النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
في الرمي في أول يوم، ويقتصر عليها، ثم تصيرُ أخيرة في كل يوم بعد ذلك، ولفظ
البخاري فيما رواه عن سالم عن عبد الله بن عمر: أنه كانَ يرمي الجمرة الدنيا بسبع
حصيات يكبِّر على أثرِ كلِّ حصاة. ثم يتقدم فيسهل، فيقوم مستقبل القبلة قيامًا
طويلًا فيدعو ويرفع يديه، ثم يرمي الجمرة الوسطى كذلك، فيأخذ ذات الشمال
فيسهل ويقوم مستقبل القبلة قيامًا طويلًا فيدعو ويرفع يديه، ثم يرمي الجمرة ذات
العقبة من بطن الوادي ولا يقف عندها ثم ينصرف ويقول: هكذا رأيت النبيَّ وَله
يفعله .
قال الحافظُ: قال ابن قدامة: لا نعلم لما تَضَمَّنَه حَدِيث ابن عمر هَذَا مخالفًا إلا
ما روي عن مالك من ترك رفع اليدين عند الدعاء بعد رمي الجمار، وأما ترك
الوقوف عند جمرة العقبة فهو مجمع عليه، حكى الإجماع على ذلك في ((المحلى
شرح الموطأ)).
وقال الحافظُ في ((الفتح)): لا نعرف فيه خلافًا. وقالَ ابنُ قُدَامَة (ج٣: ص
٤٢٧): ولا يسن الوقوف عندها؛ لأنَّ ابنَ عُمر وَابْن عباس رويا أن رسول اللّه وَلِّ
كان إذا رمى جمرة العقبة انصرف ولم يقف، رواه ابن ماجه. انتهى.
وأخرجَ أَبُو دَاوُد وغيره من رواية سليمان بن عمرو عن أمه، وهي أم جندب
الأزدية أنه وَلي لم يقم عندها، أي: لم يقف عند جمرة العقبة. وتقدَّم حديث عائشة
من رواية أبي داود بلفظ: يقف عند الأولى والثانية، فيطيل القيام ويتضرع ويرمي
الثالثة ولا يقف عندها .
واختلف في تعليل ذلك على أقوالٍ: ففي ((المحلى)): السُّ في الوقوف والدعاء
بعد الأوليين دون العقبة أن يقع الدعاء في وسط العبادة.
وقيل: إنها وقعت في ممر الناس، فكان في الوقوف هناك قطع للسبيل على
الناس. انتهى. وعامة أهل العلم على الثاني.
قال القاري في ((شرح اللباب)): إذا فرغ من الرمي لا يقف للدعاء عند هذه
الجمرة في الأيام كلها، بل ينصرف داعيًا، ولعل وجه عدم الوقوف للدعاء ها هنا
على طبق سائر الجمرات تضييق المكان.
١٨١
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابِ رَمْي الْجِمَارِ
وقال النووي: ولا يقف عندها للدعاء.
قال ابنُ حجر: أي: لا في يوم النحر ولا في ما بعده لضيق محلها فيضر بغيره،
لكن هَذَا باعتبار ما كان على أنه لو علل بالتفاؤل بالقبول مقارنًا لفراغه منها لم يبعد،
انتهى .
وقال الباجي: شرع الوقوف عند الأولى والوسطى ولم يشرع عند الآخرة،
ويحتملُ أنْ يَكُون ذلك والله أعلم من جهة المعنى أن موضع الجمرتين الأوليين فيه
سعة للقيام للدعاء ولمن يرمي، وأما جمرة العقبة فموضعها ضيق للوقوف عندها
للدعاء لامتناع الرمي على من يريد الرمي؛ ولذلك الَّذِي يرميها لا ينصرف على
طريقه، وإنما ينصرف من أعلى الجمرة، ولو انصرف من طريقه ذلك لمنع من يأتي
بالرمي. انتهى.
وأما التعليلُ بوقوع الدعاء في وسط العبادة فأصله من صاحب ((الهداية))؛ إذ
قال: الأصلُ أن كل رمي بعده رمي يقف بعده؛ لأنه في وسط العبادة فيأتي بالدعاء
فيه، وكل رمي ليس بعده رمي لا يقف؛ لأن العبادة قد انتهت، ولذا لا يقف بعد
العقبة في يوم النحر أيضًا. انتهى. وقد ظهر من هَذَا كله أن ترك الوقوف للدعاء بعد
العقبة ثابت بالأحاديث المرفوعة وآثار الصحابة، ومجمع عليه عند الأئمة الأربعة
وغَيْرهم، وإنما الاختلاف في تعليله، فقيل: وقوع الدعاء في الوسط، وقيل: ضيق
المكان، وقيل: التفاؤل بالقبول.
وقريب من هَذَا الأخير ما ذكره الشيخ الدهلوي قال: لما تشرفت بهذه العبادة
ألقي في روعي بلا سابقة فكر وتأمل بطريق الإلهام نكتة في عدم الوقوف عند هذه
الجمرة وأرجو أنْ يَكُون صوابًا؛ وهو أن في عدم وقوفه عندها إشارة من الرب
الرحيم ورسوله الكريم إلى أنَّ العبد لما بلغ الجهد في العبادة وسعى في طريق
المجاهدة والرياضة، ووقف على باب الرحمة فدعا وسأل وأدَّى حقَّ الخدمة
والطاعة في الجمرتين الأوليين سهل الله تعالى عليه الأمر، وأباحَ عليه الدعة
والراحة بفضله وكرمه، وأفاضَ عليه آثار رحمته وعفوه ومغفرته، ولا سيما في هذه
العبادة التي هي الحج المثمر لغاية آثار الرحمة والمغفرة، فكأنه قال: يا عبادي قد
أتعبتم أنفسكم وجاهدتم حق الجهاد أربعوا على أنفسكم فقد غفرت لكم.
١٨٢
85*
BOLDeS CCIEN **
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
وعرضت هذه النكتة على أكابر علماء مكة الَّذِين كانوا حاضرين في ذلك المقام
فقبلوه واستحسنوه.
(رَوَاهُ مَالِك) في باب رمي الجمار عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقف
... الخ. وهو من أصح الأسانيد، وأخرجه أيضًا البيهقي (ج٥: ص ١٤٩) من
طريق مالك، وأصله في ((صحيح البخاري) مَرْفُوعًا كما تقدم.
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الھدِي
١٨٣
٧ - بَابُ الْهَدِي
(بَابُ الْهَدِي) بفتح الهاء وإسكان الدال وكسرها مع تشديد الياء لغتان، والأول
أفصح، اسم لما يهدى إلى الحرم من النعم: شاة كانت أو بقرة أو بعيرًا؛ ليتقرب
بإراقة دمه في الحرم. قيل: والواحدة هدية. قال الجوهري: الهديُ: ما يهدى إلى
الحرم من النعم، والهديُّ على فعيل مثله، وقرئْ ﴿حَّ بَّلُغَ الْحَدْىُ مَحِلّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]
بالتخفيف والتشديد، الواحدة هدية وهديَّة .
قال ابنُ رشدٍ : إنَّ النظر في الهدي يشتمل على معرفة وجوبه وعلى معرفة جنسه
وعلى معرفة حسنه وكيفية سوقه ومن أين يساق؟ وإلى أين ينتهي بسوقه؟ وهو
موضع نحره وحكم لحمه بعد النحر، فنقول: إنهم أجمعوا على أن الهدي المسوق
في هذه العبادة منه واجب ومنه تطوع، فالواجب منه ما هو واجب بالنذر ومنه ما
هو واجب في بعض أنواع هذه العبادة. قال: فأما جنس الهدي فإن العُلَمَاء متفقون
على أنه لا يكون الهدي إلا من الأزواج الثمانية التي نصَّ اللهُ تعالى عليها، وأنَّ
الأفضلَ في الهدايا هي الإبل، ثم البقر، ثم الغنم، وإنما اختلفوا في الضحايا،
وأما الأسنان، فإنهم أجمعوا أن الثني فما فوقَهُ يجزئ منها، وأنه لا يجزئ الجذع
من المعزِ في الضحايا والهدايا، واختلفوا في الجذع من الضان، قالَ: وليس في
عدد الهدي حد معلوم، وكان هدي رسول اللّه وَلَّ في حجَّةِ الوداع مائة، وأما
كيفية سوق الهدي فهو التقليد والإشعار، وإذا كان الهدي من الإبل والبقر فلا
خلاف أنه يقلِّدُ نعلًا أو نعلين، واختلفوا في تقليد الغنم، فقال مالك وأبو حنيفة: لا
تقلد الغنم، وقال الشافعي وأحمد: تقلد ... إلى آخر ما قال.
١٨٤
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْخُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الأول
٢٦٥١ - [١] عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ وَِّ الظُّهْرَ بِذِي
الْحُلَيْفَةِ، ثُمَّ دَعَا بِنَاقَتِهِ، فَأَشْعَرَهَا فِي صَفْحَةٍ سَنَامِهَا الْأَيْمَنِ، وَسَلَتَ الدَّمَ
عَنْهَا، وَقَلَّدَهَا نَعْلَيْنٍ، ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهِ، فَلَمَّا اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءَ، أَهَلَّ
بِالْحَجِّ.
[رَوَاهُ مُسلِمْ] {صحيح}
الشرح
٢٦٥١- قوله: (صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ الظُّهْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ) أي: ركعتين؛
لكونه مسافرًا، واكتفى بهما عوضًا عن ركعتي الإحرام، أو صلى ركعتين أخريين
سنة الإحرام، قاله القاري. وقال الأبي: صلاته الظهر بذي الحليفة لا ينافي أنْ
يَكُون إحرامه إثر نافلة. (ثُمَّ دَعَا بِنَاقَتِهِ) قيل: لعلها كانت من جملة رواحله فأضافها
إليه. وقال الطيبي: أي: بناقته التي أراد أن يجعلها هديًا، فاختصر الكلام. يعني :
فالإضافة جنسية .
(فَأَشْعَرَهَا) أي: طَعَنَها، من الإشعارِ، وهو في اللغة: الإعلام، مأخوذ من
الشعور وهو العلم بالشيء من شعر يشعرُ كنصر ينصر، قاله العَيْنِي. وقال الراغبُ:
الشعر معروف قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا﴾ الآية [النحل: ٨٠]. ومنه
استعير شعرت كذا أي: علمت علمًا في الدقة كإصابة الشعر، وسمي الشاعر شاعرًا
لفطنته ودقة معرفته، ﴿لَا تُحِلُّواْ شَعَكَِّرَ اَللَّهِ﴾ [المائدة: ٢] أي: ما يهدى إلى بيت الله،
سمي بذلك؛ لأنَّهَا تشعرُ، أي: تعلم بأن تدمى بشعيرةٍ، أي: حديدة. انتهى.
وفي الشرع: هو أن يشق أحد سنامي البدن ويطعن فيه حتى يسيلَ دمها؛ ليعرف
أنها هدي، وتتميز إن خلطت وتعرف إن ضلت ويرتدع عنها السراق ويأكلها الفقراء
(٢٦٥١) مُسْلِم (٢٠٥ /١٢٤٣)، وَأَبُو دَاوُد (١٧٥٢)، والتِّرْمِذِي (٩٠٦)، والنَّسَائِي (١٧٠/٥)، وابن
ماجه (٣٠٩٧) فِي الحَجِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَقْتَهُ .
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الهدي
KENGE
١٨٥
إذا ذبحت في الطريق لخوف الهلاك، والحديث: يدلّ على أنَّ الإشعار سُنة، وبه
قال الجمهور، وَمِنْهُم الأئمة الثلاثة.
وروي عن أبي حنيفة أن الإشعار بدعة مكروه؛ لأنَّهُ مثلة وتعذيب الحيوان وهو
حرام، وإنما فعله وَله؛ لأن المشركين لا يمتنعون عن تعرضه إلا بالإشعار.
وقال الجمهورُ: القولُ بكراهتهِ مخالف للأحاديث الصحيحة الواردة بالإشعار
وليس هو مثلة بل هو كالفصدِ والحجامةِ والختان والكي للمصلحة، وأيضًا تعرض
المشركين في ذلك الوقت بعيد لقوة الإسلام. وقد قيل: إنَّ كراهةً أبي حنيفة
الإشعار، إنما كان من أهل زمانه، فإنهم كانوا يبالغون فيه بحيث يخاف سراية
الجراحة وفساد العضو، كذا في ((اللمعات)).
وقال الحافظ في شرح حديث المسور بن مخرمة في إشعار النَّبِي وَّ الهدي زمن
الحديبية، وحديث عائشة في إشعاره عند بعثه إلى مكة ما لفظه: فيه مشروعية
الإشعار وهو أن يكشط جلد البدنة حتى يسيل دم، ثم يسلته، فيكون ذلك علامة
على كونها هديًا. وقال أيضًا: وفائدته الإعلام بأنها صارت هديًا؛ ليتبعها مَن يحتاج
إلى ذلك، وحتى لو اختلطت بغيرها تميزت أو ضلت عرفت أو عطبت عرفها
المساكين بالعلامة فأكلوها مع ما في ذلك من تعظيم شعار الشرع وحثَّ الغير
عليه .
وقال الشاه ولي اللَّه الدهلوي: السُّ في الإشعار: التنويه بشعائر اللَّه وأحكام
الملة الحنيفية يرى ذلك منه الأقاصي والأداني، وأن يكون فعل القلب منضبطًا
بفعل ظاهر. انتهى. قال الحافظُ: وبمشروعيته قال الجمهور من السلف والخلف،
وذكر الطحاوي في اختلاف العُلَمَاء كراهته عن أبي حنيفة، وذهب غيره إلى
استحبابه للاتباع حتى صاحباه أبو يوسف ومحمد فقالا: هو حسن. قال: وقال
مالك: يختص الإشعار بمن لها سنام.
قال الطحاوي: ثبت عن عائشة وابن عباس التخيير في الإشعار وتر که، فدل على
أنه ليس بنسك، لكنه غير مكروه؛ لثبوت فعله عن النَّبِي وَلّ. قال الحافظُ: وأبعد
من منع الإشعار واعتل باحتمال أنه كان مشروعًا قبل النهى عن المثلةِ، فإنَّ النسخ
لا يصارُ إليه بالاحتمالِ، بل وقع الإشعار في حجة الوداع وذلك بعد النهي عن
١٨٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
المثلة بزمان.
وقال الخطابي وغيره: اعتلال من كره الإشعار بأنه من المثلة مردود بل هو باب
آخر كالكي وشق أذن الحيوان؛ ليصير علامة وغير ذلك من الوسم وكالختان
والحجامة. وشفقة الإنسان على المال عادة، فلا يخشى ما توهموه من سريان
الجرح حتى يفضي إلى الهلاك، ولو كان ذلك هو الملحوظ لقيده الَّذِي كرهه به
كأن يقول: الإشعار الَّذِي يفضي بالجرح إلى السراية حتى تهلك البدنة مكروه،
فکان قريبًا .
قال الحافظُ: وقد كثر تشنيع المتقدمين على أبي حنيفة في إطلاق كراهة الإشعار
وانتصر له الطحاوي في ((المعاني)) فقال: لم يكره أبو حنيفة أصل الإشعار، وإنما
كره ما يفعلُ على وجه يخاف منه هلاك البدن كسراية الجرح لا سيما مع الطعنِ
بالشفرة، فأراد سد الباب عن العامة؛ لأنهم لا يراعون الحد في ذلك، وأما من
کان عارفًا بالسنة في ذلك فلا.
وروي عن إبراهيم النخعي أيضًا أنه كره الإشعار، ذكر ذلك الترمذي، قال:
سمعتُ أبا السائب يقولُ: كنا عند وكيع فقال لرجل ممن ينظر في الرأي: أشعرَ
رسول اللّه وَ له ويقولُ أبو حنيفة: هو مُثلة. قال الرجلُ: فإنه قدْ روي عن إبراهيم
النخعي أنه قالَ: الإشعارُ مُثلة. قال: فرأيتُ وكيعًا غضبَ غضبًا شديدًا وقال:
أقولُ لكَ: قال رسولُ اللهِ وَّه وتقول: قال إبراهيم؟! ما أحقك أن تحبس ثم لا
تخرج حتى تنزعَ عن قولك هذا، انتهى.
قال الحافظ: وفي هَذَا تعقب على الخطابي حيث قال: لا أعلمُ أحدًا من أهل
العلم أنكر الإشعار غير أبي حنيفة وخالفه صاحباه وقالا في ذلك بقول عامة أهل
العلم. انتهى.
وفيه أيضًا تعقُّب على ابنٍ حزم في زعمه: أنه ليسَ لأبي حنيفةَ في ذلك سلف،
وقد بالغَ ابنُ حزم في هَذَا الموضع، ويتعين الرجوع إلى ما قال الطحاوي، فإنه
أعلمُ من غيره بأقَّوال أصحابه، انتهى كَلَام الحَافِظ.
وقال ابنُ عابدين: جرى صاحب ((الدر المختار)) على ما قاله الطحاوي والشيخ
أبو منصور الماتريدي من أن أبا حنيفةً لم يكره أصل الإشعارِ، وكيف يكرهه مع ما
١٨٧
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الھدِي
اشتهرَ فيه من الأَخْبَارِ، وإنما كره إشعارَ أهل زمانه الَّذِي يُخَافُ منه الهلاك خصوصًا
في حرِّ الحجازِ، فرأى الصواب حينئذٍ سد هَذَا الباب على العامة، فأما من وقف
على الحدِّ بأنْ قطعَ الجلد دون اللحم فلا بأس بذلك.
قال الكرماني في ((المناسك)): وهذا هو الأصحُ وهو اختيار قوام الدين وَابْن
الهمام، فهو مستحبُّ لمن أحسنه. قال في ((النهر)): وبه يستغنى عن كون العمل
على قولهما بأنه حسن. انتهى.
قلتُ: ما روي عن أبي حنيفةً من القول بكراهة الإشعار لا شك أنه مخالف
الأحاديث الصحيحة ومنابذ للسنة، واضطربت الحنفية في الجواب عنها، فقال
بعضُهُم: إنما أنكرَ أبو حنيفةَ الإشعار؛ لأنَّهُ يجهدُ البدنة، وفيه ما لا يخفى من أذية
الحيوان وتعذيبه، وقد نُهِيَ عن ذلك، ورأى أنه من المثلة وهو منهي عنه، وعند
التعارض الترجيح للمحرم، قالوا: وقد رُوي عن ابنِ عباس التخيير فيه والرخصة،
وعن عائشة تركه، فرجَّح أبو حنيفة الترك؛ لأنَّهُ جهةَ المثلة وهي حرام، وترك
الندب أولى من اقتحام التحريم.
وأجاب الخطابي عن ذلك: بأنَّ المثلةَ إنما هو أن يُقطعَ عضو من البهيمةِ، يرادُ به
التعذيب أو تبان قطعة منها للأكلٍ كما كانوا يفعلون ذلك من قطعهم أسنمة الإبل
وأليات الشاة يبينونها والبهيمة حيَّة فتعذَّب بذلك، وإنما سبيلُ الإشعارِ سبيل ما
أبيح من الكي والتبزيغ والتوديج في البهائم، وسبيل الختان والفصادِ والحجامة في
الآدميين، وإذا جاز الكي واللدغ بالميسم ليعرف بذلك ملك صاحبه جاز الإشعار
ليعلم أنه بدنة نسك وتصان، فلا يعرض لها حتى تبلغ المحل. انتهى.
قال الشوكاني بعدَ ذكرِهِ: على أنه لو كان من المثلة لكان ما فيه من الأحاديث
مخصصًا له من عموم النهي عنها. وقال ابنُ حجرٍ في شرح ((مناسكِ النووي)): وإنما
لم يكن الإشعار منهًّا عنه؛ لأنَّ أخبار النهى عن المثلة عامة وأخباره خاصة
فقدمت. وقال الشيخُ عبد الحي اللكنوي في ((حاشيةِ الهداية)): مذهبُ الإمام هاهنا
وقع مخالفًا للأحاديث المروية في بابِ الطعن والإشعار، رواها مسلمٌ والبخاري
ومالك وغيرهم.
وما ذكروه من التعارض بين أحاديث الإشعار وبين النهي عن المثلة، فغير
١٨٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
صحيح لوجهين؛ أحدهما: أنَّ التعارضَ إنما يكون عند الجهل بالتاريخ، ومعلوم
أنَّ إشعاره كان في حجة الوداع، والنهي عن المثلةٍ كان في غزوة خيبر كما هو
مصرح في بعض الروايات، فَأَنَّى التعارض، بل يكونُ عمل الإشعار متأخرًا،
فليعمل به، وثانيهما وهو أقواهما: أنَّ الإشعارَ ليسَ بمثلةٍ إذ ليسَ كل جرح مُثلة،
بلْ هو ما يكون تشويهًا كقطع الأنف والأذنِ، ونحو ذلك فلا يقال لكلِّ جرح: إنه
مثلة، فلا تعارض بين النهي عن المثلة وبين خبر الإشعار.
وقال بعضُهُم: معنى قول الراوي: أنَّ النَّبِي وَّ أشعر بدنته، أعلمها بعلامة
ويمكن أنْ يَكُون ذلك سوى الجرح؛ لأنَّ الإشعار هو الإعلام، كذا ذكره الإمام
المحبوبي حكاه في ((البناية)) عن الإسبيجابي، وهذا الجواب يغني حكايته عن رده،
كيف وقد ورد في بعض الروايات أنه طعن، وهو صريح في الجرح. وقَالَ بَعْضُهُم:
حديث الإشعار منسوخ بأحاديث النهى عن المثلة، وقد تقدم الجواب عن هَذَا في
كلام الحافظ وغيره، وقَالَ بَعْضُهُم: الَّذِي اشتهر عن أبي حنيفة من منع الإشعار،
فهو منع لما ارتكبه أهل زمانه من المبالغة فيه لا أصل الإشعار، أو هو ردع للعوام
مطلقًا إبقاء على الهدايا وخوفًا عما يؤول الأمر إليه من المبالغة فيه والوقوع في
المنهي عنه طلبًا لما هو مندوب فقط. وهذا قريب مما قاله الطحاوي. وقَالَ
بَعْضُهُم: إنما كره أبو حنيفة إيثار الإشعار على التقليد يعنى: أن الأولى عنده التقليد
واختيار الإشعار عليه مكروه، ولا يخفى ما فيه من التمحل، فإنه مخالف لما اشتهر
عن أبي حنيفة من كراهة الإشعار مطلقًا، وفيه أيضًا أنه لا يحصل الغرض المذكور
بالتقليد؛ لأنه يحتمل أن ينحل ويذهب بخلاف الإشعار فإنه ألزم، وقَالَ بَعْضُهُم:
إن إشعاره وَّ﴾ كان لصيانة الهدي؛ لأن المشركين لا يمتنعون عن تعرضه إلا به، قال
في ((فتح القدير)) متعقبًا على هذا: قد يقال هَذَا يتم في إشعار الحديبية وهو مفرد
بالعمرة، لا في إشعار هدايا حجة الوداع. انتهى. وقد تقدم نحو هَذَا عن صاحب
((اللمعات)) .
وقال الشيخ اللكنوي في ((حاشية الهداية)): لو سلمنا أن إشعاره كان لأن
المشركين كانوا لا يمتنعون إلا به، لكن إزالة السبب لا تقتضي إزالة المسبب، أما
ترى إلى الرمل أنه بقي سنة مع زوال سببه، فلا جرم يبقي الإشعار سنة أيضًا وإن زال
سببه، قال: والأحسن في تأويل قول أبي حنيفة ما ذكره الطحاوي أنه إنما كره
١٨٩
كِتَابُ المُنَاسِكِ
بَابُ الھدِي
إشعار أهل زمانه، وهذا توجيه جيد يجب صرف مذهبه إليه؛ لئلا يكون مخالفًا
للأحاديث الصريحة، ومع قطع النظر عن هَذَا التأويل لا طعنَ على أبي حنيفةً في
هَذَا الباب؛ لاحتمال عدم وصول أحاديث الإشعار إليه بطريق الصحة، والإمام إذا
لم يصل إليه الحديث فعمل بالقياس فهو معذور.
وقال في ((تعليقِهِ على موطأ محمدٍ)): وحمله الطحاوي على أنه كره المبالغة فيه
بحيث يؤدي إلى السراية، وهو محمل حسن، ولولاه لكان قول أبي حنيفة مخالفًا
للثابت بالأحاديث الصحيحة الصريحة صريحًا، وللقوم في توجيه ما روي عنه
كلمات قد فرغنا عن دفعها في ((تعليقاتي على الهداية)) فلا نضيع الوقت بذكرها،
انتھی .
تنبيه:
اتفق من قال بالإشعار بإلحاق البقر في ذلك بالإبل إلا سعيد بن جبير، واتفقوا
على أن الغنم لا تشعر لضعفها ولكون صوفها أو شعرها يستر موضع الإشعار، وأما
على ما نقل عن مالك فلكونها ليست ذات أسنمة، والله أعلم، كذلك في ((الفتح)).
قلتُ: اختلف أصحاب المذاهب الأربعة في إشعار الإبل والبقر بعد ما اتفقوا
على أن الغنم لا تشعر، فذهب الشافعية والحنابلة إلى: استنان الإشعار في الإبل
والبقر مطلقًا، أي: ولو لم يكن لها سنام. قال القسطلاني: إن لم يكن لها سنام
أشعر موضعه، هَذَا مذهب الشافعية وهو ظاهر ((المدونة)). وقال القسطلاني في
موضع آخر: مذهبُ الشافعي وموافقيه أنه يستحبُ تقليد البقر وإشعارها. وفي
مناسك النووي: إن كانت بدنة أو بقرة استحب أن يقلدها وأن يشعرها أيضًا، وهو
أن يضرب صفحة سنامها اليمنى. قال ابن حجر في ((شَرْحِه)): قوله: صفحة
سنامها: هو في الإبل واضح، وأما البقر فلا سنام لها، فليضربها في محله لو كان
لها أخذًا مما في ((المجموع)) عن النصِّ. وقال ابن قدامة: ويسن إشعار الإبل
والبقر.
وقال مالك: إن كانت البقرة ذات سنام، فلا بأس بإشعارها وإلا فلا. ثم قال ابن
قدامه: وتشعر البقرة؛ لأنَّهَا من البدن فتشعر كذات السنام، وأما الغنم فلا يسن
إشعارها؛ لأنَّهَا ضعيفة وصوفها وشعرها يسترُ موضع إشعارها. انتهى.
SBONE
١٩٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
وأما عند المالكية ففي الإبل قولان: المرجح الإشعار مطلقًا، أي: ولو لم يكن
لها سنام، والثاني: التقييد بالسنام. وفي البقر ثلاثة أقوال: الأول: الإثبات مطلقًا.
والثاني: النفي مطلقًا، والثالث: إشعار ذات السنام وهو المرجح عندهم كما يظهر
من كلام الباجي والدردير والدسوقي و((المدونة)).
وأما عند الحنفية: فلا إشعار في البقر مطلقًا. قال في ((شرح اللباب)): الإبل تقلد
وتجلل وتشعر، والبقر لا تشعر بل تجلل وتقلد والغنم لا يفعل بها شيء من الثلاثة.
انتھی .
(فِي صَفْحَةِ سَنَامِهَا) بفتح السين، والصفحة: الجانب، والسنام: أعلى ظهر
البعير. (الأَيْمَنِ) صفة ((صفحة)) وذكره لمجاورته السنام، وهو مذكر، أو على
تأويل صفحة بجانب. وبه جزم النووي حيث قال: وصف لمعنى صفحة لا
للفظها. ثم قال: أما محلَّ الإشعار، فمذهبنا ومذهب جماهير العُلَمَاء من السلف
والخلف: أنه يستحب الإشعار في صفحة السنام اليمنى. وقال مالك: في
اليسري. وهذا الحديث يرد عليه. انتهى.
قلت: اختلفَ العلماءُ في أنَّ الإشعار في الأيمن أفضل أو في الأيسر وللمالكية
في ذلك أربعة أقوال كما في الدسوقي و((الإكمال)) حيث قالا: وفي أولويته: في
الشق الأيمن أو الأيسر، ثالثها: إنما السنةُ في الأيسرٍ، ورابعها: إنهما سواء.
انتھی .
لكن مشهور مذهب مالك الأيسر كما في ((الإكمالِ))، ولذا اقتصرَ عليه عامة نقلة
المذاهب كالنووي والحافظ والعيني وغَيْرهم، وبه قال صاحبا أبي حنيفة كما في
العَيْنِي وغيره. وقال محمد في ((موطئه)) بعد رواية أثر ابن عمر: أنه كان يشعرُ بدنته
في الشقِّ الأيسر إلا أن تكون صعابًا، فإذا لم يستطع أن يدخل بينها أشعر من الشق
الأيمن. قال محمد: وبهذا نأخذ الإشعار من الجانب الأيسر إلا أن تكون صعابًا
مقرنة لا يستطيع أن يدخل بينها فليشعرها من الجانب الأيسر والأيمن - الواو
بمعنى: أو - انتهى. وهو - أي: الإشعار في الشقِّ الأيسر - رواية لأحمد. وفي
أخرى له: المشهور عنه أنه يشعر في الأيمن، وبه قال الشافعي، وهو رواية عن أبي
يوسف، وفي ((الدر المختار)): الإشعار: هو شق سنامها من الأيسر أو الأيمن. وفي
١٩١
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الهُدِي
((الهداية)): صفته أن يشق سنامها من الجانب الأيمن أو الأيسر، قالوا: والأشبه هو
الأيسر؛ لأنَّ النَّبِي وَّ طعن في جانب اليسار مقصودًا، وفي جانب الأيمن اتفاقًا.
قال ابن الهمام: قالوا: لأنها كانت تساق إليه وهو يستقبلها فيدخل من قبل
رؤوسها والحربة بيمينه لا محالة، والطعن حينئذ إلى جهة اليسار أمكن وهو طبع
هذه الحركة فيقع الطعن كذلك مقصودًا ثم يعطف طاعنًا إلى جهة يمينه بيمينه وهو
متكلف بخلافه إلى الجهة الأولى. انتهى.
وهذا مبني على أنه وُّل أشعر في الأيمن والأيسر. أما الأول: فهو مذكور في
حديث ابن عباس عند مسلمِ الَّذِي نحنُ فِي شَرْحِه، وأما الثاني - أي: الطعن في
الأيسر - فقال ابنُ عبد البرّ في كتاب ((التمهيد)): رأيتُ في كتاب ابن علية، عن
أبيه، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي حسان الأعرج، عن ابن عباسٍ :
أنَّ رسول اللّهُ وَّه أشعرَ بُدنه من الجانب الأيسر، ثم سَلَت الدم عنها. قال ابن
عبد البر: هَذَا عندي مُنكر في حديث ابن عباس، والمعروف ما رواه مسلم وغيره
في الجانب الأيمن لا يصح في غير ذلك، إلا أن ابن عمر كان يشعر بدنه من
الجانب الأيسر. انتهى. وقد صحَّح ابنُ القطان كلامه هَذَا قال: وأنا أخاف أنْ
یگُون تصحف فيه الأيمن بالأيسر. انتهى.
لكن قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (ج٣: ص ١١٦): قد روي هَذَا الحدیث من
غير طريق ابن علية، فرواه أبو يعلى الموصلي في ((مسنده)): حدثنا يزيد بن هارون،
أنبأنا شعبة بن الحجاج، عن قتادة، عن أبي حسان، عن ابن عباسٍ: أنَّ رسولَ اللهِ
وَلّ لما أتى ذا الحليفة أشعر بدنته في شقها الأيسر ثم سلت الدم بأصبعه، فلما علت
به راحلته البيداء لبى. انتهى. وقد سكت عليه الزيلعي والحافظ في ((الدراية)).
قيل: ويؤيده أثر ابن عمر عند مالك، كما سيأتي. قلت: لم أجد رواية صحيحة
أو ضعيفة تدل على أنه وُّ طعن في بعض البدنة في الشق الأيسر، وفي البعض
الآخر في الشق الأيمن. وأما رواية أبي يعلى الموصلي فهي معارضة لما رواه
الجماعة إلا البخاري عَنِ ابْن عَبَّاسٍ في الإشعار في الشق الأيمن، فيقدم هَذَا
ويرجح على رواية أبي يعلى. وأما تأويل الباجي لحديث ابن عباس عند مسلم بأنه
كان ذلك لصعوبتها أو ليري الجواز، فلا يخفى ما فيه؛ لأنه احتمال ناشئ من غير
١٩٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
دليل. قالَ ابنُ قُدَامَة (ج٣: ص ٥٤٨): السنة: الإشعار في صفحتها اليمنى،
وبهذا قال الشافعي وأبو ثور، وقال مالك وأبو يوسف: بل تشعر في صفحتها
اليسرى. وعن أحمد مثله؛ لأن ابن عمر فعله. ولنا ما روى ابن عباس أن النَّبِي ◌ِِّل
صلى بذي الحليفة، ثم دعا ببدنة وأشعرها من صفحة سنامها الأيمن
... الحديث. رواه مسلم. وأما ابن عمر فقد روي عنه كمذهبنا رواه البخاري
- معلقًا - ثم فعل النَّبِي ◌َّ أولى من قول ابن عمر وفعله بلا خلاف؛ ولأن النَّبِي ◌َّ
كان يعجبه التيمن في شأنه كله، انتهى. وقال البخاري في صدر باب: من أشعرَ
بذي الحليفة ثم أحرم: وقال نافعٌ: كان ابنُ عُمر إذا أهدى من المدينة قلَّده وأشعرَهُ
بذي الحليفة، يطعن في شقِّ سنامه الأيمن بالشفرة ووجهها قبل القبلة باركة.
قال الحافظُ: وصله مالك في ((الموطأ)) قال: عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه
كان إذا أهدى هديًا من المدينة؛ قلده وأشعرَهُ بذي الحلَّيفة، يقلِّدُه قبل أن يشعره
وذلك في مكان واحد وهو موجه للقبلة، يقلده بنعلين ويشعره من الشق الأيسر ثم
يساق معه حتى يوقف به مع الناس بعرفة ثم يدفع به معهم إذا دفعوا، فإذا قدم منى
غداة النحر؛ نحره. وعن نافع عن ابن عمر: كان إذا طعن في سنام هديه وهو يشعره
قال: بسم الله والله أكبر. وأخرج البيهقي (ج٥: ص ٢٣٢) من طريق ابن وهب
عن مالك وعبد الله بن عمر عن نافع: أن عبد الله بن عمر كان يشعرُ بدنه من الشق
الأيسر إلا أن تكون صعابًا، فإذا لم يستطع أن يدخل بينها؛ أشعر من الشق الأيمن،
وإذا أراد أن يشعرها وجهها إلى القبلة، وتبين بهذا أن ابن عمر كان يطعن في الأيمن
تارة وفي الأيسر أخرى بحسب ما يتهيأ له ذلك. انتهى كَلام الحَافِظ .
(وَسَلَتَ) بمهملة ولام ثم مثناة. (الدَّم) أي: مسحه وأماطه وأزاله. (عَنْهَا) أي:
عن صفحة سنامها، زاد عند أبي داود: (بيده)). وفي أخرى عنده أيضًا: ((بإصبعه)).
قال الخطابي: سلت الدمُ بيده، أي: أماطه بإصبعه، وأصل السلت القطع، يقال:
سلت اللَّه أنف فلان، أي: جدعه. (وَقَلَّدَهَا) بتشديد اللام. (نَّعْلَيْنِ) فيه دليل على
استنان تقليد الإبل بنعلين، وقد وقع الإجماع على استنان تقليد الهدي.
قال ابن قدامة: يسن تقليد الهدي وهو أن يجعل في أعناقها النعال وآذان القرب
وعراها أو علاقة إداوة سواء كانت إبلًا أو بقرًا أو غنمًا. وقال مالك وأبو حنيفة: لا
١٩٢
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الهُدِي
يسن تقليد الغنم. انتهى.
وفي ((مناسك النووي)): إن كانت بدنة أو بقرة؛ استحب له أن يقلدها نعلين
وليكن لهما قيمة ليتصدق بهما. ومن ساق غنمًا؛ استحب أن يقلدها خرب القرب،
وهي عراها وآذانها ولا يقلدها النعل؛ لأنَّهَا ضعيفة. وقال الدردير: سن في هدايا
الإبل إشعار وتقليد أي: تعليق قلادة، أي: حبل، في عنقها، وندب نعلان يعلقهما
بنبات الأرض، أي: بحبل من نبات الأرض لا من صوف أو وبر.
وقال العَيْنِي: قال أصحابنا: لو قلد بعروة مزادة أو لحي شجرة أو شبه ذلك؛
جاز لحصول العلامة. وذهب الشافعي والثوري إلى أنها تقلد بنعلين، وهو قول
ابن عمر. وقال الزهري ومالك: يجزئ واحدة. وعن الثوري: يجزئ فم القربة
ونعلان أفضل لمن وجدهما. انتهى.
قال الحافظُ: قيل: الحكمة في تقليد النعل أن فيه إشارة إلى السفر والجد به،
فعلى هَذَا يتعين أي: النعل. والله أعلم. وقال ابنُ المنيرِ في ((الحاشية)): الحكمة
فيه أن العرب تعتد النعل مركوبة؛ لكونها تقي عن صاحبها وتحمل عنه وعر
الطريق، وقد كَنَّى بعضُ الشعراء عنها بالناقة، فكأنَّ الَّذِي أهدي خرج عن مركوبه
لله تعالى حيوانًّا وغيره كما خرج حين أحرم عن ملبوسه، ومن ثم استحبَّ تقليد
نعلين لا واحدة. انتهى.
وفي ((شرح اللباب)): يسن تقليد بدن الشكر دون بدن الجبر، وهو أن يربط في
عنق بدنة أو بقرة قطعة نعل كاملة أو ناقصة أو قطعة مزادة أو لحاء شجرة أو نحوه
من شراك نعل وغير ذلك مما يكون علامة على أنه هدي ولا يسن في الغنم مطلقًا
لكن لو قلده جاز ولا بأس به. انتهى.
والحديث: دليل على أنه يسن تقليد الهدي وإشعاره من الميقات، حيث قلَّد
رسولُ اللهِ وَ ي هديه وأشعره بذي الحليفة ميقات أهل المدينة، وقد صرح أهل
الفروع من أتباع الأئمة الأربعة باستحباب التقليد والإشعار من الميقات.
قال ابن قدامة: وإذا ساق الهدي من قبل الميقات؛ استحب إشعاره وتقليده من
الميقات؛ لحديث ابن عباس، وإن ترك الإشعار والتقليد، فلا بأس به؛ لأن ذلك
غير واجب. انتهى.
*
١٩٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وفي ((مناسك النووي)): الأفضل أنْ يَكُون هديه معه من الميقات مشعرًا مقلدًا.
وقال الدردير: ثالث السنن لمريد الإحرام تقليد هدي إن كان معه، ثم إشعاره إن
كان مما يشعر. وقال في ((اللباب)) من ((مناسك الحنفية)): فإذا أحرم بالتلبية؛ ساق
هديه ويقلد البدنة، إلى آخر ما بسط الكلام في حكم الإشعار وكيفيته.
واختلفوا هل الأفضل تقديم الإشعار على التقليد أو تقديم التقليد على الإشعار.
قال القسطلاني: صحَّ في الأول خبر في ((صحيح مسلم)) وصح في الثاني فعل ابن
عمر وهو المنصوص، وزاد في ((المجموع)) أن الماوردي حكى الأول عن أصحابنا
كلهم ولم يذكر فيه خلافًا، انتهى.
وقال النووي في ((مناسكه)): هل الأفضل أن يقدم الإشعار على التقليد: فيه
وجهان: أحدهما يقدم الإشعار فقد ثبت ذلك في ((صحيح مسلم)) من حَدِيث ابنِ
عُمَر مَرْفُوعًا، والثاني: وهو نصُّ الشافعي تقديم التقليد، وقد صح ذلك عن ابن
عمر من فعله، والأمر فيه قريب. انتهى. وقد تقدَّم قول الدردير أن ثالث السنن
لمريد الإحرام تقليد هدي إن كان معه ثم إشعاره. وقال في موضع آخر: الأولى
تقديم التقليد على الإشعار؛ لأنَّهُ السنة. قال الدسوقي: السنة تقديم التقليد فعلًا
خوفًا من نفارها لو أشعرت أولًا. قال الباجي: وقد قال ابنُ القاسم في ((المدونة)):
وكل ذلك واسع، يريد أن الترتيب المذكور ليس بواجب، انتهى.
(ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ) أي: غير التي أشعرها. (أَهَلَّ بِالْحَجِّ) أي: لبى به وكذا
بالعمرة؛ لما في ((الصَّحِيحَيْن)) عن أنس قال: سمعتُ رسولَ اللهِ مَّل يلبي بالحج
والعمرة يقول: ((لَبَيْكَ عُمْرَةً وَحَجًا)). انتهى. ومن حفظ حُجة على من لم يحفظ.
مع أنه يمكن أن الراوي اقتصر على ذكر الحج؛ لأنه الأصل، أو لأن مقصوده بيان
وقت الإحرام والتلبية، أو لعدم سماعه أولًا أو لنسيانه آخرًا، قاله القاري. وقد
تقدَّم نقل الخلاف في كيفية إحرامه وَّر وطريق الجمع بين المختلف فيه،
فليراجع .
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد (ج١: ص ٢١٦، ٢٥٤) والترمذي وأبو دَاوُد
والنَّسَائِي وَابْن ماجه والدارمي والْبَيْهَقِي وَابْن الجارود، وقال الزيلعي: رواه
الجماعة إلا البخاري.
١٩٥
بَابُ الھدِي
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
٢٦٥٢ - [٢] وَعَنْ عَائِشَةَ مَّهَا قَالَتْ: أَهْدَى النَّبِّ وَلِّ مَرَّةً إِلَى الْبَيْتِ
غَنَمَّا، فَقَلَّدَهَا.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٦٥٢ - قوله: (أَهْدَى النَّبِيُّ ◌َ لِّ مَرَّةً إِلَى الْبَيْتِ) أي: بيت الله. (غَنَمَّا) أي:
قطعةٌ من الغنم. ومعنى الحديث: أنَّه ◌ِ لِّ كان يبعثُ بهديه قبل حجة الوداع مع مَن
يحج وهورَّ مقيم بالمدينة لا يحجُّ، وأنه بعثَ مرة غنمًا. وفي قولها: مرة، إشعار
بأنه مَّ كان يهدي بالبدن؛ لكونها أفضل، وأهدى مرة بالغنمِ؛ لبيان الجواز، وقد
ثبتَ إهداؤه بالبدنِ في حديث آخر لعائشةَ أيضًا كما سيأتي.
(فَقَلَّدَهَا) في الحديث دليل على جواز أنْ يَكُون الهدي من الغنم وأنها تقلد،
وإلى ذلك ذهبَ جمهورُ العلماءِ، وخالف في ذلك الحنفية والمالكية فقالوا: إن
الغنم لا تقلد، والحديثُ يردُّ عليهما. قال السندي في ((حاشية النسائي)): الحديثُ
صريحٌ في جواز تقليد الغنم فلا وجه لمنع من منع ذلك. وقال النووي: فيه دلالة
لمذهبنا ومذهب الكثيرين أنه يستحب تقليد الغنم. وقال مالك وأبو حنيفةً: لا
يستحب بل خصا التقليد بالإبل والبقر، وهذا الحديث صريح في الدلالة عليهما .
انتهى. وحديث عائشة هَذَا هو من رواية الأسود عنها، واللَّفْظُ المَذْكورُ لمسلمٍ،
ولفظ البخاري: قالت: أهدى الشَِّي وَّ مرة غنمًا. وفي رواية له: قالت: كنتُ
أفتل القلائد للنبي وَّ فيقلد الغنم. وفي لفظٍ له: كنتُ أفتل قلائد الغنم للنبي وَّ
فيبعث بها. الحديث. وبوَّب البخاري على هذه الروايات: تقليد الغنم. قال
الحافظُ تحت هذه الترجمة: قال ابنُ المنذرِ: أنكرَ مالك وأصحاب الرأي تقليد
الغنم، زاد غيره وكأنهم لم يبلغهم الحديث، ولم نجد لهم حجة إلا قول بعضهم:
إنها تضعف عن التقليد وهي حجة ضعيفة؛ لأنَّ المقصود من التقليد العلامة، وقد
اتفقوا على أنها لا تشعر؛ لأنَّها تضعفُ عنه، فتقلَّد بما لا يضعفها، ثم ساق ابن
(٢٦٥٢) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٧٠١)، ومُسْلِم (٣٦٧) فِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، وَأَبُو دَاوُد (١٧٥٥)، والنَّسَائِي
(١٧٣/٥)، وابن مَاجَهْ (٣٠٩٦).
١٩٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
المنذر من طريق عطاء وعبيد الله بن أبي يزيد وأبي جعفر محمد بن علي وغَيْرهم
قالوا: رأينا الغنم تقدم مقلدة. ولابن أبي شيبة عَنِ ابْن عَبَّاسٍ نحوه، والمراد بذلك
الرد على من ادعى الإجماع على ترك إهداء الغنم وتقليدها، وأعلَّ بعض المخالفين
حديث الباب بأن الأسود تفرد عن عائشة بتقليد الغنم دون بقية الرواة عنها من أهل
بيتها وغَيْرهم.
قال الْمُنْذِرِي وغيره: وليست هذه بعلة؛ لأنَّهُ حافظ ثقة لا يضره التفرد. انتهى.
وقال العراقي في ((طرح التثريب)): اختلفوا في استحباب تقليد الغنم فقال به
الشافعي وأحمد، ورواه ابن أبي شيبة عن عائشة وعن ابن عباس: لقد رأيت الغنم
يؤتى بها مقلدة. وعن أبي جعفرٍ: رأيتُ الكباش مقلدة. وعن عبد الله بن عبيد بن
عمير: أنَّ الشاة كانت تقلد. وعن عطاءٍ: رأيتُ أُناسًا من أصحابِ النبيِّ وَّ
يسوقون الغنم مقلدة. وحكاه ابنُ المنذر عن إسحاق وأبي ثور قال: وبه أقول،
وإليه ذهب ابن حبيب من المالكية. وذهب آخرون إلى أنها لا تقلد كما أنها لا
تشعرُ، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك. وحكاه ابنُ المنذرِ عن أصحاب الرأي،
ورواه ابن أبي شيبة عن ابن عمر وسعيد بن جبير ويوافقه كلام البخاري فإنه بوَّب
على هَذَا الحديث - أي: حديث عروة وعمرة عن عائشة قالتْ: كان رسولُ اللّه وَل
يهدي من المدينة، فأفتل قلائد هديه ثم لا يجتنبُ شيئًا مما يجتنب المحرم - باب
فتل القلائد للبدن والبقر. فحمل الحديث عليهما ولم يذكر الغنم، انتهى.
قلتُ: ورَّد عليه الحافظ فقال: تنبيه: أخذَ بعضُ المتأخرين من اقتصار البخاري
في هذه الترجمة على الإبل والبقر أنه موافق لمالك وأبي حنيفة في أن الغنم لا
تقلد، وغفل هَذَا المتأخر عن أن البخاري أفرد ترجمة لتقليد الغنم بعد أبواب يسيرة
كعادته في تفريق الأحكام في التراجم. انتهى.
ثُمَّ قالَ العراقيُّ: وظاهر حديث عروة عن عائشة المذكور موافق للجمهور؛
لأنَّهَا لم تخص بذلك هديًا دون هدي، وقد صرحت بالغنم في رواية الأسود عنها
كما تقدَّم. وقال العَيْنِي: مذهبُ الحنفيةِ أنَّ التقليد في البدنة والغنم ليست من
البدنة، فلا تقلد لعدم التعارف بتقليدها، ولو كان تقليدها سنة لما تركوها. وقالوا
في الحديث المذكور: تفرد به الأسود ولم يذكره غيره، وادعى صاحب ((المبسوط))
١٩٧
بَابُ الھدِي
كِتَابُ المُنَاسِكِ
أنه أثر شاذ. فإن قلت: كيف يقال: تركوها، وقد ذكر ابنُ أبي شيبة في ((مصنَّفه)):
أنَّ ابنَ عباسٍ قال: لقِدْ رأيت الغنم يؤتى بها مقلَّدة؟ وعن أبي جعفر: رأيت الكباش
مقلدة. وعن عبد الله بن عبيد بن عمير: أنَّ الشاة كانت تُقَلَّد. وعن عطاء: رأيتُ
أناسًا من الصحابةِ يسوقون الغنمَ مقلَّدة.
قلتُ: ليس في ذلك كله أن التقليد كان في الغنم التي سيقت في الإحرام، وأن
أصحابها كانوا محرمين، على أنا نقولُ: إنهم ما منعوا الجواز، وإنما قالوا بأنَّ
التقليد في الغنم ليس بسنةٍ. انتهى.
قلتُ: الآثار المذكورة نص في تقليد الغنم وظاهر في أنه كان في الغنم التي
سيقت إلى الحرم، ونص أيضًا في أن تقليد الغنم من الهدي كان معتادًا متعارفًا
معمولا به فيما بين الصَّحَابَة والتابعين، وحملها على غير ذلك ادعاء محض فلا
يلتفت إليه، وكذا اعتذار صاحب ((المبسوط)) وغيره عن حديث الأسود عن عائشة
عند الشيخين وغَيْرهما بادعاء أنه شاذ لم يتابعه عليه أحد، ليس مما يصغى إليه.
قال ابن قدامة (ج٣: ص ٥٤٩): وقال مالك وأبو حنيفةً: لا يسن تقليد الغنم؛
لأنَّهُ لو كان سنة لنقل كما نقل عن الإبل، ولنا أن عائشة قالت: كنت أفتل القلائد
للنبي وَّ فيقلد الغنم ويقيم في أهله حلالا، وفي لفظ: كنتُ أفتل قلائد الغنم
للنبي ◌ّ﴾. رواه البخاري. ولأنه هدي فيسن تقليده كالإبل، ولأنَّه إذا سن تقليد
الإبل مع إمكان تعريفها بالإشعار فالغنم أولى، وليس التساوي في النقل شرطًا
لصحة الحديث، ولأنَّه كان يهدي الإبل أكثر فكثر نقله. انتهى.
قلتُ: حديث الباب مشكل على الحنفية والمالكية جدًّا، وقد تمحل الحنفية
للتخلص عنه بوجوه منها ما تقدَّم، ومنها ما سيأتي آنفًا. وقال الشنقيطي (ج٥: ص
٥٧٥): واعلم أن الهدي من الغنم يسن تقليده عند عامة أهل العلم، وخالف مالك
وأصحابه الجمهور. وقد ثبت في ((الصَّحِيحَيْن)) من حديث عائشة: أنه وَّ أهدى
غنمًا فقلدها. وقال بعضُ أهل العلم: لا تقلد بالنعال لضعفها، وإنما تقلد بنحو
عرى القرب، والظاهر أن مالكًا لم يبلغه حديث تقليد الغنم، ولو بلغه لعمل به بأنه
صحيح مُتفق عَليه. انتهى. وأجابَ بعضُ الحنفية عن حديث الباب بأنه أراد فقهاؤنا
من نفي تقليد الغنم التقليد بالنعل لا بالخيط المفتول، فإذا صحَّ الحديث بتقليد
١٩٨
cberk #eeas
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*eaewozee*
الغنم ولا شك أنه من العهن وهو الصوف المصبوغ، فمحل نفي تقليد الغنم هو
تقليدها بالنعال وما يشبهها، ومحل إثبات التقليد هو بالخيوط المفتولة من الصوف
والوبر، فإذا لا يخالف حديث الباب مذهب أبي حنيفة، وفقهاؤنا الحنفية لم
يذكروا التقليد بالخيط، لا نفيًّا ولا إثباتًا، فالقول والتمسك بِهَذَا الحَدِيث لا
يخالف المذهب. انتهى.
وفيه: أن ذكر فتل القلائد من العهن لا يدلُّ على الاكتفاء بالتقليد بالعهن في
الغنم، بل كان ذلك؛ لأن يربط به النعل في عنق الهدي، سواء كان إبلًا أو بقرًا أو
غنمًا، كما أن ذكر فتل القلائد للبدن في الرواية الآتية لا يدل على الاقتصار على
ذلك في الإبل والبقر، وقد ذكر البخاري في: باب تقليد الغنم، بعد رواية حديث
الأسود عن عائشة حديث مسروق عنها قالت: فتلت لهدي النَّبِي ◌َّ، تعني:
القلائد قبل أن يحرم.
قال الحافظ: أما إردافه برواية مسروق مع أنه لا تصريح فيها بكون القلائد للغنم
فلأن لفظ الهدي أعم من أنْ يَكُون لغنم أو لغيرها، فالغنمُ فردٌ من أفراد ما يهدى،
وقد ثبت أنه وَل أهدى الإبل وأهدى البقر فمن ادعى اختصاص الإبل بالتقليد،
فعلیه البيان. انتهى.
على أنه يخالف التأويل المذكور ما تقدم عن القاري والعيني وغَيْرهما من نقلة
المذاهب أنَّ أبا حنيفة أنكر استنان تقليد الغنم مطلقًا، ولم يثبت عنه ولا عن غيره
من فقهاء الحنفية أنهم فرقوا بين تقليد الغنم بالنعل وتقليدها بالخيوط بل أنكروه
مطلقًا كما تقدَّم، وعلى هَذَا فمذهب أبي حنيفة مخالف للْحَدِيث الصحيح من غير
شك، والظاهرُ: أنه لم يبلغه الحديث، ولا ما تقدَّم من الآثار المذكورة في كلام
العراقي والعيني وغَيْرهما.
هذا؛ وقد احتج الكاساني على عدم استنان تقليد الغنم بقوله تعالى: ﴿وَلَا اُلْهَدْىَ
وَلَ اُلْقَلَبِدَ﴾ [المائدة: ٢] قال الكاساني في ((البدائع)) (ج٢: ص ١٦٢): والدليلُ على أن
الغنم لا يقلَّد قوله تعالى: ﴿وَلَا اُلْهَدْىَ وَلَا الْقَلَئِدَ﴾ عطف القلائد على الهدي،
والعطف يقتضي المغايرة في الأصلِ، واسم الهدي يقعُ على الغنم والإبل والبقر
جميعًا، فهذا يدلّ على أن الهدي نوعان: ما يقلد، وما لا يقلد، ثم الإبل والبقر
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْهُدِي
١٩٩
يقلدان بالإجماع، فتعين أن الغنم لا تقلد ليكون عطف القلائد على الهدي عطف
الشيء على غيره فيصح، انتهى.
قال بعضُ الحنفية: ويؤيد ذلك ما قال الجصاص في ((أحكام القُرْآن)): قد روي
في تأويل القلائد وجوه عن السلف، فقال ابن عباس: أراد الهدي المقلد. قال أبو
بكر - الرازي الجصاص: هَذَا يدلَّ على أن من الهدي ما يقلد ومنه ما لا يقلد،
والذي يقلد الإبل والبقر والذي لا يقلد الغنم. انتهى. ولا يخفى ما في هَذَا
الاستدلال من التكلّف والتعسُّف، فإنه يلزمُ على هَذَا التفسير أنْ يَكُون المراد
بالهدي في الآية الغنم فقط، ولم يقل به أحد مع أنهم اختلفوا في تفسير القلائد
على أقوال منها أنَّ الْمَرَاد القلائد حقيقة سواء كانت للإبل أو للبقر أو للغنم.
وفي النهي عن إحلال القلائد تأكيد للنهي عن إحلال الهدي، يعني: أنَّ فيه
مبالغة عن التعرُّض للهدي المقلد، فإنه إذا نهى عن قلادة أن يتعرض لها فبطريق
الأولى أن ينهى عن التعرض للهدي المقلد بها، وهذا كما في قَوْلِهِ: ﴿وَلَا يُبْدِينَ
زِينَتَهُنَّ﴾ [النور: ٣١]؛ لأنَّهُ إذا نهى عن إظهار الزينة فما بالك بموضعها من الأعضاء،
ومنها: أنَّ المرادَ بالقلائد الحيوانات المقلدة بها ويكون عطف القلائد على الهدي
لزيادة التوصية بالهدي.
والمعنى: ولا الهدايا ذوات القلائد، وعلى هَذَا القول إنما عطف القلائد على
الهدي مبالغة في التوصية بها؛ لأنَّهَا من أشرف البدن المهداة، والمعنى: ولا
تستحلوا الهدي خصوصًا المقلدات منها. وقيل: المراد أصحاب القلائد،
والمعنى: لا تتعرضوا للهدايا ولا لأصحابها. والتفسير الأول أولى، وعلى كل
حال ليس في عطف القلائد على الهدي دلالة أو أدنى إشارة إلى أن الهدي الغير
المقلد هو الغنم خاصة، أو إلى أن الغنم من الهدي لا تقلد.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) قد تقدَّم أنَّ اللفظ المذكور لمسلم، وبهذا اللفظ رواه أيضًا أحمد
والنَّسَائِي وَابْن ماجه والْبَيْهَقِي، وقد تقدَّم أيضًا أنَّ البخاري روى مثله، لكن أسقط
قوله: ((فقلدها))، وكذا رواه الدارمي ورواه أبُو دَاوُد وَابْن الجارود بلفظ: إنَّ
رسولَ اللَّهِنَّ أهدى غنمًا مقلدة. والحديثُ رواه أيضًا أحمد والشيخان والترمذي
والنَّسَائِي بألفاظٍ أُخرى متقاربة.