النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الأدلة أو المجادلة بطريق التعميم، فلا يؤثر أيضًا، فإن الفاحش منها داخل في
عموم الرفث، والحسن منها ظاهر في عدم التأثير، والمستوي الطرفين لا يؤثر
أيضًا. قيل: ذكر الفسق في الحديث والنهي عنه في الحج مع كونه ممنوعًا في كل
حال وفي كل حين هو لزيادة التقبح والتشنيع، ولزيادة التأكيد في النهي عنه في
الحج، وللتنبيه على أن الحج أبعد الأعمال عن الفسق. والله أعلم.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) رواه البخاري في موضعين من كتاب الحج: في باب فضل الحج
المبرور، وقبل جزاء الصيد، ورواه مسلم في أواخر الحج، وأخرجه أيضًا أحمد،
والنسائي، والترمذي، وابن ماجه، والدارقطني (ص٢٨٢)، والبيهقي (ج٥ :
ص ٦٥)، والدارمي كلهم في الحج، وفي رواية الترمذي: ((غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ))
بدل قوله: (كَيَوْم وَلَدَتْهُ أَمُّهُ).
٢٥٣٢ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ
كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّ الجَنَّةُ)). [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٥٣٢ - قوله: (الْعُمْرَةُ) بضم العين مع ضم الميم وإسكانها، وهي في اللغة
الزيارة، وقيل: القصد إلى مكان عامر، وقيل: إنها مشتقة من عمارة المسجد
الحرام، وفي الشريعة: زيادة البيت الحرام وقصده بكيفية مخصوصة وشروط
مخصوصة ذكرت في كتب الحديث والفقه، وقيل: هي في الشرع: إحرام وسعي
وطواف وحلق أو تقصير، سميت بذلك؛ لأنه يزار بها البيت ويقصد، وقال
الراغب: العمارة: نقيض الخراب، والاعتمار والعمرة: الزيارة فيها عمارة الود،
وجعل في الشريعة للقصد المخصوص. انتهى.
(إِلَى الْعُمْرَةِ)، أي: منتهية إلى العمرة. قال القاري: قوله: ((الْعُمْرَةُ إِلَى
(٢٥٣٢) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٧٧٣)، ومُسْلِم (١٣٤٩/٤٣٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، والتِّرْمِذي (٩٣٣)،
والنَّسَائِي (١١٢/٥)، وابن مَاجَهْ (٢٨٨٨).
٣٢١
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
الْعُمْرَةِ))، أي: العمرة المنضمة، أو العمرة الموصولة، أو المنتهية إلى العمرة.
وقال المناوي: أي: العمرة حال كون الزمن بعدها ينتهي إلى العمرة، فـ((إلى))
للانتهاء على أصلها، وقال الباجي وتبعه ابن التين: إن ((إلى)) يحتمل أن تكون بمعنى
((مع)) كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُواْ أَمْوَهُمْ إِلَى أَمْوَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢] وكقوله: ﴿مَنْ أَنْصَارِىّ إِلَى
اللَّهِ﴾ [الصف: ١٤] فيكون التقدير: العمرة مع العمرة مكفرة لما بينهما، فإذا كانت
للغاية كان المكفر هو العمرة الأولى، وإذا كانت بمعنى مع كان المكفر العمرتين،
ويدل للثاني حديث: ((الْعُمْرَتَانِ تُكَفِّرَانِ مَا بَيْنَهُمَا))، أخرجه البيهقي في ((شعب
الإيمان)) من حديث أبي هريرة. قال المناوي: فيه من لم أعرفهم ولم أرهم في
كتب الرجال. وقال السندي: قيل: يحتمل أن تكون إلى بمعنى مع أي العمرة مع
العمرة أو بمعناها متعلقة بكفارة، أي: تكفر إلى العمرة ولازمه أنها تكفر الذنوب
المتأخرة.
(كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمًا) هذا ظاهر في فضل العمرة، وأنها مكفرة للخطايا الواقعة بين
العمرتين، قال في ((المطامح)): نبه بهذا الحديث على فضل العمرة الموصولة
بعمرة، قال العيني (ج١٠: ص ١٠٨، ١٠٩): ظاهر الحديث أن الأولى هي
المكفرة؛ لأنها هي التي وقع الخبر عنها أنها تكفر ولكن الظاهر من جهة المعنى أن
العمرة الثانية هي التي تكفر ما قبلها إلى العمرة التي قبلها، فإن التكفير قبل وقوع
الذنب خلاف الظاهر. انتهى.
وقال الأبي: الأظهر أن الحديث خرج مخرج الحث على تكرير العمرة والإكثار
منها؛ لأنه إذا حمل على غير ذلك يشكل بما إذا اعتمر مرة واحدة، فإنه يلزم عليه
أن لا فائدة لها؛ لأن فائدتها وهو التكفير مشروطة بفعلها ثانية إلا أن يقال: لم
تنحصر فائدة العبادة في تكفير السيئات، بل يكون فيها وفي ثبوت الحسنات، ورفع
الدرجات، كما ورد في بعض الأحاديث: من فعل كذا كتب له كذا كذا حسنة
ومحيت عنه كذا كذا سيئة، ورفعت له كذا كذا درجة. فتكون فائدتها إذا لم تكرر
ثبوت الحسنات ورفع الدرجات. وقال شيخنا أبو عبد الله - يعني: ابن عرفة: إذا
لم تكرر كفر بعض ما وقع بعدها لا كله - والله أعلم - بقدر ذلك البعض، وكذا في
((شرح الموطأ)) للزرقاني (ج٢: ص٢٦٩)، قال ابن عبد البر: المراد: تكفير
الصغائر دون الكبائر، وذهب بعض علماء عصرنا إلى تعميم ذلك، ثم بالغ في
٣٢٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الإِنكار عليه، وكأنه يعني الباجي، فإنه قال: ما من ألفاظ العموم فتقضي من جهة
اللفظ تكفير جميع ما يقع بينهما إلا ما خصه الدليل، واستشكل بعضهم كون العمرة
كفارة للصغائر فقط مع أن اجتناب الكبار مكفر لها؛ لقوله تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ
كَبَآبِرَ مَا نُنْهَوَّنَ عَنْهُ﴾ الآية [النساء: ٣١] فماذا تكفر العمرة؟ وأجيب: بأن تكفير
العمرة مقيد بزمنها وتكفير الاجتناب عام لجميع عمر العبد فتغايرا من هذه الحيثية.
وقال السندي: هذا الاستشكال ليس بشيء؛ لأن الذي لا يجتنب الكبائر،
فصغائره يكفرها العمرة، ومن ليس له صغيرة أو صغائره مكفرة بسبب آخر،
فالعمرة له فضيلة. انتهى.
قال الحافظ: وفي الحديث: دلالة على استحباب الاستكثار من الاعتمار؛
خلافًا لقول من قال: يكره أن يعتمر في السنة أكثر من مرة كالمالكية، ولمن قال
مرة في الشهر من غيرهم واستدل لهم بأنه وَّ لم يفعلها إلا من سنة إلى سنة،
وأفعاله على الوجوب أو الندب، وتعقب: بأن المندوب لم ينحصر في أفعاله، فقد
كان يترك الشيء وهو يستحب فعله لرفع المشقة عن أمته وقد ندب إلى ذلك بلفظه،
فثبت الاستحباب من غير تقييد. وقال عياض: احتج به الجمهور وكثير من
أصحاب مالك على جواز تكرير العمرة في السنة الواحدة وكرهه مالك؛ لأنه وَّله
اعتمر أربع عمر كل واحدة في سنة مع تمكنه من التكرير، وتقدم كلام الأبي
المالكي أن الحديث خرج مخرج الحث على تكرير العمرة والإكثار منها. قال
الحافظ: واتفقوا على جوازها في جميع الأيام لمن لم يكن متلبسًا بأعمال الحج إلا
ما نقل عن الحنفية أنه يكره في يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق، ونقل الأثرم عن
أحمد: إذا اعتمر؛ فلا بد أن يحلق أو يقصر، فلا يعتمر بعد ذلك إلى عشرة أيام؛
ليمكن حلق الرأس فيها. قال ابن قدامة: هذا يدل على كراهة الاعتمار عنده في
دون عشرة أيام، وارجع لتفصيل الكلام في مسألة تكرار العمرة، وتفضيل الطواف
على العمرة إلى ((شفاء الغرام)) (ج١: ص١٧٩، ١٨٠)، و((القرى)) (ص٢٩٧،
٢٩٨).
(وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ)، قال ابن العربي: قيل: هو الذي لا معصية بعده. قال الأبي:
وهو الظاهر؛ لقوله في الحديث الآخر: ((مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُتْ وَلَمْ
٣٢٣
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
يَفْسُقْ ... ))؛ إذ المعنى حج ثم لم يفعل شيئًا من ذلك، ولهذا عطفها بالفاء المشعرة
بالتعقيب، وإذا فسر بذلك؛ كان الحديثان بمعنى واحد وتفسير الحديث بالحديث
أولى. فإن قلت: المرتب على المبرور غير المرتب على عدم الرفث والفسق؛ لأن
المرتب على المبرور هو دخول الجنة وهو أخص من الرجوع بلا ذنب؛ لأن المراد
بدخولها: الدخول الأول، والدخول الأول لا يكون إلا مع مغفرة كل الذنوب
السابقة واللاحقة، والرجوع بلا ذنب إنما هو في تكفير السابقة .
قلت: إذا فسر المبرور بذلك؛ فسر الرجوع بلا ذنب بأنه كناية عن دخول الجنة
الدخول الأول المذكور. انتهى.
تنبيه:
قال ابن بزيزة: قال العلماء: شرط الحج المبرور حلية النفقة فيه. وقيل لمالك:
رجل سرق فتزوج به أيضارع الزنا؟ قال: إي والذي لا إله إلا هو. وسئل عمن حج
بمال حرام فقال: حجه مجزئ وهو آثم بسبب جنايته، وبالحقيقة لا يرقى إلى
العالم المطهر إلا المطهر. انتهى. وقال الدردير: صح الحج فرضًا أو نفلًا بالحرام
من المال، فيسقط عنه الفرض والنفل وعصى؛ إذ لا منافاة بين الصحة والعصيان،
انتهى. وبه قالت الحنفية كما في ((رد المحتار)) عن ((البحر)) حيث قال: يجتهد في
تحصيل نفقة حلال، فإنه لا يقبل بالنفقة الحرام، كما ورد في الحديث مع أنه يسقط
الفرض عنه معها ولا تنافي في سقوطه وعدم قبولها. انتهى. وذلك؛ لأن القبول
أخص من الإجزاء، فإن القبول: عبارة عن ترتيب الثواب على الفعل، والإجزاء:
عبارة عن سقوط القضاء.
وقال النووي في مناسكه: ليحرص أن تكون نفقته حلالاً خالصة عن الشبهة، فإن
خالف وحج بما فيه شبهة أو بمال مغصوب؛ صح حجه في ظاهر الحكم لكنه ليس
حجًّا مبرورًا ويبعد قبوله، وهذا هو مذهب الشافعي، ومالك، وأبي حنيفة،
وجماهير العلماء من السلف والخلف. وقال أحمد بن حنبل: لا يجزيه الحج بمال
حرام. انتهى.
(لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ)، أي: ثواب. (إِلَّا الْجَنَّةُ) بالرفع أو النصب وهو نحو: ((ليس
الطيب إلا المسك)). بالرفع فإن بني تميم يرفعونه؛ حملاً لها على ما في الإهمال
٣٢٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
عند انتقاض النفي، كما حمل أهل الحجاز ما على (لَيْسَ) في الإعمال عند استيفاء
شروطها، كذا في ((مغني اللبيب)) (ج١: ص٢٢٧). قال النووي: (لَيْسَ لَهُ جَزَاءُ إِلَا
الْجَنَّةُ)، معناه: أنه لا يقتصر لصاحبه من الجزاء علی تکفیر بعض ذنوبه، بل لا بد
أن يدخل الجنة .
وقال السندي: أي: ابتداء وإلا فأصل الدخول فيها يكفي الإيمان ولازمه أن يغفر
له الذنوب كلها صغائرها وكبائرها، بل المتقدمة منها والمتأخرة. انتهى. قال في
((المطامح)): وقضية جعل العمرة مكفرة والحج جزاءه الجنة أنه أكمل. وقال ابن
القيم: في الحديث دليل على التفريق بين الحج والعمرة في التكرار؛ إذ لو كانت
العمرة كالحج لا يفعله في السنة إلا مرة لسوى بينهما ولم يفرق.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، وأخرجه أيضًا أحمد (ج: ص)، ومالك، والترمذي، والنسائي،
وابن ماجه، والدارمي، وابن الجارود (ص١٧٨)، والبيهقي (ج٤: ص٤٧٣،
وج ٥ : ص٢٦١).
٢٥٣٣ - [٥] وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِنَّ عَمْرَةً فِى
رَمَضَانَ؛ تَعْدِلُ حَجَّةً)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٥٣٣ - قوله: (إِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ)، أي: كائنة، وسبب الحديث: أن
رسول اللّه وَلّ لما رجع عن حجة الوداع قال لأم سنان الأنصارية: ما منعك أن
تحجي معنا، قالت: لم يكن لنا إلا ناضحان فحج أبو ولدها وابنها على ناضح وترك
لنا ناضخًا ننضح عليه قال: ((فإذا جاء رمضان فاعتمري؛ فإن عمرة فيه تعدل حجة)).
(تَعْدِلُ حَجَّةً)، أي: تعادلها وتماثلها في الثواب؛ لأن الثواب يفضل بفضيلة
الوقت ذكره المظهر. قال الطيبي: وهذا من باب المبالغة، وإلحاق الناقص
بالكامل؛ ترغيبًا وبعثًا عليه وإلا كيف يعدل ثواب العمرة ثواب الحج، انتهى.
(٢٥٣٣) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٧٨٢)، ومُسْلِم (٢٢١ / ١٢٥٦) فِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، والنَّسَائِي.
٣٢٥
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
وقال ابن خزيمة في هذا الحديث: إن الشيء يشبه بالشيء ويجعل عدله؛ إذا أشبهه
في بعض المعاني لا جميعها؛ لأن العمرة لا يقضى بها فرض الحج ولا النذر.
انتهى. ووقع في رواية لمسلم: ((فَعُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً أَوْ حَجَّةً مَعِي))،
أي: بالشك، وفي رواية البخاري في باب حج النساء: ((فَإِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَقْضِي
حَجَّةً مَعِي)) بالجزم من غير شك.
وفي رواية لأبي داود والحاكم (ج١: ص٤٨٤): ((أَنَّهَا تَعْدِلُ حَجَّةً مَعِي))،
وهكذا وقع عند ابن حبان في قصة أم سليم من حديث ابن عباس، وفي حديث أنس
عند الطبراني في الكبير: ((عُمْرَة فِي رَمَضَانَ كَحَجَّةٍ مَعِي)»، وفي حديث أبي طليق في
قصة له ولا مرأته عند الطبراني في الكبير والبزار: قُلْتُ: فَمَا يَعْدِلُ الْحَجُّ مَعَكَ؟
قال: ((عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ»، وفي هذه الروايات ما يدل على أن المرأة المذكورة؛
جعلت على نفسها حجة مع النبي ◌َّلّ لتحوز بذلك شرف المعية وكثرة الثواب،
فأجابها وَله بأن ذلك يحصل لها بالاعتمار في رمضان، واختلف العلماء في معنى
حدیث الباب:
فقال بعضهم: إن الحجة التي فاتت هذه المرأة كانت تطوعًا لإجماع الأمة على
أن العمرة لا تجزئ عن حجة الفريضة؛ إذ لا مانع من أن تكون حجت مع أبي
بكر رَّهُ في السنة التاسعة، فسقط عنها الفرض، ثم أرادت أن تحج مع النبي وَل
في حجة الوادع في السنة العاشرة، فمنعها عدم تيسر الراحلة، وقال بعضهم: إن
الحجة التي فاتت هذه المرأة هي حجة الوداع وكانت أول حجة أقيمت في الإسلام
فرضًا؛ لأن حج أبي بكر كان إنذارًا، فعلى هذا يستحيل أن تكون تلك المرأة كانت
قامت بوظيفة الحج بعد؛ لأن أول حج لم تحضره هي، ولم يأت زمان حج ثان عند
قوله عليه الصلاة والسلام لها ذلك، وما جاء الحج الثاني إلا والرسول عليه الصلاة
والسلام قد توفي، فإنما أراد عليه الصلاة والسلام أن يستحثها على استدراك ما
فاتها من البدار، ولا سيَّما الحج معه عليه الصلاة والسلام؛ لأن فيه مزية على
غيره.
قلت: وهذا مبني على أن الحج إنما فرض في السنة العاشرة ولكنه غير مُتَّفَقٍ
عَلَيْهِ، وقد تقدم ذكر الخلاف فيه، وعلى كل حال، فإن كان ما فاتها حجة الفرض،
٣٢٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
فيكون المراد من الحديث: بيان فضل العمرة في رمضان، وإعلامها أن ثوابها
كثواب حجة لا أنها تقوم مقامها في إسقاط الفرض للإجماع على أن الاعتمار لا
يجزئ عن فرض الحج، فالعمرة في رمضان لا تسقط الحجة المفروضة بل لابد
من الإتيان بها من قابل، وإن كان ما فاتها تطوعًا فالعمرة في رمضان تقوم مقام
الحجة في التطوع، ونقل الترمذي عن إسحاق بن راهويه أن معنى الحديث نظير ما
جاء أن ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ تعدل ثلث القرآن. وقال ابن العربي: حديث العمرة
هذا صحيح، وهو فضل من الله ونعمة، فقد أدركت العمرة منزلة الحج بانضمام
رمضان إليها، وهكذا قال أبو بكر المعافري، كما في ((القرى))، وقد تقدم ما قال
الطيبي وابن خزيمة في معنى الحديث وتوجيهه. وقال ابن الجوزي: فيه: أن ثواب
العمل يزيد بزيادة شرف الوقت، كما يزيد بحضور القلب وبخلوص القلب، وقال
غيره: يحتمل أن يكون المراد عمرة فريضة في رمضان كحجة فريضة، وعمرة نافلة
في رمضان كحجة نافلة. وقال ابن التين: قوله: (كَحَجَّةٍ)) يحتمل أن يكون على
بابه، ويحتمل أن يكون لبركة رمضان، ويحتمل أن يكون مخصوصًا بهذه المرأة.
قال الحافظ: الثالث قال به بعض المتقدمين، ففي رواية أحمد بن منيع. قال سعيد
بن جبير: ولا نعلم هذا إلا لهذه المرأة وحدها، ووقع عند أبي داود من حديث أم
معقل فكانت تقول: الحج حجة، والعمرة عمرة، وقد قال هذا لي رسول اللّه وَله
ما أدري ألي خاصة، تعني: أو للناس عامة، قال الحافظ: والظاهر حمله على
العموم كما تقدم، والسبب في التوقف؛ استشكال ظاهره، وقد صح جوابه.
تنبيه:
لما ثبت أن عُمَرَهُ وَّه كانت كلها في ذي القعدة وقع تردد لبعض أهل العلم في
أن أفضل أوقات العمرة أشهر الحج أو رمضان، فحديث الباب يدل على الثاني،
أي: كون رمضان أفضل أوقات العمرة لكن فعله عليه الصلاة والسلام لما لم يقع
إلا في أشهر الحج كان ظاهرًا أنه أفضل إذ لم يكن اللَّه ◌َالَ يختار لنبيه إلا ما هو
الأفضل، أو أن رمضان أفضل؛ لتنصيصه عليه الصلاة والسلام على ذلك، فتركه
لاقترانه بأمر يخصه، كاشتغاله بعبادات أخرى في رمضان؛ تبتلًا، وأن لا يشق على
أمته، فإنه لو اعتمر في رمضان، لبادروا إلى ذلك، وخرجوا مع ما هم عليه من
المشقة في الجمع بين العمرة والصوم، ولقد كان بهم رؤوفًا رحيمًا، وقد كان يترك
٣٢٧
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
العمل وهو يحب أن يعمله؛ خشية أن يفرض على أمته، وخوفًا من المشقة عليهم
كالقيام في رمضان بهم، ومحبته؛ لأن يستقي بنفسه مع سقاة زمزم؛ كيلا يغلبهم
الناس على سقايتهم. وقال الحافظ: والذي يظهر أن العمرة في رمضان لغير
النبي ◌َّ أفضل، وأما في حقه فما صنعه هو أفضل؛ لأن فعله لبيان جواز ما كان
أهل الجاهلية يمنعونه، فأراد الرد عليهم بالقول والفعل وهو لو كان مكروهًا لغيره
لكان في حقه أفضل. انتهى.
٢ تنبيه آخر:
قد استدل بقوله وَّه: ((عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً)) على استحباب تكرار العمرة
والإكثار منها .
قال المحب الطبري في ((القرى)) (ص٥٦٦): فيه دليل على استحباب تكرار
العمرة من وجهين؛ الأول: أن النكرة في سياق التفضيل، الظاهر منها إرادة
العموم، فإنك إذا قلت: رجل من بني تميم يعدل قبيلة من غيرها، لم يتبادر إلى
الفهم إلا أن كل واحد منها كذلك، فكذلك كل عمرة في رمضان. والثاني: المراد
بعمرة في رمضان إما أن يقال: كل عمرة لكل أحد أو عمرة لكل أحد أو عمرة
لواحد لا بعينه، والأول هو المطلوب. والثالث: غير مراد بالاتفاق، والثاني لازم
للأول فيتعدى الحكم، بيان الملازمة أن اتصاف الفعل بالفضل إنما نشأ من جهة
الزمان لا محالة، فإذا ثبت لفعل لزم ثبوته لمثله، وإن تكرر لقيام موجب الصفة
ولعدم جواز تخلف الحكم عن مقتضيه، ومن ادعى تخصصها بعدم التكرار أو
تخصيصها بالمخاطبه، أو بميقات دون غيره أو معارضًا فعليه البيان. انتهى.
قلت: قد ذهب إلى جواز تكرار العمرة واستحباب الإكثار منها الشافعي، وأبو
حنيفة. وكرهه مالك إلا مرة في سنة، وأحمد في دون عشرة أيام كما تقدم في كلام
ابن قدامة، ويؤيده ما أخرجه الشافعي عن أنس رَوَّهُ: أنه كان إذا حمم رأسه؛
خرج فاعتمر، وقوله: حمم، بالحاء المهملة، أي: اسود بعد الحلق في الحج
بنبات الشعر، والمعنى: أنه كان لا يؤخر العمرة إلى المحرم، بل كان يخرج إلى
الميقات، ويعتمر في ذي الحجة، وهكذا ذكره الجوهري، وابن الأثير وقيد
بالمهملة .
٣٢٨
EECHaNO
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، واللفظ لمسلم، وأخرجه أيضًا أحمد (ج١: ص٢٢٩، ٣٠٨)،
وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي، وابن الجارود (ص١٧٩)،
والبيهقي وفي الباب عن جماعة من الصحابة ذكر أحاديثهم العيني (ج١٠ :
ص١١٧)، والهيثمي في (مجمع الزوائد)) (ج٣: ص ٢٨٠).
٢٥٣٤ - [٦] وَعَنْهُ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ وَ لَقِيَ رَكْبًا بِالرَّوْحَاءِ، فَقَالَ: (مَن
الْقَوْمُ؟)) قَالُوا: الْمُسْلِمُوْنَ، فَقَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: ((رَسُولُ اللَّهِ)) فَرَفَعَتْ إِلَيْهِ
امْرَأَةٌ صَبِيًّا فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجّ؟ قَالَ: (نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ)). [رَوَاهُ مُسْلِمْ] (صحيح}
الشرح
٢٥٣٤ - قوله: (إِنَّ النَّبِيَّ وَ لَقِيَ رَكْبًا) بفتح الراء وسكون الكاف جمع
راكب، أو اسم جمع كصاحب وصحب وهم العشرة، فما فوقها من أصحاب الإبل
في السفر دون بقية الدواب، ثم اتسع فيه فأطلق على كل جماعة. (بِالرَّوْحَاءِ) بفتح
الراء وسكون الواو بعدها حاء مهملة ثم ألف ممدودة. قال عياض: في
((المشارق)): هي من أعمال الفرع بينها وبين المدينة نحو أربعين ميلًا، وفي
((صحيح مسلم)): ستة وثلاثون، وفي كتاب ابن أبي شيبة: ثلاثون ميلًا، زاد في
رواية أحمد وأبي داود: فسلم عليهم. وكان ذلك اللقاء كما قال ابن حبان حين
رجوعه من مكة إلى المدينة، ففي رواية النسائي: عن ابن عباس: قال: صدر
رسول اللّه وَلَ﴾، فلمَّا كان بالروحاء لقي قومًا ... الحديث. وفي رواية الشافعي
في ((مسنده)) (ج١: ص٢٨٩)، وكذا عند البيهقي (ج٥: ص ١٥٥) من طريق
الشافعي: أنَّ النبي ◌َّله قفل، فلمَّا كان بالروحاء لقي ركبًا، الحديث. وبه جزم ابن
القيم في ((الهدي)) حيث قال: ثم ارتحل بَّهراجعًا إلى المدينة، فلمَّا كان بالروحاء
لقي ركبًا ... فذكر قصة الصبي، وقيل: وقعت هذه القصة في مقدمه إلى
بيت الله، والمراد بالصدور والقفول: صدوره من المدينة للحج ولا يخفى ما فيه،
وارجع إلى ((القرى)) (ص٤٩، ٥٠). (فَقَالَ: مَنِ الْقَوْمُ؟) بالاستفهام.
(٢٥٣٤) مُسْلِم (٣٣٦/٤٠٩)، وَأَبُو دَاوُد (١٧٣٦)، وَالنَّسَائِي (١٢٠/٥) فِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
٣٢٩
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
(قَالُوا)، أي: بعضهم. (الْمُسْلِمُونَ)، أي: نحن المسلمون. (فَقَالُوا: مَنْ
أنْتَ؟)، يعني: أن الذي أجاب رسول اللّه وَ لال سأل بعد ذلك ليعرف من يخاطب.
(قَالَ)، أي: النبي. (رَسُولُ اللهِ)، أي: أنا رسول اللَّه فلفظ (رَسُولُ اللهِ) خبر مبتدأ
محذوف. قال عياض: يحتمل أن هذا اللقاء كان ليلاً فلم يعرفوه وَّ، ويحتمل
كونه نهارًا لكنهم لم يروه ◌َّ قبل ذلك؛ لعدم هجرتهم فأسلموا في بلدانهم ولم
يهاجروا قبل ذلك، وسيأتي في حديث جابر في قصة حجة الوداع أنه أذن في الناس
أن النبي ◌َّ حاج فقدم المدينة بشر كثير ليأتموا به، فلعل هؤلاء ممن قدم فلم يلقوه
إلا هنالك، وفي رواية مالك في ((موطئه)): أنَّ رسول اللّه وَّل مر بامرأة وهي في
محفتها - بكسر الميم وفتح المهملة وتشديد الفاء: مركب للنساء كالهودج إلا أنها
لا تقبب، كما تقبب الهوادج - فقيل لها: هذا رسول الله ... الحديث. قال
الباجي: فقد كانت المرأة فيمن آمن به ولم تره ولم تعرف عينه، فلذلك أخبرت به.
(فَرَفَعَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا)، أي: أخرجته من المحفة رافعة له على يديها، وفي رواية
أحمد وأبي داود: ففزعت امرأة فأخذت بعضد صبي، فأخرجته من محفتها .
(فَقَالَتْ: أَلِهَذَا؟)، أي: يحصل لهذا الصغير. (حَجِّ)، أي: ثوابه، قيل: قوله:
(حَجِّ) فاعل الظرف؛ لاعتماده على الهمزة، ويجوز أن يكون مبتدأ مؤخرًا و (لِهَذَا)
خبر مقدم، وفي رواية أحمد، وأبي داود: هل لهذا حجّ؟ (قَالَ) في الجواب.
(نَعَمْ)، أي: له حج.
(وَلَكِ أَجْرٌ) زادها على السؤال؛ ترغيبًا لها. قال القاري: أي: أجر السببية وهو
تعليمه إن كان مميزًا، أو أجر النيابة في الإحرام والرمي والإيقاف والحمل في
الطواف، والسعي إن لم يكن مميزًا. وقال عياض: وأجرها فيما تتكلفه في أمره في
ذلك وتعليمه وتجنيبه ما يجتنب المحرم. وقال النووي: معناه: بسبب حملها
وتجنيبها إياه ما يجتنبه المحرم، وفعل ما يفعله المحرم. وقال الأمير اليماني:
قوله: (لَكِ أَجْرٌ)، أي: بسبب حملها وحجها به، أو بسبب سؤالها عن ذلك
الحكم، أو بسبب الأمرين، وفي الحديث: دليل على مشروعية الحج بالصبيان
وجوازه، ولا خلاف فيه بين العلماء. قال الأمير اليماني: الحديث دليل على أنه
يصح حج الصبي، وينعقد سواء كان مميزًا أم لا، حيث فعل عنه وليه ما يفعل
الحجاج وإلى ذلك ذهب الجمهور. واعلم: أن في مسألة حج الصبي عدة أبحاث
٣٣٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ينبغي التنبيه عليها :
الأول: جواز الحج ومشروعيته بالصغار، وإليه ذهب الجمهور منهم الأئمة
الأربعة. قال الزرقاني: في الحديث: مشروعية الحج بالصغار وبه قالت الأئمة.
قال عياض: لا خلاف بين العلماء في جواز الحج بالصبيان، وإنما منعه طائفة من
أهل البدع ولا يلتفت إلى قولهم، بل هو مردود بفعل النبي ◌َّ وأصحابه وإجماع
الأمة. وقال الطبري: لا خلاف بين أهل العلم في جواز الحج بالصبي إلا قومًا من
أهل العراق منعوه وفعل رسول اللَّه وَسليل وقوله، وإجماع الأمة يرد قولهم، وإنما
الخلاف في أنه هل ينعقد حكم الحج عليهم؟ وفائدة الخلاف: تظهر في وجوب
الفدية، فأبو حنيفة لا يلزمهم شيئًا إنما يجتنبون ذلك على وجه التمرين والتعليم،
وفي ما تقدم من قول عطاء: يفعل بالصغير ما يفعل بالكبير ويشهد به المناسك كلها
إلا أنه لا يصلي عنه وإن شاؤوا قمصوه موافقة له، وباقي الأئمة يرون وجوب
الفدية. انتهى.
وقال ابن البر في ((التمهيد)): في الحديث الحج بالصبيان الصغار، واختلف
العلماء في ذلك، فأجازه مالك والشافعي وسائر فقهاء الحجاز من أصحابنا وغيرهم
وأجازه الثوري، وأبو حنيفة وسائر فقهاء الكوفة، وأجازه الأوزاعي والليث فيمن
سلك مسلكهما من أهل الشام ومصر وكل من ذكرناه يستحب الحج بالصبيان
ويأمر به ويستحسنه، وعلى ذلك جمهور العلماء في كل قرن. وقالت طائفة: لا
يحج بالصبيان، وهو قول لا يشتغل به ولا يعرج عليه؛ لأن النبي بَّ حج بأغيلمة
بني عبد المطلب وحج السلف بصبيانهم ولحديث الباب. وروينا عن أبي بكر
الصديق أنه طاف بعبد الله بن الزبير في خرقة، وذكر عبد الرزاق عن الثوري عن
عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه قال: كانوا يحبون إذا حج الصبي أن يجردوه، وأن
يجنبوه عن الطيب، وأن يلبي عنه إذا كان لا يحسن التلبية. انتهى.
وقال ابن حزم في ((المحلى)) (ج٧: ص٢٧٦): ونستحب الحج بالصبي، وإن
كان صغيرًا جدًّا أو كبيرًا وله أجر وحج، وهو تطوع وللذي يحج به أجر، وكذلك
ينبغي أن يدربوا ويعلموا الشرائع من الصلاة والصوم؛ إذا أطاقوا ذلك. انتهى.
وقال الباجي: الصبيان على ضربين: ضرب يفهم ما يؤمر به، وضرب يصغر عن
٣٣١
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
ذلك، فلا يفهم ما يؤمر به ولا ينتهي عما نهي عنه. فأمَّا الأول: فروى ابن المواز
وابن وهب عن مالك لا يحج بالرضيع، وأمَّا ابن أربع سنين وخمس فنعم. وهذا
إنما هو على الاستحباب، فإن أحرم به وألزم الإحرام؛ لزمه، وإن كان صغيرًا جدًّا
لا يفهم. انتهى. وقال الأبي في ((الإكمال)): اختلف قول مالك في الحج بالرضيع
ومن لا يفهم، وحمل أصحابنا قوله بالمنع على الكراهة، وفي ((المدونة)): يحج
بالصبي وإن لم يبلغ أن يتكلم، وفي كتاب محمد: لا يحج بالرضيع، وأمَّا ابن أربع
فنعم. اللخمي: ولا أرى أن يحج إلا بمن يعقل القربة، وأمَّا الرضيع فهو
كالبهيمة، قال: وعلى هذا فلا يحج بالمجنون. انتهى.
وقال ابن رشد في ((البداية)) (ج١: ص٢٥٢): اختلف أصحاب مالك في صحة
وقوعه من الطفل الرضيع، وينبغي أن لا يختلف في صحة وقوعه ممن يصح وقوع
الصلاة منه، وهو كما قال عليه الصلاة والسلام: ((من السبع إلى العشر)). انتهى.
الثاني: هل ينعقد حجه أم لا؟ قال النووي: في الحديث حجة للشافعي،
ومالك، وأحمد، وجماهير العلماء: أن حج الصبي منعقد صحيح يثاب عليه، وإن
كان لا يجزئه عن حجة الإسلام، بل يقع تطوعًا. وقال أبو حنيفة: لا يصح حجه،
قال أصحابه: وإنما فعلوه؛ تمرينًا له ليعتاده فيفعله إذا بلغ. قال: وإنما خلاف أبي
حنيفة في أنه هل ينعقد حجه ويجري عليه أحكام الحج ويجب فيه الفدية ودم
الجبران، وسائر أحكام البالغ، فأبو حنيفة يمنع ذلك كله، ويقول: إنما يجنب ذلك
تمرينًا على التعليم، والجمهور: يقولون: يجري عليه أحكام الحج في ذلك وحجه
منعقد يقع نفلا، انتهى.
قلت: هكذا نقل غير واحد من شراح الحديث وأصحاب كتب الفقه الجامع
مذهب الحنفية في ذلك، منهم الحافظ في ((الفتح))، وابن قدامة في ((المغني))
(ج٣: ص٢٥٢)، وابن رشد في ((البداية)) (ج١: ص٢٥٣)، قال الحافظ: قال ابن
بطال: أجمع أئمة الفتوى على سقوط الفرض عن الصبي حتى يبلغ إلا أنه إذا حج به
كان له تطوعًا عند الجمهور. وقال أبو حنيفة: لا يصح إحرامه ولا يلزمه شيء من
محظورات الإحرام، وإنما يحج به على جهة التدريب. انتهى. والذي يظهر من
كتب الفقه الحنفي المعتبرة أن قول أبي حنيفة مثل قول الجمهور، يعني: أن إحرام
٣٣٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
الصبي ينعقد نفلا، وإنما خلافه في وجوب الفدية والكفارات، ففي ((المبسوط)):
الصبي لو أحرم بنفسه وهو يعقل أو أحرم عنه أبوه صار محرمًا. انتهى.
وفي ((العالمكيرية)): لو أن الصبي حج قبل البلوغ لا يكون من حجة الإسلام،
ويكون تطوعًا. انتهى. وقال في ((الدر المختار)): لو أحرم صبي عاقل أو أحرم عنه
أبوه؛ صار محرمًا وينبغي أن يجرده قبله ويلبسه إزارًا ورداءً، وقال القاري في ((شرح
اللباب)): ينعقد إحرام الصبي المميز للنفل لا للفرض ويصح أداؤه بنفسه ولا يصح
من غيره في الأداء ولا الإحرام بل يصحان من وليه له نيابة، وهذا كله مبني على
انعقاده نفلًا. لكن في ((شرح المجمع)): وعندنا إذا أهل الصبي أو وليه؛ لم ينعقد
فرضًا ولا نفلًا. وفي ((الهداية)) ما يدل على انعقاده نفلًا.
ثم قال ((صاحب الهداية)): واختلف المتأخرون، فمنع بعضهم انعقاده أصلًا،
وقيل: ينعقد ويكون حج تمرين واعتياد. انتهى. ويمكن الجمع بأنه لا ينعقد
انعقادًا ملزمًا وينعقد نقلًا غير ملزم؛ لأنه غير مكلف ويتفرع عليه لو أنه لم يفعل شيئًا
من المأمورات، أو ارتكب شيئًا من المحظورات لا يجب عليه شيء من القضاء
والكفارات ويقوي ما ذكرنا في اختلاف المسائل: اختلفوا في حج الصبي. قال أبو
حنيفة: لا يصح منه. قال يحيى بن محمد: معنى قول أبي حنيفة: ((لا يصح منه))
على ما ذكره أصحابه: أنه لا يصح صحة يتعلق بها وجوب الكفارات، لا أنه يخرجه
من ثواب الحج، وكذا يؤيد ما قلنا ما في الغاية من أن اعتكاف الصبي وصومه
وحجه صحيح شرعي بلا خلاف. انتهى. ما في ((شرح اللباب))، وقد صرح بانعقاد
حجه نفلاً صاحب ((الهداية)) و((الغنية)) وابن نجيم، وابن عابدين، وغيرهم أيضًا.
وقال الطحاوي: أخبر رسول اللّه وَليل في هذا الحديث، أي: الحديث الذي
نحن في شرحه أن للصبي حجًّا، وهذا مما قد أجمع الناس جميعًا عليه ولم يختلفوا
أن للصبي حجًّا كما أن له صلاة. انتهى. وقد تبين مما ذكرنا أن حج الصبي يصحُ،
وينعقد نفلاً عند الحنفية أيضًا، وأن خلافهم إنما هو في وجوب القضاء
والكفارات.
الثالث: هل يجب عليه الجزاء والفدية والكفارة والقضاء أم لا؟ وقد تقدم في
كلام النووي من مذهب الجمهور وجوب ذلك خلافًا لأبي حنيفة. وقال الزرقاني :
في حديث انعقاد حج الصبي وصحة وقوعه نفلًا، وأنه مثاب عليه، فيجتنب ما
٣٣٣
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
يجتنبه الكبير مما يمنعه الإحرام، ويلزمه من الفدية والهدي ما يلزمه، وبه قال
الأئمة الثلاثة والجمهور خلافًا لأبي حنيفة. وقال ابن عبد البر: قال مالك: ما
أصاب الصبي من صيد أو لباس أو طيب؛ فُدي عنه، وبذلك قال الشافعي. وقال
أبو حنيفة: لا جزاء عليه ولا فدية. انتهى.
وقال الخطابي في ((المعالم)) (ج٢: ص٢٨١): وفي ذلك دليل على أن حجه إذا
فسد أو دخله نقص فإن جبرانه واجب عليه كالكبير، وإن اصطاد صيدًا، لزمه الفداء
كما يلزم الكبير. وفي وجوب هذه الغرامات عليه في ماله كما يلزمه لو أتلف مالًا
لإنسان، فيكون غرمه في ماله أو وجوبها على وليه؛ إذ كان هو الحامل له على
الحج والنائب عنه، وفي ذلك نظر وفيه اختلاف بين الفقهاء. انتهى. قلت: في
وجوب الكفارة والجزاء والقضاء عند أتباع الأئمة الثلاثة تفاصيل، اختلفوا فيها
وأسقط بعضهم في بعض الصور الكفارة والقضاء، وهي مبسوطة في كتب
فروعهم، من شاء الوقوف عليها رجع إلى ((المغني)) لابن قدامة (ج٢: ص ٢٥٥)،
و((مناسك الحج)) و((المجموع)) للنووي، و(الدسوقي على الشرح الكبير)) للدردير
المالكي.
وقال في ((شرح اللباب)) من فروع الحنفية: ولو أفسد، أي: الصبي نسكه أو ترك
شيئًا من أركانه وواجباته لا جزاء عليه ولا قضاء حيث شروعه ليس بملزم له؛ لأنه
غيره مكلف في فعله. انتهى. وقد وافق ابن حزم الحنفية في ذلك، حيث قال في
((المحلى)) (ج ٧: ص٢٧٦، ٢٧٧): وإذا الصبي قد رفع عنه القلم، فلا جزاء عليه
في صيد إن قتله في الحرم، أو في إحرامه ولا في حلق رأسه لأذى به عن تمتعه ولا
الإحصاره؛ لأنه غير مخاطب بشيء من ذلك ولو لزمه هدى للزمه أن يعوض منه
الصيام وهو في المتعة وحلق الرأس وجزاء الصيد، وهم لا يقولون بذلك. هذا ولا
يفسد حجه بشيء مما ذكرنا إنما هو ما عمل، أو عمل به أجر وما لم يعمل، فلا إثم
عليه. انتهى. قلت: واستدل الحنفية بالحديث المشهور بين الفقهاء وأئمة
الحديث: ((رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاثَةٍ: عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ))، الحديث أخرجه أحمد،
وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم، وابن حبان من حديث عائشة.
وأحمد وأبو داود، والنسائي، والدارقطني، والحاكم، وابن خزيمة، وابن حبان
من حديث علي. والطبراني بسنده عن غير واحد من أصحاب رسول اللّه ◌َكثير:
٣٣٤
BOXEX
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ثوبان، ومالك بن شداد، وغيرهما.
قال الحافظ: الرفع مجاز عن عدم التكليف؛ لأنه يكتب لهم فعل الخير؛ قاله
ابن حبان. قلت: والراجح عندنا هو: ما ذهب إليه الحنفية وابن حزم؛ لأنه لا نص
لمن ذهب إلى خلاف ذلك ولا حجة لهم فيما قالوه، هذا ما عندي والعلم عند الله
تعالی.
والرابع: هل يثاب الصبي على حسناته من الصلاة والصوم والحج وغيرها؟ قال
العيني: استدل بالحديث بعضهم على أن الصبي يثاب على طاعته، ويكتب له
حسناته، وهو قول أكثر أهل العلم، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب فيما حكاه
المحب الطبري، وحكاه النووي في ((شرح مسلم)) عن مالك، والشافعي، وأحمد
والجمهور. انتهى. وقال الخطابي: إنما كان للصبي الحج من ناحية الفضيلة من
دون أن يكون محسوبًا عن فرضه لو بقي حتى يبلغ ويدرك مدرك الرجال، وهذا
كالصلاة يؤمر بها؛ إذا أطاقها وهي غير واجبة عليه وجوب فرض، ولكن يكتب له
أجرها؛ تفضلا من الله، ویکتب لمن يأمره بها ويرشده إليها أجر. فإذا كان له حج
فقد علم أن من سنته أن يوقف به في الموقف، ويطاف به حول البيت محمولًا إن لم
يطق المشي، وكذلك السعي بين الصفا والمروة ونحوه من أعمال الحج. انتهى.
وقال الطبري: قد قال كثير من أهل العلم: إن الصبي يثاب على طاعته وتكتب له
حسناته دون سيئاته، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب، وقد تقدم ما يدل عليه في
باب تسمية الحج جهادًا، وهو قوله ◌ََّ: ((جِهَادُ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ وَالْمَرْأَةِ: الْحَجُّ
وَالْعُمْرَةُ))، أخرجه النسائي. قال: ففيه دلالة على أن ثواب عبادة الصغير لنفسه، ثم
إن كان الصبي يعقل عقل مثله؛ أحرم بنفسه وإن لم يعقل أحرم عنه.
وفي التمهيد: قال أبو عمر: فإن قيل: فما معنى الحج بالصغير وهو عندكم غير
مجزئ عنه من حجة الإسلام وليس ممن تجري الأقلام له وعليه؟ قيل: أما جري
القلم له بالعمل الصالح فغير منكر أن تكتب للصبي درجة وحسنة في الآخرة
بصلاته وزكاته وحجه، وسائر أعمال البر التي يعملها على سنتها؛ تفضلًا من الله
رَّك كما تفضل على الميت بأن يؤجر لصدقة الحي عنه ويلحقه ثواب ما لم يقصده،
ولم يعمله مثل الدعاء والصلاة عليه ونحو ذلك. ألا ترى أنهم أجمعوا على أن
٣٣٥
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
الصبي إذا عقل الصلاة يصلي، وقد صلى رسول اللَّه وَليه بأنس واليتيم معه، وأكثر
السلف على إيجاب الزكاة في أموال اليتامى، ويستحيل أن لا يؤجروا على ذلك،
والذي يقوم بذلك عنهم أجر كما للذي يحجهم أجر؛ فضلاً من اللّه رَّك ونعمة،
فلا شيء يحرم الصغير التعرض لفضل الله، وقد روي عن عمر بن الخطاب معنى
ما ذکرنا، ولا مخالف له أعلمه ممن يجب اتباع قوله، ثم ذکر بسنده إلى عمر قال :
تکتب للصغیر حسناته ولا تکتب علیه سيئاته. انتهى.
وقال ابن حزم في ((المحلى)) (ج ٧: ص٢٧٦): واللَّه تعالى يتفضل بأن يأجرهم
ولا يكتب عليهم إثمًا حتى يبلغوا، فإن قيل: لا نية للصبي؛ قلنا: نعم ولا تلزمه،
إنما تلزم النية المخاطب المأمور المكلف والصبي ليس مخاطبًا ولا مكلفًا، وإنما
أجره تفضل من الله تعالى مجرد عليه، كما يتفضل على الميت بعد موته، ولا نية
له، ولا عمل بأن یأجره بدعاء ابنه له بعد موته وبما یعمله غیره عنه من حج أو صیام
أو صدقة ولا فرق، ويفعل الله ما يشاء. انتهى.
وفي ((شرح اللباب)): اتفقت الأئمة الأربعة على أن الصبي يثاب على طاعته
وتكتب له حسناته سواء كان مميزًا أو غير مميز، لكن اختلف أصحابنا هل تكون
حسناته له دون أبويه، أو يكون الأجر لوالديه من غير أن ينقص من أجر الولد شيء؟
ففي قاضي خان: قال أبو بكر الإسكاف: حسناته تكون له دون أبويه، وإنما يكون
للوالد من ذلك أجر التعليم والإرشاد؛ إذا فعل ذلك. وفي ((الغاية)): أن اعتكاف
الصبي وصومه وحجه صحيح شرعي بلا خلاف وأجره له دون أبويه. انتهى. وقال
بعضهم: تكون حسناته لأبويه أيضًا بناء على التسبب، والأحاديث تدل عليه، فقد
روي عن أنس أنه قال: من جملة ما ينتفع به المرء بعد موته إن ترك ولدًا تعلم القرآن
والعلم، فيكون لوالده أجر ذلك من غير أن ينقص من أجر الولد شيء. انتهى.
الخامس: هل يجزئ الصبي عن حجة الإسلام، أي: الحجة الفريضة؟ قال
العيني: وفي ((أحكام ابن بزيزة)): أمَّا الصبي فاختلف القائلون بانعقاد حجه هل
يجزيه عن حجة الفريضة؟ فقال داود وغيره: يجزيه، وقال مالك، والشافعي
وغيرهما: لا يجزيه، وقال ابن عبد البر في ((التمهيد)): اختلف العلماء أيضًا هل
يجزئه عن حجة الإسلام، فالذي عليه فقهاء الأمصار الذين قدمنا ذكرهم في هذا
٣٣٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الباب أن ذلك لا يجزيه، وذكر أبو جعفر الطحاوي في ((معاني الآثار)) حديث الباب
ثم قال: فذهب قوم: إلى أن الصبي إذا حج قبل بلوغه؛ أجزأه عن حجة الإسلام،
واحتجوا بهذا الحديث وخالفهم آخرون، فقالوا: لا يجزيه عن حجة الإسلام،
وعليه بعد بلوغه حجة أخرى، وكان لهم من الحجة على أهل المقالة الأولى أن في
هذا الحديث أن للصبي حجًّا، وهذا مما قد أجمع الناس عليه، ولم يختلفوا في أن
للصبي حجًّا وليس ذلك عليه بفريضة، ومن جهة القياس، فكما له صلاة وليست
بفريضة، فكذلك قد يجوز أن يكون له حج وليس بفريضة، وإنما هذا الحديث
حجة على من زعم أنه لا حج له، وأمَّا من يقول: إن له حجًّا وأنه غير فريضة، فلم
يخالف شيئًا من هذا الحديث، وهذا ابن عباس هو الذي روى هذا الحديث عن
رسول اللّه وَله، ثم قد صرف حج الصبي إلى غير الفريضة، ثم ذكر ابن عبد البر
بسند الطحاوي قول ابن عباس بلفظ: أيما غلام حج به أهله فمات؛ فقد قضى حجة
الإسلام، وإن أدرك؛ فعليه الحج. قال أبو عمر: على هذا جماعة فقهاء الأمصار
وأئمة الأثر. وقال الشوكاني: وشذ بعضهم فقال: إذا حج الصبي؛ أجزاه ذلك عن
حجة الإسلام؛ لظاهر قوله وَّه: ((نَعَمْ)) في جواب قوله: ((أَلِهَذَا حَجٌّ؟))، وقال
الطحاوي: لا حجة في قوله {َّه: (نَعَمْ)) على أنه يجزيه عن حجة الإسلام، بل فيه
حجة على من زعم أنه لا حج له. قال: لأن ابن عباس راوي الحديث قال: أيما
غلام حج به أهله، ثم بلغ فعليه حجة أخرى. ثم ساقه بإسناد صحيح، وقد أخرج
هذا الحديث مرفوعًا الحاكم (ج١: ص٤٨١)، وقال: صحيح على شرطهما،
والبيهقي (ج ٥: ص١٥٦)، وابن حزم (ج ٧: ص٤٤) وصححه. وقال ابن خزيمة:
الصحيح موقوف، وأخرجه كذلك، قال البيهقي: تفرد برفعه محمد بن المنهال.
ورواه الثوري عن شعبة موقوفًا ولكنه قد تابع محمد بن المنهال على رفعه الحارث
ابن شريح، أخرجه كذلك الإسماعيلي والخطيب، ويؤيد صحة رفعه ما رواه ابن
أبي شيبة عن ابن عباس: قال: احْفَظُوا عَنِّي وَلَا تَقُولُوا، قال ابن عباس:
... فذكره. وهو ظاهر في الرفع. وقد أخرج ابن عدي من حديث جابر بلفظ: ((لو
حج صغير حجة لكان عليه حجة أخرى))، ومثل هذا حديث محمد بن كعب القرظي
عن النبي ◌َّهِ، قال: ((أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ بِهِ أَهْلُهُ فَمَاتَ؛ أَجْزَأَتْ عَنْهُ، فَإِنْ أَدْرََكَ فَعَلَيْهِ
الْحَجُّ))، الحديث، أورده صاحب ((المنتقى)) وقال: ذكره أحمد بن حنبل في رواية
٣٣٧
ees
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
ابنه عبد الله هكذا مرسلًا.
قال صاحب ((الفتح الرباني)): لم أقف على هذا الحديث في ((المسند))، ولعله في
كتاب آخر من كتب الإمام أحمد، ولا سيَّما لم يعزه صاحب ((المنتقي)) إلى
((المسند))، قال الشوكاني: وأخرجه أبو داود في ((المراسيل))، وفيه راو لم يسم.
قلت: وأخرجه أيضًا ابن حزم في ((المحلى)) (ج ٧: ص٤٤)، وقال: هو مرسل وعن
شيخ لا يدرى اسمه ولا من هو؟ قال الشوكاني: فيؤخذ من مجموع هذه الأحاديث
أنه يصح حجه، ولا يجزئه عن حجة الإسلام إذا بلغ، وهذا هو الظاهر فيتعين
المصير إليه. قال القاضي عياض: أجمعوا على أنه لا يجزئه، إذا بلغ عن فريضة
الإسلام إلا فرقة شذت فقالت: يجزئه لقوله: ((نَعَمْ))، وظاهره استقامة كون حج
الصبي مطلقًا، والحج إذا أطلق تبادر منه إسقاط الواجب. ولكن العلماء ذهبوا إلى
خلافه محتجين بحديث ابن عباس المذكور يعني الذي رواه الحاكم والطحاوي
والبيهقي وابن حزم، وغيرهم.
السادس: فيمن يحرم عن الصبي، واختلفوا فيه أيضًا، والحديث دليل على أن
الأم يجوز لها أن تحرم عنه، خلافًا للشافعية. قال الطبري: واختلف أصحابنا فيمن
يحرم عنه، فأكثرهم ذهب إلى أن ذلك منوط بالولاية في ماله، فمن ثبت له الولاية
فيه؛ أحرم عنه، والمعنى بالإحرام عنه أنه ينوي بقلبه أنه جعله محرمًا، وذهب
بعضهم: إلى أن أمه مقدمة في ذلك لقوله وَ له: ((وَلَكِ أَجْرٌ)) والأولون يحملون ذلك
على ما ذكرناه من أن معناه، أي: فيما تتكلفين من أمره بالحج وتعليمه إياه والقيام
بأمره. انتهى.
وقال النووي في ((شرح مسلم)): أما الولي الذي يُحْرم عن الصبي، فالصحيح عند
أصحابنا: أنه الذي يلي ماله وهو أبوه أو جده أو الوصي، أو القيم من جهة
القاضي، أو القاضي أو الإمام، وأمَّا الأم فلا يصح إحرامها عنه إلا أن تكون وصية
أو قيمة من جهة القاضي، وقيل: إنه يصح إحرامها وإحرام العصبة، وإن لم يكن
لهم ولاية المال، وهذا كله إن كان صغيرًا لا يميز، فإن كان مميزًا أذن له الولي
فأحرم، فلو أحرم بغير إذن الولي أو أحرم الولي عنه؛ لم ينعقد على الأصح، وصفة
إحرام الولي من غير المميز أن يقول بقلبه: جعلته محرمًا. انتهى.
٣٣٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال في ((مناسکه)): إن كان مميزًا؛ أحرم بإذن وليه، فإن أحرم بغير إذنه لم يصح
على الأصح ولو أحرم عنه وليه؛ صح على الأصح، فإن لم يكن مميزًا؛ أحرم عنه
وليه وهو الأب، وكذا الجد عند عدم الأب، ولا يتولاه عند وجوده، والوصي
والقيم كالأب على الصحيح، ولا يتولاه الأخ والعم والأم على الأصح، إذا لم يكن
له وصية ولا ولاية من الحاكم. قال ابن حجر: قوله: وهو الأب، ويشترط في
الأب كما قاله الأذرعي شروط ولاية المال من العدالة وغيرها، فإن انتفى عنه
بعضها؛ انتقلت إلى الجد، وقوله: عند عدم الأب، أي: أو وجوده لا بصفة
الولاية، قوله: والأم، اعترض بما في مسلم: ((أن امرأة رفعت صبيًّا ... ))
الحديث. ورُدَّ: بأنه ليس في الحديث أنها أحرمت عنه، وبتقديره يحتمل كونها
وصية أو قيمة، أو أن الأجر الحاصل إنما هو أجر الحمل والنفقة. انتهى. وقال
الشيخ ولي الدين: لا يصح الاستدلال بهذا الحديث على صحة الإحرام عنه
مطلقًا؛ لاحتمال أن هذا الصبي كان مميزًا، فأحرم هو عن نفسه، وعلى تقدير أنه لم
يميز، فلعل له وليًّا أحرم عنه، وعلى تقدير أنها التي أحرمت فلعلها ولية مال.
انتھی .
وقال ابن قدامة (ج٣: ص٢٥٣): إن كان مميزًا أحرم بإذن وليه، وإن أحرم
بدون إذنه لم يصح؛ لأن هذا عقد يؤدي إلى لزوم مال فلم ينعقد من الصبي بنفسه
كالبيع، وإن كان غير مميز فأحرم عنه من له ولاية على ماله كالأب والوصي وأمين
الحاكم؛ صح، قال: فإن أحرمت أمه عنه؛ صح لقول النبي وَّ: ((وَلَكِ أَجْرٌ))، ولا
يضاف الأجر إليها إلا لكونه تبعًا لها في الإحرام. وقال الإمام أحمد - في رواية
حنبل: يحرم عنه أبوه أو وليه، واختاره ابن عقيل، وقال: المال الذي يلزم بالإحرام
لا يلزم الصبي، وإنما يلزم من أدخله في الإحرام في أحد الوجهين. وقال القاضي:
ظاهر كلام أحمد أنه لا يحرم عنه إلا وليه؛ لأنه لا ولاية للأم على ماله، والإحرام
يتعلق به إلزام مال، فلا يصح من غير ذي ولاية، أمَّا غير الأم والولي من الأقارب
كالأخ والعم وابنه، فيخرج فيهم وجهان بناء على القول في الأم، أمَّا الأجانب؛ فلا
يصح إحرامهم عنه وجهًا واحدًا. انتهى.
وقال الدردير: يحرم ولي أب أو غيره عن رضيع قرب الحرم، أي: مكة لا من
الميقات للمشقة، ويحرم الصبي المميز، وهو الذي يفهم الخطاب ويحسن رد
٣٣٩
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ ...
الجواب بإذن الولي من الميقات، وألا يحرم بإذنه بل بغيره، فله تحليله إن رآه
مصلحة ولا قضاء عليه؛ إذا حلله. قال الدسوقي: قوله: أب أو غيره كوصي ومقدم
وقاض، وأم وعاصب وإن لم يكن لهم نظر في المال كما نقله الأبي في ((شرح
مسلم)) وأقره، وخلافًا للشافعية حيث قالوا: الولي الذي يحرم عنه إنما هو الولي
الذي له النظر في المال، وقوله: عن رضيع، المراد به: الصغير المميز. انتهى.
وقال في ((شرح اللباب)): ينعقد إحرام الصبي المميز للنقل ويصح أداؤه بنفسه
دون غيره، ولا يصح من غير المميز في الأداء ولا الإحرام، بل يصحان من وليه،
فيحرم عنه من كان أقرب إليه في النسب، فلو اجتمع أخ أو والد يحرم له الوالد على
ما في ((فتاوى قاضي خان))، والظاهر: أنه شرط الأولوية. انتهى. وفي ((الغنية)):
ينعقد إحرام الصبي المميز للنقل؛ إذا أحرم بنفسه، وكذا غير المميز؛ إذا أحرم عنه
وليه، فالمميز لا يصح النيابة عنه في الإحرام ولا في أداء الأفعال إلا فيما لم يقدر
عليه، فيحرم بنفسه ويقضي المناسك كلها بنفسه ويفعل كما يفعل البالغ، وأمَّا غير
المميز فلا يصح أن يحرم بنفسه؛ لأنه لا يعقل النية ولا يقدر التلفظ بالتلبية، وهما
شرطان في الإحرام فيحرم له وليه والأقرب أولى. انتهى. قال ابن عابدين: المراد
من كان أقرب إليه بالنسب، فلو اجتمع والد وأخ يحرم له الوالد كما في ((الخانية))،
والظاهر أنه شرط الأولوية. انتهى.
السابع: إذا أحرم الصبي فبلغ قبل الوقوف بعرفة ماذا يفعل؟ وهل يجزئه عن
حجة الإسلام؟ قال ابن عبد البر في ((التمهيد)): اختلف الفقهاء في المراهق والعبد
يحرمان بالحج، ثم يحتلم هذا ويعتق هذا قبل الوقوف بعرفة، فقال مالك
وأصحابه: لا سبيل إلى رفض الإحرام لهذين ولا لأحد ويتماديان على إحرامهما
ولا يجزيهما حجهما ذلك عن حجة الإسلام. وقال أبو حنيفة: إن جدد الصبي
إحرامًا بعد ما بلغ؛ أجزأه. وقال الشافعي: إذا أحرم الصبي ثم بلغ قبل الوقوف
بعرفة فوقف بها محرمًا؛ أجزأه عن حجة الإسلام، وكذلك العبد إذا أحرم ثم عتق
قبل الوقوف فوقف بها محرمًا؛ أجزأه عن حجة الإسلام، ولم يحتج إلى تجديد
إحرام واحد منهما. انتهى. وقال النووي في ((مناسكه)): إذا بلغ الصبي بعد خروج
الوقت للوقوف أو قبل خروجه، وبعد مفارقة عرفات ولم يعد إليها بعد البلوغ لم
يجز عن حجة الإسلام، وإن بلغ في حال الوقوف أو بعده فعاد ووقف في الوقت
أجزأه عن حجة الإسلام. انتهى.