النص المفهرس
صفحات 81-100
٨٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٥١، ٥٤) وأبو دَاوُد والنَّسَائِي والترمذي والْبَيْهَقِي وغَيْرهم.
G تنبيه:
ذكر بعض شراح البخَارِي عن بعض العُلَمَاء جواز تقبيل قبره وَ لَه ومنبره وقبور
الصالحين لأجل التبرك بذلك قياسًا على تقبيل الحجر الأسود، ولا يوافقهم على
هَذَا أحد ممن يتبع السنة، بل ما ورد فيه نص صحيح صريح عن الشارع قبلناه
وعملنا بمقتضاه وما لا فلا، نعمَ وردَ أنَّ بعضَ الصحابةِ قبل يد النَّبِي ◌َّ وبعضهم
قبل جبهته، وقبل بعض التابعين يد بعض الصحابة، وعَلى هَذَا فيجوزُ تقبيل يد
الصالحين ومن ترجى بركتهم.
قال النووي: تقبيلُ ید الرجل لزهده وصلاحه أو علمه أو شرفه أو صيانته أو نحو
ذلك من الأمور الدينية لا يكره بل يستحب، فإن كان لغناه أو شوكته أو جاهه عند
أهل الدنيا فمكروه شديد الكراهة، وقال أبو سعيد المتولي: لا يجوز، انتهى.
وأما تقبيلُ قبرِهِ وَّه ومنبرِهِ وقبورِ الصالحِينَ، فلم يَرِدِ أنَّ أحدًا من الصَّحَابَة أو
التابعين فعل ذلك، بل قد ورد النهي عنه. فقد رَوَى أبُو دَاوُد بسندٍ حسنٍ من حديثٍ
أبي هريرةٍ قال: قال رسولُ اللهِ وَ له: ((لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَلَا تَجْعَلُوا قَبْرِي
عِيدًا وَصَلَّوا عَلِيَّ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ)).
وقد تقدَّم هَذَا الحديث في بابِ الصَّلَاةِ عَلى النَّبِي ◌َّ مع بيان معناه وله شواهد
من أوجه مختلفة. واتفق الأئمة على أنه لا يتمسح بقبرِ النَّبِي وَِّ ولا يقبله. وهذا
كله محافظة على التوحيد. فإن من أصول الشرك بالله اتخاذ القبور مساجد كما
قالتْ طائفةٌ من السلفِ في قولِهِ تعالى: ﴿وَقَالُوْلَا نَذَرُنَّ ءَالِهَتَكُ وَلَا نَذَرُنَّ وَدَّا وَلَا سُوَاعًا وَلَ
﴾ [نوح: ٢٣] قالوا: هؤلاء كانوا قومًا صالحين في قوم نوح، فلمَّا
يَغُونَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا
ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا على صورهم تماثيل، ثم طال عليهم الأمد
فعبدوها .
وروى أحمد عن عائشة رضي﴿يا أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة
فيها تَصَاوير، فقالَ رسولُ اللهِ وَله: ((إِنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ
بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ رَّتِ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ)). وما جر المصائب على عوام الناس وغرس في أذانهم أن الصالحين من
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ دخول مَكْةٌ وَالطَّوَاف
٨١
أصحاب القبورِ ينفعونَ ويضرونَ حتَّى صاروا يشركونهم مع اللهِ في الدعاءِ،
ويطلبونَ مِنْهُم قَضَاء الحوائجِ ودفع المصائبِ إلّا تساهل معظم المتأخرينَ من
العلماءِ، وذكر هذه البدع في كُتُبهم وَلَا أَدْري ما الَّذِي ألجأهم إلى ذلك وأحاديث
رسول اللّهُ وََّ تحذر منه؟ أكان هؤلاء أعلم بسُنَّةِ رسولِ اللهِ وَ ثّل من عُمر بنِ
الخطابِ رَو ◌َّة حيث أمر بقطع الشجرة التي بويع تحتها النَّبِي وَّ فقطعها؛ لأنَّ
الناسَ كَانُوا يَذْهَبُون فيصلون تَحتها تبرُّكًا، وما أمر عُمر رَو ◌َتَهُ بقطعها إلا خوفًا من
الافتتان بها، وثبتَ عنه رََِّهُ أنه رأى الناس في سفرٍ يتبَادَرُون إلى مكان فسألَ عِن
ذَلِك فَقَالُوا: قد صلَّى فِيهِ النَّبِيِوََّ، فقال عمرُ: من عرضت له الصلاة فليصل وإلَّا
فليمض، فإنما هَلَك أهلُ الكتابِ؛ لأَنَّهم تتبعوا آثار أنبيائهم فاتخذوها كنائس
وبيعًا. وكره الإمام مالك تتبع الأماكنَ الَّتِي صلَّى فِيها النَّبِي ◌ََّ في طريقِهِ من
المدينةِ إلى مكّة سَنة حجة الوداع والصلاة فيها تبرُّكًا بأثرهِ الشريفِ إلّا في مسجدٍ
قباء؛ لأنَّه ◌ِلَه كان يأتيه راكبًا وماشيًا، وبنى مالك مذهبه على سدِّ الذرائع فرأى أنَّ
التساهلَ في هَذَا وإن كان جائزًا يجر إلى مفسدة بعد تقادم العهد، فالاحتياط سدُّ
هَذَا الباب وعدم التساهل فيه، فإنَّ الرَّاعي حولَ الحِمى يُوشك أنْ يقعَ فيهِ.
وحاصلُ الكلام: أن لا نفعل ولا نقول ولا نعتقد إلا ما دلَّت عليه السنة الثابتة،
ونحترزُ من التساهَلِ في ذلك مما يجرُّ إلى ارتكابِ البدعِ وفسادِ العقيدةِ والعملِ .
٢٦١٤ - [٣٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَِفَتَهُ أَنَّ النَّبِيَّ وَّرِ قَالَ: ((وُكَّلَ بِهِ
سَبْعُونَ مَلَكًا - يَعْنِي: الْرُكْنَ الْيَمَانِي - فَمَنْ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ
وَالْعَافِيَّةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، اللَّهُمَّ أَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الأَخِرَةِ حَسَنَةً
وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، قَالُوا: آمِينَ)).
[رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ] {ضعيف}
الشرح
٢٦١٤ - قوله: (يَعْنِي) أي: يريد بمرجع الضمير. (الْرُكْنَ الْيَمَانِي) فهو
تفسير لضمير به، والقائل بعض الرواة دون أبي هريرة بطريق الاعتراض بين
(٢٦١٤) ابن مَاجَهْ (٢٩٥٧) فيه.
٨٢
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الكلامين، وليس هَذَا التفسير في ابن ماجه. وقال السندي: قوله: (وُكِّلَ بِهِ) أي:
بالتأمين لمن دعا عنده، قيل: والظاهر أنه إذا كان فضل الركن اليماني إلى هذه
المرتبة كان فضل الركن الأسود أكثر وأعلى من ذلك، إلا أنْ يَكُون هذه الخاصية
مخصوصة به، ويكون للحجر الأسود فضائل وخواص أخر أوفر وأعظم، والله
أعلم.
(اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَقْوَ) أي: عِن الذُّنُوب. (وَالْعَافِيَةَ) أي: عن العيوب. (فِي
الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) ويمكن أنْ يَكُون لفًّا ونشرًا مشوشًا. (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ... )
إلخ. قال القاري: لا تنافي بينه وبين ما سبق من قوله بين الركنين؛ لأنَّه إذا وصل
إلى الركن اليماني وشرع في هَذَا الدعاء وهو مار فلا شك أنه يقع بينهما إذ لا يجوز
الوقوف للدعاء في الطواف كما يفعله جهلة العوام، انتهى. (قَالُوا: آمِينَ) أي:
ودعاء الملائكة يرجى استجابته منه.
(رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) بسند ضعيف كما ستعرف.
واعلم: أن هَذَا الحديث والحديث الَّذِي يليه أي: قوله: ((مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ
سَبْعًا ... )) إلخ. هما في الأصل حديث واحد رواه ابن ماجه بإسناد واحد جعله
المؤلف حديثين وفرقهما، وهكذا فعل المجد في ((المنتقى)).
قال ابن ماجه في باب فضل الطواف: حدثنا هشام بن عمار ثنا إسماعيل بن عياش
ثنا حميد بن أبي سوية قال: سمعتُ ابنَ هشام يسأل عطاء بن أبي رباح عن الركن
اليماني وهو يطوف بالبيت فقال عطاء: حدَّثني أبو هريرة: أنَّ النَّبِي ◌َّ قال: ((وُكِلَ
بِهِ سَبْعُونَ مَلَكَّا فَمَنْ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ ... )) إلخ. فلما بلغَ الركِنُ
الأسود قال: يا أبا محمد ما بلغك في هَذَا الركن الأسود؟ فقال عطاء: حدَّثَنِي أَبُو
هُرَيْرة أَنَّهُ سمعَ رسولُ اللهِ وَلَه يقول: ((مَنْ فَاوَضَهُ)) أي: قابله بوجهه، قاله السندي.
وقال الطَّبَري: أي: لابس وخالط، من مفاوضة الشريكين، فإنما يفاوض
يد الرحمن. قال له ابن هشام: يا أبا محمد فالطواف؟ قال عطاء: حدثني أبو هريرة
أنه سَمِع الشَِّ نَِّّهِ يقول: ((مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا وَلَا يَتَكَلَّمُ إِلَّا .. )) الحديث.
قال الْمُنْذِرِي في ((الترغيب)) بعد ذكر هَذَا الحديث: رواه ابن ماجه عن إسماعيل
ابن عياش حدثني حميد بن أبي سوية وحسَّنه بَعْضُ مَشَائِخنا، انتهى. ولم يتكلم
٨٣
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ دخُولِ مَكّْة وَالطَّواف
البوصيري في ((الزوائد)) على إسناده. قال السندي: وذكر الدميري ما يدلُّ عَلَى أَنَّه
حَدِيث غير محفوظٍ ، انتهى. وذكره الحافظ في ((التلخيص)) وقال: إسناده ضعيف.
قلتُ: هشام بن عمار من رجال الستة، قال الحافظُ عنه: صَدُوق مقرئ، كبر فصار
یتلقن فحدیثہ القدیم أصحُ.
وأما إسماعيل بن عياش الشامي الحمصي فهو صَدُوق فِي رِوَايَتِه عن أهل بلده،
أي: الشاميين مخلط في غيرهم، وهذا الحديث من غير أهل بلده، وهو حميد بن
أبي سوية ويقال: ابن أبي سويد المكي. قال الحافظ في ((التقريب)): إنَّه مجهول،
وقال في ((تهذيب التهذيب)): ذكره ابنُ عدي وقال: حدث عنه ابن عياش بأحاديث
عن عطاء غير محفوظات، منها حديث فضل الدعاء عند الركن اليماني.
قال الحافظ: أخْرَج ابْنُ مَاجَه في الحج في فضل الطواف وغيره عن هشام بن
عمار عن إسماعيل فقال: فِي رِوَايَتِه حميد بن أبي سوية، وأخرجه ابنُ عدي فقال:
فِي رِوَايَتِه حميد بن أبي سويد مصغرًا بدال بدل الهاء في آخره، وصوبه المصنف
وترجمه ابن عدي فقال: حميد بن أبي سويد مولى بني علقمة، وقيل: حميد بن أبي
حميد حدَّث عَنْه إسماعيلُ بنُ عياشٍ مُنكر الحديثِ، وقد ظَهَر بهذا كلِّهِ أنَّ الحديثَ
ضعيفٌ من وَجْهَين: لكونِهِ من روايةِ ابنِ عيَّاشٍ عن غيرِ أهلِ بلدِهِ، ولجهالةِ حُميد
ابن أبي سوية المكي. وفي فضل الدعاء عند استلام الركن اليماني عن ابن عباس،
قال: قال رسول اللَّه وَّل: ((مَا مَرَرْتَ بِالرُّكْنِ الْيَمَانِي إِلَّا وَعِنْدَهُ مَلَكْ يُنَادِي يَقُولُ:
آمِينَ، آمِينَ، فَإِذَا مَرَرْتُمْ بِهِ فَقُولُوا: اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الأَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا
عَذَابَ النَّارِ)). أخرجه أبو ذرٍّ. قال الطَّبَري: ولا تضاد بَيْن الحَدِيثَيْن يعني: حديث
ابن عباس وحديث أبي هريرة، فإنَّ السبعين موكلون به لم يكلفوا قول آمين دائمًا
وإنما عند سماع الدعاء، والملك كلف أن يقول آمين دائمًا سواء سمع الدعاء أم لِم
يسمعه، وعن علي بن أبي طالبٍ: أنه كان إذا مر بالركن اليماني قال: بسم الله الله
أكبر، السلام على رسول اللّه ◌َله ورحمة الله وبركاته، اللهم إني أعوذ بك من
الكفر والفقر والذل ومواقف الخزي في الدنيا والآخرة، ربنا آتنا في الدنيا حسنة
وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. وجاءَ ذلك عن النبيِّ وَّل مرسلًا لابن المسيب
بإسنادٍ ضعيف أخرجهما الأزرقي.
٨٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٦١٥ - [٣١] وَعَنْهُ، أِنَّ النَّبِيَّ نَِّ قَالَ: (مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا وَلَا
يَتَكَلَّمُ إِلَّا بِ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّه، وَلَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ
وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، مُحِيَتْ عَنْهُ عَشْرُ سَيَِّاتٍ، وَكُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَرُفِعَ لَهُ
عَشْرُ دَرَجَاتٍ، وَمَنْ طَافَ فَتَكَلَّمَ، وَهُوَ فِ تِلْكَ الْحَالِ خَاضَ فِي الرَّحْمَةِ
بِرِجْلَيْهِ كَخَائِضِ الْمَاءِ بِرِجْلَيْهِ)).
[ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه]
الشرح
٢٦١٥ - قوله: (مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا) أي: سبع مرات من الأشواط. (وَلَا
يَتَكَلَّمُ إِلَا بِسُبْحَانَ اللَّه) هو واجب النصب فمحله مجرور. (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ) مرفوع
على الحكاية. (وَلَا حَوْلَ) عن معصيته. (وَلَا قُوَّةَ) على طاعته. (مُحِيَتْ) بتاء
التأنيث في جميع النسخ وهكذا وقع في ابن ماجه.
(عَشْرُ سَيِّئَاتٍ) أي: بكُلِّ خطوة أو بكل كلمة أو بالمجموع. (وَكُتِبَ) بالتذكير
في جميع النسخ وكذا في ((المنتقى)) أي: أثبت. وفي ابن ماجه ((كتبت)) بالتأنيث،
وهكذا وقع في ((الترغيب)) للمنذري. (وَرُفِعَ لَهُ) بالتذكير في جميع النسخ وكذا في
ابن ماجه.
(وَمَنْ طَافَ فَتَكَلَّمَ) أي: بتلك الكلمات. (وَهُوَ فِي تِلْكَ الْحَالِ) أي: في حالةٍ
الطواف، وإنما كرر ((مَنْ طَافَ)) ليناط به غير ما نيط به أولًا، وليبرز المعقول في
صورة المشاهد المحسوس، قاله الطيبي.
وقال الشيخُ الدهلوي في ((اللمعات)) بعد ذكر كلام الطيبي: ويمكن أنْ يَكُون
معناه تكلّم بكلام الناس دون ما ذكرٍ من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير مقابلًا
لقوله: ((وَلَا يَتَكَلَّمُ إِلَّ بِ: سُبْحَانَ اللَّهِ)) أي: لا يتكلم إلا بذكر اللَّه فيكون مقابله أن
يتكلّم بغير ذكر الله، ومع ذلك يكون له ثواب لكنه يكون كالخائض في الرحمة
برجليه وأسفل بدنه لكونه عاملًا وعابدًا به ولا يبلغ الرحمة إلى أعلاه لكونه متكلمًا
(٢٦١٥) ابن مَاجَهْ (٢٩٥٦) فيه عنه.
٨٥
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ دخولٍ مَكَّةٌ وَالطَّوَاف
بغير ذكر الله، وإذا لم يتكلم إلا بذكر اللَّه يستغرق في بحر الرحمة من قدمه إلى
رأسه ومن أسفله إلى أعلاه، هكذا يختلج في القلب معنى الحديث، انتهى.
وهكذا حمل السندي وَابْن حجر الهيتمي قوله: ((وَمَنْ طَافَ فَتَكَلَّمَ)) على الكلام
المباح .
فقال ابن حجر: أي: مَنْ تكلّم بغيرِ ذلك الذكر من الكلام المباح، فيه الإشارة
بأن الثواب الحاصل دون الأول بواسطة تكلمه في طوافه بغير الذكر؛ لأنَّ ذلك
مناف لكمال الأدب وإيقاع العبادة بغير وجهها، انتهى.
قال القاري: والأولُ - أي كلام الطيبي - أظهرَ؛ لأنَّهُ قد تقدَّم نهيه - عليه الصلاة
والسلام - عن الكلام المباحِ بقوله: ((فلا يتكلمن إلا بخير)) فيكون مكروهًا إِلَی آخِرِ
مَا قَالَ ثم قال: وأقولُ - والله تعالى أعلم - إن الظاهر المتبادر في معناه أن يقال:
ومن طاف فتكلّم أي: بغير هذه الكلمات كسائر الأذكار فيفيدُ التقييد حينئذٍ زيادة
مثوبات هذه الكلمات فإنهن الباقيات الصالحات، انتهى.
(رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) قد تقدَّم أن حديثَ أبي هريرة هَذَا وحديثه الأول المذكور هنا
ساقهما ابن ماجه بإسناد واحد، وكان الأولى للمؤلف أن يقول بعد ذكرهما:
رواهما ابنُ ماجه. وفي ذكر اللَّه في الطواف وفضل الطواف أحاديث ذكرها
الشوكاني في ((النيل)) والطبري في ((القُرى)) والقاري في ((المرقاةٍ)) وغَيْرهم في كتب
المناسك، فمن شاءً الوقوف رجع إليها .
*
٨٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
these
٤ - بَابُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةٌ
(بَابُ الْوُقُوفِ) أي: الحضور. (بِعَرَفَةَ) أي: ولو ساعة في وقتِ الوقوف. قال
الطيبي: هي اسم لبقعة معروفة، انتهى. فالجمعُ في قَوْلِه تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم
مِّنْ عَرَفَتٍ﴾ [البقرة: ١٩٨] باعتبار أجزائها وأماكنها وتعدد محال الوقوف فيها،
وتقدَّم وجه تسميتها بها، وارجع لمعرفة حدها والمسافة بينها وبين مكة إلى ((شفاء
الغرام)) وغيره من الكتب المؤلفة في تاريخ مكّة.
الفصل الأول
٢٦١٦ - [١] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ الثَّقَفِيِّ: أَنَّهُ سَأَلَ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ،
وَهُمَا غَادِيَانِ مِنْ مِنَّى إِلَى عَرَفَةَ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ فِي هَذَا الْيَوْمِ مَعَ
رَسُولِ اللّهِ وَ لِ؟ فَقَالَ: كَانَ يُهِلُّ مِنَّا الْمُهِلَّ، فَلَ يُنْكَرُ عَلَيْهِ، وَيُكَبِّرُ الْمُكَبِّرُ
مِنَّا، فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٦١٦ - قوله: (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ الثَّقَفِيّ) نسبة إلى ثقيف، بالمثلثة
والقاف، قبيلة بالطائف. وهو محمد بن أبي بكر بن عوف بن رباح الثقفي
الحجازي ثقة تابعي. قال الحافظُ في ((تهذيب التهذيب)): روى عن أنس في التهليل
والتكبير في الغدو من منى إلى عرفات، وعنه موسى بن عقبة ومالك وشعبة
وغَيْرهم. قال النسائي: ثقة، وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، انتهى مختصرًا.
(٢٦١٦) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١٦٥٩)، ومُسْلِم (٢٧٤ / ١٢٨٥) عَنْ أَنَسٍ فِيهِ، والنَّسَائِي (٢٥٠/٥)،
وابن مَاجَهْ (٣٠٠٨).
٨٧
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةً
وقال في شرح البخاريٌّ: ليسَ لمحمدٍ المذكور في الصحيحِ عن أنسٍ ولا غيره
غير هَذَا الحديثَ الواحد، وقد وافق أنسًا على رِوَايته عبد الله بن عمر أخرجه
مسلمٌ. (وَهُمَا غَادِيَانٍ) جملة اسمية حالية، ((وَغَادِيَانٍ)) بالغين المعجمة اسم فاعل
من غدا يغدو غدوًّا، أي ذاهبان غدوة. (كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ) أي: من الذكر في
الطريق. (فِي هَذَا الْيَوْمِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ﴾ ولمسلمٍ من طريق موسى بن عقبة عن
محمد بن أبي بكرٍ : قَلَتُ لأنسٍ غداة عرفة: ما تقولُ في التلبيةِ في هَذَا اليومِ؟
(فَقَالَ) أي: أنس. (كَانَ يُهِلُّ) أي: يلبي. (مِنَّا الْمُهِلُّ) أي: الملبي أو الحرم.
(فَلَ يُنْكَرُ عَلَيْهِ، وَيُكَبِّرُ الْمُكَبِّرُ مِنَّا، فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ) قال العَيْنِي: قوله: ((لَا يُنْكِرُ)) على
صيغة المعلوم في الموضعين والضمير المرفوع فيه للنبي وَّل، انتهى. وضبطه
الحافظ في ((الفتح)) بضم أوله على البناء للمجهول، أي: لا ينكرُ عليه أحد فيقيد
التقرير منه رَّير والإجماع السكوتي من الصَّحَابَة
قال الحافظُ: في رواية موسى بن عقبة: فمنا المكبرُ ومنا المهللُ، ولا یعیبُ
أحدنا على صاحبه. وفي حديث ابنُ عمر من طريق عبد الله بن أبي سلمة عن
عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه: غَدَوْنا مع رسولِ اللَّهِوَ لَه من منى إلى عرفات
منا الملبي ومنا المكبر، وفي رواية له قال - يعني: عبد الله بن أبي سلمة -: فقلتُ
له - يعني لعبيد الله -: عجبًا لكمْ كيف لم تقولوا له: ماذا رأيتَ رسولَ اللهِ وَّه
يصنعُ؟ قال الحافظُ: وأراد عبد الله بن أبي سلمةَ بذلك الوقوف على الأفضلِ؛ لأن
الحديث يدلُّ على التخيير بين التكبير والتلبية من تقريره لهم وَّ على ذلك، فأرادَ
أن يعرفَ ما كان يصنعُ هو ليعرف الأفضل من الأمرين، وقد بيَّنه ما رواه أحمدُ وابنُ
أبي شيبة والطحاوي من طريق مجاهد عن أبي معمر عن عبد الله - أي: ابن
مسعود: خرجتُ معَ رسولِ اللهِ وَلّه فما ترك التلبية حتى رمى جمرة العقبة إلَّ أن
يخلطها بتكبيرٍ. قال النووي: في الحديث دليل على استحباب التلبية والتكبير في
الذهاب من منى إلى عرفات يوم عرفة والتلبية أفضل. وفيه ردٌّ على مَن قال بقطع
التلبية بعد صبح يوم عرفة. وقال الطيبي: هَذَا رخصةٌ ولا حرج في التكبير، بل
يجوز كسائر الأذكار، ولكن ليس التكبير في يوم عرفة من سنة الحجاج، بل السنة
لهم التلبية إلى رميٍ جمرة العقبة يوم النحر، وحكى الْمُنْذِرِي أن بعضَ العُلَمَاء أخذ
بظاهره، لكنه لا يدلّ على فضل التكبير على التلبية، بل على جوازه فقط؛ لأنَّ غاية
٨٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
ما فيه تقريره مَّ على التكبير، وذلك لا يدلُّ على استحبابه، فقد قام الدليلُ الصريحُ
على أنَّ التلبية حينئذٍ أفضل لمدوامته ◌ََّ عليها. وقال العَيْنِي: التكبيرُ المذكور نوع
من الذكر أدخله الملبي في خلال التلبية من غير ترك التلبية؛ لأنَّ المروي عن
الشارع أنه لم يقطع التلبية حتى رمى جمرة العقبة.
وقال الخطابي: السنة المشهورة فيه أنْ لا يقطع التلبية حتى يرمي أو حصاة من
جمرة العقبة يوم النحر، وعليها العمل. وأما قول أنس هَذَا فقد يحتملُ أنْ يَكُون
تكبير المكبر منهم شيئًا من الذكر يدخلونه في خلال التلبية الثابتة في السنة من غير
ترك التلبية، انتهى.
قلتُ: حديث عبد الله بن مسعود المذكور سابقًا نص فيما قاله العَيْنِي
والخطابي. وقد ترجمَ البخَارِي لحديث أنسٍ في العيدين: باب التكبير أيام منى
وإذا غدا إلى عرفة، قال الحافظُ: قوله: ((وَيَّكَبِّرُ الْمُكَبِّرُ مِنَّ، فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ)) هَذَا
موضعُ الترجمة وهو متعلَّق بقوله فيها: ((وَإِذَا غَدَا إِلَى عَرَفَةَ)) وظاهره أنَّ أنسًا احتجَّ
به على جواز التكبير في موضع التلبية، ويحتملُ أنْ يَكُون من كبّر، أضافَ التكبير
إلى التلبية، انتهى.
قلتُ: بل هَذَا هو المتعين لما سيأتي، ثم ترجم البخَارِي لحديث أنس أيضًا في
الحجّ: باب التلبية والتكبير إذا غدا من منى إلى عرفة، قال الحافظ: أي:
مشروعيتهما، وغرضه بهذه الترجمة الرد على مَن قال: يقطعُ المحرمُ التلبيةَ إذا راح
إلى عرفة، ثم عقد بعد أربعة عشر بابًا: باب التلبية والتكبير غداة النحر حتى يرمي.
قال الحافظ: المعتمدُ أنه أشار إلى ما ورد في بعض طرقه كما جرت به عادته، فعند
أحمد (ج١: ص ٤١٧) وَابْن أبي شيبة والطحاوي من طريق مجاهد عن أبي معمر
عن عبد الله: خرجتُ مع رسولِ اللَّه ◌َله فما ترك التلبية حتى رمى جمرة العقبة إلا
أن يخلطها بتكبير .
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخَارِي في العيدين وفي الحج، ومُسْلِم فِي الحج،
وأخرجه أيضًا مالك وأحمد والنَّسائي وابن ماجه والدارمي والبيهقي (ج٥: ص
١١٧).
٨٩
كِتَابَ المَنَاسِكِ
بَابُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةٌ
٢٦١٧ - [٢] وَعَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ لَ قَالَ: ((نَحَرْتُ هَاهُنَا،
وَمِنَّى كُلُّهَا مَنْحَرٌ، فَانْحَرُوا فِي رِّحَالِكُمْ، وَوَقَفْتُ هَاهُنَا، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ،
وَوَقَفْتُ هَاهُنَا، وَجَمْعٌ كُلَّهَا مَوْقِفٌ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشرح
٢٦١٧ - قوله: (نَحَرْتُ هَاهُنَا) إشارة إلى مكان مخصوص في منی نحر فيه،
وكذا في عرفات وجمع، والجمع علم للمزدلفة، والظاهر: أنه قال كلا من هذه
الكلمات في مكانه وجمعها الراوي كذا في ((اللمعات)). وقال ابنُ حجرٍ: «نَحَرْتُ
هَاهُنَا)) أي: في محل نحره المشهور، وقد بني عليه بناءان كل منهما يسمى مسجد
النحر، أحدهما على الطريق والآخر منحرف عنها. وقيل: وهو الأقرب من
الوصف الَّذِي ذكروه بمحلِّ نحره عليه الصلاة والسلام.
(وَمِنَّى) مبتدأ. (كُلُّهَا) أي: كل مواضعها، تأكيد. (مَنْحَرٌ) أي: محلُّ نحر، وهو
خبر المبتدأ، والمقصود أن النحر لا يختص بمنحره عليه الصلاة والسلام وهو
قريب من مسجد الخيف. قال الشوكاني: قوله: ((مِنَّى كُلَّهَا مَنْحَرٌ)) يعني: كل بقعةٍ
منها يصحُّ النحر فيها، وهو مُتَفَق عَلَيه، لكن الأفضل النحر في المكان الَّذِي نحر
فيه النَّبِي ◌َّةَ، كذا قال الشافعي، ومنحر النَّبِي ◌َّ هو عند الجمرة الأولى التي تلي
مسجد منى، كذا قال ابنُ التين. وحد منى مِن وادي محسر إلى العقبة.
(فَانْحَرُوا فِي رِحَالِكُمْ) المرادُ بالرحال المنازل قال أهلُ اللغة: رحلَ الرجل
منزله سواء كان من حجر أو مدر أو شعر أو وبر، ومعنى الحديث: كلَّ منى موضع
نحر وذبح للهدايا المتعلقة بالحج فلا تتكلفوا النحر في موضع نحري، بل يجوز
لكِم النحر في منازلِكُم من منى. (وَوَقَفْتُ هَاهُنَا) أي: قرب الصخرات. (وَعَرَفَةُ
كُلَّهَا مَوْقِفٌ) أي: يصحُّ الوقوف فيها إلا بطن عرنة، وقد أجمعَ العلماءُ على أنَّ مَن
وقف في أي جزء كان من عرفات صحَّ وقوفه. ولها أربعة حدود: حدٌّ إلى جادة
طريق المشرق، والثاني: إلى مسافات الجبل الَّذِي وراء أرضها، والثالث: إلى
(٢٦١٧) مُسْلِم (١٤٩ /١٢١٨) فِیهِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ .
٩٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
e
*E
البساتين التي تلي قرنيها على يسار مستقبل الكعبة. والرابع: وادي عرنة وليست
هي ولا نمرة من عرفات ولا من الحرم. (وَوَقَفْتُ هَاهُنَا) أي: عندَ المشعر الحرام
بمزدلفة، وهو البناء الموجود بها الآن، قاله القاري. (وَجَمْعٌ) أي: المزدلفة.
(كُلُّهَا مَوْقِفٌ) أي: إلا وادي محسر.
قال النووي: في هذه الألفاظ بيان رفق النَّبِي ◌َّر بأمته وشفقته عليهم في تنبيههم
على مصالح دينهم ودنياهم فإنه رَّ ذكر لهم الأكمل والجائز، فالأكملُ موضع
نحره ووقوفه، والجائز كل جزء من أجزاء المنحر، وجزء من أجزاءٍ عرفات، وجزء
من أجزاء المزدلفة، وهي جمع - بفتح الجيم وإسكان الميم - وقد سبق بيانها.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجَهُ أيضًا أحمدُ وأبو دَاوُد والْبَيْهَقِي (ج٥: ص ١١٥).
٢٦١٨ - [٣] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ سِّ قَالَ: «مَا مِنْ يَوْم
أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمٍ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِيَّ
بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءٍ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيحٍ}
الشرح
٢٦١٨ - قوله: (مَا مِنْ يَوْم) من زائدة. (أَكْثَرَ) بالنصبِ، وقيل: بالرفع.
(مِنْ) زائدة أيضًا. (أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا) زاد في رواية النسائي: ((أَوْ أَمَّةً)) قال
السندي في حاشية النسائي: قوله: ((أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ)) أي: أكثر من جهة الإعتاق
وبملاحظته، فليست هذه من تفضيلية وإنما التفضيلية من التي في قَوْلِه: ((مِنْ يَوْمِ
عَرَفَةَ)). (مِنَ النَّارِ) متعلِّق بيعتق. (مِنْ يَوْمٍ عَرَفَةَ) أي: بعرفات.
قال الطيبي: ما بمعنى ليس، واسمه: يوم، ومِن زائدة، انتهى. قال القاري:
فتقديرُهُ: ما من يوم أكثر إعتاقًا فيه اللَّه عبدًا من النار من يوم عرفة، انتهى. وقال
السندي في حاشية ابن ماجه: ((أَكْثَرَ)) جاء بالنصبِ على أنه خبر ما العاملة على لغة
أهل الحجاز، وبالرفع على إبطال عمل ما على وجهين ((أَنْ يُعْتِقَ)) فاعل اسم
التفضيل، ويحتمل على تقدير الرفع أن يجعل ((أَنْ يُعْتِقَ)) مبتدأ خبره ((أَكْثَرَ)) والجملة
(٢٦١٨) مُسْلِم (١٣٤٨/٤٣٦) فِیهِ عَنْ عَائِشَةً
٩١
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةً
خبر ((مَا)) وتجويز فتحة ((أَكْثَرَ)) على أنه صفة يوم محمول على لفظه إلا أنه جر
بالفتحة لكونه غير منصرف، وتجويز رفعه على أنه صفة له حمل له على محله أو
على أنه خبر لما بعده والجملة صفة، فذاك يحوج إلى تقدير خبر مثل موجود بلا
حاجة إليه انتهى .
وقال الأبي: ((ما)) نافية وتدخلُ على المبتدأ والخبر، وللعرب فيها مذهبان:
فالحجازيون والتهاميون والنجديون يرفعون بها المبتدأ الاسم وينصبون الخبر،
والتميميون يرفعون بها الاسمين. قال النووي: روينا الحديث بنصب أكثر على أن
ما حجازية، وبرفعه على أنها تميمية ومن زائدة، والتقدير: ما يوم أكثر.
والمجروران بعده مبنيان، فمن يوم عرفة، مبين للأكثرية مما هي، و((مِنْ أَنْ يُعْتِقَ))
مبين للمبين. قال: والحديث ظاهر الدلالة في فضل يوم عرفة وهو كذلك. ولو
قال رجل: امرأتي طالق في أفضل الأيام. فلأصحابنا وجهان: أحدهما: تطلقُ يومَ
الجمعة؛ لقوله وَله: ((خَيْرُ يَوْم طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ)). والثاني: وهو
الأصحُّ أنها تطلقُ يوم عرفة لهذاً الحديثِ، ويتأول حديث يوم الجمعة على أن معناه
أنه أفضل أيام الأسبوع. قيل: الحديث يدلَّ على فضل يوم عرفة لا على أنه أفضل
لما ثبت من أن المفضول قد يختص بخاصية ليست في الأفضل ولا يكون بسبب
تلك الخاصية أفضل، فأكثرية العتق فيه لا تدلُّ على أنه أفضل. وأيضًا: فإنما دلَّ
على أنه لا يكون العتق في غيره أكثر، وذلك لا يدلُّ على نفي المساواة إلا أن يضاف
إلى ذلك ما يقع فيه من المباهاة، سلمنا أن أكثرية العتق تدل على أنه أفضل، لكن
أفضل من الأيام التي يقع فيها العتق، لا أنه أفضل الأيام مطلقًا، فتأمل.
(وَإِنَّهُ) أي: ◌َ. (لَيَدْنُو) قال المازري: أي تدنو رحمته وكرامته لا دنو مسافة
ومماسة، وقال القاضي: وقد يريد دنو الملائكة إلى الأرض أو إلى السماء بما ينزلُ
معهم من الرحمة عن أمره وَالَ. وقال التُّورِبَشْتِي: أي: يدنو منهم في موقفهم
بفضله ورحمته، وفي تخصيص لفظ الدنو تنبيه على كمال القرب؛ لأن الدنو من
أخص أوصاف القرب. (ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمْ) أي: بالحجاج. (الْمَلَائِكَةَ) قال بعضُهم:
أي يظهرُ على الملائكة فضل الحجاج وشرفهم. وقال التُّورِبَشْتِي: المباهاة هو
المفاخرة وهي موضوعة للمخلوقين فيما يترفعون به على أكفائهم، وتعالى الله
الملك الحق عن التعزُّز بما اخترعه ثم تعبده، وإنما هو من باب المجاز، أي:
٩٢
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
يحلهم من قربه وكرامته بين أولئك الملأ محل الشيء المباهى به. ويحتملُ أنْ
يكونَ ذلك فِي الحَقِيقَة راجعًا إلى أهل عرفة، أي: ينزلهم من الكرامةِ منه منزلة
يقتضي المباهاة بينهم وبين الملائكة، وإنما أضافَ العمل إلى نفسه تَحْقِيقا لكون
ذلك عن موهبته، والله أعلم، انتهى.
قلتُ: الحديثُ محمولٌ على ظاهره من غير تأويل وتكييف كما هو مذهب
السلف الصالح في النزول والعلو وغَيْرِهما من الصِّفَات من إمرارها على ظاهرها
وتفويض الكيفية إلى علمه تُعَلَ، فالدنو والمباهاة معناهما معلوم، والكيفية
مجهولة، فنقول: إنه تعالى يدنو من عباده عشية عرفة بعرفات ويباهي بهم الملائكة
كيف يشاء. فيقول: ما أراد هؤلاء؟ قال القاري: أي: أي شيء أرادَ هؤلاء حيث
تركوا أهلهم وأوطانهم وصرفوا أموالهم وأتعبوا أبدانهم، أي: ما أرادوا إلا
المغفرة والرضاء والقرب واللقاء، ومن جاء هَذَا الباب لا يخشى الرد، أو التقدير:
ما أراد هؤلاء فهو حاصل لهم ودرجاتهم على قدر مراداتهم ونياتهم. أو أي شيء
أراد هؤلاء؟ أي: شيئًا سهلًا يسيرًا عندنا إذ مغفرة كف من التراب لا يتعاظمٍ عند رب
الأرباب، انتهى. قال الأبي: لما كانَ الاستفهامُ على اللهِ تعالى محالًا تأوَّلُوه
بذلك، ويحتملُ أنه استنطاق. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجَهُ أيضًا النسائي وَابْن ماجه
والْحَاكِم (ج١: ص ٤٦٤) والْبَيْهَقِي (ج٥: ص ١١٨).
كِتَابَ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْوُقَوفِ بِعَرَفَةَ
٩٣
الفصل الثاني
٢٦١٩ - [٤] عَنْ عَمْرِو بْنِ عبد الله بْنِ صَفْوَانَ، عَنْ خَالٍ لَهُ - يُقَالُ
لَّهُ: يَزِيدُ بْنُ شَيْبَانَ -، قَالَ: كُنَّا فِي مَوْقِفٍ لَنَا بِعَرَفَةَ، يُبَاعِدُهُ عَمْرُوٌ مِنْ مَوْقِفِ
الْإِمَامَ جِدًّا، فَأَتَانَا ابْنُ مِرْبَعِ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: إِنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ وَ
إِلَيْكُمَّ، يَقُولُ لَكُمْ: ((قِفُوا عَلَى مَشَاعِرِكُمْ، فَإِنَّكُمْ عَلَى إِرْثٍ مِنْ إِرْثِ أَبِيكُمْ
إِبْرَاهِيمَ
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالْنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ] {صحيح}
الشرح
٢٦١٩ - قوله: (عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَفْوَانَ) هو عمرو بن عبد الله بن
صفوان بن أمية بن خلف الجمحي المكي صَدُوق شريف من التابعين، روى عن
يزيد بن شيبان، وعبد الله بن السائب المخزومي وغَيْرهما. وروى عنه عمرو بن
دينار وغيره. قال الزبير عن بعض أصحابه: توالى خمسة في الشرف فذكر جماعة،
عمرو فيهم، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال ابنُ سعد: كان قليل الحديث.
وقال الزبير: كان له رقيق يتجرون، فكان ذلك يعينه على مكارمه.
(يَزِيدُ بْنُ شَيْبَانَ) الأزدي، ويقال: الديلي، صحابي، له عند الأربعة هَذَا
الحديث الواحد. قال أبو حاتم: هو خال عمرو بن عبد الله بن صفوان المذكور.
وقال البخاري: له رؤية.
(قَالَ) أي: يزيد. (كُنَّا فِي مَوْقِفٍ لَنَا) أي: لآبائنا وأسلافنا كانوا يقفون في
الجاهلية. (يُبَاعِدُهُ عَمْرُو) أي: يباعد ذلك المكان عمرو بن عبد الله. (مِنْ مَوْقِفٍ
الِإِمَام) يعني: يجعله بعيدًا في وصفه إياه بالبعد، والتباعد والمباعدة، بمعنى
التبعيد، وبه ورد التنزيل: ﴿رَبَّنَا بَعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ [سبأ: ١٩] وهذا قول الراوي عن
(٢٦١٩) أَبُو دَاوُد (١٩١٩)، والتِّرْمِذِي (٨٨٣)، وابنُ مَاجَه (٣٠١١)، والنَّسَائِي (٢٥٥/٥) فِيهِ مِنْ
رِوَايَةٍ يَزِيدَ ابْنِ شَيْبَانَ، قَالَ: أَتَانَا بْنُ مَرْبَعِ الأَنْصَارِيُّ بِهِ.
٩٤
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
عمرو بن عبد الله - وهو عمرو بن دينار - يعني: قال عمرو: كانَ بين ذلك الموقف
وبين موقف إمام الحاج مسافة بعيدة. (جدًّا) نصب على المصدر، أي: جَدَّ في
التبعيد جدًّا. وقال القاري: أي: يجد جدًّا في التبعيد، أي: بعدًا كثيرًا، فهو مُتَّصِل
بقولِهِ: ((يُبَاعِدُهُ)) متأخر عن متعلِّقه، فإما على كونه مصدرًا، أي: يبعده تبعيدًا جدًّا،
أي: كثيرًا أو على الحالية.
(فَأَتَانَا ابْنُ مِرْبَع) بكسر الميم وسكون الراء المهملة بعدها موحدة مفتوحة
مخففة، كذا ضبطه الحافظ في ((التقريب)) والطبري في ((القرى)) والمصنف في
((الإكمال)) والمُنْذِري في ((مختصر السنن))، ووقع في ((الإصابة)) و((الاستيعاب))
و((أسد الغابة)) و((التجريد)): ابن مريع، أي: بالياء التحتية، والظاهرُ: أنه خطأ من
الناسخ، وهو زيد بن مربع بن قَيْظي - بفتح القاف وسكون التحتانية بعدها ظاء
مشالة الأنصاري الأوسي من بني حارثة. وقيل: اسمه يزيد، وقيل: عبد الله،
والأول أكثر. قال الحافظُ: صحابي، أكثر ما يجيء مبهمًا، أي: غير مسمّى عداده
في أهل الحجاز، له هَذَا الحديث الواحد.
(يَقُولُ لَكُمْ) أي: رسول اللّه ◌َ. (قِفُوا) بكسر القاف أمر من وقف يقف. (عَلَى
مَشَاعِرِكُمْ) جمع مُشعر، والمراد منها ها هنا مواضع النسك والعبادة من قولك:
شعرت بالشيء، أي: علمته، ومنه: ليت شعري، أي: ليتني أعلمُ هلْ يكونُ كذا
وكذا، ويسمي كل موضع من مواضع النسك مشعرًا؛ لأنَّهُ معلم لعبادة الله. وفي
رواية: (كُونُوا عَلَى مَشَاعِرِكُمْ)) أي: اثبتوا في مواضع نسككم ومواقفكم القديمة.
(فَإِنَّكُمْ عَلَى إِرْثٍ مِنْ إِرْثِ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ عَلَّا) علة للأمر بالاستقرار والتثبت على
الوقوف في مواقفهم القديمة، علّل ذلك بأن موقفهم موقف إبراهيم ورثوه منه ولم
يخطئوا في الوقوف فيه عن سُنته، فإنَّ عرفةً كلها موقف، والواقف بأي جزء منها
آت بسنته، متبع لطريقته، وإن بعد موقفه عن موقف النَّبِي وَّ قاله الطيبي.
وقال السندي: إرساله ◌َّة الرسول بذلك لتطيب قلوبهم لئلا يتحزنوا ببعدهمٍ عن
موقف رسول اللَّه وَ ل ◌َه ويروا ذلك نقصًا في الحجِّ، أو يظنوا أن ذلك المكان الَّذِي
هم فيه ليس بموقف، ويحتملُ أنَّ المراد بيان أن هَذَا خير مما كان عليه قريش من
الوقوف بمزدلفة، وأنه شيء اخترعوه من أنفسهم، والذي أورثه إبراهيم هو
٩٥
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْوقوفِ بعرفة
الوقوف بعرفة، وقال التُّورِبَشْتِي: أعلم النَّبِي ◌َثّل من وقف بها أنهم لم يخطئوا سنة
خليل الله وأنهم على منهاجه، وأن من بعد موقفه عن موقف النَّبِي بَّ كمن دنا،
وذلك منه لمعنيين: أحدهما: تسفيه رأي من رأى في الخروج عن الحرم حرجًا
للوقفة، والثاني: إعلامهم بأن عرفة كلها موقف لئلا يتنازعوا في مواقفهم ولا
يتوهموا أن الموقف ما اختاره بَ يّ فلا يرون الفضل في غيره فينتهي بهم ذلك إلى
التشاجر وإلى تصور الحق باطلًا، ولهذا قال: وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وقال: حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث ابن عيينة عن عمرو
ابن دينار، وَابْن مربع اسمه يزيد، وإنما يعرف له هَذَا الحديث الواحد. (وَأَبُو
دَاوُدَ) وسكتَ عنه، ونقل الْمُنْذِرِي تحسين الترمذي وأقره. (وَالنَّسَائِيُّ وابْنُ مَاجَهْ)
وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد (ج٤: ص ١٣٧) وَابْن أبي شيبة والْبَيْهَقِي (ج٥: ص ١١٥)
والْحَاكِم (ج١: ص ٤٦٢) وصحَّحه ووافقه الذهبي.
٢٦٢٠ - [٥] وَعَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَ قَالَ: ((كُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ،
وَكُلُّ مِنَّى مَنْحَرٌ، وَكُلُّ الْمُزْدَلِفَّةِ مَوْقِقٌ، وَكُلُّ فِجَاجٍ مَكَّةَ طَرِيقٌ وَمَنْحَرٌ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاودَ وَالْدَارِمِيُّ ]
الشرح
٢٦٢٠ - قوله: (كُلَّ عَرَفَةَ) أي: جميع أجزائها ومواضعها. (مَوْقِفٌ) أي:
موضع وقوف للحج، زاد في رواية مالك وَابْن ماجه: ((وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ)).
(وَكُلَّ مِنَّى مَنْحَرٌ) أي: موضع نحر وذبح للهدايا المتعلقة بالحج. (وَكُلَّ مُزْدَلِفَةَ)
قال في ((اللمعات)): المزدلفة أيضًا علم موضع مخصوص كعرفة ومنى، لكن أدخل
عليها الألف واللام؛ لأن العلم المشتق يجوز فيه إدخال اللام وتركها كما في
الحارث والحسن مثلًا. (مَوْقِفٌ) فيه دليل على أن جميع المزدلفة موقف، كما أن
عرفات كلها موقف وزاد في رواية مالك وَابْن ماجه ((وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ مُحَسٍِّ)).
(وكُلُّ فِجَاجٍ مَكّْةَ) بكسر الفاء جمع فج وهو الطريق الواسع. (طَرِيقٌ وَمَنْحَرٌ) أَّ:
(٢٦٢٠) أَبُو دَاوُد (١٩٣٧) فِيهِ عَنْ جَابِرٍ .
٩٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
يجوزُ دخول مكة من جميع طرقها، وإن كان الأفضل الدخول إليها من الثنية
العليا، أي: ثنية كداء التي دخل منها النَّبِي ◌َّ، ويجوز النحر في جميع نواحيها
لأنها من الحرم. والمقصود التوسعة ونفي الحرج، ذكره الطيبي.
قال القاري: ويجوز ذبح جميع الهدايا في أرض الحرم بالاتفاق إلا أن منى
أفضل لدماء الحج، ومكة ولا سيما المروة لدماء العمرة، ولعل هَذَا وجه
تخصيصها بالذکر .
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والدَّارِمِيُّ) وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد (ج٣: ص ٢٣٦) والْحَاكِم (ج١:
ص ١٦٠) والْبَيْهَقِي (ج ٥: ص ١٢٢) وَابْن جرير، وروى مالك مرسلًا وَابْن ماجه
نحوه. والحَدِيثِ سَكَتَ عَنْهِ أَبُو دَاوُد والمُنْذِري وقال الحاكم: صحيح عَلَى شَرْط
مُسْلِمٍ وأقرَّهُ الذهبيُّ.
٢٦٢١ - [٦] وَعَنْ خَالِدِ بْنِ هَوْذَةَ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌َّهِ يَخْطُبُ الَّاسَ
يَوْمَ عَرَفَةَ عَلَى بَعِيرٍ قَائِمًا فِي الرِّكَّابَيْنِ.
[رَوَاهُ أَبُو دَاوِدَ]
الشرح
٢٦٢١ - قوله: (وَعَنْ خَالِدِ بْنِ هَوْذَةَ) بفتح الهاءِ وسكون الواو بعدها ذال
معجمة ثم تاء تأنيث، وقوله: ((عَنْ خَالِدِ بْنَ هَوْذَةَ)) هكذا في جميعٍ نسخ
((المشكاة))، وكذا وقع في ((المصابيح)) وهو خطأ، والصواب: عن العداء بن خالد
ابن هوذة، فإنَّ الحديثَ من مسند العداء بن خالد لا من مسند أبيه خالد بن هوذة،
فقد رَوَاه أَبُو دَاوُد عن عثمان بن أبي شيبة عن وكيعٍ عن عبد المجيد أبي عمرٍو،
حدثني العداء بن خالد بن هوذة قال: رأيتُ رسولَ اللَّه ◌َلَه يخطبُ. وكذا رواه عن
عباس بن عبد العظيم عن عثمان بن عمر عن عبد المجيد أبي عمرو، وهكذا روى
أحمد عن وكيع عن عبد المجيد، وكذا وقع في ((جامع الأصول)) (ج٤: ص ٦٦)
للجزري، و((القرى)) (ص٣٥٥) للمحبِّ الطبري. والعَدَّاء - بفتح عين وشدة دال
(٢٦٢١) أَبُو دَاوُد (١٩١٧) فِيهِ مِنْ حَدِيثٍ خَالِدِ بْنِ هَوْذَةً.
٩٧
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةً
مهملة وألف فهمزة - ابن خالد بن هوذة العامري، قال الحافظُ في ((التقريبٍ)) في
ترجمته: صحابي أسلم هو وأبوه جميعًا وتأخر وفاته إلى بعد المائة. وقال في
((الإصابة)): أسلم العداء بعد حنين مع أبيه، وللعداء أحاديث، وكأنه عمر، فإنَّ عند
أحمد أنه عاش إلى زمنٍ خُروج يزيد بن الملهب في سنة إحدى أو اثنتين ومائة في
أيام يزيد بن عبد الملك، عداده في أعراب البصرة وكان وفد على النَّبِي ◌َّ فأقطعه
مياها كانت لبني عامر يقال لها: الرخيخ - بخائين معجمتين مصغرًا - وكان ينزلُ
بها. وذَكر أبو زكريا بن مَنْدَهْ: أنه آخر من مات من الصَّحَابَة بالرخيخ، وذكر هشام
ابن الكلبي العداء ووالده في المؤلفة قلوبهم. والعداءُ هو الَّذِي ابتاعَ منه رسول الله
وَل العبد أو الأمة وكتب له العهدة، وقد ذكر المصنف قصة البيع في باب المنهي
عنها من البيوع. وأما خالد بن هوذة والد العداء فقال الحافظُ في ((الإصابةِ)): خالد
ابن هوذة بن ربيعة البكائي، ويقال: القشيري، جاءَ ذكره في حديث ابنه العداء،
فروى البارودي من طريق عبد المجيد أبي عمرو عن العداء بن خالد، قال: خرجت
مع أبي فرأيت النَّبِي رَّه يخطب. وقال الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء: أسلم
العداء وأخوه حرملة وأبوهما وكانا سيدي قومهما وبعث النَّبِي وَّ إلى خزاعة
یبشرهم بإسلامهما .
(يَخْطُبُ النَّاسَ) أي: يعظهم ويعلمهم المناسك. (يَوْمَ عَرَفَةَ) بعد الزوالِ كما في
حَدِيث جَابِر في قصة حجة الوداع. (عَلَى بَعِيرٍ قَائِمًا فِي الرِّكَابَيْنِ) حالان مترادفان
أو متداخلان. وقوله: ((قَائِمًا)) أي: واقفًا لا أنه قائم على الدَّابة، بل معناه حال كون
الرجلين داخلين في الركابين.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وسكتَ عنه هو والمُنْذِري، وأخرجه أحمد (ج٥ : ص ٣٠) ورواه
أحمد أيضًا (ج٥: ص ٣٠)، والطَّبَرَاني في ((الكبير)) مطوَّلًا وأورد الهيثمي في
((مجمع الزوائد)) (ج٢: ص ٢٥٣) الروايتين وقال: رجال الطَّبَرَاني موثقون.
٩٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٦٢٢ - [٧] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: إِنَّ النَّبِيِّ ◌َ
قَالَ: ((خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمٍ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَّأَ قُلْتُ أَنَا وَالنَّبُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ
إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلُْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٍ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ] {صحيح}
الشرح
٢٦٢٢ - قوله: (خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْم عَرَفَةَ) قالِ الشوكاني: قوله: «دُعَاءُ يَوْم
عَرَفَةَ)) رجَّح المزي جر دعاء ليكون قوله: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)) خبرًا لخير الدعاء ولخير ما
قلتُ أنا والنبيون، ويؤيِّدُه ما وقعَ في ((الموطأ)) من حديث طلحةَ بلفظ: ((أَفْضَلُ
الدُّعَاءِ: يَوْمُ عَرَفَةَ، وَأَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ)) وما وقع عنِدَ
العقيلي من حَدِيث ابنِ عُمَر ((أَفْضَلُ دُعَائِي وَدُعَاءِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي عَشِيَّةَ عَرَفَةَ: لَا إِلَهَ إِلَّا
اللهُ))، انتهى.
قلتُ: ويؤيدُهُ أيضًا ما وقعَ عند أحمد من حديثٍ عمرو بن شعيب عن أبيه عن
جدِّهِ، قال: كانَ أكثر دعاء النَّبِي وَّ يوم عرفة ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ... )) إلخ، ويؤيده أيضًا
حِديثٍ عليٍّ عندَ ابنِ أبي شيبة بلفظ: ((أَكْثَرُ دُعَائِي وَدُعَاءِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي بِعَرَفَةَ: لَا إِلَّهَ
إِلَّا اللَّهُ)). وأما حديث طلحة فلفظه في ((الموطأ)) ((أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمٍ عَرَفَةَ)) قال
الزرقاني: قوله: ((أَفْضَلُ الدُّعَاءِ)) مبتدأ خبره «دُعَاءِ يَوْمٍ عَرَفَةَ)). قال الباجي: أي:
أعظمه ثوابًا وأقربه إجابة، ويحتملُ أن يريد به اليوم،َ ويحتملُ أن يريد به الحاج
خاصة، وقال ابن عبد البر: يريدُ أنه أكثر ثوابًا، ويحتمل أن يريد أفضل ما دعا به،
والأول أظهر؛ لأنَّهُ أورده في تفضيل الأذكار بعضها على بعض. وفِي الحَدِيث
تفضيل الدعاء بعضه على بعض وتفضيل الأيام بعضها على بعض، انتهى. قال
الطيبي: الإضافة في قَوْلِهِ: ((دُعَاءِ يَوْمٍ عَرَفَةَ)) إما بمعنى اللام أي: دعاء يختصُّ به،
ويكون قوله: ((وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ)) بيانًا لذلك الدعاء
فإن قلت: هو ثناء، قلت: في الثناء تعريض بالطلبٍ، وإما بمعنى ((في)) ليعمَّ الأدعية
(٢٦٢٢) التِّرْمِذِي (٣٥٨٥) فِيهِ مِنْ حَدِيثٍ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ جَدِّهِ.
٩٩
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةٌ
*SEE
الواقِعَة فيهِ، انتهى.
وقال الطَّبَري: إنما سمي هَذَا الذكر دعاء لثلاثةٍ أَوْجه: أحدها: ما تَضَمَّنَه حَدِيث
سالم بن عبد الله أنه كان يقول بالموقف: لا إله إلا الله ... إلخ. وفيه: ثم قالَ:
حدَّثني أبي عن أبيه عمر بن الخطاب عن النبيِّ وَلّه قال: ((يَقُولُ اللَّهُ: مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي
عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ)). ووجهه أنه لما كان الثناء يحصلُ
أفضل مما يحصل الدعاء، أطلق عليه لفظ الدعاء لحصول مقصوده، ويروى عن
الحسين بن الحسن المروزي قال: سألتُ سفيان بن عيينة عن أفضل الدعاء يوم
عرفة فقال: لا إله إلا الله ... إلخ. فقلتُ له: هَذَا ثناءٌ وليس بدعاءٍ، فقال: أما
تعرف حديث مالك بن الحارث؟ قال: يقول الله عزَّ وجلَّ: إذا شغل عبدي ثناؤه
علي من مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين. قال: وهذا تفسيرُ قولٍ
النَّبِي وَّ. ثم قالَ سُفيان: أما علمتَ ما قالَ أميةُ بنُ أبي الصلت حينَ أتى عبد الله
ابن جدعان يطلبُ نائله. فقلت: لا. فقالَ: قالَ أمية:
حَيَاؤُكَ، إِنَّ شِيمَتَكَ الْحْيَاءُ
أَذْكُرُ حَاجَتِي أَمْ قَدْ كَفَانِي
لَكَ الْحَسَبُ الْمُهَذَّبُ وَالثَّنَاءُ
وَعِلْمُكَ بِالْحُقُوقِ وَأَنْتَ فَضْلٌ
كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِهِ الثَّنَاءُ
إِذَا أَثْنَى عَلَيْكَ الْمَرْءُ يَوْمًا
ثم قالَ: يا حسين هَذَا مخلوق يكتفي بالثناءِ عليهِ دُون مسألةٍ، فكيفَ بالخالقِ؟
الوجه الثاني: معناهُ أفضل ما يستفتح الدعاء، على حذف المضاف، ويدلُّ عليه
الحديث الآخر، فإنه قالَ: أفضل الدعاء أن أقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له
... إلى آخره. ودعا بعد ذلك بقولهِ: اللَّهُم اجعل في قلبي نورًا ... إلخ.
الثالثُ: معناهُ أفضلُ ما يستبدلُ به عن الدعاءِ يوم عرفة لا إله إلا الله إلى آخره.
والأولُ أوجه، انتهى. (وَخَيْرُ مَا قُلْتُ) قال الشيخُ الدهلوي في ((اللمعات)): أي:
دعوتُ، والدعاءُ هو لا إله إلا الله وحده ... إلخ. وتسميته دعاء إما لأنَّ الثناء على
الكريم تعريض بالدعاء والسؤال، وأما لحديث: ((مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي،
أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ)). هكذا قالوا، ولا يخفى أن عبارة هَذَا الحديث لا
تقتضي أنْ يَكُون الدعاء قوله: ((لا إله إلا الله ... )) إلخ. بل المراد أن خير الدعاء ما
يكون يوم عرفة أي دعاء كان، وقوله: ((خَيْرُ مَا قُلْتُ)) إشارةً إلى ذكر غير الدعاء فلا