النص المفهرس
صفحات 601-620
٦٠٠ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ الهدي، أي: لما جعلت عليَّ هديًا وسقته بين يدي، فإن من ساقه لا يحل حتى ينحره وإنما ينحره يوم النحر، فلا يصح له فسخ الحج بعمرة، ومن لا هدي معه يجوز له فسخه. انتھی. قال النووي: وفي الحديث دليل على جواز قول ((لو)) في التأسُفِ على فوات أمور الدين ومصالح الشرع، وأما الحديثُ الصحيحُ في أن ((لو)) تفتح عمل الشيطان، فمحمول على التأسف على حظوظ الدنيا ونحوها وقد كثرت الأحاديث الصحيحة في استعمال ((لو)) في غير حظوظ الدنيا ونحوها، فيجمع بين الأحاديث بما ذكرناه. والله أعلم. (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ) الفاء جواب شرط محذوف، أي: إذا كان الأمر ما ذكرت من أني سقت الهدي، فمن كان منكم. (لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ) بإسكان الدال وكسرها وتشدد الياء مع الكسرة وتخفف مع الفتح، قاله النووي. (فَلْيَحِلْ) بكسر الحاء، وفي رواية عند أحمد: ((فَلْيَحْلِلْ)). بسكون الحاء، أي: ليصر حلالا وليخرج من إحرامه بعد فراغه من أفعال العمرة. (وَلْيَجْعَلْهَا)، أي: الحجة. (عُمْرَةً) إذ قد أبيح له ما حرم عليه بسبب الإحرام حتى يستأنف الإحرام للحج، والواو لمطلق الجمع؛ إذ الجعل مقدم على الخروج؛ لأن المراد من الجعل الفسخ، وهو أن يفسخ نية الحجّ ويقطع أفعاله ويجعل إحرامه وأفعاله للعمرة، أو الواو للعطف التفسيري قاله القاري. وفي رواية عطاء عن جابر عند البخاري ومسلم: فَقَالَ: ((أَحِلُّوا مِنْ إِحْرَامِكُمْ)) أي: اجعلوا حجكم عمرة وتحللوا منها بالطواف والسعي، فطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة وقصروا وأقيموا حلالًا حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج، واجعلوا التي قدمتم بها متعة. قال الحافظ: أي: اجعلوا الحجة المفردة التي أهللتم بها عمرة تتحللوا منها، فتصيروا متمتعين، فأطلق على العمرة متعة مجازًا، والعلاقة بينهما ظاهرة. انتهى. (فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُم) زاد في رواية أحمد وابن الجارود: ((وَهُوَ فِي أَسْفَلِ الْمَرْوَةِ)). وسُرَاقة بضم السيّنَّ وتخفيف الراء وقاف، وهو الكنانيُّ المدلجيُّ، وقد ينسب إلى جدِّهِ، يكنى: أبا سفيان، وهو الذي ساخت فرسه في قصة الهجرة، وأسلم يوم الفتح. قال أبو عمر: مات في خلافة عثمان سنة أربع وعشرين، وقيل: كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ قِضَّةٍ حِجَّةِ الْوَدَاع ٦٠١ بعد عثمان. وجده جُعْشم بضم الجيم وسكون المهملة وضم المعجمة وفتحها لغة؛ حكاها الجوهري. (أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِأَبَدٍ؟) معناه: هل جواز فسخ الحج إلى العمرة - كما هو الظاهر من سياق الحديث - أو الإتيان بالعمرة في أشهر الحجِّ أو مع الحج يختص بهذه السنة أم للأبد؟ أي: من الحال والاستقبال، وفي رواية للنسائي وابن ماجه والبيهقي: (أَرَأَيْتَ عُمْرَتَنَا؟)) وفي لفظ: ((مُتَعْتَنَا. ألعامنا هذا أم للأبد؟)) (وَاحِدَةً فِي الْأُخْرَى)، أي: جعل واحدة من الأصابع في الأخرى، فواحدة منصوب بعامل مضمر والحال مؤكدة. (وَقَالَ دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ) زاد في رواية ابن الجارود وأحمد: ((إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)). (مَرَّتَيْنٍ)، أي: قالها مرتين. (لَا)، أي: ليس لعامنا هذا فقط. (بَلْ لِأَبَد أَبَدٍ) بإضافة الأول إلى الثاني، والأبد الدهر، أي: هذا لآخر الدهر، أو بغيرِ الإضافة وكرَّرَهُ للتأكيد، وزاد في رواية ابن الجارود وأحمد: (ثَلاَثَ مَرَّاتٍ)). يعني: أن ذلك جائز في كل عام لا يختص بعام دون آخر إلى يوم القيامة، وكرر ذلك ثلاثًا للتأكيد: (وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ) إشارة إلى اشتراك كل الأعوام في ذلك بدون اختصاص أحدها، وقد اختلف العلماء في سؤال سراقة. فقال بعضهم: المراد منه الإتيان بالعمرة في أشهر الحجِّ. وذهب فريق إلى أن المراد بذلك القران، يعني: اقتران الحج بالعمرة. وقال آخرون: المراد منه فسخ الحج إلى العمرة، فعلى الأول يكون معنى قوله ◌َله : ((دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ)»، أي: حلت العمرة في أشهر الحج وصحَّت، والمقصودُ: إبطال ما زعمه أهل الجاهلية من أن العمرة لا تجوز في أشهر الحج وعليه الجمهور. وعلى الثاني: دخلت العمرة في الحج، أي: اقترنت به لا تنفك عنه لمن نواها معًا، وتندرج أفعال العمرة في أفعال الحج حتى يتحلَّل منهما معًا. قيل: ويدلَّ عليه تشبيك الأصابع، وفيه: أنه حينئذٍ لا مناسبة بين السؤال والجواب فتدبر، وعلى الثالث: أي: دخلت نية العمرة في نية الحج بحيث أن من نوى الحج؛ صحَّ له الفراغ منه بالعمرة، قال النووي: وهو ضعيف. وقال القاري بعد ذكره: أقولُ: هذا هو الظاهر من سياق الحديث وسباقه، والله تعالى أعلم. وقال الحافظ: وتعقّبَ - أي: كلام النووي - بأن سياق السؤال يقوي هذا التأويل، بل الظاهر أن السؤال وقع عن الفسخ، والجواب وقع عما هو أعم من ذلك حتى يتناول التأويلات ٦٠٢ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ المذكورة . انتهى. وقيل: معنى دخولها في الحج سقوط وجوب العمرة بوجوب الحج. قال النووي: وسياق الحديث يقتضي بطلان هذا التأويل. قلتُ: حديث جابر هذا صريح في أن سؤال سراقة عن فسخ الحج إلى العمرة وجواب النبي وَ ليل له يدلّ على تأبيد مشروعيته كما ترى؛ لأنَّ الجواب مطابق للسؤال، ومعنى فسخ الحج إلى العمرة أن من أحرم بالحج مفردًا أو قارنًا ولم يسق الهدي وطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة قبل الوقوف بعرفة؛ له أن يفسخ نيته بالحجِّ وينوي عمرة مفردة، فيقصر ويحل من إحرامه؛ ليصيرَ متمتعًا، وقد اختلفَ العلماءُ في هذا الفسخ، هل هو خاص بالصحابة تلك السنة خاصة أم باق ولغيرهم إلى يوم القيامة؟ فقال أحمد والظاهرية وعامة أهل الحديث: ليس خاصًّا، بل هو باق إلى يوم القيامة، فيجوزُ لكلٍّ من أحرم بحج مفردًا أو قارنًا وليس معه هدي أن يقلب إحرامه عمرة، ويتحلل بأعمالها. وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وجماهير العلماء من السلف والخلف: هو مختصٌّ بهم في تلك السنة لا يجوزُ بعدها، وإنما أمروا به تلك السنة ليخالفوا ما كانت عليه الجاهلية من تحريم العمرة في أشهر الحج، واستدل للجمهور بحديث أبي ذر عند مسلم: قَالَ: ((كانتِ المتعةُ في الحجِّ لأصحابٍ محمدٍ وَّ- خاصَّة)). وفي رواية: قال: ((كانتْ لَنا رُخصة)). يعني: المتعة في الحجِّ. ومراد أبي ذرٍّ بالمتعة المذكورة المتعة التي أمرَ النبيُّ وَّه بها أصحابه، وهي فسخ الحج إلى العمرة، واستدلوا على أنَّ الفسخ المذكور هو مراد أبي ذرِّ رَؤُفتَهُ بما رواه أبو داود بسندهِ: أن أبا ذرِّ كان يقولُ فيمَن حجَّ ثم فسخها بعمرة لم يكن ذلك إلا للركب الذين كانوا مع رسولِ اللهِ وَ لّر، قالوا: فهذه الرواية فيها التصريح من أبي ذرٍّ بفسخ الحج في العمرة، وهي تفسر مراده بالمتعة في رواية مسلم. وضعفت رواية أبي داود هذه بأن في سنده محمد بن إسحاق وهو مدلس، وقد رواه عن عبد الرحمن بن الأسود بالعنعنة، وعنعنة المدلس لا تقبل عند أهل الحديث حتى يصحّ السماع عن طريق أخرى . وأجيبَ عن تضعيف هذه الرواية بوجهين: الأول: أن مشهور مذهب مالك وأحمد وأبي حنيفة صحة الاحتجاج بالمرسل، ومعلوم أن من يحتج بالمرسل يحتج بعنعنة المدلس من باب أولى، والثاني: أن المقصود من رواية أبي داود ٦٠٣ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ قِصَّةٍ حِجَّةِ الْوَدَاعِ E المذكورة بيان المراد برواية مسلم، والبيان يقع بكل ما يزيل الإبهام ولو قرينة أو غيرها، كما هو مقرر في الأصول، واستدل أيضًا للجمهور القائلين بأن الفسخ المذكور خاص بذلك الركب وتلك السنة بما رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والدارمي من طريق ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن الحارث بن بلال بن الحارث عن أبيه قال: قلت: يا رسولَ اللهِ ◌ّ فسخ الحج لنا خاصة أم للناس عامة؟ قال: (بَلْ لَكُمْ خَاصَّةٌ)). ورد المجوزون للفسخ استدلال الجمهور بالحديثين المذكورين من جهتين : الأولى: تضعيف الحديثين المذكورين، قالوا: حديث بلال بن الحارث فيه ابنه الحارث بن بلال، وهو مجهول. وقال أحمد: حديث بلال بن الحارث عندي ليس يثبت ولا أقول به، ولا يعرف هذا الرجل يعنى: الحارث بن بلال. قال: وقد روى فسخ الحج إلى العمرة أحد عشر صحابيًّا، أين يقعُ الحارث بن بلال منهم؟ قالوا: وحديث أبي ذرٍّ عند مسلمٍ موقوف عليه وليس بمرفوع، وإذا كان الأول في سنده مجهول والثاني موقوفًاً فيما هو مسرح للاجتهاد؛ تبين عدم صلاحيتهما للاحتجاج، والثانية من جهتي رد الحديثين المذكورين هي أنهما معارضان بأقوى منهما، وهو حديث جابر الذي نحنُ في شرحهِ، وأجابَ الجمهورُ عن تضعيف الحديثين المذکورین بأنَّ حدیث بلال المذكور سكت عليه أبو داود، ومعلوم من عادته أنه لا يسكت إلا عن حديث صالح للاحتجاج، ولم يثبت في الحارث بن بلال جرح. وقد قال الحافظ في ((التقريب)) فيه: هو مقبول. قالوا: واعتضد حديثه بما رواه مسلم وأبو داود عن أبي ذر كما تقدَّم. وأما حديث أبي ذر، فإنْ قلنا: إن الخصوصية التي ذكرها أبو ذرٍّ بذلك الركب مما لا مجال للرأي فيه، فهو حديث صحيح له حكم الرفع، وقائله اطلع على زيادة علم خفيت على غيره، وإن قلنا: إنه مما للرأي فيه مجال وحكمنا بأنه موقوف على أبي ذرٍّ، فصِدْق لهجة أبي ذرٍّ المعروف وتقاه وبعده من الكذب يدلنا على أنه ما جزمَ بالخصوصية المذكورة إلا وهو عارف صحّة ذلك. قالوا: ورد حديث الحارث بن بلال بأنه مخالف لحديث جابر في سؤال سراقة المدلجى النبي ◌ُّ وإجابته له بقوله: (بَلْ لِلْأَبَدِ)). لا يستقيم؛ لأنه لا معارضة بين الحديثين؛ لإمكان الجمع بينهما، والمقرر في علم الأصول وعلم الحديث أنه إذا أمكن الجمع بين الحديثين وجب الجمع بينهما إجماعًا ولا ٦٠٤ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ يرد غير الأقوى منهما بالأقوى؛ لأنهما صادقان وليسا بمتعارضين، وإنما أجمع أهل العلم على وجوب الجمع بين الدليلين إن أمكن؛ لأن إعمال الدليلين معًا أولى من إلغاء أحدهما كما لا يخفى، ووجه الجمع بين الحديثين المذكورين أن حديثي بلال بن الحارث المزني وأبي ذرٍّ ◌َّا محمولان على أن معنى الخصوصية المذكورة التحتم والوجوب، فتحتم فسخ الحج في العمرة ووجوبه خاص بذلك الركب لأمره وسلّ له بذلك، ولا ينافي ذلك بقاء جوازه ومشروعيته إلى أبد الأبد. وقوله في حديث جابر: ((بَلْ لِلْأَبَدِ)) محمول على الجواز وبقاء المشروعية إلى الأبد فاتفق الحديثان، كذا حقق الشيخ الشنقيطي في ((أضواء البيان)) ثم قال: الذي يظهر لنا صوابه في حديث: ((بَلْ لِلْأَبَدِ)). وحديث الخصوصية بذلك الركب المذكورين هو ما اختاره العلامة الشيخ تقي الدين أبو العباس بن تيمية، وهو الجمع المذكور بين الأحاديث بحمل الخصوصية المذكورة على الوجوب والتحتم وحمل التأبيد المذكور على المشروعية والجواز أو السنة، ولا شك أن هذا هو مقتضى الصناعة الأصولية والمصطلحية كما لا يخفى. وقال أيضًا: والصوابُ هو ما ذكرنا من الجمع بين الأدلة، ووجهه ظاهر لا إشكال فيه. وقال النووي في ((شرح المهذب)) في الجواب عن قول الإمام أحمد: أين يقعُ الحارث بن بلال من أحد عشر صحابيًّا رووا الفسخ عنه ◌َّ ما نصُّه: قلتُ: لا معارضة بينهم وبينه حتى يقدموا عليه؛ لأنهم أثبتوا الفسخ للصحابة ولم يذكروا حكم غيرهم، وقد وافقهم الحارث في إثبات الفسخ للصحابةِ، ولكنه زاد زيادة لا تخالفهم وهي اختصاص الفسخ بهم. انتهى. قلت: وقد اختلف القائلون بالفسخ في حكمه هل هو واجب أو مستحب؟ فذهب الإمام أحمد إلى أنه مستحب، ومال فريق إلى الوجوب، منهم ابن حزم وابن القيم. قال ابن حزم: وهو قول ابن عباس وعطاء ومجاهد وإسحاق. قلتُ: واستدلَّ لهم بما رواه أحمد وابن ماجه وأبو يعلى من حديث البراء بن عازب، قال: خرج رسول اللَّه وَّله وأصحابه، قال: فأحرمنا بالحج، فلما قدمنا مكة قال: (اجْعَلُوا حَجَّكُمْ عُمْرَةً)) . قال: فقال الناسُ: يا رسول الله قد أحرمنا بالحجِّ فكيفَ نجعلها عمرة؟ قال: ((انْظُرُوا مَا آمُرُكُمْ بِهِ، فَافْعَلُوا)). فردوا عليه القول، فغضب ثم انطلق حتى دخل على عائشة غضبان، فرأت الغضب في وجهه. فقالت: مَن أغضبك أغضبه الله؟ قال: ((وَمَا لِي لَا أَغْضَبُ وَأَنَا آمُرُ بِالأَمْرِ فَلَا أَتَّبَعُ)) . قال ابن القيم: ٦٠٥ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ قِصَّةِ حِجَّةِ الْوَدَاعِ بعد ذكر حديث البراء: ونحن نشهدُ الله علينا أنا لو أحر منا بحجّ لرأينا فرضًا علينا فسخه إلى عمرة؛ تفاديًا من غضب رسول اللّه وَ له واتباعًا لأمره، فوالله ما نسخ هذا في حیاته ولا بعده ولا صحَّ حرف واحد يعارضه ولا خص به أصحابه دون من بعدهم، بل أجرى اللّه على لسان سراقة أن سأله هل ذلك مختص بهم؟ فأجابه بأن ذلك كائن لأبد الأبد. فما ندري ما يقدم على هذه الأحاديث - يعني: التي تدل على جواز فسخ الحج إلى العمرة -، وهذا الأمر المؤكد الذي غضب رسول الله وَلجر على من خالفه. انتهى. قال الشوكاني: استدلَّ بقولِ البراء: (فَغَضِبَ)). من قال بوجوب الفسخ؛ لأنّ الأمر لو كان أمر ندب لكان المأمور مخيرًا بين فعله وتركه، ولما كان يغضب رسول اللّه وَل عند مخالفته؛ لأنه لا يغضب إلا لانتهاك حرمة من حرمات الدين لا لمجرَّدٍ مخالفة ما أرشد إليه على جهة الندب ولا سيما، وقد قالوا له: قد أحرمنا بالحجّ، فكيف نجعلها عمرة؟ فقال لهم: ((انْظُرُوا مَا آمُرُكُمْ بِهِ، فَافْعَلُوا)). فإن ظاهرَ هذا أن ذلك أمر حتم؛ لأنَّ النبيَّ وَّ لو كان أمره ذلك لبيان الأفضل أو لقصد الترخيص لهم بين لهم بعد هذه المراجعة أن ما أمرتكم به هو الأفضل. أو قال لهم: إني أردت الترخيص لكم والتخفيف عنكم. قال: وقد أطال ابن القيم في ((الهدي)) الكلام على الفسخ ورجح وجوبه وبين بطلان ما احتج به المانعون منه، فمن أحب الوقوف على جميع ذيول هذه المسألة. فليراجعه. وإذا كان الموقع في مثل هذا المضيق هو إفراد الحج، فالحازم المتحري لدينه الواقف عند مشتبهات الشريعة ينبغي له أن يجعل حجه من الابتداء متمتعًا أو قرانًا مما هو مظنة البأس إلى ما لا بأس به، فإن وقع في ذلك فالسنة أحق بالاتباع، وإذا جاء نهر اللَّه بطل نهر معقل. انتهى. قلت: القول الراحج عندنا هو ما ذهب إليه أحمد ومن وافقه من أن فسخ الحج إلى العمرةٍ ليس خاصًّا للصحابة في تلك السنة، بل يجوزُ أو يسنُّ ويستحبُّ لكلِّ من أحرم بحجٌّ وليس معه هدي أن يقلب إحرامه عمرة ويتحلل بأعمالها ليصير متمتعًا. وأما حديث أبي ذرٍّ وبلال بن الحارث، فمحمولان على الوجوب، يعني : أنَّ وجوبَ فسخ الحج إلى العمرة خاص بذلك الركب في تلك السنة. وأما الجواز والاستحباب، فهو باق للأمة إلى يوم القيامة، وهو محمل حديث جابر وغيره من ٦٠٦ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ce أحاديث الفسخ، ولا منافاة بين اختصاص الوجوب بالصحابة وبين بقاء المشروعية والاستحباب إلى أبد الأبد، وعلى ذلك حمل الإمام ابنُ تيمية تلك الأحاديث كما تقدم وهو محمل حسن، والله تعالى أعلم. (وَقَدِمَ عَلِيٍّ مِنَ الْيَمَنِ)؛ لأنه ◌َيرِ كان بعثه إليها، وقال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي نجيح أنَّ رسول اللَّه ◌َله كان بعث عليًّا إلى نجران فلقيه بمكة، وقد أحرم، وفي رواية عطاء عن جابر كما سيأتي: ((قَالَ: فَقَدِمَ عَلِيٍّ مِنْ سِعَايَتِهِ)). قال القاضي: أي: من عمله في السعي الصدقات. قال: وقال بعض علمائنا: الذي في غير هذا الحديث: أن عليًّا إنما بعثه أميرًا لا عاملًا على الصدقاتِ؛ إذ لا يجوزُ استعمال بني هاشم على الصدقاتِ؛ لقوله ◌ّليّ الفضل بن العباس وعبد المطلب بن ربيعة حين سألاه ذلك: ((إِنَّ الصَّدَقَةَ لا تَحِلَّ لِمُحَمَّدٍ وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ)) ولم يستعملهما. قال القاضي: يحتمل أن عليًّا ولي الصدقات وغيرها احتسابًا، أو أعطي عمالته عليها من غير الصدقة. قال: وهذا أشبه لقوله: ((مِنْ سِعَايَتِهِ)). والسعاية تختص بالصدقة. واستحسنه النووي إلا أنه ذهب إلى أن السعاية لا تختص بالصدقة، بل تستعمل في مطلق الولاية، وإن كان أكثر استعمالها في الولاية على الصدقة، واستدل لذلك بما في حديث حذيفة في رفع الأمانة. قال: ((وَلَقَدْ أَتَى عَلِيَّ زَمَانٌ وَلَا أُبَالِي أَيُّكُمْ بَايَعْتُ، لَئِنْ كَانَ مُسْلِمًا لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ دِينُهُ، وَلَئِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا أَوْ يَهُودِيًّا لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ)) يعني: الوالي عليه. انتهى. (بِيُدْن النبيِّ وََّ) بضمِّ الباء وسكون الدال جمع بَدَنة بفتح الباء والدال، والبَدَنة: واحدة الإبل سميت به لعظمها وسمنها، وتقعُ على الجمل والناقة، وقد تطلقُ على البقرةِ. ونسبت لرسول اللَّه وَله؛ لأن عليًّا رَضِوفَهُ اشتراها له، لا أنها من السعاية على الصدقة كما يتبادر إلى الذهن، وكان عددها سبعًا وثلاثين بَدَنة، وكان عدد الهدي الذي ساقه النبي وَليّ معه من المدينة ثلاثًا وستين بَدَنة كما جاء في رواية الترمذي، وأعطى عليًّا البُدْن التي جاءت معه من اليمن وهي تمام المائة. قال الزرقاني: ظاهر قوله: قدم عليّ من اليمن بِيُدْن النبيِّ وَّر. أن البُدْن للمصطفى. وفي النسائي و((مسند أحمد)) و(المنتقى)) لابن الجارود: قدم عليٌّ من اليمنِ بِهَدْي وِسَاقَ النبيُّ وَّه منَ المدينةِ هديًا. وظاهره: أن الهدي كان لعليٍّ رَوْتَهُ، فيحتملُ أنَّ عليًّا قدم من اليمن بهدي لنفسه، وهدى النبي ◌َّ فذكر كل راوٍ واحدًا منهما. انتهى. كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ قِصَّةِ حِجَّةِ الْوَدَاعِ ٦٠٧ وسيأتي مزيد الكلام في هذا عند ذكر نحر هذه البُدْن إن شاء الله تعالى. ووقع عند مسلمٍ وغيره بعد هذا: فَوَجَد - أي: عليٍّ - فاطمة ممن حلَّ ولبست ثيابًا صبيغًا واكتحلَّت فأنكرَ ذَلِك عليها ظنًّا أنه لا يجوز، فقالت: إنَّ أبي أمرني بهذَا، قال - أي: جعفر بن محمد عن أبيه -: فكان عليٍّ يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول اللَّه ◌َ له محرشًا على فاطمة للذي صنعت مستفتيًّا لرسول اللّه وَال فيما ذكرت عنه، فأخبرته أني أنكرت عليها، فقال: ((صَدَقَتْ صَدَقَتْ)). (فَقَالَ)، أي: النبي ◌ِّهِ. (مَاذَا قُلْتَ حِينَ فَرَضْتَ الْحَجَّ؟)، أي: ألزمته على نفسك بالنية والتلبية، وفي رواية أحمد وابن الجارود وقال لعليٍّ: (بمَ أَهْلَلْتَ؟)) أي: بأي شيءٍ نويت حين أحرمت بحج أو عمرة أو بهما؟. ((قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ)) فيه أنه لا يصحُّ الإحرام معلقًا، وهو أن يحرم إحرامًا كإحرام فلان، فينعقدُ إحرامه ويصيرُ محرمًا بما أحرم به فلان. قال النووي: في هذا الحديث دلالة لمذهب الشافعي وموافقيه أنه يصحُّ الإحرام معلقًا بأن ينوي إحرامًا كإحرام زيد، فيصيرُ هذا المعلق كزيد، فإن كان زيد محرمًا بحج؛ كان هذا بالحج أيضًا، وإن كان بعمرة فبعمرة، وإن كان بهما فبهما، وإن كان زيد أحرم مطلقًا، صار هذا محرمًا إحرامًا مطلقًا فيصرفه إلى ما شاء من حجِّ أو عمرةٍ، ولا يلزمه موافقة زيد في الصرف. انتهى. ومذهب الحنفية في ذلك أن الإحرام المعلق حكمه حكم الإحرام المبهم. أي: يصحُّ عندهم ولكن لا يلزمه موافقة من أحرم على إحرامه . (قَالَ)، أي: النبيِ نَّ. (فَإِنَّ مَعِي) بسكون الياء وفتحها. قال القاري: أي إذا علقت إحرامك بإحرامي، فإني أحِرمت بالعمرة ومعي. (الْهَدْيَ) ولا أقدر أن أخرج من العمرة بالتحلل. (فَلَا تَحِلَّ) نهي أو نفي، أي: لا تحل أنت بالخروج من الإحرام كما لا أحل حتى تفرغ من العمرة والحج. وفي رواية: ((فَأَهْدٍ وَامْكُثْ حَرَامًا كَمَا أَنْتَ)). (قَالَ)، أي: جابر. (فَكَانَ جَمَاعَةُ الْهَدْي)، أي: من الإبل، والهدي - بالتشديد والتخفيف - ما يهدى إلى البيت الحرام من النعم لتنحر، قالهِ الجزري. (الَّذِي قَدِمَ بِهِ)، أي: بذلك الهدي. (عَلِيٍّ مِنَ الْيَمَنِ)، أي: له وَلّ. (وَالَّذِي أَتَى بِهِ النَّبِيُّنَّه) ٦٠٨ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ زاد في رواية النسائي وأبي داود وابن ماجه وابن الجارود والبيهقي: «مِنَ الْمَدِينَةِ)). (مِائَةً)، أي: من الهدي، وفي رواية الدارمي: ((مِائَةً بَدَنَةٍ)). (فَحَلَّ النَّاسُ)، أي: خرج من الإحرام من لم يكن معه هدي بعد الفراغ من العمرة. (كُلَّهُمْ)، أي: أکثرهم. قال النووي: فيه إطلاق اللفظ العام وإرادة الخاص؛ لأن عائشة لم تحل ولم تكن ممن ساق الهدي، والمراد بقوله: ((حَلَّ النَّاسُ كُلَّهُمْ))، أي: معظمهم. (وَقَصَّرُوا) قال الطيبي: وإنما قصروا مع أن الحلق أفضل؛ لأن يبقى لهم بقية من الشعر حتى يحلق في الحج. انتهى. وليكونوا داخلين في المقصرين والمحلقين جامعين بين العمل بالرخصة والعزيمة، كذا في ((المرقاة)). قال المحب الطبري: فيه دليل على استحباب التقصير للمتمتع وتوفير الشعر للحلق في الحج، ويشبه أن يكون ذلك عن أمره و لل إذ عنه يأخذون مناسكهم وبه يقتدون، وبذلك أمرهم فقال: ((خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ)). (إِلَّا النَّبِيَّ وََِّّ) استثناء من ضمير: ((حلو)). (وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ) عطف على المستثنى. (فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ) بفتح التاء وسكون الراء المهملة وكسر الواو وتخفيف الياء، وهو اليوم الثامن من ذي الحجة، سمي بذلك؛ لأن الحجاج كانوا يرتوون فيه من الماء لما بعده أي يستقون ويسقون إبلهم فيه استعدادًا للوقوف يوم عرفة، إذ لم يكن في عرفات ماء جار كزماننا. وقيل: لأن قريشًا كانت تحمل الماء من مكة إلى منى للحاجّ تسقيهم وتطعمهم، فیروون منه، وقيل: لأن الإمام يروي فيه الناس من أمر المناسك، وقيل: لأن إبراهيم الَلدُ تروى فيه أي: تفكر في ذبح ولده وأنه كيف يصنع. تنبيه: لستة أيام متوالية من أيام ذي الحجة أسماء، فاليوم الثامن: يوم التروية، واليوم التاسع: عرفة، والعاشر: النحر، والحادي عشر: القَرّ - بفتح القاف وتشديد الراء لأنهم يقرون فيه بمنى، والثاني عشر: يوم النفر الأول، والثالث عشر: النفر الثاني. (تَوَجَّهُوا)، أي: أرادوا التوجه. (إِلَى مِنَّى) ينون، وقيل: لا ينون. فيكتب بالألف، سميت به؛ لأنه يمنى الدماء في أيامها أي: يراق ويسفك، أو لأنه يعطي ٦٠٩ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ قِصَّةٍ حِجَّةِ الْوَدَاعِ الحجاج مناهم لإكمال أفعال الحج فيها. (فَأَهِلُّوا بِالْحِجِّ)، أي: من البطحاء كما في رواية لأحمد والشيخين والطحاوي والبيهقي، يعني: أحرم به من كان خرج عن إحرامه بعد الفراغ من العمرة، وفي رواية لأحمد: ((حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ وَأَرَادُوا التَّوَجُّهَ إِلَى مِنَّى أَهَلَّوا بِالْحَجِّ)). قال المحب الطبري: فيه بيان وقت إهلال أهل مكة والمتمتعين. وفيه إشارة إلى أن المحرم من مكة لا يقدم طوافه وسعيه؛ لأنه إذا اشتغل بذلك لا يسمى متوجهًا . قال النووي: والأفضل عند الشافعي وموافقيه أن من كان بمكة وأراد الإحرام بالحج أحرم يوم التروية؛ عملًا بهذا الحديث. وفيه بيان أن السنة أن لا يتقدم أحد إلى منى من قبل يوم التروية. وقد كره مالك ذلك. وقال بعض السلف: لا بأس به. ومذهبنا أنه خلاف السنة. انتهى. (وَرَكِبَ النَّبِيُّ ◌َ لَّ)، أي: حين طلوع الشمس من يوم التروية وسار من مكة إلى منى. (فَصَلَّى بِهَا)، أي: بمنى في موضع مسجد الخيف. (الظَّهْرَ وَالْعَصْرَ ... ) إلخ. كل صلاة لوقتها. (ثُمَّ مَكَثَ)، أي: لبث بعد أداء الفجر. (قَلِيلًا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ) فيه أن السنة أن لا يخرجوا من منى حتى تطلع الشمس. وهذا مُتَّفقٌ عَلَيه. ومبيته ◌َّله بمنى وصلاته تلك الصلوات بها دليل على استحباب ذلك، وهذا المبيت أجمع أهل العلم على الفرق بينه وبين مبيت ليالي منى، فأوجبوا على تارك ذلك ما أوجبوا، ولم يوجبوا على تارك المبيت بمنى ليلة عرفة أي ليلة التاسع من ذي الحجة شيئًا، قاله ابن المنذر. وقال النووي: هذا المبيت سنة ليس بركن ولا واجب، فلو تركه فلا دم عليه بالإجماع. انتهى. (وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ) عطف على (رَكِبَ) أو حال، أي: وقد أمر بضرب خيمة بنمرة قبل قدومه إليها. (مِنْ شَعَرٍ) بفتح العين وسكونها. (تُضْرَبُ لَهُ) بصيغة المجهول. (بِنَمِرَةَ) بفتح النون وكسر الميم وفتح الراء المهملة، وهو غير منصرف، موضع على يمين الخارج من المأزمين إذا أراد الموقف. وقال الطيبي: هو موضع بجنب عرفات وليس من عرفات. وقال في ((اللمعات)): اسم موضع قريب عرفات، وهي منتهى أرض الحرم، وكان بين الحل والحرم. انتهى. قال الأبي: لما أرادَ ◌ّله أن يظهر مخالفة الجاهلية أراد أن يظهر ذلك ابتداء ٦١٠ GrX=X * مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ليتأهبوا لذلك. وقال النووي: في هذا الحديث جواز الاستظلال للمجرم بقبة وغيرها. ولا خلافَ في جوازِهِ للنازلِ. واختلفوا في جوازه للراكبِ، فمذهبنا جوازه، وبه قال كثيرون، وكرهه مالك وأحمد، وفيه جواز اتخاذ القباب وجوازها من شعر. انتهى. وقال المحب الطبري: وفي أمره وَّ بضرب القبة في نمرة دليل على الرخصة في حجز المواضع من الصحاري وأشباهها حيث لا ضرر على أحد في ذلك الغزو والحج وسائر الأسفار. وقال النووي أيضًا: فيه استحباب النزول بنمرة إذا ذهبوا من منى؛ لأن السنة أن لا يدخلوا عرفات إلا بعد زوال الشمس، وبعد صلاتي الظهر والعصر جمعًا، فالسنة أن ينزلوا بنمرة، فمن كان له قبة ضربها ويغتسلون للوقوف قبل الزوال، فإذا زالت الشمس؛ سار بهم الإمام إلى مسجد إبراهيم ◌َلَّلوخطب لهم خطبتين خفيفتين، ويخفف الثانية جدًّا، فإذا فرغ منها؛ صلى بهم الظهر والعصر جامعًا بينهما، فإذا فرغ من الصلاة؛ سار إلى الموقف. انتھی . (فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لِهِ)، أي: من منى إليها. (وَلَا تَشُكَّك قُرَيْشٌ إِلَّا أَنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَام). قال الزرقاني في ((شرح المواهب)»: ظاهره أنه ليس لقريش شك في شيء إلا في وقوفه عند المشعر، فإنهم يشكون فيه، وليس المراد ذلك بل عكسه، وهو أنهم لا يشكون في أنه وُّ سيقف عند المشعر الحرام على ما كانت عادتهم من وقوفهم به، ويقف سائر الناس بعرفة، فقال الأبي: الأظهر في ((إلا)) أنها زائدة و((أن)) في موضع النصب على إسقاط الجار، أي: ولا يشك قريش في أنه واقف عند المشعر. انتهى. وقيل: الشك ها هنا بمعنى الظن، أي: لا تظن قريش إلا أنه يقف عند المشعر؛ لأنه من مواقف الحمس وأهل حرم الله. وقال الطيبي : أي: ولم يشكوا في أنه يخالفهم في المناسك بل تيقنوا بها إلا في الوقوف، فإنهم جزموا بأنه يوافقهم فيه، فإن أهل الحرم كانوا يقفون عند المشعر الحرام، وهو جبل في المزدلفة، يقال له: قزح، وعليه جمهور المفسرين والمحدثين، وقيل: إنه كل المزدلفة وهو بفتح العين وقيل بكسرها؛ ذكره النووي. (كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ) معناه أن قريشًا كانت في الجاهلية تقف بالمشعر الحرام، وكان سائر العرب يتجاوزون المزدلفة ويقفون بعرفات، فظنت قريشٌ أن النبيِ وَّل يقف في المشعر الحرام على عادتهم ولا يتجاوزه، فتجاوزه وَّل ٦١١ بَابُ قِصَّةٍ حِجَّةِ الْوَدَاعِ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ إلى عرفات؛ لأن الله تعالى أمره بذلك في قوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]، أي: سائر العرب غير قريش، وإنما كانت قريش تقف بالمزدلفة؛ لأنها من الحرم، وكانوا يقولون: نحن أهل حرم الله فلا نخرج منه. وقد يتوهم أنه رَّ كان يوافقهم قبل البعثة، وليس كذلك لما جاء في بعض الأحاديث الصحيحة صريحًا أنه كان يقف مع عامة الناس قبل النبوة أيضًا. (فَأَجَازَ رَسُولُ اللهِ وَّ) قال النووي: معناه: جاوز المزدلفة ولم يقف بها، بل توجه إلى عرفات. (حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ)، أي: قاربها؛ لأنه فسره بقوله: ((وجدَ القبةَ قد ضُربت بنمرةَ فنزلَ بها)). وقد سبق أن نمرة ليست من عرفات، وقد قدمنا أن دخول عرفات قبل صلاتي الظهر والعصر جمعًا خلاف السنة. وقال الطبري: الظاهر أن المراد بإتيان عرفة القرب منها، فإن نمرة دونها، وسميت عرفة بذلك؛ لتعريف جبرئيل إبراهيم المناسك، وقيل: لمعرفة آدم حواء هناك، أو لتعارف الناس، أو لاعترافهم بذنوبهم أو لصبر الناس، والعرفة: الصبر. وقيل: إن إبراهيم رأى ليلة التروية ذبح ولده فتروى يومه، وعرف في الثاني، ونحر في الثالث، فسميت الأيام بذلك. وقوله: (فَأَجَازَ) قيل: هي لغة وجاز وأجاز بمعنى. وقيل: جاز الموضع سلكه وسار فيه، وأجازه: خلفه وقطعه. قال الأصمعي: جاز: مشى فيه، وأجازه: قطعه . (قَدْ ضُرِبَتْ)، أي: بنيت. (فَنَزَلَ بِهَا)، أي: بالقبة. وهذا يدل على جواز استظلال المحرم بالخيمة ونحوها. (حَتَّى إِذَا زَاغَتْ)، أي: نزل بها واستمرَّ فيها حتى إذا مالت الشمس وزالت عن كبد السماء من جانب الشرق إلى جانب الغرب. (أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ)، أي: بإحضارها، وقد تقدم ضبطها وشرحها في أول شرح الحديث. (فَرُحِلَتْ لَهُ) على البناء المجهول مخففًا أي: شُدَّ على ظهرها الرحل ليركبها النبي ◌َّ. (فَأَتَى)، أي: فركبها فأتى (بَطْن الْوَادِي) هو وادي عُرَنة بضم العين وفتح الراء المهملتين بعدها نون، وليست من عرفات. (فَخَطَبَ النَّاسَ)، أي: وعظهم وخطب خطبتين الأولى لتعريفهم المناسك والحث على كثرة الذكر والدعاء بعرفة، والثانية قصيرة جدًّا لمجرد الدعاء، قاله القاري. وفيه: دليل على أن الخطبة كانت على الراحلة، وفي معناها المواضع المرتفعة. قال الزرقاني: في الحديث أنه يستحبُّ للإمام أن يخطب يوم عرفة في هذا الموضع، وبه قال SECRE ٦١٢ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ الجمهور والمدنيون والمغاربة من المالكية وهو المشهور. فقول النووي: ((خالف فيها المالكية)) فيه نظر، إنما قول العراقيين منهم، والمشهور خلافه. واتفق الشافعية أيضًا على استحبابها؛ خلافًا لما توهمه عياض والقرطبي. انتهى. قال النووي: ومذهب الشافعي أن في الحج أربع خطب مسنونة: إحداها: يوم السابع من ذي الحجة يخطب عند الكعبة بعد صلاة الظهر. والثانية: هذه التي ببطن عرنة يوم عرفات. والثالثة: يوم النحر. والرابعة: يوم النفر الأول وهو اليوم الثاني من أيام التشريق. قال أصحابنا: وكل هذه الخطب أفراد وبعد صلاة الظهر إلا التي يوم عرفات، فإنها خطبتان وقبل الصلاة. قال أصحابنا: ويعلمهم في كل خطبة من هذه ما يحتاجون إليه إلى الخطبة الأخرى. والله أعلم، انتهى كلام النووي. وارجع لمزيد التفصيل إلى ((القرى لقاصد أم القرى)) لمحب الدين الطبري (ص ٣٣٨، ٣٣٩، ٤٩١، ٤٩٣)، و((الفتح الرباني)) (ج ١٢: ص ١٣٣، ٢١٥، ٢١٦)، و((فتح الباري)) (ج ٧: ص ١٦٦) وعند الحنفية في الحج ثلاث خطب أولاها وثانيتها ما ذكره النووي، وثالثتها بمنى في اليوم الحادي عشر، فيفصل بين كل خطبتين بيوم وكلها سنة. والراجح عندنا في تعيين أيام الخطبة: هو ما ذهب إليه الشافعية، وسيأتي مزيد الكلام في ذلك. (إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَ الَكُمْ) زاد في حديث ابن عباس عند أحمد والبخاري والترمذي والبيهقي وفي حديث ابن عمر عند البخاري: ((وَأَعْرَاضَكُمْ)) والعِرض بكسر العين: موضع المدح والذم من الإنسان، سواء كان في نفسه أو في سلفه. قال الحافظ : هذا الكلام على حذف المضاف أي: سفك دمائكم وأخذ أموالكم وثلب أعراضكم، انتهى. وقيل: المعنى: إن انتهاك دمائكم وأموالكم وأعراضكم، قيل: وهذا أولى مما ذكره الحافظ؛ لأن ذلك إنما يحرم إذا كان بغير حق، فلا بد من التصريح به، فلفظة ((انتهاك)) أولى؛ لأن موضوعها لتناول الشيء بغير حق. (حَرَامٌ عَلَيْكُمْ) قال الزرقاني: معنى الحديث: إن دماء بعضكم على بعض حرام، وأموال بعضكم على بعض حرام وإن كان ظاهر اللفظ أن دم كل واحد حرام عليه نفسه، ومال كل واحد حرام عليه نفسه فليس بمراد؛ لأن الخطاب للمجموع، والمعنى فيه مفهوم، ولا تبعد إرادة المعنى الثاني. أما الدم فواضح، وأما المال فمعنى تحريمه عليه تحريم تصرفه فيه على غير الوجه المأذون فيه شرعًا، قاله الولي ٦١٣ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ قِصَّةٍ حِجَّةِ الْوَدَاع العراقي. (كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا)، أي: متأكدة التحريم شديدته كحرمة يومكم هذا يعني يوم عرفة. (فِي شَهْرِكُمْ هَذَا)، أي: ذي الحجة. (فِي بَلَدِكُمْ هَذَا)، أي: مكة، وإنما شبهها في الحرمة بهذه الأشياء؛ لأنهم كانوا لا يرون استباحتها وانتهاك حرمتها بحال؛ وقال ابن المنير: قد استقر في القواعد أن الأحكام لا تتعلق إلا بأفعال المكلفين، فمعنى تحريم اليوم والبلد والشهر تحريم أفعال الاعتداء فيها على النفس والمال والعرض، فما معنى إذًا تشبيه الشيء بنفسه؟ وأجاب: بأن المراد أن هذه الأفعال في غير هذا البلد وهذا الشهر وهذا اليوم مغلظة الحرمة، عظيمة عند الله، فلا يستهل المعتدي كونه تعدى في غير البلد الحرام والشهر الحرام، بل ينبغي له أن يخاف خوف من فعل ذلك في البلد الحرام، وإن كان فعل العدوان في البلد الحرام أغلظ، فلا ينفي كون ذلك في غيره غليظًا أيضًا، وتفاوت ما بينهما في الغلظ لا ينفع المعتدي في غير البلد الحرام، فإن فرضناه تعدى في البلد الحرام، فلا يستسهل حرمة البلد، بل ينبغي أن يعتقد أن فعله أقبح الأفعال وأن عقوبته بحسب ذلك فيراعى الحالتين، انتهى. وقال الزرقاني: وفي تقديم اليوم على الشهر وهو على البلد الترقي، فالشهر أقوي من اليوم، وهو ظاهر في الشهر؛ لاشتماله على اليوم، فاحترامه أقوى من احترام جزئه، وأما زيادة حرمة البلد، فلأنه محرم في جميع الشهور لا في هذا الشهر وحده، فحرمته لا تخص به، فهو أقوى منه. انتهى. قال الحافظ: وفيه: مشروعية ضرب المثل وإلحاق النظير بالنظير؛ ليكون أوضح للسامع، وإنما شبه حرمة الدم والعرض والمال بحرمة اليوم والشهر والبلد؛ لأن المخاطبين بذلك كانوا لا يرون تلك الأشياء ولا يرون هتك حرمتها ويعيبون على من فعل ذلك أشد العيب، وقال في موضع آخر: ومناط التشبيه في قوله: (كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ)) وما بعده ظهوره عند السامعين؛ لأن تحريم البلد والشهر واليوم كان ثابتًا في نفوسهم مقررًا عندهم بخلاف الأنفس والأموال والأعراض، فكانوا في الجاهلية يستبيحونها، فطرأ الشرع عليهم بأن تحريم دم المسلم وماله وعرضه أعظم من تحريم البلد والشهر واليوم، فلا يرد كون المشبه به أخفض رتبة من المشبه؛ لأن الخطاب إنما وقع بالنسبة لما اعتاده المخاطبون قبل تقرير الشرع. انتھی . ٦١٤ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ وقال الطيبي: هذا من تشبيه ما لم تجر به العادة بما جرت به؛ لأنهم عالمون بحرمة الثلاث كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَنَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ ﴾ [الأعراف: ١٧١] كانوا يستبيحون دماءهم وأموالهم في الجاهلية في غير الأشهر الحرام ويحرمونها فيها، كأنه قيل: إن دماءكم وأموالكم محرمة عليكم أبدًا كحرمة الثلاث، انتهى. (أَلَا) بالفتح والتخفيف للتنبيه. (كُلَّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ) يعني الذي أحدثوه والشرائع التي شرعوها في الحج وغيره قبل الإسلام. (تَحْتَ قَدَمَيَّ) بتشديد الياء مثنى. (مَوْضُوعٌ)، أي: مردود وباطل، حتى صار كالشيء الموضوع تحت القدمين. قال في ((اللمعات)): يحتمل أن يكون قوله: ((مَوْضُوعٌ))، وقوله: (تَحْتَ قَدَمَيَّ)) خبرين، أو الخبر هو ((موضوع)) و(تحت)) ظرف له وهو الأظهر، والمراد بالوضع تحت القدم: إبطاله وتركه، وتقول العرب في الأمر الذي لا يكاد يراجعه ويذكره: جعلت ذلك تحت قدميّ. (وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ)، أي: متروكة لا قصاص ولا دية ولا كفارة. أعادها للاهتمام أو ليبني عليه ما بعده من الكلام؛ قاله القاري. وقال الولي العراقي: يمكن أنه عطف خاص على عام؛ لاندراج دمائها في أمورها، ويمكن أنه لا يندرج؛ لحمل أمورها على ما ابتدعوه وشرعوه. وإيجاب القصاص على القاتل ليس مما ابتدعوه، وإنما أريد قطع النزاع بإبطال ذلك؛ لأن منها ما هو حق، ومنها ما هو باطل، وما يثبت وما لا يثبت. (وَإِنَّ أَوَّلَ دَم أَضَعُ)، أي: أضعه وأتركه. (مِنْ دِمَائِنَا)، أي: من دماء أهل الإسلام يعني: أبدًا في وضع الدماء التي يستحق المسلمون ولايتها بأهل بيتي وأقاربي. قال النووي: فيه أن للإمام وغيره ممن يأمر بمعروف وينهى عن منكر ينبغي أن يبدأ بنفسه وأهله، فهو أقرب إلى قبول قوله، وإلى طيب نفس من قرب عهده بالإِسلام. ( دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ)، أي: ابن عبد المطلب، واسم هذا الابن إياس، قاله الجمهور والمحققون، وقيل: حارثة، وقيل: تمام، وقيل: آدم، وقال الدار قطني: وهو تصحيف. ولبعض رواة مسلم وأبي داود: ((دَمَ رَبِيعَةَ)) وهو وهم؛ لأن ربيعة عاش حتى توفي زمن عمر سنة ثلاث وعشرين، وتأولَه أبو عبيدٍ بأنه نسبه إليه؛ لأنه ولي دم ابنه، وهو حسن ظاهر، به تتفق الروايتان. وربيعة هذا هو ابن عم النبي ◌َلم يكنى: أبا أروى. وكان أسن من عمه العباس بسنتين، صحابي، روى عن ٦١٥ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ قِصَّةٍ حِجَّةٍ الْوَدَاع BASE النبي ◌َّلول أحاديث، توفي في أول خلافة عمر، وقيل في أواخرها سنة ثلاث وعشرين. (وَكَانَ) كذا في جميع النسخ من ((المشكاة)) و((المصابيح))، وفي ((صحيح مسلم)) و((المنتقى)) لابن الجارود ((كانَ))، أي: بدون واو العاطفة، وهكذا ذكره المحب الطبري. (مُسْتَرْضِعًا) على بناء المجهول، أي: كان لهذا الابن ظئر ترضعه من بني سعد. (فَقَتَلَهُ)، أي: ابن ربيعة، وقوله ((فَقَتَلَهُ)) كذا في جميع النسخ من المشكاة أي: بصيغة المذكر، وفي ((صحيح مسلم)): ((فَقَتَلَتْهُ)) بلفظ التأنيث، وهكذا عند أبي داود وابن الجارود، وكذا في ((المصابيح)). (هُذَيل) بهاء مضمومة فمعجمة مفتوحة، وكان ابن ربيعة هذا طفلًا صغيرًا، يحبو بين البيوت، فأصابه حجر في حرب بني سعد مع قبيلة هُذَيل فقتلته هُذَيل. قال الولي العراقي: ظاهره أنها تعمدت قتله. وذكر الزبير بن بكار: أنه كان صغيرًا يحبو بين البيوت فأصابه حجر في حرب كانت بين بني سعد وبين ليث بن بكرٍ، كذا ذكره عياض والنووي وغيرهما ساكتين عليه وهو مناف لقوله: ((فَقَتَلَتْهُ هُذَيْل))؛ لأنهم غير بني ليث؛ إذ هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر، وليث بن بكر ابن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة كما بينه أبو عبيد القاسم بن سلام في أنسابه، كذا في ((شرح المواهب)). (وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ) معناه الزيادة على رأس المال، ولذلك جاء الخبر ((مَوْضُوعَةٌ)) بالتاء على معنى ما في نسخ مسلم، وهذا إيضاح؛ إذ المقصود مفهوم من لفظ (ربا))؛ لأن الربا هو الزيادة فإذا وضع الربا فمعناه وضع الزيادة. قال الولي: ولا شك أن عطف هذا على أمر الجاهلية من عطف الخاص على العام؛ لأنه من إحداثاتهم وشرعهم الفاسد. (مَوْضُوعٌ) المراد بالوضع الرد والإبطال أي: الزائد على رأس المال مردود كما قال الله تعالى ﴿وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩] وقوله: ((مَوْضُوع)) كذا في جميع النسخ من ((المشكاة))، وهكذا في ((سنن أبي داود)) و((المنتقى)) والبيهقي ولمسلم: ((مَوْضُوعَةٌ)) بالتأنيث، وهكذا في ((المصابيح))، وكذا ذكره المحب الطبري. (وَأَوَّلُ رِبَّا أَضَعُ مِنْ رِبَانًا) كذا في جميع النسخِ من ((المشكاة))، وفي ((صحيح مسلم)) و((سنن أبي داود)) والبيهقي و((المنتقى)): وَأَوَّلُ رِبَّا أَضَعُ رِبَانَا. أي: بدون ٦١٦ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ لفظة: مِن، وهكذا في ((المصابيح)) وكذا ذكره الطبري، وعلى هذا ((رِبَانًا)) خبر المبتدأ، وقوله. (رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) بدل منه أو خبر مبتدأ محذوف أي هو ربا العباس. (فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلَّهُ) يحتمل عود ضمير (إنه) لربا العباس تأكيدًا لوضعه، ويحتمل لجميع الربا أي: ربا العباس موضوع؛ لأن الربا موضوع كله، قاله الولي العراقي. وإنما ابتدأ في وضع دماء الجاهلية ورباها من أهل الإسلام بأهل الإسلام بأهل بيته؛ ليكون أمكن في قلوب السامعين وأسد لأبواب الطمع في الترخيص . (فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ) قال الطيبي: هو عطف من حيث المعنى على ((دمائكم وأموالكم))، أي: فاتقوا اللَّه في استباحة الدماء ونهب الأموال، وفي النساء، وهو من عطف الطلب على الخبر بالتأويل كما عطف ﴿وَأَمْتَلُواْ الْيَّوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ ٥٩ [يس: ٥٩] على قوله: ﴿إِنَّ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ﴾ [يس: ٥٥] وقال الولي العراقي: يحتمل أن الفاء زائدة؛ لأن في رواية بدونها، وأنها للسببية؛ لأنه لما قرر إبطال أمر الجاهلية وكان من جملتها منع النساء من حقوقهن وترك إنصافهن أمرهم بمتابعة الشرع في إنصافهن، فكأنه قيل: فبسبب إبطال أمر الجاهلية اتقوا الله في النساء وأنصفوهن، فإن تركه من أمر الجاهلية، قال: و ((في)) تحتمل السببية نحو ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِىِ لُمْتُنَّنِى فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢] والظرفية مجازًا نحو ﴿وَلَكُمْ فِى الْقِصَاصِ حَيَوَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، أي: إن النساء ظرف للتقوى المأمور بها. انتهى. قلت: وقع عند ابن الجارود والبيهقي: ((اتَّقُوا اللَّهَ))، أي: بدون الفاء، وفي الحديث: الحث على مراعاة حق النساء والوصية بهن ومعاشرتهن بالمعروف، وقد جاءت أحاديث كثيرة صحيحة في الوصية بهن، وبيان حقوقهن والتحذير من التقصير في ذلك، فليراجعها من شاء في ((الترغيب والترهيب)) للمنذري و((رياض الصالحين)) للنووي. (فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ)، أي: بعهده وهو ما عهد إليكم فيهن. قال النووي: هكذا في كثير من أصول مسلم ((بِأَمَانِ اللَّهِ)) بلا هاء، وفي بعضها ((بِأَمَانَةِ اللَّهِ)) قلت: وكذا أي بالهاء وقع عند أبي داود والشافعي وابن الجارود وابن ماجه والبيهقي. قال الزرقاني: أي بأن اللّه ائتمنكم عليهن، فيجب حفظ الأمانة وصيانتها بمراعاة حقوقها والقيام بمصالحها الدينية والدنيوية، وما وقع في كثير من أصول مسلم يقوي أن في قوله: ((أَخَذْتُمُوهُنَّ)) دلالة على أنها ٦١٧ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ قِصَّةِ حِجَّةِ الْوَدَاع كالأسيرة المحبوسة عند زوجها، وله التصرف فيها والسلطنة عليها حسبما بينه الشرع، ويوافقه قوله في رواية أخرى: ((فَإِنَّهُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ)) جمع عانية وهي الأسيرة، لكنها ليست أسيرة خائفة كغيرها من الأسراء، بل هي أسيرة آمنة . (وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ) في معناه أربعة أقوال: الأول: أن المراد بكلمة اللَّه أمره وحكّمه وإباحته المنزلة في كتابه وهو قوله: ﴿فَأَنْكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَآءِ﴾ [النساء: ٣] قال النووي: هذا هو الصحيح، ورجحه القرطبي في ((المفهم)) إذ قال: فإن حكم الله كلامه المتوجه للمحكوم عليه على جهة الاقتضاء أو التخيير. الثاني: المراد: كلمة التوحيد ((لا إله إلا الله محمد رسول الله))؛ إذ لا تحل مسلمة لغير مسلم. الثالث: المراد: كلمة النكاح التي يستحل بها الفروج، أي الصيغ التي ينعقد بها النكاح من الإيجاب والقبول؛ لأن الله تعالى أمر بها. الرابع: أن المراد قوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] قال الخطابي: هذا أحسن الوجوه. (وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ)، أي: من الحقوق لما ذكر ◌َّ استحلال الزوج بكلمة الله وعلم منه تأكيد الصحبة بين الزوجين انتقل إلى بيان ما على كل واحد منهما من الحقوق، وبدأ بحق الأزواج؛ لأنهم المخاطبون. (أَنْ لَا يُوطِئْنَ) بهمزة أو بإبدال التخفيف صيغة جمع الإناث من الإيطاء أي: من باب الإفعال. (فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ)، أي: تكرهون دخوله في بيوتكم، وعبر بـ((فرش))؛ لأن الداخل يطأ المنزل الذي يدخل فيه. قال المازري: قيل: المراد بذلك أن لا يستخلين بالرجال ولم يرد زناها؛ لأن ذلك يوجب حدها، ولأن ذلك حرام مع من يكرهه الزوج ومن لا يكرهه. وقال الخطابي: معنى الحديث أن لا يأذن لأحد من الرجال يدخل فيتحدث إليهن، وكان الحديث من الرجال إلى النساء من عادات العرب ولا يرون بذلك عيبًا ولا يعدونه ريبة، فلما نزلت آية الحجاب صار النساء مقصورات، ونهى عن محادثتهن والقعود إليهن، وليس المراد بوطء الفرش هنا نفس الزنا؛ لأنه محرم على الوجوه كلها، فلا معنى لاشتراط الكراهية فيه، ولو أريد الزنا لكان الضرب الواجب فيه هو المبرح الشديد والعقوبة المؤلمة من الرجم دون الضرب الذي ليس بمبرح. وذكر القاضي عياض نحوه. وقال النووي بعد ذكر كلام المازري والقاضي: والمختار أن معناه: أن لا يأذن لأحد تكرهونه في دخول بيوتكم ٦١٨ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ والجلوس في منازلكم، سواء كان المأذون له رجلًا أجنبيًّا أو امرأة أو أحدًا من محارم الزوجة، فالنهي يتناول جميع ذلك، وهذا حكم المسألة عند الفقهاء أنها لا يحل لها أن تأذن لرجل ولا امرأة ولا محرم ولا غيره في دخول منزل الزوج إلا من علمت أو ظنت أن الزوج لا يكرهه؛ لأن الأصل تحريم دخول منزل الإنسان حتى يوجد الإذن في ذلك منه أو عرف رضاه باطراد العرف بذلك ونحوه، ومتى حصل الشك في الرضا ولم يترجح شيء ولا وجدت قرينة لا يحل الدخول ولا الإذن. والله أعلم. (فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ)، أي: الإيطاء المذكور بدون رضاكم بلفظ صريح أو بقرائن. (ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّح) بضم الميم وفتح الموحدة وكسر الراء المشددة وبالحاء المهملة من البرح وهو المشقة، والضرب المبرح: هو الضرب الشديد الشاق، ومعناه: اضربوهن ضربًا ليس بشديد ولا شاق. وفيه إباحة ضرب الرجل امرأته للتأديب. (وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ)، أي: وجوبًا، والمراد بالرزق: النفقة من المأكول والمشروب، وفي معناه سكناهن. (بِالْمَعْرُوفِ)، أي: على قدر كفايتهن من غير سرف ولا تقتير أو باعتبار حالكم فقرًا وغنىٍّ، وفيه وجوب نفقة الزوجة وكسوتها، وذلك ثابت بالكتاب والسنة والإجماع. (وَقَدْ تَرَكْتُ فِيَكُمْ مَا)، أي: فيما بينكم و((ما)) موصولة أو موصوفة. (لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ)، أي: بعد تركي إياه فيكم أو بعد التمسك به والعمل بما فيه ويؤيد الأول قوله: (إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ)، أي: في الاعتقاد والعمل. وفي هذا التركيب إبهام وتوضيح وذلك لبيان أن هذا الشيء الذي تركه فيهم شيء جليل عظيم فيه جميع المنافع الدينية والدنيوية، ثم لما حصل من هذا التشوق التام للسامع وتوجه إلى استماع ما يرد بعده واشتاقت نفسه إلى معرفته بَيَّنَهُ بقوله: (كِتَابَ اللَّهِ) بالنصب بدل من مفعول ((تركت))، جزم به الولي. فإن كان الرواية وإلا فيجوز رفعه بأن خبر مبتدأ محذوف، أي: هو كتاب الله ولم يذكر السنة مع أن بعض الأحكام يستفاد منها لاندراجها تحته، فإن الكتاب هو المبين للكل، بعضها بلا واسطة، وبعضها بواسطة، قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ تِبْيَنَّا لِكُلِّ شَىْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، وقال تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]كذا في ((شرح المواهب)). ٦١٩ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ قِصَّةٍ حِجَّةِ الْوَدَاعِ EXODE وقال القاري: إنما اقتصر على الكتاب؛ لأنه مشتمل على العمل بالسنة لقوله تعالى: ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩]، وقوله: ﴿وَمَآ ءَانَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَّكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُواْ﴾ [الحشر: ٧]، فيلزم من العمل بالكتاب العمل بالسنة، وفيه إيماء إلى أن الأصل الأصيل هو الكتاب. (وَأَنْتُمُ تُسْأَلُونَ) بصيغة المجهول. وفي رواية أبي داود والدارمي وابن ماجه وابن الجارود والبيهقي: (مَسْئُولُونَ)). (عَنِّي)، أي: عن تبليغي وعدمه، قال الطيبي: قوله: ((وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ)) عطف على مقدر، أي: قد بلغت ما أرسلت به إليكم جميعًا غير تارك لشيء مما بعثت به وأنتم تُسألون عني يوم القيامة هل بلغت؟ بأيِّ شيءٍ تجيبونَ؟ ودلَّ عَلَى هذا المحذوف الفاء في قولِهِ «فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟))، أي: إذا كان الأمر على هذا فبأي شيء تجيبون؟ (قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ)، أي: رسالات ربك. (وَأَدَّيْتَ)، أي: الأمانة. (وَنَصَحْتَ)، أي: الأمة. (فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ)، أي: أشار بها. (السَّبَّابَةِ) بالجر. (يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ) حال من فاعل ((قَالَ))، أي: رافعًا إياها أو من السبابة أي مرفوعة. (وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ) بفتح التحتية وسكون النون وضم الكاف بعدها فوقية، كذا في نسخ ((المشكاة)) و((المصابيح)) بالتاء الفوقانية، وهكذا في مسلم الطبعات المصرية والهندية، من نكت الأرض بالقضيب إذا ضرب الأرض بالقضيب فيؤثر فيها، وهذا بعيد من معني الحديث. وقيل: مجاز من الإشارة بقرينة ((إلى))، وفي ((المرقاة)): (وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ)، أي: يشير بها إليهم كالذي يضرب بها الأرض، والنكت: ضرب رأس الأنامل إلى الأرض. وفي ((البارع)): قال الأصمعي: ضربه فنكته بالفوقية أي: ألقاه على رأسه؛ فوقع متنكتًا. وذكره الفارابي في باب: قتل فيحتمل أن يكون الحديث من هذا، والمعني: ينكسها. انتهى. وقال عياض: كذا - أي: بالفوقية - الرواية في مسلم وهو بعيد المعني. قيل: صوابه ((يُنْكَبُهَا)) بموحدة، وكذا رويناه عن شيخنا أبي الوليد هشام بن أحمد في مسلم ومن طريق ابن الأعرابي عن أبي داود في ((سننه)) بموحدة، ومن طريق أبي بكر التمار عنه بفوقية، ومعناه: يرددها ويقلبها إلى الناس مشيرًا لهم، وهو من نکب کنانته؛ إذا قلبها .