النص المفهرس

صفحات 541-560

٥٤٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الأحاديث، ومنهم من قال: لا يستحب لما تقدم من حديث جابر قال: ما سمى
رسول اللَّه ◌َليه في تلبيته قط حجًّا ولا عمرة، ومن حديث عائشة قالت: خرجنا مع
رسولِ اللَّه وَ لَه لا نذكر حجًّا ولا عُمرة. أخرجهما البيهقي، ولما روي عن ابنٍ
عُمر: أنه كان إذا سمع بعض أهله يسمي حجًّا يقول: لبيك بحٌّ، صك في صدره،
وقال: أتعلم اللَّه بما في صدرك؟ أخرجه البيهقي وسعيد بن منصور وقال:
أتعلم اللَّه بما في نفسك؟ قال الطبري: وهذا الاختلاف - والله أعلم - في غير
التلبية الأولى التي تكون عند عقد الإحرام، أما تلك فالظاهر استحباب ذكر النسك
فيها قولًا واحدًا، وعلى ذلك يحمل ما ورد من الأحاديث، على أن حديث ابن عمر
يعم الأولى وغيرها. انتهى.
قال القاري: في حديث أبي سعيد ردٌّ على الشافعيةِ أنه إنما يذكر الحج والعمرة
في أول تلبيته فقط. وقال ابن قدامة (ج٣: ص ٢٩٠، ٢٩١): ويستحبُّ ذكر ما أحرم
به في تلبيته. قال أحمد: إن شئت لبيت بالحجِّ، وإن شئتَ لبيت بالحجِّ والعمرةِ،
وإن شِئت بعمرةٍ، وإن لبيت بحجّ وعمرة بدأت بالعمرة، فقلتُ: لبيك بعمرة
وحجة. وقال أبو الخطابٍ: لا يستحبُّ ذلك، وهو اختيارُ ابنِ عُمر، وقول
الشافعي؛ لأنَّ جابرًا قال: ما سمى النبي ◌ََّ في تلبيته حجًّا ولا عمرة، وسمع ابن
عمر رجلاً يقولُ: لبيك بعمرةٍ. فضرب صدره وقال: تعلمه ما في نفسك؟ ولنا ما
روى أنس قال: سمعت رسول اللّه وَّلَه يقول: ((لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا))، وقال جابرٌ:
قدمنا مع النبيِّ وَّةٍ ونحنُ نقولُ: لبيك بالحجِّ. وقال ابنُ عباسٍ: قدم رسول الله
وأصحابه وهم يلبون بالحجِّ، وقال ابنُ عُمر: بدأَ رسولُ اللَّهِ وَ لَّل، فأهل بالعمرة،
ثم أهلَّ بالحجِّ. متفق على هذه الأحاديث. وقال أنس: سمعتهم يصرخون بهما
صراخًا. رواه البخاري. وقال أبو سعيدٍ: خرجنا مع النبيِّ ◌َّهُ نصرخ بالحجِّ
فحللنا. فلما كان يوم التروية لبينا بالحج وانطلقنا إلى منَّى. وهذه الأحاديث أصح
وأكثر من حديثهم. وقول ابن عمر يخالفه قول أبيه، فإنَّ النسائيَّ روى بإسناده عن
الصُبَيِّ بن معبدٍ أنه أول ما حج لبَّى بالحج والعمرة جميعًا، ثم ذكر ذلك لعمر،
فقال: هديت لسنة نبيك، وإن لم يذكر ذلك في تلبيته فلا بأس، فإن النية محلها
القلب. انتهى. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أحمد (ج٣: ص٥، ٧٥) والبيهقي (ج٥ :
ص٤٠).

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
OF
بَابُ الإخْرَامِ والتَّلْبيَّةِ
٥٤١
٢٥٦٨ - [٥] وَعَنْ أَنَس قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ أَبِي طَلْحَةَ، وَإِنَّهُمْ
لَيَصْرُخُونَ بِهِمَا جَمِيعًا: الْحَجِّ وَّالْعُمْرَةِ.
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ] {صحيح}
الشرح
٢٥٦٨ - قوله: (كُنْتُ رَدِيفَ أَبِي طَلْحَةَ)، أي: راكبًا خلف ظهره وهو زوج
أمه. (وَإِنَّهُمْ)، أي: الصحابة والنبي معهم. (لَيَصْرُخُونَ) اللام فيه للتأكيد.
(بِهِمَا)، أي: بالحجِّ والعمرةٍ (جَمِيعًا الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ) بالجرِّ على أنه بدل من
الضمير في ((بهما))، وبالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هما أو أحدهما
الحج والآخر العمرة، ويجوزُ النصبُ على الاختصاصِ بتقدير أعني: وفيه دليل
على أنه وَّيَّ كان قارنًا. وقال المهلب: إنما سمع أنس من قرن خاصة، وليسَ في
حديثِهِ أنه سَمِعَ رسولَ اللَّه ◌ِ لّ يصرخ بهما، وإنما أخبر بذلك عن قوم، وقد يمكنُ
أنْ يسمعَ قومًا يصرخون بحجٌّ وقومًا يصرخون بعمرةٍ. قال العينيّ: هذا تحكم
وخروج عما يقتضيه الكلام، فإن الضمير في ((يَصْرُخُونَ)) يرجع إلى النبيِّ وَّل ومن
معه من أصحابه. والباء في ((بهما)) يتعلَّق بـ((يصرخون))، فكيف يفرق مرجع الضمير
إلى بعضهم بشيء وإلى الآخرين بشيءٍ آخر. انتهى مختصرًا.
وقال الكرماني أيضًا: مراد أنس بذلك من نوى منهم القرآن، ويحتملُ أن يكون
على سبيل التوزيع بأن يكون بعضهم صارخًا بالحج وبعضهم بالعمرة. قال
الحافظُ: ويشكلُ عليه قوله في الطريق الأخرى يقول: ((لبيك بحجة وعمرة معًا)).
وسيأتي إنكار ابن عمر على أنسٍ ذلك، وسيأتي ما فيه في باب التمتع والقِران.
انتهى. وقال العيني بعد ذكر كلام الكرماني: لا يوجد في الرد عليه أقوى من
قوله ◌َاير: (لبيك بحجة وعمرة معًا)) كما سيجيء بيانه. انتهى.
وفي الحديثِ حجة للجمهور في استحباب رفع الصوت بالتلبية، وقد جاءت فيه
أحاديث، كما سيجيء الإشارة إليها في شرح حديث خلاد بن السائب.
(٢٥٦٨) الْبُخَارِي (٢٩٨٦) عَنْ أَنَسٍ فِي الچِهَادِ .

٥٤٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(رَوَاهُ البُخَارِيُّ) في باب الارتداف في الغزو والحج من كتاب الجهاد، وأخرجه
أيضًا في الحج مقطعًا في مواضع، منها في بابٍ رفع الصوت بالإهلال بلفظ: صَلَّى
النبيُّ ◌ََّ بِالمدينةِ الظهرَ أربعًا، والعصرَ بذي الحليفةِ ركعتين، وسمعتهم يصرخون
بهما جميعًا. وأخرجه أيضًا البيهقي (ج٥: ص٤٠)، ولمسلمٍ: سمعتُ النبيَّ ◌َل
يلِّي بالعمرة والحجِّ جميعًا. وفي لفظٍ: أنَّه رَأَى النبي ◌َُّ جمع بينهما بالحج
والعمرة .
٢٥٦٩ - [٦] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ بِ ◌ّهِ عَامَ حَجَّةٍ
الْوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجِّ وَعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَِّ بِالْحَجِّ،
وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ بِالْحَجِّ، فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَحَلَّ، وَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
أَوْ جَمَعَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَلَمْ يَحِلُوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ الْنَحْرِ.
الشرح
٢٥٦٩ - قوله: (خْرَجْنَا)، أي: من المدينةِ، واختلف في عدد الذين كانوا
معه ◌َ له، فقيل: تسعون ألفًا، ويقال: مائة ألف وأربعة عشر ألفًا، ويقال: أكثر من
ذلك، حكاه البيهقي. قال الزرقاني: هذا في عدة الذين خرجوا معه، وأما الذين
حجوا معه، فأكثر المقيمين بمكة، والذين أتوا من اليمن مع عليٍّ، وأبي
موسى فيها. انتهى. وقال القاري: بلغ جملة من معه وَ له تسعين ألفًا، وقيل: مائة
وثلاثين ألفًا. انتهى. وقال الشيخ الدهلوي في ((اللمعات)): ورد في بعض الروايات
أنهم كانوا أكثر من الحصر والإحصاء ولم يعينوا عددهم، وقد بلغوا في غزوة تبوك
التي هي آخر غزواته وَل مائة ألف، وحجة الوداع كانت بعد ذلك، ولا بد أن
يزدادوا فيها، ويروى: مائة وأربعة عشر ألفًا، وفي رواية: مائة وأربعة وعشرون
ألفًا. انتهى .
(مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَلِّ) زادت عمرة بنت عبد الرحمن عنها: ((لِخَمْسِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ
(٢٥٦٩) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٥٦٢)، ومُسْلِم (١١٨/ ١٢١١) فِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، وَأَبُو دَاوُد (١٧٧٩)،
والنَّسَائِي (١٤٥/٥)، وابن مَاجَهْ (٢٩٦٥).

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْإِخْرَامِ والتَّلْبِيَةِ
٥٤٣
ذِي الْقَعْدَةِ)). كما في ((الموطأ)) و((الصحيحين)) وغيرهما، وكذا وقع في حديث ابن
عباس عند البخاري في باب الخروج آخر الشهر، من كتاب الجهاد، وفي باب ما
يلبس المحرم من الثياب من كتاب الحجِّ، وكذا وقع في حديث جابر عند النسائي.
قال القسطلاني: يقتضي أن تكون قالته عائشة بعد انقضاء الشهرِ، ولو قالته قبله
لقالت إن بقين. انتهى. وقال الحافظ: فيه استعمال الفصيح في التاريخ وهو ما دام
في النصف الأول من الشهرِ يؤرخ بما خلا، وإذا دخل النصف الثاني يؤرخ بما
بقى، وقال أيضًا: فيه رد على مَن منع إطلاق القول في التاريخ، لئلا يكون الشهر
ناقصًا، فلا يصحُّ الكلام، فيقول مثلًا: لخمس إن بقين بزيادة أداة الشرط، وحجة
الجواز أن الإطلاق يكون على الغالب. انتهى. ويؤيده ما ورد في ليالي القدر عند
الترمذي من حديث أبي بكرٍ رفعه: ((الْتَمِسُوهَا فِي تِسْعِ يَبْقَيْنَ أَوْ سَبْعِ يَبْقَيْنَ))
الحديث. وما وقع في حديث آخر: ((تاسعة تبقى وسابعة تَبقى)). واختلف في يومٍ
خروجِهِ وَّ على ثلاثة أقوال:
الأول: أنه خرج يوم الجمعة وهذا وهم قبيح وخطأ فاحش يرده الروايات
الصحيحة؛ إذ من المعلوم الذي لا ريب أنه صلّى الظهر يوم خروجه بالمدينة
أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين.
القول الثاني: ما ذهبَ إليه ابنُ حزمٍ واختاره العيني في ((شرح البخاري)): أن
خروجَهُ وَلَّ من المدينةِ كان يوم الخميس لست بقين من ذي القعدة، حكى هذا
القولَ ابنُ القيمِ في ((الهدي)) (ج١: ص١٨١، ١٨٢) عن ابن حزم، وذكر كلامه
مفصلًا ثم بسط في الردِّ عليه، وسيأتي شيء من كلامه مع الجواب عنه.
القول الثالث: ما اختاره المحققون من شراح الحديث وأصحاب التاريخ: أن
خروجه كان لخمس بقين من ذي القعدة يوم السبت، وبه جزم ابنُ القيمِ في
((الهدي))، وهو مختار الحافظ في ((الفتح)) (ج٦: ص ٨٠) إذ قال في شرح قول ابن
عباس: وذلك لخمس بقين من ذي القعدة. ما لفظه: أخرجَ مسلم مثله من حديث
عائشة، واحتج به ابنُ حزم في كتاب ((حجة الوداع)) له على أن خروجه وَل من
المدينة كان يوم الخميس، قال: لأن أول ذي الحجة كان يوم الخميس بلا شك؛
لأن الوقفة كانت يوم الجمعة بلا خلاف، وظاهر قول ابن عباس: ((لخمس)) يقتضي

٥٤٤
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أن يكون خروجه من المدينة يوم الجمعة بناء على ترك عد يوم الخروج، وقد ثبت
أنه وَّ صلى الظهر بالمدينة أربعًا، كما سيأتي من حديث أنس، فتبين أنه لم يكن
يوم الجمعة، فتعين أنه يوم الخميس، وتعقبه ابن القيم بأن المتعين أن يكون يوم
السبت بناء على عدِّ يوم الخروج أو على تركٍ عدِّهِ، ويكون ذو القعدة تسعًا وعشرين
يومًا. انتهى.
ويؤيده ما رواه ابن سعد، والحاكم في (الإكليل)) أن خروجه وقّ من المدينة كان
يوم السبت لخمس بقين من ذي القعدة. وقال الحافظ أيضًا (ج١٨: ص ٨٥): جزم
ابن حزم بأن خروجه ◌َّ من المدينة كان يوم الخميس، وفيه نظر؛ لأن أول ذي
الحجة كان يوم الخميس قطعًا؛ لما ثبت وتواتر أن وقوفه بعرفة كان يوم الجمعة
وتعین أن أول الشهر یوم الخمیس، فلا يصح أن یکون خروجه یوم الخمیس، بل
ظاهر الخبر أن يكون يوم الجمعة، لكن ثبت في ((الصحيحين)) عن أنسٍ: صلَّيْنا
الظهرَ مع النبيِّ نَّه بالمدينةِ أربعًا والعصرَ بذِي الحليفةِ ركعتين، فدلَّ على أن
خروجَهُم لم يكن يوم الجمعة، فما بقي إلا أن يكون خروجهم يوم السبت، ويحمل
قول من قال: ((لخمس بقين)). أي: إن كان الشهر ثلاثين، فاتفق أن جاء تسعًا
وعشرين، فيكون يوم الخميس أول ذي الحجة بعد مضي أربع ليالٍ لا خمس،
وبهذا تتفق الأخبار. هكذا جمع الحافظ عماد الدين ابن كثير بين الروايات، وقوَّى
هذا الجمع بقول جابر أنه خرج لخمس بقين من ذي القعدة أو أربع، وكان
دخوله وَ خير مكة صبح رابعة، كما ثبت في حديث عائشة وذلك يوم الأحد، وهذا
يؤيد أن خروجه من المدينة كان يوم السبت كما تقدم، فيكون مكثه في الطريق
ثمان ليال وهي المسافة الوسطى. انتهى.
وقال في شرح باب الخروج آخر الشهر ، من كتاب الجهاد: قد استشكل قول ابن
عباس وعائشة أنه خرج لخمس بقين؛ لأن ذا الحجة كان أوله الخميس للاتفاق على
أن الوقفة كانت يوم الجمعة، ولا يصح ذلك؛ لقول أنس أنه وُّ صلى الظهر
بالمدينة أربعًا، ثم خرج. وأجيب بأن الخروج كان يوم السبت، وإنما قال
الصحابة: ((لخمس بقين)). بناء على العددِ؛ لأن ذا القعدة كان أوله الأربعاء، فاتفق
أن جاءَ ناقصًا، فجاء أول ذي الحجة الخميس، فظهر أن الذي كان بقي من الشهر
أربع لا خمس، كذا أجاب به جمع من العلماء، ويحتمل أن يكون الذي قال:

٥٤٥
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْإِحْرَامِ والتَّلْبِيَةِ
(لخمس بقين)). أراد ضم يوم الخروج إلى ما بقي؛ لأن التأهب وقع في أوله، وإن
اتفق التأخير إلى أن صليت الظهر، فكأنهم لما تأهبوا باتوا ليلة السبت على سفر
اعتدّوا به من جملة أيام السفر. والله أعلم، وقال ابن القيم: وجه ما اخترناه أن
الحديث صريح في أنه خرج لخمس بقين وهي: يوم السبت، والأحد، والإثنين،
والثلاثاء، والأربعاء فهذه خمس، وعلى قول ابنٍ حزمٍ يكون خروجه لسبع بقين،
فإن لم يعد يوم الخروج كان لست، وأيهما كان؛ فهو خلاف الحديث، وإن اعتبر
الليالي کان خروجه لست لیال بقین لا خمس، فلا يصح الجمع بين خروجه يوم
الخميس وبين بقاء خمس من الشهر البتة، بخلاف ما إذا كان الخروج يوم السبت؛
كان الباقي بيوم الخروج خمس بلا شك، ويدلُّ عليه أنَّ النبي وَلّ ذكر لهم في خطبته
شأن الإحرام، وما يلبس المحرم بالمدينة على منبرِهٍ، والظاهرُ أن هذا كان يوم
الجمعة؛ لأنه لم ينقل أنه جمعهم ونادى فيهم لحضور الخطبةٍ، وقد شهد ابن
عمر ها هذه الخطبة بالمدينة على منبره، وكان عادته وّليل أن يعلمهم في كل وقت
ما يحتاجون إليه إذا حضر فعله، فأولى الأوقات به الجمعة التي تلي خروجه،
والظاهر أنه لم يكن ليدع الجمعة وبينه وبينها بعض يوم من غير ضرورة، وقد
اجتمع إليه الخلق، وهو أحرص الناس على تعليمهم الدين، وقد حضر ذلك الجمع
العظيم، والجمع بينه وبين الحج ممكن بلا تفويت. والله أعلم.
(عَامَ حِجَّةِ الْوَدَاعِ) بكسر الحاء المهملة وبفتحها وبفتح الواو، وجاز كسرها،
قال النووي: سميت بذلك؛ لأن النبي ◌َُّ ودَّع الناس فيها، وقال: (لَعَلَّ لَا أَحُجُ
بَعْدَ عَامِي هَذَا)) فلم يحج بعد الهجرة غيرها، وكانت سنة عشر من الهجرة، وفيه
دليل على أنه لا بأسِّ بالتسمية بذلك خلافًا لمن كَرِهه، وتسمى البلاغ أيضًا؛ لأنه
قال ◌َله فيها: ((هَلْ بَلَّغْتُ؟)) وحِجة الإسلام؛ لأنها التي حجَّ فيها بأهل الإسلام ليس
فيها مُشرك.
(فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ)، أي: لبى بها بأن قال: لبيك بعمرة فقط، فقد كانَ وَه
خِيَّرَهُم عندَ الإحرام بين الأنساك الثلاثة، فقال: ((مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِحَجِّ وَعُمْرَةٍ
فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِحَجِّ فَلْيُهِلَّ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ)). (وَمِنَّا مَنْ
أَهَلَّ بِحَجِّ وَعُمْرَةٍ)، أي: جمع بينهما، فكان قارنًا. (وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ) وحده،
ويشكل على ما وقعَ في هذه الرواية من التخييرِ بين الأنساك الثلاثة ما ورد في

٥٤٦
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
((الصحيحين)) وغيرهما من رواية الأسود عن عائشةَ قالتْ: خرجنا مع رسولِ الله
وَّ لا نرى إلا الحج، وللبخاري من وجهٍ آخر عن أبي الأسود عن عروة عنها:
مهلين بالحج. ولمسلمٍ عن القاسم عنها: لا نذكرُ إلا الحج. وله أيضًا: مليِين
بالحج. فظاهره أن عائشة مع غيرها من الصحابة كانوا أولًا محرمين بالحجِّ.
وأجابَ الحافظ وغيره بأن هذا محمول على أول الأمر؛ إذ خرجوا من المدينةِ لا
يرون إلا الحج لما كانوا يعهدونه من ترك الاعتمار في أشهر الحجِّ، ورواية الباب
على آخر الأمر؛ إذ بين لهم النبي ◌َّ وجوه الإحرام، وجوَّز لهم الاعتمارَ في أشهر
الحج، وجمع القاري بينهما بأن قول عائشة: ((لا نذكر إلا الحج))، أي: ما كان
قصدنا الأصلي من هذا السفر إلا الحج بأحد أنواعه من القران والتمتع والإفراد،
فمنا من أفرد ومنًّا من قرن ومنًّا من تمتع. انتهى.
وأما ما وقع عند مسلم وغيره من رواية ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت:
خرجنا مع رسول اللّه وَلَه عام حجة الوداع، فأهللنا بعمرةٍ، فقال الزرقاني: أي:
أدخلناها على الحج بعد أن أهللنا به ابتداء، وهو إخبار عن حالها، وحال من كان
مثلها في الإهلال بعمرة لا عن فعل جميع الناس، فلا ينافي قولها: ((فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ
بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٌّ وَعُمْرَةٍ)). وفيه: أن عائشة لم تكن
ممن أهل بالحجِّ ابتداءً، وقد تظافرت الروايات الواردة في هذا الباب على أنها
كانت معتمرة ابتداءً، ولما شكت إلى النبي ◌َّ أنها لم تطف أمرها برفض عمرتها،
فانتقلت إلى الإفراد أو أدخلت عليها الحج وصارت قارنة. وقال الباجي: قولها:
((فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ)). يحتمل أن تريد بذلك أزواج النبي ◌ََّ، ويحتملُ أن تريد من كان
معها أو طائفة أشارت إليهم، ولا يصحُّ أن تريد جماعة أصحاب النبي وَّ؛ لأنها قد
ذكرت أن منهم من أهل بعمرة، ومنهم مَن جمع بين العمرة والحجِّ ومنهم من أهل
بحج، انتھی.
واعلم: أنه اختلفت الروايات في إحرام عائشة في نفسها اختلافًا كثيرًا؛ ولذلك
اختلف أهل العلم في إحرامها ابتداءً وانتهاءً هل أحرمت بالحج فقط، فكانت
مفردة، أو أحرمت بالعمرة، فكانت متمتعة؟ وعلى الثاني هل فسخت العمرة
وأهلت بالحج مفردًا، أو قرنت العمرة مع الحجِّ؟

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْإِخْرَامِ والتَّلْبِيَةِ
٥٤٧
قال ابنُ القيِّم في ((الهدي)) (ج١: ص٢٠٤): قد تنازع العلماء في قصة عائشة هل
كانت متمتعة أو مفردة؟ فإذا كانت متمتعة، فهل رفضت عمرتها وانتقلت إلى
الإفراد أو أدخلت عليها الحج وصارت قارنة؟ وهل العمرة التي أتتْ بها من التنعيم
كانت واجبة أم لا؟ وإذا لم تكن واجبة، فهل هي مجزية عن عمرةِ الإسلام أم لا؟
واختلفَ العلماءُ في مسألةٍ مبنيةٍ على قصةٍ عائشة، وهي أن المرأة إذا أَحرمت
بالعمرة، فحاضت ولم يمكنها الطواف قبل التعريف، فهل ترفض الإحرام بالعمرة
وتهل بالحج مفردًا، أو تدخل الحج على العمرة وتصير قارنة؟ فقال بالقول الأول
فقهاء الكوفة منهم: أبو حنيفة وأصحابه رحمهم الله، وبالثاني فقهاء الحجاز
منهم: الشافعي، ومالك رحمهما الله، وهو مذهب أهل الحديث كالإمام أحمد
رحمه الله وأتباعه.
ثم ذكر ابن القيم دليل الكوفيين وبسطَ الكلامَ في الردِّ عليه هذا، وقد تصدَّى
الشيخ محمد عابد السندي وغيره من الحنفية لتقوية مذهبهم، والجواب عن حُجة
فقهاء الحجاز، لكنهم لم يأتوا بشيء غير تأويلات بعيدةٍ وقال الأبي في ((الإكمال)):
اختلفت الروايات في إحرام عائشة، ففي رواية عروة عنها: ((أَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ)). وفي
روايةِ القاسمِ عنها: ((لَبَّنَا بِالْحَجِ)). وفي روايته الأخرى عنها: ((لا نعرفُ إلَّا
الحَجِ)). وهذا كله صريح في أنها أهلت بالحجِّ، وفي روايةِ الأسودِ عنها: ((مَبِّين لا
نذكرُ حجًّا ولا عمرة)). واختلف العلماءُ في الكلام على حديثٍ عائشة، فقال
إسماعيل القاضي: إنها كانت مهلة بالحجِّ؛ لأنها رواية الأكثر عن عمرة والقاسم
والأسود، وغلطوا رواية عروة، ورجَّحوا ذلك أيضًا بأن عروة قال في رواية حمادٍ :
حدثني غير واحد أن النبي ◌ََّ قال لها: ((دَعِي عُمْرَتَك)). فقد بان أنه لم يسمع
الحديث منها، ولا بيان فيه لأحد ممن حدثه ذلك، قالوا وأيضًا: فإن رواية عمرة
والقاسم ساقت عمل عائشة في الحجّ من أوله إلى آخره، ولذا قال القاسم عن رواية
عمرة: أتتك بالحدیث على وجهه. انتهى.
قلت: وقع عند البخاري من رواية هشام وابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت :
وكنت ممن أهل بعُمرةٍ، وهي نص في كونها معتمرة ابتداء، وقد ردَّ الحافظُ على
مَن ادَّعى كون رواية عروة غلطًا، فرجَّح رواية القاسم ومن وافقه على رواية عروة.
قال الحافظ: ادعى إسماعيل القاضي وغيره أن هذا غلط من عروة، وأن الصواب

٥٤٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
** E
رواية الأسود والقاسم وعمرة عنها أنها أهلت بالحج مفردًا، وتعقب بأن قول عروة
عنها: ((إنها أهلت بعمرةٍ)). صريح، وأما قول الأسود وغيره عنها: (لَا نَرَى إِلَّا
الْحَجَّ)). فليس صريحًا في إهلالها بحجٌّ مفردٍ، فالجمعُ بينهما ما تقدم - بأن
المذكور في روايتهم ما كانوا يعهدون من ترك الاعتمار في أشهر الحجِّ، فخرجوا
لا يعرفون إلا الحج، ثم بيَّن لهم النبي ◌َّل وجوه الإِحرام - من غير تغليط عروة
وهو أعلم الناس بحديثها، وقد وافقه جابر بن عبد الله الصحابي كما أخرجه مسلم
عنه، وكذا رواه طاوس، ومجاهد عن عائشة، ثم قال الحافظ: ويحتمل في الجمع
أيضًا أن يقال: أهلت عائشة بالحجِّ مفردًا كما فعل غيرها من الصحابة، وعلى هذا
يتنزل حديث الأسود ومن تبعه، ثم أمر النبي ◌َّ أصحابه أن يفسخوا الحج إلى
العمرة، ففعلت عائشة ما صنعوا، فصارت متمتعة، وعلى هذا يتنزلُ حديث
عروة، ثم لما دخلت مكة وهي حائض، فلم تقدر على الطواف لأجل الحيض
أمرها أن تحرم بالحج. انتهى.
قلت: في هذا الجمع نظرٌ من وجوهٍ، منها: أنَّ ألفاظَ روايات عروة صريحة في
أنها لم تهلل أولًا إلا بعمرةٍ، فلفظ البخاري من روايةٍ عقيل عن الزهري عن عُروة
عن عائشة: خرجنا مع النبيِّ يَّةٍ في حجة الوداع، فمنا من أهل بعمرة ومنَّا من أهل
بحجِّ - الحديث. وفيه: ((ولم أهلل إلا بعمرةٍ، فأمرني النبيُّ وَّهِ أَنْ أَنقضَ رأسي
وأهل بالحجِّ وأترك العمرة، ففعلت ذلك ... )) الحديث. فهذا نصٌّ في أنَّها لم تحرمْ
أولًا إلا بعمرةٍ، ومنها: أنَّه يخالفُ هذا الجمع حديث جابرٍ عندَ مسلمٍ: قال: أقبلنا
مهلين مع رسولِ الله وَ ل﴾له بحجِّ مفرد، وأقبلت عائشة بعمرة حتى إذا كانت بسَرِف
عركت، حتى إذا قدمنا طفنا بالكعبةِ والصفا والمروةِ، فأمرَنا رسولُ اللَّه وَ ل آن يهل
منَّا من لم يكن معه هدي ... )) الحديث. وقد بسطَ ابنُ القيمِ الكلام في الردِّ على
إسماعيل القاضي، ومن وافقه وحقق أنَّ عائشة كانت ممن أهَل بعمرةٍ ابتداء حيثُ
قالَ: اختلفَ الناس فيما أحرمت به عائشة أوَّلًا على قولين أحدهما: أنه عُمرة
مفردة، وهذا هو الصواب لما ذكرنا من الأحاديثِ، وفي الصحيح عنها: قالتْ:
خرجنا معَ رسولِ اللَّه ◌َ له في حجة الوداع موافين - أي: مقارنين - لهلال ذي
الحجة، فقال رسول اللّه وَله: ((مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ، فَلَوْلَا أَنِّي
أَهْدَيْتُ لَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ) قالتْ: وكانَ من القوم من أهل بعُمرةٍ، ومنهم من أهلَّ
بالحجِّ، قالت: فكنتُ أَنا ممن أهلَّ بعُمرةٍ. وذكرت الحديث. وقوله في

كِتَابُ المُنَاسِكِ
بَابُ الْإِحْرَامِ والتَّلْبِيَّةِ
٥٤٩
الحديث: ((دَعِي الْعُمْرَةَ وَأَهِلِّي بِالْحَجّ)) قاله لها بسَرِف، وهو صريح في أن إحرامَها
كان بعمرةٍ .
والقول الثاني: أنها أحرمت أولًا بالحجِّ وكانت مفردة، قال ابنُ عبد البرِّ: روى
القاسم بن محمد والأسود بن يزيد وعمرة كلهم عن عائشة ما يدلّ على أنها كانت
محرمة بحجِّ لا عمرة، قال: وغلطوا عُروة في قوله عنها: ((كُنْتُ مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ))
قال إسماعيل بن إسحاق: قد اجتمع هؤلاء يعني الأسود والقاسم وعمرة على
الروايات التي ذكرنا، فعلمنا بذلك أن الروايات التي رويت عن عروة غلط. قال
ابن القيم: من العجبِ رد هذه النصوص الصحيحة الصريحة التي لا مدفع لها ولا
مطعن فيها، ولا تحتمل تأويلاً البتة بلفظ مجمل ليس ظاهرًا في أنها كانت مفردة،
فإن غاية ما احتج به مَن زعم أنها كانت مفردة قولها: خرجنا مع رسول اللّه وَلَّ لا
نرى إلا أنه الحج. فياللَّه العجب أيظن بالمتمتع أنه خرج لغير الحج، بل خرج
للحج متمتعًا، كما أن المغتسل للجنابة إذا بدأ فتوضأ لا يمتنع أن يقولَ: خرجت
الغسل الجنابة، وصدقت أم المؤمنين إذا كانت لا ترى إلا أنه الحج حتى أحرمت
بعمرة بأمره ◌َّ، وكلامها يصدقُ بعضه بعضًا. وأما قولها: لبينا بالحج. فقد قال
جابرٌ عنها في ((الصحيحين)): ((إنها أهلت بعمرة)). وكذلك قال طاوس عنها في
((صحيح مسلم))، وكذلك قال مجاهد عنها، فلو تعارضت الروايات عنها، فرواية
الصحابة عنها أولى أن يؤخذ بها من رواية التابعين. كيفَ ولا تعارض في ذلك
البتة. فإنَّ القائل: ((فعلنا كذا) يصدقُ ذلك منه بفعله وبفعل أصحابه. ومن العجب
أنهم يقولون في قول ابن عُمر: ((تمتع رسول اللَّه ◌َل بالعمرةٍ))، معناه: تمتع
أصحابه، فأضافَ الفعل إليه، لأمره به، فهلا قلتم في قول عائشة: ((لبينا بالحج)).
أن المرادَ به جنس الصحابة الذين لبوا بالحجِّ، ويتعيَّن قطعًا إن لم تكن هذه الرواية
غلطًا أن تحمل على ذلك الأحاديث الصحيحة الصريحة: أنها كانت أحرمت
بعمرة، وكيفَ ينسب عروة في ذلك إلى الغلط، وهو أعلم الناس بحديثها، وكان
يسمع منها مشافهة بلا واسطةٍ، وأما قوله في رواية حماد بن زيد: حدثني غير واحد
أن رسول اللّه ◌َلِّ قال لها: ((دَعِي عُمْرَتَكِ)). فهذا إنما يحتجُّ إلى تعليله ورده إذا
خالف الروايات الثابتة عنها، فأما إذا وافقها وصدقها وشهد لها أنها أحرمت
بعمرة، فهذا يدل على أنه محفوظ، وأن الذي حدَّثه ضبطه وحفظه، هذا مع أن

SSCiNE
٥٥٠
**
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
حماد بن زيد انفرد بهذه الرواية المعللة، وهي قوله: ((فحدثني غير واحد)). وخالفه
جماعة، فرووه متصلاً عن عروة عن عائشة، فلو قدر التعارض، فالأكثرون أولى
بالصواب، فياللَّه العجب! كيف يكون تغليظ أعلم الناس بحديثها وهو عروة في
قوله عنها: ((وكنت فيمن أهل بعمرة)). سائغًا بلفظ مجمل محتمل ويُقضى به على
النصِّ الصحيح الصريح الذي شهد له سياق القصة من وجوه متعددة، إلى آخر ما
قال .
(وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهَ بِالْحَجِّ) أي: وحده، احتج به مَن قالَ: كان حجه وَل
مفردًا، وهم عامة الشافعية والمالكية، وحمله المحققون منهم: كالقاضي عياض
والنووي والحافظ وغيرهم على أن فيه بيان ابتداء الحال، ثم صار قارنًا، فإنه لا
يلزم من إهلاله بالحج أن لا يكون أدخل عليه العمرة، وحمله الحنفية والحنابلة
القائلون بكونه مَ له قارنًا ابتداءً، على أنَّ عائشة سمعت تلبيته بالحجِّ فقط، وللقارن
أن يلبي بأيهما شاء، فيقول تارة: لبيك بحجة، وتارة: لبيك عُمرة، وتارة: لبيك
بحجة وعمرة، فحكت عائشة ما سمعت فلا يخالف قولها: من حكى أنه لبَّى بهما
جميعًا، وكان قارنًا من الابتداء. وسيأتي بيان الاختلاف في صفة إحرامه وَّ، وفي
أن حجه هل كان إفرادًا أو تمتعًا أو قرانًا.
اعلم: أنَّ الحجَّ على ثلاثة أنواع: الإفراد، والتمتع، والقران، ويخير مريد
الإحرام بين هذه الأنواع الثلاثة. قال ابنُ قُدامة: إن الإحرام يقع بالنسك من وجوه
ثلاثة: تمتع، وإفراد، وقران. وأجمع أهل العلم على جوازٍ الإحرام بأي الأنساك
الثلاثة شاء، وكذا حكى النوويُّ في ((شرح المهذب)) و((شرح مسلم)) الإجماع على
جواز الأنواع الثلاثة وتأول ما وردَ من النهي عن التمتعِ عن بعضِ الصحابةِ.
وقال الولي العراقي في ((طرح التثريبٍ)): أجمعت الأمة على جواز تأدية نسكي
الحج والعمرة بكل من هذه الأنواع الثلاثة: الإفراد، والتمتع، والقران. قال
الحافظ: والإفراد: هو الإهلال بالحج وحده في أشهره عند الجميع، وفي غير
أشهره أيضًا عند مجيزيه، والاعتمار بعد الفراغ من أعمال الحجّ لمن شَاء. انتهى.
ومعنى قوله: عند مجيزيه. أنَّ الإحرام بالحجِّ قبلَ أشهره مختلف فيه.
قال ابنُ قُدامة: لا ينبغي أن يحرم بالحجِّ قبل أشهره، هذا هو الأولى. فإن

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْإِخْرَامِ والتَّلْبِيَةِ
٥٥١
الإحرام بالحج قبل أشهره مكروه؛ لكونه إحرامًا به قبل وقته، فأشبه الإحرام به قبل
ميقاته؛ ولأن في صحته اختلافًا، فإن أحرم به قبل أشهره؛ صح، وإذا بقي على
إحرامه إلى وقت الحج؛ جاز، نص عليه أحمد، وهو قول مالك والثوري وأبي
حنيفة وإسحاق، وقال عطاء وطاوس ومجاهد والشافعي: يجعلُهُ عمرة؛ لقولِ اللَّه
تعالى: ﴿اَلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] تقديره: وقت الحج أشهر، أو أشهر
الحج أشهر معلومات، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، ومتى ثبت أنه
وقته؛ لم يجز تقديم إحرامه عليه كأوقات الصلوات. ولنا قول الله تعالى:
﴿يَسْلُونَكَ عَنِ الْأَمِلَّةِ قُلْ هِىَ مَوَقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجّ﴾ [البقرة: ١٨٩]، فدلَّ على أنَّ جميعَ
الأشهر ميقات. انتهى. وفيه: أنه لو صحَّ ذلك لجاز صيام رمضان في شهر آخر،
فإن قوله تعالى: ﴿اَلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ لا يختلفٌ عن تعيين شهر رمضان
باسمهِ، فإن قوله: ﴿مَّعْلُومَاتٌ﴾ كتسميتها سواء. والتمتع أن يهل بعمرة مفردة من
الميقات في أشهر الحجّ، فإذا فرغ منها؛ أحرم بالحج من عامه.
قال الحافظ: أما التمتع، فالمعروف أنه الاعتمار في أشهر الحج، ثم التحلَّل من
تلك العمرة والإهلال بالحجِّ في تلك السنةِ، ويطلقُ التمتع في عُرف السلف على
القران أيضًا. قال ابنُ عبد البرِّ: لا خلاف بين العلماء أنَّ التمتع المراد بقوله تعالى:
﴿فَنَ تَمَنَّعَ بِلْعُمْرَةِ إِلَى الْحَمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] أنه الاعتمار في أشهر الحج قبل الحج، قال:
ومن التمتع أيضًا القران؛ لأنه تمتع بسقوط سفر للنسك الآخر من بلده، ومن
التمتع أيضًا: فسخ الحج إلى العمرة. انتهى.
وقال ابن قدامة في ((المغني)): قال ابن المنذر: أجمعَ أهل العلم على أن من أهل
بعمرة في أشهر الحج من أهل الآفاق من الميقات وقدم مكة، ففرغ منها وأقام بها
وحج من عامه؛ أنه متمتع. وقال أيضًا: لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في أن من
اعتمر في غير أشهر الحجِّ عُمرة وحل منها قبل أشهر الحج؛ أنه لا يكون متمتعًا إلا
قولين شاذين؛ أحدهما عن طاوس أنه قال: إذا اعتمرت في غير أشهر الحج ثم
أقمت حتى الحج، فأنت متمتع، والثاني عن الحسن أنه قال: من اعتمر بعد
النحر، فهي متعة. قال ابن المنذر: لا نعلم أحدًا قال بواحد من هذين القولين.
انتھی .

٥٥٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال الراغب: المتاع: انتفاع ممتد الوقت، يقال: متعه الله بكذا، ومتعة
النكاح: هي أن الرجل كان يشارط المرأة بمال معلوم يعطيها إلى أجل معلوم، فإذا
انقضى الأجل؛ فارقها من غير طلاقٍ، ومتعة الحج: ضم العمرة إليه. انتهى.
قال القاري: التمتع في اللغة: بمعنى التلذذ والانتفاع بالشيء، قال: وإنما سمي
متمتعًا لانتفاعه بالتقرُّب إلى الله تعالى بالعبادتين، أو لتمتعه بمحظورات الإحرام
بعد التحلل من العمرة، أو لانتفاعه بسقوط العود إلى الميقات، ولا يبعدُ أن يقال
لتمتعه بالحياة حتى أدرك: إحرام الحجة. انتهى.
واختلف أصحابُ المذاهبِ الأربعةِ في معنى التمتع المصطلح وشرائطه، من
شاء الوقوف على ذلك، فليرجع إلى كتب فروعهم ومناسكهم، كـ((شرح اللباب)»
لعلي القاري، و((غنية الناسك من مناسك الحنفية))، و((المغني مع الشرح الكبير))،
و(نيل المآرب))، و(نور الظلام)) من كتب الحنابلة، و((شرح المنهاج)) و((المواهب))
من كتب الشافعية، و((المنتقى)) للباجي، و((الدسوقي على الشرح الكبير)) للدردير،
و((البداية)) لابن رشد من كُتب المالكية.
وأما القران فصورته: الإهلال بالحج والعمرة معًا، وهذا متفق على جوازه، أو
الإهلال بالعمرة، ثم يدخل عليها الحج أو عكسه، وهذا مختلف فيه، وهو مصدر
قرن من باب: نصر، وقيل: من باب: ضرب. وفعال يجيء مصدرًا من الثلاثي
كلباس، وهو الجمع بين الشيئين. قال المحب الطبري: للقران ثلاث صور:
الأولى: أن يهل بهما جميعًا، وعليه دلَّ ظواهر الأحاديث. الثانية: أن يهل بالعمرةِ
ثم يدخل عليها الحج قبل الطواف، وعليه دل ما تقدم من حديث ابن عباس وابن
عمر وعائشة وحفصة. الثالثة: عكسه، وفيه قولان للشافعي: أحدهما: لا يجوز،
وبه قال مالك وهو الأصح. والثاني: يجوز، وبه قال أبو حنيفة. والأول أصح،
ويؤيده ما روي عن علي أنه سأله أبو نضرة، فقال: قد أهللت بالحج فهل أستطيع أن
أضيف إليها عمرة؟ قال: لا، ذاك لو كنت بدأت بالعمرة، وبأن أفعال العمرة؛
استحقت بالإحرام بالحج، فلم يبق في إدخالها فائدة بخلاف العكس. انتهى.
قلت: اختلفوا في مصداقِ القران اصطلاحًا كالتمتع، فقالت الشافعية: هو أن
يحرم بهما معًا، ولو أحرم بعمرة في أشهر الحج أو قبلها، ثم يحج في أشهره قبل

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْإِحْرَامِ والتَّلْبِيَةِ
٥٥٣
الشروع في الطواف؛ كان قارنًا، بخلاف ما إذا شرع في الطواف ولو بخطوة، فإنه
لا يصحُّ إدخاله حينئذٍ لأخذه في أسباب التحلَّل، ولا يجوز عكسه وهو إدخال
العمرة على الحج في الجديد؛ إذ لا يستفيد به شيئًا آخر، كذا في ((شرح المنهاج)).
وقال الولي العراقي: لو أحرمَ بالحجِّ، ثم أدخل عليه العمرة، ففيه قولان
للشافعي، أصحهما: لا يصحُّ إحرامه بالعمرة، والثاني: يصحُّ ويصيرُ قارنًا بشرط
أن يكون قبل الشروع في أسباب التحلل من الحجِّ. وقيل: قبل الوقوف بعرفاتٍ،
وقيل: قبل فعل فرض، وقيل: قبل فعل طواف القدوم أو غيره. انتهى. وقال
أيضًا: اختلفوا في إدخال العمرة على الحج، فجوَّزَه أصحابُ الرأي، وهو قول
للشافعي لهذه الأحاديث يعني التي تدلّ على أنه وَ ل ◌ِ أحرم بالحج أولًا، ثم صار
قارنًا بإدخال العمرة عليهِ، قال: ومنعه آخرون وجعلوا هذا خاصًّا بالنبيِّي وَلِّهِ؛
لضرورة الاعتمار حينئذٍ في أشهر الحج. انتهى. ولا يخفى في دَعوى
الاختصاص.
وقالت الحنابلة: القران هو أن يحرم بهما معًا أو يحرم بها، ثم يدخلُ الحج
عليها، ويشترط لصحة إدخال الحج عليها أن يكون ذلك قبل الشروع في طوافها،
ولا يشترطُ للإدخالِ كون ذلك في أشهر الحجِّ، ولا كون ذلك قبل طوافها وسعيها
لمن معه هدي، فيصحُّ ممن معه هدي ولو بعد سعيها، وإن أحرم بالحجِّ ثم أحرم
بها؛ لم يصح إحرامه بها، كذا في ((نيل المآرب)).
وقال ابن قدامة: أما إدخال العمرة على الحج؛ فغير جائز، فإن فعل؛ لم يصح،
ولم يصر قارنًا، روي ذلك عن عليٍّ، وبه قال مالك وإسحاق وأبو ثور وابن
المنذر. وقال أبو حنيفة: يصحُّ ويصيرُ قارنًا؛ لأنه أحد النسكين، فجازَ إدخاله على
الآخر قياسًا على إدخال الحج على العمرة، ولنا ما روى الأثرم بإسناده فذكر أثر
عليٍّ بنحوِ ما تقدَّم، وقال أيضًا: وكلَّ متمتع خشي فوات الحج، فإنه يحرم بالحج
ويصير قارنًا، وكذلك المتمع الذي معه هدي، فإنه لا يحل من عمرته، بل یھل
بالحج معها؛ فيصير قارنًا. ولو أدخل الحج على العمرة قبل الطواف من غير خوف
الفوات؛ جاز، وكان قارنًا بغير خلاف. وقد فعل ذلك ابنُ عُمر. ورواه عنٍ
النبيِّ وَّة، فأما بعد الطواف؛ فليس له ذلك، ولا يصير قارنًا. وبهذا قال

٥٥٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الشافعي. وقال مالك: يصير قارنًا، وحكي ذلك عن أبي حنيفة. انتهى.
وأما عند الحنفية، فهو أي القارن من أحرم بهما معًا أو أدخل إحرام الحج على
إحرام العمرة قبل أن يطوف لها أكثر الأشواط، أو أدخل إحرام العمرة على إحرام
الحج قبل أن يطوف للقدوم ولو شوطًا ولا إساءة في القسمين الأولين، وهو قارن
مسيء في الثالث، قاله ابنُ نجيم، وارجع لمزيد التفصيل إلى ((غنية الناسك)) وأما
عند المالكية، ففي ((البداية)) هو أن يهل بالنسكين معًا أو يهل بالعمرة في أشهر
الحج، ثم يردف ذلك بالحجِّ قبل أن يحل من العمرة، واختلف أصحاب مالك في
الوقت الذي يكون ذلك له فيه، فقيل: ذلك له ما لم يشرع في الطواف ولو شوطًا
واحدًا، وقيل: ما لم يطف ويركع، ويكره بعد الطواف وقبل الركوع، فإنَّ فعل؛
لزمه، وقيل له ذلك ما بقي عليه شيء من عمل العمرة من طواف أو سعي، ما خلا
أنهم اتفقوا على أنه إذا أهل بالحج ولم يبق عليه من أفعال العمرة إلا الحلاق، فإنه
لیس بقارن. انتھی.
وقال الدردير: القران أن يحرم بهما معًا، أو يحرم بالعمرة ويردف الحج عليها
بعد الإحرام قبل طوافها أو في طوافه قبل تمامه، وكره بعد الطواف قبل الركوع،
ويصح في الركوع أيضًا لا بعده. انتهى باختصار. وقد ظهر بما قدمنا من اختلافٍ
الأئمة في مصداق القران المصطلح، أنه لا يصحُّ إدخال العمرة على الحجِّ عند
مالِكٍ وأحمد والشافعي في أصحِّ قوليه. قلتُ: ويشكل هذا على المحققين من
الشافعية والمالكية: كالنووي، والحافظ، والقاضي عياض ومن تبعهمٍ، فإنهم
كما قدمنا أَوَّلوا الأحاديث التي تدلّ على أنه وسلّ كان مفردًا، بأنه لبى أولًا بالحج
مفردًا، ثم أدخل عليه العمرة وصار قارنًا، فإنه إذا لم يجز عند الشافعية والمالكية
إدخال العمرة على الحج، فكيف رجح هؤلاء في إحرامه وَلّ أنه أحرم بالحج أولًا،
ثم أدخل عليه العمرة، وقد تقدم أنهم أجابوا عن ذلك بأنه خاص بالنبي وَ لات؛
لضرورة الاعتمار حينئذٍ في أشهر الحجِّ، ولا يخفى ما فيه.
واعلم: أنهم بعد ما أجمعوا على جواز الإحرام بأي الأنساك الثلاثة شاء؛
اختلفوا في أفضلها. قال ابنُ قدامة: اختلفوا في أفضلها، فاختار إمامنا: التمتع،
ثم الإفراد، ثم القران. وروى المروذي عن أحمد: إن ساق الهدي؛ فالقران

٥٥٥
بَابُ الْإِحْرَامِ والتَّلْبِيَةِ
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
أفضل، وإن لم يسقه؛ فالتمتع أفضل، وذهب أصحاب الرأي إلى اختيار القران،
وذهب مالك إلى اختيار الإفراد، وهو ظاهر مذهب الشافعي. انتهى مختصرًا.
وقال ابن القيم بعد ذكر رواية المروذي عن أحمد: فمن أصحابه من جعل هذه
رواية ثانية، ومنهم من جعل المسألة رواية واحدة، وأنه إن ساق الهدي، فالقران
أفضل، وإن لم يسق، فالتمتع أفضل، وهذه طريقة شيخنا، وهي التي تليق بأصول
أحمد، انتهى.
قلت: والمرجح في فروع الحنابلة كون التمتع أفضل مطلقًا، وحكى النووي
للإمام الشافعي ثلاثة أقوال ثم قال: والصحيحُ: تفضيلُ الإفراد، ثم التمتع، ثم
القران، وهكذا في عامة فروع الشافعية، لكن أفضلية الإفراد عندهم مشروطة بأن
يعتمر بعده في هذه السنة، وإلا فهما أفضل منه، كما صرح بذلك غير واحد من
الشافعية في كتب فروعهم. قال النووي في ((مناسكه)): القران أفضل من إفراد
الحج بغير أن يعتمر بعده. انتهى.
وقال الولي العراقي: ذهب القاضي حسين والمتولي من الشافعية إلى ترجيح
الإفراد على التمتع والقران ولو لم يعتمر في تلك السنة، ولكن الأكثرون على أن
شرط تفضيله عليهما أن يعتمر من سنته، فلو أخر العمرة عن تلك السنة، فكلٌّ منهما
أفضل منه للإتيان فيهما بالنسكين. وذكر النووي: أن ما قالاه شاذ ضعيف. انتهى.
والمختار عند المالكية: أن الإفراد أفضل مطلقًا، ثم القران، ثم التمتع. واشتراط
الاعتمار في أفضلية الإفراد قول ضعيف، والمعتمد عندهم أن الإفراد أفضل ولو لم
يعتمر بعده، وأما الحنفية فلهم قول واحد وهو أفضلية القران ثم التمتع ثم الإفراد.
وقال المحب الطبري: قد اختلفَ الأئمةُ في أيِّ الوجوهِ الثلاثةِ أفضل، ومنشأ
اختلافهم ما تقدم من اختلاف الروايات في فعله بَثّر، فقال مالك والشافعيُّ:
الإفرادُ أفضلُ، وقال أحمد وإسحاق وأهل الظاهر: التمتع أفضل، وقال أبو حنيفة:
القران أفضل، وبه قال أهل التحقيق من المحدثين والأئمة الحفاظ، وهو المختار.
انتھی مختصرًا.
وقال الولي العراقي: اختلفَ العلماءُ في أفضل وجوه الإحرام بحسبِ اختلافهم
فيما فعله النبي ◌َّير عام حجة الوداع على أقوال: أحدها: أن الأفضل الإفراد، وهو

EeN
٥٥٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
مذهب مالك، والشافعي، وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر وجابر وعائشة وأبي ثور
وحكاه النووي في ((شرح المهذب)) عنهم، وعن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود
والأوزاعي وداود. قال المالكية والشافعية: ثم الأفضل بعد الإفراد التمتع، ثم
القران .
الثاني: أن التمتع أفضل، وهو قول أحمد بن حنبل. قال ابن قدامة في
((المغني)): وممن روى عنه اختيار التمتع ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وعائشة
والحسن وعطاء وطاوس ومجاهد وجابر بن زيد وسالم والقاسم وعكرمة وهو أحد
قولي الشافعي، وحكاه الترمذي عنه وعن أحمد وإسحاق وأهل الحديث. قال
الحنابلة: ثم الأفضل بعد التمتع الإفراد ثم القران.
والثالث: أن القرانَ أفضل، وهذا قول أبي حنيفة، وحكاه ابن المنذر عن سفيان
الثوري، وإسحاق بن راهويه، ثم قال: لا شك أنه عليه الصلاة والسلام كان قارنًا .
انتهى. وهو قول للشافعي، وقال به من أصحابنا المزني وأبو إسحاق المروزي
وإليه ذهب ابن حزم الظاهري والمشهور عند الحنفية: أن الأفضل بعد القران التمتع
ثم الإفراد، وعن أبي حنيفة: أن الإفراد أفضل من التمتع.
الرابع: أنه إن ساق الهدي، فالقران أفضل، وإن لم يسقه فالتمتع أفضل، حكاه
المروذي عن أحمد بن حنبل. قلت: واختارَهُ من الحنفية القاضي ثناء اللَّه الفاني
فتى حيث قال في تفسيره ((المظهري)): التحقيق أنه وَلّ كان قارنًا، وأنَّ القرانَ
أفضل من التمتع إن ساق الهدي، والتمتع أفضل إن لم يسق الهدي، وكل منهما
أفضل من الإفراد. انتهى.
الخامس: أن الأنواع الثلاثة سواء في الفضيلة، لا فضيلة لبعضها على بعض،
حكاه القاضي عياض عن بعض العلماء. قال الحافظ في ((الفتح)): وهو مقتضى
تصرف ابن خزيمة في ((صحیحه)).
السادس: أن التمتع والقران سواء في الفضل، وهما أفضل من الإفراد، حكي
عن أبي يوسف. انتهى. وقد ظهر من كلام الطبري، والولي العراقي أن منشأ
اختلافهم في أفضل الوجوه الثلاثة ومناطه هو اختلافهم في إحرامه بَّار، وهكذا
ذكر غير واحد من شراح الحديث ومحققي الفقهاء، وقيل بعكس ذلك بأن

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الإخْرَام والتّلْبيَّةِ
٥٥٧
ترجيحهم في إحرامه وحجه وَليل مبني على ما تحقق عندهم من أفضليته، لكن
الصواب أنه ليس بمطَّرد عندهم.
قال النووي: أما حجة النبي ◌َّل، فاختلفوا فيها هل كان مفردًا أو متمتعًا أو
قارنًا؟ وهي ثلاثة أقوال للعلماء بحسب مذاهبهم السابقة، وكلّ رجحت نوعًا
وادعت أن حجة النبي ◌َّ كانت كذلك، والصحيحُ أنه وَّر كان أولًا مفردًا، ثم
أحرم بالعمرة بعد ذلك وأدخلها على الحج فصار قارنًا. انتهى.
فهذا كما ترى قد صحَّح كونه ربَّ قارنًا انتهاءً، وصحح في بيان المذاهب أفضلية
الإفراد على غيره، وكذا اختار القاضي عياض، والحافظ وغيرهما أنه وّله أفرد أولًا
ثم أدخل العمرة عليه؛ فصارَ قارنًا. واختارِ الخطابي في ((المعالم)) عكسه فقال بعد
ذكر حديث حفصة أنها قالت: يا رسول الله ما شأن الناس حلَّوا ولم تحل أنت من
عمرتك؟ فقال: ((إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي وَقَلَّدْتُ هَدْيِي فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ)) فثبت أنه كان
هناك عمرة إلا أنه أدخل عليها الحج قبل أن يقضي شيئًا من عمل العمرة، فصار في
حكم القارن. وقال في ((الروض المربع)) من فقه الحنابلة: قال أحمد: لا شَكّ
أنه وَّ كان قارنًا والمتعة أحب إليَّ.
وقد اختلفت روايات الصحابة في حجه وَّ حجة الوداع هل كان مفردًا أو قارنًا
أو متمتعًا، وروي كل منها في ((الصحيحين)) وغيرهما، واختلف الناس في ذلك
وفي إحرامه وَّل على أقوالٍ:
أحدها: أنه حج مفردًا لم يعتمر معه، حكي هذا عن الإمام الشافعي وغيره. قال
القسطلاني في ((المواهب)): والذي ذهب إليه الشافعي في جماعةٍ أنه رَالر حج
مفردًا، وحكاه الزرقاني في ((شرح المواهب)) عن الإمام مالك، وحكي عن
الشافعي وغيره أن نسبة القران والتمتع إليه وَّر على سبيل الاتساع؛ لكونه أمر
بهما. انتهى. وبه جزم الخطابي حيثُ قال: اختلفت الرواية فيما كان النبي وَلّ به
محرمًا، والجواب عن ذلك أن كلَّ راو أضاف إليه ما أمر به اتساعًا، ثم رجح أنه
كان أفرد الحج. قال الحافظ في ((الفتح)): هذا هو المشهور عند الشافعية والمالكية
وقد بسط الشافعي القول فيه في اختلاف الحديث وغيره. انتهى. ومقتضى هذا
القول أنه وقَّ لَبَّى بالحجّ وحده واستمر عليه.
الثاني: أنه لَبَّى بالعمرةِ وحدها، واستمر عليها حتى فرغ منها، ثم أحرم بعد ذلك

٥٥٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بالحجِّ، فكان متمتعًا وكان حجه حج تمتع، قاله القاضي أبو يعلى وغيره.
الثالث: أنه حج متمتعًا تمتعًا لم يحل فيه لأجل سوق الهدي ولم يكن قارنًا،
حكاه ابنُ القيمِ عن صاحب ((المغني)) وغيره، ومقتضى هذا أنه أحرم بالعمرة
وحدها واستمرَّ عليها حتى حلَّ يوم النحر.
الرابع: أنه لبى بالحج وحده وحج مفردًا واعتمر بعده من التنعيم. قال ابن
تيمية: وهذا غلط لم يقله أحد من الصحابة ولا التابعين ولا الأئمة الأربعة، ولا
أحد من أهل الحديث. انتهى. وقال ابن القيم: الذين قالوا: إنه حج مفردًا؛ اعتمرَ
عقيبه من التنعيم لا يعلم لهم عذر البته إلا أنهم سمعوا أنه وَيّ أفرد الحجّ، وأنَّ عادة
المفردين أن يعتمروا من التنعيمٍ، فتوهّمُوا أنه فعل كذلك.
الخامس: أنه لبَّى بالحجِّ مفردًا، ثم أدخل عليه العمرة وصار قارنًا، فكان مفردًا
ابتداءً وقارنًا انتهاءً، وبه جزمَ عامة محققي الشافعية وبعض المالكية. قال النووي
في ((شرح المهذب)): والصوابُ الذي نعتقده أنه وَ لَّ أحرم بالحجِّ أولًا مفردًا، ثم
أدخل عليه العمرة، فصار قارنًا، وإدخال العمرة على الحجِّ جائز على أحدِ القولين
عندنا، وعلى الأصحِّ لا يجوزُ لنا، وجاز للنبيِّ وَّ تلك السنة للحاجة. انتهى.
واختاره القاضي عياض؛ إذ قال: أما إحرامه بَلّه بنفسه، فأخذ بالأفضل، فأحرم
مفردًا للحج، تضافرت به الروايات الصحيحة، وأما رواية من روى أنه كان
متمتعًا؛ فمعناه أمر به، وأما رواية من روى القران، فهو إخبار عن آخر أحواله لا
عن ابتداء إحرامه؛ لأنه أدخل العمرة على الحجِّ لما جاءَ إلى الوادي، وقيل له: ((قل
عمرة في حجة))، انتهى.
قال الحافظ: وهذا الجمع هو المعتمد، وقد سبق إليه قديمًا ابن المنذر، ومهده
المحب الطبري في ((القرى)) (ص٨٦ - ١٠٠) تمهيدًا بالغًّا يطول ذكره، ومحصله
أن كل من روي عنه الإفراد حمل على ما أهل به في أول الحالِ، وكلُّ مَن روي عنه
التمتع؛ أراد ما أمر به أصحابه، وكلَّ مَن روي عنه القران؛ أراد ما استقر عليه
أمره.
السادس: أنه لبَّى بالعمرةِ وحدها ثم لم يتحلل منها إلى أن أدخل عليها الحج يوم
التروية فصار قارنًا، حكاه الحافظ عن الطحاوي وابن حبان.

٥٥٩
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْإِحْرَامِ والتَّلْبِيَةِ
السابع: أنه أحرم إحرامًا مطلقًا لم يعين فيه نسكًا، ثم عينه بعد، رجَّحَه الشافعي
في ((اختلاف الحديث))، كما قال الحافظ في ((الفتح)). وقال الولي العراقي: قال
القاضي: وقال بعض علمائنا: إنه أحرم إحرامًا مطلقًا منتظرًا ما يؤمر به من إفراد،
أو تمتع، أو قران، ثم أمر بالحج، ثم أمر بالعمرة في وادي العقيق بقوله: ((صَلِّ فِي
هَذَا الْوَادِي، وَقُلْ: عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ)) ثم قال القاضي في موضع آخر بعدَ ذلك: لا
يصح قول من قال: أحرم النبي ◌َّ إحرامًا مطلقًا مبهمًا؛ لأن رواية جابر وغيره من
الصحابة في الأحاديث الصحيحة ترده وهي مصرحة بخلافه. انتهى.
الثامن: أنه لبَّى بالحجِّ والعمرة معًا، وكان قارنًا من أول الأمر، وحقق هذا
القول ابن الهمام في ((شرح الهداية))، وابن القيم في ((الهدي))، وأجابا عن كلِّ ما
خالفه، فعليك أن ترجع إليهما، وهذا القول هو الحق والصواب عندنا. قال ابن
القيم: والصوابُ أنه أحرمَ بالحجّ والعمرة معًا من حيثُ أنشأ الإحرام ولم يحل
حتى حلَّ منهما جميعًا كما دلّت عليه النصوص المستفيضة التي تواترت تواترًا
يعلمه أهل الحديث. انتهى. وإليه مال ابنُ حزم الظاهري في كتابه ((حجة الوداع))
وتأوَّل باقي الأحاديث إليه، كما حكاه النووي، والولي العراقي، ثم إنه اختلف من
قال: إنه حج قارنًا، فقال الحنفية: إنه طاف له طوافين وسعى سبعين. وقال الإمام
أحمد ومن وافقه: إنه طاف طوافًا واحدًا وسعيًا واحدًا، وقد بسط ابن القيم الكلام
في إثباتِ هذا القول أشد البسط، وهذا القول هو الراجح المعول عليه عندنا، قال
الولي العراقي في ((شرح التقريب))، والسيوطي في ((التنوير)): قال القاضي عياض:
قد أكثر الناس الكلام على هذه الأحاديث أي المختلفة في إحرامه وحجته وَله،
فمن مجید منصف، ومن مقصر متكلف، ومن مطیل مکثر، ومن مقتصر مختصر،
وأوسعهم في ذلك نفسًا أبو جعفر الطحاوي الحنفي، فإنه تكلّم في ذلكٍ في زيادة
على ألف ورقة وتكلم معه في ذلك أبو جعفر الطبري، ثم أبو عبد الله بن أبي
صفرة، ثم المهلب، والقاضي أبو عبد الله بن المرابط، والقاضي أبو الحسن بن
القصار، والحافظ أبو عمر ابن عبد البرِّ وغيرهم، وأولى ما يقالُ في هذا على ما
لخصناه من كلامهم، واخترناه من اختياراتهم مما هو أجمع للروايات، وأشبه
بمساق الحديث أن النبي ولو أباح للناس فعل هذه الأنواع الثلاثة ليدلّ على جوازٍ
جميعها؛ إذ لو أمر بواحد لكان غيره يظنُّ أنه لا يجزئ، فأضيف الجميع إليه وأخبر
كل واحد بما أمر به وأباحه ونسبه إلى النبي ◌َّله إما لأمره به أو لتأويله عليه. انتهى.