النص المفهرس
صفحات 681-699
٦٨٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(ج ٣: ص ٣٦٢) والطحاوي وأبي داود في باب الإفراد قال: قدم رسولُ اللهِ وَله
وأصحابه لأربع خلون من ذي الحجة فلمَّا طافوا بالبيتٍ وبالصفا والمروة قال
رسول اللّهِنَّه٤ ((اجْعَلُوهَا عُمْرَةً إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ)»، فلما كانَ يومُ التروية أهلُّوا
بالحِّ، فلما كانَ يوم النحر قدموا فطافوا بالبيت ولم يطوفوا بين الصفا والمروة،
انتهى. فإنَّ حديثَ جابر ينفي طواف المتمتع بعد رجوعه من منى، وحديث عائشة
وحديث ابن عباس يثبتانه، وقد تقرَّر في علم الأصول ومصطلح الحديث: أنَّ
المثبت مقدم على النافي فيجبُ تقديم حديث ابن عباس وعائشة بأنهما مثبتان على
حديث جابر النافي.
الجواب الثالث: أن عدم طواف المتمتع بعد رجوعه من منى الثابت في ((صحيح
مسلم)) رواه جابر وحده، وطوافه بعد رجوعه من منى رواه في ((صحيح البخاري))
وغيره ابن عباس وعائشة، وما رواه اثنان أرجح مما رواه واحد. وأما من قالوا: إن
القارن والمتمتع يلزم كل واحد منهما طوافان وسعيان، طواف وسعي للعمرة
وطواف وسعي للحجِّ كأبي حنيفة ومن وافقه، فقد استدلَّوا لذلك بأحاديث:
فمنها: حديث الصبي بن معبد التغلبي عند أبي حنيفة في ((مسنده)) رواه عن حماد بن
أبي سليمان عن إبراهيم النخعي عن الصبي بن معبد قال: أقبلت من الجزيرةِ
حاجًا، إلى أن قال: فأحببت أن أجمع عمرة إلى حجة فأهللت بهما جميعًا ولم
أنس. وفيه: مضيتُ فطفتُ طوافًا لعمرتي وسعيت سعيًا لعمرتي، ثم عدت ففعلت
مثل ذلك، ثم بقيتُ حرامًا أصنع كما يصنع الحاج. وفي طريق آخر: كنتُ حديث
عهد بنصرانية فقدمت الكوفةً أريد الحج في زمان عمر بن الخطاب. وفيه: فلمَّا
قدم الصبيُّ مكةَ طافَ بالبيت وسعى بين الصفا والمروة لعمرته، ثم رجع حرامًا لم
يحل من شيء، ثم طاف بالبيت وبين الصفا والمروة لحجته. وفيه: فضرب عمر
على ظهره وقال: هُديت لسنةٍ نبيِّك ◌َله .
وقال ابن حزم في ((المحلى)) (ج ٧: ص ١٧٥): روينا من طريق حماد بن سلمة
عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي أنَّ الصبي بن معبد التغلبي قرن بين
العمرة والحج، فطافَ طوافين، وسعى سعيين ولم يحل بينهما وأهدى، وأخبر
بذلك عمر بن الخطاب فقال: هُديت لسنةِ نبيك ◌َ له. وأجيب عن ذلك: بأن
إبراهيم النخعي لم يدرك الصبي ولا سمع منه ولا أدرك عمر فهو منقطع، وقد رواه
٦٨١
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ قِصَّةِ حِجَّةِ الْوَدَاعِ
الثقات مجاهد ومنصور عن أبي وائل شقيق بن سلمة عن الصبي فلم يذكروا فيه
طوافًا ولا طوافين ولا سعيًّا ولا سعيين أصلاً، وإنما فيه قرن بين الحجّ والعمرةٍ
فقط، قاله ابنُ حزم في ((المحلی)).
قلت: رواه أبو داود والنسائي عن منصور، وابن ماجه عن الأعمش كلاهما عن
أبي وائل عن الصبي بن معبدٍ قال: أهللتُ بهما معًا، فقال عُمر: هُديت لسنة نبيك،
انتهى. وكذا رواه مختصرًا أحمد وإسحاق بن راهويه وأبو داود الطيالسي في
((مسانيدهم)) وابن أبي شيبة في ((مصنفه)) وابن حبان في (صحيحه)) والدار قطني في
((العلل)). فرواية النخعي عن الصبي بن معبد لا يصحُّ الاحتجاج بها لكونها
منقطعة، ومنها: حديث عليٍّ أخرجه النسائي في ((سننه الكبرى)) في مسندٍ عليٍّ من
طريق حماد بن عبد الرحمن الأنصاري عن إبراهيم بن محمد بن الحنفية قال: طفتُ
مع أبي وقد جمع بين الحج والعمرة، فطاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين،
وحدَّثني أن عليًّا فعلَ ذلك، وقد حدَّثه أن رسول اللَّه وَ ل فعل ذلك، ذكره الزيلعي
ثم قال: قال صاحب ((التنقيح)): وحماد هذا ضعفه الأزدي وذكره ابن حبان في
((الثقات))، قال بعض الحفاظ: هو مجهول، والحديث من أجله لا يصح، انتهى.
وقال الحافظ في ((الدراية)): رواته موثقون وأخرجه محمد بن الحسن من قول علي
موقوفًا بلفظ الأمر، وفي إسناده راو مجهول، انتهى.
ولحديث علي إسناد آخر أخرجه الدار قطني (ص٢٧٣) من طريق الحسن بن
عمارة عن الحكم عن ابن أبي ليلى عن عليٍّ، قال: رأيتُ النبيَّ وَّ قرن وطاف
طوافين وسعى سعيين، انتهى. والحسن بن عمارة ضعيف بإجماع منهم، قاله
السهيلي. وقال أبو حاتم ومسلم والنسائي والدارقطني وأحمد ويعقوب بن شيبة:
متروك الحديث. وقال الجوزجاني: ساقط، وقال الساجي: ضعيف متروك أجمع
أهل الحديث على ترك حديثه. وقال ابن معين: لا يكتب حديثه، وقال مرة:
ضعيف، وقال مرة: ليس حديثه بشيء، وقال عمرو بن علي: هو رجل صالح
صدوق كثير الوهم والخطأ متروك الحديث. وقال عبد الله بن المديني عن أبيه: ما
احتاج إلى شعبة فيه؛ أمره أبين من ذلك. قيل له: كان يغلط؟ فقال: أي شيء كان
يغلط؟ كان يضع. وقد أطال العقيلي في تضعيف الحسن بن عمارة في كتاب
((الضعفاء)) كما في ((نصب الراية)).
٦٨٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وأخرجه الدار قطني أيضًا عن حفص بن أبي داود عن ابن أبي ليلى عن الحكم عن
عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي بنحوه، قال: وحفص هذا ضعيف وابن أبي ليلى
رديء الحفظ كثير الوهم. وأخرجه أيضًا عن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر
ابن علي حدثني أبي عن أبيه عن جده عن عليٍّ: أنَّ النبي ◌َِّ كان قارنًا فطافَ
طوافين وسعى سعيين، انتهى. قال: وعيسى بن عبد الله يقال له: مبارك وهو
متروك الحديث، ذكره الزيلعي (ج ٣: ص ١١٠) وسكت عنه.
ومنها: حديث ابن عمر، أخرجه الدار قطني (ص٢٧١) من طريق الحسن بن
عمارة عن الحكم عن مجاهد عن ابن عمر: أنه جمع بين عمرة وحج فطاف لهما
طوافين وسعى سَعْيين، وقال: هكذا رأيتُ رسول اللَّه وَ ل صنعَ كما صنعت،
انتهى. قال الدار قطني بعد ذكر حديث ابن عمر هذا، وحديث علي المتقدم من طريق
الحسن بن عمارة: لم يروهما غير الحسن بن عمارة وهو متروك، ثم هو قد روى
عن ابن عباس ضد هذا، ثم أخرجه عن الحسن بن عمارة عن سلمة بن كهيل عن
طاوس، قال: سمعتُ ابن عباس يقول: لا والله ما طافَ لهما رسول اللَّه ◌َلَهَ إلا
طوافًا واحدًا، فهاتوا من هذا الذي يحدث أن رسول اللَّه وَ ل إل طافَ لهما طوافين،
انتھی .
ومنها: حديثُ ابن مسعود أخرجه الدار قطني من طريق أبي بردة عمرو بن يزيد
عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد اللَّه قال: طافَ رسولُ اللَّه ◌َّ لعمرته
وحجه طوافين وسعى سعيين وأبو بكر وعمر وعلي وابن مسعود. قال الدار قطني:
وأبو بردة متروك، ومن دونه في الإسناد ضعفاء، انتهى. وقال الحافظ في
((الدراية)): وفيه أبو بردة عمرو بن يزيد أحد الضعفاء، ورواه عن حماد بن أبي
سلیمان .
ومنها: حديث عمران بن حصين، أخرجه الدار قطني أيضًا من طريق محمد بن
يحيى الأزدي ثنا عبد الله بن داود عن شعبة عن حميد بن هلال عن مطرف عن
عمران بن حصين: أن النبي وَّ طاف طوافين وسعى سعيين، انتهى. قال
الدارقطني: يقال: إن محمد بن يحيى حدث بهذا من حفظه فوَهِم في مَتْنه،
والصواب بهذا الإسناد أن النبي وَّل قرن الحج والعمرة، وليس في ذكر الطواف
٦٨٣
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ قِصَّةٍ حِجَّةِ الْوَدَاعِ
ولا السعي، ويقال: إنه رجع عن ذكر الطواف والسعي وحدَّث به على الصواب
كما حدثنا به محمد بن إبراهيم بن فيروز، حدثنا محمد بن يحيى الأزدي به: أن
النبيِ وَّه قرن، انتهى. قال: وقد خالفَهُ غيرُهُ فلم يذكر فيه الطواف ولا السعي كما
حدثنا به أحمد بن عبد الله بن محمد الوكيل ومحمد بن مخلد، قالا : حدثنا القاسم
ابن محمد بن عباد المهلبي ثنا عبد الله بن داود عن شعبة بهذا الإسنادِ: أنَّ النبي ◌َل
قرن، انتهى.
وقد ظهر بما ذكرنا أن جميع الأحاديث الدالة على طوافين وسعيين للقارن ليس
فيها حديث قائم كما رأيت، وقال الحافظ في ((الفتح)): واحتجَّ الحنفيةُ بما روي عن
عليٍّ أنه جمع بين الحج والعمرة، فطاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين، ثم قال:
هكذا رأيتُ رسول اللّه وَ ل فعل، وطرقه عن علي عند عبد الرزاق والدار قطني
وغيرهما ضعيفة، وكذا أخرج من حديث ابن مسعود بإسناد ضعيف نحوه. وأخرج
من حديث ابن عمر نحو ذلك. وفيه الحسن بن عمارة وهو متروك والمخرج في
((الصحيحين))، وفي السنن عنه من طرق كثيرة الاكتفاء بطواف واحد. وقال
البيهقي: إن ثبتت الرواية أنه طاف طوافين فيحمل على طواف القدوم وطواف
الإفاضة، وأما السعي مرتين فلم يثبت، وقال ابن حزم: لا يصحُّ عن النبي وُّ ولا
عن أحد من أصحابه شيء في ذلك أصلاً. قال الحافظ: لكن روى الطحاوي وغيره
مرفوعًا عن علي وابن مسعود ذلك بأسانيد لا بأس بها إذا اجتمعت، ولم أر في
الباب أصح من حديثي ابن عمر وعائشة المذكورين في هذا الباب انتهى.
وقال ابن القيم: وأما من قال إنه حج قارنًا قرانًا طاف له طوافين وسعى سعيين
كما قاله كثير من فقهاء الكوفة، فعذره ما رواه الدار قطني من حديث مجاهد عن
ابن عمر وعن علي بن أبي طالب وعن علقمة، عن عبد الله بن مسعود وعن عمران
ابن حصين ... فذكر ألفاظ أحاديث هؤلاء الصحابة ثم قال: وما أحسن هذا العذر
لو كانت هذه الأحاديث صحيحة، بل لا يصحُّ منها حرف واحد، أما حديث ابن
عمر ففيه الحسن بن عمارة. وقال الدار قطني: لم يروه عن الحكم غير الحسن بن
عمارة وهو متروك الحديث. وأما حديثُ عليٍّ ففي أحد سَنَدَيْه حفصُ بنُ أبي داود.
وقال أحمد ومسلم: حفص متروك الحديث. وقال ابن خراش: هو كذّاب يضعُ
الحديث، وفيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ضعيف، وفي السند الثاني
عيسى بن عبد الله، ويقال له: مبارك. قال الدارقطني: هو متروك الحديث. وأما
٦٨٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
حديث علقمة عن عبد الله فيرويه أبو بردة عمرو بن يزيد عن حماد عن إبراهيم عن
علقمة. قال الدارقطني: وأبو بردة ضعيف ومن دونه في الإسناد ضعفاء، انتهى.
وفيه عبد العزيز بن أبان، قال يحيى: هو كذاب خبيث. وقال الرازي والنسائي:
متروك الحديث. وأما حديث عمران بن حصين فهو مما غلط فيه محمد بن يحيى
الأزدي وحدَّث به من حفظه فوَهِم فيه، وقد حدث به على الصواب مرارًا ويقال:
إنه رجع عن ذكر الطواف والسعي، انتهى.
واستدل أيضًا للحنفية: بما روي من أثار بعض الصحابة كعليٍّ وابن مسعود
والحسن بن علي والحسين بن علي، ذكرها الزيلعي في ((نصب الراية)) (ج ٣: ص
١١١) وابن حزم في ((المحلى)) (ج ٧: ص ١٧٥، ١٧٦) مع الكلام عليها،
والبيهقي في ((المعرفة)) وفي ((السنن)) والحافظ في ((الدراية))، وقد ذكرنا ما يعارض
ذلك ويضعفه نقلًا عن الحافظ فتذكر، وإذا عرفت أن أحاديث السعيين والطوافين
ليس فيها شيء قائم كما رأيت، فاعلمْ أن الذين قالوا بأن القارن يطوف طوافًا
ويسعى سعيًا كفعل المفرد أجابوا عن تلك الأحاديث من وجهين؛ الأول: وهو ما
بيناه الآن بواسطة نقل الزيلعي والحافظُ ابن حجر وابن القيم عن الدار قطني وغيره
من أوجه ضعفها. والثاني: أنا لو سلمنا أن بعضها يصلحُ للاجتهاد كما يقوله
الحنفية وضعافها يقوي بعضها بعضًا، فلا يقل مجموع طرقها عن درجة القبول كما
أشار إليه الحافظ، فهي معارضة بما هو أقوى منها وأصح وأرجح وأولى بالقبول
من الأحاديث الثابتة في الصحيح الدالة على أنَّ النبيَّ وَّ لم يفعل في قرانه إلا كما
يفعلُ المفرد؛ كحديث عائشة المتفق عليه وحديث ابن عمر عند البخاري،
وكالحديث المتفق عليه، أن النبي وَّ قال لعائشة: ((يَكْفِيكِ طَوَافُكِ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا
وَالَْزْوَةِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ)). كذا حقَّقه الشنقيطي، ثم قال: وقد اتضح من جميع ما
كتبناه في هذه المسألة أن التحقيق فيها أن القارن يفعل كفعل المفرد؛ لاندراج
أعمال العمرة في أعمال الحج، وأنَّ المتمتع يطوف ويسعى لعمرته ثم يطوف
ويسعى لحجته، ومما يوضحه من جهة المعنى أنه يطوف ويسعى لحجه بعد رجوعه
من منى، أنه يهل بالحجِّ بالإجماع، والحج يدخل في معناه دخولًا مجزومًا به
الطواف والسعي، فلو كان يكفيه طواف العمرة التي حل منها وسعيها لكان إهلاله
بالحج إهلالًا بحج لا طواف فيه ولا سعي، وهذا ليس بحج في العرف ولا في
الشرع، انتهى.
٦٨٥
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ قِصَّةِ حِجَّةِ الْوَدَاعِ
EXBE
تنبيه:
E
استدلَّ بعضُ الحنفية لتعدد السعي بأنه وقع في بعض الروايات ذكر سعيه ماشيًا،
كما تقدم في حديث جابر الطويل عند مسلم وأبي داود وهو قوله: ((حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ
قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا مَشَى حَتَّى أَتَّى الْمَرْوَةَ ... )).
الحديث. قالوا: هذا صريحٌ في السعي راجلًا وماشيًا على الأقدام، ووقع في
بعض الروايات ذكر سعيه راكبًا كما وقع في حديث جابر أيضًا عند مسلم في باب
جواز الطواف على البعير: طَافَ رَسُولُ اللَّهِ بَ لهِ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا
وَالْمَرْوَةِ لِيَرَاهُ النَّاسُ وَلِيُشْرِفَ وَيَسْأَلُوهُ فَإِنَّ النَّاسَ غَشُوهُ. قالوا: فيكون السعي
اثنين، الأول ماشيًا راجلًا بعد الطواف الأول عند دخول مكة وهو للقدوم عند
الشافعية ومن وافقهم، وللقدوم والعمرة عندنا الحنفية، والسعي الثاني راكبًا،
وتاريخ هذا السعي الثاني وإن كان غير معلوم يعني أنه كان قبل يوم النحر أو بعده
لكن الأقرب والأليق بمسائل الحنفية أن يكون يوم النحر بعد طواف الإفاضة حيث
يكون السعي مسبوقًا بطواف. ولم يطف النبي ◌َّ بعد طوافه للقدوم والعمرة على
اختلاف المذهبين إلا هذا الطواف، أي: يوم النحر. وتأول ابنُ حزم قولَ جابر في
قصة حجة الوداع: حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ. أي: وهو على راحلته، والنزول
والصعود إنما هو نزول الناقة وصعودها. قال الحنفية: إن هذا التأويل غير مقبول،
فإن ألفاظ الحديث وتبادرها يخالفه، وأيضًا من كان راكبًا لا يسعى بين الميلين
الأخضرين بل يمشي، قالوا: ويرد هذا التأويل حديث بنت أبي تجراة - الآتي في
باب دخول مكة والطواف - وفيه: فَرَأَيْتُهُ وَإِنَّ مِنْزَرِهِ لَيَدُورُ مِنْ شِدَّةِ السَّعْي. قالوا:
وتأوَّل ابنُ حزم الرواية التي تدلَّ على سعيه راكبًا بأن بعض الأشواط من السعي كان
راكبًا وبعضها كان ماشيًا. قالوا: يردُّ هذا التأويل ما رواه أبو داود في باب الطواف
الواجب عن أبي الطفيل عن ابن عباس أنه طاف سبعًا على راحلته، فصرح فيه أنه
طاف بينهما سبعة أشواط راكبًا. والظاهر: أنه في حجة الوادع، يدلّ على ذلك ما
وقع في رواية مسلم في باب استحباب الرمِل في الطواف عن أبي الطفيل قال:
قلت لابن عباس: أراني قد رأيت رسول الله عليه الصلاة والسلام، قال: فصفه
لي. قال: قلت: رأيته عند المروة على ناقة، وقد كثر الناس عليه. قال: فقال ابن
عباس: ذاك رسول اللَّه ◌َثله، إنهم كانوا لا يدعون عنه ولا يكهرون، انتهى. قالوا:
٦٨٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وهذه الواقعة واقعة حجة الوداع؛ لأن كثرة الناس وسؤالهم لا يكون إلا في حجة
الوادع. قالوا: فظهر من هذا كله أن تعدد السعي لازم وإن لم يصرح به أحد.
قلت: التأويل الثاني الذي نسبوه إلى ابن حزم صحيح متعين عندي، وأما رواية
أبي داود فأصلها في ((صحيح مسلم))، ولكن ليست فيه هذه اللفظة، ويؤيد التأويل
المذكور ما وقع في رواية عند مسلم بإسناده عن أبي الطفيل، قال: قلت لابنٍ
عباس: أرأيت هذا الرمل بالبيت ... الحديث. وفيه قال: إن رسول اللَّه وَل كثر
عليه الناس يقولون: هذا محمد، هذا محمد، حتى خرج العواتق من البيوتِ،
قال: وكان رسول اللَّه ◌َ له لا يضرب الناس بين يديه، فلما كثر عليه ركب، والمشي
والسعي أفضل، انتهى. فإنَّ سياقه يدلُّ على أن الركوب كان في أثناء السعي حين
كثر الناس عليه فيه، وأما حديث بنت أبي تجراة فليس فيه تصريح أنه كان في حجته
ولا أن سعيه ماشيًا كان في جميع الأشواط.
قال المحبُّ الطبري بعد ذكر الروايات التي تدلّ على أنَّه ◌َ لَ سعى راكبًا ما لفظه:
في هذه الأحاديث دلالة ظاهرة على ركوبه وَّل في السعي، والأحاديث المتقدمة
في الفصل قبله وحديث جابر الطويل يدل على مشيه، فيحتمل أن يكون وَل مشى
في طوافه على ما دلّ عليه بعض الأحاديث، ثم خرج إلى السعي ماشيًا فسعى بعضه
ماشيًا ورأته بنت أبي تجراة إذ ذاك، ثم لما كثر عليه ركب ناقته، ويؤيد ذلك قول
ابن عباس: وكان ◌َّل﴾ لا يضرب الناس بين يديه فلما كثر عليه ركب، والسعي
والمشي أفضل. فإن سياقه دال على أن الركوب كان في أثناء السعي حين كثر الناس
عليه فيه. وذهبَ ابنُ حزم في كتابِهِ المشتمل على صفة الحج الكبرى إلى أنَّه ◌ِه
كانَ راكبًا في جميع طوافهً بين الصفا والمروة؛ عملًا بحديث جابر هذا، قال: وما
رواه في حديثه الطويل من أنه وُّ لما انصبت قدماه في بطن الوادي رمل، ليس
بمعارض لما ذكرناه؛ لأنَّ الراكبَ إذا انصب به بعيره فقد انصبَّ جميع بدنه
وانصبت قدماه أيضًا مع سائر جسده، وكذلك الرمل، يعني به رمل الدابة براكبها،
ولم يطف وَّ بين الصفا والمروة في تلك الحجة إلا مرة واحدة، وذكر في
الحديث أنه كان فيه راكبًا، قال: ولا يقطع بأن طوافه وَلّ بالبيت الأول كان راكبًا؛
لأنه وَيول طاف في تلك الحجة مرارًا، منها طوافه الأول، وطواف الإفاضة،
وطواف الوداع، فالله أعلم أي تلك الأطواف كان راكبًا؟ قال الطبري: وظاهر
٦٨٧
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ قِصَّةٍ حِجَّةِ الْوَدَاعِ.
حديث ابن عباس يرد هذا التأويل، وحديث بنت أبي تجراة يصرح برده، والمختار
فيه ما تقدم ذكره جمعًا؛ بين الأحاديث كلها، وأما ركوبه في الطواف بالبيت فكان
في طواف الإفاضة، ويكون قول جابر المتقدم في هذا الفصل: طَافَ عَلَى رَاحِلَتِهِ
بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. محمولًا على طواف الإفاضة والسعي بعد طواف
القدوم وجمع بينهما لوقوع الركوب فيهما، انتهى.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد ومالك وأبو داود والنسائي وغيرهم.
٢٥٨١ - [٣] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رِّ قَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ وَ
فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، فَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَبَدَأَ
فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، فَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ النَّبِيِّ بَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ،
فَكَانَ مِنَ النَّاسِ مَنْ أَهْدَى، وَمِنْهُمُ مَنْ لَمْ يُهْدِ، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ وَ مَكّةَ قَالَ
لِلنَّاسِ: ((مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ، حَتَّى يَقْضِيَ
حَجَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى، فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ،
وَلْيُقَصِّرْ، وَلْيَحْلِلْ، ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ، وَلْيُهْدٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَلْيصُمْ ثَلَاثَةَ
أَيَّامِ فِي الْحَجِّ، وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ))، فَطَافَ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ، وَاسْتَلَمَ
الزُّْنَ أَوَّلَ شَيْءٍ، ثُمَّ خَبَّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ، وَمَشَى أَرْبَعًّا، فَرَكَعَ حِينَ قَضَى
طَوَافَهُ بِالْبَيْتِ عِنْدَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَانْصَرَفَ، فَأَتَّى الصَّفَا، فَطَافَ
بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعَةَ أَطْوَافٍ، ثُمَّ لَمْ يَحِلَّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّي قَضَى
حَجَّهُ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ ، وَأَفَاضَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ
حَرُمَ مِنْهُ، وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللّهِ وَلِهِ مَنْ سَاقَ الْهَدْي مِنَ النَّاسِ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٥٨١ - قوله: (تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ بِ لّه فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ) قد
(٢٥٨١) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١٦٩١)، ومُسْلِم (١٧٤ /١٢٢٧) فِيهِ عَنْهُ، وأَبُو دَاوُد (١٨٠٥)،
والنَّسَائِي (١٥١/٥).
٦٨٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
تقدم في شرح حديث ابن عمر في باب الإحرام والتلبية أنَّ المراد بالتمتع ها هنا
. المعنى اللغوي وهو الانتفاع والالتذاذ، ولا شك أن ذلك في القران بوجود الاكتفاء
عن النسكين بنسكٍ، فالقارن متمتع من حيث اللغة ومن حيث المعنى؛ لأنه ترفه
باتحاد الميقات والإحرام والفعل. قال القاري: ظاهر هذا الحديث أنه أحرم
بالعمرة أولًا ثم أحرم بالحج، ويدلُّ عليه قوله: ((وَبَدَأَ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَهَلَّ
بِالْحَجِّ)). مع أنه ورد صريحًا في أحاديث أنه أحرم بالحج ثم أحرم بالعمرة فكيفَ
يصار إليه؟ ولو ثبت لكان معارضًا، فالذي أدين الله تعالى به أنه وَّ لا يبتدئ
بالعمرة بعد فرض الحج عليه في أول الوهلة، وقد اعتمر مرارًا بعد الهجرة،
فالصواب أنه كان قارنًا أولًا، ومعنى قوله: (بدأَ فأهلَّ بالعمْرةِ ثمَّ أهلَّ بالحجّ) أنه
لما جمع بين النسكين قد ذكر العمرة على الحج؛ لأنه الوجه المسنون في القران
دون العكس ثم كان أكثر ما يذكر في إحرامه الحج لأنه الأصل المفروض والعمرة
سنة تابعة، انتهى.
(فَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ)، أي: من الميقات، وفيه: الندب إلى سوق
الهدي من المواقيت من الأماكن البعيدة، وهي من السنن التي أغفلها كثير من
الناس، قاله الحافظ. (فَتَمَتَّعَ النَّاسُ) قال القاري: أي: أكثرهم هذا التمتع اللغوي
بالجمع بين العبادتين. (مَعَ النَّبِيِّ ◌َهَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ)، أي: بضمها إليه. (فَكَانَ
مِنَ النَّاسِ)، أي: الذين أحرموا بالعمرة. (مَنْ أَهْدَى) وعند الشيخين بعده: ((فَسَاقَ
الْهَدْيَ)). (فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ بِهِ مَكَّةَ قَالَ لِلنَّاسِ)، أي: المعتمرين.
(مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ) فيه حجة
على الشافعية ومن وافقهم في أن سوق الهدي لا يمنع التحلل عندهم، وقد تقدم
بيانه في شرح حديث عائشة: ((وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ))، أي:
طواف العمرة. (وَلْيُقَصِّرْ) بتشديد الصاد. قال النووي: معناه أنه يفعل الطواف
والسعي والتقصير ويصير حلالاً، وهذا دليل على أن الحلق أو التقصير نسك وهو
الصحيح. وقيل: استباحة محظور. قال: وإنما أمره بالتقصير دون الحلق مع أن
الحلق أفضل ليبقى له شعر يحلقه في الحج. (وَلْيَحْلِلْ) قال القاري: أي: ليخرج
من إحرام العمرة باستمتاع المحظورات. وقال الحافظ: هو أمر معناه الخبر، أي:
قد صار حلالًا فله فعل كل ما كان محظورًا عليه في الإحرام، ويحتمل أن يكون
٦٨٩
بَابُ قِصَّةٍ حِجَّةِ الْوَدَاعِ
كِتَابُ المُنَاسِكِ
أمرًا على الإباحة لفعل ما كان عليه حرامًا قبل الإحلال. (ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ)، أي:
يحرم وقت خروجه إلى عرفة، ولهذا أتى بـ (ثم)) الدالة على التراخي فلم يرد أنه يهل
بالحج عقب إحلاله من العمرة. (وَلْيُهْدِ) أي: ليذبح الهدي يوم النحر بعد الرمي
قبل الحلق وهو هدي التمتع وهو واجب بشروطه المذكورة في كتب الفقه.
(فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا)، أي: لم يجد الهدي بذلك المكان، ويتحقق له ذلك بأن
يعدم الهدي أو يعدم ثمنه حينئذٍ أو يجد ثمنه لكن يحتاج إليه لأهم من ذلك، أو
يجده لكن يمتنع صاحبه من بيعه أو يمتنع من بيعه إلا بغلائه فينتقل إلى الصوم كما
هو نص القرآن، كذا في ((الفتح)). وفسر الحنفية العجز من الهدي بأن لا يكون في
ملكه فضل عن كفاف قدر ما يشتري به الدم ولا هو أي الدم في ملكه. (ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فِي
الْحَجِّ) قال القاري: أي: في أشهره قبل يوم النحر، والأفضل أن يكون آخرهاً يوم
عرفة. وقال الحافظ: أي: بعد الإحرام به. قال النووي: هذا هو الأفضل وإن
صامها قبل الإهلال بالحج أجزأه على الصحيح. وأما قبل التحلل من العمرة فلا
على الصحيحِ، وجوزه الثوري وأصحاب الرأي، وعلى الأول فمن استحبَّ صيام
عرفة بعرفة قال: يحرم يوم السابع؛ ليصوم السابع والثامن والتاسع، وإلا فيحرم
يوم السادس ليفطر بعرفة، فإن فاته الصوم قضاه، وقيل: يسقط ويستقر الهدي في
ذمته وهو قول الحنفية، وفي صوم أيام التشريق لهذا قولان للشافعية، أظهرهما: لا
يجوز. قال النووي: وأصحهما من حيث الدليل الجواز، انتهى. (وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ
إِلَى أَهْلِهِ) قال القاري: أي: توسعة ولو صام بعد أيام التشريق بمكة جاز عندنا،
انتهى. فالرجوع إلى الأهل عند الحنفية كناية عن الفراغ عن أفعال الحج. وقال
النووي: أما صوم السبعة فيجب إذا رجع. وفي المراد بالرجوع خلاف، الصحيح
في مذهبنا أنه إذا رجع إلى أهله، وهذا هو الصواب لهذا الحديث الصحيح
الصريح، والثاني: إذا فرغ من الحج ورجع إلى مكة من منى. وهذان القولان
للشافعي ومالك، وبالثاني قال أبو حنيفة، انتهى.
قلت: اختلفوا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمُّ﴾ فقيل: إذا رجعتم إلى
أهليكم، وهو أحد قولي الشافعي، أو إذا نفرتم وفرغتم من أعمال الحج ورجعتم
إلى مكة وهو قوله الثاني ومذهب أبي حنيفة.
٦٩٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(فَطَافَ)، أي: النبي ◌َِّ. (حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ)، أي: طواف القدوم. (وَاسْتَلَّمَ
الرُّكْنَ)، أي: الحجر الأسود. (أَوَّل شَيْءٍ)، أي: من أفعال الطواف. (ثُمَّ خَبَّ)،
أي: رمل، والخب نوع من العدو كالرمل، والمراد هنا الرمل. (ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ)،
أي: في ثلاثة أشواط. قال ابن الملك: إظهار للجلادة والرجولية في نفسه وفيمن
معه من الصحابة؛ كيلا يظن الكفار أنهم عاجزون ضعفاء، قال القاري: هذا كان
علة فعله ◌َّليه في عمرة القضاء ثم استمرت السنة بعد زوال العلة. (وَمَشَى)، أي:
بسكون وهينة. (أَرْبَعًا)، أي: في أربع مرات من الأشواط. (فَرَكَعَ)، أي: صلى.
(حِينَ قَضَى)، أي: أدى وأتم. (عِنْدَ الْمَقَام) متعلق بركع. (رَكْعَتَيْنٍ)، أي: صلاة
الطواف. (ثُمَّ سَلَّمَ)، أي: من صلاته. (فَانْصَرَفَ)، أي: عن البيت أو عن
المسجد. (فَأَتَّى الصَّفَا) ظاهره أنه لم يتخلل بين صلاة الطواف والخروج إلى الصفا
عمل آخر، لكن تقدَّم في حديث جابر في صفة الحج: ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ
ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا.
(فَطَافَ)، أي: سعى. (بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعَةَ أَطْوَافٍ)، أي: أشواط. وفي
الحديث: مشروعية طواف القدوم للقارن والرمل فيه إن عقبه بالسعي، وأن الرمل
هو الخبب، وأنه يصلي ركعتي الطواف وأنهما يستحبان خلف المقام، وتسمية
السعي طوافًا. (ثُمَّ لَمْ يَحْلِ) وفي ((الصحيحين)): ثُمَّ لَمْ يَحْلِلْ. (مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ
حَتَّى قَضَی حَجَّهُ) تقدّم أن سبب عدم إحلاله كونه ساق الهدي وإلا لكان يفسخ الحج
إلى العمرة ويتحلل منها كما أمر به أصحابه. (وَنَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ) قال القاري:
وهو التحلل الأول بالحلق فيما عدا الجماع. وقال الحافظ: استدلَّ به على أنَّ
الحلق ليس بركن، وليس بواضح؛ لأنه لا يلزم من ترك ذكره في هذا الحديث أن لا
يكون وقع، بل هو داخل في عموم قوله: حَتَّى قَضَى حَجَّهُ.
(وَأَفَاضَ)، أي: إلى مكة. (فَطَافَ بِالْبَيْتِ)، أي: طواف الإفاضة. (ثُمَّ حَلَّ مِنْ
كُلِّ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ) وهو التحلل الثاني المحلل للنساء. (وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ
وَ﴿ مَنْ سَاقَ الْهَدْيِ مِنَ النَّاسِ) وفي ((الصحيحين)): مَنْ أَهْدَى وَسَاقَ الْهَدْيَ مِنَ
النَّاسِ. والموصول فاعل قوله: فعل، أي: فعل من أهدى وساق الهدي مثل ما
فعل رسول اللَّه وَ له، وفيه إشارة إلى عدم خصوصيته بذلك.
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ قِصَّةٍ حِجَّةِ الْوَدَاعِ
٦٩١
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٢: ص ١٤٠) وأبو داودَ والنسائيُّ
والبيهقيُّ.
٢٥٨٢ - [٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((هَذِهِ عُمْرَةٌ،
اسْتَمْتَعْنَا بِهَا، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ الْهَدْيُ فَلْيَحِلَّ الْحِلَّ كُلَّهُ، فَإِنَّ الْعُمْرَةَ قَدْ
دَخَلْتَ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ)».
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
- وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ عَنِ الْفَصْلِ الْثَانِي.
الشرح
٢٥٨٢- قوله: (هَذِهِ عُمْرَةٌ اسْتَمْتَعْنَا بِهَا) قال القاري: الاستمتاعُ هنا تقديم
العمرة والفراغ منها فهو في معناه اللغوي أي: الانتفاع. وقال الأبي: لا يقال فيه أنه
أحرم متمتعًا؛ لأن الإشارة بهذه إلى عمرة الفسخ ومعنى ((استمتعنا)): استمتعتم، أو
يكون أدخل نفسه معهم فيها، ولکن قام المانع وهو کون الهدي معه، انتھی.
(فَلْيَحِلَّ) بفتح الياء وكسر الحاء. (الْحِلَّ) نصبه على المصدر، وقوله: (كُلَّهُ)
تأكيد له أي: الحل التام. (فَإِنَّ الْعُمْرَةَ قَدْ دَخَلَتْ فِي الْحَجِّ)، أي: في أشهره. (إِلَى
يَوْمِ الْقِيَامَةِ) قال ابن الملك: يعني: أن دخولها فيه في أشهره لا يختص بهذه السنة
بل يجوز في جميع السنين، انتهى. والحديثُ يحتملُ معاني أخرى بعضها بعيد
ذكرناها في شرح حديث جابر في قصة حجة الوداع.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في باب جواز العمرة في أشهر الحج. وأخرجه أيضًا أحمد (ج ١ :
ص ٢٣٦) وأبو داود والنسائي والبيهقي.
(وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ عَنِ الْفَصْلِ الثَّانِ)، أي: في ((المصابيح))، وهو اعتذارُ من
صاحبٍ ((المشكاةٍ)) عن تركه. ولئلا يشكل قوله: ((الفصل الثالث)).
(٢٥٨٢) مُسْلِم (٣٠٢/ ١٢٤١)، وَأَبُو دَاوُد (١٧٩٠)، وَالنَّسَائِي (١٨١/٥) فِي الحَجِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
٦٩٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثالث
٢٥٨٣ - [٥] عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ فِي نَاسٍ مَعِي
قَالَ: أَهْلَلْنَا أَصْحَابَ مُحَمُّدٍ نَّهِ بِالْحَجِ خَالِصًا وَحْدَهُ، قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ جَّابِرٌ :
فَقَدِمَ النَّبِيُّ بَّهِ صُبْحَ رَابِعَةٍ مَضَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَأَمَرَنَا أَنْ نَحِلَّ، قَالَ
عَطَاءُ: قَالَ: حِلَّوا وَأَصِيبُوا النِّسَاءَ. قَالَ عَطَاءٌ: وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنْ
أَحَلَّهُنَّ لَهُمْ، فَقُلْنَا: لَمَّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ، إِلَّا خَمْسٌِ أَمَرَنَا أَنْ نُفْضِيَ
إِلَى نِسَائِنَا، فَأْتِي عَرَفَةَ، تَقْطُرُ مَذَاكِيرُنَا الْمَنِيَّ. قَالَ: يَقُولُ جَابِرٌ بِيَدِهِ كَأَنِّي
أَنْظُرُ إِلَى قَوْلِهِ بِيَدِهِ يُحَرِّكُهَا. قَالَ: فَقَامَ النَّبِيُّ وَّهِ فِينَا فَقَالَ: ((قَدْ عَلِمْتُمْ، أَنِّي
أَتْقَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَصْدَقُكُمْ، وَأَبَرُّكُمْ، وَلَوْلَا هَّدْيِي لَحَلَلْتُ كَمَا تَحِلُّونَ، وَلَو
اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ، فَحِلُّوا)) فَحَلَلْنَا، وَسَمِعْنَا
وَأَطَعْنَا، قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ جَابِرٌ: فَقَدِمَ عَلِيٍّ مِنْ سِعَايَتِهِ فَقَالَ: ((بِمَ أَهْلَلْتَ؟))
قَالَ: بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ ◌َ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ وَلَهِ: ((فَأَهْدِ، وَامْكُثْ حَرَامًا))
قَالَ: وَأَهْدَى لَهُ عَلِيُّ هَذْبًا، فَقَالَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُم: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛
أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِأَبَدٍ؟ قَالَ: (لِأَبَدٍ)).
[َرِّوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشرح
٢٥٨٣- قوله: (عَنْ عَطَاءٍ)، أي: ابن أبي رباح المكي التابعي الجليل تقدم
ترجمته. (أَهْلَلْنَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ مَّه) منصوب على الاختصاصِ، أو بتقدير:
أعني، أي: أحرمنا. (بِالْحَجِّ خَالِصًا وَحْدَهُ)، أي: ليسَ معه عمرة، قال ذلك على
حسب ما سبق إلى فهمه. وإلا فقد تقدَّم من حديث عائشة قالت: ((خَرَجْنَا مَعَ
رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ
بِالْحَجِّ)). أو أرادَ بالأصحاب أكثرهم أو كثيرًا منهم، وقيل: هو محمول على ما
كانوا ابتدأوا به ثم أذن لهم بإدخال العمرة على الحج، وبفسخ الحجِّ إلى العمرةِ
(٢٥٨٣) مُسْلِم (١٢١٦) في الحج عنه.
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ قِصَّةٍ حِجَّةِ الْوَدَاعِ
٦٩٣
فصاروا على ثلاثة أنواع. (فَأَمَرَنَا أَنْ نَحِلَّ) بكسر الحاء أي نفسخ الحج إلى
العمرة، قاله القاري، وأمر ◌َّه بالحل من كان مفردًا أو قارنًا ولم يكن معه هدي،
أما من كان معه هدي فقد بقي على إحرامه. (قَالَ عَطَاءٌ)، أي: راويًا عن جابرٍ .
(قَالَ)، أي: النبي ◌َّ، وقال في ((اللمعات)): الظاهر من السياق أن يكون فاعل
((قَالَ)) جابر، أي: قال جابر في تفسير قوله: ((أَمَرَنَا أَنْ نَحِلَّ)) حاكيًا من قول
رسول اللَّه وَلَ: ((حِلُّوا)) ويجوز أن يكون فاعل ((قَالَ)) رسول اللَّهِ بَه فافهم.
(حِلُوا) بكسر الحاء وتشديد اللام صيغة أمر من حَلَّ يحِل. بكسر الحاء في
المضارع، أي: اجعلوا حجكم عمرة وتحللوا منها بالطواف والسعي والتقصير.
(وَأَصِيبُوا) بفتح الهمزة أمر من الإصابة. (وَلَمْ يَعْزِمْ) بفتح الياء وكسر الزاي، أي :
لم يوجب النبي ◌َّ عليهم وطئهن. (وَلَكِنْ أَحَلَّهُنَّ لَهُمْ) يعني: لم يجعل الجماع
عزيمة عليهم بل جعله رخصة لهم بخلاف الفسخ، فإنه كان عزيمة فأمرَ ((حِلّوا))
للوجوب و ((أَصِيبُوا)) للإباحةِ؛ لأن من لازم الإحلال إباحة الجماع والوطء، قال
الطيبي: أي: قال عطاء في تفسير قول جابر: ((فَأَمَرْنَا)) ثم فسر هذا التفسير بأن الأمر
لم یکن جزمًا .
(فَقُلْنَا)، أي: فيما بيننا يعني: في جملة تذاكرنا فيما بيننا. (لِمَا لَمْ يَكُنْ)، أي:
حين لم يبق. (بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ إِلَّا خَمْسٌ)، أي: من الليالي بحساب ليلة عرفة أو
من الأيام بحساب يوم الأحد الذي لا كلام فيه. (أَمَرَنَا)، أي: النبي ◌َّ. (أَنْ
نُفْضِيَ) مَن الإفضاء، أي نصل. (إِلَى نِسَائِنَا) وهو كناية عن الجماع كقوله تعالى:
وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١]. (فَتَأْتِي) بالرفع أي فنحن حينئذ نأتي.
قال الطيبي: قوله (فَأْتِي)) ليس من تمام أمر رسول اللَّه ◌َ له، بل هو عطف على
مقدر، أي: فتنزهنا من ذلك فقلنا نأتي عرفة. (تَقْطُرُ مَذَاكِيرُنَا الْمَنِيَّ) جمع ذكر
على غير قياس.
وقال الأخفشُ: هو من الجمع الذي ليس له واحد مثل العبابيد والأبابيل،
والجملة حالية، وهو كناية عن قرب العهد بالجماع، وكان هذا عيبًا في الجاهلية
حيث يعدونه نقصًا في الحج.
(قَالَ)، أي: عطاء. (يَقُولُ جَابِرٌ)، أي: يشير بيده. (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى قَوْلِهِ بِيَدِهِ)،
٦٩٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أي: إشارته بها. (يُحَرِّكُهَا)، أي: يده، قال الكرماني: هذه الإشارة لكيفية التقطر،
ويحتمل أن تكون إلى محل التقطر، انتهى. وقيل: لعله أراد تشبيه تحريك
المذاکیر بتحريك الید.
(فَقَامَ النَّبِيُّ ◌َ لِ فِينَا)، أي: خطيبًا، وفي رواية: فبلغَ ذَلِكَ النبيَّ ◌َّهِ فَمَا نَدْرِي
أَشيْءٌ بَلَغَهُ منَ السَّمَاءِ أَمْ شَيءٍ بَلَغه مِن قِبل النَّاسِ، فَقَامَ فَخَطَب النَّاسَ فَحَمَدَ اللهَ
وَأَثْنَى عَلَيْهِ. (فَقَالَ) زاد في رواية: (بَلَغَنِي أَنَّ أَقْوَامًا يَقُولُونَ كَذَا وَكَذَا)). (قَدْ
عَلِمْتُمْ)، أي: اعتقدتم. (أَنِّي أَنْقَاكُمْ لِلَّهِ)، أي: أدينكم وأخشاكم. (وَأَصْدَقُكُمْ)،
أي: قوٍلًا. (وَأَبَرُّكُمْ)، أي: عملًا، وقيل: أي أطوعكم لله. (وَلَوْلَا هَدْيِي لَحَلَلْتُ
كَمَا تَحِلّونَ) وفي روايةٍ : ((لَوْلَا أَنِّي سُقْتُ الْهَدْعَ لَفَعَلْتُ مِثْلَ الَّذِي أَمَرْتُكُمْ، وَلَكِنْ لَا
يَحِلُّ مِنِّي حَرَامٌ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ)). (وَلَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ) (ما))
موصولة محلها النصب على المفعولية. (لَمْ أَسُقْ الْهَدْيَ)، أي: لو علمت في
ابتداء شروعي ما علمت الآن من لحوق المشقة لأصحابي بانفرادهم بالفسخ حتى
توقفوا وترددوا وراجعوا لما سقت الهدي حتى فسخت وحللت معهم، أرادَ به وَل
تطييب قلوبهم وتسكين نفوسهم في صورة المخالفة بفعله، وهم يحبون متابعته
وكمال موافقته، ولما في نفوسهم من الكراهية في الاعتمار في أشهر الحج
ومقاربة النساء قرب عرفة.
(فَحِلُّوا) بكسر الحاء أمر للتأكيد. (فَحِلَلْنَا وَسَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) وفي رواية: فَأَحْلَلْنَا
حَتَّى وَطِئْنَا النِّسَاءَ وَفَعَلْنَا مَا يَفْعَلُ الْحَلَالُ. (فَقَدِمَ عَلِيٍّ مِنْ سِعَايَتِهِ) بكسرِ السين أي :
من عمله من القضاء وغيره في اليمنٍ، وقد سبِقَ بيان معناه في شرح حديث جابر
الطويل نقلًا عن القاضي عياض والنووي. (فَأَهْدِ) أمر من الإهداء أي: في وقت
الهدي دم القران. (وَامْكُثْ)، أي: الآن. (حَرَامًا)، أي: محرمًا. (قَالَ)، أي:
جابر. (وَأَهْدَى)، أي: أتى بالهدي. (لَهُ عَلِيٍّ هَدْيًا)، أي: من اليمن كما سبق.
(أَلِعَامِنَا هَذَا؟)، أي: جواز العمرة في أشهر الحجّ أو جواز فسخ الحج إلى العمرة
مختص بهذه السنة أم لأبد؟ والأول: قول الجمهور، والثاني: قول أحمد، وقد
سبقَ الكلام في ذلك مفصلًا.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجَهُ أيضًا أحمد والبخاري وأبو نعيم في ((المستخرج))
وأبو داود والنسائي وابن ماجه والطحاوي والحاكم والبيهقي والطيالسي وغيرهم
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ قِصَّةِ حِجَّةِ الْوَدَاعِ
٦٩٥
مختصرًا ومطولًا بألفاظ مختلفة.
٢٥٨٤ - [٦] وَعَنْ عَائِشَةَ رُِّّ: أَنَّهَا قَالَتْ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ لِأَرْبَعِ
مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ أَوْ خَمْسٍ، فَدَخَلَ عَلَيَّ، وَهُوَ غَضْبَانُ، فَقُلْتُ: مَنَّ
أَغْضَبَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَدْخَلَهُ الَّهُ النَّارَ، قَالَ: ((أَوْ مَا شَعَرْتِ أَنِّي أَمَرْتُ
النَّاسَ بِأَمْرِ فَإِذَا هُمْ يَتَرَدَّدُونَ، وَلَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ، مَا
سُقْتُ الْهَذَّيَ مَعِي، حَتَّى أَشْتَرِيَهُ، ثُمَّ أَحِلَّ كَمَا حَلّوا)). [رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشرح
٢٥٨٤ - قوله (قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لْأَرْبَع)، أي: ليال. (أَوْ خَمْس) شَكَ منها
أو من الراوي عنها. وقد تقدَّم في حديثٍ جابرٍّ: أنه وَّ قدم صبح رابعةً مضت من
ذي الحجةِ. (فَدَخَلَ عَلَيَّ وَهُوَ غَضْبَانُ)، أي: ملآن من الغضبِ حين تأخر بعض
أصحابه في فسخِ الحجِّ إلى العمرةِ.
قال النووي: أما غضبُهُ بَلّه فلانتهاك حرمة الشرع وترددهم في قبول حكمه، وقد
قال الله تعالى: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا
يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا
[النساء: ٦٥] فغضبَ وَله لما
ذكرناه من انتهاك حرمة الشرع والحزن عليهم في نقص إيمانهم بتوقفهم، وفيه:
دلالةٌ لاستحباب الغضب عند انتهاك حُرمة الدين. (أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ) دعاء أو إخبار.
وفيه: جواز الدعاء على المخالف لحكم الشرع. (قَالَ: أَو مَا شَعَرْتِ)، أي: أو ما
عملتِ. (أَنِّي أَمَرْتُ النَّاسَ)، أي: بعضُهم وهم الذين أحرموا بالحج مفردًا أو
أحرموا بالحج والعمرة قرانًا ولم يكن معهم هدي. (بِأَمْرٍ) وهو فسخ الحجِّ. (فَإِذَا
هُمْ يَتَرَدَّدُونَ)، أي: في طاعة الأمر ومسارعته، أو في أن هذه الإطاعة هل هي
نقصان بالنسبة إلى حجهم؟ قاله القاري. (حَتَّى أَشْتَرِيَهُ)، أي: الهدي بمكة أو في
الطريقِ. (ثُمَّ أَحِلَّ)، أي: بالفسخ كما حلوا، استدلّ بهذا الحديث على وجوب
فسخ الحج إلى العمرة لمن لم يكن معه هدي، وقد سبقَ الكلام في ذَلِك في شرح
(٢٥٨٤) مُسْلِم (١٢١١) عنها.
٦٩٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
حديث جابر الطويل.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وفي معناه: ما رُوي عن البراءِ بن عازب عند أحمد وابن ماجه وأبي
يَعلى، وقد ذكرنا لفظه في بحثٍ فسخ الحجِّ، وهو من الأحاديث في الفسخ التي
صحَّحها أحمد وابنُ القيم، وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) بعد عزوه لأبي يَعلى:
رجالُهُ رجالُ الصحيحِ .
فهرس الموضوعات
٦٩٧
فهرس الموضوعات
الموضوع
الصفحة
٦ - بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ الصَّبَاحِ وَالْسَاءِ وَالْنَامِ
٥
الفصل الأول
٦
٣٢
الفصل الثالث
٨٦
٧ - بَابُ الدَّعَوَاتِ فِي الْأَوْقَاتِ
٨٦
الفصل الأول
١١٩
الفصل الثاني
١٦٠
٨ - بَابُ الاسْتِعَاذَة
١٧٥
الفصل الأول
١٩٤
الفصل الثاني
٢٢٣
٩ - بَابُ جَامِعِ الدُّعَاءِ
٢٢٩
الفصل الأول
٢٢٩
الفصل الثاني
الفصل الثالث
٢٥٨
١٠ - كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
٢٩٦
الفصل الأول
٣٠٨
الفصل الثاني
٤٢٦
الفصل الثالث
٤٨٨
١ - بَابُ الْإِحْرَامِ والتَّلْبِيَةِ
الفصل الأول
٥٠٤
الفصل الثاني
٥٦٥
الفصل الثالث
٥٨١
الفصل الثاني
٧٨
الفصل الثالث
١٧٥
الفصل الثالث
٢٤٠
٤٩٧
٦٩٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢ - بَابُ قِصَّةٍ حِجَّةِ الْوَدَاعِ - هذا الباب خالٍ عن الفصل الثاني
٥٨٥
الفصل الأول
الفصل الثالث
فهرس الموضوعات
٥٨٤
٠ ٠ ٠٠.
٦٩٢
٦٩٧