النص المفهرس
صفحات 21-40
٢٠
see ** * ee
PHONE **
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وهو الخبب، ولذا جاءَ في بعضٍ روايات الحديث: رمل، وفي بعضها: خبَّ،
والمعنى واحد .
(مِنَ الْحَجَرِ) أي: الأسود. (إِلَى الْحَجَرِ) هذا نص في استيعاب الرمل لجميع
الطوفة، يعني: في مشروعية الرمل في جميع المطاف من الحجر إلى الحجر،
وحديث ابن عباس المروي في بيان سبب الرمل نص في عدم الاستيعاب، وأن
يمشوا ما بين الركنين اليمانيين، والجواب عن هذا الاختلاف أن حديث ابن عباس
الذي فيه أنهم مشوا ما بين الركنين كانَ في عُمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبع،
وما في الروايات الأخرى من الرمل من الحجر إلى الحجر في حجة الوداع سنة
عشر فهو ناسخ لحديث ابن عباس. وقيل: إن الرمل سُنة فعذرهم النبي ◌َّ في
عمرة القضاء في استيعاب الرمل بجميع الطوفة لضعفهم بالحمى، قال الباجي: إن
جابرًا عاين ما روى عام حجة الوداع وابن عباس إنما روى عن غيره، فإنه لم يشاهد
عام القضية لصغره مع أنه يحتمل أن يكون النبي وَل ترك رمل ما بين الركنين، وإن
كان مشروعًا لحاجته إلى الإبقاءِ على أصحابه، فلما ارتفعت هذه العلة لزم استدامة
الرمل المشروع، انتهى.
وقال ابنُ قدامة: الرمل سُنة في الأشواط الثلاثة بكمالها يرمل من الحجر إلى أن
يعود إليه، لا يمشي في شيء منها، روي ذلك عن عمر وابنه وابن مسعود وابن
الزبير، وبه قال عروة والنخعي ومالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي. وقال
طاوس وعطاء والحسن وسعيد بن جبير والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله:
يمشي ما بين الركنين لرواية ابن عباس. ولنا ما روى ابنُ عُمر: أنه وَّ رمل من
الحجر إلى الحجر، وحديث جابر عند مسلم قالَ: رأيتُ رسولَ اللهِ وَلّه رَمَل منَ
الحجرِ الأسودِ حتى انْتَهى إليهِ ثلاثة أطواف. وهذا يقدَّمُ على حديث ابن عباس
لوجوهٍ، الأول: أنه مثبت. والثاني: أن رواية ابن عباس إخبار عن عُمرة القضية،
وهذا إخبار عن حجة الوداع فيكون متأخرًا ويجب العمل به. والثالث: أن ابن
عباس كان في تلك الحال صغيرًا. والرابع: أن جلة الصحابة عملوا بما ذكرنا، ولو
علموا من النبي وقّ ما قال ابن عباس ما عدلوا عنه إلى غيرهٍ، ويحتملُ أن ما رواه
ابن عباس يختصُّ بالذين كانوا في عمرة القضية لضعفهم والإبقاء عليهم، وما
رويناه سنة في سائر الناس، انتهى. ويظهر من كلام ابن حزم في ((المحلى) أنه مال
٢١
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ دُخُولٍ مَكَّةً وَالطَّوَاف
إلى أن الرمل من الحجر الأسود إلى الركن اليماني واجب وفيما بينهما جائز.
(وَكَانَ يَسْعَى)، أي: يسرع ويشتد عدوًّا، قاله القاري. واعلم: أن السعي في
كلامهم يطلق على معنيين؛ الأول: المشي بين الصفا والمروة، وهو المذكور في
كلامهم إذا أطلقوا السعي بين الصفا والمروة. والثاني: شدة المشي بين الميلين
الأخضرين وهو المراد في هذا الحديث، وهو مندوب وسنة عند الجمهور، منهم
الحنفية وهو المرجح عند المالكية .
(بِبَطْنِ الْمَسِيلِ)، أي: المكان الذي يجتمع فيه السيل. قال الحافظ: المراد
ببطن المسيل الوادي؛ لأنه موضع السيل. وقال القاري: بطن المسيل اسم موضع
بين الصفا والمروة، وجعل علامته بالأميال الخضر، انتهى. والميلان الأخضران
هما العلمان، أحدهما: بركن المسجد، والآخر بالموضع المعروف بدار العباس،
وقد أزيلت الدار للتوسعة، وهما بعد العمارة الجديدة بجداري المسعى. قال
النووي: السعي ببطن المسيل مجمع على استحبابه، وهو أنه إذا سعى بين الصفا
والمروة استحبَّ أنْ يكونَ سعيُهُ شديدًا في بطن المسيل وهو قدر معروف. وقال
ابن قدامة: إن الرمل في بطن الوادي سنة مستحبة؛ لأن النبي وَل سعى وسعى
أصحابه، فروت صفية بنت شيبة عن أمِّ ولد شيبةٍ قالتْ: رأيتُ رسول اللّه وَله يسعى
بين الصفا والمروة ويقولُ: ((لَا يُقْطَعُ الأَبْطِحُ إِلَّ شَدًّا)). وليس ذلك بواجبٍ، ولا
شيء على تاركه، فإن ابنَ عُمر قال: إن أسع بين الصفا والمروة، فقد رأيت
رسول اللَّهِ وَلّه يَسْعى، وإن أمش فقد رأيتُ رسول اللَّه ◌َ لّ يمشي وأنا شيخ كبير،
رواهما ابنُ ماجه، وروى هذا أبو داود، ولأن ترك الرمل في الطواف بالبيتِ لا
شيء فيه فبين الصفا والمروة أولى، انتهى. وكذلك عند الحنفية والمالكية كما
صرَّح به في فُرُوعهم.
تنبيه:
قيل: في وجهِ مشروعية السعي الشديد والجري في بطنِ الوادي: ما رواه
البخاريُّ عن ابن عباس، ومحصله: أن هاجر لما تركها إبراهيم عند البيت عند
دوحة فوق زمزم في أعلى المسجدِ عطشت وعطش ابنها حين نفدَ ما في السقاء من
الماء وانقطع درها واشتد جوعهما؛ حتى نظرت إلى ابنها يتشحط ويتلوَّى،
٢٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فقامت على الصفا وهو أقرب جبل يليها، ثم
استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا، فلم ترَ أحدًا، فهبطت من الصفا حتى إذا
بلغت الوادي رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت
الوادي، ثم أَتَت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدًا، فلم تر أحدًا، ففعلت
ذلك سبع مراتٍ. قال ابنُ عباسٍ: قال النبيُّ ◌َّهِ: ((فَلِذَلِكَ سَعَى النَّاسُ بَيْنَهُمَا)).
فجعلَ ذَلِك نسكًا إظهارًا لشرفهمًا وتفخيمًا لأمرهما.
قال الشاه ولي اللَّه الدهلوي: السرُّ في السعي بين الصفا والمروة على ما وردَ في
الحديثِ أن هاجر أم إسماعيل ◌ُالَّ لما اشتدَّ بها الحال سَعَت بينهما سعي الإنسان
المجهود، فكشف اللَّه عنهما الجهد بإبداء زمزم، وإلهام الرغبة في الناس أن
يعمروا تلك البقعة، فوجبَ شكر تلك النعمة على أولاده ومن تبعهم، وتذكر تلك
الآية الخارقة لتبهت بهيميتهم وتدلهم على اللهِ، ولا شيء في هذا مثل أن يعضد
عقد القلب بهما بفعلٍ ظاهر منضبط مخالف لمألوف القوم فيه تذلل عند أول
دخولهم مكة، وهو محاكاة ما كانت فيه من العناء والجهد، وحكاية الحال في مثل
هذا أبلغ بكثير من لسان المقال، انتهى.
وروى أحمدُ عن ابنِ عباسٍ: أنَّ إبراهيم ◌َلَّمُ لما أمرَ بالمناسك عرض الشيطان
له عند السعي فسابقه فسبقه إبراهيم. وقيل: إنَّما سعى نبينا وَّ إظهارًا للجلد والقوة
للمشركين الناظرين إليه في الوادي، وهذا كان في عُمرة القضاءِ، ثم بقي بعده
كالرمل في الطواف؛ إذ لم يبق في حجة الوداع مشرك بمكة.
(إِذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ)، أي: سَعى بينهما، واختلفَ أهلُ العلم في حكم
السعي على ثلاثة أقوالٍ: أحدها: أنه ركنٌ لا يصحُّ الحج، إلا بهِ، وهو قول ابن
عمر وعائشة وجابر، وبه قال الشافعي ومالك في المشهورِ، وأحمد في أصحِّ
الروايتين عنْهُ، وإسحاق وأبو ثور، والقول الثاني: أنه واجب يجبرُ بدم، وبه قال
الثوري وأبو حنفية ومالك في ((العتبية)) كما حكاه ابن العربي. و((الثالث)): أنه ليسَ
بركن ولا واجب بل هو سُنة ومستحبٌّ، وهو قول ابن عباس وابن سيرين وعطاء
ومجاهد وأحمد في رواية.
قال الحافظُ في ((الفتح)) بعدَ ذكر الأقوال الثلاثة المذكورة: واختلف عن أحمد
٢٣
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ دَخُولٍ مَكْةٌ وَالطَّوَاف
كهذه الأقوال الثلاثة، وعند الحنفية تفصيل فيما إذا ترك بعض السعي كما هو
عندهم في الطواف بالبيت. وقال ابن قدامة: اختلفت الرواية في السعي، فرُوي
عن أحمد: أنه ركنٌ لا يتمُّ الحج إلا بهِ، وهو قول عائشة وعروة ومالك والشافعي
لما رُوي عن عائشة، قالت: طافَ رسولُ اللَّه ◌َليه وطاف المسلمون يعني بين الصفا
والمروة فكانت سنة، ولعمري ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة،
رواه مسلم. ثم ذكر حديثٍ صفية بنت شيبة الآتي من رواية ابن ماجه، وفيه:
سمعته يقولُ: ((اسْعَوْا فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ)). وسيأتي الكلام عليه، ورُوي
عن أحمد: أنه سُنة لا يجبُ بتركه دمٌ، رُوي ذلك عن ابن عباسٍ وأنس وابن الزبير
وابن سيرين؛ لقول الله تعالى ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٨٥] ونفي
الحرج عن فاعله دليل على عدم وجوبهِ، فإن هذا رتبة المباح، وإنما تثبت سُنيته
بقوله: ﴿مِنْ شَعَابِرِ اللّهِ﴾ ورُوي أنَّ في مصحف أُبيِّ وابن مسعود: ((فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ
أَن لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا)). وهذا إن لم يكن قرآنًا فلا ينحط عن رتبة الخبر؛ لأنهما يرويانه
صَلى اله
وسيلة.
عن النبي
وقال القاضي: هو واجبٌ وليسَ بركنٍ، إذا تركه وجب عليه دم، وهو مذهب
الحسن وأبي حنيفة والثوري، وهو أولى؛ لأنَّ دليل من أوجبه دلَّ على مطلق
الوجوب لا على كونه لا يتمُّ الحج إلا به، وقول عائشة في ذلك معارض بقولٍ من
خالفها من الصحابة، وحديث صفية بنت شيبة عن ابنة أبي تجراة، قال ابن المنذر:
يرويه عبدُ الله بن المؤمل، وقد تكلَّمُوا في حديثهِ، ثم هو يدلَّ على أنه مكتوب وهو
الواجب، وأما الآية فإنها نزلت لما تحرج ناس من السعي في الإسلام؛ لما كانوا
يطوفون بينهما في الجاهلية لأجل صنمين كانا على الصفا والمروة، كذلك قالت
عائشة، انتهى. وسيأتي مزيد الكلام في مسألة السعي في شرح حديث صفية بنت
شيبة عن بنت أبي تجراة.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) قال صاحب ((تنقيح الرواة)): أخرجه أيضًا أحمد والبخاري ثلاثتهم
في حديثين، فالحديث مُتَّفْق عَلَيه، أخرجه البيهقي كذلك.
٢٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٥٩٠ - [٦] وَعَنْ جَابِرِ، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَتَّى
الْحَجَرَ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ مَشَى عَلَىَّ يَمِينِهِ فَرَمَلَ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا.
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشرح
٢٥٩٠ - قوله: (لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَتَى الْحَجَرَ)، أي: الأسود وهو في ركن الكعبة
القريب بباب البيت من جانب الشرق، وارتفاعه من الأرض ذراعان وثلثا ذراع.
(فَاسْتَلَمَهُ)، أي: لمسه وقبله. (ثُمَّ مَشَى عَلَى يَمِينِهِ)، أي: يمين نفسه مما يلي
الباب، وقيل: على يمين الحجر، والمعنى: يدورُ حول الكعبة على يسارِهِ. وفيه:
دليل على أنَّه يستحبُّ أن يكون ابتداء الطواف من الحجر الأسود بعد استلامه،
وحكى في ((البحر)) عن الشافعي أن ابتداء الطواف من الحجر الأسود فرض. وفيه
أيضًا: دليل على مشروعية مشى الطائف بعد استلام الحجر على يمينه جاعلاً البيت
عن يساره، وقد ذهب إلى أن هذه الكيفية شرط لصحة الطواف الأكثر، قالوا: فلو
عكس لم يجزه. قال الشوكاني: ولا يخفاك أن الحكم على بعض أفعاله ربَّ في
الحج بالوجوب لأنها بيان لمجمل واجب وعلى بعضها بعدمه - تحكم محض؛
لفقد دليل يدل على الفرق بينهما .
(فَرَمَلَ ثَلَاثًا)، أي: في ثلاث مرات من الأشواط. (وَمَشَى أَرْبَعًا)، أي:
بالسكون والهيئة. قال النووي: في هذا الحديثِ أنَّ السنةَ للحاجِّ أنْ يبدأ أول قدومه
بطوافٍ القدوم ويقدمه على كلٍّ شيءٍ، وأن يستلمَ الحجر الأسود في أولٍ طوافهِ،
وأن يرمل في ثلاث طوفات من السبع ويمشي في الأربع الأخيرة.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجَهُ أيضًا النسائي والترمذي والبيهقي.
(٢٥٩٠) مُسْلِم (١٢١٨/١٥٠) عَنْ جَابِرٍ فِيهِ.
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ دخولٍ مَكْةً وَالطَّوَاف
PE
٢٥
٢٥٩١ - [٧] وَعَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَرَبِيٍّ، قَالَ: سَأَلَ رَجُلُ ابْنَ عُمَرَ عَنِ
اسْتِلَامِ الْحَجَرِ، فَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَسْتَلِمُهُ، وَيُقَبِّلُهُ.
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ] {صحيح}
الشرح
٢٥٩١ - قوله: (وَعَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَرَبِيٍّ) بفتحِ الراء بعدها موحدة، ثم ياء
مشددة، النمري أبو سلمة البصري تابعي ثقة، قال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)):
روى عن ابن عمر، وعنه ابنه إسماعيل وحماد بن زيد وسعيد بن زيد ومعمر، قال
الأثرم عن أحمد: أراه لا بأس به. وقال ابن معين: ثقة. وقال النسائي: ليس به
بأس. أخرج البخاري والترمذي والنسائي له حديثًا واحدًا في استلامِ الحجرِ،
وذكره ابن حبان في ((الثقات))، انتهى.
G تنبيه:
قال الحافظ في ((الفتح)): قال أبو علي الجياني: وقعَ عندَ الأصيلي عن أبي أحمد
الجرجاني، الزبير بن عدي بدال مهملة بعدها ياء مشددة وهو وهم وصوابه :
عَربي. براء مهملة بعدها موحدة ثم ياء مشددة كذلك رواه سائر الرواة عن
الفربري، انتهى. وكأنَّ البخاري استشعر هذا التصحيف فأشار إلى التحذير منه،
فحكى الفربري أنه وجد في كتاب أبي جعفر - يعني: محمد بن أبي حاتم - ورَّاق
البخاري قال: قال أبو عبد الله - يعني البخاري -: الزبير بن عربي هذا بصري،
والزبير بن عدي كوفي، انتهى. هكذا وقع عند أبي ذر عن شيوخه عن الفربري،
وعند الترمذي من غير رواية الكروخي عقب هذا الحديث: الزبير هذا هو ابن
عربي، وأما الزبير بن عدي فهو كوفي. ويؤيده أن في رواية أبي دواد الطيالسي
الزبير بن العربي بزيادة الألف ولام، وذلك مما يرفع الإشكال.
(سَأَلَ رَجُلٌ) قال الحافظ: هو الزبير الرواي كذلك وقع عند أبي داود الطيالسي
عن حماد حدثنا الزبير سألت ابن عمر. (عَنِ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ)، أي: هو سُنة؟
(٢٥٩١) الْبُخَارِي (١٦١١) عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ، والتَّرْمذي (٨٦١)، والنَّسَائِي (٢٣١/٥).
٢٦
DeX
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(يَسْتَلِمُهُ) أي: باللمس ووضع اليد عليه، قاله القاري. وقال في ((اللمعات)):
الاستلام يتناول اللمس والتقبيل بعده فذكر التقبيل بعد الاستلام في حكم ذكر
الخاص بعد العام، أو يراد هنا اللمس بقرينة ذكر التقبيل بعده، انتهى. والمراد: أن
يستلمه بيمينه فإن عجز فبيساره أي يمسحه بها. (وَيُقَبِّلُهُ) قال الشوكاني: فيه دليل
على أنه يستحبُّ الجمع بين استلام الحجر وتقبيله، والاستلام المسح باليد والتقبيل
لها، كما في حديث نافع، قال: رأيت ابن عمر استلم الحجر بيده ثم قبل يده،
وقال: ما تركتُهُ منذُ رأيتُ رسولَ اللهِ وَلَه يفعلُهُ. قال الحافظ: يستفادُ منه استحباب
الجمع بين الاستلام والتقبيل بخلاف الركن اليماني فيستلمه فقط. والاستلام
المسح باليد، والتقبيل يكون بالفمِّ فقط. وروى الشافعي من وجه آخر عن ابن عمر
قال: استقبل النبي بَّه الحجر فاستلمه، ثم وضعَ شفتيه عليه طويلاً يبكي
... الحديث. واختص الحجر الأسود بذلك لاجتماع الفضيلتين له كما تقدَّم.
وقال الطبري بعد ذكر رواية الشافعي: والعملُ على هذا عند أهل العلم في كيفية
التقبيل من غير تصويت كما يفعله كثير من الناس. وقال الحافظ: المستحب في
التقبيل أن لا يرفع به صوته، وروى الفاكهي عن سعيد بن جبير قال: إذا قبلت الركن
فلا ترفع بها صوتك كقبلة النساء، انتهى. قلت: أباح التقبيل بالصوت غير واحد
من المالكية خلافًا للجمهور. (رَوَاهُ البُخَارِيُّ) وأخرجه أيضًا النسائي وأبو داود
الطيالسي والبيهقي وعزاه الحافظُ في ((تهذيبه)) للترمذيِّ أيضًا كما تقدَّم، وليسَ هو
في رواية الكروخي للترمذيِّ.
٢٥٩٢ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: لَمْ أَرَ النَِّيَّ نَّهِ يَسْتَلِمُ مِنَ الْبَيْتِ
إِلّ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٥٩٢ - قوله: (لَمْ أَرَ النَّبِيَّ وَِّّهِ يَسْتَلِمُ مِنَ الْبَيْتِ)، أي: من أركانه أو من
(٢٥٩٢) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١٦٠٩)، ومُسْلِم (١٢٦٧/٢٤٢) عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ. أَبُو دَاوُد،
والنسائي، وابن مَاجَهْ.
٢٧
كِتَابُ المُنَاسِكِ
Excasa **
بَابُ دخُولِ مَكَّةً وَالطَّوَاف
أجزائه. (إِلَّا الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ)، أي: دون الركنين الشاميين، واليماني بتخفيف
الياء على المشهور؛ لأن الألف عوض عن ياء النسب، فلو شددت لكان جمعًا بين
العوض والمعوض، وجوَّز سيبويه التشديد وقال: إن الألف زائدة، كذا في
((الفتح))، وقال الشيخ الدهلوي: الأشهر في اليمانيين تخفيف الياء وقد يشدد،
والأصلُ في النسبة يمني، وقد جاء يمان بمعنى النسبة. والمراد بالركنين اليمانيين
الركن الأسود والركن اليماني الذي يليه من نحو دور الجمحيين، وإنما قيل لهما
اليمانيان للتغليب كما في الأبوين والقمرين والعمرين وأمثالها، والركنان الآخران
أحدهما شامي وثانيهما عراقي، ويقال لهما: الشاميان تغليبًا. وإنما اقتصر ◌َّ على
استلام اليمانيين لما ثبت في ((الصحيحين)) من قول ابن عمر: أنَّهما على قواعدٍ
إبراهيمَ دُون الشاميين. ولهذا كان ابن الزبير بعد عمارته للكعبة على قواعد إبراهيم
يستلمُ الأركان كلها كما روى ذلك عنه الأزرقي في كتاب ((مكة))، فعلى هذا يكون
للركن الأول من الأركان الأربعة فضيلتان: كون الحجر الأسود فيه، وكونه على
قواعد إبراهيم، وللثاني الثانية فقط، وليسَ للآخرين أعنى: الشاميين - شيء منهما
فلذلك يقبل الأول ويستلم الثاني فقط، ولا يقبل الآخران ولا يستلمان على رأي
الجمهورِ، وروى ابنُ المنذرِ وغيره استلام الأركان جميعًا عن جابر وأنس والحسن
والحسين من الصحابة وعن سويد بن غفلة من التابعين، وقد أخرج البخاري
ومسلم: أن عبيد بن جريج قال لابن عُمر: رأيتُك تصنعُ أربعًا لم أر أحدًا من
أصحابك يصنعها. فذكر منها: ورأيتك لا تمس من الأركان إلا اليمانيين. وفيه
دليل على أن الذين رآهم عبيد بن جريج من الصحابة والتابعين كانوا لا يقتصرون
في الاستلام على الركنين اليمانيين.
وقال بعض أهل العلم: اختصاص الركنين مبين بالسنة ومسند التعميم القياس،
كذا في ((النيل)) و((الفتح)). وقال القاضي أبو الطيب: أجمع أئمة الأمصار والفقهاء
على أن الركنين الشاميين لا يستلمان، قال: وإنما كان فيه خلاف لبعض الصحابة
والتابعين، وانقرض الخلاف وأجمعوا على أنهما لا يستلمان. وفي رواية لابنٍ عُمر
عند مسلم: أن رسول اللّه وَلَ كان لا يستلمُ إلَّ الحجرَ والركنَ اليماني. قال
النووي: يحتجُّ به الجمهور في أنه يقتصر بالاستلام في الحجر الأسود عليه دون
الركن الذي هو فيه خلافًا للقاضي أبي الطيب من الشافعية.
٢٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي،
وللترمذي معناه من رواية ابن عباسٍ .
٢٥٩٣ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: طَافَ النَّبِيُّ ◌َّهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ
عَلَى بَعِيرٍ ، يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ.
{صحيح}
الشرح
٢٥٩٣ - قوله: (طَافَ النَّبِيُّ ◌َّهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ) كان هذا في طوافٍ
الإفاضة يوم النحر أو في طواف الوداع، وأما طوافه ماشيًا فكان في طواف القدوم
كما يفيده حديث جابر الطويل. قال الشيخ الدهلوي: إنما طافَ رسولُ اللَّه وَه
راكبًا لكثرة ازدحام الناس وسؤالهم عنه وَّ الأحكام، وكانت ناقته محفوظة من
الروث والبول فيه. وأما الطواف راكبًا لغيره وَّله فجائز أيضًا، والأفضل المشي
انتهى. وقال الحافظ: حمل البخاري سبب طوافه ◌َ ل# راكبًا على أنه كان عن شكوى
- حيثُ أدخل حديث ابن عباس في باب المريض يطوف راكبًا - وأشار بذلك إلى
ما أخرجه أبو داود وأحمد من حديث ابن عباس أيضًا بلفظ: قدِمَ النبيُّنَّه مكةً وهو
يَشْتَكِي فطافَ على راحِلَتِه. ووقعَ في حديث جابر عند مسلم: أنَّ النبيَّ نَِّ طافَ
راكبًا ليراه الناس وليسألوه، فيحتملُ أن يكون فعل ذلك للأمرين وحيئذٍ لا دلالة فيه
على جواز الطواف راكبًا لغير عُذرٍ، وكلام الفقهاء يقتضي الجواز إلا أن المشي
أولى والركوب مكروه تنزيهًا، قال: والذي يترجح المنع؛ لأنَّ طوافَهُ مَل وكذا أم
سلمة كان قبل أن يحوط المسجد، فإذا حوط امتنع داخله؛ إذ لا يؤمن التلويث فلا
يجوز بعد التحويط بخلاف ما قبله، فإنه كان لا يحرم التلويث كما في السعي،
قال: وأما طواف النبي وَلو راكبًا فللحاجة إلى أخذ المناسك عنه، ولذلك عده
بعض من جمع خصائصه فيها، واحتمل أيضًا أن تكون راحلته عصمت من التلويث
حينئذ كرامة له، فلا يقاسُ غيره عليه، وأبعد من استدل به على طهارة بول البعير
(٢٥٩٣) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٦٠٧)، ومُسْلِم (٢٥٣/ ١٢٧٢) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ، وأَبُو دَاوُد
(١٨٧٧)، والنَّسَائِي (٤٧/٢)، وابن مَاجَهْ (٢٩٤٨).
٢٩
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ دُخُولِ مَكّْةٌ وَالطَّوَاف
وبعره، انتهى. وسيأتي الكلام في هذا في شرح حديث أم سلمة في الفصل الثالث.
قال ابن قدامة في ((المغني)) (ج٣: ص ٣٩٧): لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في
صحة طواف الراكب إذا كان له عذر؛ فإن ابن عباس روى أنه تمَّ# طاف في حجة
الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن. وعن أمّ سلمة قالت: شكوت
... الحديث، مُتَفَقٌ عَلَيهما، وقال جابرٌ: طافَ النبيُّ وَّه على راحلته بالبيتِ وبين
الصفا والمروة؛ ليراه الناس وليشرف عليهم ليسألوه، فإن الناس غشوه.
والمحمول كالراكب فيما ذكرناه. قال: فأما الطواف راكبًا أو محمولًا لغير عذرٍ
فمفهوم كلام الخرقي أنه لا يجزئ وهو إحدى الروايات عن أحمد؛ لأنَّ النبي ◌ِِّيه
قال: الطواف بالبيت صلاة. والثانية: يجزئه ويجبره بدم وهو قول مالك، وبه قال
أبو حنيفة إلا أنه قال: يعيد ما كان بمكة، فإن رجع جبره بدم؛ لأنه ترك صفة واجبة
في ركن الحج. والثالثة: يجزئه ولا شيء عليه، اختارها أبو بكرٍ، وهي مذهب
الشافعي وابن المنذر؛ لأنَّ النبيَّ وَّ طاف راكبًا .
قال ابن المنذر: لا قول لأحد مع فعل النبي وَليل، ولأن الله تعالى أمر بالطواف
مطلقًا فكيفما أتى به أجزأه. ولا يجوز تقيد المطلق بغير دليل. ولا خلاف في أن
الطواف راجلًا أفضل؛ لأنَّ أصحابَ النبي ◌ِّ طافوا مشيًّا، والنبي ◌َّ في غير حجة
الوداع طاف مشيًّا، وفي قول أم سلمة: شكوتُ إِلى النبيِّ ◌َّل أني أشتكي؟ فقال:
((طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ)) دليلٌ على أنَّ الطواف إنما يكون مشيًّا، وإنما
طاف النبيِ وَّ راكبًا لعذرٍ، فإن ابنَ عباس روى: أن رسول اللَّه ◌َل كثرَ عليه الناسُ
يقولون: هذا محمد هذا محمد، حتى خرجَ العواتق من البيوتِ، وكان رسولُ اللهِ
رَّ لا يضرب الناس بين يديه، فلما كثروا عليه رَكب. رواه مسلمٌ. وكذلك في
حديث جابر: فَإِنَّ النَّاسَ غَشُوهُ. ورُوي عن ابن عباس: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لَه طافَ
راكبًا لشكاٍ بِهِ. وبهذا يعتذرُ من منع الطواف راكبًا عن طواف النبي بَّه
والحديث الأول - يعني: حديث ابن عباس الأول - أثبت. قال: فعلى هذا يكون
كثرة الناس وشدة الزحام عذرًا، ويحتمل أن يكون النبي ◌َّ قصد تعليم مناسكهم
فلم يتمكن منه إلا بالركوب، والله أعلم، انتهى.
وقال النووي في ((شرح المهذب)): قال أصحابنا: الأفضلُ أن يطوف ماشيًا ولا
٣٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
يركب إلا لعذر مرض أو نحوه أو ما كان ممن يحتاجُ الناسُ إلى ظهورِهِ ليستفتى
ويقتدى بفعلِهِ، فإنْ طافَ بلا عذرٍ جازَ بلا كراهية، لكنه خالف الأولى، كذا قاله
جمهور أصحابنا، وكذا نقله الرافعي عن الأصحاب.
وقال إمام الحرمين: في القلب من إدخال البهيمة التي لا يؤمن تلويثها المسجد
شيء، فإنْ أمكن الاستيثاق فذلك، وإلا فإدخالها المسجد مكروه، هذا كلام
الرافعي. وجزمَ جماعةٌ من أصحابِنا بكراهةِ الطواف راكبًا من غير عذرٍ، والمرأة
والرجل في الركوبِ سواء فيما ذكرناه. قال الماوردي: وحكم طواف المحمول
على أكتاف الرجال كالراكب فيما ذكرناه. قال: وإذا كان معذورًا فطوافه محمولًا
أولى منه راكبًا صيانة للمسجد من الدابة، قال: وركوبُ الإبل أيسر حالًا من
ركوب البغال والحمير.
(يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ) بكسر الميم وسكون المهملة وفتح الجيم بعدها نون هو
عصا محنية الرأس، والحجن الاعوجاج، وبذلك سمي الججون، والمعنى: أنه
يؤمى بعصاه إلى الركن حتى يصيبه، قال ابن التين: هذا يدلّ على قربه من البيت
لكن من طاف راكبًا يستحب له أن يبعد إن خاف أن يؤذي أحدًا، فيحمل فعله وَل
على الأمن من ذلك، انتهى. ويحتمل أن يكون في حال استلامه قريبًا حيث أمن
ذلك وأن يكون في حال إشارته بعيدًا حيث خاف ذلك. وزاد مسلمٌ من حديثٍ أبي
الطفيل كما سيأتي: وَيُقَبِّلُ الْمِحْجَنَ. وله من حديثٍ ابنٍ عُمر أنَّه استلمَ الحجر بيده
ثم قبل يده ورفع ذلك. ولسعيد بن منصور من طريق عطاء قال: رأيت أبا سعيد وأبا
هريرة وابن عمر وجابرًا إذا استلموا الحجر قبلوا أيديهم. قيل: وابن عباس؟ قال:
وابن عباس. أحسبه قال: كثيرًا. وبهذا قال الجمهور: أن السنة أن يستلم الركن
ويقبل يده، فإن لم يستطع أن يستلمه بيده استلمه بشيء في يده وقبل ذلك الشيء،
فإن لم يستطع أشار إليه واكتفى بذلك، وعن مالك في رواية: لا يقبل يده. وكذا
قال القاسم بن محمد بن أبي بكر، وفي رواية عند المالكية يضع يدَهُ على فمِهِ من
غير تقبيلٍ، كذا في ((الفتح)).
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) وأخرجَهُ أيضًا أحمد وأبو داود والنسائي وابنُ ماجه.
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ دْخُولِ مَكَّةٌ وَالطَّوَاف
EXRET
٣١
٢٥٩٤ - [١٠] وَعَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ نَّهِ طَافَ بِالْبَيْتِ عَلَى بَعِيرِ، كُلَّمَا
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ] {صحيح}
أَتَى عَلَى الرُّكْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ فِي يَدِهِ، وَكَبَّرَ.
الشرح
٢٥٩٤ - قوله: (طَافَ بِالْبَيْتِ عَلَى بَعِيرٍ) قال الطبري بعد ذكر الأحاديث التي
تدلُّ على إباحة الطواف على الراحلة: هذه الأحاديث تدلّ على جواز الركوب في
الطواف، وخصه مالك بالضرورة استدلالًا بحديث ابن عباس عند أحمد وأبي
داود: أنَّ النبيَّ وَّهَ قدم مكةً وهو يشتكي وطافَ على راحلَتِه. وبقوله في حديث
جابر: ليرَاهُ الناسُ وليشرفَ عليهم. واختاره الشافعي مطلقًا مع كراهية، وعند
مالك وأبي حنيفة إِن قرب أعاد وإن بعد فعليه دم. (كُلِّمَا أَتَّى عَلَى الرُّكْنِ)، أي:
الحجر الأسود. (أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ) المراد بالشيء المحجن الذي تقدم في الرواية
الماضية. قال القاري: وفيه إشارة إلى أن الركن اليماني لا يشار إليه عند العجز عن
الاستلام كما هو الصحيح من مذهبنا. (فِي يَدِهِ) كذا في ((المشكاة))، وهكذا نقله
الطبري في ((القرى)) والمجدِ في ((المنتقى))، وفي البخاري: ((عِنْدَهُ)). بدل: ((فِي
يَدِهِ)). (وَكَبَّرَ)، أي: قال: الله أكبر، وفيه استحباب التكبير عند الركن الأسود في
كل طوفة. (رَوَاهُ البُخَارِيُّ) وأخرجَهُ أيضًا أحمد (ج١: ص ٢٦٤) والترمذي
والدارمي وغيرهم.
٢٥٩٥ - [١١] وَعَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللّهِ وَهِ يَطُوفُ
بِالْبَيْتِ، وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنِ مَعَهُ، وَيُقَبِّلُ الْمِحْجَنَ. [رَوَاهُ مُسْلِمُ] (صحيح}
الشرح
٢٥٩٥ - قوله: (وَعَنْ أَبِي الطَّفَيْلِ) هو عامر بن واثلة بن عبد الله بن عمرو بن
(٢٥٩٤) البُخَارِي (١٦٣٢)، وَالتِّرْ مِذِي (٨٦٥)، وَالنَّسَائِي (٢٣٣/٥) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوْتَهُ فِيهِ .
(٢٥٩٥) مُسْلِم (١٢٧٥/٢٥٧)، وَأَبُو دَاوُد (١٨٧٩)، وَابن مَاجَهْ (٢٩٤٩) عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ فِيهِ.
٣٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
جحش الكناني الليثي أبو الطفيل، ويقال: اسمه عمرو، والأول أصحُّ وهو بكنيته
أشهر، وقال المصنف: غلبت عليه كنيته. ولد عام أحد، أدرَكَ من حياةِ النبيِّ وَل
ثمان سنين، وكان يسكن الكوفة ثم انتقل إلى مكة، روى عن النبي ◌َّه وعن أبي
بكر وعمر وعليٍّ وغيرهم من الصحابة والتابعين، وكان من أصحاب على المحبين
له وشهد مع مشاهده كلها، وكان ثقة مأمونًا يعترف بفضل أبي بكر وعمر وغيرهما
إلا أنه كان يقدم عليًّا، وقال ابن سعد: كان أبو الطفيل ثقة في الحديث متشيعًا،
وعُمِّر إلى أن مات سنة عشر ومائة على الصحيح. وهو آخر من مات من الصحابة،
قاله مسلم وغيره.
(يَطُوفُ بِالْبَيْتِ)، أي: راكبًا. (وَيُقَبِّلُ الْمِحْجَنَ)، أي: بدل الحجر للماشي،
قال الأمير اليماني في ((السبل)): الحديث دال على أنه يجزئ عن استلامه باليد
استلامه بآلة ويقبل الآلة كالمحجن والعصا، وكذلك إذا استلمه بيده قبَّل يده، فقد
روى الشافعي أنه قال ابن جريج لعطاء: هل رأيت أحدًا من أصحاب رسول اللّه وَائِه.
إذا استلموا قبَّلوا أيديهم؟ قال: نعم؛ رأيت جابر بن عبد الله وابن عمر وأبا سعيد
وأبا هريرة إذا استلموا قبَّلوا أيديهم، فإن لم يمكن استلامه لأجل الزحمة قام حياله
ورفع يديه وكبر؛ لما رُوي أن النبي ◌َِّ قال: ((يَا عُمَرُ إِنَّكَ رَجُلٌ قَوِيٌّ لَا تُزَاحِمْ عَلَى
الْحَجَرِ فَتُؤْذِي الضُّعَفَاءَ، إِنْ وَجَدْتَ خَلْوَةً فَاسْتَلِمْهُ وَإِلَّا فَاسْتَقْبِلْهُ وَهَلَّلْ وَكَبِّرْ)) رواه
أحمد والأزرقي. وإذا أشار بيده فلا يقبِّلها؛ لأنه لا يقبل إلا الحجر أو ما مس
الحجر، انتهى.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج٥: ص ٤٥٤) وأبو داود وابن ماجه.
٣٣
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
exxe
بَابُ دخولِ مَكّة والطواف
٢٥٩٦ - [١٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ بَ لَا نَذْكُرُ إِلَّا
الْحَجَّ، فَلَمَّا كُنَّا بِسَرِفَ طَمِثْتُ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ بَهِ وَأَنَا أَبْكِي فَقَالَ: (لَعَلَّكِ
نَفِسْتِ؟)) قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: ((فَإِنَّ ذَلِكَ شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَافْعَلِي
مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٥٩٦ - قوله: (لَا نَذْكُرُ) قال القاري: أي: في تلبيتنا أو في محاورتنا، وقال
بعضهم: أي: لا نقصد. (إِلَّ الْحَجَّ) فإنه الأصل المطلوب، وأما العمرة فإنها أمر
مندوب، فلا يلزم من عدم ذكرها في اللفظ عدم وجودها في النية. وقال أيضًا: هذا
الحديث بظاهره ينافي قولها السابق: ولم أهلل إلا بعمرةٍ. إلا أن يقال: قولها: ((لَا
نَذْكُرُ إِلَّا الْحَجَّ)). أي: ما كان قصدنا الأصلي من هذا السفر إلا الحج بأحد أنواعه
من القران والتمتع والإفراد، فمنا من أفرد ومنا من قرن ومنا من تمتع، وإني
قصدت التمتع فاعتمرت، ثم لما حصل لي عذرُ الحيضِ واستمرَّ إلى يوم عرفة
ووقت وقوف الحج أمرني أن أرفضها وأفعل جميع أفعال الحج إلا الطواف،
وكذلك السعي إذ لا يصح إلا بعد الطواف، انتهى.
وقال السندي: أرادت عائشة مؤيّها بهذا أن المقصود الأصلي من الخروج ما كان
إلا الحج، وما وقع الخروج إلا لأجله، ومَن اعتمر فعمرته كانت تابعة للحج فلا
يخالف ما سبق أنها كانت معتمرة، وكان في الصحابة رجال معتمرون، ويحتمل
أنها حكاية عن غالب من كان معه ◌َّ من الصحابة في ذلك السفر، انتهى. وتقدم
شيء من الكلام في هذا في شرح حديث عائشة في بابِ الإحرام والتلبية.
(بِسَرِفَ) بفتح المهملة وكسر الراء بعدها فاء موضع قريب من مكة بينهما نحو
عشرة أميال، وهو ممنوع من الصرف وقد يصرف، قاله الحافظ. وقال النووي:
هو ما بين مكة والمدينة بقرب مكة على أميال منها، قيل: ستة، وقيل: سبعة،
(٢٥٩٦) البُخَارِي (٢٩٤) فِي الطَّهَارَةِ، وَالبَاقُونَ: مسلم (١١٩/١٢١١)، وأَبُو دَاوُد (١٧٨٢)،
والنَّسَائِي (١٥٦/٥)، وابن مَاجَهْ (٢٩٦٣) فِي الحَجِّ، كُلُّهُمْ عَنْهَا.
٣٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
وقيل: تسعة، وقيل: عشرة، وقيل: اثني عشر ميلاً، انتهى. وفيه قبر ميمونة زوج
النبي ◌َّر، وقد اتفق التزوج والبناء بها وموتها في هذا الموضع.
(طَمِثْتُ) قال النووي: هو بفتح الطاء وكسر الميم، أي: حضت، يقال: حاضت
المرأة وتحيضت وطمئت وعرَكت - بفتح الراء - ونفست وضحكت وأعصرت
وأكبرت، كله بمعنى واحد، والاسم منه الحيض والطمث والعراك والضحك
والإكبار والإِعصار، وهي حائض وحائضة في لغة غريبة حكاها الفراء، وطامث
وعارك ومكبر ومعصر، انتهى.
(وَأَنَا أَبْكِي)، أي: ظنًّا مِني أنَّ الحيضَ يمنعُ الحج. (لَعَلَّكِ نَفِسْتِ) بفتح النون
وضمها لغتان مشهورتان، الفتح أفصح، والفاء مكسورة فيهما، أي: حضت، وأما
النفاس الذي هو الولادة فيقال فيه: نفست - بالضم - لا غير، ذكره النووي. (فَإِنَّ
ذَلِكَ) بكسر الكاف أي نفاسك بمعنى حيضك. (كَتَبَهُ اللَّهُ)، أي: قدره الله. (عَلَّى
بَنَاتِ آدَمَ) قال القاري: فيه تسلية لها؛ إذ البلية إذا عمت طابت، انتهى. وقال
النووي: هذا تسلية لها وتخفيف لهمها، ومعناه: أنَّك لست مختصة به، بل كل
بنات آدم يكون منهن هذا كما يكون منهن ومن الرجال البول والغائط. واستدل
البخاري في ((صحيحه)) في كتاب الحيض بعموم هذا اللفظ على أنَّ الحيض كان في
جميع بنات آدم، وأنكر به على من قال: إن الحيض أول ما أرسل ووقع في بني
إسرائيل. قال الحافظ: وكأنه يشيرُ إلى ما أخرجَهُ عبد الرزاق عن ابن مسعود بإسناد
صحيح قال: كان الرجال والنساء في بني إسرائيل يصلون جميعًا فكانت المرأة
تتشوف للرجل، فألقى الله عليهن الحيض ومنعهن المساجد، وعنده عن عائشة
نحوه، قال الداودي: ليس بينهما مخالفة، فإن نساء بني إسرائيل من بنات آدم فعلى
هذا فقوله: ((بَنَاتِ آدَمَ)) عام أريد به الخصوص.
قلت - قائله الحافظ: ويمكن أن يجمع بينهما مع القول بالتعميم بأن الذي أرسل
على نساء بني إسرائيل طول مكثه بهن عقوبة لهن لا ابتداء وجوده، وقد روى
الطبري وغيره عن ابن عباس وغيره أن قوله تعالى في قصة إبراهيم ﴿ وَامْرَتُ قَائِمَةٌ
فَضَحِكَتْ﴾ [هود: ٧١]، أي: حاضت، والقصة متقدمة على بني إسرائيل بلا ريب؛
وروى الحاكم وابن المنذر بإسناد صحيح عن ابن عباس: أن ابتداء الحيض كان
٣٥
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابٌ دَخُولٍ مَكّْةٌ وَالطّوَاف
على حواء بعد أن أهبطت من الجنة، وإذا كان كذلك فبنات آدم بناتها، انتهى.
(غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ) قال الطيبي: استثناء من المفعول به و((لا)) زائدة.
(حَتَّى تَطْهُرِي)، أي: بانقطاع الدم والاغتسال، وهو بفتح التاء والطاء المهملة
وتشديد الهاء أيضًا، وهو على حذف إحدى التائين وأصله تتطهري والمراد بالطهارة
الغسل كما وقع في رواية لمسلم: ((حَتَّى تَغْتَسِلِي)).
وفي الحديث: دليل على أن الحائض والنفساء والمحدث والجنب يصح منهم
جميع أفعال الحج وأقواله وهيئاته إلا الطواف وركعتيه، فيصحُّ الوقوف بعرفات
وغيره، وكذلك الأفعال المشروعة في الحج تشرع للحائض وغيرها. وفيه: دليل
على أن الطواف لا يصحُّ من الحائض، وهذا مجمع عليه. وأما السعي فكالطواف
إذ لا يصح إلا بعد الطواف.
قال الشوكاني: الحديثُ ظاهر في نهي الحائض عن الطواف حتى ينقطع دمها
وتغتسل والنهي يقتضي الفساد المرادف للبطلان فيكون طواف الحائض باطلًا،
وهو قول الجمهور، انتهى. وقد تقدم الكلام في اشتراطِ الطهارة للطواف في شرح
حديث عروة عن عائشة ثالث أحاديث هذا الباب.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجَهُ أيضًا أحمدُ والنسائيُّ وابنُ ماجه والبيهقي.
٢٥٩٧ - [١٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرِ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي
أَمَّرَهُ النَّبِيُّ نَّهِ عَلَيْهَا قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ يَوْمَ النَّحْرِ فِي رَهْطٍ، أَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي
النَّاسِ: ((أَلَا لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكْ، وَلَا يَطُوفَنَّ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٥٩٧ - قوله: (بَعَثَنِي)، أي: أرسلني. (أَبُو بَكْرٍ) الصديق، قال الطحاوي
(٢٥٩٧) البُخَارِي (١٦٢٢)، وَمُسْلِم (١٣٤٧/٤٣٥)، وَأَبُو دَاوُد (١٩٤٦)، وَالنَّسَائِي (٢٣٤/٥) مِنْ
حَدِيثٍ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ أَبِي بَكْرِ الصِّدِيقِ رَْفَتَهُ، فِي الحَجِّ وَفِيهِ قصة.
٣٦
DecNeRS
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
في (مشكل الآثار)): هذا مشكل؛ لأن الأخبار في هذه القصة تدلُّ على أنَّ النبيَّ نَّه
كان بعث أبا بكر بذلك، ثم أتبعه عليًّا فأمره أن يؤذن، فكيفَ يبعث أبو بكر أبا
هريرة ومن معه بالتأذين مع صرف الأمر عنه في ذلك إلى عليٍّ؟ ثم أجابَ بما
حاصله أن أبا بكر كان الأمير على الناس في تلك الحجة بلا خلاف، وكان عليّ هو
المأمور بالتأذين بذلك، وكأن عليًّا لم يطق التأذين بذلك وحده، واحتاج إلى من
يعينه على ذلك، فأرسل معه أبو بكرٍ أبا هريرة وغيره ليساعدوه على ذلك، ثم ساق
من طريق المحرز بن أبي هريرة عن أبيه قال: كنت مع عليٍّ حين بعثَهُ النبي ◌ِّ
ببراءة إلى أهل مكة، فكنت أنادي معه بذلك حتى يصحل صوتي، وكان هو ينادي
قبلي حتى يعيى. وأخرجه أحمد أيضًا وغيره من طريق محرز بن أبي هريرة،
فالحاصل : أن مباشرة أبي هريرة لذلك كانت بأمر أبي بكر وكان ينادي بما يلقيه إليه
عليٍّ مما أمر بتبليغه، كذا في ((الفتح)).
(فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ النَّبِيُّ ◌َ لَّ) بتشديد الميم أي: جعله أميرًا على قافلة الحجّ
في السنة التاسعة من الهجرة. (عَلَيْهَا) متعلق بـ(أَمَّرَهُ)) أي: على الحجة. (قَبْلَ حَجَّةٍ
الْوَدَاعِ)، أي: بسنة. قال ابن القيم: يستنبطُ منه أنها كانت سنة تسع؛ لأنَّ حجَّة
الوداع كانت سنة عشر اتفاقًا، وذكر ابن إسحاق أن خروج أبي بكر كان في ذي
القعدة. وذكر الواقدي أنه خرج في تلك الحجة مع أبي بكر ثلاثمائة من
الصحابةِ، وبعثَ معه رسولُ اللَّه ◌َل عشرين بدنة. قال الحافظ: وقد وقفت ممن
سمي ممن كان مع أبي بكر في تلك الحجة على أسماء جماعة منهم سعد بن أبي
وقاص، وجابر بن عبد الله فيما أخرجه الطبري.
(يَوْمَ النَّحْرِ) ظرف ((بعث)). (فِي رَهْطٍ)، أي: في جملة رهط أو مع رهط،
والرهط - بسكون الهاء ويحرك - عدد يجمع من الثلاثة إلى العشرة أو ما دون
العشرة وما فيهم امرأة، ولا واحد له من لفظه. (أَمَرَهُ) بالتخفيف. (أَنْ يُؤَذِّنَ)
بالتشديد، والمراد بالتأذين الإعلام، وهو اقتباس من قوله تعالى: ﴿وَأَذَنٌ مِّنَ اللَّهِ
وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٣]، أي: إعلام. قال الطيبي: والضمير راجع إلى الرهط، والإفراد
باعتبار اللفظ، ويجوزُ أن يكون لأبي هريرة على الالتفات. قال القاري: أو على
التجريد أو التقدير: أمر أحد الرهط أن ينادي.
٣٧
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
EXX=X
بَابُ دخُولِ مَكّْةً وَالطَّوَاف
(أَلَا) للتنبيه. (لَا يَحُجُّ) بضمِّ الجيم، نهي أو نفي معناه نهي، ويفتح، ويكسر
على أنه نهي ويؤيده رواية: ((لا يحجُجْنَ)). قاله القاري. وفي رواية: ((أَنْ لَا يَحُجَّ))
قال الحافظ: كذا للأكثر، وللكشميهني: ((أَا لَا يَحُجَّ)). بأداة الاستفتاح قبل حرف
النهي، وللبخاري في التفسير: ((أَنْ لَا يَحُجَّنَّ)). وهو يعين ذلك للنهي.
(بَعْدَ الْعَام)، أي: بعد هذه السنة. وقال الحافظ: أي بعد الزمان الذي وقع فيه
الإعلام بذلكَ. (مُشْرِك)، أي: كافر. قال الحافظ: هو منتزع من قوله تعالى: ﴿فَلَاَ
يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] والآية صريحة في منعهم دخول
المسجد الحرام ولو لم يقصدوا الحج، ولكن لما كان الحج هو المقصود الأعظم
صرح لهم بالمنع منه فيكون ما وراءه أولى بالمنع، والمراد بالمسجد الحرام هنا
الحرم کله.
قال النووي: فلا يمكن مشرك من دخول الحرم بحال حتى لو جاء في رسالة أو
أمر مهم لا يمكن من الدخول بل يخرج إليه من يقضي الأمر المتعلق به، ولو دخل
خفية ومرض ومات نُبِش وأَخْرِج من الحرم، انتهى. وقال العيني: وكذلك لا
يمكن أهل الذمة من الإقامة بعد ذلك بقوله وَ له: ((أَخْرِجُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ
جَزِيرَةِ العَرَبِ)). قاله في مرض موته وَّ .
(وَلَا يَطُوفَنَّ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ)، أي: مطلقًا في جميع الأيام غير مقيد بعام دون عام
لقوله تعالى: ﴿يَبَنِىّ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَّكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] وصحَّ عن ابن عباس
أنه نزل ردًّا لما كانوا يفعلونه من الطواف بالبيت مع العري، يعني: زعمًا منهم أنهم
لا يعبدون ربهم في ثياب أذنبوا فيها. قال الحافظ: ذكر ابن إسحاق في سبب هذا
الحديث أن قريشًا ابتدعت قبل الفيل أو بعده أن لا يطوف بالبيت أحد ممن يقدم
عليهم من غيرهم أول ما يطوف إلا في ثيابٍ أحدهم، فإن لم يجد طاف عريانًا، فإن
خالف وطاف بثيابه ألقاها إذا فرغ ثم لم ينتفع بها، فجاء الإسلام فهدم ذلك كله.
وفي الحديث: حجة لاشتراط ستر العورة في الطواف كما يشترط في الصلاة
والمخالف في ذلك الحنفية، قالوا: ستر العورة في الطواف ليس بشرط، فمن
طاف عريانًا أعاد ما دام بمكة، فإن خرج لزمه دم، قلت: قد اختلف هل ستر العورة
شرط لصحة الطواف أو لا؟ فذهب الجمهور إلى أنه شرط، وذهبت الحنفية إلى أنه
٣٨
DOEN
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ليس بشرطٍ، فمن طاف عريانًا أعاد ما دام بمكة، فإن خرج لزمه دم، فهم ينكرون
الاشتراط دون الوجوب، قالوا: وهو مدلول الحديث.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاريُّ في أوائل الصلاة وفي الحجِّ وفي تفسير سورة
براءة، ومسلم في الحج، وأخرجه أيضًا النسائي والبيهقي.
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ دخُولٍ مَڪَّةٌ وَالطَّوَاف
٣٩
الفصل الثاني
٢٥٩٨ - [١٤] عَنِ الْمُهَاجِرِ الْمَكِّيِّ، قَالَ: سُئِلَ جَابِرٌ عَنِ الرَّجُلِ يَرَى
الْبَيْتَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ؟ فَقَالَ: قَدْ حَجَجْنَا مَعَ النَّبِّ ◌َّهِ فَلَمْ نَكُنْ نَفْعَلُهُ.
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ]
الشرح
٢٥٩٨ - قوله: (عَنِ الْمُهَاجِرِ الْمَكِّيّ) هو مهاجر بن عكرمة بن عبد الرحمن
ابن الحارث القرشي المخزومي. قال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)): روى عن
جابر وابن عمه عبد الله بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث والزهري وهو من
أقرانهِ، وعنه أبو قزعة سويد بن حجير الباهلي ويحيى بن أبي كثير، ذكره ابن حبان
في ((الثقاتٍ)). قلت: قال أبو حاتم في (العلل)): لا أعلم أحدًا روى عن المهاجر بن
عكرمة غير يحيى بن أبي كثير، والمهاجر ليس بالمشهور، انتهى. وقال في
((التقريب)): إنه مقبول. قلت: ذكره البخاري في ((تاريخه)) (ج٤: ص ٣٨٠) وابن
أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (ج ٢٢٠/١/٤) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا.
(عَنِ الرَّجُلِ يَرَى الْبَيْتَ)، أي: الرجل الذي يرى البيتِ. (يَرْفَعُ يَدَيْهِ)، أي: هو
مشروع أم لا؟ وهذا لفظ أبي داود، وفي رواية الترمذي: أَيَرْفَعُ الرَّجُلُ يَدَيْهِ إِذَا رَأَى
الْبَيْتَ. (فَلَمْ نَكُنْ نَفْعَلُهُ)، أي: رفع اليدين عند رؤيته في الدعاءِ، وهذا لفظ
النسائي. وعند أبي داود: فَلَمْ يَكُنْ يَفْعَلُهُ. وللترمذي: أَفَكُنا نفعلُهُ. والهمزة
للإنكار، والحديثُ يدلَّ على عدم رفع اليد في الدعاء عند رؤية البيت، وقد ورد ما
يدل على استحباب ذلك فِروى الشافعي عن ابن جريج: أن النبي وَّ كان إذا رأى
البيت رفع يديه وقالَ: ((اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا وتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً، وَزِدْ مَنْ
شَرَّقَهُ وَكَرَّمَهُ مِمَّنْ حَجَّهُ أَوِ اعْتَمَرَهُ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا وَتَعْظِيمًا وَبِرًّا)). وهذا مرسل
معضل فيما بين ابن جريج والنبي ◌ََّ، وفي إسناده سعيد بن سالم القداح وفيه
(٢٥٩٨) أَبُو دَاوُد (١٨٧٠)، وَالتِّرْمِذِي (٨٥٥) فِي الحَجِّ مِنْ رِوَايَةِ المُهَاجِرِ بن عِكْرِمَةً، عن جابر.