النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦٠ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، هذا وهم من المصنف، فإن الحديث من أفراد البخاري، وأخرجه في النذور، وأخرجه بقصة الجهنية في الحج، وفي الاعتصام، وأمَّا مسلم، فلم يخرجه أصلًا، ولعلَّ المصنف قلد في ذلك صاحب ((جامع الأصول)). والله أعلم. والحديث أخرجه أيضًا أحمد (ج١ ص٢٤٠)، والنسائي في الحج، وابن الجارود (ص ١٧٨)، وابن حزم (ج ٧ ص٦٣)، والبيهقي (ج٥ ص١٧٩). ٢٥٣٧ - [٩] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ، وَلَا تُسَافِرَنَّ امْرَأَةٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمُ))، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، اكْتُبْتُ فِي غَزْوَةٍ كَذَا وَكَذَا، وَخَرَجَتِ امْرَأَتِي حَاجَّةً، قَالَ: ((اذْهَبْ، فَاحْجُجْ مَعَ امْرَأَتِكَ)). [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] الشرح ٢٥٣٧ - قوله: (لَا يَخْلُوَنَّ) أكد النهي مبالغة. (رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ)، أي: أجنبية . فيه: حرمة اختلاء الأجنبي مع المرأة وهو إجماع كما قال في ((الفتح)). وقد ورد في حديث: (فَإِنَّ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ))، واختلفوا هل يقوم غير المحرم مقامه في هذا بأن يكون معهما من يزيل معنى الخلوة كالنسوة الثقات مثلًا؟ فقيل: إنه يقوم لضعف التهمة به؛ لأن المعنى المناسب للنهي، إنما هو خشية أن يوقع بينهما الشيطان الفتنة. وقال القفال: لا يجوز بل لا بد من المحرم؛ عملًا بلفظ الحديث. قال الشوكاني: وهو ظاهر الحديث. قلت: وكذلك يحرم الخلوة بالأجنبية لو كان معهما من لا يُستحى منه لصغره كابن سنتين وثلاث ونحو ذلك، فإن وجوده كالعدم . (وَلَا تُسَافِرَنَّ امْرَأَةٌ)، أي: شابة أو عجوز سفرًا طويلًا أو قصيرًا للحج أو غيره. (إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرٌَ) بفتح الميم وتخفيف الراء، أي: من يحرم عليه نكاحها من الأقارب كأب وأخ وعم وخال ومن يجريٍ مجراهم كزوج، كما جاء مصرحًا في رواية للشيخين من حديث أبي سعيد: ((إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَم مِنْهَا أَوْ زَوْجُهَا))، وفي (٢٥٣٧) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٨٦٢)، ومُسْلِم (١٣٤١/٤٢٤) فِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. ٣٦١ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ أخرى: ((إِلَّ وَمَعَهَا أَبُوهَا أَوِ ابْنُهَا أَوْ زَوْجُهَا أَوْ أَخُوهَا أَوْ ذُو مَحْرَمِ مِنْهَا))، قال ابن دقيق العيد: لم يتعرض هنا للزوج وهو موجود في رواية أخرى ولا بَّد من إلحاقه بالحكم بالمحرم في جواز السفر معه - وكذا الخلوة بها - اللَّهُمَّ إلا أن يستعمل لفظة الحرمة في إحدى الروايتين في غير معنى المحرمية استعمالاً لغويًّا فيما يقتضي الاحترام، فيدخل فيه الزوج لفظًا. انتهى. قال الحافظ: وفي آخر حديث ابن عباس هذا ما يشعر بأن الزوج يدخل في مسمى المحرم، فإنه لما استثنى المحرم، فقال القائل: إِنَّ امْرَأَتِي حَاجَّةٌ. فكأنه فهم إدخال الزوج في المحرم ولم يرد عليه ما فهمه بل قيل له: ((أخرج معها)). والاستثناء من الجملتين، كما هو مذهب الشافعي لا من الجملة الأخيرة، لكنه منقطع؛ لأنه متى كان معها محرم لم يبق خلوة، فتقدير الحديث: لا یقعدن رجل مع امرأة إلا ومعها محرم، والواو في (وَمَعَهَا) للحال، أي: لا يخلون في حال إلا في هذه الحال، ووقع في رواية للبخاري: ((لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمِ، وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا رَجُلٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرٌَ))، قال القسطلاني: أي: لها. وقال النووي: يحتمل أن يريد محرمًا لها، أو له. وهذا الاحتمال الثاني هو الجاري على قواعد الفقهاء، فإنه لا فرق بين أن تكون معها محرم لها كأبيها وابنها وأخيها وأمها وأختها، أو يكون محرمًا له كأخته وبنته وأمه وعمته وخالته، فيجوز القعود معها في هذه الأحوال. قال: وحقيقة المحرم، أي: عند الشافعية من النساء التي يجوز له النظر إليها والخلوة بها والمسافرة معها كل من حرم نكاحها على التأبيد بسبب مباح لحرمتها. فخرج بالتأبيد أخت الزوجة وعمتها وخالتها ونحوهن، وخرجت بسبب مباح أم الموطوءة بشبهة وبنتها، فإنَّهما تحرمان على التأبيد وليستا محرمين؛ لأن وطء الشبهة لا يوصف بالإباحة؛ لأنه ليس بفعل المكلف، وخرج بقوله: ((لحرمتها)) الملاعنة؛ لأن تحريمها ليس لحرمتها بل عقوبة وتغليظًا، والمحرم عام فيشمل محرم النسب كأبيها وابنها وأخيها وابن أخيها وابن أختها وخالها وعمها، ومحرم الرضاع كأخيها من الرضاع وابن أخيها وابن أختها منه ونحوهم، ومحرم المصاهرة كأبي زوجها وابن زوجها، فيجوز لكل هؤلاء السفر بها، والخلوة بها، والنظر إليها من غير حاجة، لكن لا يحل النظر بشهوة لأحد منهم. هذا مذهب الشافعي والجمهور ووافق مالك على ذلك كله إلا ٣٦٢ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ابن زوجها، فكره سفرها معه؛ لفساد الناس بعد العصر الأول؛ ولأن كثيرًا من الناس لا ينزل زوجة الأب في النفرة عنها منزلة محارم النسب، والمرأة فتنة إلا فيما جبل اللّه النفوس عليه من النفرة عن محارم النسب. قال النووي: وعموم هذا الحدیث یرد على مالك. وقال ابن دقيق العيد: الحديث عام، فإن عنى بالكراهة التحريم مع محرمية ابن الزوج، فهو مخالف لظاهر الحديث بعيد، وإن عنى كراهة التنزيه للمعنى المذكور، فهو أقرب تشوفًا إلى المعنى، وقد فعلوا مثل ذلك في غير هذا الموضع، ومما يقويه ها هنا قوله: ((لَا يَحِلَّ)) - في حديث ابن عمر عند الشيخين وحديث أبي هريرة عند مسلم وغيره - استثنى منه السفر مع المحرم، فيصير التقدير: إلا مع ذي محرم، فيحل ويبقي النظر في قولنا: يحلّ، هل يتناول المكروه أم لا، بناء على أن لفظة: ((يحلّ))، يقتضي الإباحة المتساوية الطرفين، فإن قلنا: لا يتناول المكروه. فالأمر قريب مما قاله إلا أنه تخصيص يحتاج إلى دليل شرعي عليه، وإن قلنا: يتناول، فهو أقرب؛ لأن ما قاله لا يكون حينئذ منافيًا لما دل عليه اللفظ. انتهى. وفي الحديث: دليل على تحريم سفر المرأة من غير محرم، وهو مطلق في قليل السفر وكثيره وفي سفر الحج وغيره، وقد وردت أحاديث مقيدة لهذا الإطلاق إلا أنها اختلفت ألفاظها، ففي لفظ: ((لَا تُسَافِرْ ثَلَاثًا))، وفي آخر: ((فَوْقَ ثَلَاثٍ))، وفي آخر: ((يَوْمَيْنٍ))، وفي آخر: ((يَوْمًا وَلَيْلَةً))، وفي آخر: ((يَوْمًا))، وفي آخر: (لَيْلَةً)»، وفي آخر: ((بَرِيدًا))، وهو عند أبي داود والحاكم والبيهقي، وفي آخر: (ثَلَاثَةَ أَمْيَالٍ))، وهو عند الطبراني، قال الحافظ: وقد عمل أكثر العلماء في هذا الباب بالمطلق؛ لاختلاف التقييدات. وقال العيني: في هذا الحديث أن المرأة لا تسافر إلا مع ذي محرم، وعموم اللفظ يتناول عموم السفر، فيقتضي أن يحرم سفرها بدون ذي محرم معها، سواء كان سفرها قليلًا أو كثيرًا للحج أو غيره، وإلى هذا ذهب إبراهيم النخعي والشعبي وطاوس والظاهرية، واحتج هؤلاء أيضًا بحديث أبي هريرة الآتي. انتهى. قال عياض بعد ذكر الألفاظ المختلفة في التقييد: هذا كله ليس يتنافر ولا يختلف، وقد ٣٦٣ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ يكون هذا في مواطن مختلفة ونوازل متفرقة، فحدث كل من سمعها بما بلغه منها وشاهده، وإن حدث بها واحد فحدث مرات بها على اختلاف ما سمعها. انتهى. وقال النووي: اختلاف هذه الألفاظ لاختلاف السائلين واختلاف المواطن. قال البيهقي: كأنه وَلّل سئل عن المرأة تسافر ثلاثًا بغير محرم، فقال: لا، وسئل عن سفرها يومين بغير محرم فقال: لا، وسئل عن سفرها يومًا، فقال: لا، وكذلك البريد، فأدى كل منهم ما سمعه، وما جاء منها مختلفًا عن راو واحدٍ، فسمعه في مواطن فروى تارة هذا، وتارة هذا، و کله صحیح، وليس في كله تحديد لأقل ما يقع عليه اسم السفر، ولم يرد ◌َّ تحديد أقل ما يسمى سفرًا، فالحاصل أن كل ما يسمى سفرًا تنهى عنه المرأة بغير زوج أو محرم سواء كان ثلاثة أيام أو يومين أو يومًا أو بريدًا أو غير ذلك لرواية ابن عباس المطلقة، فإنها تتناول جميع ما يسمى سفرًا. انتھی . وقد يمكن أن يجمع بينها: بأن اليوم المذكور مفردًا والليلة المذكورة مفردة بمعنى اليوم والليلة المجموعين، فمن أطلق يومًا أراد بليلته أو ليلة أراد بيومها، وهكذا عادة العرب يطلقون الليالي ويريدون بعددها من الأيام، ويكون ذكره يومين مدة مغيبها في هذا السفر في الذهاب والإياب، يعنى: أشار عند جمعهما إلى مدة الذهاب والرجوع، وعند إفرادهما أشار إلى قدر ما تقضي فيه الحاجة، والثالث، أي: الوسط بين السير والرجوع لقضاء الحاجة في المقصد، فأشار مرة إلى مسافة السفر ومرة إلى مدة الغيبة، وهكذا ذكر الثلاث، فقد يكون اليوم الوسط بين الذهاب والرجوع الذي يقضي حاجتها، بحيث سافرت له، ويحتمل أن يكون هذا كله تمثيلًا لأقل الأعداد وأوائلها؛ إذ الواحد أول العدد وأقله، والاثنان أول الكثير وأقله، والثلاث أول الجمع وأقله، فكأنه أشار إلى أن مثل هذا في قلة الزمن لا يحل لها السفر فيه مع غير ذي محرم فكيف بما زاد عليه؟! ولهذا قال في الحديث الآخر: (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا))، وحاصله: أنه نبه بمنع الخروج أقل كل عدد على منع خروجها من البلدَّ مطلقًا إلا بمحرم أو زوج، ويحتمل أن يكون ذكر الثلاث قبل ذكر ما دونها، فيؤخذ بأقل ما ورد في ذلك، وأقله الرواية التي فيها ذكر البريد، فعلى هذا يتناول السفر طويل السير وقصيره، ولا يتوقف امتناع سير المرأة على مسافة القصر؛ خلافًا للحنفية كذا في ((الفتح)). ٣٦٤ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ وقال الشوكاني: قد ورد من حديث ابن عباس عند الطبراني ما يدل على اعتبار المحرم فيما دون البريد، ولفظه: ((لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ ثَلَاثَةَ أَمْيَالٍ إِلَّا مَعَ زَوْجِ أَوْ ذِي مَحْرَم))، وهذا هو الظاهر أعني الأخذ بأقل ما ورد؛ لأن ما فوقه منهي عنه بالأولى، والتنّصِّيص على ما فوقه كالتنصيص على الثلاث واليوم والليلة واليومين والليلتين لا ينافيه؛ لأن الأقل موجود في ضمن الأكثر، وغاية الأمر أن النهى عن الأكثر يدل بمفهومه على أن ما دونه غير منهي عنه، والنهي عن الأقل منطوق، وهو أرجح من المفهوم. وقالت الحنفية: إن المنع المقيد بالثلاث متحقق، وما عداه مشكوك فيه، فيؤخذ بالمتيقن، ونوقض بأن الرواية المطلقة شاملة لكل سفر، فينبغي الأخذ بها وطرح ما سواها، فإنه مشكوك فيه، ومن قواعد الحنفية تقديم الخبر العام على الخاص، وقد خالفوا ذلك هنا. والاختلاف إنما وقع في الأحاديث التي وقع فيها التقييد بخلاف حديث ابن عباس، فإنه لم يختلف فيه عليه، فهو سالم من الاضطراب، فالأخذ به أولى، وقيل: ليس هذا من المطلق والمقيد الذي وردت فيه قيود متعددة وإنما هو من العام؛ لأنه نكرة في سياق النفي، فيكون من العام الذي ذكرت بعض أفراده ولا تخصيص بذلك على الراجح في الأصول. واعلم: أنهم اختلفوا في اشتراط المحرم أو الزوج لوجوب الحج على المرأة. قال ابن رشد: اختلفوا هل من شرط وجوب الحج على المرأة أن يكون معها زوج أو محرم منها؟ فقال مالك والشافعي: ليس من شرط الوجوب ذلك، وتخرج المرأة إلى الحج إذا وجدت رفقة مأمونة. وقال أبو حنيفة وأحمد وجماعة: وجود ذي المحرم ومطاوعته لها شرط في الوجوب، وسبب الخلاف معارضة الأمر بالحج للنهي عن سفر المرأة إلا مع ذي محرم، فمن غلب عموم الأمر قال: تسافر للحج وإن لم يكن معها ذو محرم، ومن خصص العموم بأحاديث النهي، ورأى أنه من باب تفسير الاستطاعة قال: لا تسافر إلا مع ذي محرم. انتهى. وقال ابن دقيق العيد: هذه المسألة تتعلق بالنصين إذا تعارضا وكان كل واحد منهما عامًا من وجه خاصًّا من وجه، بيانه أن قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِمُ اُلْبَيْتِ﴾ الآية [آل عمران: ٩١]. عام في الرجال والنساء، فمقتضاه أن الاستطاعة على ٣٦٥ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ السفر إذا وجدت وجب الحج على الجميع، وقوله ◌َّه : (لَا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَم)) خاص بالنساء، عام في كل سفر فيدخل فيه الحج، فمن أخرجه عنه خص الحديث بعموم الآية، ومن أدخله فيه خص الآية بعموم الحديث، فيحتاج إلى الترجيح من خارج. انتهى. قال الشوكاني: ويمكن أن يقال: إن أحاديث النهي عن السفر من غير محرم لا تعارض الآية؛ لأنها تضمنت أن المحرم في حق المرأة من جملة الاستطاعة على السفر التي أطلقها القرآن، وليس فيها إثبات أمر غير الاستطاعة المشروطة حتى تكون من تعارض العمومين. لا يقال: الاستطاعة المذكورة قد بينت بالزاد والراحلة كما سيأتي؛ لأنا نقول: قد تضمنت أحاديث النهي زيادة على ذلك البيان باعتبار النساء غير منافية، فيتعين قبولها على أن التصريح باشتراط المحرم في سفر الحج بخصوصه، كما في حديث ابن عباس عند البزار والدار قطني وحديث أبي أمامة عند الطبراني مبطل لدعوى التعارض. انتهى. وقال النووي: أجمعت الأمة على أن المرأة يلزمها حجة الإسلام إذا استطاعت؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] واستطاعتها كاستطاعة الرجل، لكن اختلفوا في اشتراط المحرم لها؛ فأبو حنيفة: يشترطه لوجوب الحج عليها إلا أن يكون بينها وبين مكة دون ثلاث مراحل، ووافقه جماعة من أصحاب الحديث وأصحاب الرأي وحكي ذلك عن الحسن البصري والنخعي، وقال عطاء وسعيد بن جبير، وابن سيرين ومالك والأوزاعي والشافعي في المشهور عنه: لا يشترط المحرم، بل يشترط الأمن على نفسها. قال أصحابنا: يحصل الأمن بزوج أو محرم أو نسوة ثقات، ولا يلزمها الحج عندنا إلا بأحد هذه الأشياء، فلو وجدت امرأة واحدة ثقة لم يلزمها، لكن يجوز لها الحج معها، هذا هو الصحيح. وقال بعض أصحابنا: يلزمها بوجود نسوة أو امرأة واحدة، وقد يكثر الأمن ولا تحتاج إلى أحد، بل تسير وحدها في جملة القافلة وتكون آمنة، والمشهور من نصوص الشافعي وجماهير أصحابه هو الأول، واختلف أصحابنا في خروجها لحج التطوع وسفر الزيارة والتجارة ونحو ذلك من الأسفار التي ليست واجبة، فقال بعضهم: يجوز لها الخروج فيها مع نسوة ثقات كحجة الإسلام. ٣٦٦ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ وقال الجمهور: لا يجوز إلا مع زوج أو محرم، وهذا هو الصحيح للأحاديث الصحيحة. وقد قال القاضي: واتفق العلماء أنه ليس لها أن تخرج في غير الحج والعمرة إلا مع ذي محرم إلا الهجرة من دار الحرب، فاتفقوا على أن تهاجر منها إلى دار الإِسلام، وإن لم يكن معها محرم، والفرق بينهما أن إقامتها في دار الكفر حرام إذا لم تستطع إظهار الدين، وتخشى على دينها ونفسها وليس كذلك التأخر عن الحج، فإنهم اختلفوا في الحج؛ هل هو على الفور أم على التراخي؟ انتهى. وقال الخرقي: وحكم المرأة إذا كان لها محرم كحكم الرجل. قال ابن قدامة (ج ٣ ص ٢٣٦): ظاهره أن الحج لا يجب على التي لا محرم لها، وقد نص عليه أحمد، فقال أبو داود: قلت لأحمد: امرأة موسرة لم يكن لها محرم هل يجب عليها الحج؟ قال: لا، وقال أيضًا: المحرم من السبيل. وهذا قول الحسن والنخعي وإسحاق وابن المنذر وأصحاب الرأي، وعن أحمد: أن المحرم من شرائط لزوم السعي دون الوجوب، فمتي فاتها الحج بعد كمال الشرائط بموت أو مرض لا يرجى برؤه أخرج عنها حجة؛ لأن شروط الحج المختصة به قد كملت وإنما المحرم لحفظها. وعنه رواية ثالثة: أن المحرم ليس بشرط في الحج الواجب . قال الأثرم: سمعت أحمد يسأل: هل يكون الرجل محرمًا لأم امرأته يخرجها إلى الحج؟ فقال: أمَّا في فريضة الحج فأرجو؛ لأنها تخرج إليها مع النساء ومع كل من أمنته، وأمَّا في غيرها، فلا والمذهب الأول، وعليه العمل، وقال ابن سيرين ومالك والأوزاعي والشافعي: ليس المحرم شرطًا في حجها بحال، قال ابن سيرين: تخرج مع رجل من المسلمين لا بأس به. وقال مالك: تخرج مع جماعة النساء . وقال الشافعي: تخرج مع حرة مسلمة ثقة، وقال الأوزاعي: تخرج مع قوم عدول. قال ابن المنذر: تركوا القول بظاهر الحديث واشترط كل واحد منهم شرطًا لا حجة معه، واحتجوا بأن النبي وَلّ فسر الاستطاعة بالزاد والراحلة. وقال لعدي بن حاتم: ((يوشك أن تخرج الظعينة من الحيرة تؤم البيت لا جوار معها لا تخاف إلا الله)). ولأنه سفر واجب، فلم يشترط له المحرم كالمسلمة، إذا تخلصت ٣٦٧ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ من أيدي الكفار. ولنا ما روى أبو هريرة مرفوعًا: ((لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُسَافِرُ مَسِیرَةَ یَوْم إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرم))، ثم ذكر حديث ابن عباس الذي نحن في شرحه، ثم قال: وروَّى ابن عمر وأبو سَّعيد نحوًا من حديث أبي هريرة. قال أبو عبد الله: أما أبو هريرة، فيقول: ((يَوْمًا وَلَيْلَةً))، ويروى عن أبي هريرة: ((لَا تُسَافِرْ سَفَرًا)) أيضًا، وأمَّا حديث أبي سعيدٍ: يَقُولُ: (ثَلَاثَةَ أَيَّام))، قُلْتُ: مَا تَقُولُ أَنْتَ؟ قَالَ: لَا تُسَافِرْ سَفَرًّا قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرِم، ورَوَّى الدار قطني بإسناده عن ابن عباس: أن النبي ◌ََّ قال: ((لَا تَحُجَّنَّ امْرَأَةٌ إِلََّّ وَمَعَهَا ذُو مَحْرَم))، وهذا صريح في الحكم، ولأنها أنشأت سفرًا في دار الإسلام، فلم يجز بغير مَّحرم كحج التطوع، وحديثهم محمول على الرجل بدليل أنهم اشترطوا خروج غيرها معها، فجعل ذلك الغير المحرم الذي بينه النبي ◌َّ في أحاديثنا أولى مما اشترطوه بالتحكم من غير دليل، ويحتمل: أنه أراد أن الزاد والراحلة يوجب الحج مع كمال بقية الشروط؛ ولذلك اشترطوا تخلية الطريق وإمكان المسير وقضاء الدين ونفقة العيال، واشتراط كل واحد منهم في محل النزاع شرطًا من عند نفسه لا من كتاب ولا من سنة، فما ذكره النبي ◌َّ أولى بالاشتراط، ولو قدر التعارض، فحديثنا أخص وأصح وأولى بالتقديم، وحديث عدي يدل على وجود السفر، لا على جوازه؛ ولذلك لم يجز في غير الحج المفروض، ولم يذكر فيه خروج غيرها معها، وقد اشترطوا ها هنا خروج غيرها معها، وأمَّا الأسيرة إذا تخلصت من أيدي الكفار، فإن سفرها سفر ضرورة لا يقاس عليه حالة الاختيار، ولذلك تخرج فيه وحدها؛ ولأنها تدفع ضررًا متيقنًا بتحمل الضرر المتوهم، فلا يلزم تحمل ذلك من غير ضرر أصلاً. انتهى كلام ابن قدامة . وقال الطبري في ((القرى)) (ص ٤٤): وافق أبا حنيفة في اشتراط المحرم أو الزوج أصحاب الحديث، وهو قول النخعي والحسن البصري، وبه قال أحمد وإسحاق وهو أحد قولي الشافعي، قال البغوي في ((شرح السنة)): والقول باشتراط المحرم أولى لظاهر الحديث، ولم يختلفوا أنها ليس لها الخروج في غير الفرض إلا مع محرم إلا في كافرة أسلمت في دار الحرب أو أسيرة تخلصت فيلزمها الخروج بلا محرم. ٣٦٨ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ وقال (ص ٤٥): ووجه دلالة حديث عدي على عدم ذلك اعتبار المحرم أنه وَل أخبر عن خروج المرأة وحدها عند أمانها على نفسها، فوجب وقوعه لا محالة. ودل ذلك على الجواز؛ إذ لو حرم لبينه، فإنه وقت حاجة؛ لأنه كالواقع وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز، وهذا القائل يحمل أحاديث اشتراط المحرم على حال الخوف والخطر؛ جمعًا بينهما وعملًا بهما وذلك أولى من إهمال بعضها، ويمكن أن يقال: الحديث دل على الوقوع لا على الجواز لا بطريق المطابقة ولا بالاستلزام؛ لأنه ورد في معرض الثناء على حال الزمان بالأمن والعدل، وذكر خروج المرأة وحدها في معرض الاستدلال على ذلك، سواء كان جائزًا أو غير جائز، فالجواز وعدمه مسكوت عنه ولا إشعار للفظ الخبر بهما لا نفيًّا ولا إثباتًا؛ إذ لو قال عقيب كلامه: وارتحالها لذلك جائز لها لم يعد ذلك تكرارًا لما فهم من الأول ولا مؤكدًا للفظه، أو قال: وارتحالها محرم عليها لم يعد ذلك نقضًا له، كيف وفي قوله: ((لَا تَخَافُ أَحَدًا إلا اللهَ)) إشعار بالحرمة؛ إذ لو يحرم عليها ذلك لما خافت اللّه تعالى، وأمَّا قوله : - وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز - فمسلم ولم يتأخر، فإن أحاديث اشتراط المحرم إن ثبت الخطاب بها قبل هذا الحديث، فالتحريم ثابت عندهم، وليس في لفظ هذا الحديث ما يناقضه، فيحمل على ما ذكرناه، وإن كان الخطاب بها متأخرًا عن هذا الحديث، فقد بين وَخلّ ما سكت فيه عنه مما احتمل إرادته قبل موته، فلم يتأخر البيان عن وقت الحاجة على الحالين، وهذا هو الظاهر عندي وإن كان الصحيح من مذهب الشافعي خلافه. انتھی . قال الحافظ: ومن الأدلة على جواز سفر المرأة مع النسوة الثقات إذا أمن الطريق أول أحاديث باب حج النساء - يعني به: حديث إبراهيم بن سعد عن أبيه عن جده قال: أذن عمر لأزواج النبي وَلّ في آخر حجة حجها، فبعث معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف - لاتفاق عمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف ونساء النبي ◌َّ على ذلك، وعدم نكير غيرهم من الصحابة عليهن في ذلك، ومن أبى ذلك من أمهات المؤمنين، فإنما أباه من جهة خاصة لا من جهة توقف السفر على المحرم . وأجيب: بأن أزواج النبي وَ لّ كلهن أمهات المؤمنين وهم محارم لهن؛ لأن ٣٦٩ كِتَابُ المُنَاسِكِ المحرم من لا يجوز له نكاحها على التأبيد، فكذلك أمهات المؤمنين حرام على غير النبي وَلّ إلى يوم القيامة، ثم إنه اختلف القائلون باشتراط المحرم للمرأة أن وجود الزوج أو المحرم شرط الوجوب، أو شرط وجوب الأداء، فللحنفية فيه قولان؛ والذي أختاره في ((فتح القدير)): أنه مع الصحة وأمن الطريق شرط وجوب الأداء، فيجب الإيصاء إن منع المرض أو خوف الطريق، أو لم يوجد زوج ولا محرم، ويجب عليها التزوج عند فقد المحرم، وعلى الأول لا يجب شيء من ذلك كما في ((البحر)) وفي ((النهر))، وصحح الأول في ((البدائع)) ورجع الثاني في ((النهاية)) تبعًا لقاضي خان، لكن جزم في ((اللباب)): أنه لا يجب عليها التزوج مع أنه مشى على جعل المحرم أو الزوج شرط أداء، ورجح هذا في ((الجوهرة)) وابن أمير الحاج في المناسك ووجهه أنه لا يحصل غرضها بالتزوج؛ لأن للزوج أن يمتنع من الخروج معها بعد أن يملكها، ولا تقدر على الخلاص منه، وربما لا يوافقها فتتضرر منه بخلاف المحرم، فإنه إن وافقها أنفقت عليه، وإن امتنع أمسكت نفقتها وتركت الحج. وقال المرداوي من الحنابلة: المحرم من شرائط الوجوب كالاستطاعة وغيرها وعليه أكثر الأصحاب، ونقله الجماعة عن الإمام أحمد وهو ظاهر كلام الخرقي وقدمه في ((المحرر)) و(الفروع)) و((الحاويين)) و((الرعايتين)) وجزم به في ((المنهاج)) و((الإفادات)). قال ابن منجا في ((شرحه)): هذا المذهب وهو من المفردات، وعنه أن المحرم من شرائط لزوم أداء الحج - فلا يمنع الوجوب والاستقرار في الذمة -، وجزم به في ((الوجيز)) وأطلقه الزركشي. انتهى. وفائدة الخلاف تظهر في وجوب الإيصاء به ثم لفظ (امْرَأَةٌ) في الحديث عام يشمل الشابة والعجوز لكن خص أبو الوليد الباجي المنع بغير العجوز التي لا تشتهى، أمَّا هي فتسافر كيف شاءت في كل الأسفار بلا زوج ولا محرم، وتعقب: بأن المرأة مظنة الطمع فيها ومظنة الشهوة، ولو كانت كبيرة. وقد قالوا: لكل ساقطة لاقطة، ويجتمع في الأسفار من سفهاء الناس وسقطهم من لا يرتفع عن الفاحشة بالعجوز وغيرها لغلبة شهوته، وقلة دينه ومروءته و خیانته ونحو ذلك. وأجيب: بأن الكلام إنما هي فيمن لا تشتهى أصلًا ورأسًا ولا نسلم أن من هي بهذه المثابة مظنة الطمع والميل إليها بوجه. قال ابن دقيق العيد: والذي قاله ٣٧٠ * مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ الباجي تخصيص العموم بالنظر إلى المعنى، يعنى: مراعاة الأمر الأغلب والمتعقب راعى الأمر النادر وهو الاحتياط. قال: والمتعقب على الباجي يرى جواز سفر المرأة وحدها في الأمن وسيرها في جملة القافلة، فقد نظر أيضًا إلى المعنى مع كونه مخالفًا لظاهر الحديث، يعنى: فليس له أن ينكر على الباجي، وهذا الذي قاله من جواز سفرها وحدها هو قول للشافعي، نقله الكرابيسي، ولكن المشهور عن الشافعية اشتراط الزوج أو المحرم، أو النسوة الثقات، ولا يشترط أن يخرج معهن محرم أو زوج لإحداهن؛ لانقطاع الأطماع باجتماعهن. (فَقَالَ رَجُلٌ)، قال الحافظ: لم أقف على اسم الرجل ولا امرأته ولا على تعيين الغزوة المذكورة. (اكْتُتِبْتُ) بصيغة المجهول المتكلم من باب الافتعال. (فِي غَزْوَةٍ كَذَا وَكَذَا)، أي: كتبت نفسي في أسماء من عين لتلك الغزوة، وقيل: كتب وأثبت اسمي فيمن يخرج إلى غزوة كذا. (وَخَرَجَتِ امْرَأَتِي حَاجَّةً)، أي: أرادت أن تخرج محرمة للحج أو قاصدة له، يعني : وليس معها أحد من المحارم، وفي رواية للبخاري: إني أريد أن أخرج في جيش كذا وكذا، وامرأتي تريد الحج. (اذْهَبْ فَاحْجُجْ) بضم الجيم الأولى. (مَعَ امْرَأَتِكَ)، قال الحافظ: أخذ بظاهره بعض أهل العلم، فأوجب على الزوج السفر مع امرأته إذا لم يكن لها غيره، وبه قال أحمد وهو وجه للشافعية، والمشهور: أنه لا يلزمه كالولي في الحج عن المريض، فلو امتنع إلا بأجرة؛ لزمها؛ لأنه من سبيلها، فصار في حقها كالمؤنة، واستدل به: على أنه ليس للزوج منع امرأته من حج الفرض، وبه قال أحمد وهو وجه للشافعية، والأصح عندهم: أن له منعها؛ لكون الحج على التراخي، وأمَّا ما رواه الدار قطني من طريق إبراهيم الصائغ عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا في امرأة لها زوج ولها مال، ولا يأذن لها في الحج، فليس لها أن تنطلق إلا بإذن زوجها . فأجيب عنه: بأنه محمول على حج التطوع؛ عملًا بالحديثين، ونقل ابن المنذر الإجماع على أن للزوج المنع من الخروج في الأسفار كلها، وإنما اختلفوا فيما كان واجبًا. انتهى. وعند الحنفية: ليس لزوجها منعها عن حجة الإسلام إذا كان معها محرم، وإلا فله منعها، ولو خرج معها زوجها، فلا نفقة له عليها، بل هي لها عليه ٣٧١ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ النفقة وإن لم يخرج معها، فكذلك عند أبي يوسف، وقال محمد: لا نفقة لها؛ لأنها مانعة نفسها بفعلها، وارجع إلى ((المغني)) (ج٣ ص ٢٤٠)، قال النووي: وفي الحديث: تقديم الأهم فالأهم من الأمور المتعارضة؛ لأنه لما تعارض سفره في الغزو وفي الحج معها رجح الحج معها؛ لأن الغزو يقوم غيره في مقامه بخلاف الحج معها، فإنه لا يقوم غيره مقامه في السفر معها إذا لم يكن لها محرم. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الحج وفي الجهاد وفي النكاح، ومسلم في الحج واللفظ للبخاري في الجهاد، وأخرجه أيضًا أحمد (ج ١ ص٢٢٢)، والشافعي (ج١ ص٢٩٠، ٢٩١). ٢٥٣٨ - [١٠] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: اسْتَأْذَنْتُ النَّبِيَّ وَ فِي الْجِهَادِ، فَقَالَ: ((جِهَادُكُنَّ الْحَجُ)). [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] الشرح ٢٥٣٨ - قوله: (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: اسْتَأْذَنْتُ النَِّيَّ وََّ فِي الْجِهَادِ)، فقال: (جِهَادُكُنَّ الْحَجُّ)، أي: لا جهاد عليكن وعليكن الحج إذا استطعتن، وسماه جهادًا لما فيه من مجاهدة النفس ومشقة السفر واتعاب البدن، ومفارقة الأهل والوطن. والحديث رواه البخاري بألفاظ، واللفظ المذكور له في باب جهاد النساء من كتاب الجهاد والسير، وفي رواية له في الباب المذكور: عن عائشة أم المؤمنين عن النبي وَل ◌ّ سأله نساؤه عن الجهاد؛ فقال: «نِعْمَ الْجِهَادُ الْحَجُ))، ورواه في باب فضل الحج المبرور من أوائل كتاب الحج وفي أول الجهاد بلفظ: عن عائشة أنها قالت: يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد؟ قال: «لَكُنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ حَجّ مَبْرُورٌ))، ورواه بنحوه أيضًا في باب حج النساء، وزاد: فقالت عائشة: فلا أدع الحج بعد إذ سمعت هذا من رسول اللّه وَال . ورواه النسائي: بلفظ: ألا نخرج فنجاهد معك، فإني لا أرى عملًا في القرآن (٢٥٣٨) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٢٨٧٥) عَنْ عَائِشَةَ رِّنَا فِيهِ. EE ٣٧٢ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ أفضل من الجهاد، قال: ((لَا ، وَلَكِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ وَأَجْمَلَهُ حَجُّ الْبَيْتِ حَجِّ مَبْرُورٌ))، ورواه ابن ماجه: بلفظ: قلت: يا رسول الله، على النساء جهاد؟ قال: ((نَعَمْ، جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ))، وقد ذكره المصنف في الفصل الثالث، وفي رواية للبيهقي: عن عائشة قالت: استأذنه نساؤه في الجهاد فقال ◌َّ: ((يَكْفِيكُنَّ الْحَجُ - أَوْ - جِهَادُكُنَّ الْحَجُّ)». قال ابن بطال: دل حديث عائشة على أن الجهاد غير واجب على النساء، وإنهن غير داخلات في قوله تعالى: ﴿آنِفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١] وهو إجماع ولكن ليس في قوله: (جِهَادُكُنَّ الْحَجُّ)، إنه ليس أن يتطوعن بالجهاد، وإنما فيه أن الحج أفضل لهن، وإنما لم يكن الجهاد عليهن واجبًا؛ لما فيه من مغايرة المطلوب منهن من الستر، ومجانبة الرجال، والحج يمكنهن فيه مجانبة الرجال والاستتار، فلذلك كان الحج أفضل لهن من الجهاد. قال: وزعم بعض من ينقص عائشة في قصة الجمل أن قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِ بُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] يقتضي تحريم السفر عليهن، قال: وهذا الحديث يرد عليهم؛ لأنه قال: ((لَكُنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ))، فدل على أن لهن جهادًا غير الحج، والحج أفضل منه. انتهى. قال الحافظ: ويحتمل أن يكون المراد بقوله: لَا، في جواب قولهن: ألا نخرج فنجاهد معك؟ أي: ليس ذلك واجبًا عليكن كما وجب على الرجال، ولم يرد بذلك تحريمه عليهن، فقد ثبت في حديث أم عطية أنهن كن يخرجن فيداوين الجرحى، وفهمت عائشة ومن وافقها من هذا الترغيب في الحج إباحة تكريره لهن کما أبیح للرجال تکریر الجهاد، وخص به عموم قوله في حديث أبي واقد، عند أحمد وأبي داود وغيرهما: ((هَذِهِ ثُمَّ ظُهُورَ الْحُصْرِ))، وقوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ﴾ وكان عمر متوقفًا في ذلك ثم ظهر له قوة دليلها، فأذن لهن في آخر خلافته، ثم كان عثمان بعد يحج بهن في خلافته أيضًا، وقد وقف بعضهن عند ظاهر النھي . وقال البيهقي: في حديث عائشة هذا دليل على أن المراد بحديث أبي واقد: وجوب الحج عليهن مرة واحدة، كما بين وجوبه على الرجال مرة لا المنع من الزيادة. وفيه: دليل على أن الأمر بالقرار في البيوت ليس على سبيل الوجوب. ٣٧٣ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) هذا وهم من المصنف، فإن الحديث من أفراد البخاري لم يخرجه مسلم في ((صحيحه)) أصلًا، ولم يعزه لمسلم أحد غير المصنف فيما أعلم، وأخرجه أحمد، والنسائي، وابن ماجه كلاهما في الحج، وأخرجه أيضًا ابن خزيمة في ((صحيحه)) والبيهقي (ج٤ ص٣٢٦) وله شاهد من حديث أبي هريرة، أخرجه النسائي بإسناد صحيح بلفظ: ((جِهَادُ الْكَبِيرِ - أي: العاجز - وَالصَّغِيرِ وَالضَّعِيفِ وَالْمَرْأَةِ؛ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ) . ٢٥٣٩ - [١١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهُ: ((لَا تُسَافِرُ امْرَأَةٌ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلَّ وَمَعَهَا ذُو مَحْرَم)). [مُثَّفَقٌ عَلَيْهِ] الشرح ٢٥٣٩ - قوله: (لَا تُسَافِرُ) للحج أو غيره سواء كان بالسيارة أو بالطيارة أو بالقطار، وهو نفي معناه نهي. قال القاري: وفي نسخة، أي: من المشكاة بصيغة النهي. (امْرَأَةٌ)، أي: شابة أو عجوز، وقوله: (لَا تُسَافِرُ امْرَأَةٌ)، كذا وقع في ((المشكاة)) و((المصابيح))، وفي ((الصحيحين)): ((لَا يَحِلَّ لِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ)». (مَسِيرَةَ يَوْم وَلَيْلَةٍ) مصدر ميمي بمعنى السير كالمعيشة بمعنى العيش، واختلفت الرواية عن أبي هريرة أيضًا في ذكر المدة؛ ففي رواية للشيخين: (مَسِيَرَةَ يَوْم وَلَيْلَةٍ)، وهي المذكورة في الكتاب، وفي أخرى لمسلم: ((مَسِيرَةَ يَوْم))، وفيَّ أخرى له: ((مَسِيرَةَ لَيْلَةٍ))، وفي أخرى له أيضًا: ((أَنْ تُسَافِرَ ثَلَاثًا))، وفي روَّاية لأبي داود: ((بَرِيدًا))، وقد تقدم الكلام في ذلك، وأنه ليس المراد التحديد بل المدار على ما يسمى سفرًا، والاختلاف إنما وقع لاختلاف السائل والمواطن، وليس هو من المطلق والمقيد بل من العام الذي ذكرت بعض أفراده وذا لا يخصص على الأصح. (٢٥٣٩) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١٠٨٨)، ومُسْلِم (١٣٣٩/٤٢١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهِ. ٣٧٤ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ (إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَم)، وفي مسلم: ((إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمِ عَلَيْهَا))، ولفظ البخاري: (لَيْسَ مَعَهَا حُرْمَةٌ))، وَفي أخرى لمسلم: ((إِلَّا وَمَعَهَا رَجُلٌ ذُو حُرْمَةٍ مِنْهَا))، وقوله: (ذُو مَحْرَم) هكذا وقع في الروايات، قيل: والظاهر أن لفظ: ((ذُو)) مقحم فإن المحرم للمرأة هو من لا يحل له نكاحها، وقيل: المراد: ذو رحم محرم، أي: ذو قرابة محرم تزوجها. قال في ((القاموس)): ورحم محرم، محرم تزوجها. قال صاحب ((تيسير العلام)): المرأة مظنة الشهوة والطمع، وهي لا تكاد تقي نفسها لضعفها ونقصها ولا يغار عليها مثل محارمها الذين يرون أن النيل منها نيل من شرفهم وعرضهم، والرجل الأجنبي حينما يخلو بالأجنبية يكون معرضًا لفتن الشيطان ووساوسه، لهذه المحاذير التي هي وسيلة في وقوع الفاحشة وانتهاك الأعراض؛ حرم الشارع على المرأة أن تسافر إلا ومعها ذو محرم. قال: واختلفوا هل المرأة مستطيعة الحج بدون المحرم، إذا كانت ذات مال أم أن وجود المحرم شرط في الاستطاعة؟ الصحيح: أنه لا يحل له خروجها بدون محرم لأي سفر فتكون معذورة غير مستطيعة، واختلفوا في الكبيرة التي لا تميل إليها النفس، هل تسافر بدون محرم، أم لا بد من المحرم؟ الصحيح الأخير؛ لأن الحديث عام في كل امرأة ولا يخلو الأمر من محذور، فلكل ساقطة لاقطة. واختلفوا هل يكفي أن تكون مع رفقة أمينة، أو تسافر مع امرأة مسلمة ثقة أم لا؟ الصحيح: أنه لا بد من المحرم، لعموم الحديث، ولأن غيرة المحرم ونظره مفقودان، واختلفوا في تحديد السفر؛ تبعًا لاختلاف الأحاديث، والأحوط أن يؤخذ بأقلها؛ لأنه لا ينافي ما فوقه، ويكون ما فوقه قضايا عين حسب حال السائل. والله أعلم. قال: وإذا قارنت حال المسلمين اليوم بهذه النصوص الصحيحة، والآداب العالية، والغيرة الكريمة والشهامة النبيلة، والمحافظة على الفروج والأعراض، وحفظ الأنساب وجدت كثيرًا من المسلمين قد نبذوا دينهم وراءهم ظهريًّا ومرقوا منه، وصار التصون والحياء ضربًا من الرجعية والجمود. أمَّا الانحلال الخلقي وخلع رداء الحياء والعفاف، فهو التقدم والرقي، فإنا لله وإنا إليه راجعون. (مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في أبواب تقصير الصلاة، ومسلم في الحج. وأخرجه أيضًا أحمد مرارًا ومالك في كتاب الجامع من ((الموطأ)) والشافعي في كِتَابُ الْمُنَاسِكِ S HEK EE ٣٧٥ ((المسند)) (ج١ ص٢٩١)، والترمذي في الرضاع وأبو داود، وابن ماجه في الحج، والحاكم (ج١ ص٤٤٢) والبيهقي (ج٥ ص ٢٢٧). ٢٥٤٠ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ: ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ: الْجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ : قَرْنَ الْمَنَازِلِ، وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ: يَلَمْلَمَ، فَهُنَّ لَّهُنَّ، وَلِّمَنْ أَتَيٍ عَلَيْهِنَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ، لِمَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ، فَمُهَلَّهُ مِنْ أَهْلِهِ، وَكَذَاَكَ وَكَذَاكَ، حَتَّى أَهَّلُ مَكَّةَ يُهِلَّونَ مِنْهَا. [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] الشرح ٢٥٤٠ - قوله: (وَقَّتَ)، أي: حدد وعين المواضع الآتية للإحرام وجعلها ميقاتًا، وإن كان مأخوذًا من الوقت وهو المقدار من الزمان إلا أن العرف يستعمله في مطلق التحديد اتساعًا. قال الحافظ: أصل التوقيت: أن يجعل للشيء وقت يختص به، ثم اتسع فيه فأطلق على المكان أيضًا. وقال ابن الأثير في ((النهاية)): التوقيت والتأقيت أن يجعل للشيء وقت يختص به، وهو بيان مقدار المدة، يقال: وقت الشيء بالتشديد يوقته ووقت بالتخفيف يقته إذا بين مدته، ثم اتسع فيه فأطلق على المكان فقيل للموضع: ميقات. وقال ابن دقيق العيد: قيل: إن التوقيت في الأصل ذكر الوقت، والصواب أن يقال: تعليق الحكم بالوقت ثم استعمل في التحديد للشيء مطلقًا؛ لأن التوقيت تحديد بالوقت، فيصير التحديد من لوازم التوقيت، فيطلق عليه التوقيت، وقوله ها هنا: (وَقَّتَ) يحتمل أن يراد به التحديد، أي: حد هذه المواضع للإحرام، ويحتمل أن يراد بذلك تعليق الإحرام بوقت الوصول إلى هذه الأماكن بالشرط المعتبر. وقال عياض: وقت أي: حدد وجعل لهم ميقاتًا، وحد الحد الذي يحرمون منه والمواقيت كلها حدود للعبادات، وقد يكون ((وقت)) بمعنى أوجب عليهم الإحرام (٢٥٤٠) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٥٢٦)، ومُسْلِم (١١ / ١١٨١) عِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ رَْتَهُ، وأَبُو دَاوُد (١٧٣٨)، والنَّسَائِي (١٢٦/٥). ٣٧٦ ges مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ منه، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَوةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبًا مَّوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، ويؤيده حديث ابن عمر عند البخاري بلفظ: ((فرضها رسول اللّه وَ لَ))، قال الولي العراقي: معنى التوقيت بهذه المواقيت أنه لا يجوز لمريد النسك أن يجاوزها غير محرم، والدليل على وجوب ذلك من أوجه: أحدها: أنه عليه الصلاة والسلام جعلها ميقاتًا للإحرام وقال: ((خُذُوا عَنِّي مَتَاسِكَكُمْ))، فلزمنا الوقوف عند ذلك. ثانيها: أنه قال في الرواية الأخرى: ((يُهِلَّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ))، إلى آخر الحديث. فأتى به بلفظ الخبر، وهو هنا بمعنى الأمر، وإنما يستعمل الأمر بصيغة الخبر لتأكده، والأمر المتأكد للوجوب. ثالثها: أنه قد ورد الأمر صريحًا في قوله في رواية البخاري وغيره: ((من أين تأمرنا أن نهل))، وأقره النبي ◌َ ل ◌ّ على ذلك وبين له مواضع الإهلال المأمور بها، وفي قوله في رواية مسلم من حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر: أمر رسول الله أهل المدنية أن يهلوا من ذي الحليفة ... الحديث. رابعها: أن في ((صحيح البخاري)) من حديث ابن عمر: فرضها رسول اللّه ◌ِ لَه، وذكر الحديث. وافتراض المواقيت صريح فيما ذكرناه، ولذلك بوب عليه البخاري: فرض مواقيت الحج والعمرة، وبهذا قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد والجمهور. وقالوا: لو تركها؛ لزمه دم. قال الشيخ تقي الدين: وإيجاب الدم من غير هذا الحديث، وكأنه يحتاج إلى مقدمة أخرى. ثم قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد وآخرون: متى عاد إلى الميقات قبل التلبس بنسك؛ سقط عنه الدم. وقال أبو حنيفة: إنما يسقط عنه الدم، إذا عاد إليه ملبيًا، فإن عاد غير ملبٍ؛ استمر لزوم الدم. وقال عبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل وزفر: لا يسقط الدم بعوده إليه مطلقًا. وقال مالك: إن عاد إليه قبل أن يبعد عنه، وهو حلال؛ سقط، وإن عاد بعد البعد والإحرام لم يسقط، واعلم: أنه حكى الأثرم عن الإمام أحمد أنه سئل في أيِّ سنة وقت النبي ◌ّل# المواقيت؟ فقال: عام حج. انتهى، كذا ذكره الحافظ وغيره من الشراح واكتفوا بذكره في مبدأ المواقيت. وروى البخاري في العلم من حديث ٣٧٧ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ ابن عمر: أن رجلًا قام في المسجد فقال: يا رسول الله، من أين تأمرنا أن نهل؟ فقال رسول اللّه ◌َله: ((يُهِلَّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ ... )) الحديث. ويشكل على ذلك أنهم تصدوا جميعًا للاعتذار عن مجاوزة أبي قتادة عام الحديبية عن المواقيت بغير إحرام، وذكروا لذلك توجيهات مختلفة، وإذا كان التوقيت عام حجة الوداع لم يكن حاجة إلى الجواب والاعتذار عنه. (لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ) النبوية، أي: سكانها ومن سلك طريق سفرهم ومر على ميقاتهم (ذَا الْحُلَّيْفَةِ) مفعول (وَقَّتَ)، و(الْحُلَيْفَةِ) بضم الحاء المهملة وفتح اللام تصغير الحلفة بفتحات: نبت معروف، وذو الحليفة موضع معروف بقرب المدينة بينه وبينها ستة أميال؛ قاله النووي وقبله الغزالي والقاضي عياض والشافعي كما في ((المعرفة))، وكذا قال المجد في ((القاموس)) وياقوت الحموي في ((المعجم))، وزادا كالقاضي أنه من مياه بني جشم بالجيم والشين المعجمة بين بني خفاجة من عقيل، وقال ابن حزم: هو على أربعة أميال من المدينة. وقال السمهودي في ((وفاء الوفاء)) (ص ١١٩٤): وقد اختبرت ذلك بالمساحة فكان من عتبة باب المسجد النبوي المعروف بباب السلام إلى عتبة باب مسجد الشجرة بذي الحليفة تسعة عشر ألف ذراع وسبعمائة ذراع واثنين وثلاثين ذراعًا ونصف ذراع بذراع اليد - وذراع اليد على ما ذكره المحب الطبري والنووي وغيرهما أربعة وعشرون إصبعًا، كل إصبع ست شعيرات مضمومة بعضها إلى بعض - وذلك خمسة أميال وثلثا ميل ينقص مائة ذراع. انتهى. وقيل: ذلك دون خمسة أميال، فإن الميل عند الحنفية أربعة آلاف ذراع بذراع الحديد المستعمل الآن. وقال الحافظ: ذو الحليفة مكان معروف بينه وبين مكة مائتا ميل غير ميلين، قاله ابن حزم (ج ٧ ص ٧٠)، وقال غيره: بينهما عشر مراحل، قال: وبها مسجد يعرف بمسجد الشجرة خراب وبها بئر يقال لها: بئر علي: انتهى. وعلي هذا ليس بعلي بن أبي طالب رَّهُ. وقال العيني: وبذي الحليفة عدة آبار ومسجدان لرسول اللَّه ◌َ ل، المسجد الكبير الذي يحرم منه الناس، والمسجد الآخر مسجد المعرس. انتهى. وقال صاحب ((تيسير العلام)): ذو الحليفة تسمى الآن آبار علي، وتبعد عن مكة ٣٧٨ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ بالمراحل (١٠) وبالفراسخ (٨٠) وبالأميال (٢٤٠) وبالكيلوات (٤٣٠) والمرحلة هي مسيرة يوم وليلة بسير الإبل المحملة بالأثقال سيرًا معتادًا ويقدر بها العرب الأوائل فأخذها عنهم العلماء. (وَلِأَهْلِ الشَّامِ)، أي: ومن سلك طريقهم فمر بميقاتهم، والشام بلاد معروفة وهي من العريشَ إلى بالس، وقيل: إلى الفرات قاله النووي في ((شرح أبي داود))، قال القاري: قوله: (وَلِأَّهْلِ الشَّام)، أي: من طريقهم القديم؛ لأنهم الآن يمرون على مدينة النبي الكريم. انتهى. وقال ابن حجر المكي الهيتمي: قوله وَله: (وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ)، أي: إذا لم يمروا بطريق المدينة، وإلا لزمهم الإحرام من الحليفةَ إجماعًا على ما قاله النووي. قال القاري: وهذا غريب منه وعجيب، فإن المالكية وأبا ثور - وابن المنذر وهما من الشافعية - يقولون: بأن له التأخير إلى الجحفة، وعندنا معشر الحنفية يجوز للمدني أيضًا تأخيره إلى الجحفة، فدعوى الإجماع باطلة مع وقوع النزاع. انتهى. قلت: وسيأتي الكلام في هذا مفصلًا ووقع في حديث عائشة عند النسائي: ((وَلِأَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ الْجُحْفَةَ))، قال الولي العراقي: هذه زيادة يجب الأخذ بها وعليها العمل. وروى الشافعي بسنده عن عطاء مرسلًا أن رسول اللَّه وَايه. وقت لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل المغرب. (الْجُحْفَة) بضم الجيم وإسكان الحاء المهملة وفتح الفاء قرية كبيرة كانت عامرة ذات منبر، وهي الآن خربة بينها وبين البحر الأحمر بالأميال (٦) وبالكيلوات (١٠)، قال ابن حزم: وهي فيما بين المغرب والشمال من مكة، ومنها إلى مكة اثنان وثمانون ميلًا. وقال صاحب ((التيسير)): تبعد عن مكة بالمراحل (٥) وبالفراسخ (٤٠) وبالأميال (١٢٠) وبالكيلوات (٢٠١)، ويحرم منها أهل مصر والشام والمغرب ومن ورائهم من أهل الأندلس والروم والتكرور. قيل: إنها ذهبت أعلامها ولم يبق إلا رسوم خفية لا يكاد يعرفها إلا سكان بعض البوادي، فلذا - والله تعالى أعلم - اختار الناس الإحرام احتياطًا من المكان المسمى ((برابغ)) براء وموحدة وغين معجمة بوزن فاعل؛ لأنها قرية قبل حذائها بقليل. وقيل: لا يحرمون من الجحفة؛ لوخمها وكثرة حماها، فلا ينزلها أحد إلا حُمَّ. وسماها رسول اللّه وَّل في حديث ابن عمر عند الشيخين: (مَهْيَعَةَ))، بفتح الميم ٣٧٩ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ وإسكان الهاء وفتح التحتية والعين المهملة بوزن علقمة، وقيل: بكسر الهاء مع إسكان الياء على وزن لطيفة، والصحيح المشهور الأول. وسميت الجحفة؛ لأن السيل أجحف بها. قال ابن الكلبي: كان العماليق يسكنون يثرب، فوقع بينهم وبين بني عبيل - بفتح المهملة وكسر الموحدة، وهم إخوة عاد - حرب فأخرجوهم من يثرب فنزلوا مهيعة فجاء سيل فاجتحفهم، أي: استأصلهم فسميت الجحفة. (وَلِأَهْلِ نَجْدٍ)، أي: ساكنيها ومن سلك طريق سفرهم فمر بميقاتهم. ونجد بفتح النون وإسكان الجيم وآخره دال مهملة. قال الحافظ: هو كل مكان مرتفع، وهو اسم لعشرة مواضع، والمراد منها هنا: التي أعلاها تهامة واليمن وأسفلها الشام والعراق. وقال ياقوت: نجد تسعة مواضع، ونجد المشهور فيها اختلاف كثير، والأكثر أنها اسم للأرض التي أعلاها تهامة وأسفلها العراق والشام. وقال الخطابي: نجد ناحية المشرق ومن كان بالمدينة كان نجده بادية العراق ونواحيها وهي مشرق أهلها، وذكر في ((المنتهى)): نجد من بلاد العرب وهو خلاف الغور أعني تهامة، وكل ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق فهو نجد. وقال عياض في ((المشارق)) وأبو عمر: نجد ما بين الجرش إلى سواد الكوفة. وحدّه مما يلي المغرب الحجاز وعن يسار الكعبة اليمن. ونجد كلها من عمل اليمامة. قال السمهودي: والصواب أن الذي من عمل اليمامة موضع مخصوص من نجد لا كله. وقال في ((النهاية)): النجد: ما ارتفع من الأرض وهو اسم خاص لما دون الحجاز مما يلي العراق. انتهى. وهو مذكر، قال الشاعر: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّيْلَ يَقْصُرُ طُولهُ بِنَجْدٍ وَيَزْدَادُ التّطَافُ بِهِ نَجْدًا ولو أنثه أحد ورده على البلاد؛ لجاز له ذلك. (قَرْنَ الْمَنَازِلِ)، بلفظ: جمع المنزل والمركب الإضافي هو اسم المكان، ويقال له: قرن أيضًا بلا إضافة كما ورد في رواية للشيخين، وأحمد، ومالك وغيرهم، وهو بفتح القاف وسكون الراء بعدها نون، وضبطه صاحب ((الصحاح)) بفتح الراء وغلطوه. وبالغ النووي فحكى الاتفاق على تخطئته في ذلك، لكن حكى عياض عن تعليق القابسي: أن من قاله بالإسكان أراد الجبل المشرف على الموضع، ومن قال بالفتح؛ أراد الطريق الذي يفترق منه؛ فإنه موضع فيه طرق متفرقة. والجبل المذكور بينه وبين مكة من جهة