النص المفهرس

صفحات 41-60

٤٠
Ex
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
es
مقال. وروى البيهقي عن مكحول، قال: كان النبي وَّه إذا دخلَ مكةً فرأى البيتَ
رفعَ يِدَيْهِ وكَبَّر وَقال: ((اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ، فَحْيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ، اللَّهُمَّ زِدْ
هَذَا الْبَيْتِ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا ... )) إلخ. وهذا مرسل. وروى البيهقي أيضًاً من طريق
الشافعي عن سعيد بن سالم عن ابن جريج قال: حدثت عن مقسم مولی عبد الله بن
الحارث عن ابنِ عباسٍ عن النبيِ نَّ أَنهَ قال: ((تُرْفَعُ الْأَيْدِي فِي الصَّلَاةِ، وَإِذَا رَأَى
الْبَيْتَ، وَعَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ... )) الحديث، قال البيهقي: هو منقطعٌ؛ لم يسمعه ابن
جريج من مقسم، ورواه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم
عن ابن عباس، وعن نافع عن ابن عمر مرة موقوفًا عليهما ومرة مرفوعًا إلى
النبي ◌َّ. وابن أبي ليلى هذا غير قوي في الحديث.
وقد اختلف العلماءُ في ذلك كما اختلفت الروايات؛ فذهب أبو حنيفة ومالك
إلى عدم الرفع. قال في ((اللباب وشرحه)) للقاري: ولا يرفعُ يَدَيْه عند رؤية البيت ولو
حال دعائه؛ لعدم ذكره في المشاهير من كتب الأصحاب كالقدوري و(الهداية))
و((الكافي)) و((البدائع))، بل قال السروجي: المذهب تركه. وكلام الطحاوي في
((شرح معاني الآثار)) صريح أنه يُكره الرفعُ عند أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد،
وقيل: يرفع. ونقل عن جابر رَوَتَهُ أن ذلك من فعل اليهود، وسماه البصروي
مستحبًّا ... إلخ. وقال في ((غنية الناسك)): استحبَّ المحققون من أهل المذهب
للقادم رفع اليدين عند رؤية البيت للدعاء، منهم الكرماني والبصروي وابن الهمام
وعلي القاري وهو مذهب الشافعي وأحمد، انتهى. واحتجَّ لمن ذهب إلى كراهة
الرفع وعدم مشروعيته بحديث جابرٍ، وهو حديث حسن. وقال سفيان الثوري وابن
المبارك وأحمد وإسحاق: يرفع يديه. قال ابنُ المنذرٍ: وبه أقول. قال النووي:
وهو مذهبنا. وقال الشافعي بعد أن أورد حديث ابن جريج: ليسَ في رفع اليدين عند
رؤية البيت شيء فلا أكرهه ولا أستحبه. قال البيهقي: وكأنه لم يعتمد على الحديث
لانقطاعه. قال ابن قدامة (ج٣: ص ٣٦٩): ويستحبُّ رفع اليدين عندَ رؤية البيت،
رُوي ذلك عن ابن عمر وابن عباس، وبه قال الثوري وابن المبارك والشافعي
وإسحاق بن راهويه، وكان مالك لا يرى رفع اليدين لما رُوي عن المهاجر المكي،
قال: سُئل جابر بن عبد الله ... فذكر حديث الباب ثم قال: ولنا ما روى أبو بكر
بن المنذر عن النبي ◌َّأنه قال: ((لَا تُرْفَعُ الأَيْدِي إِلَّا فِي سَبْعِ مَوَاطِنَ: اقْتِتَاحِ الصَّلَاةِ

٤١
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ دُخُولٍ مَكَّةً وَالطَّوَاف
وَاسْتِقْبَالِ البَيْتِ ... )) الحديث.
قال ابن قدامة: وهذا من قول النبي وَالٍ وذاك من قول جابر وخبره عن ظنه
وفعله، وقد خالفه ابن عمر وابن عباس، ولأن الدعاء مستحب عند رؤية البيت،
وقد أمر برفع اليدين عند الدعاء، انتهى. وقال النووي في ((شرح المهذب)): قال
أصحابنا: رواية المثبت للرفع أولى؛ لأن معه زيادة علم، وقال البيهقي: رواية غير
جابر في إثبات الرفع مع إرسالها أشهر عند أهل العلم من حديث مهاجر وله
شواهد، وإن كانت مرسلة. والقول في مثل هذا قول من رأى وأثبت. وقال
الخطابي في ((المعالم): قد اختلف الناس في هذا فكان ممن يرفع يديه إذا رأى
البيت سفيان الثوري وابن المبارك وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وضعف
هؤلاء حديث جابر؛ لأنَّ مهاجرًا راويه عندهم مجهول، وذهبوا إلى حديث ابن
عباس عن النبي ◌َّ قال: ((تُرْفَعُ الأَيْدِي فِي سَبْعَة مَوَاطِن ... )) إلخ، ورُوي عن ابن
عمر: أنه كان يرفعُ اليدين عند رؤية البيت، وعن ابن عباس مثل ذلك، انتهى.
قلت: قد تقدم أن مهاجرًا المكي وثقه ابن حبان، وقال الحافظ: إنه مقبول.
فحديث جابر على الأقل حسن. وأما حديث ابن عباس في رفع الأيدي في سبعة
مواطن ففي سنده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وهو سيئ الحفظ. قال
الشوكاني: ليس في الباب ما يدل على مشروعية رفع اليدين عند رؤية البيت وهو
حكم شرعي لا يثبت إلا بالدليلِ، وأما الدعاء عند رؤية البيت فقد رويت فيه أخبار
وآثار، منها ما أخرجه ابن المغلس: أن عمر كان إذا نظر إلى البيت قال: اللَّهُمَّ أنت
السلام ومنك السلام فحينا ربنا بالسلام. ورواه سعيد بن منصور في ((السنن)) عن
ابن عيينة عن يحيى بن سعيد ولم يذكر عمر، ورواه الحاكم عن عمر أيضًا. وكذلك
رواه البيهقي عنه، انتهى.
تنبيه:
قال الطبري: وأول موضع يقع فيه بصره على البيت رأس الردم لمن يأتي من
أعلى مكة، وقد كان ذلك فأما اليوم فقد سد بالأبنية. وقال ابن جاسر: والدعاء
المذكور يقوله إذا عاين البيت لا عند وصوله للمحل الذي كان يرى منه البيت قبل
ارتفاع الأبنية وهو المسمى أولًا برأس الردم، والآن يسمى بالمدعى.

٤٢
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال شيخ الإسلام: ولم يكن قديمًا بمكة بناء يعلو على البيت، ولا كان فوق
الصفا والمروة والمشعر الحرام بناء، ولا كان بمنى بناء ولا بعرفات مسجد ولا عند
الجمرات مسجد، بل كل هذه محدثة بعد الخلفاء الراشدين، ومنها ما أحدث بعد
الدولة الأموية، فكان البيت يرى قبل دخول المسجد، فمن رأى البيت قبل دخول
المسجد فعل ذلك أي الرفع والدعاء، وقد استحبَّ ذلك من استحبه عند رؤيته
البيت، ولو كان بعد دخول المسجد، انتهى.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ) وأخرجه أيضًا النسائي والبيهقي (ج٥ : ص ٧٣) وهو
حديث حسن كما عرفت.
٢٥٩٩ - [١٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ بِ فَدَخَلَ
مَكَّةَ، فَأَقْبَلَ إِلَى الْحَجَرِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ أَتَى الصَّفَا فَعَلَاهُ حَتَّى
يَنْظُرَ إِلَى الْبَيْتِ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَذْكُرُ اللَّهَ مَا شَاءَ، وَيَدْعُو. [رَوَاهُ أَبُو دَاوِدَ]
الشرح
٢٥٩٩ - قوله: (أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّ)، أي: توجه من المدينة. (فَدَخَلَ مَكَّةَ)
قال القاري: أي للحج أو العمرة، والظاهر: أن المراد يوم فتح مكة كما يدل عليه
حديث أبي هريرة الطويل عند مسلم في باب فتح مكة. (فَأَقْبَلَ إِلَى الْحَجَرِ)، أي:
توجه إلى الحجر الأسود، أو إلى بمعنى على. (فَاسْتَلَمَهُ)، أي: باللمس والتقبيل.
(ُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ)، أي: سبعة أشواط. (ثُمَّ أَتَّى الصَّفَا)، أي: بعد ركعتي الطواف.
(فَعَلَاهَ)، أي: صعده. (حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى الْبَيْتِ) وفي أبي داود: حَيْثُ يَنْظُرُ إِلَى
الْبَيْتِ. وفي حديث جابر الطويل المتقدم: فَرَقِي عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ، وَأَنَّهُ فَعَلَ
فِي الْمَرْوَةِ مِثْلَ ذَلِكَ. قال القاري: وهذا كان في الصفا باعتبار ذلك الزمن، وأما
الآن فالبيت يُرى من باب الصفا قبل رقيه لما حدث من ارتفاع الأرض ثمه حتى
اندفن كثير من درج الصفا. وقيل بوجوب الرقي مطلقًا. وأما الرقي الآن في
(٢٥٩٩) أَبُو دَاوُد (١٨٧٢) بِهَذَا فِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ قِطْعَة مِنَ الحَدِيثِ الطَّوِيلِ الَّذِي أَوْرَدَهُ مُسْلِم
(١٧٨٠) فِي فَتْحِ مَكَّةَ، وَلَمْ يَتَقَطَّنْ لَهُ البَغَوِيُّ حَتَّى يَذْكُرَهُ فِي الصِّحَاحِ.

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ دخولِ مَكّةً وَالطَّوَاف
13
٤٣
المروة فلا يمكن كما أن رؤية البيت منها لا تمكن لكن بصدر العقد المشرف عليها
دكة فيستحب رقيها عملًا بالوارد ما أمكن.
(فَرَفَعَ يَدَيْهِ)، أي: للدعاء على الصفا لا لرؤية البيت لما سبق، وأما ما يفعله
العوام مِن رفع اليدين مع التكبير على هيئة رفعهما في الصلاة فلا أصل له. (فَجَعَلَ
يَذْكُرُ اللَّهَ مَا شَاءَ)، أي: من التكبير والتهليل والتحميد والتوحيد. (وَيَدْعُو)، أي:
بما شاء. قال القاري: وفيه إشارة إلى المختارِ عند محمد أن لا تعيين في دعوات
المناسك؛ لأنه يورث خشوع الناسك. وقال ابن الهمام: لأن توقيتها يذهب
بالرقة؛ لأنه يصير كمن يكرِّرُ محفوظه وإن تبرك بالمأثور فحسن، انتهى. وقوله
(يَذْكُرُ اللَّهَ مَا شَاءَ وَيَدْعُو)) كذا في جميع النسخ، وفي أبي داود: ((يَذْكُرُ اللَّهَ مَا شَاءَ
أَنْ يَذْكُرَهُ وَيَدْعُوهُ)). وفي الحديث: الابتداء بالطواف في أول دخول مكة سواء كان
محرمًا بحج أو بعمرة أو غير محرم، وكان النبي ◌َّ دخلها في هذا اليوم، وهو يوم
الفتح غير محرم بإجماع المسلمين وكان على رأسه المغفر. والأحاديث متظاهرة
على ذلك، والإجماع منعقد عليه، قاله النووي. وفيه أيضًا: رفع اليدين للدعاء
على الصفا عند رؤية البيت.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) قال المنذري: وأخرجه مسلم بنحوه في الحديث الطويل في
الفتح - يعني: فتح مكة.
٢٦٠٠ - [١٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أِنَّ النَّبِيَّ ◌َلِ قَالَ: ((الطَّوَافُ حَوْلَ
الْبَيْتِ مِثْلُ الصَّلَاةِ، إِلَّا أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَّ فِيهِ، فَمَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ فَلَا يَتَكَلَّمَنَّ إِلَّا
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْنَّسَائِيُّ
بِخَيْرٍ)).
وَالْدَارِمِيُّ، وَذَكَرَ الْتِّمِذِيُّ جَمَاعَةً وَقَّقُوهُ عَلَى ابْنِ عَبَاسٍ ] {صحيحِ)
الشرح
٢٦٠٠ - قوله: (الطَّوَافُ حَوْلَ الْبَيْتِ)، أي: الدوران حول الكعبة. وقوله
((حَوْلَ الْبَيْتِ) احتراز من الطواف بين الصفا والمروة. (مِثْلُ الصَّلَاةِ) بالرفع على
(٢٦٠٠) التِّرْمِذِي (٩٦٠)، وَالحَاكِمُ (٤٥٩/١) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ.

٤٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الخبرية، وجوز النصب أي نحوهما، وفي رواية: ((الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ))، أي:
مثلها في عدة من الأحكام كستر العورة والطهارة، وقيل: أي مثلها في الثواب أو
في التعليق بالبيت. (إِلَّا أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ)، أي: يجوزُ لكم الكلام في الطواف
بخلاف الصلاة. وقال القاري: أي: تعتادون الكلام فيه، قال الطيبي: يجوزُ أن
يكون الاستثناء متصلًا، أي: الطواف كالصلاة في الشرائط التي هي الطهارة
وغيرها إلا في التكلم، ويجوز كونه منقطعًا، أي: الطواف مثل الصلاة لكن رخص
لكم في التكلم فيه. وقال القاري: الاستثناء إما متصل أي مثلها في كل معتبر فيها
وجودًا وعدمًا إلا التكلم، يعني: وما في معناه من المنافيات من الأكل والشرب
وسائر الأفعال الكثيرة، وإما منقطع أي: لكن رخص لكم في الكلام. وفي العدول
عن قوله: إلا الكلام، نكتة لطيفة لا تخفى، ويعلم من فعله عليه الصلاة والسلام
عدم شرطية الاستقبال، وليس لأصل الطواف وقت مشروط وبقي بقية شروط
الصلاة من الطهارة الحكمية والحقيقية وستر العورة، فهي معتبرة عند الشافعي
كالصلاة وواجبات عندنا؛ لأنه لا يلزم من مثل الشيء أن يكون مشاركًا له في كل
شيء على الحقيقة مع أن الحديث من الآحاد، وهو ظني لا يثبت به الفرضية،
انتهى. وقال المناوي: استدلَّ به الخطابي على اشتراط الطهارة له. وقول ابن سيد
الناس: المشبه لا يعطي قوة المشبه به من كل وجه، وقد نبّه على الفرق بينهما بحل
الكلام فيه - رده المحقق أبو زرعة؛ لأن التحقيق أنه صلاة حقيقة؛ إذ الأصل في
الإطلاق الحقيقة وهي حقيقة شرعية، ويكون لفظ الصلاة مشتركًا اشتراكًا لفظيًّا
بين المعهودة والطواف، ولا يرد إباحة الكلام فيه؛ لأنَّ كلَّ ما يشرط في الصلاة
يشترط فيه إلا ما يستثنى، والمشي مستثنى؛ إذ لا يصدق اسم الطواف شرعًا إلا به.
وقال المحب الطبري: في قوله وَله: ((الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ)). دليلٌ على أنَّ
الطوافَ يشترطُ فيه الطهارة والستارة، وأن حكمه حكم الصلاة إلا فيما وردت فيه
الرخصة من الكلام بشرط أن يكون بخيرٍ، ووجهه أنه جعله صلاة أو مثل الصلاة،
ومقتضى ذلك إبطاله بالكلام مطلقًا، فلما رخَّص في كلام خاص وجبَ أن يقتصر
عليه، فلا يلحق به ما عداه تقليلاً لمخالفة الدليل وما ورد في إباحة الكلام مطلقًا،
فيحمل على هذا المقيد.
(فَمَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ فَلَا يَتَكَلَّمَنَّ إِلَّ بِخَيْرٍ)، أي: من ذكر الله وإفادة علم واستفادته

٤٥
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ دخول مَكْةً وَالطَّوَاف
على وجه لا يشوش على الطائفين. وقال الطبري: من الخير المشار إليه في
الحديث أن يسلم الرجل على أخيه ويسأله عن حاله وأهله ويأمر الرجل الرجل
بالمعروف وينهاه عن المنكر، وأشباه ذلك من تعليم جاهل أو إجابة مسألة، وهو
مع ذلك كله مقبل على الله تعالى في طوافه، خاشع بقلبه، ذاكر بلسانه، متواضع
في مسألته، يطلب فضل مولاه ويعتذر إليه، فمن كان بهذا الوصف رجوت أن
يكون ممن قال رسول اللَّه وَ ثّر: ((إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يُبَاهِي بِالطَّائِفِينَ)). وقال
أيضًا: واعلم أنَّ التحدّثَ في الطواف على غير النحو المتقدم خطأ كبير وغفلة
عظيمة، ومن لابس ذلك فقد لابس ما يمقتُ عليه، خصوصًا إن صدر ممن ينسب
إلى العلم والدين، فإنه إذا أنكر على من دونه احتج به فصار فتنة لكل مفتون، ومن
آثر محادثة المخلوق في أمر الدنيا والإقبال عليه والإصغاء لحديثه على ذكر خالقه
والإقبال عليه وعلى ما هو متلبس به من عبادته فهو غبين الرأي؛ لأن طوافه بجسده
وقلبه لاه ساه قد غلب عليه الخوض فيما لا يعنيه حتى استرسل في عبادته كذلك،
فهو إلى الخسران أقرب منه إلى الربح، ومثل هذا خليق بأن يشكوه البيت إلى الله
وَّل وإلى جبريل، ولعلَّ الملائكة تتأذَّى به، وكثير من الطائفين يتبرمون منه، فعلى
الطائف أن يبذل جهده في مجانبة ذلك، انتهى.
والحديث رواه أحمد من طريقٍ حسن بن مسلم عن طاوٍ عن رجلٍ أدرك
النبيِ وَِّ أن النبيِ نَّه قال: ((إِنَّا الطَّوَافُ صَلَةٌ، فَإِذَا طُفْتُمْ فَأَقِلُّوا الْكَلَامَ)). ورواه
النسائي من هذا الطريق موقوفًا، ثم رواه من طريق حنظلة بن أبي سفيان عن
طاوس، قال: قال عبد الله بن عمر: أقلوا الكلام في الطواف فإنما أنتم في
الصلاة. وقوله: (فَأَقِلُّوا الْكَلَامَ))، أي: فلا تكثروا فيه الكلام، وإن كان جائزًا؛ لأن
مماثلته للصلاة تقتضي أن لا يتكلّم في أصلًا كما لا يتكلم فيه الصلاة، فحين
أباح الله تعالى فيه الكلام رحمة منه تعالى على العبد، فعليه أن يشكر الله رحمك ولا
يكثر فيه الكلام ولا يتكلم إلا بخير أو الضرورة.
(رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ) واللفظ للترمذي، وأخرجه أيضًا الحاكم
(ج١: ص ٤٥٩) والدار قطني وابن خزيمة وابن حبان والبيهقي وغيرهم، وفي قول
المصنف: ((وَالنَّسَائِيُّ)) نظر، فإن الحديث عنده من طريق طاوس موقوف ولم يسم
الصحابي كما تقدم.

٤٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ جَمَاعَةً وَقَفُوهُ عَلَى ابْنِ عباسٍ) قلت: قال الترمذي بعد رواية
الحديث من طريق جرير عن عطاء بن السائب عن طاوس عن ابن عباس مرفوعًا ما
لفظه: وقد رُوي عن ابنٍ طاوس وغيره عن طاوس عن ابن عباس موقوفًا، ولا نعرفه
مرفوعًا إلا من حديث عطاء بن السائب. انتهى.
قال الحافظ في ((التلخيص)): الحديث رواه الترمذي والحاكم والدار قطني من
حديث ابن عباس، وصحَّحه ابنُ السكن وابن خزيمة وابن حبان. وقال الترمذي:
رُوي مرفوعًا وموقوفًا، ولا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عطاء ومداره على عطاء بن
السائب عن طاوس عن ابن عباس. واختلف في رفعه ووقفه، ورجح الموقوف
النسائي والبيهقي وابن الصلاح والمنذري والنووي، وزاد أن رواية الرفع ضعيفة،
وفي إطلاق ذلك نظر، فإن عطاء بن السائب صدوق، وإذا رُوي عنه الحديث
مرفوعًا تارة وموقوفًا أخرى، فالحكمُ عند هؤلاء الجماعة للرفع، والنووي ممن
يعتمد ذلك ويكثر منه، ولا يلتفت إلى تعليل الحديث به إذا كان الرافع ثقة فيجيء
على طريقته أن المرفوع صحيح، فإن اعتل عليه بأن عطاء بن السائب اختلطَ ولا
تقبل إلا رواية من رواه عنه قبل اختلاطهِ، أجيب: بأن الحاكم أخرجه من رواية
سفيان الثوريِّ عنه، والثوري ممن سمع قبل اختلاطه باتفاق، وإن كان الثوري قد
اختلف عليه في وَقْفِهِ ورَفْعِه. فعلى طريقتهم تقدم رواية الرفع أيضًا، والحقُّ أنه من
رواية سفيان موقوف، ووهم عليه من رفعه وقد بسطَ الحافظُ الكلامَ ها هنا، مَن شاءً
الوقوف فليرجع إلى ((التلخيص)) (ص ٤٧).
٢٦٠١ - [١٧] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((نَزَلَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ
مِنَ الْجَنَّةِ، وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْتِرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ] {صحيح }
الشرح
٢٦٠١ - قوله: (وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ) جملة حاليَّة. (فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي
(٢٦٠١) التِّرْمِذِي (٨٧٧)، وَالنَّسَائِي (٢٢٦/٥) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ، قال التِّرْ مِذِي: حَسَنٌ صَحِيحٌ.

٤٧
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ دخولِ مَثَةٌ وَالطَّوَاف
آدَمَ) أي: صارت ذنوب بني آدم الَّذِينِ يَمْسَحون الحَجَر سببًا لسوادِهِ، واللَّفْظُ
المَذْكورُ للِّرْ مِذِيِّ، ولأحمد: ((الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَكَانَ أَشَدَّ بَيَاضًا مِنَ الثَّلْج
حَتَّى سَوَّدَتْهُ خَطَايَا أَهْلِ الشِّرْكِ)). وفي رواية الطَّرَاني: ((الْحَجَرُ الأَسْوَدُ مِنْ حِجَارَةٍ
الْجَنَّةِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنَ الْجَنَّةِ غَيْرُهُ، وَكَانَ أَبْيَضَ كالمَهَا - مقصورًا جمع مهاة وهي
البلورة - وَلَوْلا مَا مَسَّهُ مِنْ رِجْسِ الْجَاهِلِيَّةِ مَا مَسَّهُ ذُو عَاهَةٍ إِلا بَرِئٍ)). والحديثُ
محمولٌ على ظاهرِهِ إِذْ لا مَانِعَ نقلًا ولا عقلًا، فالركنُ الأسودُ حَجَرٌ من حجارةِ
الجنَّةِ حقيقة، وليس فِيهِ غرابةٌ وبعد واستحالة، والحديثُ صحيحٌ كما قالَ التِّرْ مِذيُّ
وغيرُهُ، وله شواهدٌ كما ستعرفُ، وأوَّلُه بعض الشراحِ بإرادة المبالغةِ فِي تَعْظِيم
شأنِ الحجرِ وتفظيع أمر الخطايا والذُّنُوب، والمعنى: أَنَّ الحجر لما فيه من الشرف
والكرامة واليمن والبركة يشارك جواهر الجنة فكأنه نزل منها.
قال القاضي البيضاوي: لعَلَّ هَذَا الحديث جار مجرى التمثيل والمبالغة فِي
تَعْظِيم شأن الحجر وتفظيع أمر الخطايا والذُّنُوب، والمعْنَى: أنَّ الحجر لما فيه من
الشرف والكرامة وما فيه من اليمن والبركة شارك جواهر الجنة فكأنه نزلَ مِنْها،
وأنَّ خطايا بني آدم تكاد تؤثر في الجماد فيجعل المبيض منها مسودًا فكيف بقلوبهم
يعني: ففيه تخويف وتنبيه، فإنَّ الرجل إذا علم أن الذنب يسود الحجر خاف أن
يسود بدنه بشؤم ذنوبه ويذهب نور الإيمان أو لأنَّه مِن حَيْثُ أنه مكفر للخطايا محاء
الذُّنُوبِ؛ لما رُوي عن ابن عمر مَرْفُوعًا كما سيأتي: ((إِنَّ مَسْحَهُمَا كَفَّارَةٌ لِلْخَطَايَا))
كأنه من الجنة ومن كثرة تحمله أوزار بني آدم صار كأنه كان ذا بياض شديد فسودته
الخطايا، وقيل: في هَذَا الحديث امتحان إيمان الرجل، فإن كان كامل الإيمان
يقبل هَذَا ولا يتردد وإن كان ضَعِيف الإِيمَان يتردد والكافر ينكر.
وقال التُّورِ بَشْتِي: هَذَا الحديثُ محتمل أن يراد منه ما دلَّ عليه الظاهر، ومحتمل
أن يأوَّل على ما يستقيمُ عليه المعنى من باب الاتساع، ولسنا نرى بحمد الله تعالى
خلاف الظواهر في السنن إلا إذا عَارَضَه من السنن الثوابت ما يحوج إلى التأويلِ،
أو وَجَدْنا اللفظ في كلامِهِم بين الأمر في المَجَاز والاسْتَعَارَة، فسلكنا به ذلك
المسلك، وإذ قد عرفنا من أصلِ الدين بالنُّصُوصِ الثَّابِتَة أن الجنةَ وما احتوت عليه
من الجواهر مباينة لما خلق في هذه الدار الفانية في حكمِ الزوالِ والفناءِ وإحاطة
الآفات بها، فإنَّ ذلك خلق خلقًا محكمًا غير قابل لشيء من ذلك، وقد وجدنا

٤٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
iXE
*
الحجر أصابه الكسر حتى صار فلقًّا، وذلك من أقوى أسباب الزوال لم نستبعد فيه
مَذْهَب التَّأْوِيل وذلك بأن نقولَ: جعل الحجر لما وضع فيه من الأنسِ والهيبةِ
واليمنٍ والكرامةِ، كالشيء الَّذِي نزل من الجنة وأراد به مشاركته جواهر الجنة في
بعض أوصافها فصار كأنه نزل من الجنة، ومثله قوله وَله: ((الْعَجْوَةُ مِنَ الْجَنَّةِ))،
وقد علمنا أنه أراد بذلك مشاركتها ثمار الجنة في بعض ما جعل فيها من الشِّفَاء
والبركة بدعائه وير بذلك فيها، ولم يرد ثمار الجنة نفسها للاستحالة التي شاهدنا
فيها كاستحالة غيرها من الأَطْعِمَة ولخلوها من التُّعُوتِ والصِّفَات الوَارِدَة في ثِمار
الجنة، وتَأْوِيل قوله: ((نَزَلَ مِنَ الجَنَّةِ)). أي: الصِّفَات الموهوبة لها كأنها من
الجنة، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ [الحديد: ٢٥]، وقال: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُم مِّنَ الْأَنْعَمِ
ثَمَنِيَةَ أَزْوَجِ﴾ [الزمر: ٦] فحمل الإنزال على معنى القضاء والقسمة.
وَمِنْهُم: مَن ذهب فيه إلى معنى الخلق، وَمِنْهُم مَن قالَ: إنه أقامَ إنزال الأسباب
فيها مقام إنزالها نفسها. وأما قوله نَّه: ((وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّيَنِ)) فمعناه: أن
الحجر كان من الصفاء والنورانية على هَذَا النعت، فسودته خطايا بني آدم، ومعنى
هَذَا القول والله أعلم: أن كون بني آدم خطائين مقتحمين على موارد الهَلَّكَات،
اقتضي أنْ يَكُون الحجر على الشَّاكِلَة التي هو عليها من السَّوادٍ؛ لئلا يتسارع إليهم
المقت والعقوبة من اللَّه تعالى، فإنَّ كلَّ مَن شاهد آية خارقة للعادة ثم بخس بحقها
استحق الطرد من الله، فأضيف التسويد إلى الخطايا؛ لأنَّهَا كانت السبب في
ذلك.
ومن الدليلِ على هَذَا التأويل قوله وَّه في حديثٍ عَبْدِ اللَّه بنِ عُمُر الآتي: ((إِنَّ
الرُّكْنَ وَالْمَقَامَ يَاقُوتَتَانِ مِنْ يَاقُوتِ الْجَنَّةِ، طَمَسَ اللَّهُ نُورَهُمَا .. )) الحديث. فالذي
طمسَ نورَهُما هو اللّه ◌َ حكمةً بالغةً منه في الشيء الَّذِي ذكرناه. ثم لمعنى آخر
وهو كونه أتم فائدة في حال المكلفين؛ لأنَّهُ إذا عظموه حقَّ تعظيمه من غير مشاهدة
آية باهرة صحَّ إيمانُهم بالْغَيْب، وذلك من أعلى مقامات أهل الإيمان، فيكون من
أجدى الأشياء في محو الخطايا وتمحيص الذَّنُوب، وذلك إحدى المعنيين في
إضافة التسويد إلى الخطايا لاقتضائها ذلك من طريق الحكمة.
وقال بعضُ الفضولية: إنَّه لو كان هَذا الَّذِي رووه من تَسْويد خطايا بني آدم

٤٩
بَابُ دُخُولِ مَكَّةٌ وَالطَّوَاف
BEexXxe *
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
الحجر واقعًا لتناقلته الأمم في عجائبِ الأَخْبَار، ولقد أجبت عن ذلك في كتاب
المناسك وأعطيت القول حقه في موضعين منه، ولم أرد تَرْدِيد الْقَوْل ها هنا إيثار
للاخْتِصَارِ، انتهى.
قلتُ: لا ملجأ للتَّأْوِيلِ الَّذِي ذكره القاضي والتُّورِبَشْتِي بل يحمل الحديث على
ظاهره؛ إذ لا مانع من ذلك عقلًا ولا سمعًا، لا سيما وقد جاء هَذَا الحديث عند
الطَّرَاني بلفظ يبعد التأويل كما تقدَّم، قال الشيخُ عبد الحق الدهلوي: ولعمري ما
في الحديث ما يخالفُ الدليلَ القاطعَ الحاكم باستحالته حتى يجب تأويله وصرفه
عن ظاهره، أما النزول من الجنة فلا استحالة فيه، فإنَّ الجنةَ فيها جواهر، فيمكنُ
أنَّ الله أنزل منها شيئًا إلى الأرضِ حَتَّى يحملَ الإنزالُ على معنى القَضَاء والقسمة أو
معنى الخلقِ، أو إقامة إنزال الأسباب فيها مقام إنزالها نفسها كما في قَوْلِه تعالى :
﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ [الحديد: ٢٥]، ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِّنَ اٌلْأَنْعَمِ ثَمَينِيَةَ أَزْوَجٍ﴾ [الزمر: ٦]، وأما
قولهم: إنا قد عَرفنا بالتُّصُوصِ الثَّابِتَة أن الجنة وما احتوت عليه من الجواهر مباينة
لما خلقَ في هذه الدار الفانية في الخواص ... إلى آخر ما قالوا فنقولُ: يمكنُ أنْ
يَكُون فقدان خواص الجنة لنزوله إلى هذه الدار وسراية أحوالها وأحكامها إليه،
ويستأنس له بما يأتي من حَدِيثِ عَبْد اللهِ بنِ عُمُر: ((إِنَّ الرُّكْنَ وَالْمَقَامَ يَاقُوتَتَانِ مِنْ
يَوَاقِيتِ الْجَنَّةِ طَمَسَ اللهُ نُورَهُمَا، وَلَوْ لَمْ يَطْمِسْ نُورَهُمَا لَأَضَاءَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ
وْ الْمَغْرِبِ)). وكما قالوا في الجواب عن أقوال الزائغين في كونٍ ما بين قبرِ النَّبِي ◌ِّ
ومنبره روضة من رياض الجنة، على تقدير كونه محمولًا على الحقيقة أنه لو كان
من الجنة لِمَا نجوع ونظمأ فيها. وكما في عكس هذه الصورة من صعود بعض
الأنبياء في السماء من عدم انحلال قواهم وفساد مزاجهم وتغير أحوالهم كما في
الدنيا، فليكن ها هنا كذلك، واللهُ على كل شيء قدير. ومثل هَذَا الكلام في قَوْلِه:
(أَشَدُّ بَيَاضًا فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ)) بأن يكون في ابْتِدَاء نزوله أبيض، ثم جعل
لذنوب بني آدم ومس أيديهم خاصية وسببية في تسويده.
وأما قول بعض الزائغين بأنه لو كان هَذَا الَّذِي رووه من تسويد خطايا بني آدم
الحجر واقعًا لتناقلته الأمم في عجائب الأَخْبَار فساقط من درجة الاعتبار، ولا
استبعاد فيه، نعم لو قيل: المرادُ هو الظاهر، ولكن يحتملُ أنْ يَكُون إشارة إلى
معنى مناسب لم يستعبد.

SBONE
٥٠
er #ees
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ثم ذكر الشيخ الدهلوي ما قيل في تأويل الحديث مما سبق في كلام القاضي
والتُّورِبَشْتِي، ثم قال: وهذا كله تأويلات وتمحلات من النفس ناشئة من ضيقٍ
دائرة الإيمان، ومن شرح الله صدره للإيمان ووسع دائرة المعرفة لصدقه ويقول:
آمنا به، واللّه على كل شيء قدير، غايته أن يقال: إنَّ المرادَ هو الظاهر، ويحتمل
والله أعلم أن يكونَ المراد ما ذكرنا من المعاني المتناسبة فافهم، وبالله التوفيق.
تنبيه:
قال المحبُّ الطبري: قد اعترضَ بعض الملحدة فقال: كيف يسود الحجر
خطايا أهل الشرك ولا يبيضه توحيد أهل الإيمان؟ والجواب عنه من ثلاثة أوجه:
الأول: ما تَضَمَّنَه حَدِيث ابن عباس - عند الأزرقي - أنَّ اللَّه رَتَ إنَّما طمسَ نوره
ليستر زينته عن الظلمة، وكأنه لما تغيرت صفته التي كانت كالزينة له بالسواد كان
ذلك السواد له كالحجاب المانع من الرؤية، وإن رُؤي جرمه، إذ يجوز أن يطلق
عليه أنه غير مرئي كما يطلق على المرأة المستترة بثوب أنها غير مرئية.
قال الحافظُ بعدَ ذكرِ هَذَا الجوابِ مُخْتَصرًا: أخرجه - أي: حديث ابن عباس
الَّذِي أشار إليه الطبري - الحميدي في ((فضائل مكة)) بإسناد ضعيف، انتهى.
الثاني: أجابَ به ابنُ حبيب فقال: لو شاء اللَّه لكان ذلك وما علمت أيها
المعترض أن الله تعالى أجرى العادة بأن السواد يصبغ ولا ينصبغ والبياض ينصبغ
ولا يصبغ.
والثالث: أنْ يقال بقاؤه أسود والله أعلم إنما كان للاعتبار، وليعلم أن الخطايا
إذا أثرت في الحجر فتأثيرها في القلوب أعظم، انتهى.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج١: ص ٣٠٧، ٣٢٩). (وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ
صَحِيحٌ) قال الحافظُ في ((الفتح)) بعد نقل تصحيح الترمذي: وفيه عطاء بن السائب
وهو صَدُوق لكنه اختلطَ، وجرير ممن سمع منه بعد اختلاطه، لكن له طريق أخرى
في ((صحيح ابن خزيمة)) فيقوى بها. وقد رواه النسائي من طريق حماد بن سلمة عن
عطاء مختصرًا ولفظه: ((الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ مِنَ الْجَنَّةِ)) وحماد ممن سمع من عطاء قبل
الاختلاط، وله شاهد من حديث أنس عند الحاكم أيضًا، انتهى كَلَام الحَافِظ.

٥١
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ دخُولٍ مَكّةٌ وَالطَّوَاف
قلتُ: حديثُ ابنِ عباسٍ رواه أحمدُ مِن طريق حماد بن سلمة عن عطاء مطولًا
كالترمذيِّ كما تقدَّم فهو صحيح. وحديث أنسٍ أخرجَهُ الحاكمُ (ج١: ص ٤٥٦)
من طريق داود بن الزبرقان عن أيوب السختياني عن قتادة عن أنس مَرْفُوعًا:
((الرُّكْنُ وَالْمَقَامُ يَاقُوتَتَانِ مِنْ يَوَاقِيتِ الْجَنَّةِ)) وسكت عنه الحاكم، وقال الذهبي:
داود بن الزبرقان قال أبو داود: متروك.
رواه أحمد من طريق شعبة وقتادة عن أنس موقوفًا عليه بلفظ: ((الحَجَرُ الأَسْوَدُ
مِنَ الجَنَّةِ)). ورواه البزار والْبَيْهَقِي (ج٥: ص ٧٥) والطَّبَرَاني في ((الأوسط))
مَرْفُوعًا، وفيه عمر بن إبراهيم العبدي، وثقه ابنُ معين وغيره وفيه ضعف، قاله
الهيثمي (ج٣: ص ٢٤٢).
٢٦٠٢ - [١٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ نَّهِ فِي الْحَجَرِ: ((وَاللَّهِ
لَيَبْعَثَنَّهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَهُ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا، وَلِسَانٌ يَنْطِقُ بِهِ، يَشْهَدُ عَلَى مَنِ
اسْتَلَمَهُ بِحَقٌّ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْدَارِمِيُّ] {صحيح}
الشرح
٢٦٠٢ - قوله: (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ فِي الْحَجَرِ) أي: في شأنِ الحجر
الأسود ووصفه. (لَيَبْعَثَنَّهُ اللَّهُ) أي: ليظهرنه حال كونِهِ. (لَهُ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا)
فيعرف من استلمه. (وَلِسَانٌ يَنْطِقُ بِهِ) قالِ التُّورِ بَشْتِيِ: البعثُ نشر الموتى، ولما
كان الحجر من جملة الموات، أعلم نبي الله وَ ل﴿ أنَّ اللّه قد قدر أن يهب له حياة يوم
القيامة يستعد به للنطق، ويجعل له آلة يتميز بها بين المشهود له وغيره، وآلة يشهد
به، شبه حاله بالأموات الَّذِين كانوا رفاتًا فبعثوا؛ لاستواء كل واحد منهما في
انعدام الحياة أولًا ثم في حصوله ثانيًا. (يَشْهَدُ عَلَى مَنِ اسْتَلَمَهُ بِحَقٌّ) أي: متلبسًا
بحق وهو دين الإسلام، واستلامه بحقِّ هو طاعة الله واتباع سنة نبيه لا تعظيم
الحجر نفسه، والشهادة عليه هي الشهادة على أدائه حق اللَّه المتعلّق به، وليست.
((على)) للضرر، قاله السندي.
(٢٦٠٢) التِّرْمِذِي (٩٦١)، وَابن مَاجَهْ (٢٩٤٤) فِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

٥٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال العِرَاقي: ((على)) هَذَا بمعنى اللام، وقال التُّورِبَشْتِي: المستلمُ بحقٌّ هو
المؤمن بالله وبرسله؛ لوقوع فعله ذلك مطابقًا للأمر.
قلتُ: قوله: ((يَشْهَدُ عَلَى مَنِ اسْتَلَمَهُ بِحَقٍّ)) كذا وقعَ عند الترمذيِّ وَابْن ماجه
وأحمد (ج١: ص ٣٠٧) والدارمي والْبَيْهَقِي (ج ٥: ص ٧٥) ولأحمد (ج١: ص
٢٤٧، ٢٦٦، ٢٩١) وَابْن حِبَّان والْحَاكِم (ج١: ص ٤٥٧) والدرامي والْبَيْهَقِي في
رواية: ((يَشْهَدُ لِمَنِ اسْتَلَمَهُ)) أي: باللام.
قال العراقي: والباءُ في ((بحقُّ)) يحتملُ تعليقها ب(يشهد)) أو بـ((استلمه)). وقال
الشيخ الدهلوي في ((اللمعات)): كلمة ((على)) باعتبار تضمين معنى الرقيب
والحفيظ، وقوله: ((بِحَقُّ)) متعلَّق بـ(استلمه))، أي: استلمه إيمانًا وإحتسابًا، ويجوزُ
أن يتعلَّق بـ((يَشْهَد))، وهذا الحديثُ أيضًا محمول على ظاهرهِ، فإنَّ اللهَ تعالى قادر
على إيجاد البصر والنطق في الجمادات، فإنَّ الأجسام مُتَشَابهة فِي الحَقِيقَة يقبل
كل منها ما يقبلُ الآخر من الأعراضِ، ويأوله الَّذِين فِي قُلُوبِهِم زيغ التفلسف -
واللَّه العاصم - ويَقُولُون: إن ذلك كِنَاية عن تَحْقِيق ثواب المستلم وأن سعيه لا
يضيع، والعجب من البيضاوي أنه قال: إن الأغلبَ على الظنِّ أنَّ الْمَرَادِ هَذَا وإن لم
يمتنع حمله على الظاهر، ولا عجبَ فإنه مجبول على التفلسف في تَفْسِير القُرْآن
وشرح الأحاديث، تجاوز اللّه عنه، انتهى كلام الشيخ.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في أواخر الحج وقال: هَذَا حَدِيث حَسَن.
(وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ) وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد وَابْنِ خزيمة فِي ((صَحِيحِه)) وَابْن
حِبَّان كما فِي ((مَوَارِدِ الظَّمْآَنِ))، والْحَاكِمِ والْبَيْهَقِي، قال الحافظ في ((الفتح)): وفي
((صحيح ابن خزيمة)) عَنِ ابْن عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: ((إِنَّ لِهَذَا الْحَجَرِ لِسَانًا وَشَفَتَيْنِ يَشْهَدَانِ
لِمَنِ اسْتَلَمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَقُّ)) وصحَّحه أيضًا ابنُ حِبان والْحَاكِم، انتهى.
وللطبراني في الكبيرِ عَنِ ابْن عَبَّاسِ مَرْفُوعًا: ((يَبْعَثُ اللَّهُ الْحَجَرَ الأَسْوَدَ وَالرُّكْنَ
الْيَمَانِيَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَّهُمَا عَيْنَانِ وَلِسَانٌ وَشَفَتَانِ يَشْهَدَانٍ لِمَنِ اسْتَلَمَهُمَا بِالْوَفَاءِ» قال
الْهَيْئَمِي: رواه الطََّرَاني في ((الكبيرِ)) من طريق بكر بن محمد القرشي عن الحارث
ابن غسان وكلاهما لم أعرفه، انتهى.
وللْحَدِيث شَاهِد من حَدِيثِ عَبْد اللهِ بنِ عُمُرو، رواه أحمد (ج٢: ص ٢١١)

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ دْخُولٍ مَكَّةٌ وَالطَّوَاف
٥٣
والطَّرَاني في ((الأوسط)) مَرْفُوعًا، قال: ((يَأْتِي الرُّكْنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْظَمَ مِنْ أَبِي
قُبَيْسٍ، لَهُ لِسَانٌ وَشَفَتَانٍ)).
قال الْهَيْئَمِي: وزاد الطَّبَرَانِي: ((يَشْهَدُ لِمَنِ اسْتَلَمَهُ بِالْحَقِّ، وَهُوَ يَمِينُ اللهِ رَ
يُصَافِحُ بِهَا خَلْقَهُ)) وفيه عبد الله بن المؤمل، وثَّقْه ابنُ حبان وقال: يخطئُ، وفيه
كلام وبَقِيَّة رِ جَالِهِ رِجَال الصَّحِيح، ورواه الحاكم في ((المستدرك)) (ج١: ص ٤٥٧)
من طريق عبد الله بن المؤمل مطوَّلًا كرواية الطَّبَرَاني، وصحَّحه الحاكمُ.
وقال الذهبي: عبد الله بن المؤمل واه.
قال الشيخُ أحمدُ شاكر: هَذَا غُلو من الحَافِظِ الذَّهَبِي، انتهى. وقد ظهرَ بهذا كله
أنَّ حديثَ ابنِ عبَّاس الَّذِي نحنُ فِي شَرْحِهِ، وإن اقتصَرَ التِّرْ مِذيُّ عَلَى تَحْسِينه فهو
صحيح .
٢٦٠٣ - [١٩] وَعَن ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ،وَلَهِ يَقُولُ:
((إِنَّ الرُّكْنَ وَالْمَقَامَ يَاقُوتَتَانِ مِنَ يَاقُوتِ الْجَنَّةِ، طَمَسَ اللَّهُ نُورَهُمَا، وَلَوْ لَمْ
يَطْمِسْ نُورَهُمَا لَأَضَاءَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبٍ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]
الشرح
٢٦٠٣ - قوله: (وَعَن ابْنِ عُمَرَ) كذا في جميع نسخ ((المشكاة)) الموجودة
عندنا، وهكذا وقع في ((المصابيح)) وهو خطأ، والصواب: عَبْد اللهِ بْن عمرو،
فالحديثُ من مرويَّات عبد الله بن عمرو بن العاص كما وقع عند الترمذي وغيره
ممن أخرجه، وهكذا ذكره الجزري في ((جامع الأصول)) (ج١٠: ص ١٧٦). (إِنَّ
الرُّكْنَ وَالْمَقَامَ) المرادُ بالركن هنا: الحجر الأسود، كما في رواية أحمد (ج٢: ص
٢١٤) وبالمقام مقام إبراهيم عليَّلا، وهو الحجر الَّذِي كان إبراهيم،فَلَّلا يقومُ عليه
عند بناء البيت، فقال ابن كثير في ((تفسيره)) (ج١ : ص ١٧٥) في تفسير قوله تعالى:
﴿وَاَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلَّى﴾ [البقرة: ١٢٥]. بعد ذكر روايات صلاته وَله ركعتي
(٢٦٠٣) التِّرْمِذِي (٨٧٨) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ فِيهِ .

٥٤
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
الطواف خلف المقام: فهذا كله يدلُّ على أنَّ المرادَ بالمقام إنما هو الحجر الَّذِي
كان إبراهيم فعلَّ يقوم عليه لبناء الكعبة، لما ارتفع الجدار أتاه إسماعيل ◌ِالَّل به
ليقومَ فوقَهُ، ويناوله الحجارة فيضعها بيده لرفع الجدار، وكلما كمل ناحية انتقل
إلى الناحية الأخرى يطوف حول الكعبة وهو واقف عليه، وكان الحجر يرتفع
بارتفاع الجدار عند البناء، وكلما احتاج إلى أي قدر من الارتفاع كان يرتفع بإذن
الله تعالى؛ وكلَّما فرغ من جدار نقله إلى الناحية التي تليها، وهكذا حتى تم جدارن
الكعبة، وكانت آثار قدميه ظاهرة فيه، ولم يزل هَذَا معروفًا تعرفه العرب في
جاهليتها، ولهذا قال أبو طالب في قصيدته المعروفة ((اللامية)):
عَلَى قَدَمَيْهِ حَافِيَا غَيْرِ نَاعِلِ
وَمَوْطِئُ إِبْرَاهِيمَ فِي الصَّخرِ رَطِبَةً
إلى آخرٍ ما ذكر، وذكره الحافظ في الجزء الثامن عشر من ((الفتح)) نقلًا عن ابن
الجوزي، وقد أدرك المسلمون ذلك فيه أيضًا كما روى عبد الله بن وهب في
((موطئه)) عن أنسٍ والطبري في ((تفسيره)) عن قتادة.
G تنبيه:
قد وضعَ الملك فيصل بن عبد العزيز حفظه الله بعد عصر يوم السبت ثامن عشر
رجب سنة ١٣٨٧ هـ المقام بداخل زجاج محاط بشباك صغير على هيئة منارة صغيرة
طلبًا للتوسعة على الطائفين، وذلك بعد ما أزيلت الأعمدة والشباك الكبير وسقفهما
الَّذِي على المقام، فجزاه الله أحسن الجزاء، وصار المقام بعمله هَذَا بحيث يشاهد
كل أحدٍ فيه أثرَ قدمي إبراهيم ظلِّ غائصًا، فلله الحمد.
تنبيه آخر:
كان المقامُ من عهد إبراهيم لزق البيت إلى أن أخره عمر رَوَّهُ إلى المكان الَّذِي
هو فيه الآن، أخرجه عبد الرزاق في ((مصنفه)) بسند صحيح عن عطاء وغيره وعن
مجاهد أيضًا، وأخرج البيهقي عن عائشة مثله بسند قوي، ولفظه: إن المقامَ كان
في زمن التَّبِي وََّ وفي زمن أبي بكر ملتصقًا بالبيت ثم أَخَّرَه عمر. وأخرجَ ابنُ
مردويه بسند ضعيف عن مجاهد: أنَّ النبيَّ ◌َِّ هو الَّذِي حوله، والأولُ أصحُ، ولم
تنكر الصَّحَابَة فعل عمر ولا من جاء بعدهم فصار إجماعًا، وكان عمرُ رأى أن إبقاءه
يلزم منه التضييق على الطائفين أو على المصلين فوضعه في مكان يرتفع به الحرج

٥٥
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ دُخُولِ مَكّْةٌ وَالطَّوَاف
وتهيأ له ذلك؛ لأنَّهُ الَّذِي كان أشار باتخاذه مصلَّى، وأول من عمل عليه المقصورة
الموجودة الآن، كَذَا فِي ((الفَتْح)). وارجع للتفصيل إلى ((تفسير ابن كثير))، وإلى
((القرى)) (ص٣٠٨) لمحبِّ الدين الطبري.
٢ تنبيه ثالث:
قال ابنُ جاسر: إذا حصلَ على الطائفين زحام من جهة مقام إبراهيم فإنه يسوغ
تأخيره بقدر إزالة الضرر؛ لأنَّ المقامَ ليسَ هو البقعة التي هو بها الآن، وإنما هو
نفس الحجر، والله أعلم.
(يَاقُوتَتَانِ مِنْ يَاقُوتِ الْجَنَّةِ) قال القاري: المرادُ به الجنس، فالمعنى أنهما من
يواقيت الجنة. قلتُ: وقعَ عند ابن حبان والْبَيْهَقِي في رواية والْحَاكِم: ((مِنْ يَوَاقِيتِ
الْجَنَّةِ)).
(طَمَسَ اللهُ نُورَهُمَا) أي: أذهبه. قال القاري: أي بمساس المشركين لهما،
ولعلَّ الحكمة في طمسها ليكون الإيمان غيبيًّا لا عينيًّا، وقال الشَّاه ولي الله
الدهلوي: يحتملُ أن يكونا من الجنةِ في الأصل فلما جعلا في الأرض اقتضت
الحكمة أن يراعى فيهما حكم نشأة الأرض فطمس نورهما. (وَلَوْ لَمْ يَطْمِسْ) على
بناء الفاعل، ويجوز أنْ يَكُون على بناء المفعول. (لَأَضَاءَ) كذا في طبعات الهند
بصيغة الإفراد أي: لأضاء كل واحد، أو هو لازم أي: لاستنار بهما. (مَا بَيْنَ
الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) وفي النسخ المصرية: (لَأَضَاءًا)) أي: بالتثنيةِ، وهكذا وقع في
((المصابيح))، وفي رواية للحاكم، ولأحمد، وللترمذي وَابْن حِبَّان والْبَيْهَقِي:
(لَأَضَاءَتَا)) بصيغة التثنية للمؤنث، أي: لأنارتاه، فأضاء متعد.
قال التُّورِ بَشْتِي: لما كان الياقوت من أشرف الأحجار، ثم كان بُعد ما بين ياقوت
هذه الدار الفانية وياقوت الجنة أكثر مما بين الياقوت وغيره من الأحجار أعلمنا
النبيُّ وَّ أنَّها من ياقوت الجنة لنعلم أن المناسبة الواقعة بينهما وبين الأجزاء
الأرضية في الشرف والكرامة والخاصية المجعولة لهما كما بين ياقوت الجنة
وسائر الأحجار، وذلك مما لا يدرك بالقياس. وقال الشيخُ الدهلوي: قوله:
((يَاقُوتَتَانِ مِنْ يَاقُوتِ الْجَنَّةِ)) هَذَا أيضًا يؤولونه بأنَّ المرادَ بيان شرفهما وكرامتهما؛
لأنَّ الياقوت من أشرف الأحجار ولا بد أنْ يَكُون ياقوت الجنة أشرف وأجود من

٥٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ياقوت الدنيا، فكأنه قال: ((كَأَنَّهُمَا يَاقُوتَتَانِ مِنَ الْجَنَّةِ)) انتهى. قال القاري:
والحديثُ لا ينافي ما صحَّ أيضًا: ((وَلَوْلَا مَا مَسَّهُمَا مِنْ خَطَايَا بَنِي آدَمَ لَأَضَاءَا مَا بَيْنَ
الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، فَإِنَّهُمَا لَمَّا مَسَّتْهُمَا تِلْكَ الْخَطَايَا طَمَسَ اللهُ نُورَهُمَا)).
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وأخرجَهُ أيضًا أحمد (ج٢: ص ٣١٣، ٣١٤) وابنُ حبان فِي
((صَحِيحِه))، وفي ((الثقات)) والْحَاكِم (ج١: ص ٢٥٦) والْبَيْهَقِي (ج٥: ص ٧٥)
والدولابي في ((الكنى))، كلهم من طريق رجاء بن صبيح أبي يحيى عن مسافع بن
شيبة الحجبي عن عبد الله بن عمرو بن العاص. قال الحافظ في ((الفتح)) بعد ذكر
هَذَا الحديث مَرْفُوعًا: أخرجه أحمد والترمذي، وفي إسناده رجاء أبو يحيى وهو
ضعيف، قال الترمذي: حديث غريب، ويروى عن عبد الله بن عمرو موقوفًا. وقال
ابن أبي حاتم عن أبيه: وقفه أشبه، والذي رفعه ليس بقوي، انتهى.
وقال الشيخ أحمد شاكر في ((تعليقه على المسند»: إسناد هَذَا الحديث صحيح،
وبسط الكلام في الردِّ على الترمذيِّ، وفي تصحيح هَذَا الحديث، وفي الباب عن
أنس أخرجه الحاكم مختصرًا وقد تقدَّم.
٢٦٠٤ - [٢٠] وَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُزَاحِمُ عَلَى
الرُّكْنَيْنِ زِحَامَّا مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابٍ رَّسُولِ اللَّهِ وَلِ يُزَاحِمُ عَلَيْهِ، قَالَ:
إِنْ أَفْعَلَّ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ يَقُولُ: ((إِنَّ مَسْحَهُمَا كَفَّارَةٌ لِلْخَطَايَا))
وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((مَنْ طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ أُسْبُوعًا فَأَحْصَاهُ، كَانَ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ))،
وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((لَا يَضَعُ قَدَمًّا، وَلَا يَرْفَعُ أُخْرَى، إِلَّا حَطَّ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً،
وَكَتَبَ لَّهُ بِهَا حَسَنَةً)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ] {صحيح}
الشرح
٢٦٠٤ - قوله: (وَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ) بالتصغيرِ فيهما، وهو عبيد بن عمير بن
قتادة الليثي ثم الجندعي أبو عاصم المكي قاص أهل مكة، ذكر البخاري أنه رأى
(٢٦٠٤) التِّرْ مِذِي (٩٥٩) فِي الحَجِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَوْفَتَهُ، قَالَ: حَسَنٌ.

٥٧
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
*<< xesxx:
بَابُ دخُولٍ مَكّةٌ وَالطَّوَاف
النّبِي ◌َّةِ، وذكره مسلم فيمن ولد على عهد رسول اللّه ◌َله، وهو معدود في كبار
التابعين، سمع عمر بن الخطاب وَابْن عمر وعبد الله بن عَمْرو بن العَاص وعَائِشَة أم
المؤمنين وأبا ذرٍّ وغَيْرِهم، وروى عنه ابنُهُ عبد الله وعطاء ومجاهد وعمرو بن دِينَار
وغَيْرهم، وهو مجمع على ثِقَته، ماتَ قبل ابن عمر. وقال ابن حبان في ((الثقات)):
مات سنة (٦٨). ولأبيه عمير بن قتادة صُحبة ورواية. (أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُزَاحِمُ)
أي: يغالبُ الناس. (عَلَى الرُّكْنَيْنِ) أي: الحجر الأسود والركن اليماني. (زِحَامًا)
قال الطيبي: أي: زحامًا عظيمًا، وهو يحتملُ أنْ يَكُون في جميع الأشواط أو
الشوطين الأول والآخر فإنهما آكد أحوالها. وقد قال الشافعيُّ في ((الأَمِ)): ولا أحبُ
الزحام في الاستلام إلا في بدء الطواف وآخره، ولكن أريدُ به ما لا يتأذَّى به أحد،
أي: ازدحامًا لا يحصل فيه أذى لأحد لقوله وَثّ لعمر: ((إِنَّكَ رَجُلٌ قَوِيٌّ لَا تُزَاحِمْ
عَلَى الْحَجَرِ فَتُؤْذِيَ الضَّعِيفَ، إِنْ وَجَدْتَ خَلْوَةً فَاسْتَلِمْهُ وَإِلَّا فَاسْتَقْبِلْهُ وَهَلَّلْ وَكَبِّرْ))
رواه الشافعي وأحمد.
(مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ وَ يُزَاحِمُ عَلَيْهِ) أي: على ما ذَكر أو على
كل واحد، وقد جاءَ أنه رُبما دمي أنفه من شدَّة تزاحمه، وكأنهم تركوه لما يترتب
عليه من الأذى، فالاقتداء بفعلهم سيما هَذَا الزمان أولى، قاله القاري.
قلتُ: روى الشافعي في ((مسنده)) وأبو ذر عن القاسم بن محمدٍ قال: رأيتُ ابنَ
عُمر يزاحم على الحجر حتى يدمى أنفه أو فوه. وروى سعيد بن منصور نحوه،
وروى أبو الوليد الأزرقي عن نافع أن ابن عمر كان لا يدعهما حتى يستلمهما، ولقد
زاحم على الركنِ مرة في شدة الزحام حتى رعف فخرج فغسل عنه فعاد فزاحم،
فلم يصل إليه حتى رعف الثانية، فخرجَ يغسل عنه، ثم رجعَ فما تركه حتى استلم .
وروي عن نافع أيضًا قال: لقد رأيتُ ابنَ عمر يزاحمُ مرة حتى انبهر، فتنحَّى فجلسَ
في ناحية حتى استراح وعاد، فلم يدعه حتى استلمه. وقوله: انبهر، هو من البھرِ
بضمِّ الباءِ، وهو ما يعتري الإنسان عند السعي الشديد والمزاحمة من النهيج وتتابع
النفس. وروى سعيدُ بنُ منصورٍ من غير طريق القاسم أنه قيل لابن عمر في ذلك
فقال: هوت الأفئدة إليه فأريدُ أنْ يَكُون فؤادي معهم. وروى الفاكهي والْبَيْهَقِي من
طرق عَنِ ابْن عَبَّاسٍ كراهة المزاحمة وقال: لا يُؤذي.

٥٨
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
متوج
(قَالَ) أي: ابنُ عمر استدلالًا لفعله، وقال الطيبي: أي: اعتذارًا. (إِنْ أَفْعَلْ)
أي: هَذَا الزحام فلا ألام، فإن شرطية، والجزاء مقدر، ودليل الجواب قوله: فإني
سمعتُ رسولَ اللّه ◌َله ... إلخ. قاله القاري.
وقال الشيخ الدهلوي في ((اللمعات)): أي: إنْ أزاحمَ فلا تنكروا عليَّ، فإني
سمعتُ رسولَ الله لټ في فضل استلامهما، فإني لا أطيقُ الصبر عنه، وفیہ الحرص
على الفضائل وارتكاب التعبٍ والمشقة في تحصيلها. (كَفَّارَةٌ لِلْخَطَايَا) وعند أحمد
وَابْنِ حِبَّنِ والْبَيْهَقِي: (يَخُطُّ الْخَطَايَا)) أي: يسقطها، وهو كناية عن غفران
الذُّنُوب. (وَسَمِعْتُهُ) أي: رسول اللّهُ وَِّ أيضًا. (أُسْبُوعًا) أي: سبع مرات، ومنه
قيل أسبوعًا للأيام السبعة، ويقال له: سبوع، بلا ألف على لغة قليلة، قال في
((المجمع)): طافَ أسبوعًا أي: سبع مرات، والأسبوع الأيام السبعة، وسبوع بلا
ألف لغية، انتهى.
وقال القاري: أي: سبعة أشواط كما في رواية. (فَأَحْصَاهُ) قال السيوطي: أي:
لم يأت فيه بزيادة أو نقص. وقيل: أي: حافظ على واجباته وسننه وآدابه. وقال
القاري: بأن يكمله ويراعي ما يعتبر في الطواف من الشروط والآداب. (كَانَ كَمِتْقِ
رَقَبَةٍ) ولفظ أحمد: ((مَنْ طَافَ أُسْبُوعًا يُحْصِيهِ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنٍ كَانَ لَهُ كَعِدْلِ رَقَبَةٍ»
والمعنى: أن من طاف وصلى ركعتين بعد الطواف بالشروط المعتبرة كان له مثل
إعتاق رقبة في الثواب. (لَا يَضَعُ) أي: الطائف. (قَدَمَّا وَلَا يَرْفَعُ أُخْرَى) قال
القاري: الظاهرُ لا يرفعها فكأنه عد أخرى باختلاف وصف الوضع والرفع،
والتقدير: لا يضع قدمًا مرة ولا يرفع قدمًا مرة أخرى، انتهى.
وعند أحمد: ((مَا رَفَعَ رَجُلٌ قَدَمًا وَلَا وَضَعَهَا)) يعني: في الطواف. (إِلََّ حَطَّ اللهُ
عَنْهُ بِهَا) أي: إلا وضع اللَّه ومحا عن الطائف بكل قدم أو بكل مرة من الوضع
والرفع. (خَطِيئَةً، وَكَتَبَ لَهُ بِهَا حَسَنَةً) زادَ ابنُ حبان: ((وَرَفَعَ لَهُ بها دَرَجَةً)) ولأحمد:
((إِلَّا كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ وَحُطَّ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ)).
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وقالَ: هَذَا حَدِيث حَسَن. وأخرجَهُ أيضًا أحمد (ج٢: ص ٣)
وَابْن خزيمة فِي ((صَحِيحِه)) والْحَاكِم (ج١: ص ٤٨٩) وصحَّحه ووافقه الذهبي،
ورواه أحمد أيضًا (ج٢: ص ١١) والنَّسَائِي وَابْن حِبَّن والْبَيْهَقِي وَابْن ماجه

٥٩
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ دْخُولٍ مَكَّةً وَالطَّوَاف
مختصرًا أي: بعضه، رووه كلهم من طريق عطاء بن السائب عن عبد الله بن عبيد
ابن عمير عن أبيه عن ابن عمر، وعطاء صَدُوق لكنه اختلط، وجرير عند الترمذي
والْحَاكِم. وهشيم عند أحمد، ممن سمع منه بعد اختلاطه لكن له طريق أخرى
أيضًا فيتقوى بها، فقد رواه أحمد (ج٢: ص ١١) وَابْن حِبَّان كما فِي ((مَوَارِدِ
الظَّمْآنِ)) من طريق سفيان الثوري والنَّسَائِي من طريق حماد بن زيد كلاهما عن عطاء
ابن السائب، وقد سمعا منه قبل الاختلاط.
٢٦٠٥ - [٢١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ
وَ يَقُولُ مَا بَيْنَ الْرُكْنَيْنِ: ﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِىِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَّةً
وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ]
الشرح
٢٦٠٥ - قوله: (وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ السَّائِبِ) المخزومي المكي، له ولأبيه
صُحبة، وكان قارئ أهل مكة، تقدم ترجمته. (مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ) أي: الحجر الأسود
والركن اليماني كما في رواية لأحمد. وللحاكم ((فِيمَا بَيْنَ رُكْنِ بَنِي جُمَح وَالرُّكْنِ
الْأَسْوَدِ) وهكذا وقع في رواية أخرى لأحمد، وركن بني جمح هو اليماني ونسب
إليهم؛ لأن بيوتهم كانت إلى جهته وبنو جمح بطن من قريش، وكان بالمسجد باب
يسمى بباب بني جمح لذلك. (رَبَّنَا) منصوب بحذف حرف النداء. (آتِنَا) من الإيتاء
أي: أعطنا. (فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً) أي: العلم والعمل أو العفو والعافية والرزق الحسن
أو حياة طيبة أو القناعة أو ذرية صالحة أو المرأة الصالحة الحسناء. (وَفِي الْآخِرَةِ
حَسَنَةً) أي: المغفرة والجنة والدرجات العالية أو مرافقة الأنبياء أو الرضا أو الرؤية
واللقاء، وقيل: الحور العين. وقيل في تفسير الحسنتين المذكورتين في الآية غير
ذلك.
قال القرطبي: والذي عليه أكثر أهل العلم أنَّ الْمَرَاد بالحسنتين نعيم الدنيا
والآخرة. قال: وهذا هو الصحيح فإن اللفظ يقتضي هَذَا كله، فإن حسنة نكرة في
(٢٦٠٥) أَبُو دَاوُد (١٨١٢)، وَالنَّسَائِي في ((الكبرى)) (٣٩٣٤) فِهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ السَّائِبِ.