النص المفهرس
صفحات 241-260
Beex ٢٤٠ مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ k ESeeRa =* فالنهي في حديث قتادة محمول عندهما على الكراهة أو على البيع مع الانتفاع بثمنه. وقال ابن عابدين: أفاد - أي: صاحب ((الدر المختار)) - أنه ليسَ له بيعهما بمستهلك وأن له بيع الجلد بما تبقى عينه، وسكتَ عن بيع اللحم للخلاف فيه، ففي ((الخلاصة)) وغيرها: لو أرادَ بيع اللحم ليتصدق بثمنه ليس له ذلك، وليس له فيه إلا أن يطعم أو يأكل. انتهى. والصحيح كما في ((الهداية)) وشروحها، أنهما سواء في جواز بيعهما بما ينتفعُ بعينِهِ دونَ ما يستهلك، وأيدَّهُ في ((الكفايةِ)) بما روى ابنُ سماعة عن محمدٍ : لو اشتری باللحم ثوبًا فلا بأس به. انتهى. قلتُ: ظاهرُ حديثٍ قتادة بن النعمان أنه لا يجوز بيع جلد الهدي والأضحية ولحمهما مطلقًا لا بما ينتفعُ بعينه ولا بمستهلك. والله أعلم. (وَأَجِلَّتِهَا) بكسر الجيم وتشديد اللام جمع جلال بكسر الجيم وتخفيف اللام، وهي جمع جُل بضم الجيم: وهو ما يطرح على ظهرِ البعير من كساء ونحوه، وفيه دليل على مشروعية تجليل البدن، وهو مستحبٌّ وليس بواجبٍ، قال الأبي في ((الإكمال)): تجليلُ البدنِ ليس بلازم، ولكن مضى عليه عمل السلف وأئمة الفتوى، وتجلل بعد الإشعار؛ لئلا تتطلّخ بالدم، والجلال على قدر سعة المهدي. انتھی . وفي ((شرح مسلم)) للنووي: قال القاضي: التجليلُ سنةٌ، وهو عند العُلَمَاءِ مختصٌّ بالإبلِ، وهو مما اشتهرَ من عمل السلف، قال: وممن رآه مالك والشافعي وأبو ثور وإسحاق، قالوا: ويكونُ بعد الإشعار لئلا يتلطخ بالدم، قالوا: ويستحبُّ أن تكون قيمتها ونفاستها بحسب حال المهدي، وكان بعضُ السلفِ يجلل بالوشي وبعضهم بالحبرة وبعضهم بالقباطي والملاحف والأزر. قال مالك: وتشقُّ على الأسنمةِ إن كانت قليلة الثمن؛ لئلا تسقط. قال مالك: وما علمت من ترك ذلك إلا ابن عمر استبقاء للثياب؛ لأنَّهُ كان يجلل الجلال المرتفعة من الأنماط والبرود والحبر، قال: وكان لا يجلل حتى يغدو من منى إلى عرفات، قال: وروي عنه أنه كان يجلل من ذي الحليفة، قال: وكان يعقدُ أطراف الجلال على أذنابها، فإذا مشى ليلة؛ نزعها، فإذا كان يوم عرفة جللها، فإذا كان عندَ النحرِ؛ نزعها لئلا يصيبها الدم. قال مالك: وأما الجل، فينزع في الليل، لئلا يخرقها الشوك. قال: واستحبَّ إن كانت الجلال مرتفعة أن يترك شقها، وأن لا يجللها حتى يغدو إلى ٢٤١ بَابُ الھدِي كِتَابُ الْمُنَاسِكِ عرفات، فإن كانت بثمنٍ يسيرٍ فمن حين يحرم يشق ويجلل. قال القاضي: وفي شقِّ الجلال على الأسنمة فائدة أخرى وهي: إظهارُ الإشعارِ لئلا يستر تحتها، وفي هَذَا الحديث الصدقة بالجلال وهكذا قاله العلماء، وكان ابنُ عمر أولًا يكسوها الكعبة، فلما کسیت الكعبة؛ تصدَّق بها. انتهى. قال الباجي: معنى ذلك أن جلال البدن كانت كسوة الكعبة، وكانت أولى بها من غيرها، فلما كسيت الكعبة رأى أن الصدقة بها أولى من غير ذلك؛ لأنَّ الهدي وإن كان له تعلق بالبيت، فإنَّ مصرفه إلى المساكين ومستحقي الصدقة، ويحتملُ أنْ يَكُون ابنُ عُمر كان يكسو جلال بدنه الكعبة قبل أن يعلم أن النَّبِي ◌َّ كان يقسم جلال بدنه، فلما علم ذلك؛ رجع إليه وأخذ به. انتهى. قال القسطلاني. قال الشافعي في القديم: ويتصدق بالنعال وجلال البدن. وقال المهلب: ليسَ التصدقُ بجلال البدن فرضًا، وإنما صنع ذلك ابنُ عمر؛ لأنَّهُ أراد أن لا يرجع في شيء أهداه الله، ولا في شيء أضيف إليه. انتهى. وقال المرداوي من الحنابلة في ((تنقيحه)): وله أن ينتفع بجلدها وجلها أو يتصدق به ويحرم بيعهما وشيء منهما. وقال المالكية: وخطام الهدايا كلها وجلالها كلحمها، فحيث يكون اللحم مقصورًا على المساكين يكون الجلال والخطام كذلك، وحيثُ يكونُ اللحمُ مباحًا للأغنياء والفقراء يكون الخطام والجلال كذلك؛ تَحْقِيقا للتبعية، فليس له أن يأخذ من ذلك، ولا يأمر بأخذه في الممنوع من أكل لحمه، فإن أمر أحدًا بأخذ شيء من ذلك أو أخذ هو شيئًا؛ رَدَّه، وإن أتلفه؛ غرم قيمته للفقراء، وقال العَيْنِي من الحنفية: وقال أصحابنا: يتصدق بجلال الهدي وزمامه لأنه عليه الصلاة والسلام أمر عليًّا بذلك، والظاهر: أن هَذَا الأمر أمر استحباب. انتهى. وقال محمد في ((موطئه)) بعد رواية أثر ابن عمر في التصدق بجلال بدنه: وبهذا نأخذ، ينبغي أن يتصدق بجلال البدن وخطمها ولا يعطي الجزار من ذلك شيئًا ولا من لحومها، بلغنا أنَّ النبيَّ وَ لَّ بعث مع علي بن أبي طالب بهدي، فأمر أن يتصدق بجلاله وخطمه، وأن لا يعطي الجزار من خطمه وجلاله شيئًا انتهى. (وَأَنْ لَا أَعْطِيَ الْجَزَّارَ) أي: شيئًا. (مِنْهَا) المراد: منع عطية الجزار من الهدي ٢٤٢ * مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ عوضًا عن أجرته كما بينته رواية أخرى لمسلم بلفظ: ((وَلَا يُعْطِيَ فِي جِزَارَتِهَا مِنْهَا شَيْئًا)) قال ابن الأثير: الجُزارة بالضمِّ كالعمامة، ما يأخذه الجزار من الذبيحة عن أجرته، وأصلها أطراف البعير: الرأس واليدان والرجلان، سميت بذلك؛ لأن الجزار كان يأخذها عن أجرته. انتهى. قال ابن خزيمة: النهي عن إعطاء الجزار المراد به أن لا يعطى منها عن أجرته، وكذا قال البغوي في ((شرح السنة))، قال: وأما إذا أعطي أجرته كاملة ثم تصدق عليه إذا كان فقيرًا، كما يتصدق على الفقراء، فلا بأس بذلك، وقال غيره: إعطاء الجزار منها على سبيل الأجرة ممنوع؛ لكونه معاوضة، وأما إعطاؤه صدقة أو هدية أو زيادة على حقٌّ فالقياس الجواز. قال الحافظُ: ولكن إطلاق الشارع ذلك قد يفهم منه منع الصدقة لئلا تقع مسامحة في الأجرةِ لأجلٍ ما يأخذه، فيرجع إلى المعاوضة. قال القرطبي: ولم يرخص في إعطاء الجزار منها في أجرته إلا الحسن البصري وعبد الله بن عبيد بن عمير، قال: وفي حديث عليٍّ من الفوائدِ: سوق الهدي والوكالة في نحر الهدي والاستئجار عليه، والقيام عليه وتفرقته، وأن مَن وَجَبَ عليه شيءٌ لله؛ فله تخليصه ونظيره الزرع يعطي عشره ولا يحسب شيئًا من نفقته على المساكين. انتهى. (قَالَ) أي: علي، أو النَّبِي ◌َّه وهو الأظهر، قاله القاري. وقوله: ((قالَ)) كذا في نسخ ((المشكاة)) و((المصابيح))، وهكذا وقع في ((جامع الأصول)) وفي بعض طرق أحمد وبعض نسخ مسلم، ووقع في بعض نسخه وبعض طرق أحمد: وَقَالَ. أي: بزيادة الواو، وهكذا ذكره الزيلعي والمجد، وهكذا وقع في ((سنن أبي داود)) وَابْن ماجه، وللبيهقي بلفظ: ((ثُمَّ قَالَ)). (نَحْنُ نُعْطِيهِ) أي: أجرته. (مِنْ عِنْدَنَا) وفي رواية أحمد (ج١: ص ١٢٣): وَقَالَ: ((نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا الْأَجْرَ)). (مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) أي: على أصل الحديث؛ لأن قوله: قَالَ: ((نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا)) ليسَ عندَ البخَارِي، بل لمسلم فقط، وهكذا أخرجه أحمد (ج١: ص ٨٩، ١٢٣، ١٥٤) وأبو دَاوُد وَابْن ماجه وَابْن الجارود (ص١٧٣) والْبَيْهَقِي (ج٥: ص ٢٤١) وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد (ج١: ص ١١٢، ١٣٢، ١٦٠) والدارمي وَابْن الجارود بدون الزيادة المذكورة. كِتَابُ الْمُنَاسِكِ * بَابُ الھدِي ٢٤٣ INDE ٢٦٦٣ - [١٣] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: كُنَّا لَا نَأْكُلُ مِنْ لُحُومِ بُدْنِنَا فَوْقَ ثَلَاثٍ، فَرَخَّصَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَلَّهِ، فَقَالَ: ((كُلُوا وَتَزَوَّدُوا)) فَأَكَلْنَا وَتَزَوَّدْنَا. [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] الشرح ٢٦٦٣ - قوله: (كُنَّا لَا تَأْكُلُ مِنْ لُحُوم بُدْنِنَا) أي: التي نهديها ونضحي بها. (فَوْقَ ثَلَاثٍ) وفي ((الصَّحِيحَيْن)): ((فَوْقَ ثَلَاثٍ مِنَّى)) قال القسطلاني: بإضافةٍ ثلاث إلى منى، أي: الأيام الثلاثة التي يقام بها بمنى وهي الأيام المعدودات. وقال في ((المصابيح)): والأصلُ ثلاث ليال منى كما في قولهم: حب رمان زيد، فإنَّ القصد إضافة الحب المختص بكونه للرمان إلى زيد، ومثله: ابن قيس الرقيات، فإن المتلبس بالرقيات ابن قيس لا قيس. قال الشيخُ سعد الدين التفتازاني: وتَحْقِيقهُ أنَّ مطلق الحبِّ مضاف إلى الرمان، والحب المقيد بالإضافة إلى الرمان مضاف إلى زيد. قال الدماميني: وفيه نظر. فتأمله. (فَرَخَّصَ لَنَا رَسُولُ اللهِ بِّهِ) قال الطيبي: نهى أولًا أن يؤكل لحمُ الهدي والأضحية فوق ثلاثة أيام ثم رخَّص. (فَقَالَ: كُلُوا وَتَزَوَّدُوا) أي: ادخروا ما تزودونه فيما تستقبلونه مسافرين أو مجاورين، وفي رواية لمسلم: «كُنَّا لَا نُمْسِكُ لُحُومَ الْأَضَاحِي فَوْقَ ثَلَاثٍ، فَأَمَرِ النَّبِيُّوَ أَنْ نَتَزَوَّدَ مِنْهَا وَنَأْكُلَ مِنَّهَا))، يَعْنِي: فَوْقَ ثَلَاثٍ. وفي أخرى له أيضًا: أنَّهُ نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ، ثُمَّ قَالَ بعْدُ: ((كُلُوا وَتَزَوَّدُوا وَادَّخِرُوا)). (فَأَكَلْنَا وَتَزَوَّدْنَا) هَّذَا للبخاريِّ وحده، وانتهت رواية مسلم إلى قوله: ((كُلُوا وَتَزَوَّدُوا)) وفيها بعد هذا: قُلْتُ - قائله ابن جريج - لعطاء: قال جابر: حتى جِئْنا المدينةَ؟ قال: نعم. ووقعت هذه الزيادة عند البخَارِي بعد قوله: ((فَأَكَلْنَا وَتَزَوَّدْنَا)). بلفظ: قالَ - أي: ابن جريج - قلت لعطاء: أقالَ حتى جِثْنا المدينةَ؟ قال: لا. قال النووي: فيحتملُ أنه نسي في وقت، فقال: لا، وذكر (٢٦٦٣) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٧١٩)، ومُسْلِم (١٩٧٢/٣٠) فِيهِ عَنْ جَابِرٍ، والنَّسَائِي في ((الكبرى)) (٤١٤١) وهو في ((الصُّغْرى)) (٢٣٣/٧) من وجهٍ آخر عن جابرٍ مثله. ٢٤٤ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ في وقت، فقال: نعم. قال الحافظُ: والذي وقعَ عند البخَارِي هو الْمُعْتَمَد، فإنَّ أحمد أخرجه في ((مسنده)) عن يحيى بن سعيد - أي: عن ابن جريج - كذلك، وكذلك أخرجَهُ النسائي عن عمرو بن علي عن يحيى بن سعيد، وقد نبّه على اختلاف البخَارِي ومُسْلِم فِي هذه اللفظة الحميدي في ((جامعه))، وتبعه عياض ولم يذكرا ترجيحًا، وأغفل ذلك شراح البخَارِي أصلاً فيما وقفت عليه، قال: ثم ليس المراد بقولهِ: ((لا))، نفي الحكم، بل مُراده أنَّ جابرًا لم يصرح باستمرار ذلك منهم حتى قدموا، فيكون على هَذَا معنى قوله في رواية عمرو بن دينار عن عطاء: ((كُنَّا نتزوَّدُ لحُومَ الْهَدي إلى الْمَدِينَةِ)). أي: لتوجهنا إلى المدينة، ولا يلزم من ذلك بقاؤها معهم حتى يصلوا المدينة. والله أعلم. لكن قد أخرجَ مسلمٌ من حديثٍ ثوبان قال: ذبحَ النبيُّ ◌َّ أَضْحِيَتَهُ، ثُمَّ قَالَ لِي: (يَا ثَوْبَانُ أَصْلِحْ لَحْمَ هَذِهِ) فَلَمْ أَزَلْ أُطْعِمُهُ مِنْهَا حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ. انتهى. قيل: قول الحافظ: بل المراد أنَّ جابرًا لم يصرح باستمرار ذلك ... إلخ. معناه: جواز البقاء وعدمه في نفس الأمر لا وقوع أحدهما على القطع، ورواية عمرو بن دينار عن عطاء أخرجها الشيخان بلفظ: ((كُنا نتزوَّدُ لحومَ الأضاحي على عهدِ رسولِ اللهِ وَله إلى المدينةِ)). قال علي بن المديني: قال سفيان بن عيينة غير مرة: لحوم الهدي. يعني: أن سفيان كان تارة يقول: ((لحوم الأضاحي))، ومرارًا يقول: ((لحوم الهدي)). والظاهرُ: أن معنى هذه الرواية أنهم كانوا يتزودون لحوم الهدي من مكة، فيأكلون منه في سفرهم إلى المدينة، فإن بقي منهم شيء أكلوه بالمدينة في الحضر أيضًا، كما يستفاد من رواية أحمد عن جابر قال: ((أَكَلْنَا معَ رسولِ اللهِ ◌ِّ القديدَ بالمدينةِ من قديدِ الأَضْحَى)). يعني: قديد هدي يوم الأضحى. ولا مانع من كونهم أهدوا وضحوا وتزودوا من لحمي الهدي والضحية، فإن کان لحم هدي، فهو من هدي التطوع الَّذِي يهدى إلى البيت، ومن هدي المتعة، وإن كان لحم ضحية، فهو دليل لمن قال بمشروعيَّةِ الضحيةِ للحاجِّ، وعلى كلِّ حالٍ فهو يفيدُ جواز الأكل من هدي التطوع والواجب، أي: المتعة وادخاره والتزود منه. والله أعلم. هذا؛ وحديث جابر نصٌّ في جوازِ الادخارِ والأكل من لحوم الهدي والأضحية فوقَ ثلاثٍ، وهذا يخالفُ ما رواه مسلم عن عليٍّ بنِ أبي طالبٍ: ((أنَّ رسولَ اللَّه ◌َّ نهانا أنْ نأكلَ من ٢٤٥ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ الْهُدِي لُحُومٍ نُسُكِنا بعدَ ثلاثٍ)). وفي لفظ: ((أنَّ رسولَ اللهِ﴿ قَدْ نَهَاكُمْ أَنْ تأكُلُوا لحومَ نُسُكِكُم فوقَ ثلاث ليالٍ فَلا تَأْكُلُوا)). وروي أيضًا عن ابنٍ عُمر عن النَِّلّ قال: ((لَا يَأْكُلُ أَحَدُكُمْ مِنْ لَحْمٍ أُضْحِيَّتِهِ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ)). قال القاضي: اختلفَ العلماءُ في الأخذِ بهذه الأحاديث فَقال قومٌ: يحرم إمساً لحوم الأضاحي والأكل منها بعد ثلاث، وأن حكم التحريم باق، كما قاله علي وَابْن عمر. وقال جماهير العلماء: يباحُ الأكلُ والإمساك بعد الثلاثِ، والنهي منسوخ بحديث جابر، وحديث بريدة عند أحمد ومسلم والترمذي، وحديث عبد الله بن مسعود عند أحمد، وحديث قتادة بن النعمان عند أحمد والطحاوي وغير ذلك من الأحاديث. قال: وهذا من نَسْخِ السُّنَّةِ بِالسُّنَّة. وقَالَ بَعْضُهُم: ليس هو نسخًا، بل كانَ التحريمُ لعلَّةٍ، فلما زالت زال التحريم، وتلك العلة هي الدَّافة، وكانوا منعوا من ذلك في أول الإسلام من أجلِ الدافة، فلما زالت العلة الموجبة؛ لذلك أمرهم أن يأكلوا ويدخروا، كما يدلّ عليه رواية مسلم من حديث مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن عبد الله بن واقدٍ قال: نهى النبيُّ وَ لَّ عن أكلِ لحُوم الضحايا بعد ثلاث. قال عبد الله بن أبي بكر: فذكرتُ ذلك لعمرةَ فقالت: صَدَق، سمعتُ عائشةً تقولُ: دَفَّ أَهْلُ أَنْيَاتٍ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، حَضْرَةَ الْأَضْحَى زَمَنَ رَسُولِ اللَّهَِِّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهِ: ((ادَّخِرُ وا ثَلاثًّا، ثُمَّ تَصَدَّقُوا بِمَا بَقِيَ)) فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ النَّاسَ يَتَّخِذُونَ الْأَسْقِيَةَ مِنْ ضَحَايَاهُمْ وَيَجْمُلُونَ مِنْهَا الْوَدَ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ بَله: (وَمَا ذَاكَ؟)) قَالُوا: نَهَيْتَ أَنْ تُؤْكَلَ لُحُومُ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ، فَقَالَ: ((إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّاقَّةِ الَّتِي دَقَّتْ، فَكُلُوا وَادَّخِرُوا وَتَصَدَّقُوا)). والمراد بالدافة هنا: من وَرَدَ من شَّعْفَاء الأعرابِ للمُوَاسَاة. وقيل: كان النهي الأول للكراهة لا للتحريم، قال هؤلاء: والكراهيةُ باقية إلى يومنا هَذَا ولكن لا يحرم، قالوا: ولو وقع مثل تلك العلة اليوم فدفت دافة واساهم الناس وحملوا على هَذَا مذهب علي وَابْن عمر. والصحيح: نسخُ النهي مطلقًا، وأنه لم يبق تحريم ولا كراهة، فيباحُ اليوم الادخار فوق ثلاث والأكل إلى متى شاء لصريح حديث جابر، وحديث بريدة أيضًا يدلُّ على ذلك، فروى مسلم وأحمد والترمذي والنَّسَائِي وَابْن ماجه من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول اللهِ وَّه: ((نَهَيْتُكُمْ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الأَضَاحِي فَوْقَ ثَلَاثٍ، فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا ٢٤٦ es مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ لَكُمْ)). وفي روايةٍ : (فَكُلُوا وَتَزَوَّدُوا وَادَّخِرُوا)). قلتُ: حكى الحازمي في ((الاعتبار)) عن عليٍّ والزبيرٍ وعبد الله بن واقد بن عبد الله بن عمر أنهم قالوا: يحرمُ الإمساك بلحوم الأضاحي بعد ثلاث، وأن حكم التحريم باق. قال: وخالَفَهُم في ذلك جماهَيَرِ العُلَمَاء من الصَّحَابَة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار، ورأوا جواز ذلك وتمسكوا في ذلك بأحاديث تدلّ على نسخ الحكم الأول، ثم ذكر ما يدلّ على النسخِ من حَدِيث جَابِر وبريدة وعائشة. وقال ابنُ قدامة (ج٨: ص ٦٣٣): يجوزُ الادخار فوق ثلاث في قولِ عامة أهل العلم، ولم يجزه علي ولا ابن عمر؛ لأنَّ النبيَّ نَّه نهي عن ذلك. ولنا قوله مَّ: (نَهَيْتُكُمْ عَنِ ادِّخَارٍ لُحُومِ الأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ، فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ)) رواه مسلم. وقال أحمد: فيه أسانيدَ صحاح، فأما علي وَابْن عمر، فلم يبلغهما ترخيص رسول اللّهُ وَّل، وقد كانوا سمعوا النهي، فرووا على ما سمعوا. انتهى مختصرًا. وقال الحافظ في ((الفتح)): قال الشافعي: لعلَّ عليًّا لم يبلغه النسخُ. وقال غيره: يحتملُ أن يكونَ الوقتُ الَّذِي قال علي فيه ذلك كان بالناس حاجة كما وقع في عهد الشَِّ نَِّ، وبذلك جزمَ ابنُ حزم فقال: إنما خطبَ عليٍّ بالمدينة في الوقتِ الَّذِي كان عثمان حوصر فيه، وكان أهَّل البوادي قد ألجأتهم الفتنة إلى المدينةِ فأصابهم الجهدُ، فلذلك قال علي ما قالَ، وبنحو ذلك جمع الطحاوي. قال الحافظ: وكذلك يجابُ عما أخرج أحمد في مسندٍ فاطمة (ج٦: ص ٢٨٢) من طريق أم سليمان قالت: دخلتُ على عائشةً فسألتها عن لحوم الأضاحي، فقالتْ: قد كان النبيُّ وَّ نهى عنها ثم رخص فيها، فقَدِم علي من سفَرَ فأتته فاطمةُ بلَحْمٍ من ضحاياها، فقال: أو لم ينه عنه رسولُ اللهِ وَّةِ، فقالت: إنه قد رخَّص فيها، قالت: فدخلَ عليٍّ على رسولِ اللهِ وَِّ، فسأله عن ذلك، فقال: ((كُلْهَا مِنْ ذِي الْحِجَّةِ إِلَى ذِي الْحِجَّةِ)). فهذا عليٍّ قد اطلع على الرُّخْصَة، ومع ذلك خطب بالمنع فطريق الجمع ما ذكرته. وقد جزمَ به الشافعي في ((الرسالة)) في آخر باب العلل في الحديث (ص٢٣٩ بتَحْقِيق الشيخ أحمد محمد شاكر) فقال ما نصُّهُ: فإذا دفت الدافة ثبت النهي عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاثٍ، وإذا لم تدف دافة، فالرخصة ثابتة بالأكل ٢٤٧ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ الهَدِي والتزود والادخار والصدقة. قال الشافعي: ويحتمل أنْ يَكُون النهي عن إمساك لحوم الأضاحي بعد ثلاث منسوخًا في كل حال. قال الحافظُ: وبهذا الثاني أخذ المتأخرون من الشافعية، فقال الرافعي: الظاهرُ أنه لا يحرمُ اليومَ بحالٍ، وتبعَهُ النووي فقال في ((شرح المهذب)): الصواب المعروف أنه لا يحرم الادخار اليوم بحال، وحكى في ((شرح مسلم)) عن جمهور العلماء: أنه من نُسْخ السُّنةِ بالسُّنة قال: والصحيح نسخ النهي مطلقًا، وأنه لم يبق تحريم ولا كراهة، فيباح اليوم الادخار فوق ثلاث والأكل إلى متى شاء. انتهى. وإنما رجح ذلك؛ لأنَّهُ يلزمُ من القول بالتحريم إذا دفت الدافة إيجاب الإطعام، وقد قامت الأدلة عند الشافعية أنه لا يجبُ في المال حقٌّ سوى الزكاة. ونقل ابنُ عبد البر ما يوافق ما نقله النووي فقال: لا خلافَ بينَ فقهاءِ المسلمين في إجازة أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث، وأنَّ النهي عن ذَلِك منسوخٌ، كذا أطلق، وليس بجيدٍ، فقد قال القرطبي: حديث سلمة الآتي في الفصل الثالث وعائشة نص على أنَّ المنع كان لعلةٍ، فلما ارتفعت؛ ارتفع لارتفاع موجبة، فتعين الأخذُ به، ويعودُ الحكمُ بعودِ العلَّةِ، فلو قدم على أهلٍ بلدٍ ناس محتاجون في زمان الأضحى ولم يكن عند أهل ذلك البلد سعة يسدون بها فاقتهم إلا الضحايا؛ تَعَيَّن عليهم ألا يدخروها فوق ثلاث . قال الحافظ: والتقييد بالثلاث واقعة حال، وإلا فلو لم تستد الخلة إلا بتفرقة الجميع لزم على هَذَا التقرير عدم الإمساك ولو ليلة واحدة. وحكى البيهقي عن الشافعي: أن النهي عن أكل لحوم الأضاحي فوق ثلاث كان في الأصل للتنزيه، قال: وهو كالأمر في قَوْلِه تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْقَائِعَ وَاُلْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦]. وقال المهلب: إنه الصحيحُ لقولِ عائشة: وليس بعزيمة. والله أعلم. فائدة: قال القرطبي: اخْتُلِفَ في أول الثلاث التي كان الادخارُ فيها جائزًا، فقيل: أولها يوم النحر، فمن ضحَّى فيه؛ جازَ له أن يمسك يومين بعده، ومَن ضحى بعده؛ أمسك ما بقي له من الثلاثة. وقيل: أولها يوم يضحي، فلو ضحى في آخر أيام النحر جاز له أن يمسك ثلاثًا بعدها، ويحتملُ أن يأخذ من قوله: فوق ثلاث - في ٢٤٨ #Ee مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ حديث عليٍّ - أن لا يحسب اليوم الَّذِي يقعُ فيه النحر من الثلاث، وتعتبر الليلة التي تليه وما بعدها، قال الحافظ: ويؤيده ما في حديث جابر: ((كُنَّا لَا تَأْكُلُ مِنْ لُحُومِ بُدْنِنَا فَوْقَ ثَلَاثٍ مِنَّى)). فإن ((ثلاث منى)) تتناول يومًا بعد يومَ النحرِ لأهلِ النفر الثاني. انتهى. وقال الشوكاني: قال القاضي عياض: يحتملُ أنْ يَكُون ابْتِدَاء الثلاث من يوم ذبحِ الأضحية، وإن ذُبِحَت بعد يومَ النحرِ، ويحتملُ أن يكونَ من يوم النخر، وإن تأخّر الذبحُ عنه. قال: وهذا أظهر. ورجَّح الحافظُ ابنُ القيم الأولَ، وهذا الخلافُ لا يتعلَّق به فائدة عند مَن قال بالنسخ إلا باعتبار ما سلف من الاحتجاج بذلك على أن يوم الرابع ليس من أيام الذبح. انتهى. فائدة أخرى: اختُلِف في أنَّ النهي عن أكل لحوم الأضاحي وادخارها فوق ثلاث في أي سنةٍ كان؟ فقيل: كان ذلك سنة خمس من الهجرة؛ كما جزم به صاحب الخميس حيثُ قال: وفي هذه السنة دفت دافة العرب، فنهى النبيُّ وَلَه عن ادخار لحوم الأضاحي فوقَ ثلاثٍ - كذا في ((الوفاء)) - ثم رخّص لهم في الادخار ما بدا لهم. انتهى. وقيل: إن النهي عن ذلك كان في سَنَة واحدة سنة تسع من الهجرة، والرُّخصة فيه كانت في حجة الوداع سنة عشر، والدليلُ على ذلك: ما جاءَ في حديثٍ قتادة بن النعمان عند أحمد أنَّ النبيَّ ◌َّ قامَ في حجة الوداعِ فِقال: ((إِنِّي كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ أَنْ لَا تَأْكُلُوا الْأَضَاحِي فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ؛ لِتَسَعَكُمْ، وَإِنِّي أَحِلَّهُ لَكُمْ، فَكُلُوا مِنْهُ مَا شِئْتُمْ ... )) الحديث. ففيه: بيانُ وقتِ الرُّخْصَة وهو سنة حجة الوداع، ويستفادُ من حديث سلمة بن الأكوع الآتي في الفصل الثالث: أن النهي كان في العام السابق لعام الرخصة، وثبتَ في حديث قتادة المتقدِّم أن الرخصة كانت في حجة الوداع، أي: سنة عشر، فيكون النهي سنة تسع . قال الحافظ بعد ذكر حديث قتادة: فبين في هَذَا الحديث وقت الإحلال وأنه كان في حجة الوداعٍ. وقال فِي شرح حديث سلمة بن الأكوع: يستفادُ منه أنَّ النهي كان سنة تسع لما دلِّ عليه الَّذِي قبله: أنَّ الإذنَ كان في سنة عشر. انتهى. ٢٤٩ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ الھدِي واعترض عليه أن قيامه بَّ بذلك في حجة الوداع لا يوجب أنْ يَكُون ذلك وقت الإِباحة والإحلال، فقد أعلنَ النبيُّ ◌َّ في حجة الوداع بأمور كثيرة كانت منهية عنها قبل ذلك كالمتعة والحمر الأهلية. وأيضًا كان نسخ المنع حين كان أبو سعيد الخدري في سفرٍ، كما وقع فِي رِوَايَتِه عند أحمد ومالك والشيخين وغَيْرهم مفصلاً، وقد كان مع النبيِّ نَّ في حجة الوداع، فهو كالنصِّ في أنه نسخ المنع قبل حجة الوداع، ووقعَ نحو هذه القصة مع عليٍّ رَوُتَهُ عند أحمد في مسند فاطمة من حديث عائشة كما تقدَّم، وهو أيضًا يدلّ على أن نسخه وقع حين كان علي في السفر عند الأضحى، وقد كان مَعَهُ وَّل في حجة الوداع. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخَارِي في الحج، ومُسْلِم فِي الأضاحي، وأخرجَهُ أيضًا أحمد. وللْحَدِيث ألفاظ أخرى عند أحمد والشيخين ومالك في الأضاحي والنَّسَائِي في الحج، وقد تقدَّم ذِكْرُ بعضِهَا . ٢٥٠ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ الفصل الثاني ٢٦٦٤ - [١٤] عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ أَنَّ النَّبِيَّ وَّوَ أَهْدَى عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، فِي هَدَايَا رَسُولِ اللّهِ وَلِّ جَمَّلًا كَانَ لِأَّبِي جَهْلِ، فِي رَأْسِهِ بُرَةٌ مِنْ فِضَّةٍ. وفي روايةٍ: مِنْ ذَهَبٍ، يَغِيظُ بِذَلِكَ الْمُشْرِكِينَ. [رَوَاهُ أَبُو دَاودَ] الشرح ٢٦٦٤ - قوله: (أَهْدَى عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ) بالتخفيف على الأفصح، وهي السنة السادسة من الهجرة، توجه فيها رسول اللَّه وَال إلى مكة للعمرة، فأحصره المشركون بالحديبية، وهو موضع من أطراف الحل. (فِي هَدَايَا) أي: في جملة هدايا. (رَسُولِ اللهِ وَّه) من وضع المظهر موضع المضمر؛ تنويهًا بذكره وَلَّ في مقابلة ذكر اسم أبي جهل. (جَمَلًا) ذكر الإبل باتفاق أهل اللغة، ونقل الجوهري عن ابن السكيت: إنما يُسمى جملاً إذا أربعَ، أي: دخل في السنة الرابعة، وذكر الْمُنْذِرِي أن اسم هَذَا الجمل عصيفير، قال القاري: ((جملاً))؛ نصب بـ((أهدى))، و((في هدايا))؛ صلة له، وكان حقُّه أن يقول: ((في هداياه)). فوضع المظهر موقع المضمر، والمعنى جملاً كائنًا في هداياه. (كَانَ لِأَبِي جَهْلٍ) أي: عمرو بن هشام المخزومي فرعون هذه الأمة الأحول، كتَّته العرب: أبا الَّحكم، وكنَّاه النَّبِي وَلَّ: بأبي جهل، فغلبت عليه هذه الكُنية. قُتِل كافرًا يوم بدر في السنة الثانية من الهجرة. وعندَ أحمد (ج١: ص ٢٦٩): أَهْدَى رسولُ اللهِ وَِّ مائةَ بدنةٍ فيها جمل أحمر لأبي جهلٍ. وفي أخرى له أيضًا (ج١: ص ٢٦١): أنَّ رسولَ اللهِ نَّه قد كانَ أهدى جمل أبيّ جهل الَّذِي كان استلب يومَ بدرٍ عامَ الحديبية في هديه. (فِي رَأْسِهِ) أي: أنفه. (بُرَةٌ) بضمِّ الموحدةِ وفتح الراء المخففة، وأصلُها بُرْوَة (٢٦٦٤) أَبُو دَاوُد (١٧٤٩) فِي الحَجِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. ٢٥١ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ الهُدِي كغرفة؛ لأنَّهَا تجمع على برات وبرون كثبات وثبون، وهي حلقةٌ من صفر ونحوه تجعل في أنف البعير أو لحمة أنفِهِ، يشدُّ بها الزمام. (مِنْ فِضَّةٍ) كذا في جميعِ النسخ من ((المشكاة)) و((المصابيحِ))، وهكذا وقعَ عند أحمد (ج١: ص ٢٦١، ٢٦٩، ٢٧٣) وَابْن ماجه والْبَيْهَقِيَ في رواية وفي أبي داود: ((بُرَةُ فضةٍ)) بالإضافة، وهكذا ذكرَهُ في ((جامع الأصولِ))، أي: في أنفِهِ حلقة فضة، فإنَّ البرةَ حلقةٌ من صفر ونحوه، تُجْعَل في لحمٍ أنف البعير. وقال الأصمعي: في أحد جانبي المنخرين، لكن لما كان الأنف من الرأس قال: ((فِي رَأْسِهِ)) على الاتساع، أو هو مجاز المجاورة من حيث قربه من الرأس لا من إطلاق الكلِّ على البعض، وعند أحمد (ج١: ص ٢٣٤)، برته فضة، وإِنَّما جعلها أبو جهل من فضةٍ أو ذهبٍ؛ إظهارًا للفخر والعظمة، وقد وقع هَذَا الجمل للنبيِّ وََّ في غنائم بدرٍ، فجعله في هديه عام الحديبية؛ ليغيظَ به المشركين كما سيأتي. (وَفِي رِوَايَةٍ: مِنْ ذَهَبٍ) ويمكنُ التعدُّد باعتبار المنخرين. (يَغِيظُ بِذَلِكَ الْمُشْرِكِينَ) بفتح حرف المضارعة أي يوصل الغيظ إِلى قلوبهم في نحرِ ذلك الجمل، وفيه تلميحُ إلى قوله تعالى: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارُ﴾ [الفتح: ٢٩] قال الخطابي : قوله: (يَغِيظُ بِذَلِكَ الْمُشْرِكِينَ)) معناه: أنَّ هَذَا الجمل كان معروفًا بأبي جهل، فحازه النبيُّ ◌َّر في سلبه، فكان يغيظُهُم أن يروه في يده وصاحبه قتيل سليب. وفِي الحَدِيث: دليلٌ على جوازٍ الذكر في الهدي، وإليه ذهب جماهير أهل العلم. قال الخطابي: في الحديثِ من الفقه أن الذكران في الهدي جائزة، وقد روي عن عبد الله بن عمر: أنه كان يكرَهُ ذلك في الإبلِ، ويرى أن يهدي الإناث منها. قلتُ: وترجم له البيهقي: ((باب جواز الذكر والأنثى في الهدايا)). وَابْن ماجه: ((بابُ الهدي من الإناث والذكور)). قال البوصيري: قوله: ((أُهْدِي في بُدْنه جملًا)). أي: ذكرًا، وكأنه أرادَ أن النوق كانت هي الغالب، فإذا ثبت إهداء الذكور؛ لزم جواز النوعين. انتهى. قالَ ابنُ قُدَامَة (ج٣ : ص ٥٥٠): والذكرُ والأنثى في الهدي سواء، وممن أجازَ ذكران الإبل: ابنُ المسيبِ وعمرُ بنُ عبد العزيز ومالك وعطاءٌ والشافعيُّ، وعن ابن عمر أنه قال: ما رأيتُ أحدًا فاعلًا ذلك، وأن أنحر أنثى أحبُّ إليَّ. والأولُ أولى؛ لأنَّ ٢٥٢ مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ الله تعالى قال: ﴿وَأَلْبُدْنَ جَعَلْنَهَا لَكُ مِّن شَعَكَبِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٦] ولم يذكر ذكرًا ولا أنثى، وقد ثبتَ أنَّ النبيَّ وَ لَّ أهدى جمالًا لأبي جهل في أنفه برة من فضة، ولأنَّ القصدَ اللحمُ، ولحم الذكر أوفر، ولحم الأنثى أرطب فيتساويان. انتهى. وقال النووي في ((مناسكه)): إن صفات الهدي المطلق، كصفات الأضحية المطلقة، ويجزئ الذكر والأنثى. وقال ابن حجر فِي ((شَرْحِه)): والذكرُ أفضلُ إن لم يكثر نزواته، وإلا فالأنثى التي لم تلد. انتهى. وفي ((المدونة)): الذكور والإناث عند مالك بدن كلها، وتعجب مالك ممن يقول لا يكون إلا في الإناث. قال مالك: وليسَ هكذا، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَاُلْبُدْنَ جَعَلْنَهَا لَكُ مِّن شَعَكٍَّ اللَّهِ﴾ ولم يقل ذكرًا ولا أنثى، قلتُ لابن القاسم: فالهدي من البقر والغنم والإبل، هل يجوز من ذلك الذكر والأنثى في قول مالك؟ قال: نعم. انتهى. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في بابِ الهدي من كتاب المناسك، قال: حدّثنا النفيلي، نا محمد بن سلمة، ثنا محمد بن إسحاق ح، وثنا محمد بن المنهال، نا يزيد بن زريع، عن ابن إسحاق المعني قال: قال عبد الله - يعني: ابن أبي نجيح - حدثني مجاهد، عن ابن عباسٍ، وقد سكتَ عنه أبو داود. وقال المنذري: في إسنادِهِ محمد بن إسحاق . قلت: وهو مدلِّس ولم يصرح بالتحديث والسماع، بل قال: قال عبد الله - يعني: ابن أبي نجيح. وقال البيهقي: واختلف فيه على محمد بن سلمة عن محمد ابن إسحاق، فقيل: بُرة فضةٍ، وقيل: مِنْ ذهبٍ. ثم روى البيهقي بسنده عن عبد الله بن علي المديني عن أبيه قال: كنتُ أرى أنّ هَذَا من صحيح حديث ابن إسحاق، فإذا هو قد دلّسه؛ حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن ابن إسحاق، قال: حدثني من لا أتهم، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، ثم روى البيهقي بسنده، وكذا أحمد (ج١ : ص ٢٧٣) عن جرير بن حازم، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس: أنَّ النبيَّ بَّهِ أهدى في هديه بعيرًا كان لأبي جهل في أنفه بُرة من فضة. قال البيهقي: وهذا إسناد صحيح إلا أنهم يرون أن جرير بن حازم أخذه من محمد بن إسحاق ثمٍ دلّسه، فإن بين فيه سماع جرير من ابن أبي نجيح؛ صار الحديث صحيحًا، والله أعلم. انتهى. ٢٥٣ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ الهُدِي قلت: روى الحديث أحمد (ج١: ص ٢٦١) والْحَاكِم (ج١: ص ٤٦٧) من طريق ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي نحيح، عن مجاهد بن جبر، عن ابن عباس: أنَّ رسولَ اللهِ وَلّه قد كان أهدى جمل أبي جهل ... الحديث. قال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلمٍ، ووافقه الذهبي. وهذا كما ترى قد صرح فيه ابن إسحاق بالتحديثِ، فالحديثُ صحيح أو حسن. وقد رواه أيضًا أحمد (ج١: ص ٢٦٩) وَابْن ماجه والْبَيْهَقِي من طريق سفيان الثوري: عن ابن أبي ليلي، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباسٍ، قال: أهدى رسول اللّه وَ له مائة بدنة فيها جمل لأبي جهل ... الحديث. وهذا أيضًا إسنادٌ حسنٌ. قال البيهقي: ورواه مالك بن أنس في ((الموطأ)) في باب: ما يجوزُ من الهدي، مرسلًا وفيه قوة لما مضى. انتهى. وفي الباب أيضًا: عن أبي بكر الصديق عند الدار قطني والْبَيْهَقِي. تنبيه: روى الترمذي في باب: ((مَا جَاءَ كَمْ حَجَّ النَّبِيُّ وََّ؟)) من طريق زيد بن الحباب عن سفيان الثوري، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله: أن النَّبِي ◌َِّ حِجَّ ثلاثَ حججٍ، حجتين قبل أن يهاجر، وحجة بعد ما هاجر معها عمرة، فساقَ ثلاثة وستين بُّدنة، وجاء عليٌّ من اليمن ببقيتها - أي: ببقية المائة أو ببقية البدن التي ذبحها النَّبِي ◌ََّ - فيها جمل لأبي جهل في أنفه بُرة من فضةٍ فنحرَها ... الحديث. وهذا كما ترى مخالف لحديث الباب ولم ينبه على هَذَا الاختلاف ابنُ العربي وغيره من شراح الترمذي، والصواب عندنا ما وقعَ في رواية أبي داود ومن وافقه، وذلك لوجوه؛ منها: أنه موافق لما في كتبٍ السير، فإن جميع أهل السير ذكروا إهداء جمل أبي جهل في عمرة الحديبيةِ لا في حجة الوداع. قال ابن القيم في ((الهدي)) (ج١: ص ٣٨٥): في الفصلِ الَّذِي عقده لبيان ما في قصة الحديبية من الفوائد الفقهية: ومنها: استحباب مغايظة أعداء الله، فإنَّ النَّبِي وَلّ أهدى في جملة هديه جملاً لأبي جهل في أنفهِ بُرة من فضةٍ يغيظُ به المشركين ... إلى آخر ما قال . ٢٥٤ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ * ومنها: ما وقع في رواية ابن عباس عند أحمد وأبي داود والْبَيْهَقِي وعند أهل السير من تعليل إهداء جمل أبي جهل بإغاظة المشركين، فإنَّ هَذَا لا يناسب حجة الوداع، فإنه لم يكن فيها كافر بمكّةً. ومنها: أن رواية الترمذي ضعيفة. قال الترمذي: هَذَا حديث غريب من حديث سفيان، وسألتُ محمدًا عن هَذَا فلم يعرفه من حديث الثوري عن جعفر عن أبيه عن جابر عن النَّبِي وََّ، ورأيته لا يعد هَذَا الحديث محفوظًا، وقال: إنما عن الثوري عن أبي إسحاق عن مجاهد مرسل. انتهى. ولا يبعدُ أن يقال: إن سفيان الثوري جمعَ بين الحديثين حَدِيث جَابِرٍ في قصَّة هدايا حجة الوداع وحديث ابن عباس في قصة هدايا عمرة الحديبية، كما يدلّ عليه سياق ابنٍ ماجه في باب حجة رسول الله وَّر، فإنه روى عن القاسم بن محمد المهلبي عن عبد الله بن داود عن سفيان قال: حجَّ رسولُ اللَّه وَلَه ثلاث حجات، حجتين قبل أن يهاجر وحجة بعد ما هاجر من المدينة، وقرن مع حجته عمرة. واجتمع ما جاءَ به النَّبِي ◌َّ وما جاء به عليٌّ مائة بدنة منها جمل لأبي جهل في أنفه برة من فضة، فنحرَ النبيُّ وَلَه بيدِهِ ثلاثًا وستين ونحر عليٍّ ما غبر. قيل له - أي لسفيان - مَن ذكره؟ قال: جعفر عن أبيه عن جابر وَابْن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس. انتهى. ويؤيد ذلك أنه روی الحاكم من طريق زيد بن الحباب عن الثوري عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر وهو طريق الترمذي كما تقدَّم أول الحديث، أي: إلى قوله: ((حجة قَرَن معها عمرةً)). واقتصر عليه، ولم يذكر قصة جمل أبي جهل، وقد صحح الحديث الحاكم على شرط مسلمٍ وقرَّرَهُ الذهبيُّ. كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ الھدِي ٢٥٥ ٢٦٦٥ - [١٥] وعَنْ نَاجِيَةَ الْخُزَاعِيِّ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أَصْنَعُ بِمَا عَطِبَ مِنَ الْبُدْنِ؟ قَالَ: ((انْحَرْهَا، ثُمَّ اغْمِسْ نَعْلَهَا فِي دَمِهَا، ثُمَّ خَلِّ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَهَا فَيَأْكُلُونَهَا)). [رَوَاهُ مَالِكٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ عَنْ نَاجِيَةَ الْأَسْلَمِيِّ] الشرح ٢٦٦٥ - قوله: (وعَنْ نَاجِيَةً) بالنون والجيم. (الْخُزَاعِيّ) بمضمومة وخفة زاي، نسبه إلى خُزاعة. قال الحافظ في ((التقريب)): ناجية بن جندب بن كعب، وقيل: ابن كعب بن جندب الخزاعي، صحابي تفرَّد بالرواية عنه عروة بن الزبير، ووَهِم مَن خلطه بناجية بن جندب بن عمير الأسلمي الصحابي الَّذِي روى عنه مجزأة بن زاهر وغيره، انتهى بتصرف يسير. وهو معدود في أهل المدينة. قال سعيد بن عفير: كان اسمه ذكوان فسماه النبيُّ وَّ ناجيةَ، إذ نجا من قريش، وهو الَّذِي نزل القليب في الحديبية بسهم رسول اللّه وَّيل فيما يقال، مات بالمدينة في زمن معاوية، وسيأتي مزيد الكلام في ترجمته عند تخريج الحديث. (كَيْفَ أَصْنَعُ بِمَا عَطِبَ) بكسرِ الطاء من بابِ علم من العطبٍ بفتحتين، وهو الهلاك، وأريد به ها هنا قربه للهلاك بأن اعترته آفة تمنعه من السير فيكادُ يعطبُ. وقال القاري: بكسر الطاء، أي: عيي وعجز عن السير ووقف في الطريق، وقيل: أي قرب من العطبٍ وهو الهلاك. وقال في ((النهاية)): عطبَ الهدي هلاكه. وقد يعبر بالعطب عن آفة تعتريه فتمنعه عن السير ويخاف عليه الهلاك فينحر. (مِنَ الْبُدْنِ) أي: من الهدي المهداة إلى الكعبة بيان لـ((ما)). (ثُمَّ اغَمِسْ) بكسرِ الميم من باب ضرب. (نَعْلَهَا) أي: المقلدة بها. (فِي دَمِهَا) أي: ثم اجعلها على صفحتها. (ثُمَّ خَلِّ) بصيغة الأمر من التخلية. (بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَهَا) قال الطيبي: التعريف للعهد. والمراد بهم الَّذِين يتبعون القافلة أو جماعة غيرهم من قافلة أخرى. انتهى. (٢٦٦٥) أَبُو دَاوُد (١٧٦٢)، والتِّرْمِذِي (٩١٠)، وابن مَاجَهْ (٣١٠٦)، والنسائي في الكُبرى (٤١٣٧) فِي الحَجّ عَنْهُ. ٢٥٦ * مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ # قلت: اختلفوا في المراد بالناس؛ فعند المالكية: يدخل فيهم الفقراء والأغنياء من الرفقة وغَيْرهم غير صاحب الهدي ورسوله، وعند الحنفية: هم الفقراء خاصة سواء كانوا من الرفقة أو من غيرهم، وأما عند الشافعية والحنابلة: فهم الفقراء لكن من غير أهل الرفقة، وهو الراجح عندنا لما تقدَّم في حديث ابن عباس من قوله وَيَّ: ((لَا تَأْكُلْ مِنْهَا أَنْتَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رفْقَتِكَ))، وقد تقدَّم الكلامُ في ذلك مفصلاً. (فَيَأْكُلُونَهَا) أي: فَهُمْ يأكلونها على حدٍّ قوله تعالى: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَغَنَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦] وإلا لكان الظاهر أن يقال: فيأكلوها. أي: بإسقاط النون الجواب الأمر كقوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ﴾ [الحجر: ٣]. (رَوَاهُ مَالِك وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه) أي: عن ناجية الخزاعي، هَذَا هو ظاهر معنى كلام المصنف، وفيه أن الإمام مالكًا روى الحديث عن هشام بن عروة عن أبيه فقال: عن صاحبٍ هدي رسول اللَّهِوَ لَه قال: يا رسول الله كيفَ أصنعُ بما عطبَ من الهدي ... الحديث. فهذا كما ترى لم يسم الرجل ولم ينسبه بل أبهم فقال: عن صاحب هدي رسول اللَّه وَله. ورَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ من طريقِ عبدة بن سليمان، وَابْن ماجه من طريق وكيع كلاهما عن هشام عن عروة فقالا: عن ناجية الخزاعي، وهكذا رواه أحمد (ج٤: ص ٣٣٤) ومن طريقه الحاكم (ج١ : ص ٤٤٧) من رواية وكيع وأبي معاوية عن هشام، وأخرجه أيضًا ابن حبان من رواية أبي خازم عن هشام فقال: عَنْ ناجيةَ الخُزَاعِي. فاتفق عبدةُ عند الترمذي ووكيع عند أحمد وَابْن ماجه والْحَاكِم وأبو معاوية عند أحمد وأبو خازم عند ابن حبان على التسمية والنسبة. قوله: (وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ عَنْ نَاجِيَةَ الْأَسْلَمِيِّ) أخرجَهُ أَبُو دَاوُد من طريق سفيان الثوري عن هشام بن عروة عن أبيه، ومن طريق أبي داود رواه البيهقي (ج٥ : ص ٢٤٣) وأخرجه الدارمي من طريق شعيب بن إسحاق عن هشام فقالا: عن ناجية الأسلمي. قال الزرقاني: وكذا رواهُ جعفرُ بن عون وروح بن القاسم وغَيْرهم عن هشام. انتهى. ورواه ابنُ عبد البر في ((الاستيعابٍ)) من طريق وهيب بن خالد عن هشام بن عروة عن أبيه فقال: عن ناجيةَ صاحبٍ هدي رسولِ اللهِ وَّل. فلم يذكر النسبة لا الأسلمي ولا الخزاعي. قال الحافظ في ((الإصابة)) بعد ذكر طرقه: ولم يسم أحد منهم والد ناجية، لكن ٢٥٧ بَابُ الهُدِي SKex كِتَابُ الْمُنَاسِكِ قال بعضُهم: الخزاعي، وبعضهم: الأسلمي، ولا يبعدُ التعدد، فقد ثبتَ من حديث ابن عباس أنَّ ذويبًا الخزاعي حدَّثه: أنه كان مع البدن أيضًا، ففي لفظ عند أحمد: أنَّ نبيَّ اللهِ له كان يبعثُ معه بالبدنِ فيقولُ: ((إِنْ عَطِبَ مِنْهَا شَيْءٌ، فَخَشِيتَ عَلَيْهِ، فَانْحَرْهَا، وَاغْمِسْ نَعْلَهَا فِي دَمِهَا، وَاضْرِبْ صَفْحَتَهَا، وَلَا تَأْكُلْ مِنْهَا أَنْتَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ رُفْقَتِكَ)). قال: وأخرِجَ ابنُ أبي شيبة من طريق عروة: أنَّ النبيَّ وَل بعثَ ناجية الخزاعي عينًا في فتح مكّة، وقد جزمَ أبو الفتح الأزدي وأبو صالح المؤذن بأن عروة تفرَّد بالرواية عن ناجية الخزاعي، فهذا يدلّ على أنه غير الأسلمي. انتهى. وقال في ((تهذيب التهذيب)): ناجية بن كعب بن جندب، ويقال: ابن جندب بن كعب، ويقال: عمير بن معمر الأسلمي الخزاعي، روى عن النَِّي وَّ وكان صاحب بدنه فيما يصنعُ بما عطب من البدن، روى عنه عروة بن الزبير ومجزأة بن زاهر الأسلمي ... قلت - قائله الحافظ -: قوله - أي: قول صاحب ((تهذيب الكمال)): الأسلمي الخزاعي؛ عجيبٌ، وقد بيَّنْتُ في ((معرفة الصحابةِ)) أن ناجية ابن جندب الأسلمي غير ناجية بن جندب بن كعب الخزاعي، وأن كُلَّ منهما وقعَ له استصحاب البدن، وأن الَّذِي روى عنه عروة هو الخزاعي، وقيل فيه: الأسلمي، وأن الَّذِي روى عنه مجزأة هو الأسلمي بلا خلافٍ، والأسلمي قد ذكر ابن سعد أنه شهد الحديبية، وزعم الأزدي وأبو صالح المؤذن أن عروة تفرد بالرواية عن الخزاعي، وأما الأسلمي فروى عنه مجزأة بن زاهر وعبد الله بن عمرو الأسلمي أيضًا. انتهى. قلت: كلام الحافظ هَذَا وكذا كلامه في ((التقريب)) وفي ((الإصابة)) يدلُّ على أن ناجية الأسلمي غير ناجية الخزاعي، والأولُ: ناجية بن جندب بن عمير، والثاني هو: ناجية بن جندب بن كعب، أو ناجية بن كعب بن جندب، وأن كليهما من أصحاب البدن المهداة التي وقعَ السؤال فيها عما يصنع بما عطب منها، وأن الصواب في حديث عروة: ناجية الخزاعي، لا الأسلمي، ويؤيد ذلك أنَّ الإمام أحمد في ((مسنده)) وضع الحديث في مسند ناجية الخزاعي لما وقع في سنده: عن عروة عن ناجية الخزاعي. وذكر الزرقانيُّ كلام الحافظ المتقدِّم عن ((الإصابةٍ))، ثم تعقبّه بأن جزم أبي الفتح الأزدي وأبي صالحِ المؤذن بتفرُّد عروة بالرواية عن الخزاعي لا يدلّ على أن هَذَا الحديث عنه، فلعلَّ الصوابَ روايةٌ مَن قال: إنه الأسلمي لا سيما وهم حفاظ ثقات، وقد جزمَ ابنُ عبد البر بأنه ناجية بن ٢٥٨ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ جندب الأسلمي. انتهى. قلت: لم يتفق أصحاب هشام على نسبة الأسلمي، بل قال أكثرهم: الخزاعي كما تقدَّم، نعم صنيع عامة أصحاب الرجال يؤيد أنه الأسلمي حيث نسبوا الحديث إلى الأسلمي، ولم يذكروا الخزاعي كالمصنف في ((الإكمال)) وَابْن عبد البر في ((الاستيعاب)) والجزري في رجال ((جامع الأصول))، وذكر الذهبي في ((تجريده)) والجزري في (أسد الغابة)) الحديث في ترجمة الأسلمي والخزاعي كليهما، وقال الجزري في ترجمة ناجية بن جندب بعد ذكر الحديث عن الترمذي بسنده وعنِ ((الموطأ)): والصحيحُ أنه أسلمي. ثم ذكر القصة من رواية ابن إسحاق وفيها: أنَّ الَّذِي نزلَ القليبَ بسهمِ رسولِ اللهِ وَّ ناجية بن جندب الأسلمي صاحب بدن رسول اللّه وَّ. انتهى. والظاهر أن البغوي صاحب ((المصابيح)) تبع في ذلك الإمام أحمد، والمصنف تبع ابن عبد البر ومَن وافقه، فإنه لم يذكر ناجية الخزاعي في ((إكماله))، والراجحُ عندنا: هو ما ذهب إليه الحافظُ، والله أعلم. والحديث صحَّحه الترمذي، وسكت عنه أَبُو دَاوُد والمُنْذِري وصحَّحه الحاكمُ على شرط الشيخين وقرَّرَهُ الذهبيُّ. ٢٦٦٦ - [١٦] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُرْطٍ رََِّهُ عَنِ النَّبِيِّ وَ قَالَ: ((إِنَّ أَعْظَمَ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمُ النَّحْرِ ، ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ) قَالَ ثَوْرٌ: وَهُوَ الْيَوْمُ الثاني، قَالَ: وَقُرِّبَّ لَرَسُولِ اللّهِ وَّهِ بَدَنَاتٌ خَمْسٌ أَوْ سِتٌّ، فَطَفِقْنَ يَزْدَلِفْنَ إِلَّيْهِ بِأَيَتِهِنَّ يَبْدَأُ، قَالَ: فَلَمَّا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا، قَالَ: فَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ خَفِيَّةٍ لَمْ أَفْهَمْهَا، فَقُلْتُ: مَا قَالَ؟ قَالَ: ((مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ)). [رَوَاهُ أَبُو دَاودَ، وَذَكَرَ حَدِيْثَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ فِي بَابِ الْأُضْحِيَةِ] (صحيح) الشرح ٢٦٦٦ - قوله: (وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُرْطٍ) بضمِّ القاف وسكون الراء وإهمال (٢٦٦٦) أَبُو دَاوُد (١٧٦٥)، وَالنَّسَائِي في ((الكبرى)) (٤٠٩٨) رَوَاهُ النسائيُّ مختصرًا فِهِ عَنْ عَبْدِاللهِ بِنْ قُرْطٍ . ٢٥٩ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ الْهُدِي الطاء، الأزدي الثمالي بضمِّ المثلثة وتخفيف المیم صحابي، روى أحمد بن حنبل بإسناد حسن وأبو نعيم في ((الصَّحَابَة)) بإسناد لا بأس به: أنه كان اسمه في الجاهليةِ شيطانًا، فغيَّرَهُ النبيُّ نَّهِ وسماه عبد الله. شهدَ الير موكَ وفتحَ دمشق، وأرسله يزيد ابن أبي سفيان بكتابه إلى أبي بكر الصديق ظه، واستعمله أبو عبيدة على حمص في عهد عمر مرتين، ولم يزل عليها حتىٍ توفي أبو عبيدة، ثم استعمله معاوية على حمص أيضًا. قال ابن يونس: قُتِل عبدُالله بأرضٍ الروم شهيدًا سنة ست وخمسين. (إِنَّ أَعْظَمَ الْأَيَّام) أي: أيام عيد الأضحى، فلا ينافي ما في الأحاديث الصحيحة: أن أفضلَ الأيام يوم عرفة، فيكونُ المرادُ بتلك الأيام يوم النحر وأيام التشريق. وقال الطيبي: أي: من أعظم الأيام؛ لأنَّ العشر - أي: عشر رمضان أو عشر ذي الحجة - أفضل مما عداها، قال القاري: ولا يبعدُ أن يقالَ: الأفضلية مختلفة باعتبار الحيثية أو الإضافية والنسبية فلا يحتاج إلى تقدير ((من)) التبعيضية. (يَوْمُ النَّحْرِ) أي: أول أيام النحر؛ لأنَّهُ العيد الأكبر ويعمل فيه أكبر أعمال الحجّ حتى قال تعالى فيه: ﴿يَوْمَ الْحَجّ الْأَكْبَرِ﴾ [التوبة: ٣] (ثُمَّ يَوْمُ القَرِّ) بفتح القاف وتشديد الراء، هو اليوم الأول من أيام التشريق، سمي بذلك؛ لأن الناس يقرون يومئذ في منازلهم بمنى ولا ينفرون عنه بخلاف اليومين الأخيرين، قاله القاري. وقال في ((اللمعات)): سمي بذلك؛ لأن الناس يقرون ويسكنون فيه بمنى بعد ما تعبوا في أداء المناسك. وقال الجزري والخطابي: هو اليومُ الَّذِي يلي يوم النحر، سمي بذلك؛ لأنَّ الناس يقرون فيه بمنى، وقد فرغوا من طواف الإفاضة والنحر فاستراحوا وقروا. (قَالَ ثَوْرٌ) بفتح مثلثة، أحد رواة هَذَا الحديث وهو ثور بن يزيد الكلاعي، ويقال: الرحبي، أبو خالد الحمصي أحد الحفاظ الأثبات العلماء. قال ابنُ معينٍ : ما رأيتُ شاميًّا أوثق منه. وقال في ((التقريب)): ثقة ثبت إلا أنه يرى القدر، من كبار أتباع التابعين، مات سنة خمسين ومائة، وقيل: ثلاث أو خمس وخمسين. (وَهُوَ) أي: يوم القر هو (الْيَوْمُ الثَّانِي) أي: من أيام النحر، أو من أيام العيد، فلا ينافي ما سبقَ من أنه أول أيام التشريق. (قَالَ) أي: عبد الله. (وَقُرِّبَ) بتشديد الراء مجهولًا. (بَدَنَاتٌ خَمْسٌ أَوْ سِتُّ) شكّ من الراوي أو ترديد من عبد الله، يريدُ تقريب الأمر، أي: بدنات من بدن الَّبِي وَلّ. (فَطَفِقْنَ) بكسر الفاء الثانية أي شرعن. (يَزْدَلِفْنَ) أي: يتقربن ويسعين. (إِلَيْهِ بِأَيَّتِهِنَّ يَبْدَأُ) يعني: يقصدُ كل من