النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠٠
ese
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٦٥٣ - [٣] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: ذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ وَلّهِ عَنْ عَائِشَةَ بَقَرَةً يَوْمَ
النَّحْرِ.
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشرح
٢٦٥٣ - قوله: (وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: ذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ) وفِي الحَدِيثِ الأتي:
((نحر))، مكان: ((ذبح))، والفرق بين النحر والذبح أن النحر يكون في اللبة - بفتح
اللام وتشديد الموحدة، هي الوهدة التي بين أصل العنق والصدر - والذبح يكون
في الحلقِ، فالذبح هو قطع العروق التي في أعلى العنق تحت اللحيين. قال ابنُ
عابدين: النحرُ: قطع العروق في أسفل العنق عند الصدر، والذبح: قطعها في
أعلاه تحت اللحيين.
وفي (تكملةِ البحر)): ولا بأس بالذبح في الحلق كله أسفله وأوسطه وأعلاه؛ لأنَّ
ما بين اللبة واللحيين هو الحلق؛ ولأن كله مجتمع العروق، فصار حكم الكل
واحدًا، انتهى. وفي ((البدائع)): الذبح: هو فري الأوداج ومحله ما بين اللبة
واللحيين، والنحر: فري الأوداج ومحله آخر الحلق. انتهى. والحديثُ دليل لما
ذهب إليه جمهور العُلَمَاء من أن نحر البقر جائز، وإنَّ كان الذبح مستحبًّا عندهم؛
لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةٌ﴾ [البقرة: ٦٧] وخالف الحسن بن صالح
و مجاهد، فاستحبا نحرها.
وقال مالك: إن ذبح الجزور من غير ضرورة أو نحر الشاة من غير ضرورة لم
تؤكل. وقال في ((الدُّرِّ المختار)): حب النحر للإبل وكره ذبحها، والحكم في غنم
وبقر عكسه، فندب ذبحها وكره نحرها لترك السنة. وقال في ((البدائع)): لو نحر ما
يذبح أو ذبح ما ينحر يحل لوجود فري الأوداج لكنه يكره - أي: فعله لا المذبوح؛
لأن السنة في الإبل النحر، وفي غيرها الذبح؛ لأن الأصل في الذكاة إنما هو
الأسهل على الحيوان، وما فيه نوع راحة له فهو أفضل، والأسهل في الإبل النحر
(٢٦٥٣) مُسْلِمٌ (١٣١٩/٣٥٦) فِيهِ عَنْ جَابِرٍ .

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْهُدِي
٢٠١
لخلو لبتها عن اللحم واجتماع اللحم فيما سواه من خلفها، والبقر والغنم جميع
حلقها لا يختلف. انتهى.
وفي ((شرح الإقناع)) من فروع الشافعية: يسن نحر إبل وذبح بقر وغنم، ويجوز
بلا كراهة عكسه. قال البجيرمي: لكنه خلاف الأولى، خلافًا للإمام مالك حيث
قال: لا يجوز ذلك. وقال الدردير: وجب نحر إبل ووجب ذبح غيره من غنم
وطير، فإن نحرت ولو سهوًا لم تؤكل إن قدر، وجاز للضرورة، أي: جاز الذبح في
الإبل والنحر في غيرها للضرورة كوقوع في مهواة أو عدم آلة ذبح أو نحر إلا البقر،
فيندب فيها الذبح. قال الدسوقي: ونحرها خلاف الأولى. ومثل البقر الجاموس
وبقر الوحش فيجوزُ كلَّ من الذبح والنحر فيهما، ومثل البقر في جواز الأمرين
وندب الذبح ما أشبهه من حمار الوحش وغيره، انتهى.
وقال ابن قدامة: لا خلاف بين أهل العلم في أن المستحب نحر الإبل وذبح ما
﴾ [الكوثر: ٢]، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ
سواها قال الله تعالى: ﴿فَصَلّ لِرَبِّكَ وَأَنْحَرْ جَ
اَللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] ومعنى النحر: أن يضربها بحربة أو نحوها في
الوهدة التي بين أصل عنقها وصدرها، فإن ذبح ما ينحر أو نحر ما يذبح فجائز، هَذَا
قول أكثر أهل العلم منهم عطاء والزهري وقتادة ومالك والليث والثوري وأبو حنيفة
والشافعي وإسحاق وأبو ثور، وحكي عن داود أن الإبل لا تباح إلا بالنحر ولا يباح
غيرها إلا بالذبح؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] وقال
تعالى: ﴿فَصَلّ لِرَبِّكَ وَأَنْحَرْ ﴾﴾ [الكوثر: ٢] والأمر يقتضي الوجوب، وحكي عن
مالك أنه لا يجزئ في الإبل إلا النحر، ولنا قوله ◌َّ: ((أمرر الدم بما شئت))، وعن
عائشة قالت: نحر رسول اللّه وَ ل في حجة الوداع بقرة واحدة. انتهى مختصرًا.
وقال ابنُ رشدٍ: اتفقوا على أن الذكاة في بهيمة الأنعام نحر وذبح، وأن من سنة
الغنم والطير الذبح، وأن من سنة الإبل النحر، وأن البقر يجوز فيها الذبح والنحر،
واختلفوا هل يجوز النحر في الغنم والطير والذبح في الإبل؟ فذهب مالك إلى أنه
لا يجوز النحر في الغنم والطير، ولا الذبح في الإبل، وذلك في غير موضع
الضرورة. وقال قوم: يجوزُ جميع ذلك من غير كراهة، وبه قال الشافعي وأبو
حنيفة والثوري وجماعة العلماء. وقال أشهب: إن نحر ما يذبح أو ذبح ما ينحر؛

٢٠٢
see
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
أكل، ولكنه يكره، وفرق ابن بكير بين الغنم والإبل فقال: يؤكل البعير بالذبح ولا
تؤكل الشاة بالنحر، ولم يختلفوا في جواز ذلك في موضع الضرورة. وسبب
اختلافهم معارضة الفعل للعموم. فأما العموم فقوله - عليه الصلاة والسلام - ((مَا
أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا)) وأما الفعل، فإنه ثبت أن رسول اللّه وَّ نحر
الإبل والبقر وذبح الغنم، وإنما اتفقوا على جواز ذبح البقر؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ
يَأْمُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] انتهى .
(عَنْ عَائِشَةَ) أي: لعائشة ولسائر نسائه كما سيأتي في الحديث الآتي. (بَقَرَةً)
ويحتملُ أنه ذبح عن عائشة وحدها بقرة وجعل بقرة أخرى عن الكلِّ تمييزًا لها؛
لأنَّهَا انفردت بسبب موجب وهو القران؛ لأنَّهَا أردفت الحج على عمرتها، وهن
لما اشتركن في سبب غيره أشرك بينهن، ويكون في ذلك تخصيص وتفضيل؛ لأن
الواجب في ذلك شاة أو سبع بدنة أو بقرة، كما فعل في حق صواحبها، ولعل إيثار
البقر؛ لأنَّهُ المتيسر حين إذن، وإلا فالإبل أفضل منه، وقيل: إنه لبيان الجواز.
(يَوْمَ النَّحْرِ) أي: في حجته كما في رواية محمد بن بكر عن ابن جريج عن أبي
الزبير عن جابر عند أحمد ومسلم.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) من طريق يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن ابن جريج. والحديث
من أفراد مسلم لم يخرجه البخاري. ورواه أيضًا أحمد والْبَيْهَقِي (ج٥: ص ٢٣٨).
٢٦٥٤ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: نَحَرَ الْنَّبِيُّ بَّهِ عَنْ نِسَائِهِ بَقَرَةً فِي حَجَّتِهِ.
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشرح
٢٦٥٤ - قوله: (وَعَنْهُ) أي: عن جابر. (نَحَرَ النَّبِيُّ وَلَّهِ عَنْ نِسَائِهِ بَقَرَةً فِي
حَجَّتِهِ) وفي الباب أيضًا عن عائشة رضي ◌َّهَا: أنَّ رسولَ اللهِ وَ لِّ نحرَ عن أزواجِهِ بقرة في
(٢٦٥٤) مُسْلِم (٣١٤/ ١٣٠٠)، وَأَبو دَاوُد (١٩٧١٤)، وَالتِّرْمِذِي (٨٩٤)، وابنُ مَاجَه (٣٠٥٣)،
والنَّسَائِي (٥/ ٢٧٠) فيه عنْ جابٍ .

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الھدِي
٢٠٣
حجة الوداع. أخرجه أحمدُ وأبو دَاوُد والنَّسَائِي في ((الكبري)) وَابْن ماجه، كلهم
من رواية يونس عن الزهري عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة، لفظ أحمد
ولفظ الثلاثة: بقرة واحدة. وعن أبي هريرة: أنَّ رسولَ اللَّه وَ ل ذبحَ عمَّن اعتمرَ من
نسائهِ بقرةً بينهن. أخرجه أَبُو دَاوُد والنَّسَائِي في ((الكبرى)) وَابْن ماجه، والحديثانِ
سكت عنهما أبُو دَاوُد والمُنْذِري، وحديثُ جابرٍ مع حديثي عائشة وأبي هريرة يدلُّ
على جواز الاشتراك في الهدي إذا كان من الإبل أو البقر، وللعلماء خلاف في
ذلك؛ فذهب الشافعي وأحمد والجمهور إلى جواز الاشتراك في الهدي سواء أكان
تطوعًا أم واجبًا، وسواء أكانوا كلهم متقربين أو بعضهم يريد القربة، وبعضهم يريد
اللحم، واستدلَّ لهم بما وردَ من أحاديث الاشتراك المتقدمة وغيرها مما ذكره
الزيلعي في ((نصب الراية)) (ج ٣: ص ٢٠٩) والحافظ في ((الدراية)) (ص٣٢٤)
والمجد في ((المنتقى)) (ج٤: ص ٣٣٠، ٣٣١) والمحب الطبري في ((القرى))
(ص٥١٨، ٥٢٧، ٥٢٨).
وقال داود وبعض المالكية: يجوزُ الاشتراك في هدي التطوع دون الواجب،
وهو مردود بحديث عطاء عن جابر قال: كنا نتمتع مع التَّبِي ◌ُّه فنذبح البقرة عن
سبع نشترك فيها. أخرجه أحمد والنَّسَائِي وغَيْرهما. فهذا صريح في جواز الاشتراك
في دم التمتع وهو واجب؛ لقوله رَى: ﴿فَنَ تَمَنَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَحْ نَا أُسْتَيْسَرَ مِنَ اَلْهَذْئَّ﴾.
[البقرة: ١٩٦] وذهبَ مالك إلى عدم جواز الاشتراك في الهدي مطلقًا، وأحاديثُ الباب
تخالفُهُ، وروي عن ابن عمر نحَو ذلك، ولكنه روى عنه أحمد ما يدلُّ على الرجوع
عنه وموافقة الجمهور، ولعلَّ مالكًا لم يبلغه ذلك، وذهبَ أبو حنيفةً إلى جوازه إن
كانوا كلهم متقربين سواء أكان هدي تطوع أم واجب وليس فيهم من يريد اللحم،
وقد تقدَّم الكلام على مسألة الاشتراك في الهدي والأضحية في باب الأضحية.
قلتُ: ويدلُّ أيضًا على جواز الاشتراك في الهدي من البقرِ: ما رواه مالك في
((الموطأ)) والبخاري من طريقهِ في: باب ذبح الرجل البقر عن نسائه من غير
أمرهن؛ عن يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن: أنَّها سمعتْ عائشة تقول:
خرجنا مع رسول اللَّه وَلّ لخمس بقين من ذي القعدة لا نرى إلا الحج ...
الحديث. وفيه: قالت: فدخل علينا يوم النحر بلحم بقر، فقلتُ: ما هذا؟ فقالوا:
نحرَ رسولُ اللَّهِ وَلّهِ عن أزواجهِ، وللشيخين من روايةٍ سليمان بن بلال عن يحيى

٢٠٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بلفظ: ذبح. قال ابنُ بطالٍ: أخذَ بظاهره جماعة، فأجازوا الاشتراك في الهدي
والأضحية ولا حجة فيه؛ لأنَّهُ يحتملُ أنْ يَكُون عن كل واحدة بقرة، وأما رواية
يونس عن الزهري عن عمرة عن عائشة: أن رسولَ اللَّهِ وَلَ نَحَر عن أزواجهِ بقرةً
واحدةً. فقد قال إسماعيل القاضي: تفرَّد يونس بذلك، وقد خالفه غيره. انتهى.
قال الحافظُ: رواية يونس أخرجها النسائي وأبو دَاوُد وغَيْرهما ويونس ثقة
حافظ، وقد تابعه معمر عند النسائي أيضًا، ولفظه أصرح من لفظٍ يُونس قال: ما
ذبحَ عن آل محمد في حجة الوداع إلا بقرةً. وروى النسائي أيضًا من طريق يحيى
ابن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: ذبحَ رسولُ اللَّه ◌َلّعمن اعتمرَ من
نسائه في حجة الوداع بقرةً بينهن. صحَّحه الحاكمُ وهو شاهد قوي لرواية الزهري،
وأما ما رواه عمار الدهني عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالتْ: ذبحَ
عنا رسولُ اللهِ وَلِ يومَ حججنا بقرة بقرة. أخرجَهُ النسائيُّ أيضًا، فهو شاذ مخالف
لما تقدَّم، وقد رواه البخاري في الأضاحي ومسلم أيضًا من طريق ابن عيينة عن
عبد الرحمن بن القاسم بلفظ: ضَحَّى رسولُ اللهِ وَّليه من نسائه البقر. ولم يذكر ما
زاده عمار الدهني. انتهى.
وتعقَّبه الزرقاني فقال: لا شذوذ فيه، فإن عمارًا الدهني - بضم المهملة وإسكان
الهاء ونون - ثقة صَدُوق من رجال مسلم والأربعة، فزيادته مقبولة فإنه قد حفظ ما
لم يحفظ غيره، وزيادته ليست مخالفة لغيره، فإن رواية معمر: ما ذبح إلا بقرة.
المرادُ بها جنس بقرة، أي: لا بعير ولا غنم، فلا تنافي الرواية الصريحة أن عن كلِّ
واحدة بقرة، فمن شرط الشذوذ أن يتعذر الجمع، وقد أمكن فلا تأييد فيها لرواية
يونس التي حكم إسماعيل القاضي بشذوذها؛ لأنَّهُ انفرد بقوله: ((واحدة))،
وإسماعيل من الحفّاظ لا يجهلُ أنَّ يونس ثقة حافظ وإنما حكم بشذوذ روايته
ومخالفة غيره له على القاعدة أن الشاذ ما خالف الثقة فيه الملأ.
وحديثُ أبي هريرة لا شاهد فيه فضلًا عن قوته؛ إذ قوله: ((ذبح بقرة بينهن)). لا
صراحة فيه أنه لم يذبح سواها وإن كان ظاهره ذلك فتعارضه الرواية الصريحة في
التعدد. انتهى.
وفي هَذَا التعقُّب نظرٌ؛ لأنَّ عمارًا ويونس اختلفا في ذلك، وعمار وإن كان ثقة

٢٠٥
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الهُدِي
صدوقًا، فلا يساوي يونس؛ لأنَّهُ ثقة حافظ، كما تقدَّم في كلام الحافظ. وقال في
((التقريب)) عن عمار الدهني: إنه صدوق، فإذا تعارضا في الوحدة والتعدُّد؛ ترجح
حديث يونس، وقول الزرقاني: إنَّ زيادته ليست مخالفة لغيره ليس بصحيحٍ، فإن
رواية يونس صريحة في نحر البقرة الواحدة عن أزواجه، ورواية عمار صريحة في
التعدد ولا يمكنُ الجمعُ بينهما، ولا يصحُّ إرادة الجنس في رواية معمر للتاء الفارقة
بين الواحدة والجنس .
قال العَيْنِي: الفرقُ بين البقرة والبقر كتمرة وتمر، وعلى تقدير عدم التاء يحتمل
التضحية بأكثر من واحدة. انتهى. واتفق من قال بالاشتراك على: أنه لا يكون في
أكثر من سبعة إلا إحدى الروايتين عن سعيد بن المسيب فقال: تجزئ عن عشرة،
وبه قال إسحاق بن راهويه وَابْن خزيمة من الشافعية واحتجَّ لذلك فِي ((صَحِيحِه)
وقواه، وبه قال ابنُ حزم وبسطَ في إثباته، واستدلَّ لذلك بما تقدَّم من أحاديث
عائشة وأبي هريرة وجابر.
وأجابَ الجمهورُ عن ذلك بوجوهٍ: قال الشوكاني: قد استدلَّ بقول عائشة
المذكور على أن البقرة تجزئ عن أكثر من سبعة، فإنَّ الظاهر أنه لم يتخلَّف أحد
من زوجاته يومئذ وهن تسع، ولكن لا يخفى أن مجرد هَذَا الظاهر لا تعارض به
الأحاديث الصريحة الصحيحة الواردة في إجزاء البقرة عن سبعة فقط المجمع على
مدلولها. وقيل: إن البقرة كانت عن سبع منهن، وعن الباقية لعله ذبح غير البقر،
ولا يخفى ما فيه. وأجابَ ابنُ القيم: بأنَّ أحاديث السبعة أكثر وأصح، وحاصله أن
الروايات في ذلك مختلفة، وحديث عائشة يدل على الإجزاء لأكثر من سبعة، لكن
أحاديث الإجزاء لسبعة فقط أكثر وأصح فتقدم.
تنبيه:
LE
اختلف في أن البقرة المذكورة في حديث عائشة عند مالك والشيخين أضحية
كانت أو هديًا، وبكلا اللفظين وردت الروايات، فروى البخاري في الأضاحي
ومسلم أيضًا من طريق ابن عيينة عن عبد الرحمن بن القاسم بلفظ: ضَحَّى
رسولُ اللهِ وَله عن نسائه بالبقر. وأخرجَهُ مسلمٌ من طريق ابن الماجشون عن
عبد الرحمن بلفظ: ((أهدى)). بدل: ((ضحى)).

٢٠٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
es
قال الحافظُ: والظاهرُ أن التصرف من الرواة؛ لأنَّهُ ثبتَ في الحديث ذكر النحر
كما تقدَّم، فحمله بعضهم على الأضحية، فإنَّ رواية أبي هريرة صريحة في أن ذلك
كان عمن اعتمرَ من نسائه فقويت رواية من رواه بلفظ: ((أهدى))، وتبيَّن أنه هدي
التمتع، فليس فيه حجة على مالك في قَوْلِه: ((لا ضَحَايا على أهلِ منى)). وتبيَّن
توجيه الاستدلال به على جوازٍ الاشتراك في الهدي والأضحية. انتهى كلام
الحَافِظ .
وهذا كما ترى يدلُّ على أنه مال إلى أن البقرة المذكورة كانت هديًا، ونحا في
كتاب الأضاحي إلى كونها أضحية حيث قال: قوله: ((ضَحَّى النبيُّ وَّل عن أزواجه
بالبقر)) ظاهرٌ في أنَّ الذبح المذكور كان على سبيل الأضحية، وحاول ابنُ التين
تأويله ليوافق مذهبه فقال: المرادُ أنه ذبحها وقت ذبح الأضحية وهو ضحى يوم
النحر، قال: وإن حمل على ظاهره فيكون تطوعًا لا على أنها سنة الأضحية، كذا
قال، ولا يخفى بعده، واستدلَّ به الجمهور على أن ضحية الرجل تجزئ عنه وعن
أهل بيتهِ، وخالفَ في ذلك الحنفية، وادعى الطحاوي أنه مخصوص أو منسوخ
ولم يأت لذلك بدلیل. انتهى.
وهذا كما ترى رجَّح ها هنا خلاف ما رجَّحه في كتاب الحجِّ، وذهبَ ابنُ القيم
إلى أنَّ الصواب رواية الهدي فقد قال بعد ذكر مذهب ابن حزم: أنَّ الحاجَّ شرع له
التضحية مع الهدي، والصحيحُ إن شاء الله أن هدي الحاج له بمنزلة الأضحية
للمقيم، ولم ينقل أحدٌ أن النَّبِي وَّ ولا أصحابه جمعوا بين الهدي والأضحية، بل
كان هديهم هو أضاحيهم، فهو هدي بمنى وأضحية بغيرها، وأما قولُ عائشة:
((ضحى عن نسائه بالبقر))، فهو هدي أطلق عليه اسم الأضحية، وأنهنَّ كُنَّ متمتعات
وعليهن الهدي، فالبقرُ الَّذِي نحره عنهن هو الهدي الَّذِي يلزمهن. انتهى.
لكن تبويب البخاريٍّ في كتابٍ الأضاحي على حديث عائشة المذكور: باب
الأضحية للمسافر والنساء. وباب من ذبح ضحية غيره، يدلّ على أنه حمل الحديث
على الأضحية؛ ولذلك استدلَّ به لمالك على أن التضحية بالبقرِ أفضلٍ خلافًا
للجمهور، إذا قالوا: إنَّ الأفضل البدنة لقوله بَّهِ: ((مَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى -
إلى الجمعة - فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَّةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً ... ))
إلى آخره. مع أنه ليسَ في حديث عائشة تفضيل البقر ولا عموم لفظ، إنما هي

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْهُدِي
٢٠٧
قضية عين محتملة لأمور، فلا حجة فيها لمالك، واستدلَّ به أيضًا على الأضحية
على النساء والأضحية على المسافر وعلى الحاج بمنى، وغير ذلك من المسائل
ليس هَذَا موضع تفصيلها.
هذا؛ وقد ترجم البُخَارِي على حديث عائشة كما تقدم: باب ذبح الرجل عن
نسائه من غير أمرهن. قال الحافظُ: أما قوله: ((من غير أمرهن)) فأخذه من استفهام
عائشة عن اللحمٍ لما دخل به عليها ولو كان ذبحه بعلمها لم تحتج إلى الاستفهام،
لكن ليس ذلك دافعًا للاحتمال فيجوز أنْ يَكُون علمها بذلك تقدم بأن يكون
استأذنهن في ذلك، لكن لما أدخل اللحم عليها احتمل عندها أنْ يَكُون هو الَّذِي
وقع الاستئذان فيه، وأن يكون غير ذلك فاستفهمت عنه لذلك.
وقال النووي: هَذَا محمول على أنه بَّهاستأذنهن في ذلك، فإنَّ تضحية الإنسان
عن غيره لا يجوز إلا بإذنه. انتهى. وهكذا قال الطيبي كما في ((المرقاة).
قلتُ: وقد تقدَّم أن عائشة كانت قارنة، فهي داخلة في قولها: وضحى عن نسائه
بالبقر؛ لأنَّ القارن يجب عليه دم القران، فكان لابد من استيذانها كسائر النساء.
والله أعلم.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) من طريق سعيد بن يحيى الأموي عن أبيه عن ابن جريج عن أبي
الزبير عن جابر، وهو أيضًا من أفراد مسلم لم يخرجه البخاري.
٢٦٥٥ - [٥] وَعَنْ عَائِشَةَ مِّنَا قَالَتْ: فَتَلْتُ قَلَائِدَ بُدْنِ النَّبِيِّ
بِيَدَّ، ثُمَّ قَلَّدَهَا وَأَشْعَرَهَا وَأَهْدَاهَا، فَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَانَ أُحِلَّ لَهُ.
صََلى اللّه
وسام
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٦٥٥ - قوله: (فَتَلْتُ قَلَائِدَ بُدْنِ النَّبِيِّ ◌َّ) القلائد: جمع قلادة بكسر القاف
(٢٦٥٥) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٦٩٦)، ومُسْلِم (٣٦٢/ ١٣٢١) فِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، وَأَبُو دَاوُد (١٧٥٧)،
والنَّسَائِي (١٧٠/٥)، وابن مَاجَهْ (٣٠٩٨).

٢٠٨
*ee
EX
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وهي ما تعلَّق بالعنق، والبدن بضم الباء وإسكان الدال جمع البدنة بفتح الباء
والدال: وهي ناقة أو بقرة تنحر بمكة سميت بذلك؛ لأنهم كانوا يسمنونها والبدن
التسمين والاكتناز وبدن؛ إذا ضخم، وبدَّن بالتشديد؛ إذا أسن. (بِيَدَيَّ) بفتح
الدال وتشديد الياء على التثنية، وروي بالإِفراد على الجنسية.
قال الحافظُ: فيه رفع مجاز أن تكون أرادت أنها فتلت بأمرها، وفيه دليل على
استحباب فتل القلائد للهدي واستخدام الإنسان أهله في مثل هذا. (ثُمَّ قَلَّدَهَا) زاد
في رواية: ((بيده))، قال ابنُ التين: يحتملُ أنْ يَكُون قول عائشة: ((ثم قلدها بيده))؛
بيانًا لحفظها للأمر ومعرفتها به، ويحتملُ أن تكونَ أرادت أنه وَ سُ ول تناول ذلك بنفسه
وعلم وقت التقليد، ومع ذلك فلم يمتنع من شيء يمتنع منه المحرم لئلا يظن أحد
أنه استباح ذلك قبل أن يعلم بتقليد الهدي.
وقال الباجي: يحتملُ أن تكون أرادت بذلك تبيين حفظها للأمر ومعرفتها من
تناول كلِّ شيء منه، ويدلَّ ذلك على اهتبالها بهذا الأمر ومعرفتها به، ويحتملُ أنها
أرادت أنَّ النبيَّ وَّ تناول ذلك بنفسه وعلم وقت التقليد؛ لئلا يظن أحد أنه استباح
محظور الإحرام بعد تقليد هديه، وقبل أن يعلم هو بذلك، فتبين من ذلك أنه لم
يأت شيئًا من هَذَا إلا وهو عالم بتقليد هديه. انتهى.
(وَأَهْدَاهَا) أي: مع أبي بكر رَوُلَهُ في السنة التاسعة، وفي الرواية الآتية دليل
استحباب بعث الهدي إلى الحرم وإن لم يسافر معه مرسله ولا أحرم في تلك
السنة. (فَمَا حَرُمَ) بفتح الحاء وضم الراء. (عَلَيْهِ) أي: على النَّبِيِ وََِّّ. (شَيْءٌ كَانَ
أُحِلَّ لَهُ) بصيغة المجهول من الإحلال، وسببَ هَذَا القول من عائشة ◌َّا أنها بلغها
فتيا ابن عباس ◌ًّا فيمن بعث هديًا إلى مكة أنه يحرم عليه ما يحرم على الحاج من
لبس المخيط وغيره حتى ينحر هديه بمكة، فقالت ذلك ردًّا عليه؛ لأنَّ باعث الهدي
المقيم في بلده لا يصير بمجرد البعث محرمًا، فلا يحرم عليه شيء، روى البخاري
في باب إذا بعث بهديه ليذبح وأقام لم يحرم عليه شيء، من كتابٍ الأضاحي بسنده
عن مسروق، أنه أتى عائشة فقال لها: يا أمَّ المؤمنين، إن رجلاً يبعث بالهدي إلى
الكعبة ويجلس في المصر، فيوصي أن تقلد بدنته، فلا يزال من ذلك اليوم محرمًا
حتى يحل الناس، قال: فسمعتُ تصفيقها من وراء الحجاب فقالت: لقد كنتُ أفتل

٢٠٩
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الھدِي
قلائد هدي رسول اللّه ◌َ له فيبعث هديه إلى الكعبة فما يحرم عليه مما حلَّ للرجال
من أهله حتى يرجع الناس. انتهى. وفي ((الصَّحِيحَيْن)): أن زياد بن أبي سفيان كتب
إلى عائشة أن عبد الله بن عباس قال: من أهدى هديًا حرم عليه ما يحرم على الحاج
حتى ينحر هديه، فقالت عائشة: ليس كما قال ابن عباس، أنا فتلتُ قلائدَ هدي
رسول اللّه وَ ل بيدي، ثم قلدها رسول اللَّه ◌ِ ل بيديه، ثم بعث بها مع أبي، فلم
يحرم على رسول اللَّه وَلِّ شيء أحلَّه اللهُ له حتى نحرَ الهدي.
وروى مالك في ((الموطأ)) عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن
ربيعة بن عبد الله بن الهدير: أنَّه رَأَى رجلًا متجرِّدًا بالعراقِ فسألَ الناس عنه،
فقالوا: أنه أمر بهديه أن يقلد فلذلك تجرد. قال ربيعة: فلقيتُ عبد الله بن الزبير
فذكرتُ له ذلك فقال: بدعةٌ وربُّ الكعبة. انتهى. قال الطحاوي: ولا يجوزُ عندنا
أنْ يَكُون ابن الزبير حلف على ذلك أنه بدعة إلا وقد علم أن السنة خلاف ذلك. قال
الحافظ: ورواه ابن أبي شيبة عن الثقفي عن يحيى بن سعيد، أخبرني محمد بن
إبراهيم أن ربيعة أخبره أنه رأى ابن عباس وهو أمير على البصرة في زمان علي
متجردًا على منبر البصرة فذكره، فعرفَ بهذا اسم المبهم في رواية مالك. انتهى.
وما ذهب إليه ابنُ عباس من أن الرجل إذا بعث هديًا يحرم عليه ما يحرم على
المحرم من محظورات الإحرام، قال الحافظ: ثبت ذلك عن جماعة من الصَّحَابَة
منهم ابن عمر، رواه ابن أبي شيبة عن ابن علية عن أيوب، وَابْن المنذر من طريق
ابن جريج كلاهما عن نافع: أنَّ ابنَ عُمر كان إذا بعث بالهدي يمسك عما يمسك
عنه المحرم إلا أنه لا يلبي. وَمِنْهُم: قيس بن سعد بن عبادة؛ أخرجَ سعيد بن
منصور من طريق سعيد بن المسيب عنه نحو ذلك، وروى ابنُ أبي شيبة من طريق
محمد بن علي بن الحسين عن عمر وعلي: أنهما قالا في الرجلِ يرسلُ ببدنته: أنه
يمسك عما يمسك عنه المحرم. وهذا منقطع.
وقال ابنُ المنذرِ: قال عُمر وعلي وقيس بن سعد وَابْن عمر وَابْن عباس والنخعي
وعطاء وَابْن سيرين وآخرون: مَن أرسل الهدي وأقام حرم عليه ما يحرم على
المحرم. وقال ابنُ مسعودٍ وعائشة وأنس وَابْن الزبير وآخرون: لا يصيرُ بذلك
محرمًا، يعني: لا يحرم عليه شيء مما يحرم على المحرم، وإلى ذلك صار فقهاء

٢١٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الأمصار وَمِنْهُم الأئمة الأربعة، ومن حجة الأولين ما رواه أحمدُ والطحاوي
وغَيْرِهما من طريق عبد الرحمن بن عطاء عن عبد الملك بن جابر بن عيتك، عن
جابرِ بنِ عبد الله قالَ: كنتُ جالسًا عندَ النبيِّ وَُّ فقد قميصه من جيبهِ حتَّى أخرجَهُ
من رجليهِ، وقال: ((إني أمرتُ ببدني التي بعثتُ بها أن تقلدَ اليوم وتشعر على مكان
كذا فلبست قميصي ونسيت فلم أكن لأخرج قميصي من رأسي ... )) الحديث. قال
الحافظُ: وهذا لا حجة فيه؛ لضعف إسناده. قلتُ: عبد الرحمن بن عطاء ضعَّفَهُ
عبدُ الحقِّ في أحكامه ووافقه ابن القطان. وقال ابنُ عبد البر: لا يحتجُّ بما انفردَ به
فكيفَ إذا خالفَهُ من هو أثبت منه، وقد تركه مالك وهو جاره، والحديثُ أخرجه
عبد الرزاق من طريق البزار في ((مسنده)) عن عبد الرحمن بن عطاء: أنه سَمع ابني
جابر يحدثان عن أبيهما جابر بن عبد الله قال: بينا النَّبِي وَ لّ جالسٌ مع أصحابه؛ إذ
شق قميصه حتى خرج فسئل فقال: ((واعدتهم يقلدون هديي اليوم فنسيت))، انتهى.
وهذا أيضًا لا حجة فيه لما تقدَّم، وذكره ابن القطان من جهة البزار فقال: ولجابر
ثلاثة أولاد: عبد الرحمن ومحمد وعقيل، والله أعلم من هما من الثلاثة. انتهى.
وقد ظهر بما قدمنا أن المسألة كان فيها خلاف في السلف من الصَّحَابَة
والتابعين، لكن انقرض هَذَا الخلاف بعد ذلك، واستقرَّ الأمرُ على أن بمجرَّد تقليد
الهدي وبعثه مع أحد لا يكون الرجل في حكم المحرم ولا يحرم عليه شيء مما
يحرم على المحرم.
قال الحافظ: جاء عن الزهريِّ ما يدلُّ على أن الأمر استقرَّ على خلاف ما قال ابن
عباس، ففي نسخة أبي اليمان عن شعيب عنه، وأخرجه البيهقي (ج٥: ص ٢٣٣)
من طريقه قال: أولُ مَن كشف العمى عن الناس وبين لهم السنة في ذلك عائشة،
فذكر الحديث عن عروة وعمرة عنها. قال: فلما بلغَ الناس قول عائشة أخذوا به
وترکوا فتوى ابن عباس. انتهى.
قلتُ: وها هنا مسألة أخرى خلافية بين الأئمة ربما تلتبس على بعض الناس
بالمسألة الأولى المتقدمة، وهي أن من قلد الهدي وتوجه معه، أي: ساقه معه،
وأراد النسك هل يكونُ بتقليدِ الهدي وسوقه معه محرمًا أم لا؟ فقال الحنفية: يصيرُ
بالتقليدِ والتوجُّه معه ونية النسك محرمًا خلافًا لمالك والشافعي.

٢١١
باب الھدِي
EX
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
قال الحافظُ : ذهبَ جماعةٌ من فقهاء الفتوى إلى أن مَن أرادَ النسك؛ صار بمجرد
تقليده الهدي محرمًا، حكاه ابنُ المنذرِ عن الثوري وأحمد وإسحاق. قال: وقال
أصحابُ الرأي: مَن ساق الهدي وأم البيت ثم قلّد؛ وجب عليه الإحرامِ. وقال
الجُمْهُورُ: لا يصيرُ بتقليد الهدي محرمًا ولا يجب عليه شيء. انتهى.
وفي ((الهداية)): من قلَّد بدنةً تطوعًا أو نذرًا أو جزاء صيد وتوجه معها يريد
الحج؛ فقد أحرم؛ لقوله بَلّ: ((مَنْ قَلَّدَ بَدَنَةً، فَقَدْ أَحْرَمَ))؛ ولأن سوق الهدي في
معنى التلبية في إظهار الإجابة؛ لأنَّهُ لا يفعله إلا من يريد الحج أو العمرة، وإظهار
الإجابة قد يكون بالفعل كما يكون بالقول، فيصير به محرمًا لاتصال النية بفعل هو
من خصائص الإحرام، فإنْ قلِّدها وبعث بها ولم يسقها لم يصر محرمًا لما روي عن
عائشة قالت: كنتُ أفتلُ قلائد هدي رسول اللَّه ◌َله، فبعث بها وأقام في أهله
حلالاً . انتهى.
قال ابنُ الهمام: أفاد أنه لابد من ثلاثة: التقليد، والتوجه معها، ونية النسك،
وقوله لقوله ◌ِ له: ((مَنْ قَلَّدَ بَدَنَةً ... )) إلخ. غريب مَرْفُوعًا، ووقفه ابنُ أبي شيبه في
((مصنفه)) على ابن عباس وَابْن عمر، انتهى مختصرًا بقدرِ الضرورة.
واستدلَّ الزيلعي على ((الكنز)) بقول ابن عمر المذكور ثم قال: والأثر في مثله
كالمرفوع وهو محمول على ما إذا ساقه؛ لحديث عائشة المذكور، أي: جمعَ بين
أثر ابن عمر وحديث عائشة. قلتُ: الراجحُ عندنا أنه لا يصيرُ الرجل محرمًا بمجرد
تقليد الهدي وسوقه معه حتى يلبي مع نية النسك؛ لأنَّ إيجاب الإحرام يحتاجُ إلى
دليل، وقد دلَّت النصوصُ على أنه لا يجب الإحرام إلا إذا بلغ الميقات وأراد
مجاوزته، وأما قبل الوصول إلى الميقات فلم يقم دليل على أنه يصير محرمًا أو
يجب عليه الإحرام بمجرد تقليد الهدي أو سوقه، أما أثر ابنُ عمر وَابْن عباس، فهو
معارض، لحديث عائشة المرفوع، وحمله على سوق الهدي والتوجه معه خلاف
الظاهر، ولا دليل على أنَّ التقليد والسوق يقوم مقام التلبية.
تنبيه:
قال الحافظُ: ما وقع في الأحاديث من استحباب التقليد والإشعار وغير ذلك
يقتضي أن إظهار التقرب بالهدي أفضل من إخفائه، والمقرر أن إخفاء العمل

٢١٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الصالح غير الفرض أفضل من إظهاره، فأما أن يقال: إن أفعال الحج مبنية على
الظهور كالإحرام والطواف والوقوف فكان الإشعار والتقليد كذلك، فيخص الحج
من عموم الإخفاء، وأما أنْ يقال: لا يلزم من التقليد والإشعار إظهار العمل
الصالح؛ لأن الَّذِي يهديها يمكنه أن يبعثها مع من يقلدها ويشعرها ولا يقول: إنها
لفلان فتحصل سنة التقليد مع كتمان العمل. انتهى. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجَهُ أيضًا
أحمد ومالك وأبو دَاوُد والنَّسَائِي وَابْن ماجه والْبَيْهَقِي وأخرج الترمذي معناهُ.
٢٦٥٦ - [٦] وَعَنْهَا قَالَتْ: فَتَلْتُ قَلَائِدَهَا مِنْ عِهْنٍ كَانَ عِنْدِي، ثُمَّ
بَعَثَ بِهَا مَعَ أَبِي.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٦٥٦ - قوله: (فَتَلْتُ قَلَائِدَهَا) أي: قلائد بدن الشَّبِي من. (عِهْنِ) بكسر
المهملة وسكون الهاء، أي: صوف مصبوغ بأي لون كان، وقيل: هوّ الأحمر
خاصة. (كَانَ عِنْدِي) صفة ((عهن)). (ثُمَّ بَعَثَ بِهَا) أي: بالبدن المقلدة. (مَعَ أَبِي)
بفتح الهمزةٍ، وكسر الموحدة الخفيفة تريد بذلك أباها أبا بكر الصديق، واستفيد
من ذلك وقت البعث وأنه كان في سنة تسعة عام حج أبو بكر بالناس.
قال ابنُ التين: أرادت عائشة بذلك علمها بجميع القصة، ويحتملُ أن تريد أنه
آخر فعل النَّبِي وَِّ؛ لأنَّهُ حجَّ في العام الَّذِي يليه حجة الوداع؛ لئلا يظن ظان أن
ذلك كان في أول الإسلام ثم نسخ، فأرادت إزالة هَذَا اللبس وأكملت ذلك بقولها
كما في رواية: فلم يحرم على رسول اللّه ◌َ ل﴿ل شيء أحلَّه اللهُ له حتى نحر الهدي،
أي: وانقضى أمره ولم يحرم، وترك إحرامه بعد ذلك أحرى وأولى؛ لأنَّهُ إذا انتفى
في وقت الشبهة، فلأن ينتفي عند انتفاء الشبهة أولى، كَذَا فِي ((الفَتْح))، وفي رواية
لمسلم: ((فأصبح فينا حلالًا يأتي ما يأتي الحلال من أهله)). والحديث يدلّ على ما
دلَّ عليه الحديثُ السابقُ .
(٢٦٥٦) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١٧٠٠)، ومُسْلِم (٣٦٩/١٣٢١) عَنْ عَائِشَةَ رَّنَا، والنَّسَائِيُّ (٥/
١٧٥).

٢١٢
بَابُ الھدِي
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
قال الحافظُ: وفيه ردٌّ على مَن كره القلائد من الأوبار، واختارَ أن تكون من نبات
الأرض، وهو منقول عن ربيعة ومالك. وقال ابنُ التين: لعلَّهُ أراد أنه الأولى مع
القول بجواز كونها من الصوف. والله أعلم. وفي حديث عائشة هَذَا والذي قبله
دلالة على استحباب إرسال الهدي لمن لم يرد الحج، وأنه يقلده ويشعره من بلده
بخلاف مَن يخرج بهديه يريد الحج أو العمرة، فإنه إنما يشعره ويقلده حين يحرم
من الميقات كما تقدَّم.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) وأخرجَهُ أيضًا أبو داود والنسائيُّ وابن ماجه والبيهقي (ج٥ : ص
٢٣٣)
٢٦٥٧ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ بِهِ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ
بَدَنَةً، فَقَالَ: ((ارْكَبْهَا))، فَقَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ، قَالَ: ((ارْكَبْهَا))، فَقَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ،
قَالَ: ((ارْكَبْهَا، وَيْلَكَ)) فِي الثَّانِيَةِ أَوِ الثَّالِثَةِ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٦٥٧- قوله: (رَأَى رَجُلًا) قال الحافظ: لم أقف على اسمه بعد طول
البحث، وقال العَيْنِي: لم يدر اسمه. (يَسُوقُ بَدَنَةً) بفتحاتٍ. قال الحافظُ: كذا في
معظمِ الأحاديث، ووقعَ لمسلمٍ من طريق بكير بن الأخنس عن أنس رَضْتَهُ: (مُرَّ عَلَى
النبيِّ وََّ بَبَدَنة أو هدية)). ولأبي عوانة من هَذَا الوجه: ((أو هدي)). وهو مما يوضحُ
أنه ليس المراد بالبدنة مجرد مدلولها اللغوي.
قال القسطلاني: البدنةُ: تقعُ على الجملِ والناقة والبقرة، وهي بالإبل أشبه،
وكثر استعمالها فيما كان هديًا، ولمسلم من طريق المغيرة عن أبي الزناد عن
الأعرج عن أبي هريرة: ((بينا رجلٌ يسوقُ بدنةً مقلَّدة))، وكذا في طريق همام عن
أبي هريرة، وللبخاري وأحمد (ج٢: ص ٢٧٨) من طريق عِكْرِمَة عن أبي هريرة:
((فلقد رأيته راكبًا يساير النَّبِي ◌َِّ والنعل في عُنقها)).
(٢٦٥٧) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: فِيهِ؛ البُخَارِي (١٦٨٩)، ومُسْلِم (٣٧١/ ١٣٢٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وأَبُو دَاوُد
(١٧٦٠)، والنَّسَائِي (١٧٦/٥).

٢١٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(فَقَالَ: ارْكَبْهَا) زادَ النسائيُّ من طريق سعيد عن قتادة، والجوزقي من طريق
حميد عن ثابت كلاهما عن أنس: ((وَقَدْ جَهَدَهُ الْمَشْيُ)). ولأبي يعلى من طريق
الحسن عن أنس: حافيًا. لكنها ضعيفة.
(فَقَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ) قال الحافظُ: تبين بما تقدم من الطرق أنه أطلق البدنة على
الواحدة من الإبل المهداة إلى البيت الحرام، ولو كان المرادُ مدلولها اللغوي لم
يحصل الجواب بقوله: ((إنها بدنة))؛ لأن كونها من الإبل معلوم، فالظاهرُ: أنَّ
الرجلَ ظن أنه خفي على النَّبِي وَّ كونها هديًا فلذلك قال: إنها بدنة، والحقُّ أنه لم
يخف ذلك على النَّبِي وَلِّ؛ لكونها كانت مقلدة، ولهذا قال له لما زاد في مراجعته:
((وَيْلَك)).
(قَالَ: ارْكَبْهَا وَيْلَكَ) ووقع في رواية أحمد (ج٢: ص ٢٥٤) وَابْن ماجه:
((ارْكَبْهَا وَيْحَكَ)) قال الهروي: ((ويل)) كلمة تقال لمن وقع في هلكة يستحقها،
و(ويح)) لمن وقع في هلكة لا يستحقها، وكان الأصمعي يقول: و(يل))؛ كلمة
عذاب، و(ويح)) كلمة رحمة. وقال سيبويه: ويح زجر لمن أشرف على هلكة.
وفِي الحَدِيث: ((وَيْلٌ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ)) وكلُّ ذلك أصل معنى الكلمة، ولكن الظاهر
المتبادر: أنه مَ لّه قالها زجرًا وتأديبًا لأجل مراجعته له مع عدم خفاء الحال عليه. قال
القرطبي: قالها له تأديبًا لأجل مراجعته له مع عدم خفاء الحال عليه. وبهذا جزم ابن
عبد البر وَابْن العربي وبالغ حتى قال: الويل لمن راجع في ذلك بعد هذا. قال:
ولولا أنه وَ جّ اشترطَ على ربِّه ما اشترطَ لهلك ذلك الرجل لا محالة.
قال القرطبيُّ: ويحتملُ أنْ يَكُون فهم عنه أنه يترك ركوبها على عادة الجاهلية في
السائبة وغيرها فزجره عن ذلك، فعلى الحالتین هي إنشاء، ورجّحه عیاض وغيره،
قالوا: والأمرُ هاهنا وإن قلنا: إنه للإرشاد، لكنه استحقَّ الذم بتوقفه على امتثال
الأمر، والذي يظهرُ أنه ما ترك الامتثال عنادًا، ويحتملُ أنْ يَكُون ظن أنه يلزمه غرم
بركوبها أو إثم، وأن الإذن الصادر له بركوبها إنما هو للشفقة عليه فتوقف، فلما
أغلظ له؛ بادر إلى الامتثال، وقيل: لأنه كان أشرف على هلكة من الجهد،
و((ويل)): كلمة تقال لمن وقع في هلكة، فالمعنى: أشرفت على الهلكة فاركب،
فعلى هَذَا فهي إخبار، وقيل: هي كلمة تدعم بها العرب كلامها ولا تقصد معناها،

٢١٥
بَابُ الْهُدِي
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
تجري على لسانهم في المخاطبة من غير قصد لمدلولها، كما قيل في قَوْلِه عليه
الصلاة والسلام: ((تربت يداك))، ((عقرى حلقى))، ((أفلح وأبيه))، وكما تقول
العرب: لا أم له، لا أب له، قاتله الله ما أشجعه، وأشباه ذلك، ويقويه ما وقع
بدله: ((ويحك))؛ عند أحمد، فإذًا لا يكون إنشاء ولا إخبارًا.
(فِي الثَّانِيَةِ) أي: في المرة الثانية. (أَوِ الثَّالِئَةِ) أي: أو قال ذلك في المرة
الثالثة، وهذا شك من الراوي. قال القاري: في الثانية أو الثالثة أي: في إحدى
المرتين متعلق به ((قال))، وفي رواية همام عن أبي هريرة عند مسلم: قال له
رسولُ اللهِ وَ لِ: ((وَيْلَكَ ارْكَبْهَا))، فقال: بدنة يا رسول الله، قال: ((وَيْلَكَ ارْكَبْهَا،
وَيْلَكَ ارْكَبْهَا)) قال الولي العراقي: فإن قلت في هذه الرواية: إنه - عليه الصلاة
والسلام - بدأه بقوله: ((وَيْلَكَ))، ثم قاله له في المرة الثانية والثالثة، وفي الرواية
الأولى أنه قال له ذلك في الثانية أو الثالثة، فكيف الجمع بينهما؟
قلتُ: يحتملُ أنه قال له ذلك في الأولى لأمر دنيوي، وهو ما حصل له من
الجهد والمشقة بالمشي، فكان محتاجًا إلى الركوبِ، وقال له ذلك في الثانية أو
الثالثة لأمر ديني وهو مراجعته للنبي ◌ّر وتأخر امتثاله أمره. انتهى.
والحديث: يدلُّ على جوازٍ ركوبٍ الهدي سواء كان واجبًا أو متطوعًا به؛
لكونه وَّه لم يفصلْ في قولهِ ولا استفصل صاحبُ الهدي عن ذلك، وترك
الاستفصال ينزل منزلة العموم في الأقوال، فدلَّ على أن الحكمَ لا يختلفُ بذلك،
وأصرح من هَذَا ما أخرجه أحمد (ج١: ص ١٢١) من حديث علي أنه سُئل: يركبُ
الرجل هديه؟ فقال: لا بأس به قد كان النبيُّ وَّله يمرُّ بالرِّجَالِ يمشون فيأمرهم
يركبون هديه، أي: هدي الشَّبِي ◌ِّثله. قال: ولا تتبعونَ شيئًا أفضل من سُنة
نبيكم ◌َّةِ، قال الحافظ: إسنادُهُ صالح. انتهى.
وقد اختلفوا في ركوبِ الهدي على أقوالٍ يأتي بيانها في شرح حديث جابر،
وفِي الحَدِيثِ تكريرُ العالم للفتوى والندب إلى المبادرة إلى امتثال الأمر وزجر من
لم يبادر إلى ذلك وتوبيخه وجواز مسايرة الكبار في السفر، وأنَّ الكبير إذا رأى
مصلحة للصغير لا يأنف عن إرشاده إليها، واستنبط البخاري من هَذَا الحديث جواز
انتفاع الواقف بوقفه حيثُ بوَّب على هَذَا الحديث: باب هل ينتفع الواقف بوقفه؟

٢١٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال: وقد اشترطَ عمر لا جناح على مَن وليه أن يأكل، وقد يلي الواقف وغيره.
قال: وكذلك من جعل بدنة أو شيئًا لله، فله أن ينتفع بها كما ينتفع غيره وإن لم
يشترط. انتهى. فهذا كما ترى أشار إلى إلحاق الوقف في ذلك بالهدي. قال
الحافظ: وهو موافق للجمهور في الأوقاف العامة، أما الخاصة، فالوقف على
النفس لا يصح عند الشافعية ومن وافقهم.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الحج وفي الوصايا وفي ((الأدب))، ومُسْلِمٍ فِي
الحج، وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد (ج٢: ص ٢٤٥، ٢٥٤، ٢٧٨) ومالك وأبو دَاوُد
والنَّسَائِي وَابْن ماجه والْبَيْهَقِي وَابْن أبي شيبة وأبو الشيخ بن حيان في ((الأضاحي))
وَابْن الجارود في ((المنتقى))، وفي الباب عن أنس أخرجه أحمد والشيخان والنَّسَائِي
والترمذي وَابْن ماجه والْبَيْهَقِي والدارمي، وأبو الشيخ ابن حيان في ((الضحايا)).
٢٦٥٨ - [٨] وَعَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ سُئِلَ
عَنْ رُكُوبِ الْهَدْي، فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َّهَ يَقُولُ: ((ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ، إِذَا
أُلْجِئْتَ إِلَيْهَا، حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا).
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشرح
٢٦٥٨ - قوله: (وَعَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ) اسمه محمد بن مسلم بن تدرس الأسدي
مولاهم المكي روى عن العبادلة الأربعة وجابر وأبي الطفيل وسعيد بن جبير
وعكرمة وغَيْرهم، وروى عنه عطاء وهو من شيوخه والزهري وَابْن جريج ومالك
والأعمش وهشام بن عروة وأبو عوانة وخلق كثير، وهو من رجال الستة. قال
الحافظ في ((التقريب)): صَدُوق إلا أنه يدلس، من الرابعة، مات سنة ست وعشرين
ومائة .
(ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ) أي: بوجه لا يلحقها ضرر. (إِذَا أَلْجِئْتَ إِلَيْهَا) أي: إذا
اضطررت إلى ركوبها. (حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا) أي: مركوبًا آخر. والحديثُ يدلَّ على
(٢٦٥٨) مُسْلِم (٣٧٥/ ١٣٢٤)، وَأَبُو دَاوُد (١٧٦١)، وَالنَّسَائِي (١٧٧/٥) فِيهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ.

٢١٧
بَابُ الھدِي
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
جواز ركوب الهدي عند الضرورة، وقد اختلفوا في هَذَا على أقوال: الأول:
الجواز مطلقًا، وهذا هو الّذِي جزم به الرافعي والنووي في ((مناسكه))، وفي
((الروضة)) في كتاب الضحايا، وحكاه في ((شرح المهذب)) عن الماوردي والقفال
وحكاه ابن المنذر عن عروة بن الزبير وأحمد وإسحاق وكذا حكاه النووي في
((شرحي مسلم)) و((المهذب)) عنهم وعن مالك في رواية وعن أهل الظاهر، وحكاه
الخطابي في ((المعالم)) عن أحمد وإسحاق وصرح عنهما بأنهما لم يشترطا منه
حاجة إليها، ورواه ابنُ نافع عن مالك كما في الزرقاني.
الثاني: الجوازُ بشرط الاحتياج لذلك لا مطلقًا، فلا يركبها من غير حاجة، نقله
النووي في ((شرح المهذب)) عن أبي حامدٍ والبندنيجي وغَيْرِهما. وقال الروياني:
تجويزه بغير حاجة يخالف النص وهو الَّذِي نقله الترمذي عن الشافعي وأحمد
وإسحاق حيث قال: وقد رخَّص قومٌ من أهل العلم من أصحاب النَّبِيِوَّهِ وغَيْرهم
في ركوب البدنة إذا احتاج إلى ظهرها وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق.
وقال النووي في ((شرح مسلم)): مذهب الشافعي أنه يركبها إذا احتاج ولا يركبها
من غير حاجة، وبهذا قال ابنَُّ المنذر وجماعة وهو رواية عن مالك. انتهى. وبه
جزمَ في ((الروضِ المربع)) من فروع الحنابلة حيث قال: ويركبُ لحاجة فقط بلا
ضرر. وقال في ((المغني)): وله ركوبه عند الحاجة على وجه لا يضر به. قال أحمد:
لا يركبه إلا عند الضرورة. وهو قول الشافعي وَابْن المنذر وأصحاب الرأي.
الثالث: الجوازُ بشرط الاضطرار لذلك، فلا تركب إلا عند شدة الحاجة
والاضطرار إليه، وهو المنقول عن جماعة من التابعين كالشعبي والحسن البصري
وعطاء بن أبي رباح. قال الولي العراقي: وهو الَّذِي يقتضيه نص الشافعي فإنه قال:
يركبُ الهدي إذا اضطر إليه، وإن كان النووي استشهد به للتجويز بشرطِ الحاجةِ،
فقد علم أنَّ الضرورة أشد من الحاجة. وكذا نقله ابنُ المنذرِ والخطابي عن
الشافعي فقالا: وقال الشافعي: يركبها إذا اضطر ركوبًا غير فادح ولا يركبها إلا من
ضرورة. ورواه البيهقي عن عروة بن الزبير وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، فلذلك
قَيَّدَهُ صاحبُ ((الهداية)) من الحنفية بالاضطرار إلى ذلك، وهو قول الثوري إذ قال:
لا يركبُ إلا إذا اضطر، وبه جزم الدردير والدسوقي؛ إذ قيداه بالاضطرار لجواز
ابْتِدَاء الركوب لا الدوام.

٢١٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال الحافظُ: وقال ابنُ العربي عن مالك: يركبُ للضرورة، فإذا استراح نزل،
ومقتضى من قيده بالضرورة أن من انتهت ضرورته لا يعود إلى ركوبها إلا من
ضرورة أخرى. والدليل على اعتبار هذه القيود الثلاثة - وهي الاضطرار والركوب
بالمعروف وانتهاء الركوب لانتهاء الضرورة - ما رواه مسلمٌ من حَدِیث جَابِر
مَرْفُوعًا بلفظ: ((ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ إِذَا أُلْجِئْتَ إِلَيْهَا حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا)) فإنَّ مفهومَهُ أنه
إذا وجد غيرها تركها. وروى سعيد بن منصور من طريق إبراهيم النخعي قال:
يركبها إذا أعيي قدر ما يستريح على ظهرها.
الرابع: الجواز مع الكراهة من غير حاجة، نسبه ابن عبد البر إلى الشافعي
ومالك.
الخامس: المنع مطلقًا، نقله ابن العربي عن أبي حنيفة وشنع عليه، ورده
الحافظ والعيني، فإن مذهبه الإباحة عند الاضطرار كما تقدم.
السادس: وجوب ذلك مطلقًا حكاه ابن عبد البر والقاضي عياض عن بعض أهل
الظاهر؛ تمسكًا بظاهر الأمر، ولمخالفة ما كانوا عليه في الجاهلية من إكرام
البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي وإهمالها بلا ركوب، وردّه ابن عبد البر بأن
الَّذِين ساقوا الهدي في عهد النَّبِي وََّ كانوا كثيرًا ولم يأمر أحدًا منهم بذلك.
انتهى. وتعقبه الحافظ فقال: وفيه نظر لما تقدم من حديث علي عند أحمد، وله
شاهد مرسل عند سعيد بن منصور بإسناد صحيح رواه أبُو دَاوُد في ((المراسيل)) عن
عطاء كان النَّبِي وَلّ يأمر بالبدنة إذا احتاج إليها سيدها أن يحمل عليها ويركبها غير
منهكها .
قال الحافظ: ولا يمتنع القول بوجوبه إذا تعين طريقًا إلى إنقاذ مهجة إنسان من
الهلاك. انتهى. قال الولي العراقي: مَن قال بالجواز مطلقًا؛ تمسك بظاهر حديث
أبي هريرة، فإنه - عليه الصلاة والسلام - أمر بذلك، والأمر هنا للإباحة، ولم
يقيد ذلك بشيء، واستدلَّوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَفِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى﴾
[الحج: ٣٣] على أحد التفسيرين، ولا تنتهض به الحجة؛ لأنه محمول على كونه تدعوه
للحاجة أو الضرورة إلى ذلك بدليل حَدِيث جَابِر، فهو أخص في محل النزاع.
قال العراقي: ومن قيد الجواز بالحاجة أو الضرورة قال: هذه واقعةٌ محتملةٌ،

٢١٩
كِتَابَ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الھدِي
وقد دلَّت رواية أخرى على أن هَذَا الرجل كان محتاجًا للركوب أو مضطرًّا له، روى
النسائي عن أنسٍ أنَّ النبيَّ ◌َثّه رأى رجلاً يسوق بدنة وقد جهده المشي قال:
((ارْكَبْهَا ... )) الحديث. ثم ذكرَ العراقيُّ حديثَ جابرٍ: الَّذِي نحنُ فِي شَرْحِه ثم قال:
ومن مَنع مطلقًا فهذا الحديث حُجة عليه، ولعله لم يبلغه، ومن أوجب فإنه حمل
الأمر على الوجوب، ووجهه أيضًا مخالفة ما كانت الجاهلية عليه من إهمال
السائبة والبحيرة والوصيلة والحام بلا ركوب. ودليل الجمهور أنه يَّ أهدى ولم
یر کب هدیه، ولم يأمر الناس بركوب الهدايا.
قلتُ: القولُ الراجحُ عندي هو أنه إن دعته ضرورة لركوب الهدي؛ جاز وإلا
فلا، وذلك؛ لأنَّ حديثَ جابر عند مسلم صريح في أن ركوب الهدي، إنما يجوزُ
بالمعروف إذا احتاج إليه واضطر لذلك، فإن زالت الضرورة بوجود ظهر يركبه غير
الهدي ترك ركوب الهدي، فالقيد الَّذِي في حَدِيث جَابِرٍ يقيد به حديث أبي هريرة
وما في معناه الخالي عن القيد؛ لوجوب حمل المطلق على المقيد عند جماهير
العُلَمَاء لا سيما إن اتحد الحكم والسبب كما هنا، ويفيدُ المعنى منع الركوب
مطلقًا، فإنه جعلَهَا كلها لله تعالى، فلا ينبغي أن يصرف منها شيئًا لمنفعة نفسه،
لكن السمح ورد بإطلاقه بشرط الحاجة رخصة، فيبقى فيما وراءه على المنع
الأصلي الّذِي هو مقتضى المعنى.
واعلم: أن محلَّ جواز ركوب الهدي ما لم يضر به الركوب، وهذا مُتفق عَليه
بينهم، وعليه يدلُّ قوله ◌َّهَ في حديث جابر: ((ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ)) ومتى نقصت
بالركوب ضمن النقصان عند الشافعية والحنفية والحنابلة، ومقتضى نقل ابن عبد
البر عن مالك أنه لا يضمن. قال الطحاوي في اختلاف العلماء: قال أصحابُنا
والشافعيُّ: يركبُ إذا احتاج، فإنَّ نقصه ذلك؛ ضمن. وقال مالك: لا يركب إلا
عند الحاجة، فإن ركب لم يغرم، وصرح في ((الهداية)) وغيرها من فروع الحنفية
بأنه لو ركبها فانتقص بركوبه، فعليه ضمان ما نقص. وقال ابنُ قدامة في ((الشرحِ
الكبير)»: وله ركوبها عند الحاجة ما لم يضر بها.
قال أحمد: لا يركبها إلا عند الضرورة، وهو قول الشافعي وَابْن المنذر
وأصحاب الرأي؛ لأن النَّبِيِ وََّ قال: ((ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ)) إذا ألجئت إليها حتى تجد
ظهرًا، ولأنَّه تعلق بها حق المساكين، فلم يجز ركوبها من غير ضرورة كملكهم،