النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٠٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
((الصحيحين)) وغيرهما بعد ذكر المواقيت لأهل كل محل أنه قال ربَّ: ((فَهِيَ
لِأَهْلِهِنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنٌّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ))، فصرح في
هذا الحديث بالعمرة، يعني: ففيه تعيين ميقات للعمرة والحج كليهما لأهل هذه
المواقيت ولأهل مكة جميعًا.
وقال أبو الحسن السندي في ((حاشيته على الصحيح)): قول البخاري: باب مهل
أهل مكة للحج والعمرة، كأنه نبه بذلك على أن سوق الحديث لميقات الحج
والعمرة جميعًا لا لميقات الحج فقط، ولذلك قال: ممن أراد الحج والعمرة،
فمقتضاه أن ما جعل ميقاتًا لأهل مكة يكون ميقاتًا لهم للحج والعمرة جميعًا لا
للحج فقط، وإن ذهب الجمهور إلى الثاني وجعلوا ميقات العمرة لأهل مكة أدنى
الحل بحديث إحرام عائشة بالعمرة من التنعيم، وذلك؛ لأن عائشة ما كانت مكية
حقيقة فيجوز أن يكون ميقات مثلها التنعيم للعمرة، وإن كان ميقات المكي نفس
مكة، وكذا يجوز إحرامها من التنعيم؛ لأنها أرادت العمرة الآفاقية حيث أرادت
المساواة لسائر المعتمرين في ذلك السفر، فحديث عائشة لا يعارض هذا
الحديث، فكأنه بهذه الترجمة أراد الاعتراض على الجمهور، والله تعالى أعلم،
انتهى. وقد ظهر بهذا كله أن كل ما استدل به الجمهور هو قضية عائشة في اعتمارها
من التنعيم وآثار موقوفة عن ابن سيرين وعطاء وابن عباس.
قالوا: قضية عائشة مع أثر ابن عباس مخصصة لحديث الباب، وفيه: أن قضية
عائشة واقعة جزئية محتملة، وحديث الباب فيه بيان ضابطة وقانون عام، فيقدم
على حديث عائشة، والآثار الموقوفة لا تعارض المرفوع، والعبرة لما روى
الصحابي لا لرأيه.
G تنبيه:
قال الطحاوي: ذهب قوم - أي: من الذين فرقوا بين ميقات المكي للحج
وميقاته للعمرة - إلى أنه لا ميقات للعمرة لمن كان من مكة إلا التنعيم، ولا ينبغي
مجاوزته كما لا ينبغي مجاوزة المواقيت التي للحج، وخالفهم آخرون فقالوا:
مواقيت العمرة الحل، وإنما أمر النبي وَ لّ عائشة بالإحرام من التنعيم؛ لأنه كان
أقرب الحل من مكة وأن التنعيم وغيره في ذلك سواء، ويؤيد ذلك ما رواه
٤٠١
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
الطحاوي من طريق ابن أبي مليكة عن عائشة في حديثها، قال: فكان أدنانا من
الحرم التنعيم فاعتمرت منه. قال: فثبت بذلك أن ميقات مكة للعمرة الحل،
انتهى. وقال ابن قدامة بعد ذكر أثر ابن عباس المتقدم: إنما لزم الإحرام، أي:
إحرام المكي للعمرة من الحل ليجمع في النسك بين الحل والحرم، فإنه لو أحرم
من الحرم لما جمع بينهما فيه؛ لأن أفعال العمرة كلها في الحرم بخلاف الحج،
فإنه يفتقر إلى الخروج إلى عرفة فيجتمع له الحل والحرم والعمرة بخلاف ذلك
فبالخروج إلى الحل يتحقق فيها نوع سفر ويصح به كونه وافدًا على البيت الحرام
قال: وَمِنْ أَيِّ الحل أحرم جاز، وإنما أعمر النبي ◌َّ عائشة من التنعيم؛ لأنها
أقرب الحل إلى مكة، انتهى.
G تنبيه ثان:
قال السندي في ((حاشيته على الصحيح)): قوله: ((وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ
أَنْشَأَ حَتَّى أَهَلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ))، مقتضاه أنه ليس لمن كان داخل المواقيت أن يؤخر
الإحرام من أهله، وكذا ليس لأهل مكة أن يؤخروه من مكة، ويشكل عليه قول
علمائنا الحنفية حيث جوزوا لمن كان داخل المواقيت التأخير إلى آخر الحل،
ولأهل مكة إلى آخر الحرم من حيث أنه مخالف للحديث، ومن حيث أن
المواقيت ليست مما يثبت بالرأي، والله تعالى أعلم، انتهى.
قلت: اختلفوا في تعيين الإحرام بالحج لمن هو بمكة من مكة: قال الولي
العراقي (ج٢ ص ١٦،١٥): أمَّا من هو بمكة فميقاته نفس مكة لا يجوز له تركها
والإحرام خارجها ولو كان في الحرم، هذا هو الصحيح عند أصحابنا الشافعية
وغيرهم، قال بعض أصحابنا: الإحرام من الحرم كله جائز، والحديث بخلافه.
وقال المالكية: لو خرج إلى الحل جاز على الأشهر ولا دم؛ لأنه زاد وما نقص.
قال أصحابنا: ويجوز أن يحرم من جميع نواحي مكة، بحيث لا يخرج عن نفس
البلد، وفي الأفضل قولان: أصحهما: من باب داره، والثاني: من المسجد
الحرام تحتِ الميزاب، انتهى. وقال المحب الطبري (ص ٧٣): ظاهر قوله وَلَّى :
((حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلَّونَ مِنْهَا)) يدل على تعيين الإحرام بالحج من مكة، حتى لو حرج
وأحرم خارجًا منها كان مسيئًا وعليه دم. وفي المسألة خلاف، ثم قال: حجة من
٤٠٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال: يجوز الإهلال بالحج لأهل مكة من الحرم خارجًا عن مكة وذكر فيه ما روي
عن جابر في حديث فسخ الحج: حتى إذا كان يوم التروية وجعلنا مكة بظهر أهللنا
بالحج. وما روي عنه أيضًا قال: أمرنا رسول اللَّه وَّل﴾. إذا أهللنا أن نحرم إذا توجهنا
إلى منى، قال: فأهللنا من الأبطح، أخرجهما الشيخان.
قال الطبري: والقائلِ بهذا يقول إطلاق مكة جائز على جميع الحرم، ومنه
الحديث: ((إِنَّ اللهَ حَرَّمَ مَكّةَ لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا))، وهذا هو الأظهر عندي، وعليه بوب
البخاري فقال: باب الإهلال من البطحاء وغيرها للمكي، والحاج إذا خرج إلى
منى، ثم ذكر الحديثين، انتهى. وقال النووي: ميقات من بمكة من أهلها أو غيرهم
نفس مكة على الصحيح، وقيل: مكة وسائر الحرم، انتهى. قال الحافظ: والثاني
مذهب الحنفية. واختلف في الأفضل فاتفق المذهبان على أنه من باب المنزل،
وفي قول للشافعي من المسجد، وحجة الصحيح ما في حديث ابن عباس: حتى
أهل مكة يهلون منها .
وقال مالك وأحمد وإسحاق: يهل من جوف مكة ولا يخرج إلى الحل إلا محرمًا،
انتهى. وقال ابن قدامة (ج٣ ص٢٦١): من أي الحرم أحرم المكي بالحج جاز؛
لأن المقصود من الإحرام به الجمع في النسك بين الحل والحرم، وهذا يحصل
بالإحرام من أي موضع كان، فجاز كما يجوز أن يحرم بالعمرة من أي موضع كان
من الحل؛ ولذلك قال النبي وَلّ لأصحابه في حجة الوداع: ((إِذَا أَرَدْتُمْ أَنْ تَنْطَلِقُوا
إِلَى مِنَى فَأَهِلَّوا مِنَ الْبَطْحَاءَ»، ولأن ما اعتبر فيه الحرم استوت فيه البلدة وغيرها
کالنحر .
تنبيه ثالث:
اختلف العلماء في تقديم الإحرام على الميقات: قال العيني في شرح البخاري:
قال ابن حزم: لا يحل لأحد أن يحرم بالحج أو العمرة قبل المواقيت، فإن أحرم
أحد قبلها وهو يمر عليها، فلا إحرام له ولا حج ولا عمرة له إلا أن ينوي إذا صار في
الميقات تجديد الإحرام، فذاك جائز وإحرامه حينئذ تام. وقال في ((شرح الهداية)):
تقديم الإحرام على هذه المواقيت جائز بالإجماع. وقال داود الظاهري: إذا أحرم
قبل هذه المواقيت لا حج له ولا عمرة. قلت: وكذا نقل الإجماع في ذلك الخطابي
٤٠٣
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
والنووي وغيرهما. قال الحافظ: وفيه نظر، فقد نقل عن إسحاق وداود وغيرهما
عدم الجواز، وهو ظاهر جواب ابن عمر، يشير إلى ما رواه البخاري في باب فرض
مواقيت الحج والعمرة من طريق زيد بن جبير أنه أتى عبد الله بن عمر في منزله
فسألته - فيه التفات - من أين يجوز أن أعتمر؟ قال: فرضها رسول اللَّه وَلَه لأهل
نجد من قرن ... الحديث.
قال الحافظ: ويؤيده القياس على الميقات الزماني، فإنهم أجمعوا على أنه لا
يجوز التقديم عليه، وفرق الجمهور بين الزماني والمكاني فلم يجيزوا التقدم على
الزماني وأجازوا في المكاني. وذهب طائفة كالحنفية وبعض الشافعية: إلى ترجيح
التقديم، وقال مالك: يكره. قال الحافظ: وظاهر نص البخاري، أي: تبويبه
المذكور أنه لا يجيز الإحرام بالحج والعمرة من قبل الميقات، ويزيد ذلك وضوحًا
ما سيأتي بعد قليل، حيث قال: باب ميقات أهل المدينة ولا يهلون قبل ذي
الحليفة. قال الحافظ: استنبط البخاري من إيراد الخبر، أي: حديث ابن عمر، أن
رسول اللَّه ◌َّه قال: ((يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ ... )) إلخ. بصيغة الخبر مع
إرادة الأمر تعين ذلك، وأيضًا فلم ينقل عن أحد ممن حج مع النبي ◌َّ أنه أحرم
قبل ذي الحليفة، ولولا تعين الميقات لبادروا إليه؛ لأنه يكون أشق فيكون أكثر
أجرًا، انتهى. وقال العيني: هذه العبارة أي عبارة الترجمة تشير إلى أن البخاري
ممن لا يرى تقديم الإهلال قبل المواقيت، وقال العيني أيضًا: اختلفوا، أي:
القائلون بجواز التقديم هل الأفضل التزام الحج من المواقيت، أو من منزله؟ فقال
مالك وأحمد وإسحاق: إحرامه من المواقيت أفضل. وقال الثوري، وأبو حنيفة
والشافعي وآخرون: الإحرام من المواقيت رخصة، واعتمدوا في ذلك على فعل
الصحابة فإنهم أحرموا من قبل المواقيت قالوا: وهم أعرف بالسنة وهم فقهاء
الصحابة، أي: وشهدوا إحرام رسول اللَّه وَّه، وعلموا أن إحرامه وّل من الميقات
كان تيسيرًا على أصحابة ورخصة لهم، وابن عمر كان أشد الناس اتِّباعًا برسول الله
وَاثير، وأصول أهل الظاهر تقتضي أنه لا يجوز الإحرام إلا من الميقات، إلا أن يصح
إجماع على خلافه .
وقال أبو عمر: كره مالك أن يحرم أحد قبل الميقات، وروي عن عمر
ابن الخطاب رَضِّتَهُ أنه أنكر على عمران بن حصين إحرامه من البصرة، وأنكر
٤٠٤
e
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
عثمان على عبد الله بن عامر إحرامه قبل الميقات، وفي تعليق البخاري: كره
عثمان أن يحرم من خراسان وكرمان، وكره الحسن وعطاء بن أبي رباح الإحرام من
الموضع البعيد. وقال ابن بزيزة: في هذا ثلاثة أقوال: منهم من جوزه مطلقًا،
ومنهم من كرهه مطلقًا، ومنهم من أجازه في البعيد دون القريب. قلت: وتقدم آنفًا
من قال بالكراهة من البعيد، فهو قول رابع في المسألة.
والقول الثالث: رواية للمالكية. قال الباجي: في أثر ابن عمر أنه أهل من إيلياء
تقديم الإحرام قبل الميقات، وقد روى ابن المواز عن مالك جواز ذلك وكراهيته
فيما قرب من الميقات، وروى العراقيون كراهيته على الإطلاق، وإذا قلنا برواية
ابن المواز، فالفرق بين القريب والبعيد أن من أحرم بقرب الميقات، فإنه لا يقصد
إلا مخالفة التوقيت؛ لأنه لم يستدم إحرامًا، وأمَّا من أحرم على البعد منه، فإن له
غرضًا في استدامة الإحرام كما قلنا، أن من كان في شعبان لم يجز له أن يتقدم صيام
رمضان بصیام یوم أو یومین، ومن استدام الصوم من أول شعبان جاز له استدامة
ذلك حتی یصله بر مضان، انتهى.
وقال الأبي: إن أحرم قبلها بيسير كره، وإن أحرم قبلها بكثير فظاهر (المدونة))
الكراهة، وظاهر ((المختصر)) الجواز. ونقل اللخمي قولًا بعدم كراهة القريب،
انتهى. وقال الولي العراقي في ((طرح التثريب)) (ج٥: ص٥): قد بينا أن معنى
التوقيت بهذه المواقيت منع مجاوزتها بلا إحرام إذا كان مريدًا للنسك، أمَّا الإحرام
قبل الوصول إليها فلا مانع منه عند الجمهور. ونقل غير واحد الإجماع عليه، بل
ذهب طائفة من العلماء إلى ترجيح الإحرام من دويرة أهله على التأخير إلى
الميقات، وهو أحد قولي الشافعي، ورجحه من أصحابه القاضي أبو الطيب
والروياني، والغزالي، والرافعي، وهو مذهب أبي حنفية، وروي عن عمر وعلي
أنَّهما قالا في قوله تعالى: ﴿وَنِقُواْ الْحَجَّ وَاَلْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] إتمامهما أن تحرم بهما
من دويرة أهلك.
وقال ابن المنذر: ثبت أن ابن عمر أهل من إيلياء - يعني بيت المقدس - وكان
الأسود، وعلقمة، وعبد الرحمن، وأبو إسحاق يحرمون من بيوتهم، انتهى. لكن
الأصح عند النووي من قولي الشافعي: أن الإحرام من الميقات أفضل. ونقل
٤٠٥
كِتَابُ المُنَاسِكِ
تصحيحه عن الأكثرين والمحققين، وبه قال أحمد، وإسحاق، وحكى ابن المنذر
فعله عن عوام أهل العلم بل زاد مالك عن ذلك فكره تقدم الإحرام على الميقات.
قال ابن المنذر: وروينا عن عمر أنه أنكر على عمران بن حصين إحرامه من البصرة
وكره الحسن البصري، وعطاء بن أبي رباح، ومالك الإحرام من المكان البعيد،
انتهى. وعن أبي حنيفة رواية أنه إن كان يملك نفسه عن الوقوع في محظور
فالإحرام من دويرة أهله أفضل وإلا فمن الميقات. وبه قال بعض الشافعية، انتهى.
وقال العيني: وقال الشافعي، وأبو حنفية: الإحرام من قبل هذه المواقيت
أفضل لمن قوي على ذلك، وقد صح أن علي بن أبي طالب وابن مسعود، وعمران
ابن حصين، وابن عباس، وابن عمر: أحرموا من المواضع البعيدة وعند ابن أبي
شيبة أن عثمان بن العاص أحرم من المنجشانية وهي قرية من البصرة. وعن ابن
سيرين أنه أحرم هو وحميد بن عبد الرحمن ومسلم بن يسار من الدارات، وأحرم
أبو مسعود من السيلحين.
وقال أبو داود: يرحم اللَّه وكيعًا أحرم من بيت المقدس، وأحرم ابن سيرين مع
أنس من العقيق، ومعاذ من الشام ومعه كعب الحبر. وقال الأمير اليماني (ج٢ :
ص١٨٩): قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن من أحرم قبل الميقات أنه
محرم. وهل يكره؟ قيل: نعم؛ لأن قول الصحابة: وقت رسول اللَّه وَلَّ لأهل
المدينة ذا الحليفة. يقتضي بالإهلال من هذه المواقيت ويقضي بنفي النقص
والزيادة، فإن لم تكن الزيادة محرمة، فلا أقل من أن يكون تركها أفضل، ولولا ما
قيل من الإجماع بجواز ذلك لقلنا بتحريمه لأدلة التوقيت؛ ولأن الزيادة على
المقدرات من المشروعات كإعداد الصلاة ورمي الجمار لا تشرع كالنقص منها،
وإنما لم نجزم بتحريم ذلك لما ذكرنا من الإجماع؛ ولأنه روي عن عدة من
الصحابة تقديم الإحرام على الميقات، فأحرم ابن عمر من بيت المقدس، وأحرم
أنس من العقيق، وأحرم ابن عباس من الشام، وأهل عمران بن حصين من البصرة
وأهل ابن مسعود من القادسية.
وورد في تفسير الآية: أن الحج والعمرة تمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك
عن علي وابن مسعود، وإن كان قد تؤول بأن مرادهما: أن ينشئ لهما سفرًا مفردًا
٤٠٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
BNASE
من بلده كما أنشأ وَلّه لعمرة الحديبية والقضاء سفرًا من بلده ويدل لهذا التأويل أن
عليًّا لم يفعل ذلك، ولا أحدًا من الخلفاء الراشدين ولم يحرموا بحج ولا عمرة إلا
من الميقات بل لم يفعله بَّ فكيف يكون ذلك تمام الحج ولم يفعله وَّر، ولا أحد
من الخلفاء ولا جماهير الصحابة؟ نعم، الإحرام من بيت المقدس بخصوصه ورد
فيه حديث أم سلمة سمعت رسول اللّه وَ له يقول: ((مَنْ أَهَلَّ مِنَ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى
بِعُمْرَةٍ أَوْ بِحَجَّةٍ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ))، رواه أحمد، وفي لفظ: ((مَنْ أَحْرَمَ مِنْ بَيْتِ
الْمَقْدِسِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ))، ورواه أبو داود ولفظه: ((مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ
مِنَ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ - أَوْ -
وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ)) شك من الراوي، ورواه ابن ماجه بلفظ: ((مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مِنْ بَيْتِ
الْمَقْدِسِ كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الذَّنُوبِ»، فيكون هذا مخصوصًا ببيت المقدس،
فيكون الإحرام منه خاصة أفضل من الإحرام من المواقيت، ويدل له إحرام ابن
عمر منه، ولم يفعل ذلك من المدينة على أن منهم من ضعف الحديث، ومنهم من
تأوله: بأن المراد: ينشئ لهما السفر من هنالك، انتهى كلام الأمير اليماني.
وقال ابن قدامة (ج٣: ص٢٦٤): لا خلاف في أن من أحرم قبل الميقات يصير
محرمًا تثبت في حقه أحكام الإحرام، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن من
أحرم قبل الميقات أنه محرم، ولكن الأفضل الإحرام من الميقات، ويكره قبله.
روي نحو ذلك عن عمر وعثمان، وبه قال الحسن، وعطاء، ومالك، وإسحاق،
وقال أبو حنيفة: الأفضل الإحرام من بلده وعن الشافعي كالمذهبين. وكان
علقمة، والأسود، وعبد الرحمن، وأبو إسحاق يحرمون من بيوتهم. واحتجوا بما
روت أم سلمة زوج النبي وَّر: أنها سمعت رسول اللّه وَ له يقول: ((مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ أَوْ
عُمْرَةٍ مِنَ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ - أَوْ
- وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ))، شك عبد الله أيهما قالَ، رواه أبو داود.
وفي لفظ رواه ابن ماجه: ((مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ غُفِرَ لَهُ))، وأحرم ابن
عمر من إيلياء، وروى النسائي، وأبو داود بإسناديهما عن الصبي بن معبد، قال:
أهللت بالحج والعمرة معًا فلما أتيت العذيب لقيني سليمان بن ربيعة، وزيد بن
صوحان وأنا أهل بهما جميعًا، فقال أحدهما: ما هذا بأفقه من بعيره، فأتيت عمر
فذكرت له ذلك، فقال: هديت لسنة نبيك ◌َّو، وهذا إحرام به قبل الميقات.
٤٠٧
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
*
وروي عن عمر، وعلي ◌ّا في قوله تعالى: ﴿وَأَنُِّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ إتمامهما أن
تحرم بهما من دويرة أهلك. ولنا أنَّ النبي ◌َلَه وأصحابه أحرموا من الميقات ولا
يفعلون إلا الأفضل، فإن قيل: إنما فعل هذا لتبيين الجواز، قلنا: قد حصل بيان
الجواز بقوله كما في سائر المواقيت، ثم لو كان كذلك لكان أصحاب النبي وَاليهود
وخلفاؤه يحرمون من بيوتهم ولما تواطؤوا على ترك الأفضل واختيار الأدنى، وهم
أهل التقوى والفضل، وأفضل الخلق، لهم من الحرص على الفضائل والدرجات
ما لهم، وقد روى أبو يعلى الموصلي في ((مسنده)) عن أبي أيوب قال: قال
رسول اللَّهُ وَّهِ: ((يَسْتَمْتِعُ أَحَدُكُمْ بِحِلَّهِ مَا اسْتَطَاعَ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَّهُ فِي
إِحْرَامِهِ))، وروى الحسن أن عمران بن حصين أحرم من مصرهِ فبلغ ذلك عمر
فغضب، وقال: يتسامع الناس أن رجلاً من أصحاب رسول اللَّه وَ ل أحرم من
مصره. وقال: إن عبد الله بن عامر أحرم من خراسان، فلما قدم على عثمان لامه
فیما صنع وكرهه له، رواهما سعيد والأثرم.
قال البخاري: كره عثمان أن يحرم من خراسان أو كرمان؛ ولأنه أحرم قبل
الميقات فكره كالإحرام بالحج قبل أشهره؛ ولأنه تغرير بالإحرام، وتعرض لفعل
محظوراته، وفيه: مشقة على النفس فكره كالوصال في الصوم. قال عطاء: انظروا
هذه المواقيت التي وقتت لكم فخذوا برخصة اللَّه فيها، فإنه عسى أن يصيب
أحدكم ذنبًا في إحرامه فيكون أعظم لوزره، فإن الذنب في الإحرام أعظم من
ذلك، فأمَّا حديث الإحرام من بيت المقدس ففيه ضعف یرویه ابن أبي فديك،
ومحمد بن إسحاق وفيهما مقال، ويحتمل اختصاص هذا ببيت المقدس دون غيره
ليجمع بين الصلاة في المسجدين في إحرام واحد؛ ولذلك أحرم ابن عمر منه،
ولم يكن يحرم من غيره إلا من الميقات، وقول عمر للصبي: هديت لسنة نبيك،
يعني: في القران فالجمع بين الحج والعمرة لا في الإحرام من قبل الميقات، فإن
سنة النبي ◌ّل﴾ الإحرام من الميقات بين ذلك بفعله وقوله، وأما قول عمر وعلي
فإنهما قالا: إتمام العمرة أن تنشئها من بلدك. ومعناه: أن تنشئ لها سفرًا من بلدك
تقصد له، ليس أن تحرم بها من أهلك.
قال أحمد: كان سفيان يفسره بهذا وكذلك فسره به أحمد. ولا يصح أن يفسر
بنفس الإحرام، فإن النبي وَ يّ وأصحابه ما أحرموا بها من بيوتهم، وقد أمرهم الله
٤٠٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بإتمام العمرة، فلو حمل قولهم على ذلك لكان النبي وَّ وأصحابه تاركين الأمر
الله، ثم إن عمر وعليًّا ما كانا يحرمان إلا من الميقات، أفتراهما يريان أن ذلك ليس
بإتمام لها ويفعلانه؟! هذا لا ينبغي أن يتوهمه أحد؛ ولذلك أنكر عمر على عمران
إحرامه من مصره واشتد عليه، وكره أن يتسامع الناس مخافة أن يؤخذ به، أفتراه
كره إتمام العمرة واشتد عليه أن يأخذ الناس بالأفضل، هذا لا يجوز، فيتعين حمل
قولهما في ذلك على ما حمله عليه الأئمة، والله أعلم، انتهى كلام ابن قدامة.
قلت: القول الراجح عندنا قول من قال: بكراهة تقديم الإحرام قبل الميقات، وقد
روي ذلك عن عمر، وعثمان ◌ًّا كما تقدم، وهو الموافق لحكمة تشريع
المواقيت، وما أحسن ما ذكره الشاطبي في ((الاعتصام)) (ج١: ص ١٦٧) ومن قبله
الهروي في ((ذم الكلام)) عن الزبير بن بكار: قالٍ: حدثني ابن عيينة قال: سمعت
مالك بن أنس وأتاه رجل، فقال: يا أبا عبد الله، من أين أُحْرِم؟ قال: من ذي
الحليفة من حيث أحرم رسول اللَّه وَله، فقال: إني أريد أن أحرم من المسجد من
عند القبر، قال: لا تفعل، فإني أخشى عليك الفتنة، فقال: فأي فتنة في هذه؟ إنما
هي أميال أزيدها قال: وأي فتنة أعظم من أن تري أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها
رسول اللّه وَلَهُ؟ إني سمعت الله يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ
فِتْنَةُ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]، انتهى.
وأما حديث: ((مِنْ تَمَام الْحَجِّ أَنْ تُحْرِمَ مِنْ دُويْرَةِ أَهْلِكَ))، فهو حديث منكر
أخرجه البيهقي (ج٥: ص ٣١) من طريق جابر بن نوح عن محمد بن عمرو عن أبي
هريرة عن النبي وٌَّ في قوله رَكَ: ﴿وَأَنِعُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ قال: فذكره. قال الشيخ
ناصر الدين الألباني: هذا سند ضعيف، ضعفه البيهقي بقوله: فيه نظر ووجهه أن
جابرًا هذا متفق على تضعيفه، وأورد له ابن عدي (٢/ ٥٠) هذا الحديث، وقال:
لا يعرف إلا بهذا الإسناد، ولم أر له أنكر من هذا، انتهى. وقد خفي هذا على
الشوكاني، فقال في ((نيل الأوطار)) (ج٤: ص ١٨٠): ثبت هذا مرفوعًا من حديث
أبي هريرة أخرجه ابن عدي والبيهقي، انتهى. وقد رواه البيهقي من طريق عبد الله
ابن سلمة المرادي، عن علي موقوفًا، ورجاله ثقات إلا أن المرادي هذا كان تغير
حفظه، وعلى كل حال هذا الموقوف أصح من المرفوع، انتهى. وأمَّا حديث أم
سلمة في الإحرام من المسجد الأقصى ففي صحته نظر، وإن سكت عليه أبو داود.
٤٠٩
SCHE
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
وقد أخرجه أيضًا أحمد (ج٦: ص٢٩٩)، وابن ماجه، والدار قطني، والبيهقي
(ج٥: ص ٣٠)، وابن حبان في ((صحيحه)) بألفاظ مختلفة كلهم من طريق حكيمة
عن أم سلمة مرفوعًا.
قال ابن القيم في ((تهذيب السنن)) (ج ٢: ص ٢٨٤): قال غير واحد من الحفاظ
إسناده ليس بالقوي، وأعله المنذري بالاضطراب، فقال في ((مختصر السنن)) (ج) :
ص٢٨٥): وقد اختلف الرواة في متنه وإسناده اختلافًا كثيرًا، وكذا أعله
بالاضطراب الحافظ ابن كثير كما في ((نيل الأوطار)) (ج٤: ص١٧٨)، ثم إن
المنذري كأنه نسي هذا، فقال في ((الترغيب والترهيب)): رواه ابن ماجه بإسناد
صحيح وأنى له الصحة وفيه ما ذكره من الاضطراب، وسيأتي شيء من الكلام عليه
في آخر الفصل الثاني، وفي الاستدلال به: على جواز تقديم الإحرام على الميقات
مطلقًا نظر؛ لأن دلالته أخص من ذلك، أعني أنه إنما يدل على أن الإحرام من بيت
المقدس خاصة أفضل من الإحرام من المواقيت.
وأمَّا غيره من البلاد، فالأصل الإحرام من المواقيت المعروفة وهو الأفضل،
كما قرره الأمير اليماني في ((سبل السلام)) وابن قدامة في ((المغني))، وهذا على
فرض صحة الحديث، أما وهو لم يصح كما رأيت فبيت المقدس كغيره في هذا
الحكم لما سبق بيانه، وقد روي ما يدل عليه بعمومه، وهو ما روى الهيثم بن كليب
وأبو يعلى الموصلي في ((مسنديهما)) والبيهقي في ((سننه)) من طريق واصل بن
السائب الرقاشي عن أبي سورة عن عمه أبي أيوب الأنصاري مرفوعًا: (لِيَسْتَمْتِعْ
أَحَدُكُمْ بِحِلَّهِ مَا اسْتَطَاعَ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ فِي إِحْرَامِهِ)) ، قال البيهقي: هذا
إسناد ضعيف، واصل بن السائب منكر الحديث، قاله البخاري وغيره، ثم رواه
البيهقي من طريق الشافعي: أنبأنا مسلم عن ابن جريج عن عطاء مرفوعًا نحوه.
وأعله بقوله: هذا مرسل.
قلت: ومسلم شيخ الشافعي هو ابن خالد الزنجي الفقيه، وهو صدوق کثیر
الأوهام كما في ((التقريب))، وابن جريج مدلس وقد عنعنه واستدل أيضًا لأبي حنيفة
ومن وافقه بما رواه أحمد والثقفي في مشيخته النيسابوريين (١٨٤، ١٨٥، ٣٣٥/
٤) من طريق الحسن بن هادية، قال: لقيت ابن عمر فقال لي: ممن أنت؟ قلت:
٤١٠
GENDER
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ
ees
من أهل عمان. قال: من أهل عمان؟ قلت: نعم. قال: أفلا أحدثك ما سمعت من
رسول اللَّهِ وَلَهُ؟ قلت: بلى، فقال سمعت رسول اللّهِ وَله يقول: ((إِنِّي لَأَعْلَمُ أَرْضًا
يُقَالُ لَهَا: عُمَانُ يَنْزِحُ بِجَانِهَا الْبَحْرُ، وَالْحَجَّةُ مِنْهَا أَفْضَلُ مِنْ حَجَّتَيْنِ مِنْ غَيْرِهَا))،
قال الشيخ الألباني: رجاله كلهم ثقات معروفون غير ابن هادية هذا، فقد ذكره ابن
أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلاً، وأمَّا ابن حبان فقد
ذكره في ((الثقات)) (ج١: ص١٤) وهذا منه على عادته في توثيق المجهولين
المستورين وتوثيق ابن حبان هذا هو عمدة الهيثمي حين قال في ((المجمع)) (ج٣ :
ص٢١٧) : رواه أحمد ورجاله ثقات وحجة الشيخ الفاضل أحمد محمد شاكر في
قوله في تعليقه على ((المسند)): إسناد صحيح وهذا غير صحيح لما سبق، وكم له في
هذا التعليق وغيره من مثل هذه التصحيحات المبنية على هذه التوثيقات التي لا
يعتمد عليها لضعف مستندها، انتهى.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج١: ص٢٣٨، ٢٤٩، ٢٥٢، ٣٣٢،
٣٣٩)، وأبو داود، والنسائي، والدارمي، وابن الجارود (ص١٤٨)،
والدار قطني، والشافعي، والبيهقي (ج٥: ص٢٩).
٢٥٤١ - [١٣] وَعَنْ جَابِرِ عَنْ رَسُولِ اللّهِ نَّ قَالَ: «مُهَلُّ أَهْلِ
الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَالطَّرِيقَّ الْآخَرُ الْجُحْفَةُ، وَمُهَلَّ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ
ذَاتِ عِرْقٍ، وَمُهَلَّ أَهْلِ نَجْدٍ قَرْنٌ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمُ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشرح
٢٥٤١ - قوله: (عَنْ جَابَرِ عَنْ رَسُولِ اللهِ نََّ قَالَ)، كذا وقع في ((المشكاة))
و((المصابيح))، وهو يدل على أن الحديث عند مسلم مجزوم في رفعه إلى النبي ◌َّة
والأمر ليس كذلك، فإن مسلمًا رواه أولًا من طريق روح بن عبادة عن ابن جريج
أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يسأل عن المهل فقال: سمعت، ثم
(٢٥٤١) مُسْلِم (١٨/ ١١٨٣) فِيهِ عَنْ جَابِرٍ .
٤١١
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
انتهى فقال: أُرَاهُ، يعني: النبي ◌َّله. ولم يذكر مسلم لفظه، ومعنى هذا الكلام: أن
أبا الزبير سمع بعض الناس يسأل جابرًا عن مواضع إحرام الحجاج من جميع
الجهات فقال جابر: سمعت، ثم وقف عن الكلام، ورفع الحديث إلى النبي وَلَه ثم
قال: أُرَاهُ - بضم الهمزة -، أي: أظن أن النبي ◌َّه قال: ((مُهَلَّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ))، وأمَّا
قوله: يعني: النبي ◌َّر، فهو من كلام أبي الزبير يفسر به رجوع الضمير إلى
النبيِ وَّ في قول جابر ((أراه)، يعني: مرفوعًا إلى النبي ◌َّ.
وقال النووي: معناه: أن أبا الزبير قال: سمعت جابرًا، ثم انتهى، أي: وقف
عن رفع الحديث إلى النبي ◌َّه، وقال: أراه، أي: أظنه رفع الحديث فقال: أراه،
يعني: النبي ◌ُّ كما قال في الرواية الأخرى: أحسبه رفع إلى النبي ◌َّ، ثم رواه
مسلمٍ من طريق محمد بن بكر عن ابن جريج، أخبرنا أبو الزبير، أنه سمع جابر بنٍ
عبد الله يسأل عن المهل، فقال: سمعت - أحسبه رفع إلى النبي ◌َّ - فقال: ((مُهَلَّ
أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ ... )) إلخ. والطريقان يدلان على أنَّ الحديث مشكوك
في رفعه.
قال النووي: لم يثبت رفع الحديث؛ لكونه لم يجزم برفعه، وأجيب: بأن
قوله: ((أُراه)) أو ((أحسبه))، معناه: أظنه، والظن في باب الرواية يتنزل منزلة اليقين،
وليس ذلك قادحًا في رفعه، وأيضًا فلو لم يصرح برفعه لا يقينًا ولا ظنًّا، فهو منزل
منزلة المرفوع؛ لأن هذا لا يقال من قبل الرأي، وإنما يؤخذ توقيفًا من الشارع لا
سيَّما وقد ضمه جابر إلى المواقيت المنصوص عليها يقينًا باتفاق، وقد أخرجه
أحمد من رواية ابن لهيعة وابن ماجه من رواية إبراهيم بن يزيد الخوزي، كلاهما
عن أبي الزبير ولم يشكا في رفعه.
(مُهَلُّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ) بضم الميم من الإهلال، أي: موضع إحرامهم اسم مكان.
(وَالطَّرِيقُ الآخَرُ)، أي: مهل الطريق الآخر لهم. قاله القاري. (الْجُحْفَةُ)، قال ابن
الملك: أي: إذا جاؤوا من طريق الجحفة فهي مهلهم، وقال ابن حجر: أي:
ومهل أهل الطريق الآخر الذي لا يمر سالكه بذي الحليفة، ولا يجاوزها يمنة أو
يسرة هو الجحفة .
(وَمُهَلَّ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ) بكسر العين وسكون الراء بعدها قاف، سمي
٤١٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الموضع بذلك؛ لأن فيه عرقًا وهو: الجبل الصغير. وهي: أرض سبخة تنبت
الطرفاء، وقيل: العرق من الأرض السبخة تنبت الطرفاء ويسمى الآن الضريبة بفتح
الضاد وكسر الراء بعدها ياء ثم باء وهي الحد الفاصل بين تهامة ونجد وتبعد عن
مكة بالمراحل (٢) وبالفراسخ (١٦) وبالأميال (٤٨) وبالكيلوات (٨٠) ويحرم منه
أهل العراق وبلاد إيران وحاج الشرق كله. والحديث صريح في أن ذات عرق
ميقات أهل العراق بنص النبي ◌َّ وتوقيته، لكن قال النووي: لا يحتج بهذا
الحديث مرفوعًا؛ لكونه لم يجزم برفعه، وقد سبق الجواب عن ذلك ويشهد لكون
ذات عرق ميقات أهل العراق بالنص ما وقع في حديث عائشة عند أحمد، وأبي
داود، والنسائي، والطحاوي، والدار قطني بإسناد صحيح، كما قاله النووي: أن
رسول اللَّه و لل وقت لأهل العراق ذات عرق، ويأتي الكلام عليه في الفصل الثاني.
ويشهد له أيضًا حديث الحارث بن عمرو السهمي عند أحمد، والنسائي، وأبي
داود، والطبراني، وحديث ابن عباس عند ابن عبد البر في ((التمهيد))، والبزار في
((مسنده))، وحديث ابن عمر عند ابن راهويه في ((مسنده)) وحديث أنس عند
الطحاوي، والطبراني، وحديث عبد الله بن عمرو عند أحمد، والدار قطني. وهذه
الأحاديث، وإن كان في كل منها ضعف ولا تخلو عن مقال، فمجموعها لا يقتصر
عن بلوغ درجة الاحتجاج به، وبها يرد على ابن خزيمة حيث قال: في ذات عرق
أخبار لا يثبت منها شيء عند أهل الحديث.
وعلي بن المنذر حيث يقول: لم نجد في ذات عرق حديثًا يثبت. واعلم: أنه قد
اتفق العلماء على أن رسول اللَّه وَل نص على المواقيت الأربعة المذكورة في
حديثي ابن عباس، وجابر وهي: ذو الحليفة، والجحفة، وقرن، ويلملم.
واختلفوا في ذات عرق؛ هل صارت ميقاتًا لأهل العراق بتوقيت النبي ◌ُّ ونَصِّه،
أم باجتهاد عمر بن الخطاب رضيَُّهُ؟ وممن قال إنه مجتهد فيه من السلف: طاوس،
وابن سيرين، وأبو الشعثاء، وجابر بن زيد، حكاه البيهقي وغيره. وممن قال من
السلف أنه منصوص عليه: عطاء بن أبي رباح، وحكاه ابن الصباغ عن أحمد
وأصحاب أبي حنيفة، واختلف قول الشافعي فيه، فقال في موضع: هو منصوص
عليه، وفي موضع: ليس منصوصًا عليه، وكذلك اختلف فيه الشافعية، وأكثرهم
على أنه منصوص عليه. ويدل لذلك الأحاديث السابقة عن النبي وَّ التي نصَّ
فيها: أن ذات عرق ميقات العراق.
٤١٣
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
قال النووي: قالوا: وإن كانت أسانيد مفرداتها ضعيفة فمجموعها يقوي بعضها
بعضًا ويصير الحديث حسنًا ويحتجَّ به، ويحمل تحديد عمر باجتهاده على أنه لم
يبلغه تحديد النبي ◌َّ فحدده باجتهاده، فوافق النص، انتهى. واستدل من قال: إنه
مجتهد فيه بما رواه البخاري في ((صحيحه)) عن عبد الله بن عمر، قال: لما فتح
هذان المصران - أي: الكوفة والبصرة، والمراد بفتحهما: غلبة المسلمين على
مكان أرضهما -، أتوا عمر فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن رسول اللَّه وَ لَه حَدَّ لأهل
نجد قرنًا، وهو جور، أي: ميل عن طريقنا، وإنا إن أردنا قرنًا شق علينا. قال:
فانظروا حذوها من طريقكم، فحد لهم ذات عرق. قالوا: فهذا الحديث الصحيح
صريح في أن توقيت ذات عرق باجتهاد من عمر، وقد جاءت بذلك أيضًا آثار عن
بعض السلف، قال الحافظ بعد ذكرها: هذا كله يدل على أن ميقات ذات عرق ليس
منصوصًا، وبه قطع الغزالي، والرافعي في شرح المسند، يعني: ((مسند
الشافعي))، والنووي في ((شرح مسلم))، وكذا وقع في ((المدونة)) لمالك، وصحح
الحنفية، والحنابلة، وجمهور الشافعية، والرافعي في ((الشرح الصغير))، والنووي
في ((شرح المهذب)): أنه منصوص. وقد وقع ذلك في حديث جابر عند مسلم إلا
أنه مشكوك في رفعه. وقد أخرجه أحمد من رواية ابن لهيعة، وابن ماجه من رواية
إبراهيم بن يزيد، كلاهما عن أبي الزبير، فلم يَشُكّا في رفعه، ووقع في حديث
عائشة وفي حديث الحارث بن عمرو السهمي كلاهما عند أحمد، وأبي داود،
والنسائي، وهذا يدل على أن للحديث أصلًا، فلعل من قال: إنه غير منصوص لم
يبلغه، أو رأى ضعف الحديث باعتبار أن كل طريق لا يخلو عن مقال، ولهذا قال
ابن خزيمة: رُوِيَتْ في ذات عرق أخبار لا يثبت شيء منها عند أهل الحديث، وقال
ابن المنذر: لم نجد في ذات عرق حديثًا ثابتًا .
قال الحافظ: لكن الحديث بمجموع الطرق يقوى كما ذكرنا. قلت: أظهر
القولين عندي وأرجحهما أن ذات عرق وقتها النبي وقّ لأهل العراق؛ لثبوت ذلك
عن النبي ◌َّ في أحاديث، منها: ما هو صحيح الإسناد، ومنها: ما في إسناده
كلام، وبعضها يقوي يعضًا، ولا يعارض ذلك حديث ابن عمر عند البخاري الذي
يدل على أن توقيت ذات عرق لأهل العراق باجتهاد من عمر؛ لاحتمال أن عمر لم
يبلغه ذلك فاجتهد، فوافق اجتهاده توقيت النبي وَّه، وهو رَوَّّهُ معروف أنه وافقه
٤١٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ
الوحي في مسائل متعددة، فلا مانع من أن تكون هذه منها لا شرعًا ولا عقلًا ولا
عادة .
قال ابن قدامة: ويجوز أن يكون عمر ومن سأله لم يعلموا توقيت النبي وَّ ذات
عرق فقال ذلك برأيه فأصاب، ووافق قول النبي وَّر، فقد كان كثير الإصابة،
انتهى. وأمَّا إعلال بعضهم حديث ذات عرق بأن العراق لم تكن فتحت يومئذٍ،
فقال ابن عبد البر: هي غفلة؛ لأن النبي وَله وقت المواقيت لأهل النواحي قبل
الفتوح لكنه علم أنها ستفتح، فلا فرق في ذلك بين الشام والعراق، انتهى. وبهذا
أجاب الماوردي وآخرون، فإن قلت: ما الجمع بين حديث ابن عباس الآتي في
الفصل الثاني أن النبي ◌َّله وقت لأهل المشرق العقيق، وبقية الأحاديث في
التوقيت من ذات عرق؟ قلت: في ذلك أوجه:
أحدها: ضعف حديث ابن عباس، فإنه تفرد به يزيد بن أبي زياد، وهو سيئ
الحفظ، وبتقدير صحته أحاديث التوقيت من ذات عرق أصح وأكثر وأرجح.
الثاني: أن ذات عرق ميقات الوجوب، والعقيق ميقات الاستحباب؛ لأنه أبعد
من ذات عرق، فالإِحرام من العقيق أفضل، فإن جاوزه وأحرم من ذات عرق جاز،
وبهذا صرح الشافعية. الثالث: أن ذات عرق ميقات لبعض أهل العراق وهم أهل
البصرة، والعقيق ميقات للبعض منهم وهم أهل المدائن، وقع ذلك في حديث
الأنس عند الطبراني في ((الكبير))، وفيه أبو ظلال هلال بن زيد، وثقه ابن حبان
وضعفه الجمهور.
الرابع: أن ذات عرق كانت أولًا في موضع العقيق الآن، ثم حولت وقربت إلى
مكة، وعلى هذا فذات عرق هو العقيق، واللفظان متواردان على شيء واحد،
ومقتضى هذا الجواب وجوب الإحرام من العقيق، والجمهور على خلافه، فإنه لم
يقل أحد بتعيين الإحرام من العقيق، وإنما قالوا: يستحب احتياطًا. قال ابن
المنذر: واختلفوا في المكان الذي يحرم منه من أتى من العراق على ذات عرق،
فكان أنس يحرم من العقيق، واستحب ذلك الشافعي، وكان مالك، وإسحاق،
وأحمد، وأبو ثور، وأصحاب الرأي يرون الإحرام من ذات عرق، وقال أبو بكر:
الإحرام من ذات عرق يجزئ، وهو من العقيق أحوط.
٤١۵
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
اعلم: أن من سلك طريقًا إلى الحرم لا ميقات فيها فميقاته المحل المحاذي
لأقرب المواقيت إليه كما يدل عليه ما قدمنا نقلًا عن ((صحيح البخاري)) من توقيت
عمر ذات عرق لأهل العراق؛ لمحاذاتها قرن المنازل، وهذا لا خلاف فيه بين أهل
العلم. قال المحب الطبري: في حديث ابن عمر عند البخاري دلالة على أن من مر
على طريق لا ميقات فيه أحرم إذا حاذى أقرب المواقيت إليه؛ نزولًا على قضاء
عمر. وقال الولي العراقي: سكت في حديث ابن عباس عند الشيخين عن قاصد
مكة للنسك من غير أن يمر على شيء من هذه المواقيت، وقد قال الجمهور: يلزمه
الإحرام إذا حاذى أقرب المواقيت إليه، وبه قال الأئمة الأربعة، وتمسكوا في ذلك
بقول عمر رَوَُّهُ عنه لما شكى إليه أهل العراق جور قرن عن طريقهم: انظروا حذوها
من طريقكم. والإحرام من محاذاة الميقات أقرب الأمور إلى النص؛ لأن القصد
البعد عن مكة بهذه المسافة، فلزم اتباعه، انتهى .
وحاصل مذهب الحنابلة في ذلك على ما في - ((مفيد الأنام)) - للشيخ ابن جاسر
النجدي: من لم يمر بميقات من المواقيت الخمسة، أحرم بحج أو عمرة وجوبًا إذا
علم أنه حاذى أقرب المواقيت منه لقول؛ عمر رَضِّتَهُ: انظروا حذوها من طريقكم.
رواه البخاري. وسن له أن يحتاط ليخرج من عهدة الواجب، فإن لم يعلم حذو
الميقات أحرم من بعد؛ إذ الإحرام قبل الميقات جائز وتأخيره عنه حرام، فإن
تساويا قربًا منه فإنه يحرم من حذو أبعدهما من مكة من طريق؛ لأنه أحوط، فإن لم
يُحَاذِ ميقاتًّا كالذي يجيء من سواكن إلى جدَّة من غير أن يمرَّ برابغٍ ولا يلملم؛
لأنهما أمامه، فَيَصِلُ جدَّة قبل محاذاتهما أحرم من مكة بقدر مرحلتينَ، فيحرم في
المثال من جدة؛ لأنها على مرحلتين من مكة؛ لأنه أقل المواقيت، انتهى. وقال ابن
قدامة: من سلك طريقًا بين ميقاتين فإنه يجتهد حتى يكون إحرامه بحذو الميقات
الذي هو إلى طريقه أقرب؛ لما روينا أن أهل العراق قالوا لعمر: إن قرنًا جور عن
طريقنا، فقال: انظروا حذوها من طريقكم، فوقت لهم ذات عرق، فإن لم يعرف
حذو الميقات المقارب لطريقه احتاط فأحرم من بعد، بحيث تيقن أنه لم يجاوز
الميقات إلا محرمًا؛ لأن الإحرام قبل الميقات جائز وتأخيره عنه لا يجوز،
فالاحتياط فعل ما لاشك فيه، ولا يلزمه الإحرام حتى يعلم أنه قد حاذاه؛ لأن
الأصل عدم وجوبه، فلا يجب بالشك؛ فإن أحرم ثم علم أنه قد جاوز ما يحاذيه من
SBOWE
٤١٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
المواقيت غير محرم فعليه دم، وإن شك في أقرب الميقاتين إليه، فالحكم في ذلك
على ما ذكرنا في المسألة قبلها، وإن كانتا متساويتين في القرب إليه أحرم من حذو
أبعدهما، انتهى.
وقال الحافظ: قد نقل النووي في ((شرح المهذب)): من ليس له ميقات ولا
يحاذي ميقاتًا يلزمه أن يحرم على مرحلتين اعتبارًا بقول عمر هذا في توقيته ذات
عرق، وتعقب: بأن عمر إنما حَدَّهَا؛ لأنها تحاذي قرنًا وهذه الصورة إنما هي حيث
يجهل المحاذاة، فلعل القائل بالمرحلتين أخذ بالأقل؛ لأن ما زاد عليه مشكوك
فيه، لكن مقتضى الأخذ بالاحتياط أن يعتبر الأكثر الأبعد، انتهى.
قلت: مذهب الشافعية: أن من سلك البحر أو طريقًا ليس فيه شيء من المواقيت
الخمسة، أحرم إذا حاذى أقرب المواقيت إليه، فإذا كان عند محاذاة ذي الحليفة
على ميلين منها وعند محاذاة الجحفة على ميل كان ميقاته الجحفة، وإن استويا في
القرب إليه أحرم عند محاذاة الأبعد من مكة، فإن لم يحاذ شيئًا كالآتي من غربي
جدة في البحر أحرم على مرحلتين من مكة. قال ابن حجر الهيتمي المكي في
((تحفة المحتاج بشرح المنهاج)): من سلك طريقًا في بر أو بحر لا ينتهي إلى
ميقات، فإن حاذى ميقاتًا، أي: سامته بأن كان على يمينه أو يساره ولا عبرة بما
أمامه أو خلفه أحرم من محاذاته فإن اشتبه عليه موضع المحاذاة اجتهد ويسن أن
يستظهر ليتيقن المحاذاة، فإن لم يظهر له شيء تعين الاحتياط أو حاذى ميقاتين بأن
كان إذا مر على كلٍ تكون المسافة منه إليه واحدة؛ فالأصح أن يحرم من محاذاة
أبعدهم من مكة، وإن حاذى الأقرب إليها أولًا، وليس له انتظار الوصول إلى
محاذاة الأقرب إليها، كما ليس للمار على ذي الحليفة أن يؤخر إحرامه إلى
الجحفة، فإن استوت مسافتهما في القرب إلى طريقه، وإلى مكة أحرم من
محاذاتهما، ما لم يحاذ أحدهما قبل الآخر، وإلا فمنه، أما إذا لم تَسْتَوِ مسافتهما
إليه بأن كان بين طريقه، وأحدهما: إذا مر عليه ميلان، والآخر: إذا مر عليه فهذا
هو ميقاته، وإن كان أقرب إلى مكة. قال الشرواني في ((حاشيته)): والحاصل: أن
العبرة أولًا بالقرب إليه ثم بالبعد من مكة، ثم بالمحاذاة أولًا؛ فإن انتفى جميع
ذلك فمن محاذاتهما، انتهى.
٤١٧
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
قال ابن حجر: وإن لم يحاذ شيئًا من المواقيت أحرم على مرحلتين من مكة؛
لأنه لا ميقات دونهما. قال: والإحرام من المرحلتين هنا بدل عن أقرب ميقات إلى
مكة، وأقرب ميقات إليها على مرحلتين منها لا من الحرم، فاعتبرت المسافة من
مكة لذلك، لا يقال: المواقيت مستغرقة لجهات مكة فكيف يتصور عدم محاذاته
الميقات؟ فينبغي أن المراد: عدم المحاذاة في ظنه دون نفس الأمر، لأنا نقول:
يتصور بالجائي من سواكنٍ إلى جدَّة من غير أن يمر برابغ أو بيلملم؛ لأنهما حينئذٍ
أمامه، فيصل جدة قبل محاذاتهما؛ وهي على مرحلتين من مكة، فتكون هي
ميقاته. قال النووي: وإن بلغ الميقات مريدًا للنسك لم تجز مجاوزته إلى جهة
الحرم بغير إحرام. قال ابن حجر: خرج بقولنا: إلى جهة الحرم ما لو جاوزه يمنة
أو يسرة، فله أن يؤخر إحرامه لكن بشرط أن يحرم من محل مسافته إلى مكة مثل
مسافة ذلك الميقات، كما قاله الماوردي، وجزم به غيره. وبه يعلم أن الجائي من
اليمن في البحر له أن يؤخر إحرامه من محاذاة يلملم إلى جدة؛ لأن مسافتها إلى
مکة کمسافة يلملم کما صرحوا به، انتهى.
ومذهب الحنفية: أن من سلك طريقًا ليس فيه ميقات معين برًّا أو بحرًا اجتهد
وأحرم إذا حاذى ميقاتًا منها، ومن حذا الأبعد أولى. وإن لم يعلم المحاذاة فعلى
مرحلتين من مكة، كجدة. قال صاحب ((البحر)): قد قالوا: من كان في برٍّ أو بحرٍ
لا يمر بواحد من هذه المواقيت المذكورة، عليه أن يحرم إذا حاذى آخرها،
ويعرف بالاجتهاد، وعليه أن يجتهد، فإذا لم يكن بحيث يحاذي فعلى مرحلتين إلى
مكة .
ولعل مراده بالمحاذاة المحاذاة القريبة من الميقات، وإلا فآخر المواقيت
باعتبار المحاذاة قرن المنازل .
وقال القاري في ((شرح المناسك)): وعين هذه المواقيت ليست بشرط ولهذا
يصح الإحرام قبلها، بل الواجب عينها أو حذوها، أي: محاذاتها ومقابلتها، فمن
سلك غير ميقات، أي: طريقًا ليس فيه ميقات معين برًّا أو بحرًا؛ اجتهد وأحرم إذا
حاذى ميقاتًا منها، أي: من المواقيت المعروفة ومن حذو الأبعد أولى، فإن
الأفضل أن يحرم من أول الميقات وهو الطرف الأبعد عن مكة، حتى لا يمر بشيء
٤١٨
eric **
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
مما يقال: ميقاتًا غير محرم، ولو أحرم من الطرف الأقرب إلى مكة جاز باتفاق
الأربعة، وإن لم يعلم المحاذاة، فإنه لا يتصور عدم المحاذاة، فعلى مرحلتين من
مكة، كجدة المحروسة من طرف البحر. وقال في حاشية: قوله: كجدة، فإنها
على مرحلتين عرفيتين من مكة، وثلاث مراحل شرعية ووجهه أن المرحلتين أوسط
المسافات؛ وإلا فالاحتياط الزيادة، كذا في ((شرح نظم الكنز)). وأقول: لعلَّ وجهه
أيضًا أن أقرب المواقيت إلى مكة على مرحلتين عرفيتين من مكة، فقدر بذلك.
انتھی .
وقال في ((غنية الناسك)): ومن كان في برٍّ أو بحر لا يمر بواحد من المواقيت
الخمس تحرى إذا لم يجد من يستخبره، وأحرم إذا غلب على ظنه أنه حاذى
آخرها؛ قربت المحاذاة من الميقات أو بعدت كما في ((رد المحتار)) عن ((النهر))،
ومن حذا الأبعد أولى، وإن لم يعلم المحاذاة؛ فعلى مرحلتين عرفيتين من مكة
كجدة من طرف البحر، فإنها على مرحلتين عرفيتين من مكة وثلاث مراحل شرعية
طوالع. انتهى. وفي ((منسك الشيخ يحيى الحطاب من المالكية)) قال مالك: ومن
حج في البحر من أهل مصر والشام وشبههما أحرم إذا حاذى الجحفة. قال شارحه
الشيخ محمد البناني: أي: ولا يؤخره إلى البر، وعليه درج الخرشي في ((شرحه))
حيث قال: إن من سافر في البحر، فإنه يحرم إذا حاذى الميقات ولا يؤخره إلى
البر. انتهى؛ فعليه إذا لم يحرم عند محاذاة الميقات ببحر وأخره إلى البر؛ أساء
وعلیه دم عندهم.
G تنبيه:
قد اتضح مما ذكرنا من كلام ابن حجر المكي وعلي القاري وغيرهما، أنه لا
يجب على الحاج الهنود والباكستانيين القادمين بالباخرة للحج أو العمرة، أنْ
يحرموا في أيِّ محل من البحر قبل وصولهم إلى جدة، بل يجوز لهم أن يؤخروا
الإحرام في البحر ويحرموا بعد نزولهم على ميناء جدة من جدة؛ لأنه لا يقع ميقات
من المواقيت الخمسة في طريق بواخر الحجاج القادمين من الهند أو الباكستان،
ولا تحاذي شيئًا منها، بل تقطع طريقها في البحر في حدود الآفاق بعيدة عن يلملم
التي هي جبل من جبال تهامة وقريبة من مكة، فلا يمكن لأية باخرة أو سفينة قادمة
من الهند والباكستان أن تتجاوزها أو تتجاوز خط محاذاتها إلى الحل الصغير، ولو
٤١٩
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
كانت تجري على الساحل، فإن المواقيت الخمسة والخطوط الممتدة من ميقات
إلى آخر الموصلة بعضها ببعض المحددة لحدودها كلها في البر، وأقرب المواقيت
إلى مكة على مرحلتين منها، وجدة أيضًا على مرحلتين من مكة، فيجب عليهم أن
يحرموا منها، وقد تقدم الكلام فيه مفصلًا فتذكر.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ)، قد تقدم أن مسلمًا رواه مشكوكًا في رفعه، وكذا أخرجه أبو عوانة
في ((مستخرجه))، والشافعي، وأحمد، والدارقطني، والبيهقي، وأخرجه أيضًا
أحمد، وابن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه، وأبو يعلى والدار قطني، والبيهقي من
طريق الحجاج بن أرطاة عن عطاء بن جابر، وأحمد من طريق ابن لهيعة،
والحجاج، وابن ماجه من طريق إبراهيم بن يزيد الخوزي، الثلاثة عن أبي الزبير
عن جابر، فلم يشكوا في رفعه إلا أن الحجاج مدلس. وابن لهيعة ضعفوه؛
لاختلاطه بعد احتراق كتبه، وإبراهيم بن يزيد غير محتج به، لكن لحديث جابر في
توقيت ذات عرق لأهل العراق شواهد مرفوعة جياد حسان يجب العمل بمثلها، مع
تعددها ومجيئها مسندة ومرسلة من وجوه شتى.
٢٥٤٢ - [١٤] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ أَرْبَعَ عُمَرٍ كُلُّهُنَّ
فِي ذِي الْقَعْدَةِ: إِلَّا الَّتِي كَانَتْ مَعَ حَجَّتِهِ عُمْرَةً مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ،
وَعُمْرَةً مِن الْعَامِ الْمُقْبِلِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةً مِن الْجَعْرَانَةِ حَيْثُ قَسَّمَ
غَنَائِمَ حُنَيْنِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةً مَعَ حَجَّتِهِ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٥٤٢- قوله: (أَرْبَعَ عُمَرٍ) بضم ففتح جمع عمرة. (كُلَّهُنَّ)، أي: بعد
الهجرة. (فِي ذِي الْقَعْدَةِ) بفتح القَّاف ويكسر بناء على أنه من المرة أو الهيئة، سمي
بذلك؛ لأنهم كانوا يقعدون فيه عن الأسفار، وإنما اعتمر النبي ◌َّ هذه العمر في
ذي القعدة؛ لفضيلة هذا الشهر، ولبيان جواز ما كان أهل الجاهلية يمنعونه، فإنهم
(٢٥٤٢) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١٧٧٨)، ومُسْلِم (١٢٥٣) فِيهِ عَنْ أَنَسِ رَْتَهُ، وأَبُو دَاوُد (١٩٩٤)،
والتِّرْمِذِي (٨١٥).