النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
مترو
رسولُ اللهِ وَّهِ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ)) قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ؟ قَالَ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ
لِلْمُحَلِّقِينَ)) قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ؟ قَالَهَا ثَلَاثًا. قَالَ: ((وَلِلْمُقَصِّرِينَ)). ولم يسق ابن
عبد البر لفظه، بل قال: نذكر معناه وتجوز في ذلك، فإنه ليس في رواية أبي هريرة
تعيين الموضع، ولم يقع في شيء من طرقه التصريح بسماعه لذلك من الشَِّي وَِّ،
ولو وقع لقطعنا بأنه كان في حجة الوداع؛ لأنَّهُ شهدها، ولم يشهد الحديبية، ولم
يسق ابن عبد البر عن ابن عمر في هَذَا شيئًا ولم أقف على تعيين الحديبية في شيء
من الطريق عنه، وقد قدمت في صدر الباب - أي: باب الحلق والتقصير عند
الإحلال - أنه مخرج من مجموع الأحاديث عنه أن ذلك كان في حجة الوداع، كما
یومئ إليه صنيع البخاري.
وحديث أبي سعيد الَّذِي أخرجه ابن عبد البر أخرجه أيضًا الطحاوي من طريق
الأوزاعي وأحمد وَابْن أبي شيبة وأبو دَاوُد الطيالسي من طريق هشام الدستوائي
كلاهما عن يحيى بن أبي كثير عن أبي إبراهيم الأنصاري عن أبي سعيد، وزاد فيه
أَبُو دَاوُد وأحمد: ((أنَّ الصحابةَ حلَّقُوا يومَ الحديبيةِ إلا عُثمان وأبًا قتادة)).
وأما حديث ابن عباس، فأخرجه ابن ماجه من طريق ابن إسحاق: حدثني ابن
أبي نجيح عن مجاهد عنه وهو عند ابن إسحاق في ((المغازي)) بهذا الإسناد، وأن
ذلك كان بالحديبية، وكذلك أخرجه أحمد وغيره من طريقه.
وأما حديث حبشي بن جنادة؛ فأخرجه ابن أبي شيبة من طريق أبي إسحاق عنه
ولم يعين المكان، وأخرجه أحمد من هَذَا الوجه (ج٤: ص ١٦٤، ١٦٥) وزاد في
سياقه: (عَنْ حُبْشِيٍّ وكَان ممَّنْ شَهِد حجةَ الوَدَاعِ)). فذكر هَذَا الحديث، وهذا
يشعر بأنه كان في حجة الوداع.
وأما قول ابن عبد البر فوهم، فقد ورد تعيين الحديبية من حَدِيث جَابِرِ عند أبي
قرة في ((السنن))، ومن طريق الطِّبَرَاني في ((الأوسط))، ومن حديث المسور بن
مخرمة عند ابن إسحاق في ((المغازي))، وورد تعيين حجة الوداع من حديث أبي
مريم السلولي عند أحمد وابنٍ أبي شيبة، ومن حديث أمِّ الحصين عند مسلمٍ، ومن
حديث قارب بن الأسود الثقفي عند أحمد وَابْن أبي شيبة، ومن حديث أم عمارة
عند الحارث.
٢٨١
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْحُلْق
فالأحاديث التي فيها تعيين حجة الوداع أكثر عددًا وأصح إسنادًا - لأنَّ بعضَهَا
في ((صحيح مسلمٍ)) بخلاف الحديبية - ولهذا قال النووي عقب أحاديث ابن عمر
وأبي هريرةَ وَابْن الحصين: هذه الأحاديث تدلَّ على أن هذه الواقعة كانت في حجة
الوداع. قال: وهو الصحيحُ المشهورُ، وقيل: كان في الحديبية، وجزم بأن ذلك
كان في الحديبية إمام الحرمين في ((النهاية)). ثم قال النووي: لا يبعد أنْ يَكُون وقع
في الموضعين. انتهى. وقال عياض: كان في الموضعين. وقال ابن دقيق العيد:
إنه الأقرب. قلت - قائله الحافظ: بل هو المتعين لتظافر الروايات بذلك في
الموضعين كما قدمناه إلا أن السبب في الموضعين مختلف. فالذي في الحديبية
كان بسبب توقف من توقف من الصَّحَابَة عن الإحلال لما دخل عليهم من الحزنِ؛
لكونهم مُنِعُوا من الوصول إلى البيت مع اقتدارهم في أنفسهم على ذلك، فخالفهم
النبيُّ رَّه وصالح قريشًا على أن يرجع من العام المقبل، والقصة مشهورة، فلما
أمرهم الَّبِي وََّ بالإحلالِ توقَّقُوا، فأشارتْ أمُّ سلمة أن يحل هو رَّ قبلهم ففعل
فتبعوه، فحَلَق بعضُهم وقَصَّر بعضٌ، وكان من بادر على الحلق أسرع إلى امتثال
الأمر ممن اقتصر على التقصير، وقد وقع التصريح بهذا السبب في حديث ابن
عباس المشار إليه قبل، فإن في آخره عند ابن ماجه وغيره أنهم قالوا: يا رسولَ اللهِ
ما بالُ المحلِّقِين ظَاهَرْتَ لَهُم بالرحمةِ؟ قال: (لِأَنَّهُمْ لَمْ يَشُكّوا)) - في أن ما فعلته
أحسن مما قام في أنفسهم، أو معناه، أي: ما عاملوا معاملة من يشك في أنَّ الاتباع
أحسن، وأما مَن قصر فقد عامل معاملة الشاك في ذلك حيث ترك فعله وَله .
وأما السبب في تكرير الدعاء للمحلقين في حجة الوداع؛ فقال ابن الأثير في
((النهاية)): كان أكثر من حجَّ مع رسول اللّه بَّه لم يسق الهدي، فلما أمرهم أن
يفسخوا الحج ثم يتحللوا منها ويحلقوا رؤوسهم شقَّ عليهم، ثم لما لم يكن لهم بد
من الطاعةِ؛ كان التقصير في أنفسهم أخف من الحلقِ، ففعله أكثرهم، فرجَّح
النبيُّ مَّهِ فَعلَ مَن حلق؛ لكونه أبين في امتثال الأمر. انتهى.
قال الحافظ: وفيما قاله نظر، وإن تابعه عليه غير واحد؛ لأنَّ المتمتعَ يستحب
في حقِّه أن يقصر في العمرة ويحلق في الحج إذا كان ما بين النسكين متقاربًا، وقد
كان ذلك في حقِّهم كذلك، فالأولى ما قالهَ الخطابي وغيره أن عادة العرب: أنها
كانت تحبُّ توفيرَ الشعرِ والتزينَ به، وكان الحلق فيهم قليلاً، وربما كانوا يرونه
٢٨٢
*8
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
من الشهرةٍ، ومن زي الأعاجم، فلذلك كرهوا الحلق واقتصروا على التقصير.
قلت: ما حكاه الحافظُ عن الخطابي يأبى عنه كلام الخطابي في ((المعالمِ))
(ج٢: ص ٤١٨) حيث قال في شرح حديث ابنِ عُمر: قلت: كان أكثر مَن أحرمَ مع
رسولِ اللهِ وَّ من الصحابةِ ليسَ معهم هدي، وكان ◌َّه قد ساقَ الهدي، ومن كان
معه هدي، فإنه لا يحلق حتى ينحر هديه، فلما أمر من ليس معه هدي أن يحل
وجدوا من ذلك في أنفسهم وأحبوا أن يأذن لهم في المقام على إحرامهم حتى
يكملوا الحجَّ، وكان طاعةُ رسولِ الله وَ لهل أولى بهم، فلما لم يكن لهم بد من
الإِحلال؛ كان التقصير في نفوسهم أحب من الحلق، فمالوا إلى التقصير، فلما
رأى ذلك رسول اللَّه وَ له منهم أخَّرهم في الدعاء وقدَّم عليهم مَن حلق وبادر إلى
الطاعة وقصر بمن تهيبه وحاد عنه، ثم جمعهم في الدعوة وعمهم بالرحمة. انتهى.
وهذا كما ترى هو عين ما قاله ابنُ الأثيرِ في ((النهاية)).
(اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ) حيث عملوا بالأفضل؛ لأن العمل بما بَدَأَ اللهُ تعالى في
قَوْلِه: ﴿يُحِلّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] أكمل. وقضاء التفث المأمور به في
قَوْلِهِ رَتْ: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَتَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] يكون به أجمل، ويكون في ميزان
العمل أثقل، وفيه دليل على الترحُّم على الحي وعدم اختصاصهِ بالميت. (قَالُوا)
أي: الصحابة، قال الحافظ: لم أقفْ في شيء من الطرق على الَّذِي تولى السؤال
في ذلك بعد البحث الشديد. (وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ) قال الحافظُ: الواو
معطوفة على شيء محذوف تقديره: قل: والمقصرين، أو قل: وارحم
المقصرين، وهو يسمى العطف التلقيني كقوله تعالى: ﴿وَمِن ذُرِّيٌَّ﴾ بعد قوله:
﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] قال الآلوسي: ﴿وَمِن ذُرِّيَّنِيٌ﴾ عطف على كاف
﴿جَاعِلُكَ﴾ يقال: سأكرمك، فتقول: وزيدًا، أي: وتكرم زيدًا، تريد تلقينه بذلك،
قال: ﴿وَ مِن ذُرِّيَِّ﴾ في معني: بعض ذريتي، فكأنه قال: وجاعل بعض ذريتي.
وهو من قبيل عطف التلقين، فيكون خبرًا في معني الطلب، وكأن أصله: واجعل
بعض ذريتي، لكنه عدل إلى المنزل؛ لما فيه من البلاغة من حيث جعله من تتمة
كلام المتكلم كأنه مستحق مثل المعطوف عليه وجعل نفسه كالنائب عن المتكلم،
والعدول من صيغة الأمر للمبالغة في الثبوت ومراعاة الأدب في التفادي عن صورة
الأمر، وفيه من الاختصار الواقع موقعه ما يروق كل ناظر.
٢٨٣
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْحَلْق
قلت: ومن هَذَا القبيل قوله تعالى: ﴿قَالَ وَمَن كَفَرَ﴾ بعد قوله: ﴿وَأَرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ
الثَّمَرَتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْأَخْرِ﴾ [البقرة: ١٢٦] فإنه يصح التقدير: وارزق من كفر
بصيغة الأمر، فالطلب بمعني الخبر على عكس ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِيٌ﴾ وفائدة العدول تعليم
تعميم دعاء الرزق وأن لا يحجر في طلب اللطف، أو التقدير: وأرزق من كفر،
بصيغة المتكلم، وقال الآلوسي: ولك أن تجعل العطف على محذوف أي: ارزق
من آمن ومن كفر.
(قَالَ: اللَّهُمَّ ارْحَم الْمُحَلَّقِينَ) تنبيهًا على أنه بَّه لم يكتف على المحلقين أولًا؛
لعدم الالتفات إلى المقصرين، بل دعا لهم قصدًا وكرَّر الدعاء لهم خاصة؛ لإظهار
فضيلة التحليق. (قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّه) تأكيد لاستدعاء الرحمة
للمقصرين. قال القاري: هل هو قول المحلقين أو المقصرين أو قولهما جميعًا؟
احتمالات ثلاث، أظهرها: بعض الكل من النوعين. (قَالَ: وَالْمُقَصِّرِينَ) قال
الحافظُ: فيه إعطاء المعطوف حكم المعطوف عليه ولو تخلل بينهما السكوت بلا
عذر، ثم هو هكذا في معظم الروايات عن مالك الدعاء للمحلقين مرتين، وعطف
المقصرين عليهم في المرة الثالثة، وانفرد يحيى بن بكير دون رواة ((الموطأ)) بإعادة
ذلك ثلاث مرات، نَّهَ عليه ابنُ عبد البر في ((التقصي)) وأغفله في ((التمهيد))، بل قال
فيه: إنهم لم يختلفوا على مالك في ذلك، وقد راجعت أهل سماعي من ((موطأ))
يحيى بن بكير فوجدته كما قال في ((التقصي)). وفي رواية الليثِ عن نافع عند مسلمٍ
وعلقها البخاري: ((رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ)) مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ، قال:
(وَ الْمُقَصِّرِينَ))، والشك فيه من الليث وإلا فأكثرهم موافق لما رواه مالك، ولمسلم
أيضًا وعلقه البخَارِي من رواية عُبيد اللَّه - بالتصغير - العمري عن نافع، قال في
الرابعة: ((وَالْمُقَصِّرِينَ))، ولمسلم من وجهٍ آخر عن عُبيد اللَّه بلفظ مالك سواء.
قال الحافظُ: وبيان كونها في الرابعة أن قوله: (وَالْمُقَصِّرِينَ)) معطوف على
مقدَّرٍ، تقديره: يَرْحمُ اللهُ المحلَّقِين. وإنما قال ذلك بعد أن دعا للمحلقين ثلاثًا
صريحًا، فيكون دعاؤه للمقصرين في الرابعة، وقد رواه أبو عوانة في ((مستخرجه))
من طريق الثوري عن عبيداللَّه بلفظ: قَالَ في الثالثةِ: ((وَالْمُقَصِّرِينَ)). والجمعُ
بينهما واضحٌ بأنَّ مَن قال: في الرابعة، فعلى ما شرحناه، ومن قال: في الثالثة،
أراد أن قوله: ((وَالْمُقَصِّرِينَ)) معطوف على الدعوة الثالثة أو أراد بالثالثة مسألة
٢٨٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
السائلين في ذلك، وكان ◌َّ لا يراجع بعد ثلاث كما ثبتَ، ولو لم يدع لهم بعد
ثالث مسألة ما سألوه في ذلك.
وأخرجه أحمد (ج٢: ص ٣٤) من طريق أيوب عن نافع بلفظ: ((اللَّهُمَ اغْفِرْ
لِلْمُحَلِّقِينَ))، قالوا: وَلِلْمُقَصِّرِينَ، حتى قالها ثلاثًا أو أربعًا، ثم قَالَ:
(وَالْمُقَصِّرِينَ))، ورواية من جزم مقدمة على من شك. انتهى. وروى البخاريُّ
بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسولُ اللهِ وَّه: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ)) قَالُوا:
وَالْمُقَصِّرِينَ، قَالَ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ)) قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ، قَالَهَا ثَلَاثًا، قَالَ:
((وَلِلْمُقَصِّرِينَ)).
قال الحافظُ: قوله: قالها ثلاثًا؛ أي: قوله: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ))، وهذه
الرواية شاهدة؛ لأن عبيدالله العمري حفظ الزيادة. انتهى. واستدل بقوله:
((الْمُحْلِّقِينَ)) على مشروعية حلق جميع الرأس؛ لأنَّهُ الَّذِي تقتضيه الصيغة؛ إذ لا
يقال لمن حلق بعض رأسه: إنه حلقه إلا مجازًا وقال بوجوب حلقٍ جميعه مالك
وأحمدُ، واستحبَّهُ الكوفيون والشافعي، ويجزئ البعض عندهم، واختلفوا فيه:
فعن الحنفية: الربع، إلا أبا يوسف فقال: النصف. وقال الشافعي: أقل ما يجب
حلق ثلاث شعرات، وفي وجه لبعض أصحابه شعرة واحدة، والتقصير كالحلق،
فالأفضل أن يقصر من جميع شعر رأسه، ويستحبُّ أن لا ينقص عن قدر الأنملة،
وإن اقتصر على دونها أجزأ. هَذَا للشافعية، وهو مرتب عند غيرهم على الحلقِ،
وهذا كله في حقِّ الرجال، كَذَا فِي ((الفَتْح)).
وقالَ ابنُ قُدَامَة (ج٣: ص ٣٩٣): يلزمُ التقصيرُ أو الحلقُ من جميع شعره،
كذلك المرأة، نص عليه أحمد، وبه قال مالك، وعن أحمد: يجزئه البعض مبنيًّا
على المسحِ في الطهارةِ، وكذلك قال ابنُ حامدٍ. وقال الشافعي: يجزئه التقصير
من ثلاث شعراتٍ، واختار ابنُ المنذر أنه يجزئه ما يقع عليه اسم التقصير لتناول
اللفظ له، ولنا قول الله تعالى: ﴿يُحِلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ [الفتح: ٢٧] وهذا عام في جميعه،
ولأنَّ النبيَّ بَلّه حلق جميع رأسه؛ تفسيرًا لمطلق الأمر به، فيجب الرجوع إليه؛
ولأنَّه نسك تعلق بالرأس، فوجب استيعابه به كالمسح. انتهى.
واختار ابنُ الهمام قولَ مالِكِ في وجوب استيعاب الرأس بالحلقِ والتقصيرِ،
٢٨٥
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
** ** ses*
بَابُ الْحَلْق
وقال بعد بسط الكلام فيه: فكان مقتضى الدليل في الحلقِ وجوب الاستيعاب كما
هو قول مالك، وهو الَّذِي أدين الله به. قال: وقياسه على المسح قياس مع
الفارق. وقال الشنقيطي بعد ذكر مذاهب الأئمة في ذلك: أظهرُ الأقوال عندي أنه
يلزم حلق جميع الرأس أو تقصير جميعه، ولا يلزم تتبع كل شعرة في التقصير؛ لأن
فيه مشقة كبيرة، بل يكفي تقصير جميع جوانب الرأس مجموعة أو مفرَّقة، وأنه لا
يكفي الربع ولا ثلاث شعرات، خلافًا للحنفية والشافعية؛ لأنَّ اللهَ تعالى يقول:
مُحِلّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ [الفتح: ٢٧] ولم يقل: بعض رؤوسكم ﴿وَمُفَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] أي:
رؤوسكم لدلالة ما ذكر قبله عليه، وظاهره حلق الجميع أو تقصيره، ولا يجوز
العدول عن ظاهر النص إلا لدليل يجب الرجوع إليه، ولأن النَّبِيِ وَّ يقول: ((دَعْ مَا
يَرِيبُكَ إِلى مَا لا يَرِيبُك)). فمن حلق الجميع أو قصره؛ ترك ما يريبه إلى ما لا يريبه،
ومن اقتصر على ثلاث شعرات أو على ربع الرأس لم يدع ما يريبه؛ إذ لا دليل يجب
الرجوع إليه من كتاب ولا سنة على الاكتفاء بواحد منهما، ولأن النَّبِي ◌َّ لما حلق
في حجة الوداع؛ حلق جميع رأسه وأعطى شعر رأسه لأبي طلحة ليفرقه على
الناس، وفعله في الحلق بيان للنصوص الدالة على الحلقِ؛ كقوله: ﴿مُحِلّقِينَ
رُءُوسَكُمْ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَلَا تَخْلِقُواْ رُءُوسَكُمْ حَى بَلْغَ الْهَدْىُ عِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] وقد قدمنا
أن فعله وَلّ إذا كان بيانًا لنص مجمل يقتضي وجوب حكم أن ذلك الفعل المبين
لذلك النص المجمل واجب، ولا خلاف في ذلك بين من يعتد به من أهل
الأصول. انتهى.
قال الحافظ: وفِي الحَدِيث من الفوائد: أن التقصير يجزئ عن الحلق وهو
مجمع عليه إلا ما رُوي عن الحسن البصري أن الحلقَ يتعيَّنُ في أولِ حجةٍ، حكاه
ابن المنذر بصيغة التمريض، وقد ثبت عن الحسن خلافه. قال ابن أبي شيبة:
حدثنا عبد الأعلى عن هشام عن الحسن : في الَّذِي لم يحج قط، فإن شاء حلق وإن
شاء قصر، نعم روى ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعي قال: إذا حجَّ الرجل أول
حجة حلق، فإنْ حجَّ أخرى، فإن شاء حلق وإن شاء قصر، ثم روي عنه أنه قال:
كانوا يحبون أن يحلقوا في أول حجة وأول عمرة. انتهى.
وهذا يدلُّ على أن ذلك للاستحباب لا الملزوم. نعم عند المالكية والحنابلة أن
محل تعيين الحلق والتقصير أن لا يكون المحرم لبَّدَ شعره أو ضفَّره أو عَقَصَه، وهو
٢٨٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قول الثوري والشافعي في القديم والجمهور، وقال في الجديد وفاقًّا للحنفية: لا
يتعين إلا إن نذره أو كان شعره خفيفًا لا يمكن تقصيره أو لم يكن له شعر، فيمر
الموسي على رأسه، وأغرب الخطابي، فاستدل بِهَذَا الحَدِيث لتعين الحلق لمن
لبد، ولا حجة فيه. انتهى.
وقالَ ابنُ قُدَامَة (ج٣: ص ٤٣٤): وهو - أي: المحرم - مخير بين الحلق
والتقصير أيهما فعل أجزأه في قول أكثر أهل العلم. قال ابنُ المُنْذِر: أجمع أهل
العلم على أن التقصير يجزئ، يعني في حق من لم يوجد منه معنى يقتضي وجوب
الحلق عليه، إلا أنه يُروى عن الحسن أنه كان يوجب الحلق في أول حجة حجها
ولا يصح هذا؛ لأن الله تعالى قال: ﴿يُحِلّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] ولم يفرق
الَّبِي ◌َّهَ إذ قال: ((رَحِمَ اللهُ الْمُحَلَّقِينَ وَالْمُقَصِّرِينَ)). وقد كان مع الشَّبِي وَّ من
قصر فلم يعب عليه، ولو لم يكن مجزيًا لأنكر عليه، واختلف أهل العلم فيمن لبَّد
أو عَقَصَ أو ضَفَّر؛ فقال أحمد: من فعل ذلك؛ فليحلق، وهو قول النخعي ومالك
والشافعي وإسحاق، وكان ابنُ عباسٍ يقول: من لبَّد أو ضفَّر أو عَقَد أو فَتَل أو
عَقَصَ فهو على مَا نوى، يعني: إن نوى الحلق فليحلق وإلا فلا يلزمه. وقال
أصحاب الرأي: هو مخير على كلِّ حالٍ؛ لأن ما ذكرناه يقتضي التخيير على
العموم، ولم يثبت في خلاف ذلك دليل، واحتجَّ من نصر القول الأول بأنه روي
عن النَّبِي وَّ أنه قال: من لَبَّد؛ فليحلق، وثبت عن عمر وابنه أنهما أمرا من لبد
رأسه أن يحلقه، وثبت أن النَّبِي وَّ لبد رأسه وأنه حلقه، والصحيح: أنه مخير إلا
أن يثبت الخبر عن النَّبِي وََّ وقول عمر وابنه قد خالفهما فيه ابن عباس، وفعل
النَّبِي ◌َّ له لا يدلّ على وجوبه بعد ما بين لهم جواز الأمرين. انتهى.
وقال النووي في ((مناسكه)): إذا فرغ من النحر حلق رأسه أو قصر وأيهما فعل
أجزأ، والحلق أفضل. هَذَا فيمن لم ينذر الحلق، أما مَن نذر الحلق في وقته فيلزمه
حلق الجميع، ولا يجزئه التقصير، ولو لبد رأسه عند الإحرام لم يكن ملتزمًا للحلق
على المذهب الصحيح، وللشافعي قول قديم أن التلبيد كنذر الحلق. انتهى. وقال
الدردير: والتقصيرُ مجزئ لمن له الحلق أفضل. قال الدسوقي: أي إن لم يكن لبد
شعره وإلا تعين الحلق، ونص ((المدونة)): من ضفَّر أو عَقَصَ أو لبّد؛ فعليه الحلقُ،
ومثله في ((الموطأ))، وعلَّله ابنُ الحاجبِ تبعًا لابن شاس بعدم إمكان التقصير،
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْحَلْق
٢٨٧
وردَّهُ في ((التوضيح)) بأنه يمكنُ أن يغسله ثم يقصر، وإنما علّل علماؤنا تعين الحلق
في حق هؤلاء بالسنةِ. انتهى.
ومذهب الحنفية: أنه لو تعذر الحلق لعارض؛ تعين التقصير أو التقصير لعارض
تعين الحلق، كأن لبده بصمغ، فلا يعمل فيه المقراض، ومتى نقض؛ تناثر بعض
شعره، وذلك لا يجوز للمحرم قبل الحلق كذا في ((العالمكيرية)). وقال في ((الدر
المختار)): ومتى تعذّر أحدهما لعارض؛ تعين الآخر، فلو لبَّد بصمغ بحيث تعذّر
التقصير؛ تعين الحلق. قال ابن عابدين: مثال لتعذر التقصير ومثله ماً لو كان الشعر
قصيرًا فيتعين الحلق، وكذا لو كان معقوصًا أو مضفورًا كما عزي إلى ((المبسوط))،
ووجهه أنه إذا نقضه تناثر بعض الشعر فيكون جناية على إحرامه، لكن قد يقالُ: إن
هَذَا التناثر غير جناية؛ لأنَّهُ في وقتٍ جواز إزالة الشعر بحلقٍ أو غيره، ولو نتفًّا منه
أو من غيره، فبقى ما في ((المبسوط)) مشكلًا، تأمل. ومثال تعذر الحلق مع إمكان
التقصير: أن يفقد آلةَ الحلق أو من يحلقه أو يضره الحلق بنحو صداع أو قروح
برأسه، وتقدم مثال تعذرهما جميعًا في الأقرع وذي قروح شعره قصير. انتهى.
وفِي الحَدِيث أيضًا: أن الحلق أفضل من التقصير، ووجهه مع قطع النظر عن
سببه الوارد في الحديبية، وحجة الوداع أنه أبلغ في العبادةِ وأبين للخضوع والذلة،
وأدلَّ على صدقِ النيةِ، والذي يقصر يبقي على نفسه شيئًا مما يتزين به بخلاف
الحالق، فإنه يشعر بأنه ترك ذلك لله تعالى، وأما قول النووي تبعًا لغيره في تعليل
ذلك بأن المقصر يبقي على نفسه الشعر الَّذِي هو زينة والحاج مأمور بترك الزينة بل
هو أشعث أغبر، ففيه نظر؛ لأنَّ الحلق إنما يقعُ بعد انقضاء زمن الأمر للتقشف،
فإنه يحل له عقبه كل شيء إلا النساء في الحج خاصة، وفيه أيضًا مشروعية الدعاء
لمن فعل ما شرع له وتكرار الدعاء لمن فعل الراجح من الأمرين المخير فيهما،
والتنبيه بالتكرار على الرجحان وطلب الدعاء لمن فعل الجائز وإن كان مرجوجًا،
هذا وقد بسط الكلام في فوائد الحديث ومباحثه الولي العراقي في ((طرح التثريب))
(ج٥: ص ١١٠ إلى ص ١١٨) فارجع إليه إن شئت.
(مُنَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخْرَجہ أيضًا أَخْمَد (ج٢: ص ٧٩) وأبو داود و الْبَيْهَقِي اج٥ : ص
١٠٣) وغَيْرهم.
٢٨٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٦٧٢ - [٤] وَعَنْ يَحْيَى بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ جَدَّتِهِ: أَنَّها سَمِعَتِ
النَّبِيَّ وَّهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ دَعَا لِلْمُحَلَّقِينَ ثَلَاثًا، وَلِلْمُقَصِّرِيْنَ مَرَةً وَاحِدَةً.
[رَوَاهُ مُسلِمٌ] {صحيح}
الشرح
٢٦٧٢ - قوله: (وَعَنْ يَحْيَى بْنِ الْحُصَيْنِ) بمهملتين مصغرًا الأحمسي البجلي
الكوفة ثقة، قال الحافظ: يحيى بن الحصين الأحمسي البجلي عن جدته أمّ
الحصين ولها صُحبة، وعن طارق بن شهاب وعنه أبو إسحاق السبيعي وزيد بن أبي
أنيسة وشعبة. قال ابن معين والنسائي: ثقة. وزاد أبو حاتم: صدوق. وذكره ابن
حبان في ((الثقات)). وقال العجلي: كوفي ثقة.
(عَنْ جَدَّتِهِ) أي: أم الحصين بنت إسحاق الأحمسية الصحابية لم تسم. قال ابن
عبد البر: أمُّ الحصين بنت إسحاق الأحمسية روى عنها ابنُ ابْنِها يحيى بن الحصين
والعيزار بن حريث شهدت حجة الوداع. قال الحافظ: سمى ابن عبد البر أباها
إسحاق ولم أرها لغيره، ورواية العيزار بن حريث عنها عند ابنٍ مَنْدَهْ وأحمد (ج٦ :
ص ٤٠٢) من طريق يونس بن أبي إسحاق عن العيزار بن حريث، قال: سمعتُ
الأحمسية، يعني: أم الحصين تقولُ: رأيتُ على رسول اللَّه ◌ِ لَه بردًا قد التحفَ به
من تحت إبطه ... الحديث.
(أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ بِّهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ) هَذَا نصٌ في شهودٍ أمِّ الحصين حجة
الوداع، وأن الدعاء المذكور كان في حجة الوداع، وتقدَّم الكلام في هذا.
(مَرَّةً وَاحِدَةً) هكذا في جميع النسخ، و کذا وقع في «جامع الأصول» (ج٤ ص
١٠٨) و((طرح التثريب)) (ج٥: ص ١١١) والذي في ((صحيح مسلم)): ((مرَّةً))، أي:
بدون لفظة: ((واحدة))، وهكذا في ((المصابيح)) و((السنن)) للبيهقي و((القرى))
(ص٤١٢) للمحب الطبري، ولفظ أحمد في رواية: أنها سمعتِ النبيَّ وَّل بمنى دعا
(٢٦٧٢) مُسْلِم (٣٢١/ ١٣٠٣) فِيهِ عَنْ أُمِّ الحُصَيْنِ.
٢٨٩
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْحَلْق
للمحلقين ثلاثَ مرَّاتٍ، فقيل له: والمقصرين، فقال في الثالثة - أي: عقب
الثالثة، فتكون رابعة لتتفق مع الرواية الآتية. وفي لفظ له قالت: سمعتُ نبيَّ اللهِ
وَله بعرفات في الطريق الأولى بمنى. فيحتملُ أنه وَّلَ كرَّر الدعاء في خطبته بعرفات
ثم في خطبته بمنى فسمعته في الموضعين، يقول: ((غَفَرَ اللهُ لِلْمُحَلِّقِينَ))، ثلاث
مرار، قالوا: والمقصرين، فقال: ((وَالْمُقَصِّرِينَ))، في الرابعة.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد (ج٦: ص ٤٠٢، ٤٠٣) والْبَيْهَقِي (ج٥: ص
١٠٣).
٢٦٧٣ - [٥] وَعَنْ أَنَسِ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ أَتَى مِنَّى، فَأَتَّى الْجَمْرَةَ فَرَمَاهَا،
ثُمَّ أَتَى مَنْزِلَهُ بِمِنَّى، وَنَحَرَ نُسُكَهُ، ثُمَّ دَعَا بِالْحَلَّاقِ، وَنَاوَلَ الْحَالِقَ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ
فَحَلَقَهْ، ثُمَّ دَعَا أَبَا طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيَّ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، ثُمَّ نَاوَلَ الْشِّقَ الْأَيْسَرَ،
فَقَالَ: ((احْلِقْ))، فَحَلَقَهُ فَأَعْطَاهُ أَبَا طَلْحَةَ، فَقَالَ: ((اقْسِمْهُ بَيْنَ الْنَّاسِ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٦٧٣- قوله: (فَأَتَّى الْجَمْرَةَ﴾ أي: جمرة العقبة. (فَرَمَاهَا، ثُمَّ أَتَى مَنْزِلَهُ
بِمِنَّى) فيه أنه يستحبُّ إذا قدم منى أن لا يعرج على شيء قبل الرمي، بل يأتي
الجمرة الكبرى جمرة العقبة راكبًا كما هو فيرميها، ثم يذهب فينزل حيث شاء من
منى. (وَنَحَرَ نُسُكَهُ) بسكون السين ويضمُّ، جمع نسيكة وهي الذبيحة، والمرادُ
بدنه وَله، وقد نحرَ بيده ثلاثًا وستين وأمر عليًّا أن ينحر بقية المائة، وفيه استحباب
نحر الهدي بمنى، ويجوزُ حيثُ شاءَ من بقاع الحرم؛ لقول رسول اللّه وَله: «كُلُّ
مِنَّى مَنْحَرٌ، وَكُلُّ فِجَاجٍ مَكَّةَ مَنْحَرٌ)).
(ثُمَّ دَعَا بِالْحَلَّاقِ) هو معمر بن عبد اللَّه العدوي. (وَنَاوَلَ الْحَالِقَ شِقَّهُ) أي:
جانبه. (الْأَيْمَنَ) أي: من الرأس. (فَحَلَقَهُ) فيه أنه يستحبُّ في حلقِ الرأس أن يبدأ
(٢٦٧٣) مُتَفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٧١)، مُسْلم (١٣٠٥) عَنْ أَنَسٍ، وَأَبُو دَاوُد (١٩٨١).
٢٩٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
itea
بالشق الأيمن من رأس المحلوق، وإن كان على يسار الحالق وإلى ذلك ذهب
الجمهور. وقال أبو حنيفة: يبدأُ بجانبه الأيسر؛ لأنَّهُ على يمين الحالق، والحديث
يرد عليه، قال الطيبي: دلَّ الحديث على أن المستحب الابتداء بالأيمن - من رأس
المحلوق - وذهب بعضُهُمْ إلى أن المستحب الأيسر. انتهى.
قال القاري: أي: ليكون أيمن الحالق، ونسب إلى أبي حنيفة إلا أنه رجعَ عن
هذا، وسبب ذلك أنه قاس أولًا يمين الفاعل كما هو المتبادر من التيامن، ولما بلغه
أنه عليه الصلاة والسلام اعتبر يمين المفعول؛ رجع عن ذلك القول المبني على
المعقول إلى صريح المنقول؛ إذ الحق بالاتباع أحق، ولو وقف الحالق خلف
المحلوق أمكن الجمع بين الأيمنين أي: اجتمع الابتداء بيمين الحالق والمحلوق
وارتفع الخلاف، وإذا تعذر الجمع، فلا بد من ترجيح ما يدلَّ عليه حديث أنس.
وقال ابن عابدين في ((رد المحتار)) (ج٢: ص ٢٤٩): تنبيه: قالوا - أي:
الحنفية: يندبُ البداءة بيمين الحالق لا المحلوق إلا أن ما في ((الصَّحِيحَيْن)» يفيد
العكس، وذلك أنه وَّه قال للحلَّقِ: خُذ، وأشار إلى الجانبِ الأيمنِ ثم الأيسرِ،
ثم جعل يعطيه الناس، قال - أي: ابن الهمام - في ((الفتح)): وهو الصوابُ وإن
كان خلاف المذهب. انتهى. وأقول - قائله ابن عابدين: يوافقه ما في الملتقطِ عن
الإمام: حلقتُ رأسي فخطَّأَنِي الحلاقُ في ثلاثةِ أشياءَ لما أن جلست قال: استقبلٍ
القبلةَ، وناولته الجانب الأيسر، فقال: ابدأ بالأيمنِ، فلما أردتُ أن أذهبَ قال:
ادْفِنْ شَعرك، فرجعت فدَفَنْتُه. انتهى. ((نهر)): أي: فهذَا يفيدُ رجوع الإمام إلى قولٍ
الحجامِ؛ ولذا قالَ فِي ((اللبابٍ)): هو المختارُ. قال شارحُهُ: كما في ((منسك ابن
العجمي))، و((البحر))، وقال في ((النخبة)): وهو الصحيح، وقد رُوي رجوع الإمام
عما نقل عنه الأصحاب، فصحَّ تصحيح قوله الأخير، واندفع ما هو المشهور عنه
عند المشائخ من البداءة من يمينِ الحالق وأيسر المحلوق. وقال السروجي: وعند
الشافعي يبدأ بيمين المحلوق، وذكر كذلك بعض أصحابنا ولم يعزه إلى أحدٍ،
والسنة أولى، وقد صحَّ بداءة رسول اللّه وَّل بشقِّ رأسه الكريم من الجانب
الأيمنٍ، ولا لأحد بعده كلام، وقد كان يحب التيامن في شأنه كله، وقد أخذ
الإمام بقول الحجام ولم ينكره، ولو كان مذهبه خلافه لما وافقه. انتهى ملخصًا.
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْحَلْق
٢٩١
ومثله في ((المعراج)) و((غاية البيان)) انتهى كلام ابن عابدين.
قلت: قصةُ أبي حنيفة مع الحجام مشهورة، كما قال الحافظ، وأخرجها
أبو الفرج بن الجوزي في ((مثير الغرام الساكن)) بإسنادِهِ إلى وكيع عنه، قال وكيع:
قال لي أبو حنيفة: أخطأتُ في خمسةٍ أبوابٍ من المناسك، فعلمنيها حجَّامٌ
فذكرها، ثم قال: فقلت له - أي: الحجام -: من أينَ لَكَ ما أمرتني به؟ قال:
رأيتُ عطاءَ بنَ أبي رباح يفعلُ هذا، وذكر هذه القصة المحبُّ الطبري في ((القرى))
(ص ٤١٤) مفصلًا، والحافظ في ((التلخيص)) مختصرًا، ولا اضطراب فيها أصلًا،
وهي تدلُّ على أن أبا حنيفة رجعَ عن قوله الأول بتعليم الحجَّام، وتدلَّ على عظم
شأنه حيث ترك قياسه ورأيه وقَبِل الحقَّ عمن هو دونه، وتدلَّ أيضًا على أنه لم يبلغه
حديث الابتداء في حلقِ الرأسِ بيمين المحلوق وإلا لما خالفه، وهو نص في مورد
النزاع قاطع للخلاف اتفقت روايته عند مخرجيه على التصريح بالبداءة بشق الرأس
الأيمن، وفيه بيان أن التيامن المحبوب المطلوب في حلقِ الرأس، وهو ما بينه
النَّبِي وَّ بفعله وعمله لا ما فهمه أبو حنيفة أولًا؛ ولذلك اضطر ابن الهمام
والسروجي والإتقاني وَابْن نجيم والعيني وغَيْرهم من الحنفية إلى تصحيح قول أبي
حنيفة الأخير وتصويبه واختياره.
(ُمَّ دَعَا أَبَا طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيَّ) زوج أمِّ سليم والدة أنس، راوي هَذَا الحديث،
واسم أبي طلحة: زيد بن سهل النجارى، تقدَّم ترجمته (ج١: ص ٤٠٦). قال
القاري: وكان له - عليه الصلاة والسلام - بأبي طلحة وأهله مزيد خصوصية
ومحبة ليست لغيرهم من الأنصارٍ، وكثير من المهاجرين الأبرار وظّه. (فَأَعْطَاهُ)
أي: أبا طلحة. (إِيَّهُ) أي: الشعر المحلوق. (ثُمَّ نَاوَلَ) وفي مسلم: (ثُمَّ نَاوَلَهُ))
أي: الحالق. (الشِّقَّ الْأَيْسَرَ) من الرأس. (فَأَعْطَاهُ أَبَا طَلْحَةَ فَقَالَ: اقْسِمْهُ بَيْنَ
النَّاسِ) الحديث ظاهر بل نص في أن شعر شقيه وَ يّ أعطاه أبا طلحة، وفي أنه أمر
بقسم شعر الشق الأيسر بين الناس، ويدلّ عليه أيضًا رواية أبي عوانة فِي ((صَحِيحِه))
بلفظ: ((أن رسول اللَّه ◌َله أمرَ الحلَّاق فحلَقَ رأسَهُ ودفع إلى أبي طلحة الشق
الأيمن، ثم حلق الشق الآخر، فأمره أن يقسمه بين الناس)). وفي رواية لمسلم:
((أنه قسم الأيمن بين مَن يليه، وأعطى الأيسر أمَّ سليم))، وفي لفظ له: ((فوزَّعَهُ -
أي: الأيمن - الشعرة والشعرتين بين الناس ودفع الأيسر إلى أبي طَلْحَة)).
٢٩٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
قال الحافظ: ولا تناقض في هذه الروايات، بل طريق الجمع بينها أنه ناول أبا
طلحة كُلَّا من الشقين، فأما الأيمن فوزَّعَهُ أبو طلحة بأمرٍهٍ، وأما الأيسر فأعطاه لأمّ
سُليم زوجته بأمره وسلّ أيضًا، زاد أحمد في رواية له: ((لتجعلها في طيبها))، وعلى
هَذَا فالضمير في قَوْلِهِ ((يقسمه)) في رواية أبي عوانة يعودُ على الشقِّ الأيمنِ، وكذا
قوله في رواية الباب، فقال: ((اقْسِمْهُ بَيْنَ النَّاسِ)). انتهى.
وقال المحب الطبري: والصحيحُ أن الَّذِي وزَّعه على الناس وَِّ الشق الأيمن
على ما تَضَمَّنَه حَدِيث توزيع الشعرة والشعرتين بين الناس، وأعطى الأيسر أبا
طلحة أو أم سليم على ما تضمنه أيضًا، ولا تضاد بين الروايتين؛ لأنَّ أمَّ سُليم امرأة
أبي طلحة، فأعطاه وَلخير لهما، فنسبت العطية تارة إليه وتارة إليها. انتهى.
قال النووي: في الحديثِ فوائد: منها: بيانُ السنةِ في أعمال الحجِ يومَ النحر
بعد الدفع من مزدلفة ووصوله منى، وهي أربعة: رمي جمرة العقبة أولًا، ثم نحر
الهدي أو ذبحه، ثم الحلق أو التقصير، ثم دخوله مكة وطواف الإفاضة، وكلها
ذكرت في هَذَا الحديث إلا طواف الإفاضة، والسنة في هذه الأعمال الأربعة أن
تكون مرتبة كما ذكرنا لهذا الحديث الصحيح، فإن خالف ترتيبها، فقدم مؤخرًا أو
أخر مقدمًا؛ جاز؛ لقوله بََّ: ((افْعَلْ وَلَا حَرَجَ)) وسيأتي الكلام على هَذَا في الباب
الآتي. ومنها: طهارة شعر الآدمي وهو الصحيح من مذهبنا، وبه قال جماهير
العلماء. ومنها: التبرك بشعره وَله وجواز اقتنائه للتبرك. ومنها: مواساة الإمام
والكبير بين أصحابه وأتباعه فيما يفرقه عليهم من عطاء وهدية.
قال الحافظ: وفيه أنَّ المواساة لا تستلزم المساواة، وفيه تنفيل من يتولى التفرقة
على غيره. قال العَيْنِي: وفيه أن حلق الرأس سنة أو مستحبة؛ اقتداء بفعله وَالخير. قال
الزرقاني: وإنما قسم شعره في أصحابه؛ ليكون بركة باقية بينهم وتذكرة لهم،
وكأنه أشار بذلك إلى اقتراب الأجل، وخص أبا طلحة بالقسمة؛ التفاتًا إلى هَذَا
المعنى؛ لأنَّهُ هو الَّذِي حفر قبره ولحد له وبنى فيه اللبن. انتهى.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) أي: على أصلِ الحديثِ، فإنَّ البخاري رواه في باب: ((الماء الَّذِي
يغسل به شعر الإنسان)). من كتاب الطهارة مختصرًا جدًّا بلفظ: ((إن رسول اللَّه وَّة.
لما حلق رأسه؛ كان أبو طلحة أول من أخذ من شعرِه)). قال العَيْنِي: لم يخرجه أحد
ea
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْحُلْق
٢٩٣
من الستة غيره بهذه العبارةِ. وقال المزي في ((الأطراف)) (ج١: ص ٣٧٣) بعد
ذكره: هو مختصر من حديث قد تقدم (ج١: ص ٣٧١) يريدُ بذلك حديث الباب،
وقد أخرجه مسلم في الحجِّ مطولًا بألفاظٍ مختلفةٍ متقاربةِ المعنى، والسياق
المذكور في الكتاب مأخوذ من روايتين لمسلم، فقوله: ((إن النَّبِي ◌َّ أتى منى،
فأتى الجمرة فرَمَاها، ثم أتى منزله بمنى)). وقع عنده في رواية يحيى بن يحيى عن
حفص بن غياث عن هشام بن حسان عن ابن سيرين عن أنس، وقوله: ((ونحر نسكه
وناول الحالق شقه الأيمن ... )) إلخ. وقع في رواية ابن أبي عمر عن ابن عيينة عن
هشام عن ابن سيرين، وقوله: ((ثم دعا بالحلاق)). ليس عند مسلم، بل هو عند أبي
داود فقط، فالمصنفُ أخذ صدر الرواية الأولى وترك عجزها، وترك أول الرواية
الثانية وأدخل في الوسط فقرة من رواية أبي داود، ولا يخفى ما في هَذَا الصنيع من
الخلل .
والحديث أخرجه أحمد والترمذي والنَّسَائِي في ((الكبرى)) وأبو دَاوُد وَابْن
الجارود (ص١٧٣) والْبَيْهَقِي (ج٥: ص ١٠٣، ١٣٤)، قال المزي في ((الأطراف))
(ج١ : ص ٣٧١): حديث عبيد بن هشام الحلبي وعمرو بن عثمان الحمصي عن ابن
عيينة - عند أبي داود - في رواية أبي الحسن بن العبد وأبي بكر بن داسة، ولم
يذكره أبو القاسم.
٢٦٧٤ - [٦] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ وَ قَبْلَ أَنْ
يُحْرِمَ، وَيَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ بِطِيبٍ فِيهِ مِسْلُك.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٦٧٤ - قوله: (كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ) فيه دليل على جواز
استعمال الطيب، بل استحباب التطيب قبل الإحرام بما شاءً من طيب، سواء كان
يبقى عينه ولونه أو أثره بعد الإحرام أو لا يبقى، وبه قال الشافعي وأحمد وأبو حنيفة
(٢٦٧٤) الْبُخَارِي (١٥٣٩)، ومُسْلِم (١١٩١/٤٦)، وأَبُو دَاوُد (١٧٤٥)، والتِّرْمِذِي (٩١٧)، والنَّسَائِي
(١٣٧/٥)، وابنُ ماجه (٢٩٢٦) عَنْ عَائِشَةً فِهِ.
٢٩٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والثوري، وهو مذهب أكثر الصَّحَابَة وجماعة من التابعين. وقال مالك: يكره
التطيبُ عند إرادة الإحرام إذا بقي أثر الطيب وريحه أو عينه بعد التلبس بالإحرام،
وإليه ذهب محمد بن الحسن واختاره الطحاوي. (وَيَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ
بِالْبَيْتِ) أي: طواف الإفاضة يعني بعد التحلل الأول وهو بالحلق، وبه يظهر
المناسبة بين الباب وبين هَذَا الحديث. (بِطِيبٍ) متعلِّقٌ بـ((أطيب)). (فِيهِ) أي: في
أجزائه. (مِسْك) في الحديثِ دليلٌ على حِلِّ التّطيبِ بعد رمي الجمرة والحلق قبل
طواف الإفاضة، وإليه ذهبَ الشافعي وأحمد وأبو حنيفة، وكرهه مالك، وقد تقدَّم
الكلام على هَذَا الحديث مستوفى في باب الإحرام والتلبية، وهو أول أحاديث
الباب المذكور، فعليك أن تراجعه.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) واللفظ لمسلمٍ، رواه عن أحمد بن منيع ويعقوب الدورقي كلاهما
عن هشيم عن منصور عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت: كُنْتُ
أطيِّبُ النبيَّ ◌َِّ ... إلخ. وليس عند البخَارِي لفظِ المسكِ.
٢٦٧٥ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ أَفَاضَ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ
رَجَعَ، فَصَلَّى الظَّهْرَ بِمِنَّى.
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشرح
٢٦٧٥ - قوله: (أَفَاضَ یَوْمَ النَّحْرِ) أي : نزل من منی إلى مكة بعد رمیه ونحره
وحلقه فطاف طواف الفرض أي: طواف الزيارة والإفاضة وقت الضحى. (ثُمَّ
رَجَعَ) أي: في ذلك اليوم. (فَصَلَّى الظَّهْرَ بِمِنَّى) فيه تصريح بأنه ◌َِّطافَ طواف
الإِفاضة نهارًا وصلى صلاة الظهر بمنى بعد ما رجع من مكة، ويوافقهِ في وقتٍ
الطوافٍ حَدِيث جَابِرِ الطويل في حجَّة النبِّ وََّ، ويخالفُهُ في الموضع الَّذِي صلِى
فيهِ ظهر يوم النحر حيثُ قال: ثم رَكَب رسولُ اللهِ وَّ فأفاضَ إلى البيتِ، فصَلَّى
بمكّةَ الظَّهْرَ. ففيه التصريح بأنه أفاض نهارًا وهو نهار يوم النحر، وأنه صلى ظهر
يوم النحر بمكة، وكذلك قالت عائشة أنه طاف يوم النحر وصلى الظهر بمكة،
(٢٦٧٥) مُسْلِم (١٣٠٨/٣٢٥) فِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ .
٢٩٥
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْحَلْق
فاتفق الحديثان في وقت طواف الإفاضة واختلفا في موضع صلاته لظهر ذلك
اليوم. ووجه الجمعُ بينهما: أنه ◌ََّ صلَّى الظهرَ بمكّةً، كما قال جابرٌ وعائشةُ، ثم
رجعَ إلى منى، فصلَّى بأصحابِهِ الظهرَ مرة أخرى، كما صلى بهم صلاة الخوف
مرتين مرة بطائفة، ومرة بطائفة أخرى في بطن نخل، فرأى جابر وعائشة صلاته
في مكة فأخبرا بما رأيا، وقد صدقا، ورأى ابن عمر صلاته بهم في منى، فأخبر بما
رأى وقد صدقَ، وبهذا الجمع جزم النووي وغير واحد، وقد جمع بعضهم بينهما
بوجوه أخرى وصار بعضهم إلى الترجيح، كما تقدم مفصلاً في شرح حَدِیث جَابِر
في قصة حجة الوداع.
هذا؛ وقد وردَ في بعضٍ الرويات ما يدلُّ على أنه ◌َّله طاف طواف الإفاضة ليلًا.
قال البخاري في ((صَحِيحِه)): وقال أبو الزبيرُ عن عائشة وَابْن عباس: أخَّر النبيُّ ◌َِل
الزيارةَ إلى الليلِ، وقد تقرَّر أن كلَّ ما علَّقه البخاري بصيغة الجزم؛ فهو صحيح إلى
مَن علق عنه، مع أنه وصله أحمد وأبو داود والترمذي وغَيْرِهم من طريق سفيان
الثوري عن أبي الزبير به، وزيارته ليلًا في هَذَا الحديث المروي عن عائشة وَابْن
عباس مخالفة لما تقدَّم في حديثي جابر وَابْن عمر، وللجمع بينهما أوجه كما سبق؛
منها: أن الَّبِي وَّ طافَ طواف الزيارةِ في النهارِ يومَ النَّحْرِ، كما أخبرَ به جابر
وعائشة وَابْن عمر، ثم بعد ذلك صارَ يأتي البيت ليلًا، ثم يرجع إلى منى، فيبيت
بها، وإتيانه البيت في ليالي منى هو مراد عائشة وَابْن عباس. وقال البخاري في
((صَحِيحِه)) بعد أن ذكر هَذَا الحديث الَّذِي علقه بصيغة الجزم ما نصه: ويذكر عن
أبي حسان عن ابن عباس: أنَّ النَّبِي ◌َِّّ كان يزورُ البيت أيام منى. انتهى.
قال الحافظُ في ((الفتح)): فكأنَّ البخاريَّ عقبَ هَذَا بطريق أبي حسان؛ ليجمع بين
الأحاديث بذلك، فيحمَلُ حَدِيث جَابِر وَابْن عمر على اليوم الأول، وحديث ابن
عباس هَذَا على بقية الأيام، وهذا الجمع مال إليه النووي. ومنها: أن الطواف الَّذِي
طافه النَّبِي وَ لّ ليلًا طواف الوداع، فنشأ الغلط من بعض الرواة في تسميته بالزيارة،
ومعلوم أن طواف الوداع كان ليلًا، فقد روى البخاري في ((صَحِيحِه)) بسنده عن
أنس بن مالك: أنَّ النبيَّ وَّ صلَّى الظهر والعصرَ والمغربَ والعشاءَ، ثم رقد رقدةً
بالمُحَصَّبِ، ثم ركب إلى البيت فطاف به. وسيأتي في باب: ((خطبة يوم النحر))،
وهو واضح في أنه طاف طواف الوداع ليلًا، وإلى هَذَا الجمع مال ابنُ القيِّم، ولو
٢٩٦
** 1
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
فرضنا أن أوجه الجمع غير مقنعة، فأحاديث جابر وعائشة وَابْن عمر: أنه طافَ
طواف الزيارة نهارًا؛ أصحُّ مما عارضها، فيجب تقديمها عليه. وفِي الحَدِيث:
دلالة على أن رميه وحلقه وقع قبل الظهر بالاتفاق وإن اختلف في كونه بمكة أو
بمنى؛ إذ الترتيب بين الحلق والإِفاضة معتبر، فظهرت المناسبة بين الباب وبين
حَدِيث ابنِ عُمَر. فتدبر.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد (ج٢: ص ٣٤) وأبو دَاوُد وَابْن الجارود
(ص١٧٤) والْبَيْهَقِي (ج٥: ص ١٤٤) وقد عزا بعضُهُم هَذَا الحديث إلى الشيخين
وهو خطأ، فإنَّ الحديثَ من أفرادِ مسلمٍ لم يخرجه البخاري، وقد تقدَّم التنبيه على
ذلك في شرح حَدِيث جَابِرِ الطويل في حجَّة الَّبِيِ وَّ، فتذكر.
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْحُلْق
٢٩٧
الفصل الثانى
٢٦٧٦، ٢٦٧٧ - [٨، ٩] عَنْ عَلِيٍّ، وَعَائِشَةَ، قَالَا: نَهَى
رَسُولُ اللهِ نَّلِ أَنْ تَحْلِقَ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا.
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]
الشرح
٢٦٧٦، ٢٦٧٧ - قوله: (نَهَى رَسُولُ اللهِ وَلَ أَنْ تَحْلِقَ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا)
أي: في التحلل من الإحرام أو مطلقًا إلا لضرورة، فإن حلقها مُثْلة كحلق اللحية
للرجل؛ قاله القاري. قلت: الظاهرُ أن المرأة ممنوعة من حلقِ الرأسِ مطلقًا إلا
لضرورة، ولو كان الحلقُ يجوزُ لها لأَمِرَتْ به في الحج؛ لأن الحلق نسك، كما
تقدَّم.
قال الحافظ: وهذا أي التخيير بين الحلق والتقصير وكون الحلق أفضل من
التقصير إنما هو في حق الرجال، وأما النساء، فالمشروع في حقِّهنَّ التقصير
بالإجماع، وفيه حديث لابن عباس عند أبي داود، يعني الَّذِي يأتي بعد هذا، ثم
ذكر حديث عليٍّ، ثم قال: وقال جمهور الشافعية: لو حلقت؛ أجزأها ويكره.
وقال القاضيان أبو الطيب وحسين: لا يجوزُ. انتهى.
وقال ابنُ قدامة: المشروع للمرأة التقصير دون الحلق لا خلاف في ذلك، قال
ابنُ المُنْذِر: أجمع على هَذَا أهل العلم، وذلك؛ لأنَّ الحلقَ في حقٌّهنَّ مُثْلَة، ثم
ذكر حديث ابن عباس وحديث عليٍّ، وقال في ((اللباب)) و(شرحه)) للقاري: التقصير
واجب لهن؛ لكراهة الحلق كراهة تحريم في حقهن إلا لضرورة. انتهى. وقال
الباجي: وأما المرأة، فقد قال ابن حبيب: ليس على مَن حَجَّ من النساء حلاق-
وقد نهى عنه النبيُّ بِحَّةِ المرأةً في حجٍّ أو عمرةٍ، وقال: ((هي مُثلة)). وهو الَّذِي رواه
ابن حبيب وإن لم نعرف له إسنادًا صحيحًا إلا أنه من قول العلماء، وهو الصحيح؛
لأنَّهُ مثلة؛ لأنه حلاق غير معتاد كحلاق الرجل لحيته وشاربه. انتهى.
(٢٦٧٦) ، (٢٦٧٧) التِّرْ مِذِي (٩١٥) فِيهِ عَنْ عَلِيٍّ رَوَّهُ.
٢٩٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
قال الخرقي: والمرأة تقصِّرُ من شعرها مقدار الأنملة. قال ابن قدامة: الأنملةُ:
رأسُ الإصبعِ من المفصلِ الأعلى. قال: وكان أحمد يقول: تُقْصِّر مِن كلِّ قرن قدر
الأنملة، وهو قول ابن عمر والشافعي وإسحاق وأبي ثور. وقال أبو داود: سمعتُ
أحمدَ سُئِل عن المرأة تقصِّرُ من كلِّ رأسها؟ قال: نعم، تجمع شعرها إلى مقدم
رأسها، ثم تأخذ من أطراف شعرها قدر أنملة. انتهى. وقال مالك: في المرأة إذا
قصرت؛ تأخذ قدر الأنملة أو فوقه بقليل أو دونه بقليل وليست كالرجل في أنه يجزُّهُ
جزًّا، كذا في ((طرح التثريب)) للولي العراقي.
وقال الشنقيطي: اعلم أن محل كون الحلق أفضل من التقصير، إنما هو بالنسبة
إلى الرجال خاصة، وأما النساء، فليس عليهن حلقٌ وإنما عليهن التقصير،
والصواب عندنا وجوب تقصير المرأة جميع رأسها ويكفيها قدر الأنملة؛ لأنَّهُ
يصدق عليه أنه تقصير من غير منافاة؛ لظواهر النصوص، ولأن شعر المرأة من
جمالها وحلقه مُثْلَة، وتقصيره جدًّا إلى قُرب أصول الشعر نقص في جمالها، وقد
جاء عن النَّبِي ◌َّ أنَّ النساء لا حلق عليهن، وإنما عليهن التقصير، ثم ذكر حديث
ابن عباس الآتي برواية أبي داود والبزار والدار قطني والطبراني، ثم قال: ويعتضد
عدم حلق النساء رؤوسهن بخمسةٍ أمورٍ غير ما ذكرنا؛ الأول: الإجماع على عدم
حلقهن في الحج ولو كان الحلق يجوز لهن؛ لشرع في الحج. الثاني: أحاديث
جاءت بنهي النساء عن الحلق. الثالث: أنه ليس من عملنا ومن عمل عملاً ليس
عليه أمرنا؛ فهو رد. الرابع: أنه تشبه بالرِّجَال، وهو حرام. الخامس: أنه مُثلة،
والمثلة لا تجوزُ.
أما الإجماع؛ فقد قال النووي في ((شرح المهذب)): قال ابنُ المُنْذِر: أجمعوا
على أن لا حلق على النساء، وإنما عليهن التقصير، ويكره لهن الحلق؛ لأنَّهُ بدعةٌ
في حقٌّهنَّ، وفيه مُثلة. واختلفوا في قدرٍ ما تقصِّرُه، فقال ابن عمر والشافعي وأحمد
وإسحاق وأبو ثور: تقصر من كل قرن مثل الأنملة. وقال قتادة: تقصر الثلث أو
الربع. وقالت حفصة بنت سيرين: إن كانت عجوزًا من القواعد أخذت نحو
الربع، وإن كانت شابة فلتقلل. وقال مالك: تأخذ من جميع قرونها أقل جزء ولا
يجوز من بعض القرون. انتهى. وتراه نقل عن ابن المنذر الإجماع على أن النساء لا
حلق عليهن في الحج، ولو كان الحلق يجوزُ لهنَّ لأمرن به في الحج؛ لأن الحلق
٢٩٩
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
TAKE *BaUxExasa *
بَابُ الْحُلْق
Ses
نسك على التَّحْقِيق، كما تقدَّم إيضاحه، وأما الأحاديث الواردة في ذلك، فقد قال
الزيلعيُّ في ((نصبٍ الراية)) (ج٣: ص ٩٥): في نهي النساء عن الحلق أحاديث:
منها: ما رَوَاه التِّرْ مذيُّ في الحجِّ والنسائيُّ في الزينة، فذكره وهو الّذِي نحن فِي
شَرْحِه. ثم قال: حديث آخر أخرجه البزار في ((مسنده)) فذكره من رواية عائشة
مَرْفُوعًا بلفظ حديث عليٍّ، مع الكلام عليه، ثم قال: حديث آخر رواه البزار في
((مسنده)) أيضًا فذكره من رواية عثمان باللفظ المتقدم.
قال الشنقيطي: وهذه الروايات التي ذكرنا في نهي المرأة عن حلقٍ رأسها عن
عليٍّ وعثمان وعائشة يعضد بعضها بعضًا، كما تعتضد بما تقدم - يعني: حديث ابن
عباس في أنَّ على النساء التقصير لا الحلق - وبما سيأتي، وأما كون حلق المرأة
رأسها ليس من عمل نساء الصَّحَابَة فمن بعدهم، فهو أمر معروف لا يكاد يخالف
فيه إلا مكابر، فالقائل بجواز الحلق للمرأة قائل بما ليس من عمل المسلمين
المعروف. وفِي الحَدِيث الصحيح: ((مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا؛ فَهُوَ رَدِّ)
فالحديث يشملُ عمومه الحلق بالنسبة للمحرمة بلا شك. وإذا لم يبح لها حلقه في
حالٍ النُّسُك فغيره من الأحوال أولى، وأما كون حلق المرأة رأسها تشبهًا بالرِّجَال
فهو واضح ولا شك أن الحالقة رأسها متشبهة بالرِّجَال؛ لأن الحلق من صفاتهم
الخاصة بهم دون الإناث عادة، وقد ورد الحديث الصحيح في لعن المتشبهات من
النساء بالرِّجَال، وأما كون حلق رأس المرأة مُثْلة فواضح؛ لأن شعر رأسها من
أحسن أنواع جمالها، وحلقه تقبيح لها وتشويه لخلقتها، كما يدركه الحس السليم،
وعامة الَّذِين يذكرون محاسن النساء في أشعارهم وكلامهم مطبقون على أن شعر
المرأة الأسود من أحسن زينتها لا نزاع في ذلك بينهم في جميع طبقاتهم، وهو في
أشعارهم مستفيض استفاضة يعلمها كل من له أدنى إلمام، ثم ذكر أمثلة لذلك من
شعراء العرب كامرئ القيس والأعشى ميمون بن قيس وعمر بن أبي ربيعة وغَيْرهم،
ثم قال: هَذَا كله يدلُّ على أنَّ حِلقَ المرأةِ شعر رأسها نقص في جمالها وتشويه لها
فهو مُثلة، وبه تعلم أن العُرف الَّذِي صار جاريًا في كثير من البلاد بقطع المرأة شعر
رأسها إلى قرب أصوله سُنَّة إفرنجية مخالفة لما كان عليه نساء المسلمين ونساء
العرب قبل الإسلام، فهو من جملة الانحرافات التي عمَّت البلوى بها في الدين
والخُلُقَ والسَّمْت وغير ذلك. فإن قيل: جاء من أزواج النَّبِي وََّ ما يدلّ على حلقٍ