النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٦٢٩ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ أَنَّهُ دَفَعَ مَعَ النَّبِيِّ نَّهَ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَسَمِعَ
النَّبِيُّ ◌َّهِ وَرَاءَهُ زَجْرًا شَدِيدًا، وَضَرَّبًا لِلْإِبِلِ، فَأَشَارَ بِسَوْطِهِ إِلَيْهِمْ، وَقَالَ:
((أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ، فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِلِيضَاعِ)).
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ] {صحيح}
الشرح
٢٦٢٩ - قوله: (دَفَعَ مَعَ النَّبِيِّ بََّ) أي: أفاض معه. (يَوْمَ عَرَفَةَ) أي: من
عرفة إلى المزدلفة. (زَجْرًا) بفتح الزاي وسكون الجيم بعدها راء أي صياحًا لحث
الإِبل وسوقًا لها برفع الأصوات. (فَأَشَارَ بِسَوْطِهِ إِلَيْهِمْ) ليتوجَّهُوا إليه ويسمعوا
قوله: (عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ) أي: في السير، والمراد السير بالرفق وعدم المزاحمة،
يعني لازموا الطمأنينة والرفق وعدم المزاحمة في السير، وعلَّل ذلك بقوله: (فَإِنَّ
الْبِرَّ) أي: الخير. (لَيْسَ بِالإِيضَاعِ) الإيضاع الإسراع وحمل الخيل والركاب على
سرعة السير، يعني: الإسراع ليس من البر إذا كثر الناس في الطريق، فإنَّ الإسراع
في مثل هذه الحالة أي عند ازدحام الناس في الطريق يؤذيهم بصدمة الدواب
والرجال، ولا خير في هَذَا بل الخير في الذهاب على السكون في مثل هذه الحالة.
وقال الحافظ: قوله: ((فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِالْإِيضَاعِ)) أي: السير السريع، ويقال: هو سير
مثل الخبب فبَيَّن ◌َّر أن تكلف الإسراع في السير ليس من البر أي مما يتقرب به،
ومن هَذَا أخذ عمر بن عبد العزيز قوله لما خطب بعرفة: ليس السابق من سبق بعيره
وفرسه ولكن السابق من غفر له.
وقال المهلبُ: إنما نهاهم عن الإسراع إبقاء عليهم لئلا يجحفوا بأنفسهم مع بعد
المسافة. وقيل: إنما قال ◌َّر ذلك أي قوله: ((عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ)) في ذلك الوقت
الَّذِي لم يجد فجوةً فلا ينافي الحديث السابق.
وقال القاري: حاصلُ ما قال ◌َّل أن المسارعة إلى الخيرات والمبادرة إلى
المبرات مطلوبة لكن لا على وجه يجرُّ إلى المكروهات وما يترتب عليه من
(٢٦٢٩) الْبُخَارِي (١٦٧١) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ.
كِتَابَ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةَ وَالمُزْدَلِفَةِ
١٢١
الأذيات، فلا تنافي بينه وبين الحديث السابق.
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وكذا البيهقي (ج٥ : ص ١١٩) وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد (ج١ : ص
٢٥١، ٢٦٩، ٣٥٣) وأبو دَاوُد والْبَيْهَقِي بنحوه.
٢٦٣٠ - [٣] وَعَنْهُ: أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ كَانَ رِدْفَ النَّبِيِّ وَ مِنْ عَرَفَةَ
إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ، ثُمَّ أَرْدَفَ الْفَضْلَ مِنَ الْمُزُدَلِفَةِ إِلَى مِنَّى، فَكِلَاهُمَا قَالَ: لَمْ يَزَلِ
الشَّبِىُّ ◌َّهِ يُلَِّّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٦٣٠ - قوله: (وَعَنْهُ) أي: عن ابن عباس. أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ كَانَ رِدْفَ النَّبِيِّ
وَّر بكسرِ الراء وسكون الدال، وهو الراكب خلف الراكب كالرديف والمرتدف.
(ثُمَّ أَرْدَفَ الْفَضْلَ) أي: ابن عباس يعني: جعله رديفه. (فَكِلَاهُمَا) كذا في جميع
النسخ من ((المشكاة))، وفي البخاري قال - أي: ابن عباس - فكلاهما. أي:
الفضل بن عباس وأسامة بن زيد. (قَالَ) الضمير راجع للفظ فإن كِلا مفرد لفظًا
ومثنى معنى، وهو أفصحُ من أن يقال: فكلاهما قالا، قال تعالى: ﴿كِلْنَا الْجَنََّيْنِ
ءَنَتْ أُكْلَهَا﴾ [الكهف: ٣٣] أو المعنى كل واحد منهما قال: (لَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ وَهِ يُلَبِّي حَتَّى
رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ) أي: شرع في رمي الجمرة أو فرغ منه قولان، ويؤيد الثاني ما
وقع في رواية ابن خزيمة كما سيأتي: فلمْ يزلْ يُلَبِّي حتَى رمى جمرة العقبةِ، يكبِّر
معَ كلِّ حَصَاة، ثم قطعَ التلبيةَ مع آخرِ حصاةٍ. ويؤيد الأول ما رواه البيهقي بإسناده
عن عبدِ اللَّه قال: ((رَمَقْتُ النَِّيَّ ◌ِهِ فَلَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ بِأَوَّلِ
حَصَاةٍ)).
قال الحافظُ: زاد ابنُ أبي شيبة من طريق علي بن الحسين عَنِ ابْن عَبَّاسٍ عن
الفضل في هَذَا الحديث ((فَرَمَاهَا سَبْعَ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلُّ حَصَاةٍ)). قال الحافظ :
وفي هَذَا الحديث يعني حديث ابن عباس الَّذِي نحن فِي شَرْحِه أن التلبية تستمر إلى
(٢٦٣٠) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٦٨٦)، ومُسْلِم (١٢٨٠٢٦٦ - ١٢٨١) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ، والنَّسَائِي
(٢٥٦/٥).
١٢٢
#eese
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
رمي الجمرة يوم النحر وبعدها يشرع الحاج في التحلل، وروى ابن المنذر بإسناد
صحيح أنه كان يقول: التلبية شعار الحج فإنْ كنتَ حاجًّا فلبِّ حتى بدأ حلك وبدء
حلك أن ترمي جمرة العقبة. وروى سعيد بن منصور من طريق ابن عباس قال:
حججتُ مع عُمر إحدى عشرة حجة وكان يلبي حتى يرمي الجمرة، وباستمرارها،
قال الشافعي وأبو حنيفة والثوري وأحمد وإسحاق وأتباعهم، وقالت طائفة: يقطع
المحرم التلبية إذا دخل الحرم، وهو مذهب ابن عمر لكن كان يعاود التلبية إذا خرج
من مكة إلى عرفة، وقالت طائفة: يقطعها إذا راحَ الموقف، رواه ابنُ المنذرِ
وسعيد بن منصور بأسانيد صحيحة عن عائشة وسعد بن أبي وقاص وعلي، وبه قال
مالك وقيده بزوال الشمس يوم عرفة، وهو قول الأوزاعي والليث، وعن الحسن
البصري مثله لكن قال: إذا صلّى الغداةَ يوم عرفة وهو بمعنى الأول، وقد روى
الطحاوي بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن يزيد قال: حججتُ مع عبد اللَّه فلما
أفاضَ إلى جمع جعل يلبي فقال رجل: أعرابي هذا؟ فقال عبد الله: أنسي الناس أم
ضلوا؟ وأشارَ الطحاوي إلى أنَّ كلَّ مَن روى عنه ترك التلبية من يوم عرفة أنه تركها
للاشتغال بغيرها من الذكر لا على أنها لا تشرع، وجمع بذلك بين ما اختلف من
الآثار، والله أعلم.
واختلفوا أي الأولون: هل يقطعُ التلبية مع رمي أول حصاة أو عند تمام الرمي؟
فذهب إلى الأول الجمهور، وإلى الثاني أحمد وبعض أصحاب الشافعي، ويدل
لهم ما روى ابن خزيمة من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن الحسين عَنٍ
ابْن عَبَّاسٍ عن الفضل قال: أفضتُ مع النبيِّ وَّل من عرفات فلم يزل يلبي حتى رمى
جمرة العقبة يكبر مع كل حصاة ثم قطع التلبية مع آخر حصاة، قال ابنُ خُزيمة :
هَذَا حديث صحيح مفسر لما أبهم في الروايات الأخرى. وأنَّ الْمَرَاد بقوله: حتى
رمى جمرة العقبة أي أتم رميها، انتهى كلام الحَافِظ. قال الشوكاني: والأمر كما
قال ابن خزيمة، فإن هذه الزيادة مقبولة خارجة من مخرج صحيح غير منافية
للمزيد وقبولها مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، انتهى.
قلتُ: لكن قال البيهقي في ((السنن الكبرى)) (ج٥: ص ١٣٧) بعد ذكر رواية
جابر بلفظ: ((فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا)) تكبيرة مع كل حصاة
كالدلالة على قطعه التلبيةَ بأول حصاة، وكذا قال في ((معرفة السنن)) قال: وقوله:
١٢٣
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةَ وَالمُزْدَلِفَةِ
(ُلَبِّي حَتَّى رَمَى الْجَمْرَةَ)) أرادَ به حتى أخذ في رمي الجمرة، وأما ما في رواية
الفضل من الزيادة فإنها غريبة أوردها ابن خزيمة واختارها، وليست في الروايات
المشهورة عَنِ ابْن عَبَّاسٍ عن الفضل بن عباس، انتهى. واعترض عليه ابن
التركماني فقال: الغريب إذا صحَّ سنده يعمل به.
وقد أخرجَ ابنُ حزمٍ هَذَا الحديث في كتاب حجة الوداع بسند جيد من حديث
أبي الزبير عن أبي معبدَّ مولى ابن عباس. عن الفضل، ولفظه: وَلَمْ يَزَلْ عَلَا يُلَبِّي
حَتَّى أَتَمَّ رْمِي جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ. وهذا صريح وهو يقوي الرواية التي رواها ابن خزيمة
واختارها. ويدل على أنها ليست بغريبة، والعجب من البيهقي كيف يترك هَذَا
الصريح ويستدل بقوله: ((يُكَبِّرْ)) على قطع التلبية لأول حصاة مع أن التكبير لا يمنع
التلبية، إذ الحاج له أن يكبر ويلبي ويهلل، وقد بيَّن ذلك ابن مسعودٍ بقوله: (فَمَا
تَرَكَ التَّلْبِيَةَ حَتَّى رَمَى الْجَمْرَةَ إِلَّا أَنْ يَخْلِطَهَا بِتَكْبِيرٍ أَوْ تَهْلِيلِ)). وقال أبو عُمر في
((التمهيدِ)): قال أحمدُ وإسحاق وطائفة من أهل النظّر والأثرَّ: لا يقطعُ التلبية حتَّ
يرمي جمرة العقبة بأسرها. قالوا: وهو ظاهر الحديث أن رسول اللّه وَ ليل لم يزل
يلبي حتى رمى الجمرة، ولم يقلْ أحدٌ من رواة هَذَا الحديث: حتى رمى بعضها.
على أنه قد قال بعضُهُم في حديث عائشةَ: ثم قطعَ التلبية في آخرِ حَصَاة. وفي
((الإشرافٍ)) لابنِ المنذر: وروى بعض أصحابنا ممن يقول بظاهر الأَخْبَار خبر ابن
عباس، ثم قال: قطع التلبية مع آخر حصاة، انتهى كلام ابن التركماني. وقال
الشنقيطي: الأظهرُ أنه يقطع التلبية عند الشروع في رمي العقبة وأن قوله: ((حَتَّى رَمَی
جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ)) يراد به الشروع في رميها لا الانتهاء منه، ومن القرائن الدالة على ذلك
ما ثبت في الروايات الصحيحة من التكبير مع كل حصاةٍ، فظرف الرمي لا يستغرق
غير التكبير مع الحصاة لتتابع رمي الحصيات، وقال بعد ذكر قول ابن خزيمة
المتقدِّم: وعلى تقدير صحة الزيادة المذكورة لا ينبغي العدول عنها.
تنبيه:
ما حكى الحافظُ وابنُ عبد البر وغَيْرِهما من الشراح ونقلة المذاهب كالنووي
والعيني عن الإمام أحمد من قطع التلبية عند انتهاء الرمي والفراغ منه هي رواية عنه
مرجوحة؛ لأن عامة فروعه مصرحة بقطعها مع أول حصاة موافقًا للجمهور، ففي
((نيل المآرب)): تسن التلبية من حين الإحرام إلى أول الرمي أي رمي جمرة العقبة،
انتهى. وقريب منه ما في ((الروض المربع)).
١٢٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال في ((العدة شرح العمدة)): ويقطعها عند أول حصاة يرميها؛ لأنَّهُ قد روي في
بعض ألفاظ حديث ابن عباس: فَلَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ قَطَعَ عِنْدَ أَوَّلِ
حَصَاةٍ. رواه حنبل في ((المناسك))، انتهى.
وفي ((المغني)) و((الشرح الكبير)) تحت قول الخرقي: ويقطع التلبية عند ابْتِدَاء
الرمي، وممن قال: يلبي حتى يرمي الجمرة ابن مسعود وابن عباس وميمونة، وبه
قال عطاء وطاوس وسعيد بن جبير والنخعي والثوري والشافعي وأصحاب الرأي
الرواية الفضل بن عباس: أنَّ النبيَّ وَّهَ لم يزلْ يُلَبِّ حَتَّى رمى جمرةَ العقبةِ، وكان
رَدِيفه يومئذٍ، وهو أعلمُ بحاله من غيره، وفعل النَّبِي وََّ مقدم على ما خالفه.
ويستحبُّ قطع التلبية عند أول حصاة للخبر، وفي بعض ألفاظه: حتَّى رمَى جمرة
العقبةٍ، قطعَ عند أوَّلِ حَصَاةِ، رواه حنبلٌ في ((المناسك)). وهذا بيان يتعين الأخذ
به. وفي رواية من روى: أنَّ النبيَّ وَّر كان يكبر مع كلِّ حصاةٍ. دليل على أنه لم
یکن یلبي، انتھی مختصرًا.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد (ج١ : ص ٢١٤) ورواه هو مرارًا وأبو دَاوُد
والترمذي والنَّسَائِي بألفاظ مختصرًا ومطولًا وارجع إلى ((جامع الأصول)) (ج٤:
ص ٨٨).
٢٦٣١ - [٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: جَمَعَ النَّبِيُّ وَّهِ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ
بِجَمْع، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِإِقَامَةٍ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا، وَلَا عَلَى إِثْرِ كُلِّ وَاحِدَةٍ
مِنْهُمَاً.
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ] {صحيح}
الشرح
٢٦٣١ - قوله: (جَمَعَ النَِّيُّنَلِِّ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِجَمْع) أي: بالمزدلفة في
وقت العشاء. (كُلّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا) بالرفع على الجملة الحَّالية وبالنصب على
وُ
(٢٦٣١) الْبُخَارِي (١٦٧٣) عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم (١٢٨٨/٢٨٧) فِيهِ بِلَفْظٍ: جَمَعَ
بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ بِجَمْعِ لَيْسَ بَيْنَهُمَا سَجْدَةٌ، وَصَلَّى المَغْرِبَ ثَلَاثًا.
كِتَابُ المُنَاسِكِ
بَابُ الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةَ وَالمُزْدَلِفَةِ
١٢٥
البدلية. (بِقَامَةٍ) قال القاري: أي على حدة، وبه قال زفر، واختاره الطحاوي
وغيره من علمائنا. قلتُ: ورجَّحَه ابنُ الهمام وقال الطحاوي بعد اختياره هَذَا
القول: وهو خلاف قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، وذلك أنهم يذهبون في
الجمع بين الصلاتين بمزدلفة إلى أن يجعلوا ذلك بأذان وإقامة واحدة، انتهى. ولم
يذكر فِي حَدِيث ابنِ عُمَر هَذَا الأذان وهو ثابت في حَدِيث جَابِرِ وفي حَدِیث ابنِ
مسعودٍ فلا بد من القولِ به، وقد تقدَّم البسطُ في ذلك في شرحٍ حَدِيث جَابِر
الطويل.
(وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا) أي: لم يتنفل بين صلاة المغرب والعشاء. (وَلَا عَلَى إِثْرِ كُلِّ
وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا) بكسر الهمزة وسكون المثلثة بمعنى أثر بفتحتين أي ولا عقب كل
واحدة منهما، لا عقب الأولى ولا عقب الثانية، وهذا تأكيد بالنظر إلى الأولى
تأسيس بالنظر إلى الثانية فليتأمل قاله السندي.
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وكذا النسائي والْبَيْهَقِي (ج٥: ص ١٢٠) وأخرج مسلم معناه،
ولذا ذكره الحافظ عبد الغني في ((عمدته)) في ما اتفق عليه الشيخان، فالحديث
مُتّفق عَليه .
٢٦٣٢ - [٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مَسْعُودٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَه
صَلَّى صَلَاةً إِلَّ لِمِيقَاتِهَا إِلَّ صَلَاتَيْنِ: صَلَاةَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ، وَصَلَّى
الْفَجْرَ يَوْمَئِذٍ قَبْلَ مِيْقَاتِهِا.
لَّمَّتَفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٦٣٢ - قوله: (مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ بِّهِ صَلَّى صَلَاةً إِلَّا لِمِيقَاتِهَا) أي: في
وقتها، وفي رواية: ما رأيت النَّبِي وَ له صلَّى صلاة لغير ميقاتها. (إِلَّ صَلَاتَيْنِ صَلَاةَ
الْمَغْرِبِ) نصبه على البدلية أو بتقدير أعني أي أعني بهما صلاة المغرب. (وَالْعِشَاءِ
بِجَمْع) قال القاري: أي صلاة المغرب في وقت العشاء أي وصلاة الظهر والعصر
(٢٦٣٢) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١٦٨٢)، ومُسْلِم (١٢٨٩) عن ابن مسعود فيه.
١٢٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بعرفة فإنَّهُ صلَّى العصرَ في وقتِ الظُّهر، ولعلَّهُ روى هَذَا الحديث بمزدلفة، ولذا
اكتفى عن ذكر الظهر والعصر، فلا بدَّ من تقديرهما أو ترك ذكرهما لظهورهما عند
كل أحد، إذا وقع ذلك الجمع في مجمع عظيم في النهار على رؤوس الأشهاد فلا
يحتاجُ إلى ذكره في الاستشهاد بخلاف جمع المزدلفة، فإنَّهُ بالليلِ، فاختصَّ
بمعرفته بعض الأصحابِ، والله تعالى أعلم.
والحاصل: أنَّ في العبارة مسامحة وإلا فلا يصحُّ قوله: ((إِلَّا الصَّلَاتَيْنِ)) المرادُ:
بهما المغرب والعشاء سواء اتصل الاستثناء، كما هو ظاهر الأداة أو انقطع كما بنى
عليه ابن حجر البناء، فإنَّ صلاةَ العشاءِ في ميقاتها المقدر شرعًا إجماعًا، انتهى
كلام القاري.
وقال الولي العراقي: قوله: صَلَاةَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْع، أي: وكذا بعرفات
أيضًا في الظهرين كما عند النسائي - أي: في بابِ الجمع بينَ الظهر والعصر بعرفة
عن ابن مسعود: ما رأيتُ النبيَّ وَّهِ صلَّى صلاةٌ إلَّا لوقْتِها إلا بجمعِ وعرفاتٍ. فلم
يحفظ راوي هذه الرواية ذكر عرفات وحفظه غيره، والحافظ حجّة على الناسي،
انتهى. وحينئذٍ فالمراد بقوله: إِلّا صَلَاتَيْنِ. المغرب بمزدلفة فإنها أخرت والعصر
بعرفة، فإنها قدمت، فهاتان الصلاتان قد وقع فيهما التحويل عن وقتي أدائهما
المعهودين في غير هَذَا اليوم حقيقة ثم استطرد بذكر الفجر لأنه متحولا أيضًا عن
وقته المستحب المعتاد في سائر الأيام وإن كان لم يتحول عن وقته الأصلي. وقال
السندي في حاشية النسائيّ: هَذَا الحديث من مشكلات الأحاديث وقد تكلمت
عليه في حاشية ((صحيح البخَارِي)) في باب من يصلي الفجر بجمع. والصحيح في
معناه: أن مراده ما رأيته ومَ له صلى صلاة لغير وقتها المعتاد لقصد تحويلها عن وقتها
المعتاد وتقريرها في غير وقتها المعتاد لما في ((صحيح البخَارِي)) من روايته رَوَهُ أَنَّ
رسول اللّه وَّه قال: ((إِنَّ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ حُوِّلَتَا عَنْ وَقْتِهِمَا فِي هَذَا الْمَكَانِ)). وهذا
معنى وجيه، ويحمل قوله: قَبْلَ مِيْقَاتِهِا. على هَذَا على الميقاتِ المعتادِ، ويقال:
إنه غلس تغليسًا شديدًا يخالفُ التغليس المعتاد، لا أنه صلَّى قبل أن يطلع الفجر
فقد جاء في حديثه وحديث غيره أنه صلى بعد طلوع الفجر، وعلى هَذَا المعنى لا
يرد شيء سوى الجمع بعرفة، ولعله كان يرى ذلك للسفر، والله أعلم، انتهى.
١٢٧
كِتَابُ المُنَاسِكِ
بَابُ الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ
واستدل الحنفية بحديث ابن مسعود هَذَا على ترك الجمع بين الصلاتين في غير
يوم عرفة وجمع، وأجاب المجوزون بأن من حفظ حجة على من لم يحفظ، وقد
ثبت الجمع بين الصلاتين من حَدِيث ابنِ عُمَر وَابْن عباس وغَيْرهم وتقدم في
موضعه ما فيه كفاية، وأيضًا فالاستدلال به إنما هو من طريق المفهوم وهم لا
يقولون به. وأما من قال به فشرطه أن لا يعارضه منطوق، وأيضًا فالحصر فيه ليس
على ظاهره لإجماعهم على مشروعية الجمع بين الظهر والعصر بعرفة، وكَذَا فِي
((الفَتْح)).
وقال النووي: قد يحتج أصحاب أبي حنيفة بِهَذَا الحَدِيث على منع الجمع بين
الصلاتين في السفر؛ لأن ابن مسعود من ملازمي النَّبِي ◌َّة، وقد أخبر أنه ما رآه
يجمع إلا في هذه الليلة، ومذهب الجمهور جواز الجمع في جميع الأسفار المباحة
التي يجوز فيها القصر. والجواب عن هَذَا الحديث أنه مفهوم وهم لا يقولون به
ونحن نقول بالمفهوم ولكن إذا عارضه منطوق قدمناه على المفهوم، وقد تظاهرت
الأحاديث الصحيحة بجواز الجمع ثم هو متروك الظاهر بالإجماع في صلاتي
الظهر والعصر بعرفات، انتهى.
وقال السندي في ((حاشية البخَارِي)) (ج١: ص ٢٠١): قد استدل به من ينفي
جمع السفر کعلمائنا الحنفية، ورده النووي بأنه مفهوم وهم لا يقولون به ونحن
نقول به إذا لم يعارضه منطوق كما ها هنا، وتعقبه العَيْنِي فقال: لا نسلم أنهم لا
يقولون بالمفهوم وإنما لا يقولون بالمفهوم المخالف، انتهى. قلت - قائله
السندي: وهذا عجيبٌ منهما؛ فإن استدلال الحنفية بصريح النفي الَّذِي هو منطوق
لا بالإثبات الَّذِي يدلَّ عليه الاستثناء بالمفهوم، ولو كان بالإثبات لكان الإثبات من
باب المفهوم المخالف بالاتفاق فلم يكن لقول العَيْنِي وجه، بقي أن الاستدلال به
فرع تصور معناه ومعناه ها هنا لا يخلو عن خفاء، إذ ظاهره يفيدُ أنه صلى الفجر قبل
وقته، وهو مخالف للإجماع وقد جاء خلافه في روايات حديث ابن مسعود أيضًا
وفي حديث جابر. أجيب: بأنَّ الْمَرَاد أنه صلى قبل الوقت المعتاد بأن غلس، ورد
بأن هَذَا يقتضي أنْ يَكُون المعتاد الإسفار وهو خلاف ما يفيده تتبع الأحاديث
الصحاح الواردة في صلاة الفجر، أجيب: بأنَّ الْمَرَاد التغليس الشديد.
١٢٨
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والحاصل: أنه صلى يومئذ أول ما طلع الفجر والمعتاد أنه كان يصلي بعد ذلك
بشيء، فيرد أنها صارت حينئذ لوقتها فكيف يصح عدها لغير وقتها حتى تستثني من
قوله: ما رأيت ... إلخ. أجيب: بأنَّ الْمَرَاد بقوله لغير وقتها المعتاد.
قلتُ: فيلزم من اعتبار العموم فيه أنه وّل ما صلى صلاة في غير الوقت المعتاد
أبدًا لا بتقديم شيء ولا بتأخيره، لا سفرًا ولا حضرًا سوى هاتين الصلاتين بل كان
دائمًا يصلي في وقت واحد، وهذا خلاف ما يعرفه كل أحد بالبديهة وخلاف ما
يفيده تتبع الأحاديث وخلاف ما أول به علماؤنا جمع السفر من الجمع فعلاً، فإنه لا
يكون إلا بتأخير الصلاة الأولى إلى آخر الوقت، فلزم كونها في الوقت الغير
المعتاد، ثم هو مشكل بجمع عرفة أيضًا، وحينئذ فلا بد من القول بخصوص هَذَا
الكلام بذلك السفر مثلاً. ويبقى بعد جمع عرفة فيقال: لعله ما حضر ذلك الجمع
فما رأى، فلا ينافي قَوْلِه: ما رأيت، أو يقال: لعله ما رأى صلاة خارجة عن الوقت
المعتاد غير هاتين الصلاتين فأخبر حسب ما رأى ولا اعتراض عليه ولا حجة
للقائلين بنفي الجمع، والأحسن منه ما يشير إليه كلام البعض. ثم ذكر السندي ما
تقدم من كلامه وتوجيهه في حاشيته على النسائي.
(وَصَلَّى الْفَجْرَ يَوْمَئِذٍ) أي: بمزدلفة. (قَبْلَ مِيقَاتِهَا) أي: قبل وقتها المعتاد فعلها
فيه في الحضر لا أنه أوقعها قبل طلوع الفجر كما يتبادر من ظاهر اللفظ، ووقتها
المعتاد أنه كان ◌َ لّ إذا أتاه المؤذن بطلوع الفجر صلى ركعتي الفجر في بيته ثم خرج
فصلى الصبح، وأما بمزدلفة فكان الناس مجتمعين والفجر نصب أعينهم فبادر
بالصلاة أول ما بزغ حتى إن بعضهم كان لم يتبين له طلوعه.
قال النووي: المراد به قبل وقتها المعتاد لا قبل طلوع الفجر؛ لأن ذلك ليس
بجائز بإجماع المسلمين والغرض أن استحباب الصلاة في أول الوقت في هَذَا اليوم
أشد وآكد، ومعناه أنه ود ليل كان في غير هَذَا اليوم يتأخر عن أول طلوع الفجر إلى أن
يأتيه بلال، وفي هَذَا اليوم لم يتأخر لكثرة المناسك فيه فيحتاج إلى المبالغة في
التبكير ليتسع له الوقت.
قال الحافظ: ولا حجة فيه لمن منع التغليس بصلاة الصبح لأنه ثبت عن عائشة
وغيرها كما تقدم في المواقيت التغليس بها، بل المراد هنا: أنه كان إذا أتاه المؤذن
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةَ وَالمُزْدَلِفَةِ
١٢٩
بطلوع الفجر صلى ركعتي الفجر في بيته ثم خرج فصلى الصبح مع ذلك بغلس،
وأما بمزدلفة فكان الناس مجتمعين والفجر نصب أعينهم فبادر بالصلاة أول ما بزغ
حتى إن بعضهم كان لم يتبين له طلوعه وهو بين في رواية إسرائيل عند البخَارِي
حيث قال: ثُمَّ صلَّى الفجر حين طلع الفجر قائل يقول: طلع الفجر وقائل يقول: لم
يطلع .
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد (ج١: ص ٣٨٤، ٤٢٦) وأبو دَاوُد والنَّسَائِي
والْبَيْهَقِي (ج٥: ص ١٢٤).
٢٦٣٣ - [٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: أَنَا مِمَّنْ قَدِمَ النَّبِيُّ وَ لَيْلَةَ
الْمُزْدَلِفَةِ، فِي ضَعَفَةِ أَهْلِهِ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٦٣٣ - قوله: (أَنَا مِمَّنْ قَدَّمَ النَِّيُّ ◌َّ) أي: قدمه. (لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ) أي: إلى
منى. (فِي ضَعَفَةِ أَهْلِهِ) بفتح الضادِّ المعجمة والعين المهملة جمع ضعيف، أي في
الضعفاء من أهلهِ، وهم النساء والصبيان والخدم والمشائخ العاجزون وأصحاب
الأمراض، وقال ابنُ حزم: الضعفةُ هم الصبيان والنساء فقط. والحديث يردُّ عليه؛
لأنَّهُ أعم من ذلك.
قال العَيْنِي: يدخلُ فيه المشائخ العاجزون؛ لأنَّهُ روي عَنِ ابْن عَبَّاسٍ أنَّ
رسولَ اللّهِ وَ ل قدم ضعفة بني هاشم وصبيانهم بليل، رواه ابن حبان في ((الثقات))
وقوله: ضعفة بني هاشم، أعمُّ من النساء والصبيان والمشائخ العاجزين وأصحاب
الأمراض؛ لأنَّ العلَّةَ خوف الزحام عليهم، انتهى.
قلتُ: ويؤيدُهُ رواية الطحاوي عن عطاء عن ابن عباسٍ قال: قال رسولُ اللهِ وَله.
للعباسِ ليلة المزدلفة: اذهبْ بضعفائنا ونسائنا فليصلوا الصبح بمنى ولير موا جمرة
العقبة قبل أن تصيبهم دفعة الناس قال: فكانَ عطاء يفعله بعد ما كبر وضعف،
(٢٦٣٣) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٦٧٨)، ومُسْلِم (٣٠٤/ ١٢٩٣) فِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
١٣٠
*1
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ولأبي عوانة من طريقٍ أبي الزبيرِ عن ابن عبّاس كانَ رسولُ اللَّه وَّه يقدمُ العيال
والضعفة إلى منى من المزدلفة. والحديثُ: دليل على جوازِ الإفاضة من مزدلفة
إلى منى في الليل قبل طلوع الفجر وقبل الوقوف بالمشعر الحرام للنساء والصبيان
والضعفة من الرجال ولكن لا يجزئ في أول الليل إجماعًا.
قال ابنُ قُدامة: لا بأس بتقديم الضعفة والنساء أي بعد نصف الليلِ، وممن كان
يقدم ضعفة أهله عبد الرحمن بن عوف وعائشة وبه قال عطاء والثوري والشافعي
وأبو ثور وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه مخالفًا، ولأنَّ فيه رفقًا بهم ودفعًا لمشقة
الزحام عنهم واقتداء بفعل نبيهم وَّ، انتهى. واعلم: أن ها هنا مسألتان خلافيتان
اشتبهت إحداهما بالأخرى على شراح الحديث ونقلة المذاهب، إحداهما:
الوقوف بالمزدلفة بعد طلوع الفجر من صبيحة يوم النحر، والثانية: المبيت بها ليلة
النحر وربما أطلقت شراح الحديث وأصحاب الفروع إحداهما على الأخرى، ولا
يخفى ذلك على من طالع ((شرحي البخَارِي)) للحافظ والعيني، و((شرحي مسلم))
للنووي والأبي، و((شرحي الموطأ)) للباجي والزرقاني، و((النيل)) للشوكاني،
و((المغني)) لابن قدامة، و((شرح الهداية)) لابن الهمام، و((البداية)) لابن رشد،
و((شرح المهذب)) للنووي، وغير ذلك من كتب شروح الحديث والفقه والمناسك،
وحاصل مسالك الأئمة الأربعة وأتباعهم: أن المبيت بالمزدلفة إلى ما بعد النصف
الأول واجب عن الشافعي على المعتمد وأحمد وهذا لمن أدركه قبل النصف وإلا
فالحضور ساعة في النصف الأخير كاف، وعند مالِكِ النزول بقدر حط الرحالٍ
واجب في أي وقت من الليل كان.
وعند الحنفية: المبيت سُنة مؤكدة، وهو قول للشافعي وركن عن السبكي وَابْن
المنذر وأبي عبد الرحمن من الشافعية، وأما الوقوفُ بعدَ الفجر فواجب عند
الحنفية وسنة عند الأئمة الثلاثة وفريضة عند ابن الماجشون وَابْن العربي من
المالكية وإن شئت الوقوف على تفاصيل مذاهبهم مع الأدلة فارجع إلى ((الفتح))
للحافظ و((العمدة)) للعيني و((المغني)) و((أضواء البيان)) للشنقيطي.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد مرارًا وأبو دَاوُد والترمذي والنَّسَائِي وَابْن ماجه
والْبَيْهَقِي وغَيْرهم .
١٣١
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةٌ وَالُزْدَلِفَةِ
٢٦٣٤ - [٧] وَعَنْهُ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ وَكَانَ رَدِيفَ النَّبِيِّ نَلِ أَنَّهُ قَالَ فِي
عَشِيَّةٍ عَرَفَةَ وَغَدَاةٍ جَمْعِ لِلنَّاسِ، حِينَ دَفَعُوًّا: ((عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ)) وَهُوَ كَانٌ
نَاقَتَهُ، حَتَّى دَخَلَ مُحَسِّرًّاً، وَهُوَ مِنْ مِنَّى، قَالَ: ((عَلَيْكُمْ بِحَصَى الْخَذْفِ الَّذِي
يُرْمَى بِهِ الجَمْرَةُ))، وَقَالَ: لَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ يُلَبِّ، حَتَّى رَمَى الْجَمْرَةَ.
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشرح
٢٦٣٤ - قوله: (وَعَنْهُ) أي: عن ابنِ عباسٍ، أي: عبد الله، فإنه المرادُ به عند
الإطلاقِ. (عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسِ) أي: أخيه شقيقه. (وَكَانَ) أي: الفضل. (رَدِيفَ
النَّبِيِّ) وفي بعض النسخ: رديفَ رسول الله. كما في مسلم أي من المزدلفة إلى
منى والجملة معترضة. (أَنَّهُ) أي: النَّبِيِِّ. (قَالَ فِي عَشِيَّةِ عَرَفَةَ) أي: بناء على ما
سمعه وهو غير رديفِهِ. (وَغَدَاةِ جَمْع) أي: مِن مُزدلفة، يعني: حال كونه رَدِيفًا له.
(حِينَ دَفَعُوا) أي: انصرفوا من عرَّفَة والمزدلفة. (عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ) مقول القول،
وهذا إرشاد إلى الأدب والسنة في السير من عرفة ومن مزدلفة ويلحق به سائر
مواضع الزحام.
(وَهُوَ) أي: النَّبِي ◌َثَ. (كَافٌّ نَاقَتَهُ) بتشديد الفاء أي كان يكفها ويمنعها من
الإسراع حين الزحام. (حَتَّى دَخَلَ مُحَسِّرًا) بتشديد السين المكسورة أي يحرك دابته
فيه. (وَهُوَ) أي: المحسر. (مِنْ مِنَّى) فيه: أن وادي محسر من منى، وقيل: هو من
المزدلفة، والتَحْقِيق: أنه كالبرزخ بين المزدلفة ومنى، ومعنى قوله: (هُوَ مِنْ مِنَّى)
أي: موضع قريب من منى في آخر المزدلفة. (عَلَيْكُمْ بِحَصَى الْخَذْفِ) بخاء
معجمة مفتوحة ثم ذال معجمة ساكنة بوزن الضَّرْب تقول: خذفت الحصاة
ونحوها خذفًا من باب ضرب، رميتها بطرفي الإبهام والسبابة. والمراد الحصى
الصغار نحو الباقلا، وقد تقدَّم بيان ذلك في شرح حَدِيث جَابِر الطويل. (الَّذِي
يُرْمَى بِهِ الْجَمْرَةُ) بالرفع على أنه نائب الفاعل، والمعنى: يلزمكم أن ترفعوا حصى
(٢٦٣٤) مُسْلِم (٢٦٨ / ١٢٨٢) فِيهِ مِنْ حَدِيثِ الفَضْلِ.
١٣١
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*** cese
لترموا بها الجمرة، ثم اختلفوا في أنه يرفعها من الطريق، وهو ظاهر الحديث،
وجاء في بعض الروايات رفعها من المزدلفة، وهذا منقول عن ابن عمر وسعيد بن
جبير، والمختار: أنه يجوزُ أن يرفع من أي مكان شاء إلا الجمرات التي رمى بها،
ويجوز بها أيضًا، لكن الأفضل أن لا يرمى بها، ثم اختلفوا في أن ترفع سبع
حصيات لرمي يوم النحر فقط. ونصَّ الشافعيُّ على استحباب ذلك، أو سبعين
حصاة، سبعة ليوم النحر وثلاثًا وستين لما بعده من الأيام وظاهر إفراد الجمرة ينظر
إلى القول الأول، والله أعلم. وارجع لمزيد التفصيل إلى ((المغنى)) (ج٣: ص
٤٢٤) .
(وَقَالَ) أي: الفضل. (حَتَّى رَمَى الْجَمْرَةَ) أي: جمرة العقبة يوم النحر وعند ذلك
قطع التلبية. والحَدِيث يَدُلِّ عَلَى أنه مستحب لمن بلغ وادي محسر إن كان راكبًا
يحرك دابته، وإن كان ماشيًا أسرع في مشيه.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ). وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد (ج١ : ص ٢١٠) والنَّسَائِي والْبَيْهَقِي (ج٥ :
ص ١٢٧).
٢٦٣٥ - [٨] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَفَاضَ النَّبِيُّ بَّهِ مِنْ جَمْعِ، وَعَلَيْهِ
السَّكِينَةُ، وَأَمَرَهُمْ بِالسَّكِينَةِ، وَأَوْضَعَ فِي وَادِي مُحَسِّرٍ، وَأَمَرَهُمْ أَنَ يَرْمُوا
بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ، وَقَالَ: ((لَعَلِّي لَا أَرَاكُمْ بَعْدَ عَامِيَ هَذَا)).
[ لمْ أَجِدْ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الصَّحِيحَيْنِ إِلَّ فِي جَامِعِ الَّْمِذِيُّ مَعَ تَقْدِيْمِ وَتَأْخِرٍ]
الشرح
٢٦٣٥ - قوله: (مِنْ جَمْع) أي: من المزدلفة. (وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ) جملة حالية.
(وَأَمَرَهُمْ) أي: الناس. (وَأَوْضَّعَ) أي: أسرعَ السيرَ بإبله، يقال: وضع البعير يضع
وضعًا وأوضعه راكبه إيضاعًا، إذا حمله على سرعة السير. (فِي وَادِي مُحَسِّرٍ) أي:
قدر رمية حجر.
(٢٦٣٥) أَبُو دَاوُد (١٩٤٤) بِاخْتِصَارٍ، وَالنَّسَائِيُّ (٢٥٨/٥)، وَابن مَاجَهْ (٣٠٢٣) فِيهِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ،
وَمَعْنَاهُ عِنْدَ مُسْلِم .
١٣٣
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةَ وَالُزْدَلِفَةِ
قال الشوكاني: حَدِيث جَابِرِ هَذَا يدلُّ على أنه يشرع الإسراع في وادي محسر.
قال الأزرقي: وهو خمس مائة ذراع وخمسة وأربعون ذراعًا، وإنما شرع
الإسراع فيه؛ لأن العرب كانوا يقفون فيه ويذكرون مفاخر آبائهم فاستحب الشارع
مخالفتهم، وقيل في حكمة الإسراع غير ذلك كما سبق.
(بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ) تقدم ضبطه وتفسيره. (لَعَلِّي لَا أَرَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا) لعل
ها هنا للإشفاق، وفيه: تحريضٌ على أخذِ المناسكِ منه وحفظها وتبلغيها عنه، قال
المظهرُ: لعلَّ للترجي وقد تستعملُ بمعنى الظن وعسى، كذا في ((المرقاة))، وفي
رواية مسلم: ((لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ). قال
الزرقاني: لعلي، أي: أَظنَّ، ويحتمل أن لعل للتَحْقِيق كما يقع في كلام الله تعالى
كثيرًا. وقال النووي: فيه إشارة إلى توديعهم وإعلامهم بقُرب وفاته وَّ، وحثهم
على الاعتناء بالأخذ عنه وانتهاز الفرصة من ملازمته وتعلم أمور الدين، وبهذا
سُميت حجة الوداع .
(لَمْ أَجِدْ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الصَّحِيحَيْنِ) أي: في أحاديثهما حتى يشمل ((جامع
الأصول)) للجزري، و((الجمع بين الصحيحين)) للحميدي فافهم، وهذا اعتراض
على صاحب ((المصابيح)) في إيراده في الصحاح، أي: الفصل الأول. (إِلَّا فِي
جَامِعِ الْتَّرْمِذِيُّ) استثناء منقطع أي لكن وجدته فيه. (مَعَ تَقْدِيْم وَتَأْخِيْرٍ) هَذَا أيضًا
متضمن لاعتراض آخر. قلت: قال الترمذي: حدثنا محمودً بن غيلان نا وكيع
وبشر بن السري وأبو نعيم قالوا: نا سفيان بن عُيينةٍ عن أبي الزبير عن جابرٍ : أنَّ
النبيَّ وَّرَ أَوضع في وادي محسر، وزادَ فيه بشر: وَأَفَاضَ مِنْ جَمْع وَعَلَيْهِ السّكِينَةُ
وَأَمَرَهُمْ بِالسَّكِينَةِ. وزادَ فيه أبو نعيمٍ: وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَرْمُوا بِمِثْلِ حَصَىِّ الْخَذْفِ وَقَالَ:
(لَعَلِّي لَا أَرَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا)).
قال الترمذي: حديثُ جابرٍ حديث حسن صحيح. ورواه ابن ماجَه والْبَيْهَقِي
(ج٥: ص ١٢٥) من طريق الثوري عن أبي الزبير عن جابر بنحو رواية الترمذي،
وأخرجه أحمد وأبو دَاوُد والنَّسَائِي بلفظ: أفاضَ رسولُ اللهِ وَّهِ وعليهِ السكينةُ،
وَأَمرهم أنْ يرموا بمثلِ حَصَى الخَذْفِ وأَوْضَعَ في وَادِي مُحَسِّر. وأخرج أحمد
أيضًا، ومسلم، وأبو دَاوُد في رواية أبي الحسن بن العبد وأبي بكر بن داسة،
١٣٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
ees
والنسائي، والْبَيْهَقِي (ج٥ : ص ١٣٠) كلَّهم من طريق ابن جريج عن أبي الزبير عن
جابرٍ قالَ: رأيتُ النبيَّ وَّهِ يرمي الجمرةَ على راحلتهِ يومَ النحرِ، ويقولُ: ((لِتَأْخُذُوا
مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلَّى لاَ أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ)). وقد ذكره المصنف في باب
رمي الجمار.
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةَ وَالُزْدَلِفَةِ
١٣٥
الفصل الثاني
٢٦٣٦ - [٩] عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ
فَقَالَ: ((إِنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَدْفَّعُونَ مِنْ عَرَفَةَ حِينَ تَكُونُ الشَّمْسُ،
وَسَـ
كَأَنَّهَا عَمَائِمُ الْرِّجَالِ فِي وُجُوهِهِمْ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ، وُمِنَ الْمُزْدَلِفَةِ بَعْدَ أَنْ تَطْلُعَ
الشَّمْسُ حِينَ تَكُونُ كَأَنَّهَا عَمَائِمُ الْرِّجَالِ فِي وُجُوهِهِمْ، وَإِنَّا لَا نَدْفَعُ مِنْ عَرَفَةَ
حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَنَدْفَعُ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الْشَمْسُ، هَدْيُنَا
مُخَالِفٌ لِهَدِي عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَالْشِّرْكِ)).
[رواه البيهقي]
الشرح
٢٦٣٦ - قوله: (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ) بفتحِ الميم وسكون الخاء
المعجمة وفتح الراء، ابن المطلب بن عبد مناف بن قصي القرشي المطلبي المكي.
قال الحافظُ في ((التقريبٍ)): يقال له رُؤية، وقد وثَّقْه أبُو دَاوُد وغيره، وقال في
تهذيب ((التهذيب)): روى عن النَّبِي ◌َّةٍ مرسلًا وعن أبي هريرة وعائشة وعن أمه عن
عائشة، روى عنه ابنه حكيم وعبد الله بن كثير بن المطلب ومحمد بن عجلان
ومحمد بن إسحاق وَابْن جريج وغَيْرهم. قال أبو داود: ثقة، وذكره ابنُ حبان في
((الثقات))، وذكر العسكري: أنه أدرك النَّبِي وَّ وهو صغير. وقال في ((الإصابةٍ)) في
ترجمته: ذكرَهُ العسكري وقال: لَحِقَ النبيّ ◌ََّ، وذكره ابن أبي داود والباوردي في
الصحابة، وجزم البغوي وابنُ مَنْدَهْ وغَيْرهما بأن حديثه مرسل يعني فهو من
التابعين، وروى أيضًا عن أبيه وعمر، وروى أيضًا عن أمه وعن عائشة، انتهى.
وذكره المصنف في التابعين، فالحديث مرسل.
(إنَ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ) أي: غير قريش. (كَانُوا يَدْفَعُونَ) أي: يرجعون. (فِي
وُجُوهِهِمْ) الجار متعلَّق بتكون وجملة التشبيه معترضة. (قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ) بضمِّ الراءِ،
(٢٦٣٦) بَيَّضَ لَهُ فِي ((المِشْكَاةِ) وَقَدْ أَخْرَجَهُ البَيْهَقِي (١٢٥/٥) فِيهِ مِنْ حَدِيثِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةً
بِنَحْوِهِ .
١٣٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ظرف ليدفعون أو بدل من حين، نقل الطيبي عن القاضي شبه ما يقعُ من ضوء
الشمس على الوجه طرفي النهار حين ما دنت الشمس من الأفق بالعمامة؛ لأنَّهُ
يلمع في وجهه لمعان بياض العمامة، انتهى. وقيل: المرادُ كأنَّ الشمس حين غاب
نصفها عمامة على رأس الجبل؛ لأنَّ شكل العمامة شكل نصف الكرة، فإن قلت:
قوله: ((فِي وُجُوهِهِمْ)) يدلّ على ما ذكره الطيبي، قلتُ: نعم، إن كان متعلِّقًا بقوله:
(تكون الشمس))، وليس بمتعين بل يحتمل أن يتعلق بعمائم الرجال ظرفًا مستقرًا.
كذا في ((اللمعات)).
وقال القاري: قال بعضُ الشراح قوله: ((حِينَ تَكُونُ الشَّمْسُ كَأَنَّهَا عَمَائِمُ الرِّجَالِ
فِي وُجُوهِهِمْ)) أي: حين تكون الشمس في وجوههم كأنها عمائم الرجال، وذلك
بأن يقع في الجهة التي تحاذي وجوههم، وإنما لم يقل: على رؤوسهم؛ لأنَّ في
مواجهة الشمس وقت الغروب إنما يقع ضوؤها على ما يقابلها ولم يتعد إلى ما فوقه
من الرأسٍ لانحطاطها، وكذا وقت الطلوع، وإنما شبهها بعمائم الرجال؛ لأنَّ
الإنسانَ إذا كان بين الشعاب والأودية لم يصبه من شعاع الشمس إلا الشيء اليسير
الَّذِي يلمعُ في جبينه لمعان بياض العمامة والظل يستر بقية وجهه وبدنه، فالناظر
إليه يجد ضوء الشمس في وجهه مثل كور العمامة فوق الجبين، والإضافة في
عمائم، لمزيد التوضيح كما قاله الطيبي أو للاحتراز عن نساء الأعراب، فإنَّ على
رؤوسهن ما يشبه العمائم كما قاله ابن حجر، انتهى كلام القاري.
(وَمِنَ الْمُزْدَلِفَةِ) أي: يرجعون. (وَإِنَّا لَا نَدْفَعُ مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ)
فيكره النفرُ قبلَ ذلكِ عِنْد بعضِهم، والأكثرون على أن الجمع بين الليل والنهار
واجب. (وَنَدْفَعُ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ) أي: عند الإسفار فيُكره المكث
بها إلى طلوعِ الشمسِ اتفاقًا. (هَدْينًا) أي: سيرتنا وطريقتنا. (وَالشِّرْك) أي: أهله،
والجملة استينافية فيها معنى التعليل وفي ((المصابيح)): ((لِهَدْي أَهْلِ الأَوْثَانِ
وَالشِّرْكِ)).
(رَوَاهُ) كذا في الأصلِ بياض هنا، وفي نسخة صحيحة كتب في الهامش: رواه
البيهقي، أي: في ((شعب الإيمان))، ذكره الجزري، ولفظ البيهقي: خطبنا، وساقه
بنحوه، كذا في ((المرقاةٍ))، قلتُ: روى البيهقي في ((السنن)) (ج٥: ص ١٢٥) من
١٣٧
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةٌ وَالمُزْدَلِفَةِ
طريق عبد الوارث بن سعيد عن ابن جُرِيج عن محمد بن قيسٍ بن مخرمة عن
المسور بن مخرمة قال: خطبنا رسول اللَّه ◌ِالثّ بعرفة فحمد الله وأثنى عليه، ثم
قال: ((أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ أَهْلَ الشِّرْكِ وَالأَوْثَانِ ... )) الحديث. قال البيهقي: ورواه عبد الله
ابن إدريس عن ابن جريج عن محمد بن قيس بن مخرمة: أن رسول اللّه ◌ِ اله خطبَ
يوم عرفة، فقال: هَذَا يوم الحج الأكبر، ثُمَّ ذكر ما بعده بمعناه مرسلًا، انتهى.
والحديثُ أوردَهُ الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (ج٣: ص ٢٥٥) من رواية
المسور بن مخرمة ثم قال: رواه الطِّبَرَاني في ((الكبير))، ورجاله رِجَال الصَّحِيح.
وقال الحافظ في ((تخريج الهداية)) (ص١٩٤): بعد ذكره عن المسور بن مخرمة :
أخرجه الحاكم وصححه والْبَيْهَقِي من طريقه ثم من طريق ابن جريج عن محمد بن
قيس بن مخرمة عنه، وهو عند الشافعي ثم عند البيهقي من هَذَا الوجه ليس فيه
المسور، وذكره صاحب ((المهذب)) أبو إسحاق الشيرازي عن المسور، وخطَّأه ابنُ
دقيق العيد فقال: إنما هو محمد بن قيس بن مخرمة كذا قال، وكأنه لم يقف على
الرواية الموصولة عند الحاكم والْبَيْهَقِي، وروى ابنُ أبي شيبة عن ابن أبي زائدة عن
ابن جريج أخبرت عن محمد بن قيس بن مخرمة نحوه، وهذا يقتضي انقطاع
طريقي الحاكم انتهى كَلَام الحَافِظ وهو ملخص ما ذكره الزيلعي في ((نصب الراية))
(ج ٣: ص ٦٧). وحديث المسور بن مخرمة لم أجده في ((المستدرك)) في مظانه،
وأما حديث محمد بن قيس بن مخرمة فرواه الشافعي في (الأم)) (ج٢: ص ١٨٠)
عن مسلم بن خالد عن ابن جريج عن محمد بن قيس بن مخرمة بلفظ: أن النَّبِي وَلّ
قال: ((كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَدْفَعُونَ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ، وَمِنَ الْمُزْدَلِفَةِ بَعْدَ
أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ويَقُولُون: أَشْرَقَ ثَبِيرُ كَيْمَا نُغِيرُ)). فأخَّر اللهُ تعالى هذه وقدم
هذه، يعني: قدم المزدلفة قبل أن تطلع الشمس وأخر عرفة إلى أن تغيب الشمس،
انتهى. وذكره الشيخ عبد الرحمن الساعاتي في ((بدائع المنن)) (ج ٢: ص ٥٧، ٥٨)
بلفظ ((المشكاة)).
١٣٨
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٦٣٧ - [١٠] وعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَدَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ إِ لَيْلَةَ
الْمُزْدَلِفَةِ أُغَيْلِمَةَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِّبِ عَلَّى حُمُرَاتٍ، فَجَعَلَ يَلْطَحُ أَفْخَاذَنَا،
وَيَقُولُ: ((أُبَيْنِيَّ لَا تَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاودَ وَالْنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَه] {صحيح}
الشرح
٢٦٣٧ - قوله: (قَدَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَلّ) أي: أمرنا بالتقدم إلى منى أو أرسلنا
قدامه. (أُغَيْلِمَةُ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) أي: صِبيانهم، وفيه تغليب الصبيان على
النسوان، وهو بدل من الضمير في ((قدمنا))، وقال القاري: نصبه على الاختصاص
أو على إضمار أعني أو عطف بيان من ضمير قدمنا.
قال الخطابي: أغيملة تصغير غلمة، وكان القياس غليمة لكنهم ردوه إلى أفعلة
فقالوا: أغيملة، أي: كأنهم صغروا أغلمة وإن لم يقولوه، كما قالوا: أصيبية في
تصغير الصبية. وقال القاري: هو تصغير شاذ؛ لأن قياس غلمة - بكسر الغين -
غليمة، وقيل: هو تصغير أغلمة جمع غلام قياسًا وإن لم يستعمل، والمستعمل
غلمة في القلة والغلمان في الكسرة. وقال الجزري في ((جامع الأصولِ)): أغيلمة
تصغير أغلمة قياسًا ولم تجيء، كما أن أصيبية تصغير أصبيةَ ولم تستعمل، إنما
المستعمل صبية وغلمة. وقال في ((النهايةٍ)): تصغيرُ أغلمة بسكون الغين وكسر
اللام جمع غلام وهو جائز في القياس ولم يرد في جمع الغلام أغلمة، وإنما ورد
غِلمة بكسر الغين المعجمة .
(عَلَى حُمُرَاتٍ) بضمتين جمع حمر جمع تصحيح وحمر جمع حمار وهي حال
من المفعول، أي: راكبين على حمرات، وهذا يدلّ على أن الحجَّ على الحمار غير
مكروه في السفر القريب. (فَجَعَلَ) أي: فشرع الشَِّي ◌َ. (يَلْطَحُ) بفتح الياء التحتية
والطاء المهملة بعدها حاء مهملة أي: يضرب. (أَفْخَاذَنَا) جمعَ فخذ، قال
الجزري: اللطحُ: هو الضرب الخفيف أي اللين ببطن الكف أي يضرب بيده
(٢٦٣٧) أَبُو دَاوُد (١٩٤٠)، وَالنَّسَائِيِ (٢٧٠/٥، ٢٧٢)، وَابن مَاجَهْ (٣٠٢٥) فِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
١٣٩
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الدَّفْعِ مِنْ عَرَقَةَ وَالْمَزْدَلِكَهِ
أفخاذنا ضربًا خفيفًا. وإنما فعل ذلك ملاطفة لهم. (أَبَيْنِيَّ) بضمِّ الهمزِ وفتح الباء
الموحدة وسكون ياء التصغير بعدها نون مكسورة ثم ياء مشددة مفتوحة. قال
السندي: قيل: هو تصغير أبنى كأعمى وأعيمى وهو اسم مفرد يدل على الجمع أو
جمع ابن مقصورًا كما جاء ممدودًا، بقي أن القياس حينئذٍ عند الإضافة إلى ياء
المتكلم أبيناي فكأنه رد الألف إلى الواو على خلاف القياس، ثم قلب الواو ياء
وأدغم الياء في الياء وكسر ما قبله، ويحتمل أنْ يَكُون مقصور الآخر لا مشدده
فالأمر أظهر، والله تعالى أعلم.
وقال الجزري في ((النهاية)): قد اختلفَ في صيغته ومعناه فقيل: إنه تصغير أبنى
كأعمى وأعيمى، وهو اسم مفرد يدل على الجمع، وقيل: إن ابنا يجمع على أبني
وأبناء مقصورًا وممدودًا، وقيل: هو تصغير ابن، وفيه نظر. وقال أبو عُبيدة: هو
تصغير بني جمع ابن مضافًا إلى النفس، أي: ياء المتكلِّم فهذا يوجب أنْ يَكُون
اللفظ في الحديث بنيي بوزن سريجي، انتهى. وقال القاري: هو تصغير ابن
مضاف إلى النفس أو بعد جمعه جمع السلامة إلا أنه خلاف القياس؛ لأنَّ همزته
همزة وصل، والقاعدة: أن التصغير يرد الشيء إلى أصله مثل الجمع، ومنه قوله
تعالى: ﴿اَلْمَالُ وَالْبَنُونَ﴾: فأصل ابن بنو فهو من الأسماء المحذوفة العجز،
فالظاهر: أن يقالَ: بني، إلا أنه كان يلتبس بالمفرد فزيد فيه الهمزة، انتهى. قال:
والمراد يا أبنائي أو يا بني.
(لَا تَرْمُوا الْجَمْرَةَ) أي: جمرة العقبة يوم النحر. (حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ) هَذَا يدل
على أن وقت رمي جمرة العقبة يوم النحر من بعد طلوع الشمس وإن كان الرامي
ممن أبيح له التقدم إلى منى وأذن له في عدم المبيت بمزدلفة. قال الشوكاني:
والأدلة تدلَّ على أن وقت الرمي من بعد طلوع الشمس لمن كان لا رخصة له، ومن
كان له رخصة كالنساء وغيرهن من الضعفة جاز قبل ذلك ولكنه لا يجزئ في أول
ليلة النحر إجماعًا، انتهى.
اعلم: أن العُلَمَاء اختلفوا في الوقت الَّذِي يجوز فيه رمي جمرة العقبة من
الضعفة وغَيْرهم مع إجماعهم على أن من رماها بعد طلوع الشمس أجزأه ذلك،
فذهب الشافعي وأحمد وعطاء وأسماء بنت أبي بكر وعكرمة وخالد وطاوس