النص المفهرس
صفحات 521-540
٥٢٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وذكر ابن قدامة في المغني (ج٣: ص٤٣٨): اختلاف العلماء في هذه المسألة
نحو ما تقدم عن ابن المنذر، وقال: إن المحرم إذا رمى جمرة العقبة، ثم حلق؛
حل له كل ما كان محظورًا بالإحرام إلا النساء، هذا الصحيح من مذهب أحمد نص
عليه في رواية جماعة، فيبقى ما كان محرمًا عليه من النساء من الوطء والقبلة
واللمس بشهوة وعقد النكاح، ويحل له ما سواه، وعن أحمد أنه يحل له كل شيء
إلا الوطء في الفرج؛ لأنه أغلظ المحرمات، ويفسد النسك بخلاف غيره. انتهى.
وفي ((الروض المربع)) من فروع الحنابلة: ثم إذا رمى، وحلق، أو قصر، فقد
حل له كل شيء؛ كان محظورًا بالإحرام إلا النساء وطئًا ومباشرة وقبلة ولمسًا
بشهوة وعقد نكاح. انتهى. وبه جزم النووي في ((المناسك))؛ إذ قال: ويحل
بالتحلل الأول جميع المحرمات بالإحرام إلا الاستمتاع بالنساء، فإنه يستمر
تحريمه حتى يتحلَّل التحللين، وكذا يستمرُّ تحريم المباشرة بغيرِ الجماع على
الأصحِّ. زاد ابن حجر: أي: وتحريم عقد النكاح كما في ((المنهاج)) وغيره.
انتھی .
وقال العيني (ج١٠: ص٩٣) بعد ذكر اختلاف العلماء عن ابن المنذر: قلت
مذهب عروة وجماعة من السلف أنه لا يحل للحاج اللباس والطيب يوم النحر،
وإن رمى جمرة العقبة وحلق وذبح حتى تحل له النساء، ولا تحل له النساء حتى
يطوف طواف الزيارة. وقال علقمة وسالم وطاوس وخارجة بن زيد وإبراهيم
النخعي وأبو يوسف ومحمد والشافعي وأحمد في الصحيح وأبو ثور وإسحاق: إذا
رمى المحرم جمرة العقبة، ثم حلق؛ حل له كل شيء كان محظورًا بالإحرام إلا
النساء، واختلفوا في حكم الطيب، فقال أبو حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه،
وأحمد في رواية: حكم الطيب حكم اللباس، فيحل كما يحل اللباس. وقال
مالك، وأحمد في رواية: حكم الطيب حكم الجماع، فلا يحل له حتى يحل
الجماع. انتهى.
قلت: قد تقدم في بيان المسألة الثانية أن المحلل عند الحنفية الحلق؛ ولذا قال
القاري في ((شرح اللباب)): حكمه - أي: الحلق - التحلل فيباح به جميع ما حظر
بالإحرام من الطيب والصيد ولبس المخيط وغير ذلك إلا الجماع ودواعيه كالتقبيل
٥٢١
بَابُ الْإِحْرَامِ والتَّلْبِيَةِ
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
واللمس على ما ذكره الكرماني، لكن في منسك الفارسي والطرابلسى: لا يحل
الجماع فيما دون الفرج بخلاف اللمس والقبلة. انتهى. ولعل مرادهما أنهما
مكروهان بخلاف الجماع فيما دون الفرج، فإنه حينئذٍ حرام، فلا تنافي، فإنه أي
الجماع وتوابعه يتوقف حله على طواف الإفاضة. انتهى.
قال الشنقيطي: لم أر لمالِكٍ بالنسبة إلى الصيدِ مستندًا من النقل إلا أمرين:
أحدهما: أثر مروي عن مكحول عن عمر رضي الله عنه أنه قال: إذا رميتم
الجمرة؛ فقد حل لكم كل شيء إلا النساء والطيب والصيد. ذكر هذا الأثر صاحب
((المهذب)). وقال النووي في ((شرحِهِ)): وأما الأثر المذكور عن عُمر رَوَقْتَهُ فهو
مُرسل؛ لأن مكحولًا لم يدرك عمر، فحديثُهُ عنه منقطع. والثاني: التمسك بظاهر
قوله تعالى: ﴿لَا نَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]؛ لأن حرمة الجماع المتفق عليها
بعد رمي جمرة العقبة دليل على بقاء إحرامه في الجملة، فيشمله عموم ﴿لَا نَقْئُلُواْ
الضَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾؛ لأنَّه لوزالَ حكم إحرامه بالكلية لما حرم عليه الوطء. وأما حجته
أعني: مالكًا بالنسبة إلى النساء والطيب، فهي ما روى في موطئه عن نافعٍ،
وعبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر: أن عمر بن الخطاب خطب الناس بعرفة
وعلمهم أمر الحج وقال لهم فيما قال: إذا جئتم منى، فمن رمى الجمرة؛ فقد حل
له ما حرم على الحاج إلا النساء والطيب، لا يمس أحد نساء ولا طيبًا، حتى يطوف
بالبيت .
قال الباجي: لم يذكر عُمر تحريم الصيد؛ لأن المقيم بها مقيم بالحرمِ، والصيد
ممنوع فيه للحلال، فلا يستبيحه لطواف الإفاضة ولا غيره، وإنما تكلّم على ما
يستباحُ بطواف الإفاضة ويمنع منه الإحرام خاصة دون حرمة الحرم، ولا خلاف
على المذهب أن الصيد ممنوع في ذلك الوقت في الحل، فلو أصابه في الحل قبل
طواف الإفاضة لكان عليه جزاؤه. وقد قال به ابن القاسم. انتهى.
ومما يستدلُّ به لمالك على منع الطيب ما رواه الحاكم في ((المستدرك)) (ج١ :
ص٤٦١) من طريق يحيى بن سعيد، وعن القاسم بن محمد عن عبد الله بن الزبير،
قال: من سنة الحج أن يصلي الإمام الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة
والصبح بمنى ثم يغدو إلى عرفة ... الحديث. وفيه: فإذا رمى الجمرة الكبرى؛
٥٢٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
حل له كل شيء حرم عليه إلا النساء والطيب، حتى يزور البيت. ثم قال: هذا
حديث على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ولم يتعقبه عليه الذهبي. ولا يخفى أن
هذه الآثار لا تصلح لمعارضة أحاديث حل الطيب المرفوعة الصحيحة، وعلى
فرض أن أثر ابن الزبير مرفوع، فهو أيضًا لا يعتد به بجنب الأحاديث الدالة على
حل الطيب ولا سيما، وهي مثبتة لحله.
قال الشنقيطي: وأما حجة من قال: إنه إن رمى جمرة العقبة وحلق؛ حل له كل
شيء إلا النساء، كأحمد والشافعي ومن وافقهما: فمنها حديث عائشة المتفق
عليه، يعني: الحديث الذي نحنُ في شرحِهِ، وقد ذكر مسلم لهذا الحديث ألفاظًا
متعددة متقاربة معناها واحد.
ومنها: ما رواه أحمد (ج١: ص٢٣٤، ٣٤٤، ٣٦٩) والنسائي وابن ماجه
والطحاوي والبيهقي من طريق الحسن العرني عن ابن عباس، قال: إذا رميتم
الجمرة؛ فقد حل لكم كل شيء إلا النساء. قال رجل: والطيب؟ فقال ابن عباس :
أما أنا فقد رأيت رسول اللَّه وَ ل يضمخ رأسه بالمسك، أفطيب ذلك أم لا؟ قال في
((البدر المنير)): إسنادُهُ حسنٌ، كما قاله المنذري، إلا أن يحيى بن معين وغيره
قالوا: إن الحسن العرني لم يسمع من ابن عباس.
ومنها: ما رواه أحمد وأبو داود والدارقطني والبيهقي وسعيد بن منصور
والطحاوي من طريق الحجاج بن أرطاة عن الزهري عن عمرة عن عائشة، قالت:
قال رسول اللَّه وَله: ((إِذَا رَمَى أَحَدُكُمْ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ؛ فَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا
النِّسَاءَ)). قال أبو داود ويحيى بن معين وأبو حاتم وأبو زرعة: إن الحجاج لم ير
الزهري، ولم يسمع منه شيئًا. ورواه الطحاوي والبيهقي أيضًا من طريق الحجاج
ابن أرطاة عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة عن عائشة. قال
المنذري: قد ذكر غير واحد من الحفاظ أن الحجاج بن أرطاة لا يحتج بحديثه.
انتهى. وقد ذكر المصنفُ حديث ابن عباس المتقدم وحديث عائشة هذا في باب
خطبة يوم النحر ورمي أيام التشريق، ويأتي بقية الكلام عليهما هناك إن شاء الله.
ومنها: ما رواه أبو داود والحاكم (ج١: ص٤٨٩، ٤٩٠) والبيهقي من حديث
أم سلمة: أن رسول اللَّه وَ له قال يوم النحر: ((إِنَّ هَذَا يَوْمُ رُخِّصَ لَكُمْ إِذَا رَمَيْتُمْ أَنْ
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْإِخْرَامِ والتَّلْبِيَةِ
٥٢٣
تُحِلَّوا - يعني: من كل ما حرمتم منه - إِلّ النِّسَاءَ)). وفي إسناده محمد بن إسحاق،
ولكنه صرح بالتحديث. قال الحافظ: واعتذر بعض المالكية عن الأحاديث الدالة
على حل الطيب بعد رمي جمرة العقبة قبل طواف الإفاضة بأن عمل أهل المدينة
على خلافها، وتعقب بما رواه النسائي من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن بن
الحارث بن هشام أن سليمان بن عبد الملك لما حجَّ جمع ناسًا من أهل العلم منهم:
القاسم بن محمد وخارجة بن زيد وسالم وعبد اللَّه ابنا عبد الله بن عمر وعمر
عبد العزيز، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، فسألهم عن التطيب قبل
الإفاضة، فكلُّهم أمره به، فهؤلاء فقهاء أهل المدينة من التابعين قد اتفقوا على ذلك
فكيفَ يدعى مع ذلك العمل على خلافِهِ؟ قال الشنقيطي: وأما ما ذكرنا عن
الشافعي من أنه يحل له كل شيء إلا النساء باثنين من ثلاثة: هي الرمي والحلق
والطواف. وتحل النساء بالثالث منها، بناء على أن الحلق نسك، وعلى أنه ليس
بنسك يحل له كل شيء إلا النساء بواحد من اثنين: هما: الرمي، والطواف. وتحل
له النساء بالثاني منهما. لم نعلم له نصًّا يدلَّ عليه هكذا، والظاهرُ أنه رأى هذه
الأشياء لها مدخل في التحلل، وقد دلَّ النص الصحيح على حصول التحلل الأول
بعد الرمي والحلق، فجعل هو الطواف كواحد منهما، قال: والتحقيق أن الطيب
يحل له بالتحلل الأول؛ لحديث عائشة المتفق عليه الذي هو صريح في ذلك،
وكذلك لبس الثياب، وقضاء التفث، وأن الجماع لا يحل له إلا بالتحلل الأخير،
وأما حِلِّية الصيد بالتحلل الأول، فهي محل نظر؛ لأن الأحاديث التي فيها التصريح
بأنه يحل له كل شيء إلا النساء، قد علمت ما فيها من الكلام، وحديث عائشة
ج
المتفق عليه لم يتعرض لحل الصيد، وظاهر قوله: ﴿لَا نَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ [المائدة:
٩٥] يمكن أن يتناول ما بعد التحلل الأول؛ لأنَّ حرمة الجماع تدل على أنه متلبس
بالإحرام في الجملة، وإن كان قد حل له بعض ما كان حرامًا عليه. انتهى كلام
الشنقيطي .
تنبيه:
عقد الترمذيُّ لحديث عائشة هذا: ((باب ما جاء في الطيب عندَ الإحلال قبل
الزيارة)). وقال بعد روايته: والعملُ على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب
النبي ◌َّ وغيرهم يرون أن المحرم إذا رمى جمرة العقبة يوم النحر وذبح وحلق أو
SECRE
٥٢٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قصر؛ فقد حل له كل شيء إلا النساء وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق - وهو
قول الحنفية - وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه قال: حل له كل شيء إلا النساء
والطيب - أخرجه محمد في ((الموطأ)) بلفظ: من رمى الجمرة ثم حلق أو قصر
ونحر هديًا إن كان معه؛ حل له ما حرم عليه في الحج إلا النساء والطيب حتى
يطوف بالبيت. وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا من أصحاب النبي
وَسَّلة
صَلىاللّه
وغيرهم . - وبه قال ابن عمر رَّ ثَنَّهُ وهو قول مالك - وهو قول أهل الكوفة - ليس
المراد بأهل الكوفة الإمام أبا حنيفة؛ لأن مذهبه في هذا الباب هو ما ذهب إليه
الشافعي وأحمد وإسحاق.
قال محمد في ((الموطأ)) بعد رواية أثر عمر المذكور: هذا قول عمر وابن عمر،
وقد روت عائشة خلاف ذلك. قالت: طيبت رسول اللَّه وَل بيدي هاتين بعد ما حلق
قبل أن يزور البيت. فأخذنا بقولها، وعليه أبو حنيفة والعامة من فقهائنا. انتهى.
والعبارات المذكورة بين القوسين كلها لشيخنا في شرح كلام الترمذي، وكلام
شيخنا في شرح هذا المقام وكذا كلام الترمذي كلاهما واضح بين حق وصواب،
ليس فيه أدنى خفاء وغموض، لكن مع وضوحه لم يفهمه البنوري، بل أخطا خطأ
فاحشًا فاعترضَ على شيخنا، وليسَ ذلك إلا لسوءِ فهمه وسقمه.
وكم من عائب قولًا صحيحًا وآفته من الفهم السقيم
أو لعدائه الكامن في قلبه مع أصحاب الحديث عامة ومع شيخنا خاصة، حيث
اعترض عليه ولم يدر ما يخرج من فيه وما يسود به القرطاس، قال البنوري في
((معارف السنن)) (ج٦: ص٥٢٦): وما ذكره الترمذيُّ من عدم الجواز قول أهل
الكوفة فليس هو مذهبه أهل الكوفة، من الإمام أبي حنيفة وأصحابه، بل هو
مذهب محمد بن الحسن الشيباني من أصحابه كما صرَّح به في ((الموطأ)) بعد رواية
أثر عمر الفاروق: فقال: وبهذا نأخذ. قال: وأما أبو حنيفة، فإنه كان لا يرى به
بأسًا. انتهى. هكذا عبارة الإمام محمد في ((موطئه))، وما ذكره الشيخ
المباركفوري في تحفته معزوًّا إلى ((الموطأ)) فقد غلط وأخطأ في نقل عبارته، ولا
أدري ماذا حدث له. والله أعلم. انتهى كلام البنوري.
قلت: لم يخطئ شيخنا في نقل العبارة عن ((الموطأ)) كما لا يخفى على من طالع
٥٢٥
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْإِخْرَامِ والتَّلْبِيَةِ
((موطأه)) (ص٢٢٧) ((باب ما يحرم على الحاج بعد رمي جمرة العقبة يوم النحر))،
فكلُّ ما كتبه شيخنا في ((شرح الترمذي)) في هذا الباب هو حق وصواب. نعم كلام
البنوري يدلّ على أنه لم يفهم كلام الترمذي أصلاً، حيث نقل كلام الإمام محمد
عن موطئه من ((باب من تطيب قبل أن يحرم)) (ص١٩٧، ١٩٨) مع أنه لا علاقة له
بما ذكره الترمذي في الباب المذكور من أثر عمر، واختلاف أهل العلم في مسألة
التطيب بعد الرمي والحلق قبل طواف الزيارة.
(كَأَنِّي أَنْظُرُ) أرادت بذلك قوة تحققها لذلك بحيث أنها لشدة استحضارها له
كأنها ناظرة إليه. (إِلَى وَبِيصِ الطَّيبِ)، أي: بريقه ولمعانه، وفي رواية لمسلم:
(وَبِيصِ الْمِسْكِ)) والوبيص بفتح الواو وكسر الموحدة بعدها ياء تحتانية ثم صاد
مهملة: البريق، من وبص الشيء يبص وبيصًا أي: برق. وقال الإسماعيلي:
الوبيص: زيادة على البريق، وأن المراد به التلألؤ، وأنه يدل على وجود عين قائمة
لا الريح فقط. (فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللَّهِ وَّ) بفتح الميم جمع مفرق بفتح الميم وكسر
الراء ويجوز فتحها، وهو المكان الذي يفرق فيه الشعر في وسط الرأس، قيل:
ذكرته بصيغة الجمع؛ نظرًا إلى أن كل جزء منه كان مفرقًا. قال القاري: المفرق:
وسط الرأس الذي يفرق فيه شعر الرأس وإنما ذكر على لفظ الجمع؛ تعميمًا لسائر
جوانب الرأس التي يفرق فيها، كأنهم سموا كل موضع منه مفرقًا. وفي رواية
للشيخين: (مفرق) على لفظ الواحد وهكذا ذكره البغوي في ((مصابيح السنة)).
وفي رواية البخاري في اللباس: ((كنتُ أطيِّبُ النبيَّ بَّه بأطيب ما يجدُ حتى أجد
وبيصَ الطيبٍ في رأسِهِ ولحيَتِهِ)). (وَهُوَ مُحْرِمٌ) زاد النسائي وابن حبان وابن ماجه:
((بَعْدَ ثَلَاثٍ)). وفيه دليل على أن بقاء أثر الطيب ورائحته بعد الإحرام لا يضر ولا
يوجب فدية، كما هو مذهب الجمهور: الشافعي وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم من
السلف والخلف؛ خلافًا لمالك ومن وافقه.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، أي: على أصل الحديث، وقد رواه البخاري في الطهارة، وفي
الحج، وفي اللباس، ومسلم في الحج، وصنيع المصنف والبغوي يدل على أن
سياق الحديث على النسق المذكور للشيخين جميعًا وأنهما أورداه بهذا اللفظ،
والأمر ليس كذلك فقولها: (لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ وَلِحِلِّهِ)). لمسلم. ولفظ
البخاري: ((لِإِحْرَامِهِ حِينَ يُحْرِمُ)). وفي أخرى له: ((حِينَ أَحْرَمَ وَلِحِلِّهِ حِينَ أَحَلَّ))
٥٢٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقولها: ((بِطِيبٍ فِيهِ مِسْك)). لمسلم وحده. وأما قولها: ((كَأَنِّي أَنْظُرُ ... )) إلخ.
فقد اتفقا عليه، رواه البخاري في الطهارة والحج، ومسلم في الحج. والحديث
أخرجه أيضًا أحمد ومالك والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان
والطحاوي وابن الجارود والبيهقي وغيرهم بألفاظ مختلفة متقاربة المعنى من شاء
الوقوف على اختلاف روايات الشيخين وأصحابِ السُّنن؛ رجعَ إلى ((جامع
الأصول)) (ج٣: ص ٣٩٧).
قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ يُهِلُّ
٢٥٦٥ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ◌َ
مُلَبِّدًا يَقُولُ: ((لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ
وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ)). لَا يَزِيدُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٥٦٥ - قوله: (يُهِلَّ) من الإهلال وهو رفع الصوت بالتلبية. (مُلَبِّدًا) بكسر
الباء وفتحها، حال من فاعل ((يهل))، أي: سمعته يرفع صوته بالتلبية حال كونه
ملبدًا شعر رأسه بنحو الصمغ؛ لينضم الشعر ويلتصق بعضه ببعض؛ احترازًا عن
تمعطه وتقمله. قال العلماء: التلبيد: إلصاق شعر الرأس عند الإحرام بالصمغ أو
الخطمي وشبههما مما يضم الشعر ويلزق بعضه ببعض ويمنعه من التشعث
والتمعط والتقمل وتخلل الغبار في الإحرام، وإنما يفعل ذلك من يطول مكثه في
الإحرام، واستفيد منه استحباب التلبيد قبل الإحرام؛ لكونه أرفق به. وقد نص عليه
الشافعي وأصحابه، وهو موافق لحديث الأعرابي الذي خرَّ عن بعيره وهو محرم،
فأمرهم النبي ◌َّل ر أن لا يمسوه بطيب ولا يخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة
ملبيًا. وفي رواية ((مُلَبِّدًا)) رواه أحمد والشيخان.
قلت: التلبيد مندوب عند الشافعية صرح به العيني والقسطلاني والطبري
وغيرهم، وكذا ذكره في مندوبات الإحرام أصحاب فروع الشافعية كصاحب
(٢٥٦٥) البُخَارِي (١٥٤٠)، ومُسْلِم (٢١/ ١١٨١) عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ.
كِتَابُ المُنَاسِكِ
بَابُ الْإِحْرَامِ والتَّلْبِيَةِ
٥٢٧
((تحفة المحتاج)) (ج٤: ص٥٦) وغيره، وأما عند الحنفية، فصرح أهل فروعهم أن
التلبيد إن كان بالثخين؛ ففيه دم للتغطية، وإن كان مع الطيب أيضًا؛ ففيه دمان. قال
ابن الملك: التلبيد جائز عند الشافعي، وعندنا يلزمه دم إن لبد بما ليس فيه طيب؛
لأنه كتغطية الرأس، ودمان إن كان فيه طيب. وأشكل عليه صاحب ((البحر)) بما
ثبت في ((الصحيحين)) من تلبيده وَّر. قال ابن عابدين في ((هامشه)): أجاب عنه
العلامة المقدسي في شرحه بقوله: أقول لا ريب في وجوب حمل فعله وَّل على ما
هو سائغ، بل ما هو أكمل، فالتلبيد الذي فعله وَل يسير لا يحصل به التغطية، ولا
يمنع ابتداء فعله في الإحرام ولا بقاءه. والموجب للدم يحمل على المبالغة فيه
بحيث تحصل منه تغطية.
وقال أيضًا في ((رد المحتار)): وعليه يحمل ما في ((الفتح)) عن رشيد الدين في
مناسكه إذ قال: وحسن أن يلبد رأسه قبل الإحرام. انتهى. وقال صاحب ((الغنية))
(ص٣٥): وحسن أن يلبد رأسه بنحو خطمي أو غيره، لكن تلبيدًا سائغًا، وهو
اليسير الذي لا يحصل به التغطية، فإن استصحاب التغطية الكائنة قبل الإحرام لا
يجوز بخلاف الطيب، وعليه يجب أن يحمل تلبيده وَّل في إحرامه، وتمامه في
جنايات رد المحتار. وقال القاري: ولعله كان به وَلعذر، قال: ويمكن حمله على
التلبيد اللغوي من جمع الشعر ولفه وعدم تخليته متفرقًا، ففي ((القاموس)): تلبد
الصوف ونحوه؛ تداخل ولزق بعضه ببعض. انتهى.
قلت: حمل فعله وَّ على عذرٍ يحتاجُ إلى دليلٍ، والأصل عدم العذر وأما حمل
التلبيد على المعنى اللغوي ففيه: أن شراح الحديث وأهل اللغة وأصحاب غريب
الحديث: كالخطابي والحافظ والعيني والمجد والجوهري والجزري
والزمخشري وغيرهم قد اتفقوا على ما ذكرنا من العلماء من معنى التلبيدٍ،
ولزوق بعض الصوف أو الشعر ببعضه لا يحصل إلا بما يصلح للإلزاق والإلصاق،
كالصمغ أو الخطمي أو العسل وما يشبه ذلك، ويؤيد ذلك ما سيأتي في الفصل
الثاني من حديث ابنِ عُمر أنَّه ◌ِوَّهِ لَبَّد رأسَهُ بالغِسْل.
قال الحافظُ: قال ابنُ عبدِ السَّلام: يحتملُ أنه بفتح المهملتين، ويحتمل أنه
بكسر المعجمة وسكون المهملة، وهو ما يغسل به الرأس من خطمي أو غيره. قال
الحافظُ: ضبطناه في روايتنا في ((سنن أبي داود)) بالمهملتين. انتهى. والظاهرُ: أن
٥٢٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ONCE
ME
ابن عمر ذكر ما رأى من تلبيده و 24 عند الإحرام وهو الذي فهمه أبو داود وغيره،
حيث أورد حديثَّهُ هذا في المناسك.
(يَقُولُ) بدل من ((يهل)). (لَبَّيْكَ) اختلفَ في لفظِهِ وفي اشتقاقهِ ومعناه، أما لفظه
فتثنية عند سيبويه ومن تبعه، يراد بها التكثير في العدد والعود مرة بعد مرة، لا أنها
لحقيقة التثنية بحيث لا يتناول إلا فردين. وقال يونس بن حبيب البصري: هو اسم
مفرد، والياء فيه كالياء في لديك وعليك وإليك، يعني في انقلاب الألف ياء
لاتصالها بالضمير، ورد بأنها قلبت ياء مع المظهر. وعن الفراء: هو منصوب على
المصدر ولا يكون عامله إلا مضمرًا وأصله: لبا لك. فثني على التأكيد، أي: ألب
إلبابًا بعد إلبابٍ. وأما معناه: فقيل: معناه أجبتك إجابة، بعد إجابة أو إجابة
لازمة. قال ابن الأنباري: ومثله حنانيك، أي: تحنًا بعد تحثُّنِ، وقيل: معناه: أنا
مقيم على طاعتك إقامة بعد إقامة، من ألب بالمكان كذا ولب به؛ إذا أقام به
ولزمه، وقيل: معناه: اتجاهي وقصدي إليك، مأخوذ من قولهم: داري تلب دارك
وتواجهها. وقيل: معناه: محبتي لك من قولهم: امرأة لبة إذا كانت محبة
لزوجها، وعاطفة على ولدها، وقيل: إخلاصي لك من قولهم: حَسَب لباب أي:
خالص محض ومن ذلك لب الطعام، ولبابه، وقيل: قربًا منك من الألباب وهو:
القرب، وقيل: معناه أنا ملب بين يديك، أي: خاضع لك. حكى هذه الأقوال
القاضي عياض وغيره.
قال الحافظ والعيني: والأول منها أظهر وأشهر؛ لأن المحرم مستجيب
لدعاء الله إياه في حج بيته؛ ولهذا من دعا فقال: لبيك، فقد استجاب. وقال ابنُ
عبد البرِّ: قال جماعة من أهل العلم: إن معنى التلبية: إجابة دعوة إبراهيم ◌َّلُ
حين أذن في الناس بالحج. انتهى. قال الحافظ: وهذا أخرجه عبد بن حميد وابن
جرير وابن أبي حاتم بأسانيدهم في تفاسيرهم عن ابن عباس ومجاهد وعطاء
وعكرمة وقتادة وغير واحد، والأسانيد إليهم قوية، وأقوى ما فيه عن ابن عباس ما
أخرجه أحمد بن منيع في ((مسنده))، وابن أبي حاتم من طريق قابوس بن أبي ظبيان
عن أبيه عنه، قال: لما فرغ إبراهيم عمليَّمن بناء البيت؛ قيل له: أذن في الناس
بالحج، قال: رب! وما يبلغ صوتي؟ قال: أذن وعليَّ البلاغ. قال: فنادى إبراهيم:
يا أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق، فسمعه مَنْ بين السماء والأرض،
٥٢٩
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الإخْرَامِ والتّلْبيَّةِ
escuickre
أفلا ترون أن الناس يجيئون من أقصى الأرض يلبون. ومن طريق ابن جريج عن
عطاء عن ابن عباس، وفيه: فأجابوه بالتلبيةِ في أصلابٍ الرجال وأرحام النساء.
وأوَّلُ مَن أجابه أهل اليمن، فليس حاج يحج من يومئذٍ إلى أن تقوم الساعة إلا من
كان أجاب إبراهيم يومئذٍ. قال ابن المنير في ((الحاشية)): وفي مشروعية التلبية تنبيه
علی إکرام الله تعالی لعباده بأن وفودهم علی بیته إنما كان باستدعاءٍ منه جاً .
(اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ)، أي: يا الله! أقمتُ ببابِك إقامة بعد إقامة وأجبت نداءك إجابة
بعد أخرى. وجملة ((اللَّهُمَّ)) بمعنى يا اللَّه بين المؤكَّد والمؤكِّد، والتثنية لإفادة
التكرار والتكثير، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارَجِعِ الْصَرَ كَرََّنٍ﴾ [الملك: ٤]، أي: كرات
كثيرة، وتكرارُ اللفظِ لتوكيد ذلك. (لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْك) استئناف، فيستحسن
الوقف على لبيك الثانية، كما يستحسن على الرابعة. قال القاري: التلبية الأولى
المؤكدة بالثانية لإثبات الألوهية، وهذه بطرفيها لنفي الشركة الندية والمثلية في
الذات والصفات.
(إِنَّ الْحَمْدَ) رُوي بكسر الهمزة على الاستيناف وفتحها على التعليل، وجهان
مشهوران لأهل الحديث واللغة. قال الجمهور: والكسر أجود. وحكاه
الزمخشري عن أبي حنيفة وابن قدامة عن أحمد بن حنبل، وحكاه ابن عبد البرِّ عن
اختيار أهل العربية. وقال الخطابي: الفتح رواية العامة. وحكاه الزمخشري عن
الشافعي. وقال ثعلب: الاختيار الكسر، وهو أجود في المعنى من الفتح؛ لأن من
كسر؛ جعل معناه: إن الحمد والنعمة لك على كل حال، ومن فتح؛ قال معناه:
لبيك لهذا السبب، وكذا رجح الكسر ابن دقيق العيد. والنووي: قال ابن دقيق
العيد: لأنه يقتضي أن تكون الإجابة مطلقة غير معللة، وأن الحمد والنعمة لله على
كل حال، والفتح يدل على التعليل، فكأنه يقول: أجبتك لهذا السبب، والأول أعم
وأكثر فائدة. وقال ابن الهمام: الكسر أوجه ويجوز الفتح، أما الكسر فهو على
استيناف الثناء وتكون التلبية للذات، والفتح على أنه تعليل للتلبية، أي: لبيك؛ لأن
الحمد والنعمة لك. ومال الباجي إلى أن لا مزية لأحد الوجهين على الآخر. وقال
ابن عبد البر: المعنى عندي واحد؛ لأنه يحتمل أن يكون من فتح الهمزة أراد
لبيك؛ لأن الحمد على كلِّ حالٍ، والملك لك والنعمة وحدك دون غيرك حقيقة لا
شريك لك. وتعقب بأن التقييد ليس في الحمد، وإنما هو في التلبية، فمعنى الفتح
٥٣٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
تلبيته بسبب أن له الحمد، ومعنى الكسر تلبيته مطلقًا غير معلل ولا مقيد، فهو أبلغ
في الاستجابة لله.
(وَالنِّعْمَةَ لَكَ) المشهور فيه النصب. قال عياض: ويجوزُ الرفع على الابتداءِ،
ويكون الخبر محذوفًا، والتقدير: إن الحمد لك والنعمة مستقرة لك. قال ابن
الأنباري: إن شئت جعلت خبر ((إن)) محذوَّفا، والموجود خبر المبتدأ تقديره: إن
الحمد لك والنعمة مستقرة لك. (وَالْمُلْكَ) بالنصب أيضًا على المشهور، ويجوز
الرفع وتقديره: والملك كذلك؛ قاله الحافظ. وقال الولي العراقي: فيه وجهان
أيضًا، أشهرهما النصب عطفًا على اسم ((إن))، والثاني الرفع على الابتداء، والخبر
محذوف لدلالة الخبر المتقدم عليه. ويحتمل أن تقديره: والملك كذلك. وقال
القاري: بالنصبِ عطف على الحمدِ، ولذا يستحبُّ الوقف عند قوله: ((وَالْمُلْكَ))
قال ابن المنير: قرن ((الحمد والنعمة)) وأفرد ((الْمُلْكَ))؛ لأنَّ الحمد متعلّق بالنعمة
ولهذا يقال: الحمد لله على نعمه، فجمع بينهما، وأما الملك، فهو معنى مستقل
بنفسه؛ ذكر لتحقيق أن النعمة كلها لله لأنه صاحب الملك. قال القاري: ولا مانع
من أن يكون ((الملك)) مرفوعًا، وخبره (لَا شَرِيكَ لَكَ)، أي: فيه.
(لَا يَزِيدُ)، أي: رسول اللَّه ◌َ. ((هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ))، أي: كلمات التلبية
المذكورة. قيل: هذا لا ينافي ما رواه النسائي وغيره من حديث أبي هريرة قال:
كان من تلبيةِ رسول اللَّهِ وَّهِ: ((لَبَّيْكَ إِلَهَ الْحَقِّ))؛ لاحتمال أن ابن عمر لم يسمعها
من النبي وَلّر وسمعها أبو هريرة، والظاهر أنه كان يقول هذه الجملة التي رواها
أبو هريرة قليلًا؛ لتضافر الروايات على رواية ابن عمر. قلتُ: حديث ابن عمر
الذي نحنُ في شرحِهِ رواه الشيخان من طريق سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه،
وروى أحمد (ج٢: ص٤٧، ٧٧)، ومالك ومسلم من طريق نافع عن ابن عمر
مرفوعًا لفظ التلبية كما هو. مُتَّفَق عَلَيْه، ثم زادوا: قال - أي: نافع: وكان عبدُاللَّه
ابن عمر يزيد مع هذا: ((لبيك، لبيك، لبيك وسعديك والخير بيديك، لبيك
والرغباء إليك والعمل)). فإن قيل: كيف زاد ابن عمر في التلبية ما ليس منها مع أنه
كان شديد التحري لاتباع السنة واللائق بورعه وشدة اتباعه للنبي وَالل أن لا يزيد على
تلبيته وَليه؟! أجاب الأبي: بأنه رأى أن الزيادة على النصِّ ليست نسخًا، وأن الشيء
وحده كذلك هو مع غيره، فزيادته لا تمنع من إتيانه بتلبية النبي ◌َّ، أو فهم عدم
٥٣١
بَابُ الْإِخْرَامِ والتَّلْبِيَةِ
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
القصر على أولئك الكلمات، وأن الثواب يتضاعف بكثرة العمل، واقتصار
المصطفى وَل بيان لأقل ما يكفي، وأجابَ الولي العراقي: بأنه ليس فيه خلط السنة
بغيرها، بل لما أتى بما سمعه ضم إليه ذكرًا آخر في معناه، وباب الأذكار لا تحجير
فيه إذا لم يؤد إلى تحريف ما قاله النبي ◌َّ، فإن الذكر خير موضوع والاستكثار منه
حسن، على أن أكثر هذا الذي زاده، كان ◌َّل يقوله في دعاء استفتاح الصلاة،
وهو: لبيك وسعديك، والخير في يديك، والشر ليس إليك. انتهى. والجوابان
متقاربان .
وفي مسلم وأحمد (ج٢: ص١٣١): عن ابن عمر، كان عمر يهل بإهلال
رسول اللَّه ◌َلَّه من هؤلاء الكلمات، ويقول: ((لبيك اللَّهُمَّ لبيك وسعديك ... )) إلى
آخر ما زاده هنا. قال الحافظ: فعرف أن ابن عمر اقتدى في ذلك بأبيه، وأخرج ابن
أبي شيبة عن المسور بن مخرمة قال: كانت تلبية عمر، فذكر مثل المرفوع وزاد:
((لبيك مرغوبًا ومرهوبًا إليك، ذا النعماء والفضل الحسن)). انتهى.
واعلم: أنه أجمع المسلمون على لفظ التلبية المذكورة في حديث ابن عمر
المتفقِ عليه، وحديث جابر الطويل عند مسلمٍ في قصة حجة الوداع، ولكن
اختلفوا في الزيادة عليه بألفاظ فيه تعظيم الله ودعاؤه ونحو ذلك، فكره بعضهم
الزيادة على تلبية رسول اللّه وَله، وحكاه ابن عبد البرِّ عن مالك قال: وهو أحد
قولي الشافعي. وقال آخرون: لا بأس بالزيادة المذكورة، واستحب بعضهم
الزيادة المذكورة. قال ابنُ عبد البرِّ: أجمعَ العلماءُ على القولِ بهذه التلبية المروية
عن النبيِ وَّة، واختلفوا في الزيادة فيها، فقال مالك: أكره الزيادة فيها على تلبية
رسول اللّه ◌َله، وقد روى عنه أنه لا بأس أن يزاد فيها ما كان ابن عمر يزيده. وقال
الثوري والأوزاعي ومحمد بن الحسن: له أن يزيد فيها ما شاء وأحب. وقال
أبو حنيفة وأحمد وأبو ثور: لا بأس بالزيادة. وقال الترمذي: قال الشافعي : إن زاد
في التلبية شيئًا من تعظيم اللّه تعالى فلا بأس إن شاء الله، وأحب إليَّ أن يقتصر على
تلبية رسولِ اللَّهِ وَل﴾، وقال أبو يوسف والشافعي في قول: لا ينبغي أن يزاد فيها على
تلبية النبي ◌ّ المذكورة وإليه ذهب الطحاوي واختاره، ذكره العيني. وقال الحافظُ
بعد ذكر ما روي عن ابن عمر وأبيه ها من الزيادة على التلبية المروية عنه وَله ما
لفظه: واستدل به على استحباب الزيادة على ما ورد عن النبي وَّر في ذلك. قال
٥٣٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الطَّحاوي بعدَ أنْ أخرجه أي: لفظ التلبية المرفوع من حديث ابن عمر، وابن
مسعود وعائشة وجابر وعمرو بن معد يكرب: أجمع المسلمون جميعًا على هذه
التلبية غير أن قومًا قالوا: لا بأس أن يزيد فيها من الذكر لله ما أحب، وهو قول
محمد والثوري والأوزاعي، واحتجوا بحديث أبي هريرة يعني الذي أخرجه أحمد
والنسائي وابن ماجه وصحَّحه ابنُ حبان والحاكم، قال: كان من تلبية رسول الله
وَالر: ((لبيك إله حق لبيك))، وبزيادة ابن عمر المذكورة. وخالفهم آخرون،
فقالوا: لا ينبغي أن يزاد على ما علَّمه رسول اللّه وَ لّ الناس، كما في حديث عمرو
ابن معد يكرب ثم فعله هو ولم يقل: لبوا بما شئتم مما هو من جنس هذا، بل
علمهم كما علمهم التكبير في الصلاة، فكذا لا ينبغي أن يتعدى في ذلك شيئًا مما
علمه، ثم أخرج حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه: أنه سمع رجلًا يقول:
لبيك ذا المعارج، فقال: إنه لذو المعارج، وما هكذا كنا نلبي على عهد رسول الله
وَّة، قال: فهذا سعد قد كره الزيادة في التلبية، وبه نأخذ. انتهى.
قال في ((البحر)): هذا اختيار الطحاوي، ولعل مراده من الكراهة أن يزيد الرجل
من عند نفسه على التلبية المأثورة، أو أراد الزيادة في خلال التلبية المسنونة، فإن
أصحابنا قالوا: إن زاد عليها؛ فهو مستحب. قال صاحب ((السراج الوهاج)): هذا
بعد الإتيان بها، أما في خلالها فلا. انتهى. وفي ((غنية الناسك)) ندب أن يزيد فيها
لا في خلالها بل بعدها وجاز قبلها، فيقول: لبيك إله الخلق لبيك، أو لبيك لبيك
وسعديك، إلخ. ولا يستحبُّ الزيادة من غير المأثور بل هو جائز، كما يفهم من
((الفتح)) و((التبيين)). أما النقص عنها أو الزيادة في خلالها، فيكره تنزيهًا، ذكره في
((الكبير)). وفي شرح اللباب: ما وقع من الزيادة مأثورًا يستحب، وما ليس مرويًّا
فجائز أو حسن، كذا في ((ردِّ المحتارِ)). وقال محمد بعد رواية حديث ابن عمر من
طريق نافع، وفيه الزيادة المذكورة: وبهذا نأخذ، التلبية هي التلبية الأولى التي
روى عن النبي ◌َّ، وما زدت فحسن، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فُقهائنا.
انتهى. قال الحافظُ: ويدلَّ على الجوازِ ما وقعَ عند النسائي من طريق عبد الرحمن
ابن يزيد عن ابن مسعود قال: كان من تلبية النبي وَلَّه ... فذكره. ففيه دلالة على
أنه كان يلبي بغير ذلك. وما تقدَّم من حديث أبي هريرة عند النسائي وابن ماجه
وابن حبان والحاكم وما تقدم عن عمر وابن عمر من فعلهما، وروى سعيد بن
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْإِحْرَامِ والتَّلْبِيَةِ
٥٣٣
منصور من طريق الأسود بن يزيد أنه كان يقول: لبيك غفار الذنوب. وللحاكم
والبيهقي عن ابن عباس أنه وَّهِ وقف بعرفات، فلما قال: ((لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ))،
قال: ((إِنَّمَا الْخَيْرُ خَيْرُ الآخِرَة». وللدار قطني في «العلل)) وأبي ذرِّ الهروي، والبزار
عن أنسٍ أنه يَِّ قال: (لَبَّيْكَ حَجًّا تَعَبُّدًا وَرِقًّا)). ولمسلم في حديث جابر الطويل في
صفةِ الحجِّ، حتى استوت به ناقته على البيداءِ وأهل بالتوحيدِ: ((لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ
لِبَّيْكَ ... )) إلخ. وأهلَّ الناس بهذا الَّذي يهلون به، فلم يرد عليهم شيئًا منه، ولزم
تلبيته وأخرجه أبو داود من الوجه الذي أخرجه منه مسلم، قال: والناس يزيدون:
((ذا المعارج)) ونحوه من الكلام، والنبي ◌َّل يسمع، فلا يقول لهم شيئًا. وفي رواية
البيهقي: ((ذا المعارج)) و((ذا الفواصل)).
قال الحافظ بعد ذكر حديث جابر من رواية مسلم وأبي داود: وهذا يدلُّ على أنَّ
الاقتصار على التلبية المرفوعة أفضل لمداومته هو وجَ لّ عليها، وأنه لا بأس
بالزيادة؛ لكونه لم يردها عليهم وأقرهم عليها، وهو قول الجمهور، وبه صرَّح
أشهب، وحكى عن ابن عبد البرِّ عن مالك الكراهة. قال: وهو أحد قولي
الشافعي، وحكى الترمذي عن الشافعي، قال: فإن زاد في التلبية شيئًا من
تعظيم الله؛ فلا بأس، وأحب إليَّ أن يقتصر على تلبية رسول اللّه وَ ليل وذلك أن ابن
عمر حفظ التلبية عنه، ثم زادَ من قبلهِ زيادة ونصب البيهقي، الخلاف بين أبي حنيفة
والشافعي، فقال: الاقتصار على المرفوع أحب ولا ضيق أن يزيد عليها، قال:
وقال أبو حنيفة: إن زاد فحسن، وحكى في ((المعرفة)) عن الشافعيِّ قال: ولا ضيق
على أحد في قول ما جاء عن ابن عمر وغيره من تعظيم الله ودعائه، غير أن الاختيار
عندي أن يفرد ما روي عن النبي ◌َّ في ذلك. انتهى.
وهذا أعدل الوجوه، فيفرد ما جاء مرفوعًا، وإذا اختار قول ما جاء موقوفًا أو
أنشأه هو من قبل نفسه مما يليق، قاله على انفراده حتى لا يختلط بالمرفوع، وهو
شبيه بحال الدعاء في التشهد، فإنه قال فيه: ثم ليتخير من المسألة والثناء ما شاء أي
بعد أن يفرغ من المرفوع، كما تقدَّم ذلك في موضعِهِ. انتهى. قلتُ: الأفضل
والأولى هو الاقتداء بالنبيِّ وَّة والاقتصار على لفظ تلبيته الثابت في ((الصحيحين))
وغيرهما؛ لأنَّ اللهَ تعالى يقول: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]
وهو ◌َّه يقول: ((لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ))، وأن الزيادة المذكورة لا بأس بها، لما
Beexx
٥٣٤
***
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
روي من فعل عمر وابنه، ومعلوم أن الزيادة على تلبية النبي 8َّ# لو كان فيها محذور
لما فعلها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وابنه عبد الله ﴿ها، ولما وقع في حديث
جابر الطويل عند مسلم وأبي داود، وهو واضح في أنهم يزيدون على تلبيته وَله
ويقرهم على ذلك. ولم ينكره عليهم كما ترى.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) رواه البخاري في اللباس ومسلم في الحجِّ، وأخرجَهُ أيضًا البيهقي
(ج٥: ص٤٤)، وأخرجه البخاري أيضًا في الحجِّ من طريق نافع عن ابن عمر
مختصرًا، ورواه أحمد بذكر التلبيد والتلبية جميعًا في (ج٢: ص١٣١) وبذكر
التلبية فقط مرارًا، وروى النسائي وأبو داود وابن ماجه التلبيد في باب التلبيد،
والتلبية في باب صفة التلبية، وروى مالك والترمذي التلبية فقط. وأما قوله: (لَا
يَزِيدُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ)) فلم أجدْهُ إلا عندَ الشيخين والبيهقي. والله أعلم.
٢٥٦٦ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ إِذَا أَدْخَلَ رِجْلَهُ فِي
الْغَرْزِ، وَاسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ قَائِمَةً؛ أَهَلَّ مِنْ عِنْدِ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٥٦٦ - قوله: (إِذَا أَدْخَلَ) كذا في جميع النسخ (لمشكاة)) و((المصابيح))،
وهكذا في رواية أحمد (ج٢: ص٢٩، ٣٧)، والبيهقي (ج٥: ص ٣٥)، وابن
ماجه، وكذا ذكر المحب الطبري في ((القرى)) (ص ٦٥) وعزاه لمسلمٍ. والذي في
صحيح مسلم: (وَضَعَ)). مكان ((أدخل)). (فِي الْغَرْزِ) بفتح الغين المعجمة وسكون
الراء بعدها زاي، أي: الركاب من جلدٍ أو خشبٍ، وقيل: هو ركاب كور البعير من
جلد أو خشب أو حديد، وقيل: هو للكور مطلقًا مثل الركاب للسرج الذي يضع
الراكب قدميه فيه، والكور بالضم بالفارسية ((بالان))، والركابُ بالكسرِ حلقة آهني
كه بر زين بندند تا وقت سواري بائي در آن نهند. (وَاسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ)، أي: رفعته
مستويًا على ظهرها، فالباء للتعدية، وفي مسلم: ((وانبعثت به راحلتُهُ قائمةً)). وفي
(٢٥٦٦) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١٥٥٢)، ومُسْلِم (٢٧ / ١١٨٧) عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ.
٥٣٥
بَابُ الْإِخْرَامِ والتَّلْبِيَةِ
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
أخرى له: ((أهلَّ حينَ استوتْ بهِ ناقتُهُ)). ومعنى انبعاثها به: استواؤها قائمة.
(أَهَلَّ)، أي: رفع صوته بالتلبية ونوى أحد النسكين أو بهما. (مِنْ عِنْدِ مَسْجِدِ ذِي
الْحُلَيْفَةِ) يريد بدأ بالإهلال منه، وكان ابن عمر ينكر بذلك على من روى أنه وَلَيه
إنما أهلَّ حين استوى على البيداءِ، وقد اختلفت الروايات عن الصحابةِ في مبدأ
إهلالِهِ وَالجهد .
فمنها: ما يدلُّ على أنه أهل في دبر الصلاة في مسجد ذي الحليفة، كما في
رواية ابن عباس عند أحمد والترمذي والنسائي والبيهقي (ج٥: ص ٣٧) وفي رواية
أبي داود المازني عند ابن حزم (ج ٧: ص٩٣)، ومنها: ما يدلّ على أنه أهل حين
استوت به ناقته قائمة خارج مسجد ذي الحليفة عند الشجرة، كما وقعَ في روايات
ابن عمر عند أحمد والشيخين وغيرهم، وفي حديث أنس عند البخاري وأبي داود
والبيهقي والطحاوي. وقال الزيلعي بعد ذكر حديث أنس: وأخرج أي البخاري
أيضًا عن عطاء عن جابر أن إهلال رسول اللّه وَليل من ذي الحليفة حين استوت به
راحلته انتهى. وقال المجد في ((المنتقى)) بعد ذكر حديث جابر: رواه البخاري،
وقال: رواه أنس وابن عباس. انتهى.
ومنها: ما يدلُّ على أنه أهلَّ حين استوت به على البيداء أي: بعد ما علا على
شرف البيداء، كما وقع في روايات ابن عباس أيضًا عند أحمد والبخاري ومسلم
والنسائي وأبي داود والدار قطني والبيهقي والحاكم (ج١: ص ٤٤٧)، والطحاوي.
وفي حديث جابرٍ عند مسلمٍ والترمذي والطحاوي. وفي حديث أنس عند أحمد
والنسائي وأبي داود. وفي حديث سعد بن أبي وقاص عند أبي داود والنسائي
والبيهقي والحاكم. والبيداء هذه قال العلماء: هي الشرف الذي قدام ذي الحليفة
إلى جهةٍ مكّة، وهي بقربٍ ذي الحليفة، وذكره النووي، وقال البكري: البيداء هذه
فوق علمي ذي الحليفة لمن صعد من الوادي، وفي أول البيداء بئر ماءٍ. وقد جمع
بين هذه الروايات المختلفة بأن الناس كانوا يأتون أرسالًا، جماعة بعد أخرى،
فرأى قوم شروعه ◌ّل في الإهلال بعد الفراغ من صلاته بمسجد ذي الحليفة، فنقلوا
عنه أنه أهل بذلك المكان، ثم أهل لما استقلت به راحلته، فسمعه آخرون، فظنوا
أنه شرع في الإهلال في ذلك الوقت؛ لأنهم لم يسمعوا إهلاله بالمسجد، فقالوا:
إنما أهل عندما استقلت به راحلته، ثم روى كذلك من سمعه يهل على شرفٍ
٥٣٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
البيداء، وإلى هذا الجمع مال ابنُ القيمِ حيثُ قال: صلَّى رسولُ اللهِ وَِّ الظهرَ
ركعتين، ثم أهل بالحج والعمرة في مصلاه، ثم ركب على ناقتهٍ وأهلَّ أيضًا، ثم
أهلَّ لما استقلت به على البيداءِ. انتهى مختصرًا ملخصًا.
ويؤيد هذا الجمع ما رواه أحمد (ج١: ص)، وأبو داود، والحاكم (ج١ :
ص٤٥١)، والبيهقي (ج٥: ص٣٧)، والطحاوي (ج١: ص٣٦٢) عن سعيد بن
جبير قال: قلت لابن عباسٍ: عجبًا لاختلاف أصحاب رسول اللّه وَّل في إهلاله
فقال: إني لأعلم الناس بذلك إنما كانت منه حجة واحدة، فمن هنالك اختلفوا،
خرجَ رسول اللَّه ◌َ لهل حاجًّا، فلما صلَّى في مسجدِهِ بذي الحليفة ركعتيه أوجبَ في
مجلسِهِ، فأهلَّ بالحج حين فرغ من ركعتيه، فسمع ذلك منه أقوام، فحفظوا عنه،
ثم ركب، فلما استقلت به ناقته أهل، وأدرك ذلك منه أقوام، وذلك أن الناس كانوا
يأتون أرسالًا، فسمعوه حين استقلت به ناقته يهل، فقالوا: إنما أهل رسول اللَّه ◌َاله
حين استقلت به ناقته، ثم مضى رسول اللَّه وَ ل فلما على شرف البيداء أهل، وأدرك
ذلك منه أقوام فقالوا: إنما أهل رسول اللَّه وَله حين علا على شرف البيداء، وايم
اللَّه لقد أوجب في مصلاه وأهل حين استقلت به ناقته، وأهل حين على على شرف
البيداء. انتهى.
قال الحافظُ في ((الفَتح)): وقد أزالَ الإشكال، أي: إشكال اختلاف الروايات في
مكان إهلاله ◌َّ ما رواه أبو داود والحاكم من طريق سعيد بن جبير: قلتُ لابنٍ
عبَّاسٍ: عجبت ... فذكر الحديث، ثم قال: فعلى هذا فكان إنكار ابن عمر على
ما يخصُّ الإهلال بالقيام على شرف البيداء. انتهى. وقال الشوكاني في شرح
حديث ابن عباس المذكور: هذا الحديثُ يزولُ به الإشكالُ، ويجمع بين الروايات
المختلفة بما فيه، فأوضحَهُ، ثم قال: وهذا يدل على أن الأفضل لمن كان ميقاته ذا
الحليفة أن يهل في مسجدها بعد فراغه من الصلاة، ويكرِّر الإهلال عند أن يركب
على راحلتهِ وعند أن يمر بشرف البيداء. انتهى.
وقال الطحاوي بعد رواية حديث ابن عباسِ المذكور: فبيَّن عبد الله بن عباس
الوجه الذي منه جاءَ اختلافُهُم، وأنَّ إهلال النّبِي وَلَّ الذي ابتدأ الحج ودخلَ به فيه
كان في مُصلَّاه، فبهذا نأخذ، ينبغي للرجل إذا أراد الإحرام أن يصلي ركعتين ثم
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْإِحْرَامِ والتَّلْبِيَةِ
٥٣٧
يحرم في دبرهما كما فعل رسول اللّه وَ لّ وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف
و محمد. انتهى.
وقال الحافظ في ((الدراية)): قوله: ولو لبَّى بعد ما استوت به راحلته؛ جاز.
ولكن الأول يعني الإهلال دبر الصلاة في مسجدٍ ذي الحليفة أفضل لما روينا، كذا
قال. والأحاديث في أنه لبى بعد ما استوت به راحلته أكثر وأشهر من الحديث الذي
احتج به فذكرها من رواية ابن عمر وأنس وجابر، ثم قال: وقد وردَ ما يجمعُ بين
هذه الأحاديث - المختلفة - من حديث ابن عباس عند أبي داود، والحاكم فذكره،
ثم قال: وهذا لو ثبت لرجح ابتداء الإهلال عقيب الصلاة إلا أنه من رواية خصيف
- بن عبد الرحمن - وفيه ضعف. انتهى.
وقال ابن حزم: حديث ابن عباس هذا في طريقه خصيف وهو ضعيف، وحديث
أبي داود الأنصاري المازني من طريقة قوم غير مشهورين، والأحاديثُ الدالَّةُ على
إحرامه وَّل بعد ما استقلت به راحلته، وإحرامه بعد الاستواء على البيداءِ كلها
صحيحة، متفق على صخَّتها، إلا أن في أحاديث ابن عمر زيادة على حديث جابرٍ
وأنس وعائشة، وهو: أنه يَّليّ أهل من عند مسجد ذي الحليفة حين أدخل رجله في
الغرزِ واستقلت به الراحلة، وهذا صريح في الدلالة على أنه لم يكن عقيب الركوب
ولا في مصلاه، ولو صحَّ حديث ابن عباس وأبي داود لوجبَ تقديم العمل به على
حديث ابنٍ عُمر؛ لما فيه من الزيادة، لكن لما كان حديث ابن عمر متفقًّا على
صحّته ولم يصح حديثهما؛ وجب المصير إليه دونهما، ولما كان في حديث ابن
عمر زيادة على حديث من سواه ممن اتفق على صحة روايته، وهي كون الإهلال
من عند المسجد، فيكون ذلك قبل الاستواء على البيداء، وجب العمل به، ويكون
من رواه عند الاستواء على البيداء إنما سمعه حالة إذ يلبي، فظنَّ أن ذلك أول
إهلاله. ويمكنُ أن يقضى بحديث ابن عمر على حديث ابن عباس، ويكون قوله:
((فِي مُصَلَّاهُ)) زيادة من الراوي ليس من قول ابن عباس، ويصدق على من أحرم من
عند المسجد عند استقلال ناقته به أنه لما فرغ من ركعتيه أهلَّ، ولا يلزم من ذلك
التعقيب. وهذا الجمع أولى من إسقاط حديث من أصله. والله أعلم، هذا آخر
كلام ابن حزم. قال الطبري بعد ذكره: وما رواه الترمذي وقال: هو حسن. فيه
دلالة على جواز الاحتجاج به، والمختار المصير إليه والعمل به. انتهى.
*E
٥٣٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قلت: وقع في نُسخ الترمذي الموجودة عندنا بعد رواية حديث ابن عباس من
طريق خصيف مختصرًا: هذا حديثٌ غريبٌ. ليس فيها لفظ: حسن. ونسبَ
الزيلعيُّ إليهِ أنه قال: حديث حسن غريب، وهذا يدلّ على اختلاف نسخ الترمذي.
والله أعلم .
قال الحافظ في ((الفتح)): قد اتفق فقهاء الأمصار على جواز جميع ذلك، وإنما
الخلاف في الأفضل. انتهى. قلت: ذهب مالك والشافعي والجمهور إلى أن
الأفضل أن يحرم إذا انبعثت راحلته لاتفاق أغلب الروايات في المعنى وأصحها
وأشهرها على أنه وَ ل أهل عند انبعاث راحلته. وانبعاثها: هو استواؤها قائمة. وقال
أبو حنيفة وأحمد وداود: يحرم عقب الصلاة وهو جالس في مصلاه قبل ركوب
دابته وقبل قيامه. قال النووي: وهو قول ضعيف للشافعي، وفيه حديث من رواية
ابن عباس لكنه ضعيف. انتهى.
قلت: ويشيرُ إلى حديث ابن عباس الذي أحال عليه الزيلعي والحافظ
والشوكاني وغيرهم للجمع بين الأحاديث المختلفة في مبدأ إحرامه وقلقه،
وقد سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم مفسر
- أي: لغيره من الأحاديث الواردة - في الباب ولم يخرجاه، وأقرَّهُ عليه الذهبي،
وإنما ضعفه من ضعفه كالنووي والبيهقي والمنذري؛ لأن في إسناده خصيف بن
عبد الرحمن، وهو غير متفق على ضعفه، على أن النووي نفسه قال في ((شرح
المهذب)): وأما قول البيهقي أن خصيفًا غير قوي، فقد خالفه فيه كثيرون من
الحفاظ والأئمة المتقدمين فوثقه يحيى بن معين وأبو حاتمٍ وأبو زرعة ومحمد بن
سعد. وقال النسائي فیه: هو صالح، انتهى.
قال ابن قدامة في المغني (ج٣: ص ٢٧٥): قد روي عن أحمد أن الإحرام عقيب
الصلاة، وإذا استوت به راحلته، وإذا بدأ بالسير سواء؛ لأن الجميع قد روي عن
النبي ◌َّه من طرق صحيحة. قال الأثرم: سألت أبا عبد الله أيما أحب إليك الإحرام
في دبر الصلاة؟ أو إذا استوت به راحلته؟ فقال: كل ذلك قد جاء في دبر الصلاة،
وإذا علا البيداء، وإذا استوت به ناقته، فوسع ذلك كله. والأولى الإحرام عقيب
الصلاة لما روى سعيد بن جبير عن ابن عباس وفيه بيان وزيادة علم، فيتعيَّن حمل
كِتَابُ المُنَاسِكِ
بَابُ الْإِحْرَامِ والتَّلْبِيَةِ
٥٣٩
الأمر عليه، ولو لم يقله ابن عباس لتعين حمل الأمر عليه؛ جمعًا بين الأخبار
المختلفة، وهذا على سبيل الاستحباب، وكيفما أحرم؛ جاز، لا نعلم أحدًا خالف
في ذلك. انتهى مختصرًا.
(مُتَفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج٢: ص١٠، ١٧، ١٨، ٢٨، ٢٩، ٣٧)
ومالك والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي وغيرهم بألفاظ مختلفة،
واللفظ المذكور لأحمد (ج٢: ص٢٩، ٣٧) ومسلم وابن ماجه باختلافٍ يسيرٍ .
٢٥٦٧ - [٤] وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ
وَلِّ نَصْرُخُ بِالْحَجِّ صُرَاخًا.
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشرح
٢٥٦٧ - قوله. (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ نَصْرُخُ) بالضمّ حال، أي: نرفع
أصواتنا بالتلبية، وفي رواية: قدمنا مع رسول اللّه وَ لّهونحنُ نصرخُ، قال النووي:
فيه استحباب رفع الصوت بالتلبية وهو مُتَّفَق عَلَيْه بشرطِ أن يكون رفعًا مقتصدًا
بحيث لا يؤذي نفسه، والمرأة لا ترفعُ، بل تسمع نفسها؛ لأن صوتها محل فتنة،
ورفع الرجل مندوب عند العلماء كافة. وقال أهل الظاهر: هو واجبٌ. انتهى.
ويأتي مزيد الكلام في هذه المسألة في شرح حديث خلاد بن السائب الآتي.
(بِالْحَجِّ صُرَاخًا) بضم الصاد مفعول مطلق، ولعل الاقتصار على ذكر الحج؛ لأنه
الأصل والمقصود الأعظم أو لأنه المبدوء به ثم أدخل عليه العمرة. قال القاري:
وقد يقال: هذا حال الراوي ومن وافقه، وأما حاله عليه الصلاة والسلام،
فمسكوت عنه يعرف من محل آخر فلا ينافي ما سيأتي. انتهى.
وفي الحديث: دليل على استحباب ذكر النسك في التلبية، ويدل عليه أيضًا
حديث أنس الآتي. قال المحب الطبري: الظاهرُ من لفظ الحديث ذكر النسك في
التلبية، وقد اختلف أصحابنا في استحباب ذلك، فمنهم من استحبه لظاهر هذه
(٢٥٦٧) مُسْلِم (٢١١/ ١٢٤٧) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ فِيهِ.