النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤٠ SEARCH مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ وقال ابن قدامة في ((المغني)) (ج ٣: ص٢٤٨): أجمع أهل العلم إلا من شذ عنهم ممن لا يعتد بخلافه على أن الصبي إذا حج في صغره والعبد إذا حج في رقه، ثم بلغ أو عتق أن عليهما حجة الإسلام إذا وجدا إليها سبيلا. كذلك قال ابن عباس، وعطاء، والحسن والنخعي، والثوري، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور وأصحاب الرأي. قال الترمذي: وقد أجمع أهل العلم عليه. وقال الإمام أحمد عن محمد بن كعب القرظي قال: قال رسول اللّه وَله: ((إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُجَدِّدَ فِي صُدُورٍ الْمُؤْمِنِينَ عَهْدًا، أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ بِهِ أَهْلُهُ فَمَاتَ؛ أَجْزَأَتْ عَنْهُ، فَإِنْ أَدْرََكَ فَعَلَيْهِ الْحَجُّ، وَأَيُّمَا مَمْلُوكٍ حَجَّ بِهِ أَهْلُهُ فَمَاتَ؛ أَجْزَأَتْ عَنْهُ،فَإِنْ مُتِقَ ، فَعَلَيْهِ الْحَجُ))، رواه سعيد بن منصور في ((سننه))، والشافعي في ((مسنده)) عن ابن عباس من قوله، فإن بلغ الصبي أو عتق العبد بعرفة أو قبلها غير محرمين فأحرما ووقفا بعرفة وأتما المناسك؛ أجزأهما عن حجة الإسلام، لا نعلم فيه خلافًا؛ لأنه لم يفتهما شيء من أركان الحج، ولا فعلا شيئًا منها قبل وجوبه، وإن كان البلوغ والعتق وهما محرمان أجزأهما أيضًا عن حجة الإسلام، وكذلك قال ابن عباس وهو مذهب الشافعي وإسحاق. وقاله الحسن في العبد. وقال مالك: لا يجزئهما، اختاره ابن المنذر. وقال أصحاب الرأي: لا يجزئ العبد، فأمَّا الصبي، فإن جدد إحرامًا بعد أن احتلم قبل الوقوف أجزأه وإلا فلا؛ لأن إحرامهما لم ينعقد واجبًا، فلا يجزي عن الواجب كما لو بقيا على حالهما. قال ابن قدامة: ولنا أنه أدرك الوقوف حرًّا بالغًّا، فأجزأه كما لو أحرم تلك الساعة، قال أحمد: قال طاوس عن ابن عباس: إذا عتق العبد بعرفة؛ أجزأت عنه حجته، فإن عتق بجمع لم تجزئ عنه، وهؤلاء يقولون: لا تجزئ، ومالك يقوله أيضًا، والحكم فيما إذا أعتق العبد وبلغ الصبي بعد خروجهما من عرفة، فعادا إليها قبل طلوع الفجر ليلة النحر كالحكم فيما إذا كان ذلك فيها؛ لأنهما قد أدركا من الوقت ما يجزئ، ولو كان لحظة، وإن لم يعد أو كان ذلك قبل طلوع الفجر من يوم النحر لم يجزئهما عن حجة الإسلام ويتمان حجهما تطوعًا لفوات الوقوف المفروض ولا دم عليهما؛ لأنهما حجا تطوعًا بإحرام صحيح من الميقات، فأشبها البالغ الذي يحج تطوعًا، وإذا بلغ الصبي أو عتق العبد قبل الوقوف أو في وقته وأمكنهما الإتيان بالحج لزمهما ذلك؛ لأن الحج واجب على الفور، فلا يجوز تأخيره مع إمكانه كالبالغ الحر، وإن فاتهما الحج لزمتهما العمرة؛ لأنها واجبة أمكن فعلها، ٣٤١ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ فأشبهت الحج، ومتى أمكنهما ذلك فلم يفعلا؛ استقر الوجوب عليهما، سواء كانا معسرين أو موسرين؛ لأن ذلك وجب عليهما بإمكانه في موضعه، فلم يسقط بفوات القدرة بعده. انتهى. = X وقال في («الهداية»: إذا بلغ الصبي بعد ما أحرم أو أعتق العبد فمضيا لم يجزهما عن حجة الإسلام؛ لأن إحرامهما انعقد لأداء النفل، فلا ينقلب لأداء الفرض، ولو جدد الصبي الإحرام قبل الوقوف ونوى حجة الإسلام؛ جاز، والعبد لو فعل ذلك لم يجز؛ لأن إحرام الصبي غير لازم لعدم الأهلية، وأما إحرام العبد فلازم، فلا يمكنه الخروج منه بالشروع في غيره. انتهى. ويتضح وجه الفرق بين الصبي والعبد عند الحنفية؛ إذ يكفي تجديد الأول إحرامه دون الثاني بما ذكره القاري، حيث قال: لا يجب الحج على صبي، فلو حج فهو نفِل لا فرض؛ لكونه غير مكلف فلو أحرم ثم بلغ فلو جدد إحرامه يقع عن فرضه وإلّا لا، وإنما جوز له التجديد لكون شروعه غير ملزم له بخلاف العبد البالغ إذا عتق، فإنه ليس له أن يجدد إحرامه بالفرض للزوم الإحرام الأول في حقه بشروعه، فليس له أن يخرج عنه إلا بأدائه. انتهى. هذا واختلفت الحنفية في صحة تجديد الإحرام بعد الوقوف؛ فذهب بعضهم: إلى أنه معتبر، وقال بعضهم: لا يعتبر؛ لأن بالوقوف ولو لحظة تم حج النفل ولا يصح في سنة حجتان إجماعًا . (رَوَاهُ مُسْلِمٌ)، هو من إفراد مسلم، لم يخرجه البخاري في ((صحيحه))، ومن عزاه إليهما كابن رشد في ((البداية)) ومحب الدين الطبري في ((القرى)) فقد سها، وقد أخرجه أيضًا أحمد (ج ١: ص٢١٩)، والشافعي وأبو داود والنسائي والحاكم (ج١: ص٤٨٤)، وابن الجارود (ص١٤٧)، والبيهقي (ج٥: ص ١٥٥، ١٥٦) وأخرجه مالك مرسلًا. وفي الباب عن جابر أخرجه أحمد، وابن ماجه، وابن أبي شيبة، وعن السائب بن يزيد أخرجه أحمد والبخاري والترمذي. وعن عبد الله بن أبي يزيد عن ابن عباس قال: بعثني أو قدمني النبي ◌ُّ في الثقل من جمع بليل. أخرجه البخاري. ووجه دخول هذا الحديث في الباب: أن ابن عباس كان دون البلوغ إذ ذاك. ٣٤٢ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ٢٥٣٥ - [٧] وَعَنْهُ قَالَ: إِنَّ امْرَأَةً مِنْ خَتْعَمَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْئًا كَبِيرًا، لَا يَتْبُتُ عَلَى [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُ عَنْهُ؟ قَالَ: ((نَعَمْ))، وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ. الشرح ٢٥٣٥ - قوله: (وَعَنْهُ)، أي: عن ابن عباس، كذا قال مالك وأكثر الرواة عن الزهري عن سليمان عند الشيخين وغيرهما أن الحديث من مسند عبد الله بن عباس، وخالفهم ابن جريج عن الزهري في ((الصحيحين)) أيضًا، فقال: عن ابن عباس عن الفضل أنَّ امرأة، فذكره، فجعله من مسند الفضل، وتابعه معمر، وروى ابن ماجه من طريق محمد بن كريب عن أبيه عن ابن عباس أخبرني حصين ابن عوف الخثعمي، قال: قلت: يا رسول الله! إن أبي أدركه الحج، ولا يستطيع أن يحج ... الحديث. قال الترمذي: سألت محمدًا - يعني: البخاري - عن هذا، فقال: أصح شيء فيه ما روي عن ابن عباس عن الفضل. قال محمد: ويحتمل أن يكون ابن عباس سمعه من الفضل ومن غيره ثم رواه بغير واسطة. انتهى. قال الحافظ: وإنما رجح البخاري الرواية عن الفضل؛ لأنه كان ردف النبي وَلآت حينئذٍ وكان عبد الله بن عباس قد تقدم من المزدلفة إلى منى مع الضعفة، وأخرج البخاري في باب التلبية والتكبير من طريق عطاء عن ابن عباس أن النبي وعليه أردف الفضل، فأخبر الفضل أنه لم يزل يلبي حتى رمى الجمرة، فكان الفضل حدث أخاه بما شاهده في تلك الحالة، ويحتمل أن يكون سؤال الخثعمية وقع بعد رمي جمرة العقبة، فحضره ابن عباس فنقله تارة عن أخيه؛ لكونه صاحب القصة، وتارة: عما شاهده ويؤيد ذلك ما وقع عند الترمذي وأحمد (ج١: ص٧٥، ٧٦)، وابنه عبد الله (ج١: ص٧٦)، والطبري من حديث علي مما يدل على أن السؤال المذكور وقع (٢٥٣٥) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٥١٣)، ومُسْلِم (١٣٣٤/٤٠٧) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الحَجِّ، وَأَخْرَ جَاهُ البُخَارِي (١٨٥٣)، وَمُسْلم (١٣٣٥) فِيهِ مِنْ حَدِيثِ الفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ، وأَبُو دَاوُد (١٨٠٩)، والنَّسَائِي (١١٧/٥). ٣٤٣ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ عند المنحر بعد الفراغ من الرمي، وأن العباس كان شاهدًا، ولفظ أحمد من طريق عبيد الله بن أبي رافع عن علي قال: وقف رسول اللّه وَلّ بعرفة، فقال: ((هذا الموقف وعرفة كلها موقف))، فذكر الحديث، وفيه: ثم أتى المنحر، فقال: ((هَذَا الْمَنْحَرُ وَمِنَّى كُلَّهَا مَنْحَرٌ))، قال: واستفتته، وفي رواية ابنه عبد الله: ثم جاءته امرأة شابة من خثعم فقالت: إن أبي شيخ كبير قد أفند وقد أدركته فريضة الله في الحج، أفيجزئ عنه أن أؤدي عنه؟ قال: ((نَعَمْ فَأَدِّي عَنْ أَبِيك)»، قال: وقد لوى عنق الفضل، فقال العباس: يا رسول الله! لم لويت عنق ابن عمك؟ قال: ((رَأَيْتُ شَابًّا وَشَابَّةً، فَلَمْ آمَنْ عَلَيْهِمَا الشَّيْطَانَ))، وظاهر هذا: أن العباس كان حاضرًا لذلك، فلا مانع أن يكون ابنه عبد اللَّه أيضًا كان معه. انتهى. (إِنَّ امْرَأَةً)، قال الحافظ: لم تسم . (مِنْ خَثْعَمَ)، قال القسطلاني: بفتح الخاء المعجمة وسكون المثلثة وفتح العين المهملة غير مصروف للعلمية والتأنيث باعتبار القبيلة لا العلمية ووزن الفعل، وهي قبيلة مشهورة، أي: من اليمن. وقال السندي: غير منصرف للعلمية ووزن الفعل أو التأنيث؛ لكونه اسم قبيلة. وقال القاري: أو قبيلة من اليمن سموا به، ويجوز صرفه ومنعه. قال الزرقاني: قبيلة مشهورة سميت باسم جدها واسمه: أفتل بن أنمار. قال الكلبي: إنما سمي خثعم بجمل يقال له: خثعم، ويقال: إنه لما تحالف ولد أفتل على إخوته نحروا بعيرًا ثم تختعموا بدمه، أي: تلطخوا به بلغتهم. (إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ)، أي: في أمره وشأنه، ويمكن ((في)) بمعنى ((من)) للبيانية؛ قاله القاري. (أَدْرَكَتْ)، أي: الفريضة. (أَبِي) لم يسم أيضًا، وهو مفعول. (شَيْخًا) حال. (كَبِيرًا) نعت له. قال السندي: قوله: (أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا)، إلخ. يفيد أن افتراض الحج لا يشترط له القدرة على السفر، وقد قرر ◌َّ# ذلك، فهو يؤيد أن الاستطاعة المعتبرة في افتراض الحج ليست بالبدن، وإنما هي بالزاد والراحلة، والله تعالى أعلم. (لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ)، نعت آخر، ويحتمل أن يكون حالًا أيضًا، ويكون من الأحوال المتداخلة أو (شَيْخًا) بدل لكونه موصوفًا، أي: وجب عليه الحج بأن ٣٤٤ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ أسلم وهو شيخ كبير وله المال، أو حصل له المال في هذه الحالة، والأول أوجه. قال الطيبي: وفي رواية: ((لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره)). وفي رواية: ((لا يستمسك على الرحل)). وفي رواية من الزيادة: ((إن شددته خشيت أن يموت)) وحديث أبي هريرة عند ابن خزيمة بلفظ: وإن شددت بالحبل على الراحلة؛ خشيت أن أقتله. قال الحافظ : وهذا يفهم منه على أن من قدر على هذين الأمرين من الثبوت على الراحلة أو الأمن عليه من الأذى لو ربط لم يرخص له في الحج عنه، كمن يقدر على محمل موطأ كالمحفة . وقال الأمير اليماني: ظاهر الحديث مع الزيادة المذكورة أنه لا بد في صحة التحجيج عنه من الأمرين عدم ثباته على الراحلة والخشية من الضرر عليه من شده، فمن لا يضره الشد كالذي يقدر على المحفة لا يجزئه حج الغير إلا أنه ادعى في ((البحر)) الإجماع على أن الصحة، وهي التي يستمسك معها قاعدًا شرط بالإجماع، فإن صح الإجماع فذاك وإلا فالدليل مع من ذكرنا. انتهى. وهذا وقد اختلف هل المسئول عنه رجل أو امرأة، كما وقع الاختلاف في الروايات في السائل؛ ففي بعض الروايات أنه امرأة، وفي بعضها أنه رجل، وقد بسط ذلك في ((الفتح)) (ج ٧: ص٢٢١)، وفي باب حج المرأة عن الرجل فقال: اتفقت الروايات كلها عن ابن شهاب عن سليمان على أن السائلة كانت امرأة، وأنها سألت عن أبيها، وخالفه يحيى بن أبي إسحاق عن سليمان فاتفق الرواة عنه على أن السائل رجل. ثم اختلفوا عليه في إسناده ومتنه، فذكر الاختلاف في الإسناد، ثم قال: وأمَّا المتن فقال هشيم عن يحيى عن سليمان: أن رجلاً سأل فقال: إن أبي مات، وقال ابن سيرين عنه: فجاء رجل، فقال: إن أمي عجوز كبيرة. وقال ابن علية عنه: فجاء رجل، فقال: إن أبي أو أمي، وخالف الجميع معمر عن يحيى فقال: إن امرأة سألت عن أمها. وهذا الاختلاف كله عن سليمان بن يسار فأحببنا أن ننظر في سياق غيره، فإذا كريب قد رواه عن ابن عباس عن حصين بن عوف الخثعمي، قال: قلت: يا رسول الله! إن أبي أدركه الحج. وإذا عطاء الخراساني روى عن أبي الغوث بن حصين الخثعمي أنه استفتى النبي وَلَّه عن حجة ٣٤٥ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ كانت على أبيه. أخرجهما ابن ماجه، والرواية الأولى أقوى إسنادًا، وهذا يوافق رواية هشيم في أن السائل عن ذلك رجل سأل عن أبيه، ويوافقه ما روى الطبراني من طريق عبد الله بن شداد عن الفضل بن عباس أن رجلًا قال: يا رسول الله! إن أبي شيخ كبير، ويوافقهما مرسل الحسن عند ابن خزيمة، وقد جمع بعض العلماء وهو الحافظ زين الدين العراقي شيخ الحافظ والعيني بين هذه الروايات بتعدد القضية؛ إذ قال: إن السؤال وقع مرات: مرة من امرأة عن أبيها، ومرة من امرأة عن أمها، ومرة من رجل عن أبيه ومرة في السؤال عن الشيخ الكبير، ومرة في الحج عن الميت. لكن قال الحافظ: والذي يظهر لي من مجموع هذه الطرق أن السائل رجل، وكانت ابنته معه فسألت أيضًا، والمسئول عنه أبو الرجل وأمه جميعًا، ويقرب ذلك ما رواه أبو يعلي بإسناد قوى من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس عن الفضل بن عباس، قال: كنت ردف النبي ◌َّ وأعرابي معه بنت له حسناء، فجعل الأعرابي صَلى اللّه يعرضها لرسول اللّه وَل رجاء أن يتزوجها وجعلت ألتفت إليها، ويأخذ النبي وَسِلم برأسي فيلويه، فكان يلبي حتى رمى جمرة العقبة. فعلى هذا فقول الشابة: إنَّ أَبِي. لعلها أرادت به جدها؛ لأن أباها كان معها، وكأنه أمرها أن تسأل النبي ◌َّ ليسمع كلامها ويراها رجاء أن يتزوجها، فلما لم يرضها؛ سأل أبوها عن أبيه، ولا مانع أن يسأل عن أمه، وتحصل من هذا الروايات أن اسم الرجل حصين بن عوف الخثعمي . وأمَّا ما وقع في الرواية الأخرى أنه أبو الغوث بن حصين، فإن إسنادها ضعيف، ولعله كان فيه عن أبي الغوث حصين فزيد في الرواية ابن أو أن أبا الغوث كان مع أبيه حصين فسأل كما سأل أبوه وأخته والله أعلم، انتهى. وقيل: الأحسن في الجمع بين ذلك أن يقال: إن البنت المذكورة في رواية أبي يعلى كانت مع عم لها لا مع أبيها، فإن التجوز في رواية أبي يعلى من لفظ: معه بنت له، أهون من التجوز في جميع الروايات المختلفة الواردة بلفظ: ((إنَّ أبِي شيخٌ كبيرٌ)). فالابنة سألت عن أبيها، والعم سأل عن أبيه، وأيضًا على ما أفاد الحافظ لم يبق الحاجة إلى سؤاله عن أبيه بعد ما سألت هي عنه. ٣٤٦ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ (أَفَأَحُجُ عَنْهُ)، أي: أيجوز لي أن أنوب عنه فأحج عنه؛ لأن ما بعد الفاء الداخلة عليها الهمزة معطوف على مقدر، والمعنى: أيصح مني أن أكون نائبة عنه في الحج فأحج عنه. (قَالَ: نَعَمْ)، وعند أحمد (ج١: ص٢١٢) : ((فَحُجِّي عَنْ أَبِيكِ)). (وَذَلِكَ)، أي: جميع ما ذكر جرى. (فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ) بمنى، الوداع بفتح الواو، وقيل: بكسرها سميت بذلك؛ لأنه ◌َّ ودع الناس فيها ولم يحج بعد الهجرة غيرها، وكانت في سنة عشر من الهجرة، وفي الحديث: دليل على جواز حج المرأة عن الرجل وبالعكس، وذهب بعض أهل العلم إلى عدم جواز حج المرأة عن الرجل، قالوا: لأن المرأة تلبس في الإحرام ما لا يلبسه الرجل، فلا يحج عنه إلا رجل مثله. وحديث الباب يرد هذا القول. قال ابن بطال: لا خلاف في جواز حج الرجل عن المرأة و المرأة عن الرجل، ولم يخالف في جواز حج الرجل عن المرأة، والمرأة عن الرجل إلا الحسن بن صالح. انتهى. وقال ابن قدامة في ((المغني)) (ج٣: ص٢٣٣): يجوز أن ينوب الرجل عن الرجل والمرأة، والمرأة عن الرجل والمرأة في الحج في قول عامة أهل العلم، لا نعلم فيه مخالفًا إلا الحسن بن صالح، فإنه كره حج المرأة عن الرجل. قال ابن المنذر: هذه غفلة عن ظاهر السنة، فإن النبي ◌َّ أمر المرأة أن تحج عن أبيها، وعليه يعتمد من أجاز حج المرأ عن غيره. وفي الباب حديث أبي رزين - يعني: الذي يأتي في الفصل الثاني - أحاديث سواه. انتهى. وفيه: دليل على وجوب الحج على العاجز الذي يجد الاستطاعة بالغير. قال الخطابي: فيه: دليل على أن فرض الحج يلزم من استفاد مالًا في حال كبره وزمانته، إذا كان قادرًا به على أن يأمر غيره فيحج عنه كما لو قدر علی ذلك بنفسه. انتهى. قلت: واختلف العلماء فيه: قال ابن رشد: أمَّا وجوبه باستطاعة النيابة مع العجز عن المباشرة، فعند مالك وأبي حنيفة: لا تلزم، وعند الشافعي: تلزم، فيلزم على مذهبه الذي عنده مال بقدر أن يحج به عنه غيره إذا لم يقدره هو ببدنه أن يحج عنه غيره، وهى المسألة التي يعرفونها بالمعضوب وهو الذي لا يثبت على الراحلة. انتھی . وقال ابن قدامة (ج٣: ص٢٢٧): من وجدت فيه شرائط وجوب الحج وكان ٣٤٧ كِتّابُ الْمُنَاسِكِ عاجزًا عنه لمانع مأيوس من زواله كزمانة أو مرض لا يرجى زواله، والشيخ الفاني متى وجد من ينوب عنه في الحج ومالًا يستنيبه به؛ لزمه الحج، وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي وقال مالك: لا حج عليه إلا أن يستطيع بنفسه؛ لأنه تعالى قال: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩١] وهذا غير مستطيع، ولنا حديث أبي رزين وحديث ابن عباس في المرأة الخثعمية. وسئل علي رَزََّهُ عن شيخ لا يجد الاستطاعة قال: يجهز عنه. انتهى. وقال الخطابي: استدل الشافعي بخبر الخثعمية على وجوب الحج على المعضوب الزمن إذا وجد من يبذل له طاعته من ولده وولد ولده. ووجه ما استدل به من هذا الحديث: أنها ذكرت وجوب فرض الحج على أبيها في حال الزمانة، ولا بد من تعلق وجوبه بأحد أمور: إما بمال، أو بقوة بدن، أو وجود طاعة من ذي قوة. وقد علمنا عجزه ببدنه ولم يجر للمال ذكر، وإنما جرى الذكر لطاعتها وبذلها نفسها عنه، فدل على أن الوجوب تعلق به، ومعلوم في اللسان أن يقال: فلان مستطيع؛ لأن يبني داره إذا كان يجد من يطيعه في ابتنائها، كما إذا وجد مالًا ينفقه في بنائها و کما لو قدر عليه بنفسه. انتهى. قال صاحب ((القری)): ولقائل أن يقول: استفسارها عن جواز الحج عنه وقع بعد إخبارها بإدراك الفرض له، فدل على تعلق الوجوب بأمر آخر غير الطواعية، فإن من لم يعلم جواز حجه عن أبيه لا يعلم وجوب الحج على أبيه بطواعيته، وهذا ظاهر لمن تأمله، وليس ذلك الأمر الآخر إلا المال؛ لتعذر القسمين الآخرين، أمَّا الطواعية فلما ذكرناه، وأمَّا القوة في البدن فلإخبارها أن الفرض أدركه وهو بحالة العجز، هذا هو الظاهر، ولا وجه لصرف اللفظ عن ظاهره، وتكون هي قد علمت أن الاستطاعة بالمال كالاستطاعة بالبدن. وعلى هذا يكون الحديث حجة على وجوب الحج على المعضوب بسبب الاستطاعة بالمال، أو بطواعية الولد قياسًا عليه، وأمَّا غير الولد، فيمكن إلحاقه به لوجود مطلق الاستطاعة. انتهى. وقال الحافظ: استدل بالحديث على أن الاستطاعة تكون بالغير كما تكون بالنفس، وعكس بعض المالكية فقال: من لم يستطع بنفسه لم يلاقه الوجوب، قلت: فسر المالكية الاستطاعة بإمكان الوصول إلى البيت من غير خروج عن عادة خلافًا للأئمة الثلاثة، فإنهم فسروها بالزاد والراحلة كما سيأتي. ٣٤٨ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ قال ابن التين: الاستطاعة أن يقدر على الوصول إلى البيت من غير خروج عن عادة، فمن كان عادته السفر ماشيًا، أي: وأمكن وصوله ماشيًا لزمه أن يمشي وإن لم يجد راحلة، ومن كان عادته تكفف الناس وأمكنه التوصل به؛ لزمه، وإن لم يجد زادًا، ومن كان عادته الركوب والغناء عن الناس لم يلزمه الحج إلا بوجدان ذلك، وصرح الدردير أنه يجب الحج على الأعمى القادر على المشي بقائد ولو بأجرة. وقال عياض: الاستطاعة عند مالك: هي القدرة ولو على رجليه دون مشقة فادحة. وقال الأكثر: هي الزاد والراحلة، وجاء فيه حديث وتأويله عندنا أنه أحد أنواع الاستطاعة لا كلها وما وقع من الاختلاف في نقل مذهب أبي حنيفة بين ابن قدامة وابن رشد، فهو مبني على اختلاف الروايات عنه كما سيأتي. قال القاري في ((شرح اللباب)) في شرائط وجوب الأداء: الأول منها سلامة البدن عن الأمراض والعلل. فقيل: الصحيح أنه شرط الوجوب، فحسب على ما في ((النهاية)). وقال في ((البحر)): هو المذهب الصحيح. وقيل: إنه من شرط الأداء على ما صححه قاضي خان في ((شرح الجامع))، واختاره كثير من المشايخ، منهم ابن الهمام، فعلى الأول لا يجب على الأعمى والمقعد والمعضوب - أي: الضعيف - والزمن الذي لا حراك به على ما في ((القاموس))، والمراد هنا: الشيخ الكبير الذي لا يثبت على الراحلة . قال ابن الهمام: ففي المشهور عن أبي حنيفة أنه لا يلزمهم الحج. قال في ((البحر)): وهذا عند أبي حنيفة في ظاهر الرواية وهو رواية عنهما. وقالا في ظاهر روايتهما وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة أنه يجب على هؤلاء إذا ملكوا الزاد والراحلة، ومؤنة من يرفعهم ويضعهم. والخلاف المذكور فيمن وجد الاستطاعة وهو معذور، أمّا إن وجدها وهو صحيح ثم طرأ عليه العذر فالاتفاق على الوجوب، انتهى مختصرًا. واستدل بحديث الباب على وجوب الاستنابة على العاجز عن الحج الفرض، وقال عياض: لا حجة فيه لذلك؛ لأن قولها: (إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ ... ) إلخ. لا يوجب دخول أبيها في هذا الفرض، وإنما الظاهر من الحديث أنها أخبرت أن فرض الحج بالاستطاعة نزل وأبوها غير مستطيع فسألت: هل يباح لها أن تحج عنه له ويكون له في ذلك أجر؟ يعني: أن معنى قولها المذكور: أن EXTBE ٣٤٩ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ إلزام الله عباده بالحج الذي وقع بشرط الاستطاعة صادف أبي بصفة من لا يستطيع، فهل أحج عنه أي: هل يجوز لي ذلك أو هل فيه أجر ومنفعة؟ فقال: (نَعَمْ)، ولا يخالفه قوله: ((فَحُجِّي عَنْهُ))؛ لأنه أمر ندب وإرشاد ورخصة لها أن تعمل؛ لما رأى من حرصها على تحصيل الخير لأبيها . قال الحافظ وتعقب: بأن في بعض طرقه التصريح بالسؤال عن الإجزاء فيتم الاستدلال، وفي بعض طرق مسلم: إن أبي عليه فريضة الله في الحج. ولأحمد في رواية: والحج مكتوب عليه. انتهى. قلت: قولها: (أَدْرَكَتْ أَبِي) يرد التأويل الذي ذكره عياض، فإنه صريح في إدراك الفرض له، والظاهر من إدراك الفرض للإنسان اللزوم وصرف اللفظ عن ظاهره خلاف الأصل، وادَّعى بعض المالكية: أن هذه القصة مختصة بالخثعمية كما اختص سالم مولى أبي حذيفة بجواز إرضاع الكبير؛ حكاه عنه ابن عبد البر، وتعقب: بأن الأصل عدم الخصوصية واحتج بعضهم لذلك بما رواه عبد الملك بن حبيب صاحب ((الواضحة)) بإسنادين مرسلين فزاد في الحديث: ((حُجَّ عَنْهُ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ بَعْدَهُ))، ولا حجة فيه؛ لضعف الإسناد مع إرسالهما، وقد عارضه قوله: في حديث الجهنية في باب الحج والنذر عن الميت عند البخاري: ((اقْضُوا اللهَ فاللهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ))، وادعى آخرون: منهم أن ذلك خاص بالابن يحج عن أبيه، ولا يخفى أنه جمود. واستدل بحديث الباب: على جواز الحج عن غيره، إذا كان لا يستطيع الحج بنفسه، وأنه ليس كالصلاة والصوم وسائر الأعمال البدنية، وأنه وَ ل﴿ أخبر بذلك أن اللَّه ومن إنما أراد بقوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ [النجم: ٣٩] بعض الأعمال دون بعض. قال ابن العربي: ٣٩ لِلِنسَنِ إِلَّا مَا سَعَى حديث الخثعمية حديث متفق على صحته في الحج خارج عن القاعدة المستقرة في الشريعة من أن ليس للإنسان إلا ما سعى؛ رفقًا من اللّه في استدراك ما فرط فيه المرء بولده وماله. وتعقب: بأنه يمكن أن يدخل في عموم السعي، وبأن عموم السعي في الآية مخصوص اتفاقًا. وقال الخطابي: في هذا الحديث بيان جواز حج الإنسان عن غيره حيًّا وميتًا، وأنه ليس كالصلاة والصيام وسائر الأعمال البدنية التي لا تجرى فيها النيابة، وإلى هذا ذهب الشافعي، وكان مالك لا يرى ذلك، وقال: لا يجزئه إن فعل وهو الذي روى حديث ابن عباس، وكان يقول في الحج عن الميت: إن لم ٣٥٠ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ * يوص به الميت إن تصدق عنه وأعتق أحب إليَّ من أن يحج عنه، وكان إبراهيم النخعي، وابن أبي ذئب يقولان: لا يحج أحد عن أحد، والحديث حجة على جماعتهم. انتهى. وقال العيني: في الحديث جواز الحج عن غيره إذا كان معضوبًا، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وقال مالك، والليث، والحسن بن صالح: لا يحج أحد عن أحد إلا عن ميت لم يحج حجة الإسلام. وحاصل ما في مذهب مالك ثلاثة أقوال: مشهورها: لا يجوز. ثانيها: يجوز من الولد. ثالثها: يجوز إن أوصى به. وعن النخعي وبعض السلف: لا يصح الحج عن ميت ولا عن غيره. وهي رواية عن مالك وإن أوصى به، قال القرطبي: رأى مالك أن ظاهر حديث الخثعمية مخالف لظاهر القرآن يعني: قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، فرجح ظاهر القرآن، ولا شك في ترجيحه من جهة تواتره ومن جهة أن القول المذكور قول امرأة ظنت ظنًّا، قال: ولا يقال: قد أجابها النبي ◌َّ على سؤالها، ولو كان ظنها غلطًا لبينه لها، لأنَّا نقول: إنما أجابها عن قولها: أفأحج عنه؟ قال: ((حُجِّى عَنْهُ)) لما رأى من حرصها على إيصال الخير والثواب لأبيها. انتهى. وتعقب: بأن في تقرير النبي ◌َّ لها على ذلك حجة ظاهرة، وأمَّا ما رواه عبد الرزاق من حديث ابن عباس، فزاد في الحديث: ((حُجَّ عَنْ أَبِيكَ، فَإِنْ لَمْ يَزِدْهُ خَيْرًا لَمْ يَزِدْهُ شَرًّا» فقد جزم الحفاظ بأنها رواية شاذة وعلى تقدير صحتها، فلا حجة فيها للمخالف، كذا في ((الفتح))، وذكر ابن حزم في ((المحلى)) (ج٧ ص ٥٨) حديث ابن عباس هذا من طريق عبد الرزاق ثم أجاب عنه وقد أحسن في الجواب، فارجع إليه . وأجاب بعض المالكية عن حديث الخثعمية: بأن ذلك وقع من السائل على جهة التبرع وليس في شيء من طرقه تصريح بالوجوب، وبأنها عبادة بدنية، فلا تصح النيابة فيها كالصلاة وقد نقل الطبري وغيره الإجماع على أن النيابة لا تدخل في الصلاة، قالوا: ولأن العبادات فرضت على جهة الابتلاء وهو لا يوجد في العبادات البدنية إلا بإتعاب البدن فيه يظهر الانقياد أو النفور بخلاف الزكاة، فإن الابتلاء فيها بنقص المال وهو حاصل بالنفس وبالغير. ٣٥١ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ وأجيب: بأن قياس الحج على الصلاة لا يصح؛ لأن عبادة الحج مالية بدنية معًا فلا يترجح إلحاقها بالصلاة على إلحاقها بالزكاة، ولهذا قال المازري: من غلب حكم البدن في الحج ألحقه بالصلاة، ومن غلب حكم المال؛ ألحقه بالصدقة، وقد أجاز المالكية الحج عن الميت إذا أوصى به، ولم يجيزوا ذلك في الصلاة، وبأن حصر الابتلاء في المباشرة ممنوع؛ لأنه يوجد في الآمر من بذله المال في الأجرة كذا في ((الفتح)). قلت: ويعتضد تغليب حكم المال بحديث الخثعمية وغيره من الأحاديث الواردة في الحج عن الغير حيًّا وميتًا، وسيأتي مزيد الكلام في مسألة المستطيع بغيره في شرح حديث ابن عمر سادس أحاديث الفصل الثاني، وللمسألة فروع مفيدة جدًّا يجب معرفتها: منها: أنه لا فرق عند الجمهور بين من وجد الاستطاعة وهو معذور ومن وجدها وهو صحيح، ثم طرأ عليه العذر لظاهر حديث الخثعمية؛ خلافًا لما هو المشهور عن أبي حنيفة. فإن قيل: فلم لا يجوز أن يكون الحج مستقرًّا في ذمته قبل العضب ثم لما طرأ العضب سألت عن أداء ما كان واجبًا عليه؟ ويدل عليه رواية أخرى عند مسلم بلفظ: إن أبي شيخ كبير عليه فريضة الله في الحج وهو لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره، فقال النبي وَّ: ((فَحُجِّي عَنْهُ))، وكذلك رواية أحمد: والحج مكتوب عليه. قلنا: لا دلالة في الحديث على وقت الإدراك، بل هو مجمل والحديث الأول مبين له، وهو قولها: (أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا)، أي: في هذه الحالة ويكون هذا السؤال وقع منها مرتين ذكرت في إحداهما وقت الإدراك وفي الأخرى أخبرت أن عليه الفرض، وتريد الذي أدركه في تلك الحال، فيجمع بين الحديثين؛ إذ لا تضاد بينهما. ومنها: أنهم اختلفوا فيما إذا عوفي المعضوب. فقال الجمهور: لا يجزئه؛ لأنه تبين أنه لم يكن ميئوسًا منه، وقال أحمد وإسحاق: لا تلزمه الإعادة كذا في ((الفتح). وقال النووي في ((مناسكه)): ولو استناب المعضوب من يحج عنه فحج عنه، ثم زال العضب وشفي لم يجزه على الأصح بل عليه أن يحج. وقال ابن قدامة (ج٣ ص٢٢٨): ومتى أحج هذا، - أي: العاجز عن الحج لمانع مأيوس من زواله كزمانة - عن نفسه ثم عوفي لم يجب عليه حج آخر. وهذا قول إسحاق. وقال الشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر: يلزمه؛ لأن هذا بدل إياس، فإذا ٣٥٢ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ees برأ؛ تبين أنه لم يكن مأيوسًا منه، فلزمه الأصل. ولنا أنه أتى بما أمر به، فخرج عن العهدة كما لو لم يبرأ، أو نقول: أدى حجة الإسلام بأمر الشارع، فلم يلزمه حج ثان كما لو حج بنفسه؛ ولأن هذا يفضي إلى إيجاب حجتين عليه، ولم يوجب الله عليه إلا حجة واحدة. انتهى. وقال في ((الهداية)): والشرط العجز الدائم إلى وقت الموت؛ لأن الحج فرض العمر. قال ابن الهمام: وإنما شرط دوامه إلى الموت؛ لأن الحج فرض العمر، فحيث تعلق به خطابه لقيام الشروط؛ وجب عليه أن يقوم هو بنفسه في أول أعوام الإمكان، فإذا لم يفعل أثم، وتقرر القيام بها بنفسه في ذمته في مدة عمره، وإن كان غير متصف بالشروط، فإذا عجز عن ذلك بعينه، وهو أن يعجز عنه في مدة عمره؛ رخص له الاستنابة رحمة، وفضلاً منه فحيث قدر عليه وقتًا ما من عمره بعد ما استناب فيه لعجز لحقه؛ ظهر انتفاء شرط الرخصة. ومنها: ما قال ابن قدامة (ج٣: ص٢٢٩): من يرجى زوال مرضه والمحبوس ونحوه ليس له أن يستنيب، فإن فعل لم يجزئه وإن لم يبرأ، وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة له ذلك، ويكون ذلك مُرَاعَى، فإن قدر على الحج بنفسه؛ لزمه وإلا أجزأه ذلك؛ لأنه عاجز عن الحج بنفسه أشبه المأيوس من برئه، ولنا أنه يرجو القدرة على الحج بنفسه، فلم يكن له الاستنابة، ولا تجزئه إن فعل كالفقير، وفارق المأيوس من برئه؛ لأنه عاجز على الإطلاق آيس من القدرة على الأصل، فأشبه الميت؛ ولأن النص إنما ورد في الحج عن الشيخ الكبير، وهو ممن لا يرجى منه الحج بنفسه، فلا يقاس عليه إلا من كان مثله فعلى هذا إذا استناب من يرجو القدرة على الحج بنفسه، ثم صار مأيوسًا من برئه، فعليه أن يحج عن نفسه مرة أخرى؛ لأنه استناب في حال لا تجوز له الاستنابة فيها فأشبه الصحيح. انتهى. وفي ((الغنية)) (ص١٧٢): في شرائط النيابة في الحج الفرض دوام العجز، إن كان لعذر يرجى زواله عادة كالحبس والمرض، فلو عجز، فأحج عنه فرضًا؛ كان أمره موقوفًا، فإن دام عجزه حتى مات؛ ظهر أنه وقع مجزئًا عن فرضه وإن قدر عليه وقتًا ما؛ ظهر أنه وقع نفلًا له، وإن كان لعذر لا يرجى زواله عادة كالزمانة والعمى؛ لا يشترط دوامه إلى الموت، إلى آخر ما قال، وارجع لمزيد التفصيل إلى ((رد المحتار)). وقال الحافظ في ((الفتح)): واتفق من أجاز النيابة في الحج على أنها لا ٣٥٣ ME B كِتَابُ المُنَاسِكِ تجزئ في الفرض إلا عن موت أو عضب، فلا يدخل المريض؛ لأنه يُرجى برئه، ولا المجنون؛ لأنه ترجى إفاقته، ولا المحبوس؛ لأنه يرجى خلاصه، ولا الفقير؛ لأنه یمکن استغناؤه. ومنها: ما قال النووي: أمَّا المعضوب، فلا يصح الحج عنه بغير إذنه، يعني في الفرض؛ لأنه قال بعد ذلك: وتجوز الاستنابة في حج التطوع للميت والمعضوب على الأصح. انتهى. وقال ابن قدامة (ج٣: ص٢٣٤): ولا يجوز الحج والعمرة عن حي إلا بإذنه فرضًا كان أو تطوعًا؛ لأنها عبادة تدخلها النيابة، فلم تجز عن البالغ العاقل إلا بإذنه، فأمّا الميت فتجوز عنه بغير إذن واجبًا كان أو تطوعًا؛ لأن النبي ◌َّ أمر بالحج عن الميت وقد علم أنه لا إذن له، وما جاز فرضه؛ جاز نفله كالصدقة. انتهى. وعند الحنفية فيه تفصيل كما في ((شرح اللباب)) و((الغنية))، ومنها: أنه نقل ابن المنذر وغيره الإجماع على أنه لا يجوز أن يستنيب من يقدر على الحج بنفسه في الحج الواجب، وأمَّا النفل فيجوز عند أبي حنيفة خلافًا للشافعي، وعن أحمد روايتان كذا في ((الفتح)). وقال ابن قدامة (ج٣: ص٢٣٠): لا يجوز أن يستنيب في الحج الواجب من يقدر على الحج بنفسه إجماعًا. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن من عليه حجة الإسلام وهو قادر على أن يحج لا يجزئ أن يحج غيره عنه، والحج المنذور كحجة الإسلام في إباحة الاستنابة عند العجز والمنع منها مع القدرة؛ لأنها حجة واجبة، فأما حج التطوع فينقسم أقسامًا ثلاثة أحدها: أن يكون ممن لم يؤد حجة الإسلام، فلا يجوز أن يستنيب في حجة التطوع. الثاني: أن يكون ممن قد أدى حجة الإسلام، وهو عاجز عن الحج بنفسه، فيصح أن يستنيب في التطوع. والثالث: أن يكون قد أدى حجة الإسلام، وهو قادر على الحج بنفسه، فهل له أن يستنيب في حج التطوع؟ فيه روايتان: إحداهما: يجوز وهو قول أبي حنيفة. والثانية: لا يجوز وهو مذهب الشافعي؛ لأنه قادر على الحج بنفسه، فلم يجز أن يستنيب فيه كالفرض. انتهى. وفي ((الهداية)): تجوز الإنابة في الحج النفل حالة القدرة؛ لأن باب النفل أوسع، ومنها: أن من حج عن غيره؛ وقع الحج عن المستنيب؛ خلافًا لمحمد بن الحسن فقال: يقع عن المباشر وللمحجوج عنه أجر ECOKE ٣٥٤ KCK مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ النفقة. قال العيني: ظاهر المذهب أن الحج يقع عن المحجوج عنه؛ لحديث الخثعمية، وعند محمد: أن الحج يقع عن الحاج وللآخر ثواب النفقة. انتهى. وقال القاري: في الحديث: دليل على أن الحج يقع عن الآمر وهو مختار شمس الأئمة السرخسي، وجمع من المحققين، وهو ظاهر المذهب. ومنها: أنه استدل الحنفية بعموم حديث الخثعمية على جواز صحة حج من لم يحج نيابة عن غيره، وخالفهم الجمهور فخصوه بمن حج عن نفسه، واستدلوا بحديث ابن عباس في شبرمة الآتي في الفصل الثاني. قال العيني: فيه - أي في حديث الخثعمية: ما يدل على أنه يجوز للرجل أن يحج عن غيره إن لم يكن حج عن نفسه لإطلاق الحديث ولم يسألها أحججت عن نفسك أم لا؟ وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، وأحمد في رواية. ويحكى كذلك عن الحسن، وإبراهيم، وأيوب، وجعفر بن محمد. وقال الأوزاعي والشافعي وأحمد في روايته المشهورة عند أصحابه وإسحاق: ليس لمن لم يحج حجة الإسلام أن يحج عن غيره، فإن فعل؛ وقع إحرامه عن حجة الإسلام. وقال أبو بكر عبد العزيز: يقع الحج باطلًا ولا يصح عنه ولا عن غيره وروي ذلك عن ابن عباس. انتهى. وأجاب الحنفية عن حديث شبرمة: بأنه مضطرب معلول، وبأنه محمول على الندب بدليل إطلاقه عليه الصلاة والسلام قوله للخثعمية: ((حُجِّي عَنْ أَبِيك))، من غير استخبارها عن حجها لنفسها قبل ذلك، وترك الاستفصال في وقائع الأحوال ينزل منزلة عموم الخطاب، فيفيد جوازه عن الغير مطلقًا، وحديث شبرمة يفيد استحباب تقديم حجه لنفسه وبذلك يحصل الجمع . قلت: حديث شبرمة حديث صحيح أو حسن صالح للاحتجاج، وكل ما ذكروه في تعليله مدفوع ومردود، كما سترى عند شرحه، وأمَّا ما ذكروه من حمله على الاستحباب متمسكين على ذلك بحديث الخثعمية، فقد تعقبه صاحب ((فتح الملهم)) (ج٣: ص٣٧٢) بأن سؤال الخثعمية، إنما وقع بعد دفعه وَّل من المزدلفة إلى منى حين كان الفضل رديفه، فكيف يتصور استفسارها عن مسألة النيابة في تلك الحجة بعد فراغها من الوقوف بعرفة، فالظاهر أنها حجت مع النبي ◌َّخير، ثم سألت هل تحج عن أبيها؟ - أي: فيما يستقبل من الزمان - إذا أرادت فقال النبي وَّرَ: ((نَعَمْ حُجِّي عَنْهُ))، ولما كان حجها عن نفسها معلومًا مشهودًا؛ لم ٣٥٥ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ يحتج وَّه إلى استخبارها عنه حتى يقال: إن ترك الاستفصال في وقائع الأحوال ينزل منزلة عموم الأحوال، وحينئذٍ ارتفع التعارض بين حديث الخثعمية وبين حديث شبرمة رأسًا. انتهى. وفي حديث الخثعمية من الفوائد: جواز كلام المرأة وسماع صوتها للأجانب عند الضرورة كالاستفتاء عن العلم والترافع في الحكم والمعاملة. وفيه: أن المرأة تكشف وجهها في الإحرام وهو إجماع؛ حكاه ابن عبد البر، ويدل له قوله وَلجيه : ((وَلَا تَنْتَقِبِ الْمَرْأَةُ))، وفيه: بيان ما ركب في الآدمي من الشهوة وجبلت طباعه عليه من النظر إلى الصور الحسنة. قال القرطبي: كان هذا النظر، أي: نظر الفضل إلى المرأة ونظرها إلى الفضل بمقتضى الطباع البشرية، فإنها مجبولة على النظر إلى الصورة الحسنة، ففي نظر أحدهما إلى الآخر مغالبة طباع البشر لابن آدم وضعفه عما ركب فيه من الشهوات. وفيه: منع النظر إلى الأجنبيات ووجوب غض البصر؛ خوف الفتنة في حق الرجال والنساء جميعًا؛ لأنه لا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة، وكان الفضل أبيض حسن الشعر وسيمًا، وكذا المرأة كانت حسناء، وفي صرف وجه الفضل بِلَيِّ عنقه ووضع يده عليه؛ مبالغة في منعه، فإن المنع بالفعل أبلغ من القول، وروى أحمد وابن خزيمة من وجه آخر عن ابن عباس أن النبي ◌ّ قال للفضل: حين غطى وجهه يوم عرفة: ((هَذَا يَومٌ مَنْ مَلَكَ فِيهِ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَلِسَانَهُ؛ غُفِرَ لَهُ))، ولم ينقل أنه نهى المرأة عن النظر، فيحتمل أنه اجتزأ بمنع الفضل لما رأى أنها تعلم بذلك منع نظرها إليه؛ لأن حكمهما واحد أو تنبهت لذلك، أو كان ذلك الموضع هو محل نظره الكريم فلم يصرف نظرها، واستدل ابن حزم بهذا الحديث: على أن وجه المرأة ليس بعورة، إذ قال: لو كان الوجه عورة يلزم ستره لما أقرها على كشفه بحضرة الناس، ولأمرها أن تسبل عليه من فوق، ولو كان وجهها مغطى ما عرف ابن عباس أحسناء هي أم شوهاء. انتهى. ولا يخفى على المتأمل المنصف ما في هذا الاستدلال . (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الحج، والمغازي، والاستئذان، ومسلم في الحج، وأخرجه أحمد (ج١: ص٢١٩)، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، ومالك، والدارمي، وابن الجارود (ص١٧٧)، والبيهقي (ج٤: ص٣٢٨، ٣٢٩، ٣٥٦ e مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ وج ٥: ص١٧٩)، وابن حزم (ج ٧: ص ٥٦، ٥٧)، والشافعي (ج١: ص ٢٨٧)، وفي الباب عن بريدة عند أحمد ومسلم والترمذي والحاكم، وعن عبد الله بن الزبير عند أحمد والنسائي والبيهقي، وعن سودة بنت زمعة عند أحمد والطبراني والبيهقي، وعن أبي رزين وسيأتي في الفصل الثاني. وعن أنس عند البزار والطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط))، وعن عقبة بن عامر عند الطبراني في الكبير و((الأوسط))، وعن علي عند أحمد، وعن الفضل بن عباس عند أحمد والشيخين والأربعة والبيهقي وغيرهم. ٢٥٣٦ - [٨] وَعَنْهُ قَالَ: أَتَى رَجُلُ النَِّيَّ وَّةِ، فَقَالَ: إِنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ، وَإِنَّهَا مَاتَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ وَِّ: ((لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَهُ؟»، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((فَاقْضٍ دَيْنَ اللَّهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ». [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] الشرح ٢٥٣٦ - قوله: (أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ وَِّ، فَقَالَ: إِنَّ أُخْتِي ... ) إلخ. كذا وقع في النذور عند البخاري من رواية آدم عن شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ووقع في الحج والاعتصام عنده من طريق أبي عوانة عن أبي بشر بلفظ: إنَّ امرأة من جهينة جاءت إلى النبي وَلّ فقالت: إن أمي نذرت أن تحج، ورجح الحافظ في النذور هذه الرواية، أي: كون السائل امرأة، وقال في الحج بعد ذكر رواية شعبة: فإن كان محفوظًا احتمل أن يكون كل من الأخ سأل عن أخته، والبنت سألت عن أمها، وقال الشوكاني: لا منافاة بين الروايتين؛ لأنه يحتمل أن تكون القصة متعددة، وأن تكون متحدة، ولكن النذر وقع من الأخت والأم فسأل الأخ عن نذر أخته والبنت عن نذر الأم. انتهى. وسمى الحافظ في المقدمة (ص٣٩١) الرجل السائل عن الأخت: عقبة بن عامر، إذ قال: حديث ابن عباس قال: أتى رجل فقال: إن أختي نذرت، هو عقبة بن عامر ولم تسم أخته. (٢٥٣٦) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٦٦٩٩)، ومُسْلِم (١٥٥ / ١١٤٨) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ، والنَّسَائِي (٥/ ١١٦). ٣٥٧ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ وقال في المرأة الجهنية: إنها امرأة سنان بن سلمة الجهني، كما في النسائي ولأحمد: سنان بن عبد الله، وهو أصح، وفي الطبراني: أنها عمته ولم تسم أمها . وقال في ((الفتح)): إن ما في النسائي لا يفسر به المبهم في حديث ابن عباس في المرأة الجهنية؛ لأن فيه أن المرأة سألت بنفسها، وفي النسائي: أن زوجها سأل لها، ويمكن الجمع: بأن نسبة السؤال إليها مجازية، وإنما الذي تولى لها السؤال زوجها. قال: ولم أقف على اسمها ولا على اسم أبيها لكن في حرف الغين المعجمة من الصحابيات لابن منده عن ابن وهب عن عثمان بن عطاء الخراساني عن أبيه، أن غاثية أو غايثة أتت النبي وَله، فقالت: إن أمي ماتت وعليها نذر أن تمشي إلى الكعبة. وجزم ابن طاهر في ((المبهمات))، بأنه اسم الجهنية المذكورة في حديث ابن عباس، لكن قال الذهبي: أرسله عطاء ولا يثبت، ثم ذكر الحافظ رواية ابن عباس عن سنان بن عبد الله الجهني أن عمته حدثته أنها أتت النبي وَالخلال، فقالت: إن أمي توفيت وعليها مشي إلى الكعبة نذرًا ... الحديث. ثم قال: فإن كان محفوظًا حمل على واقعتين؛ بأن تكون امرأته سألت على لسانه عن حجة أمها المفروضة، وبأن تكون عمته سألت بنفسها عن حجة أمها المنذورة، ويفسر ((من)) في حديث الجهنية بأنها عمة سنان واسمها غاثية كما تقدم. ثم إنه قيل: إن حديث الجهنية مضطرب؛ لأنه قد روي أن هذه المرأة قالت: إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، وأجيب: بأنه محمول على أن المرأة سألت عن كل من الصوم والحج، ويؤيد ذلك ما عند مسلم عن بريدة قالت: إن أمي، وفيه: یا رسول الله، إنه كان عليها صوم شهر أفأصوم عنها؟ قال: ((صُومِي عَنْهَا))، قالت: إنها لم تحج أفأحج عنها؟ قال: ((حُجِّي عَنْهَا))، (وَإِنَّهَا مَاتَتْ)، أي: ولم تف بنذرها . (لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ) لمخلوق. (أَكُنْتَ قَاضِيَهُ) بالنصب، أي: الدين عنها. (فَاقْضٍ دَيْنَ اللهِ)، كذا في جميع نسخ ((المشكاة))، وفي ((المصابيح)) وهكذا وقع في نسخة العيني للبخاري، وكذا ذكره الحافظ في ((الفتح))، ووقع في متن القسطلاني ومتن ((الفتح)) طبعة الهند، وفي ((جامع الأصول)) (ج٤: ص١٩٨): (فَاقْضِ اللهَ))، أي: حقه أو دينه. (فَهُوَ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ)، أي: فدين اللَّه أحق بالأداء من غيره. ٣٥٨ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ وفي الحديث: دليل على صحة النذر بالحج ممن لم يحج، فإذا حج أجزأه عن حجة الإسلام عند الجمهور، وعليه الحج عن النذر، وقيل: يجزئ عن النذر ثم يحج عن حجة الإسلام، وقيل: يجزئ عنهما، وارجع إلى ((القرى لقاصد أم القرى)) (ص٦٢) . وفيه أيضًا: دليل على أن من مات وفي ذمته حق لله تعالى من حج أو كفارة أو نذر، فإنه يجب قضاؤه. وفيه دليل أيضًا: على أن الناذر بالحج إذا مات ولم يحج أجزأه أن يحج عنه الوارث أو غيره لعدم استفصاله ويّ للأخ هل هو وارث أو لا؟ وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال كما تقرر في الأصول، ويدل على ذلك أيضًا قوله: (فَاقْضٍ دَيْنَ اللهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ)، وقوله في حديث الجهنية: ((اقْضُوا اللهَ، فَاللهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ)) . وفيه: مشروعية القياس وضرب المثل؛ ليكون أوضح وأوقع في نفس السامع وأقرب إلى سرعة فهمه. وفيه: تشبيه ما اختلف فيه وأشكل بما اتفق عليه. وفيه: تشبيه المجهول حكمه بالمعلوم، فإنه دل على أن قضاء الدين المالي عن الميت كان معلومًا عندهم متقررًا؛ ولهذا حسن الإلحاق به. وفيه: أنه يستحب للمفتي التنبيه على وجه الدليل إذا ترتب على ذلك مصلحة وهو أطيب لنفس المستفتي وأدعى لإذعانه. وفيه: دليل على جواز الحج عن الميت، وإن لم يوص لإلحاقه وتشبيهه بالدین. وقال مالك: إنما يحج عنه إذا أوصى، و إذا أوصى حج من الثلث، قال الأمير اليماني: دل الحديث على وجوب التحجيج عن الميت سواء أوصى أم لم يوص؛ لأن الدين يجب قضاؤه مطلقًا، وكذا سائر الحقوق المالية من كفارة ونحوها، وإلى هذا ذهب ابن عباس وزيد بن ثابت وأبو هريرة والشافعي، ويجب إخراج الأجرة من رأس المال عندهم، أي: مقدمًا على الوصايا والميراث كدين الآدمي. ٣٥٩ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ وقال الحافظ: في هذا الحديث أن من مات وعليه حج؛ وجب على وليه أن يجهز من يحج عنه من رأس ماله، كما أن عليه قضاء ديونه، فقد أجمعوا على أن دين الآدمي من رأس المال، فكذلك ما شبه به في القضاء، ويلتحقٍ بالحج كل حق ثبت في ذمته من كفارة أو نذر أو زكاة أو غير ذلك. وفي قوله: ((فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ» دليل على أنه مقدم على دين الآدمي، وهو أحد أقوال الشافعي، وقيل: بالعكس، وقيل: هما سواء. انتهى. وقال العيني: قيل: إذا اجتمع حق الله وحق العباد يقدم حق العباد فما معنى: (فَهُوَ أَحَقُّ؟) أجيب: بأن معناه: إذا كنت تراعي حق الناس فلأن تراعي حق اللَّه كان أولى ولا دخل فيه للتقديم والتأخير؛ إذ ليس معناه أحق بالتقديم. انتهى. قال الطيبي: في الحديث: إشعار بأن المسئول عنه خلف مالًا، فأخبره النبي وَلّ أن حق الله مقدم على حق العباد واجب عليه الحج عنه. والجامع علة المالية، وتعقبه الحافظ والعيني: بأنه لا يتحتم في الجواب المذكور أن يكون خلف مالًا كما زعم؛ لأن قوله: (أَكُنْتَ قَاضِيَهُ) أعم من أن يكون المراد مما خلفه أو تبرعًا. انتهى. قلت: ووافق الشافعي أحمد في التحجيج عن الميت من رأس المال. قال ابن قدامة (ج٣: ص٢٤٢) : متى توفي من وجب عليه الحج ولم يحج؛ وجب أن يخرج من جميع ماله ما يحج به عنه ويعتمر سواء فاته بتفريط، أو بغير تفريط، وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة ومالك: يسقط بالموت، فإن أوصي بها؛ فهي من الثلث، وبهذا قال الشعبي والنخعي. انتهى. وعند الحنفية في ذلك تفصيل كما في ((شرح اللباب)) و((الغنية)) (ص ١٧٣) قالوا: إذا تبرع أحد بدون الوصية أجزأ إن شاء الله. وقال النووي: تجب الاستنابة عن الميت إذا كان قد استطاع في حياته ولم يحج، هذا إذا كان له تركة، وإلا فلا يجب على الوارث، ويجوز للوارث والأجنبي الحج عنه سواء أوصى به أو لم يوص. انتهى. واستدل بالحديث على: أنه يصح ممن لم يحج أن يحج نيابة عن غيره؛ لأنه رَّل﴾ لم يسأله حج عن نفسه أم لا؟ ولأنه بِّهِ شبهه بالدين. ورُدَّ: بأنه سيأتي في حديث شبرمة ما يدل على عدم إجزاء حج من لم يحج عن نفسه، وأمَّا مسألة الدين، فإنه لا يجوز له أن يصرف ماله إلى دین غيره، وهو مطالب بدین نفسه.