ قالت: لا، واللَّه لَقَدْ
تَزوَّجَهَا وَهُما حَلَالان. وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج٤: ص ٢٦٨)
وقال: رواه الطَّرَاني في ((الكبير)) و((الأوسط))، ورجال ((الكبير)) رِجَال الصَّحِيح.
وبهذا ظهرَ أنَّ الروايات اختلفت في تزوج النَّبِي ◌َّ بميمونة. قال ابن القيم بعد
ما حكى اختلاف الروايات في نكاحه وَالّ: فالأقوالُ ثلاثة: أحدها: أنه تزوجها بعد
حِلِّه من العمرةِ، وهو قول ميمونة نفسها. وقول السفير بينها وبين الشَِّي وَّ وهو أبو
رافع وقول جمهور أهل النقل.
والثاني: أنه تزوجها وهو محرم وهو قول ابن عباس وأهل الكوفة وجماعة.
والثالث: أنه تزوجها قبل أن يحرم، انتهى.
هذا؛ وقد تقدَّم أنَّ حديث ابن عباس من مستدلات القائلين بجواز النكاح في
الإِحْرَام، وقد أجابَ المانعون عنه بأجوبةٍ: منها: ما ذكره التِّرْ مِذيُّ عن بعضِهِمْ أنه
تزوَّجهاَ حَلالًا، وظهرَ أمرُ تزويجها وهو محرم، وبنى بها وهو حلال بسرفٍ في
طريقٍ مكّة، وحاصل هَذَا الجواب: أنَّ معنى قوله: تزوَّجها وهو محرم. أي: ظهرَ
أمرُ تزويجها وفشى واشتهر وهو محرم، وإن كان عقد النكاح قبل الإحرام.
وتعقُّب هَذَا الجواب أو الجمع: بأنه قد ثبتَ بالروايات الصريحة أنَّ نكاحَهُ مَئِه
بميمونةَ كان بسرف، فقد روى النسائي من طريق قتادة ويعلى بن حكيم عن عِكْرِمَة
عَنِ ابْن عَبَّاسٍ، قال: تزوج رسول اللَّه ميمونة بنت الحارث وهو مُحرم، وفي
حديث يعلى: بسَرِف. وروى ابنُ سعدٍ من طريق ميمون بن مهران، سألتُ صفيةً
بنتَ شيبة فقالت: تزوَّج رسولُ اللهِ ميمونة بسرف وبنى بها في قبة لها، وماتت
بسرف. وسرف قريب مكة خارج الحرم داخل الميقات. قال الطَّري: وهو على
عشرة أميال من مكة. وقال القاري: والصحيح أنه على ستة أميال، وروى
الطحاوي من طريق محمد بن إسحاق عن ابن عباس: أن رسول اللَّه وَالل تزوَّج
ميمونةَ وهو حرامٌ، فأقام بمكة ثلاثًا، فأتاه حويطب بن عبد العزى في نفرٍ من قريش
في اليوم الثالث، فقالوا: إنه قَد انقضى أجلُك فاخرجْ عَنَّا، فقال: ((وَمَا عَلَيْكُمْ لَوْ
تَرَكْتُمُونِي فَعَرَّسْتُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ فَصَنَعْنَا لَكُمْ طَعَامًا فَحَضَرْتُمُوهُ))، فقَالُوا: لا حَاجَةَ
لَنَا فِي طَعَامِكَ فَاخْرُجْ عَنَّا، فَخَرِجَ نِبِيُّ اللهِ وَ لَ، وَخَرِجَ بمَيْمُونَةَ حتَّى عَرَّس پِها
٤٣٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بِسَرِف. ونقل ابنُ القيمٍ في ((الهدي)) عن مغازي موسي بن عقبة نحو ذلك.
وهذا كله يدل على أنَّ نكاحَهُ وَلِّ ميمونةَ وقع بسرف ذاهبًا إلى مكة والبناء بها
وقع فيها آيبًا من مكة، وأما ما رواه مالك عن ربيعة بن عبد الرحمن عن سليمان بن
يسار: أن رسول اللّه و لهل بعث أبا رافع ورجلًا من الأنصار فزوجاه ميمونة،
ورسول اللَّه وَ له بالمدينة قبل أن يخرج، وهو يدلَّ على أن نكاحه بميمونة وقع
بالمدينة قبل الخروج إلى عمرة القضاء، فهو مُؤول بأنَّ الْمَرَاد بقوله: ((زَوَّجَاه)).
خَطَبَا له فقط، مجازًا كما قال الزرقاني؛ لأنَّهُ صحَّ عند أحمد والنَّسَائِي من حديث
ابن عباس قال: لما خطبها النَّبِي وَّ جعلت أمرها إلى العباس، فأنكحها النبيُّ وَله،
وقيل: معنى: ((زَوَّجاه): بلغاه رضا ميمونة بالخطبة، أو بتزوجها بالمدينة، ثم إنه
وقع التصريح في ((صحيح البُخَارِي)) في غزوة الحديبية بإنشاء إحرامه وَّلّ من ذي
الحليفة في عمرة الحديبية قبل القضاء التي وقع فيها نكاحه ◌َّله بميمونة، وهذا
ظاهر في أن توقيت المواقيت وقع قبل عمرة الحديبية خلافًا لما حكى الأثرم عن
أحمد أنه وقع عام حجة الوداع، وإذا ثبت أنه تزوَّج بسرف ذاهبًا إلى مكة للعمرة،
وأن توقيت المواقيت كان قبل عمرة الحديبية لزم أنْ يَكُون نكاحه فِي الإِحْرَام وإلا
لزم تجاوز الميقات وهو ذو الحليفة بغير إحرام، فإن سرف داخل الميقات قريب
من مكة كما سبقَ، وهذا يبطلُ التأويلِ المذكور على أنَّه يمكن أن يؤول حديث
ميمونة ويزيد بن الأصمِّ بمثل التأويل الَّذِي ذكره الترمذي في حديث ابن عباس،
فيقال: إنه تزوَّجها بسَرِف وهو محرم، وظهر واشتهر أمر تزويجه وهو حلال حين
بنى بها بسرف راجعًا من مكة إلى المدينة أو حين أراد الوليمة بمكة.
وفيه: أن إحرامه ◌َّله من ذي الحليفة في عمرة الحديبية لا يستلزم وقوع التوقيت
قبل حجة الوداع، وقد روى البُخَارِي في باب ذكر العلم والفتيا في المسجد، عن
ابن عمر: أن رجلاً قامٍ في المَسْجِد فقال: يا رسول اللَّه، مِنْ أينَ تأمرنا أن نهل؟
فقال رسول الله: ((يُهِلَّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ... )) إلخ. قال الحافظ: المراد بالمسجد:
مسجد النَّبِي وَّ، ويستفاد منه أن السؤال عن مواقيت الحج كان قبل السفر من
المدينة، وقال في الحج بعد ذكر ما حكاه الأثرم عن أحمد من توقيت المواقيت
عام حجة الوداع: وقد سبقِ حَدِيثِ ابنٍ عُمَرٍ في العلم بلفظ: أَنَّ رَجُلًّا قَامَ فِي
الْمَسْجِدِ فقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مِنْ أَيْنَ تَأْمُرُنَا أَنْ نُهِلَّ؟، انتهى. وهذا يدلُّ على أنَّ
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ مَا يَجْتَنِبُهُ المُخْرِمُ
٤٣٥
الحافظَ وافقَ الإمام أحمد في ذلك.
ومنها: أنَّ معنى قول ابن عباس تزوَّجها وهو محرم، أي: في الشهر الحرام وهو
حلال، وقد تزوَّجها وَالّ في الشهر الحرام، وهو ذو القعدة عام سبع في عمرة
القضاء، كما ذكرَهُ البخاريُّ في كتابِ المغازي في بابِ عمرة القضاء، ولا خلافَ
بين أهل اللسان العربي في إطلاق الإحرام على الدخول في حرمة لا تهتك
كالدخول في الشهر الحرام أو في الحرم أو غير ذلك.
وقال ابنُ منظورٍ في ((اللسانٍ)): وأحرم الرجل: إذا دَخَل في حرمة لا تهتك، ومن
إطلاقٍ الإحرام على الدخول في الشهر الحرام قد أنشده في ((اللسان)) شاهدًا لذلك
قول زهير:
وَكَمْ بِالقَنَانِ مِنْ مُحِلِّ وَمُحْرِمِ
جَعَلْنَ القَنَانَ عَنْ يَمِينِ وَحَزْنَهُ
وقول الآخر :
فَمُلِئَ مِنْ عَوْفٍ بْنِ كَعْبٍ سَلَاسِلَهُ
وَإِذْ فَتَكَ الُّعْمَانُ بِالنَّاسِ مُحْرِمًا
وقولُ الراعي:
وَدَعَا فَلَمْ أَرَ مِثْلَهُ مَخْذُولًاً
قَتَلُوا ابْنَ عَفَّانِ الخَلِيفَةَ مُخْرِمًا
شُفَقًّا وَأَصْبَحَ سَيْفُهُمْ مَسْلُولًا
فَتَفَرَّقَتْ مِنْ بَعْدِ ذَاكَ عَصَاهُمْ
ويُرْوَى: فَلَمْ أَرَ مِثْلَهُ مَقْتُولًا .
فقوله: ((قَتَلُوا ابْنَ عَفَّانَ مُحْرِمًا)) أي: في الشهر الحرام وهو ذو الحجة. وقيل:
المعنى أنهم قتلوه في حرم المدينة؛ لأنَّ المحرم يطلق لغة على كلِّ داخل في حُرمة
لا تهتك سواء كانت زمانية أو مكانية أو غير ذلك. وقال بعض أهل اللغة منهم
الأصمعي: إنَّ معنى قول الراعي ((محرمًا)) في بيته المذكور: كونه في حرمة
الإسلام وذمته التي يجب حفظها ويحرم انتهاكها، وأنه لم يحل من نفسه شيئًا
يستوجب به القتل، ومن إطلاق المحرم على هذا المعنى الأخير قول عدي بن زيد :
غَادَرُوهُ لَمْ يُمَتَّخْ بِكَفَنٍ
قَتَلُوا كِسْرَى مُخْرِمًا
ويروى: فَتَوَلَّى وَلَمْ يُمَتَّعْ بِكَفَنٍ .
٤٣٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
يريد قتل شيرويه أباه أبرويز بن هرمز مع أنَّ له حرمة العهد الَّذِي عاهدوه به حين
ملكوه عليهم وحرمة الأبوة، ولم يفعل لهم شيئًا يستوجب به منهم القتل، وذلك
هو مراده بقوله: محرمًا.
وعلى تفسير قول ابن عباس: ((وهو مُحْرِم)). بما ذكر فلا تعارض بين حديث ابن
عباس وبين حديث ميمونة وأبي رافع، وتعقب هَذَا الجواب: بأن رواية البُخَارِي
في بابِ عمرة القضاء بلفظ: أنَّه ◌َِّ تزوَّجَها وهو مُحْرِمٍ وبَنَى بها وهو حلالٌ، تدفع
هَذَا التفسير أو تبعده كما قال الزيلعي، فإن المقابلة بين المحرم والحلال تدلُّ على
أنَّ المراد بالمحرم في قول ابن عباس ضد الحلال، ولم يرد الحلال بمعنى الداخل
في الحل أو في الشهر الحرام.
وفيه: أنه لو فرضنا أنَّ تفسير حديث ابن عباس بما ذكر ليس بمتعينٍ، وليس
بظاهرٍ كلِّ الظهورِ، وأن التعارض بين الحديثين باقٍ، فالمصير إلى الترجيح إذن
واجب وهو الجواب الثالث، فيقال: حديث ميمونة وأبي رافع أرجحُ من حديثٍ
ابنِ عباسٍ؛ لأنَّ ميمونة هي صاحبة الواقعة، ولا شك أن صاحب القصة أدرى بما
جرى له في نفسه من غيره، وقد تقرَّر في الأصول أنَّ خبر صاحب القصة المروية
مقدم على خبر غيره؛ لأنَّهُ أعرفُ بالحال من غيره، والأصولين يمثلون له بحديث
میمونة المذکور مع حديث ابن عباس .
ومما يرجّحُ به حديث أبي رافع على حديث ابن عباس: أنَّ أبا رافع هو رسوله
إليها يخطبها عليه فهو مباشر للواقعة وَابْن عباس ليس كذلك، وقَّد تقرر في
الأصول ترجيح خبر الراوي المباشر لما روى على خبر غيره؛ لأن المباشر لما روى
أعرف بحاله من غيره، والأصوليون يمثلون له بخبر أبي رافع مع حديث ابن
عباس .
ومما يرجح به حديث ميمونة وحديث أبي رافع معًا على حديث ابن عباس: أن
ميمونة وأبا رافع كانا بَالِغَيْنِ وقتَ تحمُّل الحديث المذكور، وَابْن عباس ليس ببالغ
وقتَ التحمُّلِ، وَقد تقرَّر في الأصول ترجيح خبر الراوي المتحمل بعد البلوغ على
المتحمل قبله؛ لأن البالغ أضبط من الصبي بما تحمل، وللاختلاف في قبول خبر
المتحمل قبل البلوغ مع الاتفاق على قبول خبر المتحمل بعد البلوغ، وإن كان
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ مَا يَجْتَنِبُهُ المُحرِمُ
٤٣٧
الراجح قبول خبر المتحمل قبل البلوغ إذا كان الأداء بعد البلوغ؛ لأن المُتفق عَلَيْهِ
أرجحُ من المختلف فيه.
فإن قيل: يرجح حديث ابن عباس بأنَّه اتفقَ عليه الشيخان فِي ((صَحِيحِهما))،
ومعلوم أن ما اتفق عليه مسلم والبخاري أرجحُ مما انفردَ به مسلم وهو حديث
ميمونة، وأرجحُ مما أخرجه الترمذي وأحمد وهو حديث أبي رافع، فالجواب: أن
غاية ما يفيده اتفاق الشيخين على صحّة الحديث إلى ابن عباس،ً ونحن لو جزمنا
بأنه قاله قطعًا لم يمنع ذلك من ترجيح حديث ميمونة وأبي رافع عليه؛ لأنهما أعلمُ
بحالِ الواقعةِ منه؛ لأن ميمونة صاحبة الواقعة وأبو رافع هو الرسول المباشر
لذلك، فلنفرض أن عباس قال ذلك، وأن أبا رافع وميمونة خالفاه وهما أعلم
بالحال منه؛ لأن لكلٍّ منهما تعلّقًّا خاصًّا بنفس الواقعة ليس لابن عباس مثله، وأما
ما قال الطحاوي من أنه: يحتملُ أنه خفي عن ميمونة وقت تزويجها وذهب عنها
الوقت الَّذِي عقد عليها عند ما فوضت إلى العباس أمرها فلم تشعر إلا في الوقت
الَّذِي بنى بها فيه وعلمه ابن عباس لحضوره وغيبتها عنه، فهو مما لا يلتفت إليه؛
لأنَّهُ احتمال ناشئ من غير دليلٍ، ولم يثبت أن ابن عباس شهد الواقعة، بل يدل على
كلام العَيْنِي على عدم شهودِه حيث قال: من الجائز غير المنكر أن يرويه ابن عباس
عنه ◌َّ أو يرويه عن أبيه الَّذِي وَلي عقد النكاح بمشهدٍ عنه ومرأى أو يرويه عن
خالته ميمونة .
فإن قيل: صحَّ نحو حديث ابن عباس عن عائشة وأبي هريرة، كما قال الحافظ،
وعلى هَذَا من روى أن تزويجها في حالة الإحرام أكثر ممن روى خلاف ذلك
فيرجح حديثهم إذن بالكثرةٍ، فالجواب: أنهم وإن كثروا فميمونة وأبو رافع أعلم
منهم بالواقعةِ كما تقدّم، والمرجحات يرجح بعضها على بعضٍ، وضابط ذلك عند
الأصوليين هو قوة الظن، ومعلوم أنَّ ما أخبرت به ميمونة مَّا عن نفسها وأخبر به
الرسول بينها وبين زوجها ◌َِّ الَّذِي هو أبو رافع أقوى في ظنِّ الصدق مما أخبره به
غيرهما .
ومن الأجوبة التي أجاب بها المانعون: أنه لو سلم أن النَّبِي وَّ تزوج ميمونة
وهو محرم لم تكن في ذلك حجة على جوازٍ ذلك بالنسبة إلى أمته وُّه؛ لأنَّهُ ثبت
٤٣٨
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
عنه من حديث عثمان ما يدل على منع النكاح في حال الإحرام وهو عام لجميع
الأمة، والأظهرُ دخوله هو ◌َّه في ذلك العموم، فإذا فعل فعلًا يخالف ذلك العموم
المنصوص عليه بالقول دلَّ على أن ذلك الفعل خاص به وَاللّه لتحتم تخصيص ذلك
العموم القولي بذلك الفعل فيكون خاصًّا به وَله، وقد تقرَّر في الأصول: أن النصَّ
القولي العام الّذِي يشمل الشَِّي بظاهر عمومه لا بنص صريح إذا فعل النَّبِي وَلِّ فعلًا
يخالفه كان ذلك مخصصًا لذلك العموم القولي، فيكون ذلك الفعل خاصًّا به وَ له ،
كذا حقَّق الشنقيطي.
وقال الشوكاني في ((نيل الأوطار)): يجعل فعله وَّ مخصصًا له من عموم ذلك
القول - يعني: حديث عثمان - كما تقرَّر في الأصولِ إذا فرض تأخر الفعل عن
القولِ، فإن فرض تقدمه ففيه الخلاف المشهور في الأصول في جواز تخصيص
العام المتأخر بالخاص المتقدم، كما هو المذهب الحق أو جعل العام المتأخر
ناسخًا کما ذهب إليه البعض، انتهى.
وقال في ((السيل الجرار)): إن حديث ابن عباس غاية ما فيه على فرض أنه أرجح
لكونه في ((الصَّحِيحَيْن)) أن ذلك جائز لرسول اللَّهِ وَ له فيكون خاصًّا به، والنهي
خاصًّا بالأمة كما تقرر في الأصول، أن فعله وَلَّ لا يعارض القول الخاص بالأمة،
وعلى تقدير شمول النهي له فيكون فعله مخصَّصًا له، انتهى.
وقال النووي وغيره من الشافعية: هَذَا من خصائصه ◌َّليّ فكان له أن يتزوج في
حال الإحرام وهو مما خص به دون الأمة، وتعقبه العَيْنِي فقال: دعوى التخصيص
تحتاج إلى دليل، ويأتي مزيد الكلام في ذلك في شرح حديثي يزيد بن الأصم وأبي
رافع.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البُخَارِي في الحج وفي المغازي وفي النكاح، ومُسْلِم فِي
النكاح، وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد مرارًا، وأبو دَاوُد والترمذي والنَّسَائِي وَابْن ماجه
وَابْن الجارود والدرامي والْبَيْهَقِي والطحاوي وغَيْرهم.
٤٣٩
بَابُ مَا يَجْتَنِبُهُ المُحْرِمُ
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
٢٧٠٨ - [٦] وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ - ابْنِ أُخْتِ مَيْمُونَةَ - عَنْ
مَيْمُونَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لِ تَزَوَّجَهَاَ وَهُوَ حَلَّاَلٌ.
[رَوَاهُ مُسْلِمُ] {صحيح}
- قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ مُحْيِي الْسُنَّةِ تَخْتُ: وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا
حَلَالًا، وَظَهَرَ أَمْرُ تَزْوِيجِهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ، ثُمَّ بَنَى بِهَا، وَهُوَ حَلَالٌ بِسَرِفَ فِي
طَرِيقِ مَكَّةَ(*).
الشَّوْخُ
٢٧٠٨ - قوله: (وعَنْ يَزِيدَ بْنِ الأَصَمِّ) بن عبيد بن معاوية بن عبادة بن البكاء
بفتح الموحدة وتشديد الكاف واسم الأصم: عمرو أبو عوف البكائي الكوفي نزل
الرقة، ربّته خالته ميمونة أم المؤمنين، واسم أمه برزة بنت الحارث أخت ميمونة.
قال الحافظ: يقال: له رُؤية ولا يثبت، وهو ثقة من الطبقة الوسطى من التابعين،
ماتَ سنة ثلاث ومائة، وذكر الواقدي: أنَّه عاش ثلاثًا وسبعين سنة. (ابْنِ أُخْتِ
مَيْمُونَةَ) بنت الحارث أم المؤمنين .
(تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ) أي: غير محرم، قيل: تزوَّجها قبلَ الإحرام، كما يدلُّ عليه
رواية مالك عن ربيعة عن سليمان بن يسار المرسلة في وقوع التزويج بالمدينة قبل
أن يخرج، وقيل: تزوجها بعد ما حلَّ من عمرته بمكة أو بسرف، وعلى كلِّ حال
هَذَا الحديث معارض لحديث ابن عباس السابق.
وأجابَ القائلون بجوازٍ النكاح فِي الإِحْرَام عن ذلك بوجهين: الأول: ترجيح
حديث ابن عباس على حديث يزيد بن الأصمَ، وذلك بوجوه منها: أن حديث ابن
(٢٧٠٨) مُسْلِم (١٤١١/٤٨) فِي النِّكَاحِ، وَفِي الحَجِّ إِلَّ ابْن مَاجَهْ، وأَبُو دَاوُد (١٨٤٣)، والترمذي
(٨٤٥)، وابن ماجه (١٩٦٤)، والنَّسَائِيُّ في ((الكُبرى)) (٣٢٣٢) مِنْ رِوَايَةٍ يَزِيدِ بْنِ الأَصَمِّ عَنْ
مَيْمُونُهَ .
(*) لَعَلَّهُ أَخَذَهُ مِمَّا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد عَنْ سَعِيدٍ بْنِ المُسَيَّبِ قَالَ: وَهِمَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَإِنْ كَانَتْ خَالَتَهُ، وَنَقَلَهُ
ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنِ الجُمْهُورِ - رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى -، وَقَالَ: وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا رَوَى أَنَّ النَّبِيَِّ نَّكَحَ وَهُوَ
مُحْرِمٌ إِلَّ ابْنَ عَبَّاسٍ.