النص المفهرس

صفحات 501-520

٥٠٠
ERE
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
BRIBE*
شرطًا، فإن كثيرًا من واجبات الحج غير مشترطة فيه، والصلاة في آخرها نطق
واجب بخلاف الحج والعمرة. قال: والتلبية في الإحرام مسنونة؛ لأن النبي وَّل
فعلها وأمر برفع الصوت بها، وأقل أحوال ذلك الاستحباب. ثم ذكر حديث:
((الْعَجُّ وَالثَّجُ))، وحديث سهل بن سعد الآتي في الفصل الثاني، ثم قال: وليست
بواجبة، وبهذا قال الحسن بن حي، والشافعي، وعن أصحاب مالك: أنها واجبة
يجب بتركها دم، وعن الثوري وأبي حنيفة: أنها من شرط الإحرام لا يصحُّ إلا بها
كالتكبير للصلاة؛ لأن ابن عباس قال في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾
[البقرة: ١٩٧] قال ابن عباس: الإهلال، وعن عطاء وطاوس وعكرمة: هو التلبية؛ ولأن
النسك عبادة ذات إحرام وإحلال، فكان فيها ذكر واجب كالصلاة، ولنا أنها ذكر،
فلم تجب في الحج كسائر الأذكار، وفارق الصلاة، فإن النطق يجب في آخرها،
فوجب في أولها، والحج بخلافه. انتهى.
وقال في ((حدائق الأزهار)): وإنما ينعقد - أي: الإحرام - بالنيةِ مقارنة لتلبية أو
تقليد. قال الشوكاني: أقول: الإحرام: هو مصير الشخص من الحالة التي كان
يحل له فيها ما يحرم عليه بعدها إلى الحالة التي يحرم عليه فيها ما كان يحل له فيها،
ولو لم يكن إلا مجرد الكف عن محظورات الإحرام لكان ذلك معنى معقولًا لكل
عاقل، كالصوم فإنه ليس إلا الكف عن تناول المفطرات. فمن قال: إنه لا يعقل
معنى الإحرام، وإنه ليس هناك إلا مجرد النية وإن النية لا تنوى وإلا لزم التسلسل.
فقد أخطأ خطأ بينًا ومعلوم أن الشريعة المطهرة بعضها أوامر وبعضها نواه، والتعبد
في النواهي ليس إلا بالكف، فيلزمه أن يطرد هذا التشكيك الركيك في شطر
الشريعة. وأما إيجاب النية، فقد عرفناك غير مرة أن كل عمل يحتاج إلى النية
والعمل يشمل الفعل والترك والقول والفعل، وعرفناك أن ظاهر الأدلة يقتضي أن
النية شرط في جميع ما تقدم من العبادات لدلالة أدلتها على أن عدمها يؤثر في
العدم، وهذا هو معنى الشرط عند أهل الأصول. وأما كون النية تقارن التلبية، فقد
ثبت عن رسول اللَّه وَ ل#في دواوين الإسلام من غير وجه أنه أَهَلَّ ملبيًا. وقد قدمنا
لك أن أفعاله وأقواله في الحج محمولة على الوجوب؛ لأنها بيان لمجمل القرآن
وامتثال لأمره وَليه لأمته أن يأخذوا عنه مناسكهم. فمن ادعى في شيء منها أنه غير
واجب فلا يقبل منه ذلك إلا بدليل. وأما كونها تقارن التقليد، فلما ثبت عنه رَّ في
عام الحديبية: أنه لما كان بذي الحليفة قلد الهدي وأشعره وأحرم بالعمرة.

كِتَابُ المُنَاسِكِ
بَابُ الْإِحْرَامِ والتَّلْبِيَةِ
٥٠١
وقال في ((غنية الناسك)) بعد ذكر صفة التلبية وحكمها وذكر كيفية الإحرام:
والحاصل أن التلبية فرض وسنة ومستحب ومؤكد ومندوب، فالفرض مرة واحدة
عند الإحرام والزيادة على المرة سنة، وعند تغير الحالات مستحب مؤكد،
والإكثار منها من غير تغير مندوب. انتهى.
وقال الحافظ في ((الفتح)): في التلبية مذاهب أربعة يمكن توصيلها إلى عشرة؛
الأول: أنها سنة من السنن لا يجب بتركها شيء، وهو قول الشافعي وأحمد.
ثانيها: واجبة، ويجبُ بتركها دمٌ، حكاه الماوردي عن ابن أبي هريرة من
الشافعية وقال: إنه وجد للشافعي نصًّا يدلَّ عليه، وحكاه ابن قدامة عن بعض
المالكية، والخطابي عن مالك وأبي حنيفة. قلت: وهو مختار أصحاب الفروع من
المالكية. قال الدسوقي: والحاصلُ: أن التلبية في ذاتها واجبة وعدم الفصل بينها
وبين الإحرام بكثير واجب أيضًا ومقارنتها للإحرام سنة وتجديدها مستحب،
انتهى. قال الحافظ: وحكى ابن العربي أنه يجب عندهم بترك تكرارها دم، وهذا
قدر زائد على أصل الوجوب.
ثالثها: واجبة لكن يقوم مقامها فعل يتعلق بالحج كالتوجه على الطريق، وبهذا
صدر ابن شاس من المالكية كلامه في ((الجواهر له)). وحكى صاحب ((الهداية)) من
الحنفية مثله لكن زاد القول الذي يقوم مقام التلبية من الذكر، كما في مذهبهم من
أنه لا يجبُ لفظ معين، وقال ابن المنذر: قال أصحاب الرأي: إن كبر أو هلل أو
سبح ينوي بذلك الإحرام، فهو محرم.
رابعها: أنها ركن في الإحرام لا ينعقد بدونها حكاه ابن عبد البرِّ عن الثوري
وأبي حنيفة وابن حبيب والزبيري من الشافعية، وأهل الظاهر قالوا: هي نظير
تكبيرة الإحرام للصلاة، ويقويه ما تقدم من بحث ابن عبد السلام عن حقيقة
الإحرام، وهو قول عطاء. أخرجه سعيد بن منصور بإسناد صحيح عنه. قال: التلبية
فرض الحج، وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر وطاوس وعكرمة، وحكى النووي
عن داود أنه لابد من رفع الصوت بها، وهذا قدر زائد على أصل كونها ركنًا .
انتهى. وقال ابن رشد: كان مالك لا يرى التلبية من أركان الحج، ويرى على
تاركها دمًا، وكان غيره يراها من أركانه، وحجة من رآها واجبة أن أفعاله وَل إذا

ECe **
٥٠٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أتت بيانًا لواجب أنها محمولة على الوجوب، حتى يدل الدليل على غير ذلك
لقوله {الَ: ((خُذُوا عَنِّي مَنَاسِگگُمْ))، انتهى.
وقال القاري في ((شرح النقاية)): فرض الحج الإحرام بإجماع الأمة وهو عندنا
شرط الأداء لا ركن، كما قال الشافعي، ومالك؛ لأنه يدوم إلى الحلق ولا ينتقل
إلى غيره، ويجامع كل ركن في الجملة ولو كان ركنًا لما كان كذلك. انتهى.
وقد علم مما ذكرنا من كلام أصحاب الفروع وغيرهم أن ها هنا عدة مسائل :
الأولى: أن الإحرام فرض للحج والعمرة وهي مما أجمعوا عليه. والثانية: هل هو
شرط أو ركن؟ وهي خلافية، فذهبت الحنفية إلى أنه شرط، وقالت المالكية
والشافعية والحنابلة: إنه ركن. والثالثة: أنه لابد من النية وهي إجماعية.
والرابعة: هل التلبية فرض للإحرام؟ وقد اختلفوا فيه فعند الحنفية: شرط، وعند
المالكية: واجب، وعند الشافعية والحنابلة: سنة. وفي تركها أو ترك اتصالها
بالإحرام هدي عند القائلين بالوجوب وبالشرطية إذا انعقد الإحرام بدونها من قول
أو فعل متعلق به. والخامسة: هل لابد من التلبية خاصة أو يجزئ كل ذكر يقصد به
التعظيم سوى التلبية أو ما يقوم مقامه مما هو من خصوصيات الحج والعمرة من
تقليد البدنة مع السوق؟ وهي أيضًا خلافية، كما يدل عليه كلام صاحب ((الهداية))
وغيره. والسادسة: أنه إذا نوى بقلبه ما يحرم به من حج أو عمرة أو قران أو نسك
من غير تعيين وعزم من قلبه على ذلك فهل يتلفظ بالنية مع ذلك ويقول: نويت
الحج أو العمرة لله؟ فقالت الحنفية: التلفَّظُ بالنيةِ مع ذلك حسن ليجتمع القلب
واللسان، قال ابن الهمام وغيره من محققي الحنفية: إن التلفظ بالنية مع ذلك إنما
يحسن لمن لا يجتمع عزيمة قلبه أما من اجتمعت عزيمته فلا يحسن له في جميع
العبادات، بل هو بدعة. انتهى. وفي ((تحفة المحتاج) مِن فروع الشافعية: المحرم
أي: مريد الإحرام ينوي بقلبه وجوبًا؛ لخبر ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ)) ولسانه نِدبًا
للاتباع، وعقبهما يلبي ندبًا فيقول: نويتُ الحجَّ وأحرمتُ به لله تعالى، لبيك اللَّهُمَّ
... إلخ.
قال الشرواني: قوله: ((ينوى بقلبه ... )) إلخ، أي دخوله في حج أو عمرة أو
كليهما، وقوله: ((ولسانه ندبًا للاتباع)) إن أراد بالاتباع تسمية منويه في تلبيتهِ
فمحتمل، لكنه لا يستلزم المدعى؛ لأن المتبادر أن مراده التلفظ بنحو: نويت

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
**************** *
بَابُ الْإِحْرَامِ والتَّلْبِيَةِ
٥٠٣
الحج وأحرمت به، وإن أراد الاتباع في هذا أيضًا، فقد ذكر المحقق ابن الهمام في
شرحه على ((الهداية)) أنه لم يعلم أن أحدًا من الرواة لنسكه وَ لّ روى أنه سمعه وَل
يقول: نويت العمرة ولا الحج. انتهى. وفي ((شرح مختصر خليل)) لبهرام: ومما
يستحب عند الإحرام ترك التلفظ بما يحرم به، وروى عن مالك كراهة التلفظ
بذلك، انتهى. قلت: قد تواترت الروايات المصرحة بأنه و لو أحرم من ذي الحليفة
وسمى وعين ما أحرم به من إفراد أو قران أو تمتع، واتفقت على تعيين النسك في
التلبية الأولى التي تكون عند عقد الإحرام وإن اختلفت في نوعه، وصرحت أيضًا
بأنه وَّ لَبَّى عند ذلك كما ورد في الروايات، وقال: ((خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ))، فعلينا
أن نأخذ عنه من مناسكنا الإحرام والتلبية والتسمية، وهذا القدر هو الذي قام عليه
الدليل، أما كون الإحرام شرطًا أو ركنًا وكون التلبية مسنونة أو مستحبة أو واجبة
يصح الحج بدونها وتجبر بدم، وكذا كون الذكر الدال على تعظيم الله سوى التلبية
مجزئًا والتلفظ بالنية بأن يقول: نويت العمرة، أو: نويت الحج، أو: نويت العمرة
والحج، أو: اللَّهُمَّ إني أريد العمرة أو الحج، أو: اللَّهُمَّ إني أهل أو أحرم بكذا،
فكل ذلك لم يرد فيه دليل خاص، والخير كله في اتباعه وَّر، فعلى كل من وصل
إلى ميقاته ممن يريد الحج أو العمرة أن يحرم وينوي بقلبه الدخول في النسك الذي
يريده ويعزم عليه بقلبه؛ لقول النبي ◌َّهَ: ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا
نَوَى)) وِيشرِعُ له التلفظ بما نوى كما نقل، فإن كانت نية العمرة قال: لبيك عمرة،
أو: اللَّهُمَّ لبيك عمرة، وإن كانت نية الحج قال: لبيك حجًّا، أو: اللَّهُمَّ لبيك
حجًّا؛ لأن النبي وَّر فعل ذلك. ولا يشرع له التلفظ بما نوى إلا في الإحرام خاصة
لوروده عن النبي وَلّ، وأما الصلاة والطواف والصيام وغير ذلك من العبادات، فلا
ينبغي له أن يتلفظ بشيء منها بالنية؛ لأن ذلك لم يثبت، ولو كان التلفظ بالنية
مشروعًا لبينه الرسول وَله وأوضحه للأمة بفعله أو قوله، ولسبق إليه السلف
الصالح، هذا والتلبية مصدر لبى أي قال: لبيك، قال العيني: هي مصدرٍ من لبى
يلبي، وأصله لبب على وزن فعلل لا فعَّل فقلبت الباء الثالثة ياء استثقالًا لثلاث
باءات ثم قلبت ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وما قال صاحب ((التلويح)) من أن
قولهم: لبى مشتق من لفظ لبيك كما قالوا: حمدل وحوقل، ليس بصحيح، ثم
بسط في الرد والتعقب عليه، قال: ومعنى التلبية الإجابة، فإذا قال الرجل لمن
دعاه: ((لبيك)) فمعناه: أجبت لك فيما قلت.

٥٠٤
Se
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الأول
٢٥٦٤ - [١] عَنْ عَائِشَةَ رَُِّّا قَالَتْ: كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ
لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ بِطِيبٍ فِهِ مِسْك، كَأَنِّي
أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللَّهِ وَلِّ، وَهُوَّ مُحْرِمٌ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٥٦٤ - قوله: (كُنْتُ أُطَيِّبُ)، أي: أعطر. (رَسُولَ اللَّهِ وَّةِ) قال الحافظ:
استدل بقولها: (كُنْتُ أُطَيِّبُ) على أن (كان) لا تقتضي التكرار؛ لأنها لم يقع منها
ذلك إلا مرة واحدة، وقد صرحت في رواية عروة عنها بأن ذلك كان في حجة
الوداع كما سيأتي في كتاب اللباس - أي: عند البخاري - كذا استدل به النووي في
((شرحٍ مسلمٍ))، وتعقب بأن المدعي تكراره إنما هو التطيب لا الإحرام، ولا مانع
من أنَ يتكرَّرَّ التطيب لأجل الإحرام مع كون مرة واحدة، ولا يخفى ما فيه. وقال
النووي في موضع آخر: المختارُ أنها لا تقتضي تكرارًا ولا استمرارًا، وكذا قال
الفخر في ((المحصول)) وجزم ابن الحاجب بأنها تقتضيه. قال: ولهذا استفدنا من
قولهم: كان حاتم يقري الضيف. أن ذلك كان يتكرَّر منه. وقال جماعة من
المحققين: إنها تقتضي التكرار ظهورًا، وقد تقع قرينة تدل على عدمه، لكن يستفادُ
من سياقه لذلك المبالغة في إثبات ذلك، والمعنى أنها كانت تكرر فعل التطيب لو
تكرر منه فعل الإحرام لما اطلعت عليه من استحبابه لذلك، على أن هذه النقطة لم
تتفق الرواة عنها عليها، فرواها مالك عند الشيخين، وتابعه منصور عند مسلم،
ويحيى بن سعيد عند النسائي كلهم عن عبد الرحمن بن القاسم شيخ مالك بلفظ
((كنت)) ورواه سفيان بن عيينة عن عبد الرحمن بن القاسم عند البخاري بلفظ:
((طَيِّيْتُ رَسُولَ اللهِ وَلَ)). وكذا سائر الطرق ليس فيها صيغة ((كان)) انتهى بزيادة
يسيرة .
(٢٥٦٤) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١٥٣٨)، ومسلم (١١٨٩) فِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رِّنَا، والنَّسَائِي (١٣٨/٥).

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْإِحْرَامِ والتَّلْبِيَةِ
٥٠٥
وتعقب العيني كلام الحافظ أن ((سائر الطرق ليس فيها صيغة كان)) وبسط
الروايات التي وردت بصيغة ((كان))، وقال بعد ذكر استدلال النووي، وما اعترض
به عليه: قال الإمام فخر الدين: إن ((كان)) لا تقتضي التكرار ولا الاستمرار - أي
عرفًا ولا لغةً - وجزم ابن الحاجب بأنها تقتضيه، وقال بعض المحققين: تقتضي
التكرار، ولكن قد تقع قرينة تدل على عدمه. قلت - قائله العيني: ((كان)) تقتضي
الاستمرار بخلاف ((صار)) ولهذا لا يجوز أن يقال في موضع: ((كان الله)) ((صار)).
انتهى. وذكر الشيخ تقى الدين في شرح العمدة: أنها تدل عليه عرفًا لا لغةً. والله
تعالى أعلم.
(لِإِحْرَامِهِ)، أي: عند إرادته فعل الإحرام لأجل دخوله فيه. (قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ)،
أي: يدخل فيهِ، وفي رواية للنسائي: ((عِنْدَ إِحْرَامِهِ حِينَ أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ)). ولمسلمٍ
نحوه، واستدلَّ به على استحبابِ التطيبٍ عند إرادة الإحرام، وأنه لا بأس باستدامته
بعد الإحرام، ولا يضرُّ بقاء لونه ورائحته، وإنما يحرم ابتداؤه في الإحرام. قال
الولي العراقي في (طرح التثريب)) (ج٥: ص٧٥): وهذا مذهبُ الشافعي وأبي
حنيفة وأبي يوسف وأحمد بن حنبل، وحكاه ابنُ المنذرِ عن سعد بن أبي وقاص
وابن الزبير وابن عباس وإسحاق وأبي ثور وأصحاب الرأي، وحكاه الخطابي عن
أكثر الصحابة، وحكاه ابن عبد البرِّ عن أبي سعيد الخدريِّ، وعبد الله بن جعفر
وعائشة وأم حبيبة وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد والشعبي والنخعي وخارجة
ابن زيد ومحمد ابن الحنفية. قال: واختلفَ في ذلك عن الحسن وابن سيرين
وسعيد بن جبير، وقال به الثوري والأوزاعي وداود، وحکاه النووي عن جمهور
العلماء من السلف والخلف والمحدثين والفقهاء، وعد منهم غير من قدمنا
معاوية. وحكاه ابن قدامة عن ابن جريج.
قال ابنُ المنذرِ: وبه أقول، وذهبَ مالك إلى منع أن يتطيب قبل الإحرام بما
تبقى رائحته بعده، لكنه قال: إن فعل فقد أساء ولا فدية عليه. وحكى الشيخ أبو
الظاهر قولًا بوجوب الفدية وعلله بأن بقاء الطيب كاستعماله، وقال محمد بن
الحسن: يكره أن يتطيب قبل الإحرام بما تبقى عينه بعده، وحكى ابن المنذر عن
عطاء كراهة التطيب قبل الإحرام، وحكاه النووي عن الزهري. قال القاضي
عياض: وحكي أيضًا عن جماعة من الصحابة والتابعين. وقال ابن عبد البرِّ: وممن

٥٠٦
e
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
كره الطيب للمحرم قبل الإخرام عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن
عمر، وعثمان بن أبي العاص وعطاء وسالم بن عبد الله على اختلاف عنه،
والزهري، وسعيد بن جبير والحسن وابن سيرين على اختلاف عنهم، وهو اختيار
أبي جعفر الطحاوي إلا أن مالكًا كان أخفهم في ذلك قولًا، ذكر ابن عبد الحكم عنه
قال: وترك الطيب عند الإحرام أحب إلينا. انتهى.
وقال الشنقيطي في ((أضواء البيان)) (ج٥: ص٤٤٨): اعلم أن العلماء اختلفوا في
التطيب عند إرادة الإحرام قبله بحيث يبقى أثر الطيب وريحه أو عينه بعد التلبس
بالإحرام هل يجوز ذلك لأنه وقت الطيب غير محرم، والدوام على الطيب ليس
كابتدائه كالنكاح عند من يمنعه في حال الإحرام مع إباحة الدوام على نكاح معقود
قبل الإحرام، أو لا يجوز ذلك؛ لأن وجود ريح الطيب أو عينه أو أثره في المحرم
بعد إحرامه كابتدائه للتطيب؛ ولأنه متلبس حال الإحرام بالطيب، مع أن الطيب
منهي عنه في الإحرام؟ فقال جماهير من أهل العلم: إن الطيب عند إرادة الإحرام
مستحب. قال النووي في ((شرح المهذب)): قد ذكرنا أن مذهبنا استحبابه، وبه قال
جمهور العلماء من السلف والخلف والمحدثين والفقهاء، منهم: سعد بن أبي
وقاص وابن عباس وابن الزبير ومعاوية وعائشة وأم حبيبة وأبو حنيفة والثوري وأبو
يوسف وأحمد وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر وداود وغيرهم إلخ. وقال النووي في
((شرح مسلم)): وبه قال خلائق من الصحابة والتابعين وجماهير الفقهاء والمحدثين
منهم: سعد بن أبي وقاص، وابن عباس ... إلى آخره كما في ((شرح المهذب)).
وقال ابن قدامة في ((المغني)): يستحب لمن أراد الإحرام أن يتطيب في بدنه خاصة،
ولا فرق بين ما يبقى عينه كالمسك والغالية أو أثره كالعود، والبخور، وماء الورد،
هذا قول ابن عباس، وابن الزبير، وسعد بن أبي وقاص، وعائشة، وأم حبيبة،
ومعاوية. وروي عن محمد بن الحنفية وأبي سعيد الخدري وعروة والقاسم
والشعبي وابن جريج ... إلخ.
وقال جماعة آخرون من أهل العلم: لا يجوز التطيب عند إرادة الإحرام، فإن
فعل ذلك لزمه غسله حتى يذهب أثره وريحه. وهذا هو مذهب مالك. قال النووي
في ((شرح مسلم)): وقال آخرون بمنعه منهم: الزهري ومالك ومحمد بن الحسن،
وحكي أيضًا عن جماعة من الصحابة والتابعين ... إلخ. وقال ابن قدامة في

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْإِخْرَامِ والتَّلْبِيَةِ
٥٠٧
((المغني)): وكان عطاء يكره ذلك وهو قول مالك، وروي ذلك عن عمر، وعثمان،
وابن عمر ... إلخ، انتهى.
قلت: هكذا أطلق مذاهب الأئمة الأربعة عامة شراح الحديث كالحافظ
والنووي والعيني ونقلة المذاهب كابن رشد وابن قدامة وابن عبد البر وابن المنذر
وغيرهم، لكن في فروعهم تفاصيل في هذه المسألة، ففي ((مفيد الأنام)) لا بن جاسر
النجدي: ويسنُّ لمريدِ الإحرام أن يتطيب ولو امرأة غير مُحِدَّة لحرمة الطيب
عليها، في بدنه سواء كان الطيب مما تبقى عينه كالمسك أو أثره كالعود، والبخور،
وماء الورد لقول عائشة: كنت أطيب رسول اللَّه ◌َله لإحرامه قبل أن يحرم
الحدیث.
قال شيخ الإسلام - يعني: ابن تيمية: وكذلك إن شاء المحرم أن يتطيب في
بدنه، فهو حسن ولا يؤمر المحرم قبل الإحرام بذلك، فإن النبي وّ فعله ولم يأمر
به الناس. انتهى. ويكره لمريد الإحرام تطييبه ثوبه الذي يريد الإحرام فيه، فإن
طيبه فله استدامة لبسه ما لم ينزعه، فإن نزعه، فليس له لبسه والطيب فيه؛ لأن
الإحرام يمنعُ الطيب ولبس المطيب دون الاستدامة، فإنَّ لبسَهُ بعد نزعه وأثر الطيب
باق لم يغسله حتى يذهب؛ فدى لاستعمالِهِ الطيب، أو نقل الطيب من موضعٍ بدنه
إلى موضع آخر، أو تعمد مسه بيده فعلق الطيب بها، أو نحَّى الطيب عن موضعه ثم
ردَّهُ إليه بعد إحرامه؛ فدى؛ لأنه ابتداء للطيب، فإن ذاب الطيب بالشمس أو بالعرق
فسال إلى موضع آخر من بدن المحرم، فلا شيء عليه؛ لحديث عائشة قالت: كنا
نخرجُ مع رسول اللّه وَ له إلى مكة فنضمد جباهنا بالمسك عند الإحرام، فإذا عرقت
إحدانا سال على وجهها فيراها النبي ◌َّ فلا ينهاها. رواه أبو داود. انتهى.
وهكذا ذكر في ((الروض المربع)) من فروع الحنابلةِ، ومذهب الشافعية في
الطيب عند الإحرام كمذهب الحنابلة، ففي ((روضة المحتاجين)): يسنُّ أن يتطيب
في بدنه للإحرام قبله ولو بما له جرم، ولا بأس باستدامته بعده، لكن لو نزع ثوبه
المطيب وإن كان لا يسن تطيببه، ثم لبسه ورائحة الطيب موجودة فيه، لزمه الفدية
في الأصحِّ، كما لو ابتدأ لبس الثوبِ المطيبٍ أو أخذ الطيب من بدنه، ثم رده إليه،
ولا عبرة بانتقال الطيب بإسالة العرق، ولو تعطر ثوبه من بدنه لم يضر جزمًا.
انتھی .

٥٠٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وفي ((الدرِّ المختارِ)): وطيب بدنه إن كان عنده لا ثوبه بما تبقى عينه، هو
الأصح. قال ابن عابدين: قوله: ((طيب بدنه))، أي: استحبابًا عند الإحرام ولو بما
تبقى عينه كالمسك والغالية هو المشهور. قال: والفرق بين الثوب والبدن أنه اعتبر
في البدن تابعًا، والمتصل بالثوب منفصل عنه. وأيضًا المقصود من استنانه وهو
حصول الارتفاق حالة المنع منه حاصل بما في البدن فأغنى عن تجويزه في الثوب.
انتھی .
وفي ((البحر الرائق)): يسنُّ له استعمال الطيب في بدنه قبيل الإحرام بما تبقى عينه
بعده أو لا تبقى، وكرهه محمد بما تبقى، وقيدنا بالبدن؛ إذ لا يجوز التطيب في
الثوب بما تبقى عينه على قول الكل على إحدى الروايتين عنهما. قالوا: وبه نأخذ.
والفرق لهما بينهما أنه اعتبر في البدن تابعًا على الأصح، وما بالثوب منفصل عنه
فلم يعتبر تابعًا. انتهى.
واختار الطحاوي قول محمد ورجَّحه في ((شرح الآثارِ))، لكنه لم يذكر الفرق بين
الثوب والبدن في قول الشيخين، وكذا لم يفرق بينهما محمد في ((موطأه). وكذا لا
ذكر للفرق بينهما في عامة كتب الحنفية، نعم فرق بينهما ابن الهمام، وقال بعد ذكر
الفرق الذي تقدم عن ابن نجيم في ((البحرِ)): وقد قيل: يجوز في الثوب أيضًا على
قولهما، وقال في ((غنية الناسك)): أما الثوب فلا يجوز أن يطيب بما تبقى عينه بعد
الإحرام إجماعًا. وقيل: يجوز في الثوب أيضًا عندهما كما في ((الفتح)) و((البحر))،
والأولى أن لا يطيب ثوبه كما في ((اللباب)) انتهى. وقال الباجى: إن مالكًا لا يجيز
لأحد من الأمة استعمال الطيب عند الإحرام إذا كان طيب تبقى له رائحة بعد
الإحرام، ولا يدهن بدهن فيه ريح تبقى، وإن تطيب لإحرامه، فلا فدية عليه؛ لأن
الفدية بإتلاف الطيب في وقت ممنوع من إتلافه وهذا أتلفه قبل ذلك، وإنما تبقى
منه بعد الإحرام الرائحة، وليس ذلك بإتلاف، فتجب الفدية، ورأيت لبعض
الفقهاء أن من تطيب قبل الإحرام بما تبقى رائحته؛ فهو بمنزلة من تطيب بعد
الإحرام؛ لأن استدامته كابتداء التطيب، فإن أراد بذلك أنه ممنوع في الحالتين،
فهو صحيح، وإن أراد به وجوب الفدية، فليس بصحيح؛ لأنها إنما تجب بإتلاف
الطيب أو لمسه. انتهى.

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الإحْرَامِ والتّلْبيَّةِ
٥٠٩
وفي ((الشرح الكبير)) للدردير: وحرم عليهما تطيب بكورس إلا طيبًا يسيرًا باقيًا
في ثوبه أو بدنه مما تطيب به قبل إحرام، فلا فدية عليه وإن كره. قال الدسوقي: أي
بشرط أن يكون الباقي أثره أو ريحه مع ذهاب جرمه، هذا مقتضى كلام سند،
والذي يظهر من كلام الباجي وغيره أنها لا تسقط الفدية إلا في بقاء ريحه دون
الأثر، فقد اتفق الجميع على أنه إذا كان الباقي شيئًا من جرمه فالفدية واجبة، وإن
كان الباقي رائحته، فلا فدية، والخلافُ فيما إذا كان الباقي أثره، أي: لونه دون
جرمه، فقيل بعدم وجوبها وقيل بوجوبها، انتهى.
قال الشنقيطي: أظهر قولي أهل العلم عندي أنه إن طيب ثوبه قبل الإحرام، فله
الدوام على لبسه كتطييب بدنه، وإنه إن نزع عنه ذلك الثوب المطيب بعد إحرامه،
فليس له أن يعيد لبسه، فإن لبسه صار كالذي ابتدأ الطيب في الإحرام، فتلزمه
الفدية، وكذلك إن نقل الطيب الذي تلبس به قبل الإحرام من موضع من بدنه إلى
موضع آخر بعد الإحرام؛ فهو ابتداء تطيب في ذلك الموضع الذي نقله إليه،
وكذلك إن تعمد مسَّه بيده أو نحاه من موضعه ثم رده إليه؛ لأنَّ كلَّ تلك الصور فيها
ابتداء تلبس جديد بعد الإحرام بالطيب وهو لا يجوز. أما إن كان قد عرق فسالَ
الطيبُ من موضعه إلى موضع آخر، فلا شيء عليه في ذلك؛ لأنه ليس من فعلِهِ؛
ولحديث عائشة عند أبي داود الذي ذكرناه قريبًا، وقال بعض علماء المالكية: ولا
فرق في ذلك بين أن يكون الطيب في بدنه أو ثوبه، إلا أنه إذا نزع ثوبه لا يعود إلى
لبسه، فإن عاد، فهل عليه في العود فدية؟ يحتمل أن نقول: لا فدية؛ لأن ما فيه قد
ثبت له حكم العفو كما لو لم ينزعه، وقال أصحاب الشافعي: تجب عليه الفدية؛
لأنه لبس جديد وقع بثوب مطيب، انتهى من ((الحطاب)).
قلت: واحتج الجمهور القائلون باستحبابِ الطيب عند الإحرام بحديث عائشة
الذي نحن في شرحه، وقد وقعَ في رواية عنها عند مسلمٍ، قالت: طيبت رسول الله
وَلّ بيدي بذريرة في حجة الوداع للحل والإحرام. قال الجزري: الذريرة: نوع من
الطيب مجموع من أخلاط. وقال النووي: هي فتات قصب طيب يجاء به من
الهند. وفي لفظ عند مسلم أيضًا عن عروة قال: سألت عائشة رضيغيّنا بأي شيء طيبت
رسول اللّه وَله عند إحرامه؟ قالت: بأطيب الطيب. وفي رواية: ((بأطيب ما أقدرُ
عليهِ قبلَ أنْ يُحرم، ثُم يُحرم)). وفي رواية عنها: ((كان رسول اللَّه وَّ إذا أرادَ أن

٥١٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
يحرم، يتطيب بأطيب ما يجدُ ثم أرى وبيص الدهن في رأسه ولحيته)). وفي لفظ
عنها: قالت: ((كنتُ أطيب رسول اللَّه وَ ليه قبل أن يحرم، ويوم النحر قبل أن يطوف
بالبيتِ بطيب فيه مسك)). كل هذه الألفاظ في ((صحيح مسلم)). قالوا: فهذا
الحديث الصحيح دليل صريح في مشروعية الطيب قبل الإحرام وإن كان أثره باقيًا
بعد الإحرام، بل ولو بقي عينه وريحه؛ لأنَّ رؤيتها وبيص الطيب في مفارقه وَال
وهو محرم صريح في ذلك. قالوا: وقد وردت آثار بذلك تدل على عدم خصوصية
ذلك برسول اللّه وَ ل فقد روي عن سعد بن أبي وقاص أنه كان يفعل ذلك، وروي
عن ابن عباس أنه أحرم وعلى رأسه مثل الرُّب من الغالية. وقال مسلم بن صبيح:
رأيتُ ابنَ الزبير وهو محرم وعلى رأسه ولحيته من الطيب ما لو كان لرجل لاتخذ
منه رأس مال. واحتج الذين منعوا ذلك بحديث يعلى بن أمية التميمى الآتي في
باب ما يجتنبه المحرم، فقد صرح فيه النبي وَ ل بغسل الطيب الذي تضمخ به يعلى
قبل الإحرام وأمر بإنقائه، فهو دليل واضح على أن من تضمخ بالطيب قبل إحرامه
لا يجوز له على ذلك الدوام بل يجب غسله وإنقاؤه. وقد اعتضد حديث أبي يعلى
هذا ببعض الآثار الواردة عن بعض الصحابة، منهم عمر وعثمان وابن عمر وعثمان
بن أبي العاص. قال المالكية ومن وافقهم: قد تبين بهذه الآثار المروية عن هؤلاء
الصحابة أن حديث يعلى غير منسوخ. قالوا: وإنكار عمر ذلك في خلافته على
صحابيين معاوية والبراء بن عازب، وعلى تابعي كبير كثير بن الصلت بمحضر
الجمع الكثير من الناس صحابة وغيرهم مع عدم إنكار أحد عليه من أقوى الأدلة
على تأويل حديث عائشة.
قلت: قد أجابَ الجمهورُ عن حديث يعلى بوجهين: أحدهما: أن قصته كانت
بالجعرانة وهي سنة ثمان بلا خلافٍ، وقد ثبت حديث عائشة الذي نحنُ في شرحِهِ
في حجة الوداع سنة عشر بلا خلاف، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من الأمر.
والثاني: أن المأمور بغسله في قصة يعلى إنما هو الخلوق لا مطلق الطيب، فلعل
علة الأمر فيه ما خالطه من الزعفران، وقد ثبت النهي عن تزعفر الرجل مطلقًا
محرمًا وغير محرم. وفي حديث ابن عمر: ((ولا يلبسُ - أي: المحرم - من الثيابِ
شيئًا مسَّه الزعفران)). وقد جاء مصرحًا في الحديث في ((مسند أحمد)) (ج٤:
ص٢٢٤)، والطحاوي (ص٣٦٤): قال له: ((اخْلَعْ عَنْكَ هَذِهِ الْجُبَّةَ وَاغْسِلْ عَنْكَ

٥١١
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْإِحْرَامِ والتَّلْبِيَةِ
هَذَا الزَّعْفَرَانَ».
وأجاب المالكية عن حديث عائشة الذي احتجَّ به الجمهور بوجوه؛ منها: أنهم
حملوه على أنه تطيّب، ثم اغتسل بعده، فذهب الطيب قبل الإحرام، قالوا: ويؤيد
هذا قولها في الرواية الأخرى: ((طيبت رسول اللَّه ◌َ له عند إحرامه، ثم طافَ على
نسائه، ثم أصبح محرمًا))، فظاهره أنه إنما تطيب لمباشرة نسائه، ثم زال بالغسلِ
بعده لا سيما وقد نقل أنه كان يتطهّر من كلِّ واحدة قبل الأخرى، ولا يبقى مع ذلك
طيب. ويكون قولها: ((ثم أصبح ينضح طيبًا))، أي: قبل غسله، وقد وقع في رواية
للشيخين أن ذلك الطيب كان ذريرة وهي مما يذهبه الغسل. وقولها: ((كَأَنِّي أَنْظُرُ
إِلَى وَبِيصِ الطَّيبِ فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللهِ وَلَه وَهُوَ مُحْرٌِ))، المراد به أثره لا جرمه،
قاله القاضي عياض.
وقال ابن العربي: ليس في شيء من طرق حديث عائشة أن عين الطيب بقيت.
وأجيب عن ذلك: بأن دعوى أن التطيب للنساء، يرده صريح الحديث في قولها:
((طَيَّيْتُهُ لِإِحْرَامِهِ)) وادعاء أن اللام للتوقيت خلاف الظاهر، وادعاء أن الطيب زال
بالغسل قبل الإحرام، ترده الروايات الصريحة عن عائشة أنها كانت تنظر إلى
وبيص الطيب في مفرقه وَ ل وهو محرم؛ لأن الوبيص في اللغة: البريق،
واللمعان، وهو وصف وجودي، والوصف الوجودي لا يوصف به المعدوم وإنما
يوصف به الموجود، فدلَّ على أنَّ الطيب الموصوف بالوبيص موجود بعينه، وهو
يرد قول ابن العربي: أنه لم يرد في شيءٍ من طرق حديث عائشة أن عين الطيب
بقيت. ويؤيدُهُ ما رواه أبو داود في ((سُننه)) قال النووي: بإسنادٍ حسن من طريق
عائشة بنت طلحة عن عائشة رضيّا قالت: كنا نخرج مع النبي وَلَه إلى مكة فنضمد
جباهنا بالسُّك المطيب عند الإحرام، فإذا عرقت إحدانا سال علو وجهها، فيراه
النبي وَلّ فلا ينهانا. والسُّك بضم السين وتشديد الكاف نوع من الطيب يضاف إلى
غيره من الطيب ويستعمل، فهذا حجة في جواز بقاء عين الطيب في المحرم بعد
الإحرام إن كان استعماله للطيب يضاف إلى غيره من الطيب ويستعمل، فهذا حجة
في جواز بقاء عين الطيب في المحرم بعد الإحرام إن كان استعماله للطيب قبل
الإحرام.

٥١٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ges
قال الحافظ: يرد دعوى أنه لم يبق للطيب أثر بعد الغسل، قوله في رواية أخرى
للحديث المذكور: ((ثم أصبح محرمًا ينضح طيبًا))، فهو ظاهر في أن نضح الطيب
وهو ظهور رائحته كان في حال إحرامه، ودعوى بعض المالكية أن فيه تقديمًا
وتأخيرًا، والتقدير: طاف على نسائه ينضح طيبًا، ثم أصبح محرمًا، خلاف
الظاهر. ويرده قوله في رواية عند مسلم: كان إذا أراد أن يحرم يتطيب بأطيب ما
يجد، ثم أراه في رأسه ولحيته بعد ذلك، وللنسائي وابن حبان: رأيت الطيب في
مفرقه بعد ثلاث وهو محرم. وقال بعض المالكية: إن الوبيص كان بقايا الدهن
المطيب الذي تطيب به فزال وبقي أثره من غير رائحة، ويرده قول عائشة: ((يَنْضَحُ
طِيبًا)). وقال بعضهم: بقي أثره لا عينه. قال ابن العربي: ليس في شتى من طرق
حديث عائشة أن عينه بقيت. انتهى.
ثم ذكر الحافظ حديث عائشة بنت طلحة عن عائشة وقال: فهذا صريح في بقاء
عين الطيب ولا يقال: إن ذلك خاص بالنساء؛ لأنهم أجمعوا على أن الرجال
والنساء سواء في تحريم استعمال الطيب إذا كانوا محرمين. وقال بعضهم: كان
ذلك طيبًا لا رائحة له؛ تمسكًا برواية الأوزاعي عن الزهري عن عروة عن عائشة:
((بِطِيبٍ لَا يُشْبِهُ طِيبَكُمْ)). قال بعض رواته: يعني: لا بقاء له. أخرجه النسائي. ويرد
هذا التأويل ما في الذي قبله، ولمسلم من رواية منصور بن زاذان عن عبد الرحمن
ابن القاسم: ((بطيب فيه مسك)). وله من طريق الحسن بن عبيد الله عن إبراهيم:
كأني أنظر إلى وبيصِ المسك. وللشيخين من طريق عبد الرحمن بن الأسود عن
أبيه: بأطيب ما أجدُ. وللطحاوي، والدار قطني من طريق نافع عن ابن عمر عن
عائشة: بالغالية الجيدة. وهذا يدل على أن قولها: ((بطيبٍ لَا يشبهُ طِيبَكُمْ)). أي:
أطيب منه، لا كما فهمه القائل يعني: ليس له بقاء. انتهى.
ومنها: أن ذلك التطيب خاص به وَ له وأجيب عن ذلك بأن حديث عائشة ضعيها
بنت طلحة عن عائشة المتقدم نص في عدم خصوص ذلك به وقال له، ويعضده الآثار
المروية عن بعض الصحابة، كما تقدم عن ابن عباس وابن الزبير. وأما إنكار عمر
وعثمان على بعض الصحابة، فهو مما لا يعارض به الصحيح المرفوع إلى
النبي ◌َّلو؛ لأن سنته أولى بالاتباع من قول كل صحابي مع أنهم خالفهم بعض
الصحابة، وقد ثبت في ((صحيح مسلم)) أن عائشة أنكرت ذلك على ابن عمر رؤيته.

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْإِحْرَامِ والتَّلْبِيَةِ
٥١٣
قال الحافظ: ادعى بعض المالكية أن ذلك من خصائصه وَل قاله المهلب وأبو
الحسن القصار، وأبو الفرج من المالكية، قال بعضهم: لأن الطيب من دواعي
النكاح فنهى الناس عنه، وكان هو أملك الناس لإربه ففعله. ورجَّحه ابن العربي
بكثرةٍ ما ثبت له من الخصائص في النكاح، وقد ثبت عنه أنه قال: ((حبب إليَّ النساء
والطيب)). أخرجَهُ النسائيُّ من حديث أنسٍ، وتعقب بأن الخصائص لا تثبت
بالقياسِ. وقال المهلب: إنما خص بذلك لمباشرته الملائكة لأجل الوحي.
وتعقب: بأنه فرع ثبوت الخصوصية، وكيف بها ويردها حديث عائشة بنت طلحة
المتقدم، وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن عائشة قالت: طيبت أبي
بالمسك لإحرامه حين أحرم. وقولها: طيبت رسول اللّه وَ ل بيدي هاتين. أخرجه
الشيخان .
ومنها: أن الدوام على الطيب بعد الإحرام كابتداء الطيب في الإحرام بجامع
الاستمتاع بريح الطيب في حالِ الإحرام في كلَّ منهما. وأجيبَ عن ذلك: بأنه
منتقض بالنكاح، فإن ابتداء عقده في حال الإحرام ممنوع عند الجمهور، خلافًا
لأبي حنيفةً مع الإجماع على جواز الدوام على نكاح وقع عقده قبل الإحرام، ثم
أحرم بعد عقده الزوجان وهو دليل على أنه ما كل دوام كالابتداء، وقد تقرَّر في
الأصول أن المانع بالنسبة إلى الابتداء والدوام ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: هو
المانع للدوام والابتداء معًا كالحدث، فإنه مانع من ابتداء الصلاة، مانع من الدوام
عليها إذا طرأ في أثنائها. والثاني: هو المانع للدوام فقط دون الابتداء كالطلاق،
فإنه مانع من الدوام على العقد الأول والاستمتاع بالزوجية بموجبه، وليس مانعًا
من ابتداء عقد جديد والاستمتاع بها بموجبه. والثالث: هو المانع من الابتداء فقط
دون الدوام كالنكاح بالنسبة إلى الإحرام، فإن الإحرام مانع من ابتداء العقد،
وليس مانعًا من الدوام على عقد كان قبله. قالوا: ومن هذا الطيب، فإن الإحرام
مانع من ابتدائه، وليس مانعًا من الدوام علیه.
ومنها: أن حديث عائشة المذكور يقتضي إباحة الطيب لمن أراد الإحرام،
وحديث يعلى بن أمية يقتضي منع ذلك، والمقرر في الأصول أن الدال على المنع
مقدم على الدال على الإباحة والجواز؛ لأن ترك مباح أهون من ارتكاب حرام.
وأجيب عنه: بأن محل ذلك فيما إذا جهل المتقدم منهما، أما إذا علم المتقدم، فإنه

٥١٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
يجب الأخذ بالمتأخر؛ لأنهم كانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث، وقصة يعلى
وقعت بالجعرانة عام ثمان بلا خلاف، وحديث عائشة في حجة الوداع عام عشر،
ومن المقرر في الأصول أن النصين إذا تعارضا وعلم المتأخر منهما، فهو ناسخ
للأول كما هو معلوم في محله.
ومنها: أن حديث يعلى من قول النبي ◌َّ بلفظه الصريح في الأمر بإزالة الطيب
وإلقائه من البدن وظاهره العموم؛ لأنَّ خطاب الواحد يعمُّ حكمه الجميع لاستواء
الجميع في التكليف، والعموم القولي لا يعارضه فعل النبي وَلّر؛ لأنه مخصص له
كما تقرَّر في الأصول. وأجيب عنه: بما قدمنا آنفًا من الأدلة على ذلك الفعل الذي
هو التطيب قبل الإحرام ليس خاصًّا به، كما دلَّ عليه حديث عائشة المذكور.
وقولها في الصحيح: (طيّْتُه بيدي هَاتين)). صريح في أنها شاركته في ملابسة ذلك
الطيب.
ومنها: قياس الطيب على اللبس، وتعقب بأن استدامة اللبس لبس واستدامة
الطيب ليس بطيب، ويظهرُ ذلك بما لو حلف، كذا في ((الفتح)). هذا وقد اتضح بما
ذكرنا من أدلة الفريقين ومناقشتها أن القول الراجح المعول عليه هو ما ذهب إليه
الجمهور. قال الشنقيطي: أظهر قولي أهل العلم عندي في هذه المسألة: أن الطيب
جائز عند إرادة الإحرام ولو بقيت ريحه بعد الإحرام، لحديث عائشة المتفق عليه،
ولإجماع أهل العلم على أنه آخر الأمرين، والأخذ بآخر الأمرين أولى كما هو
معلوم، وقد علمت الأدلة على أنه ليس من خصائصِهِ وَلّ وحديث عائشة بعد
حديث يعلى بسنتين، أي فيتعين الأخذ بحديث عائشة.
(وَلِحِلِّهِ)، أي: لأجل خروجه من إحرامه بعد أن يرمي ويحلق. (قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ
بِالْبَيْتِ)، أي: طواف الإفاضة. وفي اللباس عند البخاري: ((قَبْلَ أَنْ يُفِيضَ)).
وللنسائي: ((وَحِينَ يُرِيدُ أَنْ يَزُورَ الْبَيْتَ)). ولمسلم نحوه. وللنسائي في رواية
أخرى: ((وَلِحِلِّهِ بَعْدَمَا يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ)) قال القاري:
قوله: (قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ)) متعلِّق بـ ((حِلِّهِ)) وفيه دليل على أن الطيب يحل بالتحلل
الأول؛ خلافًا لمن ألحقه بالجماع. (بِطِيبٍ) متعلق بأطيب. (فِيهِ مِسْك) قد تقدَّم في
رواية أنه ذريرة، ولا تنافي؛ إذ لا مانع أنهم كانوا يخلطون الذريرة بالمسك.

٥١۵
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الإحْرَامِ والتّلْبيَّةِ
قال الحافظ: واستدل به على حل الطيب وغيره من محرمات الإحرام بعد رمي
الجمرة، ويستمر امتناع الجماع ومتعلقاته إلى الطواف بالبيت، وهو دالّ على أن
للحجِّ تحللين، فمن قال: عن الحلق نسك كما هو قول الجمهور وهو الصحيح عند
الشافعية، يوقف استعمال الطيب وغيره من المحرمات المذكورة عليه. ويؤخذ
ذلك من كونِهِ وَّل في حجته رمى ثم حلق ثم طاف فلولا أن الطيب بعد الرمي
والحلق لما اقتصرت على الطوافٍ في قولها: ((قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ))، انتهى.
والحاصل: أن إضافة الحل إلى ما قبلَ الطواف يؤمئ إلى أن الحل الأصغر أي
التحلل الأول هو بعد الرمي والحلق وغيرهما ما سوى الطواف.
واعلم: أن ها هنا ثلاث مسائل خلافية: الأولى: أن الحلق هل هو نسك أو
إطلاق من محظورٍ، أي: استباحة محظور، فذهب الجمهور إلى الأول، واختلف
فيه قول الشافعي، والصحيح عند الشافعية: أن الحلق نسك كما تقدَّم في كلام
الحافظ. ولا شك أن الذي تدلّ نصوص الشرع على رجحانه أن الحلق نسك على
من أتم نسكه، وعلى مَن فاته الحج، وعلى المحصر بعدو، وعلى المحصر
بمرض .
قال ابن قدامة: والحلق والتقصير نسك، في الحج والعمرة في ظاهر مذهب
أحمد، وقول الخرقي، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، والشافعي. وعن أحمد أنه
ليس بنسك وإنما هو إطلاق من محظور كان محرمًا عليه بالإحرام فأطلق فيه عند
الحل كاللباس والطيب وسائر محظورات الإحرام.
الثانية: أن التحلل الأول هل يحصل بالرمي والحلق معًا أو بالرمي فقط؟ فمن
قال: إنَّ الحلقَ نُسك، قال: إن التحلل الأول لا يكون إلا بعد الرمي والحلق معًا،
ومن قال: إن الحلق غير نسك، قال: يحصل التحلل الأول بمجرد انتهائه من رمي
جمرة العقبة يوم النحر. قال مالك: إذا رمى جمرة العقبة، فقد حل له قتل القمل،
وحلق الشعر، وإلقاء التفث ولبس الثياب. قال الزرقاني: ولم يبق عليه من
محرمات الإحرام سوى النساء والصيد، وكره الطيب حتى يطوف للإفاضة.
انتھی .
قال الباجى: وذلك أن موانع الإحرام على ضربين: رفث، وإلقاء تفث، فالرفث

٥١٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
هو الجماع، وما في معناه مما يدعو إليه، وأما إلقاء التفث، فهو كحلق الشعر،
وخلع ثياب الإحرام، فأما إلقاء التفث، فهو مباح بأول التحللين وهو رمي الجمرة،
وأما الرفث فإنه لا يستباح إلا بآخر التحللين وهو طواف الإفاضة. انتهى.
قال الدردير: حل برميها أي: جمرة العقبة، وكذا بخروج وقت أدائها غير جماع
ومقدماته وغير صيد، فحرمتهما باقية، وكره الطيب، وهذا هو التحلل الأصغر.
ومذهب الحنفية في المشهور عندهم أن الرمي غير محلل، ولا يحصل التحلل
عندهم إلا بالحلق أو التقصير، قال الشنقيطي (ج٥: ص٢٨٨): مذهب مالك أنه
بمجرد رمي جمرة العقبة يوم النحر يحلّ له كلَّ شيءٍ إلا النساء والصيد والطيب،
والطيب مكروه عنده بعد رميها لإحرام. وإن طاف طواف الإفاضة، وكان قد سعى
حل له كل شيء. ومذهب أبي حنيفة أنه إذا حلق أو قصر حل التحلل الأول ويحل
به كل شيء عنده إلا النساء، وإن طاف طواف الإفاضة حل له النساء، وهم يقولون:
إن حل النساء بعد الطواف إنما هو بالحلق السابق لا بالطواف؛ لأن الحلق هو
المحلل دون الطواف غير أنه أخر عمله إلى ما بعد الطواف، فإذا طاف عمل الحلق
عمله، كالطلاق الرجعي أخر عمله إلى انقضاء العدة لحاجته إلى الاسترداد، فإذا
انقضت، عمل الطلاق عمله فبانت. والدليل على ذلك: أنه لو لم يحلق حتى طاف
بالبيت لم يحل له شتى حتى يحلق، وبذلك تعلم أن المدار عندهم على الحلق، إلا
أن الحلق عندهم بعد رمي جمرة العقبة وبعد النحر إن كان الحاج يريد النحر،
ومذهب الشافعي أنه على القول بأن الحلق نسك يحصل التحلل الأول باثنين من
ثلاثة: هي رمي جمرة العقبة، والحلق، وطواف الإفاضة. فإذا فعل اثنين من هذه
الثلاثة تحلل التحلل الأول، وإن فعل الثالث منها تحلل التحلل الثاني. وبالأول:
يحل عنده كل شيء إلا النساء، وبالثاني: تحل النساء، وعلى القول بأن الحلق ليس
بنسك، فالتحلل الأول يحصل بواحد من اثنين هما: رمي جمرة العقبة، وطواف
الإفاضة، ويحصل التحلل الثاني بفعل الثاني، ومذهب الإمام أحمد هو أنه إن
رمى جمرة العقبة ثم حلق تحلل التحلل الأول، وبه يحل عنده كل شيء إلا النساء .
فإن طافَ طواف الإفاضة؛ حلَّت له النساء. انتهى.
وقال ابن قدامة (ج٣: ص٣٩٢): قول الخرقي: ((قصر من شعره ثم قد حل))
يدلُّ على أنه لا يحل إلا بعد التقصير، وهذا ينبني على أن التقصير نسك وهو

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْإِحْرَامِ والتَّلْبِيَةِ
٥١٧
المشهور، فلا يحل إلا به، وفي رواية أخرى: أنه إطلاق من محظور. وقال أيضًا
(ج٣: ص٤٣٩): ظاهر كلام الخرقي أن الحل إنما يحصل بالرمي والحلق معًا،
وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وهو قول الشافعي، وأصحاب الرأي؛ لقول
النبيِ وََّ: ((إِذَا رَمَيْتُمْ وَحَلَقْتُمْ فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّ الْتِّسَاءَ))، وترتيب الحلِّ عليهما
دليل على حصوله بهما؛ ولأنهما نسكان يتعقبهما الحل، فكان حاصلًا بهما، وعن
أحمد إذا رمى الجمرة؛ فقد حل، ولم يذكر الحلق، وهذا يدلُّ على أنَّ الحلَّ بدون
الحلقِ، وهذا قولُ عطاء ومالك وأبي ثور، وهو الصحيح إن شاء اللّه تعالى؛ لقولِهِ
في حديثٍ أمِّ سلمة: ((إِذَا رَمَيْتُمُ الْجَمْرَةَ؛ فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّ النِّسَاءَ))،
وكذلك قال ابنُ عباسٍ. قال بعض أصحابنا: هذا مبني على الخلافِ في الحلقِ هل
هو نسك أو لا؟ فإنْ قَلنا: نُسك حصل الحل به وإلا فلا. وفي ((الروض المربع)):
يحصل التحلل الأول باثنين من حلق ورمي وطواف، والتحلل الثاني بما بقي مع
سعي. انتھی.
وبه جزم النووي في ((مناسكه)) فقال: أي اثنين منها أتى بهما؛ حصل التحلل
الأول، ويحصل التحلل الثاني بالعمل الباقي من الثلاثة. هذا على المذهب
الصحيح المختار أن الحلق نسك، وقال الولي العراقي في ((طرح التثريب)) (ج٥ :
ص ٨٠): قال جمهور الفقهاء من أصحاب المذاهب الأربعة: للحج تحللان، ثم
اختلفوا في أمرين، أحدهما: فيما يحصلُ به التحلل الأول، فقال الشافعية: إن
قلنا: إن الحلق نسك، وهو الصحيح المشهور؛ حصل التحلل الأول بفعل أمرين
من ثلاثة أمور: وهي رمي جمرة العقبة، والحلق، وطواف الإفاضة مع سعيه إن لم
يكن سعى عقب طواف القدوم، فإذا فعلَ اثنين منها - أي اثنين كانا - حصل التحلل
الأول. وإن قلنا: إن الحلق ليس نسكًا؛ حصل التحلل الأول بواحد من الرمي
والطواف، فأيهما فعله أولًا؛ حل التحلل الأول، وعند أصحابِنا يجوزُ تقديم بعض
هذه الأمورِ على بعضٍ، وترتيبها بتقديم الرمي، ثم الحلق ثم الطواف مستحبُّ
فقط. قالوا: ولو لم يرم جمرة العقبة حتى خرجت أيام التشريق؛ فات الرمي ولزمه
دم، ويصيرُ كأنه رمى بالنسبة لحصول التحلل به. والأصحُّ عند الرافعي والنووي
أنه يتوقف تحلله على الإتيان ببدلِهِ، ولكن نص الشافعي على خلافِهِ وحكى
الرافعي وجهًا شاذًا أنه يحصل التحلل الأول بالرمي وحده أو الطواف وحده، ولو

٥١٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
eace
قلنا: الحلق نسك.
وقال الحنابلة: يحصل التحلل الأول بالرمي والحلق، وقال المالكية: للحجِّ
تحللان يحصل أحدهما برمي جمرة العقبة والآخر بطواف الإفاضة، ولو قدم
طواف الإفاضة على جمرة العقبة، قال مالك وابن القاسم: يجزئه وعليه هدي.
وعن مالِك أيضًا لا يجزئه، وهو كمن لم يفض. وقال أصبغ: أحب إلي أن يعيد
الإفاضة وهو في يوم النحر آكد. وقال الحنفية: إن التحلل الأول بالحلق خاصة
دون الرمي والطواف فليسا من أسباب التحلل، وفرقوا بأن التحلل هو الجناية في
غير أوانها، وذلك مختص بالحلقِ. وأما ذبح الهدي، فليس مما يتوقف عليه
التحلل، إلا أن الحنفية والحنابلة قالوا: إن المتمتع إذا كان معه هدي لا يحل من
عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر. الأمر الثاني: فيما يحلَّ بالتحللِ الأولِ وهي
المسألة الثالثة، وقد اتفقَ هؤلاء على أنه يحل به ما عدا الجماع ومقدماته، وعقد
النكاح والصيد والطيب، وأجمعوا على أنه لا يحلُّ الجماع. واختلفوا في بقية هذه
الأمور، فقال الشافعية: يحلُّ الصيد والطيب، واختلفوا في عقد النكاح والمباشرة
فيما دون الفرج. وفيه قولان للشافعي أصحهما التحريم، كذا صحَّحه النووي،
ونقله عن الأكثرين. ذكر الرافعي: أن القائلين به أكثر عددًا، وقولهم أوفق لظاهر
النص في ((المختصر))، ولكنه صحح في ((الشرح الصغير)) الحل. واقتضى كلامه
في ((المحرر)) التفصيل بين المسألتين، فصرح بإباحة عقد النكاح بالأول وجعل
المباشرة داخلة فيما يحل بالثاني، وكلام الحنابلة موافق للمرجح عندنا. وعبارة
الشيخ مجد الدين ابن تيمية في ((المحرر)): ثم قد حل من كل شيء إلا النساء،
وعنه: يحل إلا من الوطء في الفرج، وكذا مذهب الحنفية. قال صاحب
((الهداية)): وقد حل له كل شيء إلا النساء، ثم قال: ولا يحل الجماع فيما دون
الفرج عندنا؛ خلافًا للشافعي، فنصب الخلاف معه على أحدٍ قوليه. وأما عقد
النكاح فهو جائز عندهم في الإحرام، وقال المالكية: يستمرُّ تحريم النساء والصيد
والطيب إلا أنهم أوجبوا في الصيد الجزاء ولم يوجبوا في الطيب الفدية كما تقدم.
قال ابن حزم الظاهري: وهذا عجب، فإن احتجوا بالأثر الوارد في تطييب النبي وَل
قبل أن يطوف بالبيت، قلنا: لا يخلو هذا الأثر أن يكون صحيحًا، ففرض عليكم ألا
تخالفوه، وقد خالفتموه، أو غير صحيح فلا تراعوه، وأوجبوا الفدية على من

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْإِحْرَامِ والتَّلْبِيَةِ
٥١٩
تطيب كما أوجبتموها على من تصيد. وقال ابن عبد البر: راعى مالك الاختلاف
في هذه المسألة فلم ير الفدية على من تطيب بعد رمي جمرة العقبة وقبل الإفاضة.
وقال أبو عباس القرطبي: اعتذر بعض أصحابنا عن هذا الحديث بادعاء خصوصية
النبي وَّر بذلك. قلنا: الأصل التشريع وعدم التخصيص، والقول بالتخصيص
يحتاج إلى دليل، وليس ثم دليل على ذلك. وقال ابن العربي: هذه مسألة مشكلة
قديمًا، اختلف السلف فيها على أربعة أقوال: الأول: أن من رمى الجمرة حل له
كل شيء إلا النساء والطيب. الثاني: زاد مالك: ((وَالصَّيْد)) لقوله تعالى: ﴿لَا نَقْتُلُواْ
الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ [المائدة: ٩٥] وهذا حرام بعد. الثالث: قال عطاء: إلا النساء والصيد؛
لأن الطيب حل بفعله وَّ فبقي النساء والصيد على تحريمه. الرابع: النساء خاصة،
وهو قول الشافعي وهو حديث عائشة وهو الصحيح. وبه قال ابن عباس وطاوس
وعلقمة. انتهى.
قلت: وفيه قول خامس، كما قال ابن المنذر: وهو أن المحرم إذا رمى الجمرة
يكون في ثوبيه حتى يطوف بالبيت، كذلك قال أبو قلابة. قال ابن قدامة: روي عن
عروة أنه قال: لا يلبس القميص ولا العمامة ولا يتطيب. وروي في ذلك عن
النبي وَّ حديثًا. وقال ابن المنذر: اختلف أهل العلم فيما أبيح للحاج بعد رمي
جمرة العقبة قبل الطواف بالبيت، فقال عبد الله بن الزبير وعائشة وعلقمة وسالم بن
عبد الله وطاوس والنخغي وعبد الله بن حسن وخارجة بن زيد والشافعي وأحمد
وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي: يحل له كل شيء إلا النساء، وروينا ذلك عن
ابن عباس، وقال عمر بن الخطاب، وابن عمر: يحل له كل شيء إلا النساء
والطيب. وقال مالك: يحل له كل شيء إلا النساء والطيب والصيد. انتهى.
قال الباجى: مذهب مالك المنع من ذلك ومن دواعي النكاح. قال: ومن رمى
جمرة العقبة؛ حل له كل شيء إلا النساء والطيب والصيد، فإذا أفاض؛ حل له كل
شيء، فمن تطيب قبل أن يفيض فلا فدية عليه؛ لأنه وجد منه أحد التحللين، ووجه
آخر أنه محل اختلف في استباحة استعمال الطيب فيه، فلم يجب له فدية، أصل
ذلك التطيب للإحرام. انتهى. وقال الأبي: القول بسقوط الفدية هو له في
((المدونة)). وعنه رواية أخرى بثبوتها، ولا يتحقق لزومها إلا إذا كان المنع على
وجه التحريم. انتهى.