النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
مجتمع
عليه، والاستشهاد لذلك بقوله تعالى: ﴿وَرَبَِّبُكُمُ الَّتِى فِى حُجُورِكُمْ﴾ [النسا: ٢٧] فيه
نظر؛ لأن ها هنا قرينة تدل على أن الخطاب في هذه الآية خرج مخرج الغالب،
وهي ما ورد في رواية للبخاري في قصة عرض أم حبيبة أختها عزة بنت أبي سفيان
على النبي ◌ِّل قوله: ((إِنِّي لَوْ لَمْ أَتَزَوَّجْ أُمَّ سَلَمَةَ مَا حَلَّتْ لِي))، أي: بنت أبي سلمة،
فجعل المناط في التحريم مجرد تزوجه أم سلمة وحكم بالتحريم بذلك.
وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِ النَّاسِ بِالْحَجِ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْنِينَ
(٣)﴾ [الحج: ٢٧] فلا دليل فيه على وجوب الحج على القادر على
مِن كُلِّ نَجّ عَمِيقٍ
المشي العاجز عن الراحلة، وأكثر ما فيه أنه استدل به بعض العلماء على أن الحج
ماشيًا لمن قدر عليه أفضل من الحج راكبًا؛ لأنه قدمهم في الذكر، خلافًا لما ذهب
إليه الأكثرون من أن الحج راكبًا أفضل؛ اقتداء برسول اللّه وَّل، فإنه حج راكبًا مع
كمال قوته وقدرته على المشي.
وقال ابن قدامة: ومن تكلف الحج ممن لا يلزمه، فإن أمكنه ذلك من غير ضرر
يلحق بغيره مثل: أن يمشي ويكتسب بصناعة كالخرز، أو معاونة من ينفق عليه، أو
يكتري لزاده، ولا يسأل الناس؛ استحب له الحج لقول الله تعالى: ﴿يَأْتُكَ رِجَالًا
وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ فقدم ذكر الرجال؛ ولأن في ذلك مبالغة في طاعة الله رَّى
وخروجًا من الخلاف، وإن كان يسأل الناس؛ كره له الحج؛ لأنه يضيق على الناس
ويحصل كَلَّا عليهم في التزام ما لا يلزمه. انتهى. قلت: وهذا مذهب أبي حنيفة
والشافعي وأحمد وأكثر أهل العلم.
وقال مالك: ليستا، أي: الزاد والراحلة من شرط وجوبه، فإذا قدر راجلًا وله
صنعة أو من عادته السؤال، فهو مستطيع كما ذكرنا في بيان مذهبه وما عليه
الجمهور هو مقتضى القواعد الشرعية. قال ابن تيمية: كل عبادة اعتبر فيها المال،
فالمعتبر ملكه لا القدرة على ملكه كتحصيله بصنعة، أو قبول هبة، أو مسألة، أو
أخذ من صدقة، أو بيت مال. انتهى. وهذا كله يتعلق بالمستطيع بنفسه، وأمَّا ما
يسمونه المستطيع بغيره، فقد تقدم الكلام فيه في شرح حديث الخثعمية وهو
نوعان :
الأول منهما: هو من لا يقدر على الحج بنفسه؛ لكونه زَمِنًا، أو هَرِمًا ونحو

٤٦١
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
ذلك، ولكنه له مال يدفعه إلى من يحج عنه، فهل يلزمه الحج، نظرًا إلى أنه
مستطيع بغيره، فيدخل في عموم قوله: ﴿مَنِ اُسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] أوْ لا
يجب عليه الحج؛ لأنه عاجز غير مستطيع بالنظر إلى نفسه، فلا يدخل في عموم
الآية؟ وبالقول الأول قال الشافعي وأصحابه، فيلزمه عندهم أجرة أجير يحج عنه
بشرط أن يجد ذلك بأجرة المثل.
قال النووي: وبه قال جمهور العلماء منهم: علي بن أبي طالب والحسن
البصري والثوري وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق وابن المنذر وداود. وقال مالك: لا
يجب عليه ذلك، ولا يجب إلا أن يقدر على الحج بنفسه. واحتج لذلك بقوله
تعالى: ﴿لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّ مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] وبقوله تعالى: ﴿مَنِ اُسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾
[ آل عمران: ٩٧]، وهذا لا يستطيع بنفسه فيصدق عليه اسم غير المستطيع، وبأنها عبادة لا
تصح فيها النيابة مع القدرة، فكذلك مع العجز كالصلاة، واحتجَّ الأكثرون
القائلون بوجوب الحج عليه بأحاديث رواها الجماعة:
منها: حديث ابن عباس في قصة استفتاء الخثعمية وقد تقدم في الفصل الأول.
ومنها: حديث أبي رزين العقيلي الآتي.
ومنها: حديث علي في قصة الخثعمية أيضًا عند أحمد، والترمذي، والبيهقي
(ج ٤: ص٣٢٩).
ومنها: حديث عبد الله بن الزبير عند أحمد (ج٤: ص٥)، والنسائي.
ومنها: حديث ابن عباس أيضًا عند النسائي كلاهما بنحو قصة الخثعمية.
والنوع الثاني من نوعي المستطيع بغيره: هو من لا يقدر على الحج بنفسه وليس
له المال يدفعه إلى من يحج عنه، ولكن له ولد يطيعه إذا أمره بالحج، والولد
مستطيع، فهل يجب الحج على الولد ويلزمه أمر الولد بالحج عنه؛ لأنه مستطيع
بغيره؟ فيه خلاف بين أهل العلم.
قال النووي في ((شرح المهذب)): فرع: في مذاهبهم في المعضوب إذا لم يجد
مالا يحج به غيره، فوجد من يطيعه، قد ذكرنا أن مذهبنا وجوب الحج عليه.
وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد: لا يجب عليه، وقد علمت أن مالكًا احتج في

٤٦٢
ae
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٣٩) ﴾ [النجم:
مسألة العاجز الذي له مال بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّا مَا سَعَى
٣٩]، وبأنه عاجز بنفسه فهو غير مستطيع إلى الحج سبيلاً، وبأن سعيد بن منصور
وغيره رووا عن ابن عمر بإسناد صحيح: أنه لا يحج أحد عن أحد، ونحوه عن
الليث ومالك، وأن الذين خالفوه احتجوا بالأحاديث التي أشرنا إليها وفيها ألفاظ
ظاهرها الوجوب، كتشبيهه بدين الآدمي، وكقول السائل: يجزئ عنه أن تحج
عنه، والإجزاء دليل المطالبة، وفي بعض رواياتها أن السائل يقول: إنَّ عليه فريضة
الحج، ويستأذن النبي ◌َّر في الحجّ عنه، وهو ◌َّ لم يبين له أن الحج سقط عنه
بز مانته وعجزه عن الثبوت على الراحلة، وبقوله للولد: ((أنت أكبر ولده))، وأمره
بالحج عنه، وأمّا الذين فرقوا بين وجود المعضوب مالًا فأوجبوا عليه الحج وبين
وجوده ولدًا يطيعه، فلم يوجبوه، فلأن المال ملكه، فعليه أن يستأجر به، والولد
مكلف آخر ليس ملزمًا بفرض على شخص آخر؛ ولأنه وإن كان له ولد، فليس
بمستطيع ببدن ولا بزاد وراحلة، ولو وجد إنسانًا غير الولد يطيعه في الحج عنه،
فهل يكون حكمه حكم الولد؟ فيه خلاف معروف، وأظهر الأقوال أنه كالولد.
تنبيه:
إذا مات الشخص ولم يحج، وكان الحج قد وجب عليه لاستطاعته بنفسه أو
بغيره عند من يقول بذلك، وكان قد ترك مالًا، فهل يجب أن يحج ويعتمر عنه من
ماله؟ في ذلك خلاف بين أهل العلم؛ فقال بعضهم: يجب أن يحج ويعتمر عنه من
تركته سواء مات مفرطًا أو غير مفرط؛ لكون الموت أعجله عن الحج فورًا. وبهذا
قال الشافعي وأحمد.
قال ابن قدامة: وبهذا قال الحسن وطاوس والشافعي. وقال أبو حنيفة ومالك:
يسقط بالموت، فإن أوصى بذلك، فهو في الثلث، وبهذا قال الشعبي والنخعي؛
لأنه عبادة بدنية فتسقط بالموت كالصلاة، واحتجوا أيضًا بأن ظاهر القرآن كقوله:
• [النجم: ٣٩] مقدم على ظاهر الأحاديث بل على
٣٩
﴿وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّا مَا سَعَى
صريحها؛ لأنه أصح منها .
وأجاب الأولون: بأن الأحاديث مخصصة بعموم القرآن، وبأن المعضوب
وجب عليه الحج بسعيه بتقديم المال وأجرة من يحج عنه، فهذا من سعيه، وأجابوا

٤٦٣
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
عن قياسه على الصلاة بأنها لا تدخلها النيابة بخلاف الحج والذين قالوا: يجب أن
يحج عنه من رأس ماله، واستدلوا بأحاديث جاءت في ذلك تقتضي أن من مات وقد
وجب عليه الحج قبل موته أنه يحج عنه؛ منها: حديث ابن عباس عند البخاري
المتقدم في الفصل الأول، ومنها: حديث ابن عباس عند البخاري أيضًا: أن امرأة
من جهينة جاءت إلى النبي ◌َّ فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت
أفأحج عنها؟ قال: ((نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ؟
اقْضُوا اللهَ، فَاللهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ»، والحج في هذين الحديثين، وإن كان منذورًا،
فإيجاب الله له على عباده في كتابه أقوى من إيجابه بالنذر مع أن النبي وَّ أمر
بقضائها وشبهها بدين الآدمي.
قال المجد في ((المنتقى)) بعد أن أشار لحديث البخاري الأول: وهو يدل على
صحة الحج عن الميت من الوارث وغيره حيث لم يستفصله أوارث هو أو لا؟
وشبهه بالدين. انتهى. وقد تقرر في الأصول: أن عدم الاستفصال من النبي وَلات،
أي: طلب التفصيل في أحوال الواقعة ينزل منزلة العموم القولي، وخالف في هذا
الأصل أبو حنيفة كما هو مقرر في الأصول. ومنها: ما رواه النسائي في ((سننه))
بسند صالح للاحتجاج عن ابن عباس قال: قال رجل: يا رسول الله! إن أبي مات
ولم يحج، أفأحج عنه؟ قال: ((أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيَكَ دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَهُ؟» قال:
نعم، قال: ((فَدَیْنُ اللهِ أَحقُّ».
ومنها: ما رواه النسائي أيضًا بسند صحيح أن ابن عباس قال: أمرت امرأة سنان
ابن سلمة الجهني أن يسأل رسول اللَّه وي ليه أن أمها ماتت ولم تحج أفيجزئ عن أمها
أن تحج عنها؟ قال: ((نَعَمْ، لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّهَا دَيْنٌ فَقَضَتْهُ عَنْهَا أَلَمْ يَكُنْ يُجْزِئُ عَنْهَا؟
فَلْتَحُجَّ عَنْ أُمِّهَا)) .
ومنها: ما رواه الدار قطني عن ابن عباس قال: أتى النبيَّ وَ ◌ّه رجلٌ، فقال: إن
أبي مات وعليه حجة الإسلام، أفأحج عنه؟ قال: ((أَرَأَيْتَ لَو أَنَّ أَبَالَكَ تَرَلَكَ دَيْنًا عَلَيْهِ
أَقَضَيْتَهُ عَنْهُ؟)) قال: نعم، قال: ((فَاحْجُجْ عَنْ أَبِيكَ)).
ومنها: حديث بريدة الأسلمي عند أحمد ومسلم وغيرهما أن امرأة أتت
النبي بَّر، فقالت: إن أمي قد ماتت ولم تحج، فيجزئها أن أحج عنها؟ قال:

٤٦٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
((نَعَمْ))، الحديث. ومنها: حديث أنس بن مالك عند البزار والطبراني بنحو حديث
ابن عباس عند الدار قطني. ومنها: حديث عقبة بن عامر عند الطبراني بنحو حديث
ابن عباس عند النسائي، فهذه الأحاديث ليس فيها ذكر نذر الحج وهي مع ما تقدم
حجة من قال: إن من وجب عليه الحج في الحياة وترك مالًا وجب أن يحج عنه
وهي ظاهرة في ذلك لتشبيهه بدين الآدمي، وأجاب المخالفون: بأن الحج أعمال
بدنية وإن كانت تحتاج إلى مال، والأعمال البدنية تسقط بالموت، فلا وجوب
لعمل بعد الموت، والذي يحج عنه متطوع وفاعل خيرًا.
قالوا: ووجه تشبيهه بالدين انتفاع كل منهما بذلك الفعل، فالمدين ينتفع بقضاء
الدين عنه، والميت ينتفع بالحج عنه، ولا يلزم من قضاء الدين عن أحد أن القضاء
عنه واجب، بل يجوز أن يكون قضاؤه عنه غير واجب عليه، واحتجُّوا أيضًا بأن
جميع الأحاديث الواردة بالحج عن الميت واردة بعد الاستئذان في الحج عنه،
قالوا: والأمر بعد الاستئذان كالأمر بعد الحظر فهو للإباحة؛ لأن الاستئذان
والحظر الأول كلاهما قرينة على صرف الأمر عن الوجوب إلى الإباحة. ومن
أمثلة كون الأمر بعد الاستئذان للإباحة أن الصحابة ﴿ه لما سألوا النبي وَلّ عما
اصطادوه بالجوارح، واستأذنوه في أكله؛ نزل في ذلك قوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمّاً
أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] فصار هذا الأمر بالأكل للإباحة؛ لأنه وارد بعد سؤال
واستئذان، ومن أمثلته من السنة حديث مسلم: أأصلي في مرابض الغنم؟ قال:
(نَعَمْ ... ))، الحديث. فإن معنى (نَعَمْ)) هنا: صلِّ فيها، وهذا الأمر بالصلاة فيها
للإباحة؛ لأنه بعد الاستئذان، وخلاف أهل الأصول في المسألة معروف.
قال الشنقيطي بعد سرد الأحاديث المذكورة: هذه الأحاديث تدل قطعًا على
مشروعية الحج عن المعضوب والميت، وقد قدمنا أن الأظهر عندنا وجوب الحج
فورًا، وعليه فلو فرط وهو قادر على الحج حتى مات مفرطًا مع القدرة أنه يحج عنه
من رأس ماله إن ترك مالًا؛ لأن فريضة الحج ترتبت في ذمته فكانت دينًا عليه،
وقضاء دين اللَّه صرح النبي وَّ في الأحاديث المذكورة بأحقيته حيث قال: ((فَدَيْنُ
اللهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى)).
أمّا من عاجله الموت قبل التمكن فمات غير مفرط فالظاهر لنا: أنه لا إثم عليه،

٤٦٥
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
ولا دين لله عليه؛ لأنه لم يتمكن من أداء الفعل حتى يترتب في ذمته، ولن يكلف
اللَّه نفسًا إلا وسعها، وقد تقدم أن مالكًا ومن وافقوه لم يعملوا بظاهر هذه
الأحاديث المذكورة مع كثرتها وصحتها؛ لأنها مخالفة عندهم لظاهر القرآن في
﴾ [النجم: ٣٩] وقوله: ﴿مَنِ اُسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾
٣٩
قوله: ﴿وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلََّ مَا سَعَى
[آل عمران: ٩٧] والمعضوب والميت ليس واحد منهما بمستطيع لصدق قولك: إنه غير
مستطيع بنفسه، قال: وما اشتهر عن مالك أنه يقول: لا يحج أحد عن أحد، معناه
عنده: أن الصحيح القادر لا يصح الحج عنه في الفرض. والمعضوب عنده ليس
بقادر، وأحرى الميت، فالحج عنهما من مالهما لا يلزم عنده إلا بوصية، فإن
أوصى به؛ صح من الثلث وتطوع وليه بالحج عنه خلاف الأولى عنده بل مكروه،
والأفضل عنده: أن يجعل ذلك المال الذي يحج به عنه في غير الحج كأن يتصدق
به عنه أو یعتق به عنه ونحو ذلك، فإن أحرم بالحج عنه؛ انعقد إحرامه وصح حجه
عنه. والحاصل: أن النيابة عن الصحيح في غير الفرض عنده مكروهة، والعاجز
عنده لا فرض عليه أصلاً للحج.
قال الشنقيطي: والأحاديث المذكورة حجة على مالك ومن وافقه، قلت:
القول الراجح المعول عليه عندنا هو ما ذهب إليه الشافعي وأحمد ومن وافقهما
للأحاديث التي ذكرنا وهي نص في ذلك، هذا وقد تقدم شيء من الكلام في هذه
المسألة في شرح حديث ابن عباس في قصة استفتاء الخثعمية.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) أخرجه الترمذي في الحج مختصرًا كما ذكره
المصنف وفى تفسير سورة آل عمران مطولًا وهى الرواية الآتية بعد هذا، وأخرجه
ابن ماجه مطولًا فقط في الحج، ورواه البيهقي مختصرًا في (ج٤: ص٣٢٧)،
ومطولًا في (ج٤: ص ٣٣٠)، و(ج٥: ص٥٨)، وروى الشافعي في ((الأم)) (ج٢ :
ص٩٩) المطول فقط، والدار قطني (ص٢٥٥) مطولًا ومختصرًا كلهم من طريق
إبراهيم بن يزيد الخوزي عن محمد بن عباد بن جعفر المخزومي عن ابن عمر، قال
الترمذي: هذا حديث حسن. وإبراهيم بن يزيد هو الخوزي المكي، وقد تكلم فيه
بعض أهل العلم من قبل حفظه. انتهى.
قلت: تحسين الترمذي لهذا الحديث لا وجه له؛ لأن إبراهيم بن يزيد الخوزي

٤٦٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
المذكور متروك لا يحتج به، كما جزم به غير واحد، بل ذكر الحافظ في ((التهذيب))
ما يدل على أنهم أجمعوا على تركه وتضعيفه، ومنهم من كان يرميه بالكذب.
ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره، وقال الحافظ في ((التلخيص)) بعد نقل
تحسين الترمذي: هو من رواية إبراهيم بن يزيد الخوزي، وقد قال فيه أحمد
والنسائي: متروك الحديث. وقيل: لعل الترمذي حسنه لشواهده وقد تقدمت
الإشارة إليها، وقيل: الظاهر أن الترمذي كان حسن الرأي فيه وكان هو حسن
الحدیث عنده، ولذلك حسن روايته هذه.
٢٥٥١ - [٢٣] وَعَنْهُ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ فَقَالَ: مَا الْحَاجُّ؟
فَقَالَ: ((الْشَّعِثُ الْتَِّلُ)). فَقَامَ آخَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَُّّ الْحَجِّ أَفْضَلُ؟
قَالَ: ((الْعَجُّ وَالثَّجُّ)) فَقَامَ آخَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا السَّبِيلُ؟ قَالَ: ((زَادٌ
وَرَاحِلَةٌ)).
[رَوَاهُ فِي ((شَرْحِ الْسُنَّةِ))، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ فِي ((سُنَنِهِ)) إِلَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الْفَصْلَ الْأَخِيرَا (حسن)
الشرح
٢٥٥١ - قوله: (مَا الْحَاجُّ؟)، أي: الكامل، والمعنى: ما صفةُ الحاج الذي
يحجُّ؟ أو يكون ((ما)) بمعنى ((من)). قالَ الطيبي: يسألُ بـ((ما) عن الجنسِ وعن
الوصفٍ، والمرادُ هنا: الثاني بجوابِهِ وَّ. قلتُ: وقعَ عند الترمذيِّ في التفسيرِ
بلفظٍ: ((مَنِ الْحَاجُ؟)) وكذا ذكره المنذري في ((ترغيبه))، وعزاه لابن ماجه،
والزَّيْلعي في ((نصبٍ الراية)) (ج٣: ص٨) وعزاه للترمذي، وابن ماجه. (قَالَ:
الشَّعِثُ) بفتح الشين المعجمة وكَسْر العين المهملة وبالثاء المثلثة، وهو البعيد
العهد بتسريح شعره وغسله. وقال القاري: أي: المغبر الرأس من عدمِ الغسلِ،
مفرق الشعر من عدم المشط، وحاصله: تارك الزينة. (الثَّفِلُ) بفتح التاء المثناة من
فوق وكسر الفاء، وهو الذي ترك الطيب حتى تغيَّرت رائحتُهُ. وقال القاري: أي:
(٢٥٥١) الْبَغَوِيُّ (١٨٤٧) فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ))، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَِشْتَهُ؛ وَهُوَ عِنْدَ التِّرْ مِذِي سِوَى آخِرِهِ،
فَأَفْرَدَهُ فِي الحَدِيثِ الأَوَّلِ.

٤٦٧
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
تارك الطيب فيوجدُ منه رائحة كريهة، من تفل الشيء من فيه؛ إذا رمى به متكرهًا
له. (الْحَجِّ)، أي: أعماله أو خصاله بعد أركانه. (أَفْضَلُ)، أي: أكثر ثوابًا. (قَالَ:
الْعَجُّ وَالثَّجُّ) الأول بفتح العين المهملة وبالجيم الْمُشَدَّدة، وهو رفعُ الصوتِ
بالتلبيةٍ، والثاني بفتح الثاء المثلثة وبالجيم المشددة وهو سيلان دماء الهدي،
وقيل: دِمَاء الأضاحي. قال وكيع في رواية ابن ماجه: يعني بالعجّ: العجيج
بالتلبية، والثج: نحر البدنِ. قال الطيبي: ويحتملُ أن يكون السؤال عن نفس
الحج، ويكون المراد ما فيه العج والثج. وقيل: على هَذَا يرادُ بهما الاستيعاب؛
لأنَّه ذكر أوله الذي هو الإحرام وآخره الذي هو التحلل بإراقة الدم؛ اقتصارًا
بالمبدأ والمنتهى عن سائر الأفعالِ، أي: الذي استوعبَ جميعَ أعماله من الأركان
والمندوبات. (مَا السَّبِيلُ؟) أي: المذكور في قوله تعالى: ﴿مَنِ اُسْتَطَاعَ إِلَيْهِ
[آل عمران: ٩٧].
سَبِيلًا﴾ [آل عم
(قَالَ: زَادٌ وَرَاحِلَةٌ)، أي: بحسب ما يلقيان بكلِّ أحدٍ، والظاهرُ: أنَّ المعتبر هو
الوسط بالنسبة إلى حال الحاج. وقوله: ((زَادٌ وَرَاحِلَةٌ)) كذا وقعَ في جميع نُسخ
(المشكاةٍ))، وهكذا وقع عند الشافعي، والبيهقي (ج٤: ص ٣٣٠) ووقع عند
الترمذي، وابن ماجه، والدار قطني، والبيهقي (ج٥: ص٥٨) ((الزاد والراحلة)) أي
معرفًا باللام، وكذا ذكره المنذري في ((الترغيبٍ)) نقلًا عن ابنِ مَاجَهْ.
(رَوَاهُ)، أي: صاحب ((المصابيح)). (فِي ((شَرْح السُّنَّةِ)))، أي: الحديث بكماله
مسندًا. (وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ)، أي: الحديث، وكانَ حقُّه أن يقول: ورواه ابن ماجه
في (سننه)) (إلا أنه)، أي: ابن ماجه (لم يذكر الفصل الأخير)، أي: من الفصول
الثلاثة في الحديث، وهو الآخر من قوله: ((فقام آخر))، والفصل هنا بمعنى الفقرة
في الكلام، وهذا وهمٌّ من المصنف، فإنَّ الحديثَ رواه ابن ماجه بكمالهِ مسندًا،
وكذلك رواه الترمذي في التفسير، والشافعي، والدارقطني، ثم البيهقي في
(سُننهما)) كلهم من طريق إبراهيم بن يزيد الخوزي عن محمد بن عباد بن جعفر عن
ابن عمر. وتقدَّم أن إبراهيم بن يزيد ضعيف متروك، فهذا الحديث أيضًا ضعيف
كالأول، ولكن حسَّنَه المنذريُّ وقال: رواه ابن ماجه بإسناد حسن. وقال الترمذي
في التفسير بعد سياقه: هذا حديثٌ لا نعرفُهُ إلَّا من حديثٍ إبراهيم بن يزيد الخوزي
المكي، وقد تكلّم بعضُ أهلِ العلمِ في إبراهيم بن يزيد من قبل حِفْظِهِ. انتهى.

٤٦٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ومقتضى ما نقلَ الزيلعي عن الترمذيِّ أنَّهُ وصف الحديثِ في التفسيرِ بالغرابةِ
حيثُ قَال: قال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم ... إلخ.
قال الزيلعي: وله طريقٌ آخر عندَ الدارقطني في ((سُننه))، أخرجه عن محمد بن
الحجاج المضفر ثنا جرير بن حازم، عن محمد بن عباد بن جعفر، عن ابن عمر
مرفوعًا، ومحمد بن الحجاج المضفر ضعيف. انتهى. وهو كما قال الزيلعي:
ضعيف. قال الذهبي في ((الميزان)): فيه روى عباس عن يحيى: ليسَ بثقةٍ. وقال
أحمد: تركنا حديثه. وقال البخاري عن شعبة: سكتوا عنه. وقال النسائي: متروك
ثم ذكر بعض عجائبه، وعلی کلِّ حالٍ؛ فهو لا يحتج به .
واعلم: أن إبراهيم بن يزيد الخوزي كما تابعه في هذه الرواية جرير بن حازم من
طريق محمد بن الحجاج المضفر الذي ذكرنا آنفًا أنه لا يحتجُّ به، فقد تابعه أيضًا
فيها غيره من الضعفاء. قال الزيلعي بعد أن ذكر حديث إبراهيم الخوزي المذكور
عند الترمذي وابن ماجه: ورواه الدار قطني (ج٢: ص ٢٥٥)، ثم البيهقي (جٍ ٤ :
ص٣٣٠). قال الدارقطني: وقد تابعَ إبراهيم بن يزيد عليه محمد بن عبد الله بن
عبيد بن عمير الليثي، فرواه عن محمد بن عباد عن ابن عمر عن النبي وقَّ كذلك.
انتھی .
وهذا الذي أشار إليه رواه ابن عدي في (الكامل))، وأعلَّه بمحمد بن عبد الله
الليثي وأسندَ تضعيفه عن النسائي وابن معين. ثم قال: والحديثُ معروفٌ بإبراهيم
بن يزيد الخوزي، وهو من هذه الطريق غريبٌ. ثم ذكر عن البيهقي تضعيف
إبراهيم المذكور، قال: وروي من أوجه أخرى كلها ضعيفة. وروي عن ابنِ عباسٍ
من قولِهِ، ورويناه من أوجه صحيحةٍ عن الحسنٍ عن النبيِّ وَّل مرسلًا وفيه قوة لهذا
السند. انتهى. ثم قال الزيلعي: قال الشيخُ في ((الإمام)): قوله: ((فيه قوَّة» فيه نظر ؛
لأنَّ المعروف عندهم أن الطريق إذا كان واحدًا ورواه الثقات مرسلًا وانفرد ضعيف
برفعه، أن يعللوا المسند بالمرسلِ، ويحملوا الغلط على رواية الضعيف، فإذا كان
ذلك موجبًا لضعف المسند فكيف يكون تقوية له؟ انتهى.
وهو كما قال كما هو معروف في الأصول وعلم الحديث. ثم قال الزيلعي: قال
- يعني: الشيخ في ((الإمام)): والذي أشارَ إليه من قول ابن عباس رواه أبو بكر بن

٤٦٩
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
المنذر، حدَّثنا علان بن المغيرة، ثنا أبو صالح عبد الله بن صالح: حدثني معاوية
ابن صالح عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: والمرسل رواه سعيد بن
منصور في ((سُنِهِ)): حدثنا هشام: ثنا يونس عن الحسين قال: لما نزلت: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى
النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنِ اُسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] قال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ وما
السبيلُ؟ قال: ((زَادٌ وَرَاحِلَةٌ)) انتهى. حدَّثنا الهشيم، ثنا منصور، عن الحسن مثله،
حدثنا خالد بن عبد الله عن يونس عن الحسن مثله. قال: وهذِهِ أسانيدُ صحيحةٌ إلَّا
أنَّها مُرْسَلة. وقال ابنُ المنذرِ: لا يثبتُ الحديثُ الذي فيه ذكر الزاد والراحلة
مسندًا، والصحيح رواية الحسن عن النبي وَ لّ مُرسلًا، وأما المسند، فإنما رواه
إبراهيم بن يزيد، وهو متروك، ضعَّفَه ابنُ معينٍ وغيرِهِ. انتهى من ((نصبِ الرايةٍ)).
وبهذا تعلمُ أنَّ حديث ابن عمر المذكور لم يسند من وجه صحيح؛ لأن إبراهيم
الخوزي متروك، ومحمد بن الحجاج المضفر الذي ذكرنا أنَّ إبراهيم تابعه عليه
جرير بن حازم من طريقه لا يحتج به كما بيناه. وقد بينا أن متابعة محمد بن عبد الله
ابن عبيد بن عمير الليثي لا تقويه؛ لأنَّه ضعيف. ضعفه النسائي وأعلَّ الحديث به
ابنُ عدي في (الكامل)). وقال الذهبي في ((الميزان)): ضعَّفه ابنُ مَعِين، وقال
البخاري: مُنكر الحديث. وقال النسائي: متروك. انتهى.
وأما مرسل الحسن البصري المذكور وإن كان إسناده صحيحًا إلى الحسن، فلا
يحتج به؛ لأن مراسيل الحسن لا يحتج بها. قال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) في
ترجمته: وقال الدارقطني: مراسيله فيها ضعف. وقال فيه أيضًا: وقال محمدُ بنُ
سعدٍ: كان الحسنُ جامعًا عالمًا رفيعًا فقيهًا، ثقة مأمونًا، عابدًا ناسكًا، كثير العلم،
فصيحًا جميلًا وسيمًا، وكان ما أسندَ من حديثِهِ وروى عمن سمع منه؛ فهو حجةٌ،
وما أرسل؛ فليس بحجةٍ. وقال السيوطى في ((التدريب)) (ص٦٩): وقال أحمد بن
حنبل: مرسلات سعيد بن المسيب أصح المرسلات، ومرسلات إبراهيم النخعي
لا بأسَ بها، وليسَ في المرسلاتِ أضعف من مرسلات الحسن وعطاء بن أبي
رباح، فإنهما كانا يأخذان عن كلِّ أحدٍ، ثم قال بعد ذلك: وقال العراقي: مراسيل
الحسن عندهم شبه الريح. وعدم الاحتجاج بمراسيلِ الحسنِ هو المشهورُ عندَ
المحدِّثين. وقال بعضُ أهلِ العلم: هي صِحاح إذا رواها عنه الثقات. وقال الحافظ
في ((تهذيب التهذيب)): وقال ابنَ المديني: مرسلاتُ الحسنِ إذا رواها عنه الثّقات

٤٧٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
صحاح، ما أقلَّ ما يسقط منها. وقال أبو زرعة: كلَّ شيءٍ يقوله الحسن: قال
رسولُ اللهِ نَّهِ وجدت لَهُ أصلًا ثابتًا ما خلا أربعة أحاديث. انتهى. وقد ظهرَ بهذا
كلِّهِ أنَّ حديثَ ابنِ عُمر المرفوع في تفسيرِ الاستطاعةِ بالزادِ والراحلة لم يثبتْ بوجه
صحيح بحسب صناعة علمِ الحديثِ، لكن له شواهد بعضها صحيح وبعضها
حسن. وعلى هذا، فلا شك أن حديث الزاد والراحلة بمجموع طرقه صالح للقبول
والاحتجاج، كما قال الشوكاني وغيره.
٢٥٥٢ - [٢٤] وَعَنْ أَبِي رَزِينِ الْعُقَيْلِيِّ: أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ وَهِ فَقَالَ: يَا
رَسُولَ اللَّهُ إِنَّ أَبِي شَيْخُ كَبِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ، وَلَا الْعُمْرَةَ، وَلَا الظَّعَنَ، قَالَ:
((حُجَّ عَنْ أَبِيكَ، وَاعْتَمِرْ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَقَالَ الَّْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ]
الشرح
٢٥٥٢ - قوله: (وَعَنْ أَبِي رَزِينٍ) بفتح الراء وكسر الزاي. (الْعُقَيْلِيِّ) بالتصغير
واسمه: لقيط بن عامر العامري وافدَ بني المنتفق. قال الترمذي بعد رواية حديثه:
وأبو رزين العقيلي اسمه لقيط بن عامر. وقال الحافظ في ((التقريب)): لقيط بن
صَبِرة، بفتح المهملة وكسر الموحدة صحابي مشهور، ويقال: أنه أي: صبرة
جده، واسم أبيه عامر، وهو أبو رزين العقيلي، والأكثر على أنهما اثنان. انتهى.
وقد تقدم ترجمة لقيط بن صبرة في الفصل الثاني من باب سنن الوضوء: أنه أَتى
النبيِ وَلَّه فقال: يا رسولَ اللهِ إنَّ أَبِي شيخٌ كبيرٌ. إلخ. قال الحافظ: هذه قصة
أخرى، أي: غير قصة الخثعمية. قال: ومن وحد بينها وبين حديث الخثعمية؛ فقد
أبعد وتكلَّف.
(وَلَا الظَّعَنَ) بفتحتين أو سكون الثاني، والأولى معجمة والثانية مهملة، مصدر
ظعن يظعن بالضم - إذا سار. وفي ((المجمع)): الظعن: الراحلة. أي: لا يقوى
(٢٥٥٢) أَبُو دَاوُد (١٨١٠)، والترمذي (٩٣٠)، والنَّسَائِي (١١١/٥)، وابن مَاجَهْ (٢٩٠٦) فِيهِ
التِّرْمِذِي، وَأَشَارَ أَحْمَدٍ إِلَى صِخَّتِهِ.

٤٧١
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
على السير ولا على الركوبِ من كبرِ السن، انتهى. وقيل: يمكنُ أن يكتَّى به عن
القوَّةِ، ويراد بنفي الاستطاعة عدم الزاد والراحلة، كأنه قال: ليسَ له زاد ولا راحلة
ولا قوة على السير والركوب. وقال المظهر: يحتمل أن يريد بقوله: ((لا يستطيع
الحج والعمرة))، الذهاب إليهما راجلًا، وبالظعن ركوب الدابة.
(قَالَ: حُجَّ) بالحركاتِ في الجيمِ، والفتح هو المشهور. (عَنْ أَبِيكَ) الذي كبر،
وفيه دليل على جواز حج الولد عن أبيه العاجز. وقال المحبُّ الطبري: فيه أبين
البيان على جواز حج الإنسان عن الحي الذي لا يستطيع الحج بنفسه، وأنه ليس
كالصلاة والصوم وسائر الأعمال البدنية، وأنه وّل أخبر أن الله مَ إنما أراد بقوله:
﴾ [النجم: ٣٩] بعض الأعمال دون بعض. وقيل: إن
﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّا مَا سَعَى
الآية عامة خصها هذا الحديث وأمثاله. وقيل: ((إن ولد الرجل من كسبه)) كما ورد
في بعض الآثار، وعليه فالآية عامة، وحج الولد عن أبيه متناول لها، وقد تقدم
بسط الكلام في مسألة النيابة بالحج في شرح حديث الخثعمية، وفي شرحٍ حديثٍ
الزادِ والرَّاحِلةِ .
(وَاعْتَمِرْ) استدل به من قال بوجوب العمرة، وقد ذهب إلى وجوبها جماعة من
أهل الحديث، وهو المشهور عن الشافعي وأحمد، وبه قال إسحاق والثوري
والمزني. قال أحمد: لا أعلم في إيجاب العمرة حديثًا أجود من هذا ولا أصح
منه، وأجيب عنه بما قال السندي: لا يخفى أن الحج والعمرة عن الغير ليسا
بواجبين على الفاعل، فالظاهر حمل الأمر على الندب وحينئذٍ دلالة الحديث على
وجوب العمرة خفاؤها لا يخفى. انتهى. وبما ذكر الشنقيطي أن صيغة الأمر في
قوله: (وَاعْتَمِرْ) واردة بعد سؤال أبي رزين، وقد قرَّر جماعةٌ من أهل الأصول أن
صيغة الأمر الواردة بعد المنع أو السؤال إنما تقتضي الجواز، لا الوجوب؛ لأنَّ
وقوعَها في جواب السؤال عن الجواز دليل صارف عن الوجوب إلى الجواز،
والخلاف في هذه المسألة معروف. انتهى. والمشهور عن المالكية أن العمرة
ليست بواجبة وهو قول الحنفية.
واستدل القائلون بالوجوب أيضًا بما روي عن عمر في سؤال جبريل عن
الإِسلام، وفيه: ((وَأَنْ تَحُجَّ وَتَعْتَمِرْ)) أخرجه ابنُ خزيمة، وابن حبان، والدار قطني

٤٧٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وغيرهم، وأجيب عن هذا: بأن الأمر مجرد اقتران العمرة بالأمور الواجبة
المذكورة في الحديث لا يكون دليلاً على الوجوب؛ لما تقرَّر في الأصول من
ضعف دلالة الاقتران، لا سيما وقد عارضها ما سيأتي من الأدلة القاضية بعدم
الوجوب، فإن قيل: إن وقوع العمرة في جواب من سألَ عن الإسلام يدلَّ على
الوجوب. فيقال: ليس كل أمر من الإسلام واجبًا، والدليل على ذلك حديث
شعب الإسلام والإيمان، فإنه اشتمل على أمور ليست بواجبة بالإجماع، واستدلوا
أيضًا بما رواه ابن عدي، والبيهقي عن جابر مرفوعًا: ((الحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فَرِيضَتَانٍ)). وفيه
ابن لهيعة وهو ضعيف. وقال ابن عدي: هو غير محفوظ عن عطاء عن جابر.
وأخرجه أيضًا الدار قطني من حديث زيد بن ثابت بزيادة: ((لاَ يَضُرُّكَ بِأَيِّهِمَا بَدَأْتَ))
وأجيب عنه: بأن في إسناده إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف، وفي الحديث
أيضًا انقطاع، ورواه البيهقي موقوفًا على زيد. قال الحافظ: وإسناده أصح.
واستدلوا أيضًا بحديث عائشة عند أحمد، وابن ماجه: قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ أَعَلَى
النِّسَاءِ جِهَادٌ؟ قَالَ: ((نَعَمْ عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ: الحَجُّ وَالْعُمْرَةُ)) وقد ذكره
المصنف في الفصل الثالث، وأجيبَ عنه: بأن لفظة: ((عَلَيْهِنَّ)) ليست صريحة في
الوجوب، فقد تطلق على ما هو سنة مؤكدة، وإذا كان محتملًا لإرادة الوجوب،
والسنة المؤكدة لزم طلب الدليل بأمر خارج، وقد دل دليل خارج على وجوب
الحج، ولم يدل دليل خارج يجب الرجوع إليه على وجوب العمرة، وبحديث
الصبي بن معبد، قال: أتيتُ عُمر فقلتُ: يا أمير المؤمنين إني أسلمتُ وإني
وجدت الحج والعمرة مكتوبين علي فأهللت بهما، فقال عمر: هُدِيت لسنةٍ
نبيِّك ◌َّلَهُ. وبحديث عمرو بن حزم: أنَّ النبي ◌َّ كتب إلى أهل اليمن كتابًا،
وبعث به عمرو بن حزم، وكان في الكتاب: ((أن العمرة هي الحج الأصغر)).
أخرجَهُ الدار قطني والأثرم. وبحديث ابن مسعود المتقدم بلفظ: (تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ
وَالْعُمْرَةِ)) وقد تقدم الجواب عنه، واستأنسوا بقوله تعالى: ﴿وَأَيُِّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾.
[البقرة: ١٩٦] قال ابن قدامة: ومقتضى الأمر الوجوب، ثم عطفها على الحج، والأصل
التساوي بين المعطوف والمعطوف عليه. قال ابن عباس: إنها لقرينة الحج في
كتاب الله. وفيه: أن لفظ الإتمام مشعر بأنه إنما يجب بعد الإحرام لا قبله. ويدلّ
على ذلك ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن يعلى بن أمية، قال: جاء رجل إلى

٤٧٣
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
النبي وَلّ وهو بالجعرانة، عليه جبة وعليها خلوق فقال: كيف تأمرني أن أصنعَ في
عُمرتي؟ فنزلت: ﴿وَنِقُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ والسائل قد أحرمَ، وإنما سأل كيف
يصنع؟ وقد انعقد الإجماع على وجوب إتمام الحج والعمرة ولو أفسدهما. قال ابن
القيم: وليس في الآية فرضها، وإنما فيها إتمام الحج والعمرة بعد الشروع فيهما،
وذلك لا يقتضي وجوب الابتداء، وأجمع أهل العلم على مشروعيتها كالحج،
واستدل القائلون بعدم الوجوب بما رواه الترمذي وصححه، وأحمد، والبيهقي
وغيرهم: عن جابر أنَّ أعرابيًّا جاءَ إلى رسول اللّه وَ لَه فقال: يا رسول الله أخبرني
عن العمرة أواجبة هي؟ فقال: (لَا ، وَأَنْ تَعْتَمِرَ خَيْرٌ لَكَ)). وفي رواية: ((أَوْلَى لَكَ)).
وأجيب عنه: بأن في إسناده الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف، وتصحيح الترمذي
له فيه نظر؛ لأن الأكثر على تضعيف الحجاج، واتفقوا على أنه مدلس، على أن
تصحيح الترمذي له إنما ثبت في رواية الكروخي فقط، وقد نَّه صاحبُ ((الإمام))
على أنه لم يزد على قوله: حسن. في جميعِ الروايات عنه إلا في رواية الكِروخي.
وقد رواه البيهقي من حديث سعيد بن عفير عن يحيى بن أيوب عن عبيد الله عن أبي
الزبير عن جابر بنحوه. ورواه ابن جريج عن ابن المنكدر عن جابر، ورواه ابن
عدي من طريق أبي عصمة عن ابن المنكدر عن أبي صالح، وأبو عصمة قد كذَّبُوه.
وفي الباب عن أبي هريرة عند الدار قطني، وابن حزم، والبيهقي: أن رسول اللّه وَّه
قال: ((الْحَجُّ جِهَادٌ وَالْعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ)). وإسناده ضعيف، كما قال الحافظ. وعن طلحة
عند ابن ماجه بنحوه بإسناد ضعيف، وعن ابن عباس عند البيهقي. قال الحافظ: ولا
يصحُّ من ذلك شيء.
قال الشوكانى: وبهذا تعرف أن الحديث من قسم الحسن لغيره وهو محتج به
عند الجمهور، ويؤيده ما عند الطبراني عن أبي أمامة مرفوعًا: ((مَنْ مَشَى إِلَى صَلاةٍ
مَكْتُوبَةٍ فَأَجْرُهُ كَحِجَّةٍ، وَمَنْ مَشَى إِلَى صَلاةِ تَطَوُّعْ فَأَجْرُهُ كَعُمْرَةٍ)). قلت: ولما
اختلفت الأدلة في إيجاب العمرة وعدمه؛ اختلف العلماء في ذلك سلفًا وخلفًا،
فذهب عمرو، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وابن عمرو، وسعيد ابن المسيب،
وسعيد بن جبير، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، والحسن، وابن سيرين، والشعبي
إلى وجوبها. وبه قال الثوري، وإسحاق، والشافعي، وأحمد في أحد قوليهما،
واختاره البخاري في (صحيحه))، وروي عن ابن مسعود: أن العمرة ليست واجبة.

٤٧٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وبه قال مالك، وأبو ثور، وأبو حنيفة وهو أحد قولي الشافعي وأحمد واختيار ابن
تيمية .
وقال الشوكاني بعد ذكر أدلة الفريقين: والحق عدم وجوب العمرة؛ لأن البراءة
الأصلية لا ينتقل عنها إلا بدليل يثبت به التكليف، ولا دليل يصلح لذلك لا سيما مع
اعتضادها بما تقدم من الأحاديث القاضية بعدم الوجوب، ويؤيد ذلك اقتصاره وَله
على الحج في حديث: ((بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ)) واقتصار اللَّه جل جلاله على
الحج في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُ اَلْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] قلت: ويؤيده أيضًا
قوله ◌َلّ الذي قال: لَا أَزِيدُ عَلَيْهِنَّ وَلَا أَنْقُصُ: ((لَئِنْ صَدَقَ لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّة)). وقال
شيخنا الأجل المباركفوري بعد ذكر دلائل وجوب العمرة: والظاهر هو وجوب
العمرة والله أعلم. وقال الشنقيطي بعد ذكر كلام الشوكانى: الذي يظهر لي أن ما
احتج به كلَّ واحدٍ من الفريقين لا يقل عن درجةِ الحسنِ لغيره، فيجبُ الترجيحُ
بينهما، وقد رأيتُ الشوكانيَّ رجَّح عدم الوجوب بموافقته للبراءة الأصلية، والذي
يظهر بمقتضى الصناعة الأصولية ترجيح أدلة الوجوب على أدلّة عدم الوجوب،
وذلك من ثلاثة أوجه: الأول: أن أكثر أهل الأصول يرجحون الخبر الناقل عن
الأصل على الخبر المبقي على البراءة الأصلية.
الثاني: أن جماعة من أهل الأصول رجَّحوا الخبرَ الدال على الوجوبِ على
الخبر الدال على عدمه. ووجه ذلك هو الاحتياط في الخروج من عهدة الطلب.
الثالث: أنك إن عملت بقول من أوجبها، فأديتها على سبيل الوجوب؛ برئت
ذمتك بإجماع أهل العلم من المطالبة بها، ولو مشيت على إنها غير واجبة، فلم
تؤدها على سبيل الوجوب؛ بقيت مطالبًا بواجب على قول جمع كثير من العلماء،
والنبي ◌َّ يقول: ((دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ)). ويقول: ((فَمِنَ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدٍ
اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ)). وهذا المرجح راجع في الحقيقة لما قبله. انتهى. واستدل
بإطلاق الحديث على صحَّة حجة من لم يحج نيابة عن غيره. ويأتي الكلام في هذا
في شرح حديث ابن عباس الذي يليه.
(رواه الترمذي ... ) إلخ، وأخرجه أيضًا ابن ماجه، وابن حبان في ((صحيحه)) كما
في ((موارد الظمآن)) (ص٢٣٩)، والدار قطني (ج٢: ص٢٨٢)، والحاكم (ج١ :

٤٧٥
كِتَابُ المُنَاسِكِ
٤٨١) وصححه. والبيهقي (ج٤: ص ٣٥٠)، ونقل المنذري في ((مختصر السنن))
(ج٣: ص٣٣٣) تصحيح الترمذي وأقرَّهُ. وتقدَّم قول الإمام أحمد: لا أعلم في
إيجاب العمرة حديثًا أجود من هذا ولا أصح منه.

٤٧٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٥٥٣ - [٢٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِ ◌ّهِ سَمِعَ رَجُلًا
يَقُولُ: لَبَيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ، قَالَ: (مَنْ نَشُبْرُمَةُ؟»، قَالَ: أَخْ لِي أَوْ قَرِيبٌ لِي،
قَالَ: ((أَحَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟))، قَالَ: لَا، قَالَ: ((حُجَّ عَنْ نَفْسِك، ثُمَّ حُجَّ عَنْ
شُبْرُمَةَ)).
[رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ] {صحيح}
الشرح
٢٥٥٣ - قوله: (سَمِعَ رَجُلًا) قال الحافظ في ((التلخيص)) (ص٢٠٣): زعم
ابن باطيس: أن اسم الملبي نبيشة وهو وهم منه، فإنه اسم الملبى عنه فيما زعم
الحسن بن عمارة، وخالفه الناس فيه، فقالوا: إنه شبرمة. وقد قيل: إن الحسن بن
عمارة رجع عن ذلك، فحدث به على الصواب موافقًا لرواية غيره. وقد بينه
الدار قطني في ((السنن)) (ج٢: ص٢٧٦).
(لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ)، أي: نيابة عنه في الحج والعمرة وشبرمة، بضم الشين
المعجمة والراء بينهما موحدة ساكنة. قيل: هو صحابي توفي في حياته وَّ. قال
الجزري في ((أسد الغابة)): شبرمة؛ غير منسوب، له صُحبة توفي في حياة
رسول اللَّه وَ له، روى عطاء عن ابن عباس: أن النبي ◌ُّ سمع رجلًا يلبي عن
شُبرمة، فذكر الحديث. وقال الحافظ في ((الإصابة)) في القسم الأول من حرف
الشين المعجمة: شبرمة، غیر منسوب، وقعَ ذکرُهُ في حدیث صحیح، فروی أبو
داود، وأحمد، وإسحاق، وأبو يعلى، والدار قطني، والطبراني من طريق عزرة بن
ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: سمع وَلّ رجلاً يلبي عن شبرمة،
فقال: ((أَحَجَجْتَ؟)) قال: لا. قال: ((هَذِهِ عَنْ نَفْسِكَ، وَحُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ)). وروى
الدار قطني من طريق عمرو بن دينار عن عطاءٍ عن ابن عباس نحوه، رواه الدار قطني
من طريق أبي الزبير عن جابر، ومن طريق عطاء عن عائشة نحوه.
(قَالَ: أَخْ لِي)، أي: من النسب. (أَوْ قَرِيبٌ لِي) شك من الراوي.
(٢٥٥٣) أَبُو دَاوُد (١٨١١)، وَابن مَاجَهْ (٣٩٠٣) فِيهِ عِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ البَيْهَقِي : لَيْسَ فِي البَابِ أَصَحُ
مِنْهُ.

٤٧٧
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
(أَحَجَجْتَ) بهمزة الاستفهام. (عَنْ نَفْسِكَ؟)، أي: أولًا. وعن ابن حبان: ((هَلْ
حَجَجْتَ قَط؟)). (قَالَ: لَا)، أي: لم أحج عن نفسي. (قَالَ: حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ حُجَّ
عَنْ شُبْرُمَةَ) وفي رواية الدراقطني، وابن حبان، وابن ماجه: ((فَاجْعَلْ هَذِهِ عَنْ
نَفْسِكَ ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ)). قال ابن حبان: قوله: ((اجْعَلْ هَذِهِ عَنْ نَفْسِكَ)). أمر
وجوب. وقوله: ((ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ)) أمر إباحة. انتهى. قال السندي: مفاد
الحديث أن من عليه حجة الإسلام وأحرم بغيرها لا يجب عليه المضي في الغير،
بل يجب عليه صرف ذلك الإحرام إلى حجة الإسلام؛ لأن جعل تلك الحجة عن
نفسه لا يكون إلا كذلك. انتهى.
قلت: ظاهر الحديث أنه لا يجوز لمن لم يحج عن نفسه أن يحج عن غيره سواء
كان مستطيعًا أو غير مستطيع؛ لأن النبي ◌َّ لم يستفصل هذا الرجل الذي سمعه
يلبي عن شبرمة، وهو منزل منزلة العموم، وإلى ذلك ذهب الشافعي. وقال
الثوري: أنه يجزئ حج من لم يحج عن نفسه ما لم يتضيق عليه، واستدل له
بقوله {َّ في رواية للدار قطني: ((أَيُّهَا الْمُلَِّّي عَنْ نَبِيشَةَ هَذِهِ عَنْ نَبِيشَةَ، وَاحْجُجْ عَنْ
نَفْسِكَ))، فكأنه جمع بين هذا وبين حديث الكتاب بعمل حديث الكتاب على من
كان مستطيعًا، ولكن رواية الدارقطني هذه قد تفرد بها الحسن بن عمارة وهو
متروك الحديث. وقد روى الدار قطني حديث نبيشة موافقًا لحديث شبرمة، وتقدم
قول من قال: إن اسم شبرمة نبيشة، قال المحب الطبري: في الحديث دلالة
للشافعي على أنه لا يحج عن الغير من لم يحج عن نفسه، فإن فعل انقلب إليه،
ووجه الدلالة قوله: (ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ)) و((ثم)) للترتيب، فاقتضى ذلك أن يكون
حجه عن الغير بعد حجه عن نفسه، فلغت الإضافة إلى الغير، وبقي مجرد
الإحرام، فانصرف إليه؛ لعدم القائل بالفصل إلا على رواية عن أحمد أنه لا ينعقد
عنه ولا عن غيره ويؤيد ما ذكرنا رواية الدارقطني، وابن ماجه وغيرهما بلفظ:
((فَاجْعَلْ هَذِهِ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ)) وهو صريح في إثبات المقصود، وممن
قال لا يحج عن غيره من لم يحج عن نفسه أحمد بن حنبل في إحدى الروايتين وهو
قول الأوزاعي، وإسحاق، وقال مالك، وأبو حنيفة: يجوز أن يحج عن غيره وعليه
فرضه وهو قول الحسن وعطاء الثوري، وبه قال ابن المنذر من الشافعية انتهى
مختصرًا .

٤٧٨
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال ابن قدامة: ليس لمن لم يحج حجة الإسلام أن يحج عن غيره، فإن فعل؛
وقع إحرامه عن حجة الإسلام، وبهذا قال الأوزاعي، والشافعي، وإسحاق. وقال
أبو بكر عبد العزيز: يقع الحج باطلًا ولا يصح ذلك عنه ولا عن غيره. وقال
الحسن، وإبراهيم، وأيوب السختياني، وجعفر بن محمد، ومالك، وأبو حنيفة:
يجوز أن يحج عن غيره من لم يحج عن نفسه، وحكي عن أحمد مثل ذلك. وقال
الثوري: إن كان يقدر على الحج عن نفسه؛ حج عن نفسه، وإن لم يقدر على الحج
عن نفسه؛ حج عن غيره، واحتجوا بأن الحج مما تدخله النيابة، فجازَ أن يؤديه عن
غيره من لم يسقط فرضه عن نفسه كالزكاة. وقال ابن قدامة: ولنا ما روى ابن
عباس، فذكر حديث شبرمة ثم قال: ويفارق الزكاة، فإنه يجوز أن ينوب عن الغير
وقد بقي عليه بعضها، وها هنا لا يجوز أن يحج عن الغير من شرع في الحج قبل
إتمامه. قال: إذا ثبت هذا فإن عليه رد ما أخذ من النفقة؛ لأنه لم يقع الحج عنه،
فأشبه ما لو لم يحج. انتهى.
وقال الأمير اليماني: الحديث دليل على أنه لا يصح أن يحج عن غيره من لم
يحج عن نفسه، فإذا أحرم عن غيره، فإنه ينعقد إحرامه عن نفسه؛ لأنه ولي أمره أن
يجعله عن نفسه بعد أن لبَّى عن شبرمة، فدلَّ على أنها لم تنعقد النية عن غيره وإلا
لأوجب عليه المضي فيه، وأن الإحرام ينعقد مع الصحة والفساد، وينعقد مطلقًا
مجهولاً معلقًا، فجاز أن يقع عن غيره ويكون عن نفسه؛ وهذا لأن إحرامه عن الغير
باطل لأجل النهي، والنهي يقتضي الفساد، وبطلان صفة الإحرام لا يوجبُ بُطْلان
أصله، وهذا قول أكثر الأمة أنه لا يصح أن يحج عن غيره من لم يحج عن نفسه
مطلقًا مستطيعًا كان أو لا؛ لأنَّ ترْلَكَ الاستفصالِ والتفريقِ في حكايةِ الأحوالِ دالٌ
على العموم؛ ولأن الحج واجب في أول سنة من سني الإمكان، فإذا أمكنه فعله
عن نفسه لم يجز أن يفعله عن غيره؛ لأن الأول فرض. والثاني نفل. كمن عليه دين
وهو مطالب به، ومعه دراهم بقدره لم يكن له أن يصرفها إلا إلى دينه، وكذلك كلُّ
ما احتاجَ أنْ يصرفه إلى واجبٍ عنْهُ، فلا يصرفه إلى غيره إلا أنَّ هَذا إنما يتمُّ في
المستطيع؛ ولذا قيل: إنما يؤمر بأن يبدأ بالحج عن نفسه إذا كان واجبًا عليه، وغير
المستطيع لم يجب عليه، فجاز أن يحج عن غيره، ولكن العمل بظاهر عموم
الحدیث أولى. انتهى.

٤٧٩
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
قلت: وأعلَّ ابنُ الهمام من الحنفية الحديث بالاضطراب في الرفع والوقف
والإرسال، وبعنعنة قتادة، وهو معروف بالتدليسِ. قال: ولو سلم فحاصله أمره
بأن يبدأ بالحج عن نفسه وهو يحتمل الندب فيحمل عليه بدليل إطلاقه بَّه قوله
للخثعمية: ((حُجِّي عَنْ أَبِيك)). من غير استخبارها عن حجها لنفسها قبل ذلك وترك
الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل مقام عموم الخطاب. قال: وحديث شبرمة يفيد
استحباب تقديم حجة نفسه. وبذلك يحصل الجمع ويثبت أولوية تقديم الفرض
على النفل مع جوازه، انتهى مُلخَّصًا.
قال القاري بعد ذكره: لكن بقي فيه إشكال على مقتضى قواعدنا من أن الشخصَ
إذا تلبس بإحرام عن غيرِهٍ لم يقدر على الانتقالِ عنْهُ إلى الإحرامِ عن نفسِهِ للزومِ
الشرعي بالشروع وعدم تجويز الانقلاب بنفسه، فكيفَ في إطاعةِ الأمرِ سَواء؟
قلنا: إنه للوجوب أو الاستحباب، فلا مخلص عنه إلا بتضعيف الحديث أو نسخه؛
لأنَّ حديث الخثعمية في حجة الوداع، أو بتخصيص المخاطب بذلك الأمر واللَّه
تعالى أعلم. انتهى.
قلت: كلُّ ما أعلُّوا به الحديث وضعَّفُوه به مدفوع كما ستعرف، وأما حمله على
النسخ أو تخصيصه بالمخاطب بذلك الأمر، ففيه أن حديث شبرمة خاص وحديث
الخثعمية عام. ولا تعارض بين العام والخاص، فيقدم الخاص ويبني العام عليه،
والتخصيص خلاف الأصل حتى يرد المخصص صريحًا ولا مخصص ها هنا وأما
حمل ابن الهمام وغيره من الحنفية حديث شبرمة على الندب والأولوية والتمسك
لذلك بحديث الخثعمية بأن ترك الاستفصال ينزل منزلة العموم في الأقوالٍ، ففيه
أنه لا تعارض بين الحديثين لما تقدَّم، فلا حاجة إلى تكلّف الجمع بينهما، وقد
تعقَّبَه أيضًا صاحبُ ((فتح الملهم)) من الحنفيةِ، وقد ذكرنا كلامه في شرح حديث
الخثعمية فتذكر، وقال الشنقيطي بعد ذكر حديث شبرمة: فيه دليل على أن النائب
عن غيره في الحج لا بد أن يكون قد حج عن نفسه حجة الإسلام وقاس العلماء
العمرة على الحج في ذلك وهو قياس ظاهر، وخالف في هذا الاشتراط بعض
العلماء كأبي حنيفة ومن وافقه فقالوا: يصح حج النائب عن غيره وإن لم يحج عن
نفسه، واستدلوا بظواهر الأحاديث التي وردت في الحج عن المعضوب والميت
فإن النبي ◌ِّه يقول فيها: ((حُجَّ عَنْ أَبِيكَ))، ((حُجَّ عَنْ أُمِّكَ)) ونحو ذلك من