النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الطيبي: الباء في ((بِك)) للاستعانة، أي: استعنت بدعائك إلى ربي، وسيأتي مزيد
توضيح ذلك إن شاء الله تعالى فانتظر.
(لِيَقْضِيَ) بالغيبة، أي: ربي، وقيل: بالخطاب، أي: لتوقع القضاء. (لِي فِي
حَاجَتِي هَذِهِ) وجعلها مكانًا له على طريقة قوله: ﴿وَأَصْلِحْ لِى فِ ذُرِيَّتِىٌ﴾ [الأحقاف: ١٥]
قال الطيبي: إن قلت: ما معنى ((لِي)) و ((فِي))؟ قلت: معنى (لِي) كما في قوله
تعالى: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِ صَدْرِى﴾ [طه: ٢٥] أجمل أولًا، ثم فَصَّلَ ليكون أوقع في النفس،
ومعنى ((فِي)) كما في قول الشاعر:
يُجْرَحُ فِي عَرَاقِيبِهَا نَصْلِي
أي: أوقع القضاء في حاجتي واجعلها مكانًا له، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَأَصْلِحْ
لِ فِ ذُرِّيَّتِىٌ﴾ [الأحقاف: ١٥] انتهى. قلت: ولفظ الترمذي: إِنِّي توجهت بك إلى ربي
في حاجتي هذه لتقضى لي. وهو بصيغة المجهول، أي: لتقضي لي حاجتي
بشفاعتك، يعنى: ليقضيها ربي لي بشفاعتك (اللَّهُمَّ) التفات ثان.
(فَشَفِّعْهُ) بتشديد الفاء، أي: اقبل شفاعته. (فِيَّ)، أي: في حقي. قال المناوي:
والعطف بالفاء على معطوف عليه مقدر، أي: اجعله شفيعًا لي فشفعه، فيكون
قوله: (اللَّهُمَّ) معترضة، سأل الله أولًا بطريق الخطاب أن يأذن لنبيه أن يشفع له،
ثم أقبل على النبي ◌َّ- ملتمسًا شفاعته له، ثم كَرَّ مقبلًا على ربه، طالبًا منه أن يقبل
شفاعته في حقه. والحديث قد استدل به على جواز التوسل، والسؤال بذوات
الأنبياء والصالحين والمَيِّتين؛ لأنه وَلّ أمر الضرير أن يقول في دعائه: ((وأتوجه
إليك بمحمد نبي الرحمة))، ((إني توجهت بك إلى ربي)). وإذا جاز السؤال به جاز
السؤال بذاته وحقه وجاهه وحرمته وكرامته، وإذا جاز التوسل والسؤال بهذا كله
من النبي ◌ُّ جاز التوسل والسؤال بغيره من الأنبياء والصالحين، ولا فرق.
واستدل به أيضًا على دعاء غير الله من الأموات والغائبين، حيث أنه وَّل أمر الضرير
بعد الوضوء والصلاة أن يدعو ويقول في دعائه: يا محمد، إني توجهت بك إلى
ربي في حاجتي هذه لتقضى. ففي قوله: ((يَا مُحَمَّدُ!)) جواز دعوة الغائبين؛ لأن
الرسول أمره أن يدعو بهذا الدعاء وهو عنه غائب، وإذا جاز دعاء الغائبين جاز دعاء
الميتين .
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ جَامِعِ الدُّعَاءِ
٢٦١
BITCE
قال الشيخ محمد عابد السندي في رسالته التي أفردها لمسألة التوسل:
والحديث يدل على جواز التوسل والاستشفاع بذاته المكرم في حياته، وأمَّا بعد
مماته، فقد روى البيهقي والطبراني في ((الصغير)) (ص ١٠٣) عن عثمان بن حنيف:
أن رجلًا كان يختلف إلى عثمان بن عفان في حاجة له، وكان عثمان لا يلتفت إليه
ولا ينظر في حاجته، فلقي عثمان بن حنيف، فشكا ذلك إليه، فقال له عثمان بن
حنيف: ائت الميضأة فتوضأ، ثم ائت المسجد فَصَلِّ فيه ركعتين، ثم قل: اللَّهُمَّ
إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد بَّه نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى
ربي، فيقضي لي حاجتي، وتَذْكُر حاجتك، وَرُحْ إِلَيَّ حتى أَرُوحَ معك. فانطلق
الرجل فصنع ما قال له ثم أتى باب عثمان، فجاء البواب حتى أخذ بيده، فأدخله
على عثمان بن عفان فأجلسه معه على الطَّنْفَسَةِ وقال: ما حاجتك؟ فذكر حاجته
فقضاها له، ثم قال: ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة، وقال: ما كانت
لك من حاجة فأتنا، ثم إن الرجل خرج من عنده، فلقي عثمان بن حنيف، فقال له :
جزاك الله خيرًا، ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إليَّ حتى كلمته فيَّ. فقال
عثمان بن حنيف: والله ما كلمته ولكن شهدت رسول اللّه وَله وأتاه رجل ضرير،
فشكا إليه ذهاب بصره ... فذكر الحديث. وزادا فيه هما وابن السني والحاكم:
فقال عثمان بن حنيف: فوالله ما تفرقنا ولا طال بنا الحديث حتى دخل عليه
الرجل، كأنه لم يكن به ضرر قط. قال الطبراني بعد ذكر طرقه التي روى بها:
والحديث صحيح.
وقال الشوكاني في ((تحفة الذاكرين)) (ص ١٣٨): وفي الحديث دليل على جواز
التوسل برسول اللّه وَ له إلى اللّه ◌َك مع اعتقاد أن الفاعل هو اللَّه وَالَ وأنه المعطي
المانع، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. وقال فيه أيضًا (ص ٣٧) في شرح قول
صاحب العدة : - ويتوسل إلى الله سبحانه بأنبيائه والصالحين - ما نصه: من
التوسل بالأنبياء ما أخرجه الترمذي وغيره من حديث عثمان بن حنيف، أن أعمى
أتي النبي ◌ُّ فذكر الحديث. ثم قال: وأمَّا التوسل بالصالحين فمنه ما ثبت في
الصحيح أن الصحابة استسقوا بالعباس رَّهُ عم رسول اللّه وَلَه، وقال عمر رَولَهُ:
اللَّهُمَّ إنا نتوسل إليك بعم نبينا ... إلخ، انتهى. وقال العز بن عبد السلام: حينما
سئل عن التوسل بالذوات الفاضلة ما لفظه: إنَّ صح حديث الأعمى فهو مقصور
٢٦٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
على النبي وَّله ويكون من خصوصياته. وتعقبه المجوزون بقياس غيره عليه وَ خلاله،
ومن أدلتهم أنه قد أوجب الله تعالى تعظيم أمره وتوقيره والزم إكرامه، وقد كانت
الصحابة تتبرك بآثاره وشعره ولا شك أن حرمته ژ بعد وفاته وتوقيره لازم، كما
كان حال حياته كذا في ((جلاء العينين)) (ص ٤٣٨): للسيد نعمان خير الدين الشهير
بابن الآلوسي البغدادي.
وقال الشوكاني في رسالته ((الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد)): لا يخفاك
أنه قد ثبت التوسل به وقّ في حياته، وثبت التوسل بغيره بعد موته بإجماع الصحابة
إجماعًا سكوتيًّا لعدم إنكار أحد منهم على عمر رَوَّهُ في توسله بالعباس رَضَِّهُ،
وعندي أنه لا وجه لتخصيص جواز التوسل بالنبي وَ لّ، كما زعمه الشيخ عز الدين
بن عبد السلام لأمرين؛ الأول: ما عرفناك به من إجماع الصحابة رضيه، والثاني:
أن التوسل إلى الله بأهل الفضل والعلم هو في التحقيق توسل بأعمالهم الصالحة
ومزاياهم الفاضلة؛ إذا لا يكون الفاضل فاضَّلا إلا بأعماله، فإذا قال القائل: اللَّهُمَّ
إني أتوسل إليك بالعالم الفلاني، فهو باعتبار ما قام به من العلم. وقد ثبت في
الصحيحين وغيرهما أن النبي ◌ُّ حكى عن الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة أن
كل واحد منهم توسل إلى الله تعالى بأعظم عمل عمله فارتفعت الصخرة، فلو كان
التوسل بالأعمال الفاضلة غير جائز، أو كان شركًا لم تحصل الإجابة لهم ولا
سكت النبي وَل عن إنكار ما فعلوه بعد حكايته عنهم، انتهى.
قلت: الحق والصواب عندنا: أن التوسل بالنبي وَّ في حياته بمعنى التوسل
بدعائه وشفاعته جائز، وهذا هو الذي وقع في حديث الأعمى الذي نحن في شرحه
كما تقدم وسيأتي أيضًا، وكذا التوسل بغيره وقّله من أهل الخير والصلاح في حياتهم
بمعنى التوسل بدعائهم وشفاعتهم جائز أيضًا، وأمَّا التوسل به وَل بعد وفاته وكذا
التوسل بغيره من أهل الخير والصلاح بعد مماتهم، فلا يجوز سواء كان بذواتهم أو
جاههم أو حرمتهم، أو كرامتهم، أو حقهم أو نحو ذلك من الأمور المحدثة في
الإسلام، وكذا لا يجوز دعاء غير الله من الأموات والغائبين.
وهذا هو الذي اختاره شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية في رسالته في
التوسل والوسيلة، وقد أشبع الكلام في تحقيقه وأجاد، فعليك أن تراجعها.
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ جَامِعِ الدُّعَاءِ
٢٦٣
وحديث الأعمى هو العمدة في الاستدلال عند المجوزين؛ لأن غيره من الأحاديث
إما أن يكون ضعيفًا لا يصلح للاستدلال، كما بين ذلك حديثا العلامة السهسواني
في صيانة الإنسان والعلامة السويدي الشافعي في ((العقد الثمين)) وذكره ملخصًا
العلامة ابن الآلوسي في ((جلاء العينين)) أو أنه دليل على المجوزين لا لهم كحديث
استسقاء عمر بالعباس ◌ًا، وقد ذكرنا في (ص٣٣٩) من الجزء الثاني وجه فساد
الاستدلال بذلك على جواز التوسل بذاته وَ ل# وسيأتي أيضًا، وكقصة أصحاب الغار
التي ذكرها الشوكاني في أثناء الاستدلال لذلك، فإن فيها توسل الإنسان بعمل
نفسه لا بعمل غيره أو بذات غيره؛ لأن أصحاب الغار إنما توسلوا بأعمالهم لا
بأعمال غيرهم، فلا يتم التقريب بل توسل الإنسان بعبادة غيره ومزاياه غير مشروع
ولا مأثور ولا معقول، وتوسل الإنسان بعمل نفسه مما لا ينكره أحد من الأئمة وفيه
أيضًا ما قال العلامة السهسواني في ((صيانة الإنسان)): إنا لا نسلم أن الفاضل إذا
كان فضله بالأعمال كان التوسل به توسلًا بأعماله الصالحة لم لا يجوز أن يكون
التوسل به توسلا بذاته، بل هو الظاهر فإن حقيقة التوسل بالشيء التوسل بذاته
والتوسل بالأعمال أمر خارج زائد على الحقيقة، ولا يصرف عن الحقيقة إلى
المجاز إلا لمانع.
قال صاحب ((المنار)): إن المعلوم من حال هؤلاء المتوسلين بالأشخاص أنهم
يتوسلون بذواتهم الممتازة بصفاتهم وأعمالهم المعروفة عنهم؛ لاعتقاد أن لهم
تأثيرًا في حصول المطلوب بالتوسل إما بفعل اللَّه تعالى لأجلهم، وإما بفعلهم
أنفسهم مما يعدونه كرامة لهم. وقد سمعنا الأمرين منهم وممن يدافع عنهم وكل
من الأمرين باطل. وفيه أيضًا أنه لو سلم أن مراد القائل: اللَّهُمَّ إني أتوسل إليك
بالعالم الفلاني هو التوسل بأعماله، لا التوسل بذاته، فاللفظ محتمل للتوسل
بالذات أيضًا وهذا مما لا شك فيه وقد نهانا الله تعالى عن استعمال لفظ موهم لأمر
غير جائز، فقال في سورة البقرة: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقُولُواْ رَعِنَا وَقُولُواْ
• [البقرة: ١٠٤]. قال الإمام العلامة القنوجي
أَنْظُرْنَا وَأَسْمَعُواْ وَالْكَفِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾
البوفالي في تفسيره ((فتح البيان)): وفي ذلك دليل على أنه ينبغي تجنب الألفاظ
المحتملة للسب والنقص وإن لم يقصد المتكلم بها هذا المعنى المفيد للشتم سدًّا
للذريعة وقطعًا لمادة المفسدة والتطرق إليه، انتهى.
٢٦٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال العلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي القصيمي في ((تفسيره)) (ج١
ص٥٨): فيه الأدب واستعمال الألفاظ التي لا تحتمل إلا الحسن، وعدم الفحش
وترك الألفاظ القبيحة، أو التي فيها نوع تشويش واحتمال لأمر غير لائق، انتهى.
قلت: وكذلك ما قال بعض الحنفية من أن المراد به: التوسل بصفة من صفات الله
تعالى مثل أن يراد به التوسل بمحبة الله تعالى لعباده الكاملين التامة المستدعية عدم
رده وأن يراد به التوسل برحمته الخاصة الشاملة لهم لأجل أعمالهم الفاضلة، ولا
شك في جواز التوسل بصفة الله تعالى هذا أيضًا مخدوش ومحل نظر، فإن إرجاع
ذلك إلى التوسل بصفة من صفاته تعالى، فيه تكلف وتعسف جدًّا، ولذلك لا
يستشعر بذلك عامة المتوسلين بالأشخاص كما لا يخفى، ولو سلم فاللفظ محتمل
للتوسل بالذات أيضًا، واستعمال الألفاظ المحتملة للأمر الغير المشروع منهي عنه
بدليل الآية المتقدمة. وأمَّا حديث الأعمى، فالجواب عنه من ناحيتين: ناحية
الإسناد، وناحية المعنى. فإذا صح الإسناد أو حسن، وكان المعنى في متنه ولفظه
ما ذکره المجوزون قامت حجتهم ونهضت دعواهم وإلا فلا، ونحن سنورد ما
نستطيع الكلام في الناحيتين، إن شاء الله تعالى. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في - أحاديث
شيء - من أبواب الدعوات.
وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٤ ص١٣٨) وزاد: ((ففعل الرجل فبرأ))، والنسائي في
((الكبرى)) وزاد: ((فرجع وقد كشف اللَّه عن بصره))، وابن ماجه في صلاة الحاجة،
وابن السني (ص٢٠٢)، وابن خزيمة في ((صحيحه))، والحاكم (ج١ ص٣١٣،
٥١٩، ٥٢٦)، والبيهقي في ((دلائل النبوة))، وابن أبي خيثمة في ((تاريخه))
والطبراني في ((الصغير)) (ص١٠٣).
(وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ) في الترمذي بعد هذا لا نعرفه إلا من
هذا الوجه من حديث أبي جعفر وهو غير الخطمي، انتهى. قلت: وقال الحاكم:
هذا حديث صحيح على شرط البخاري ووافقه الذهبي وصححه أيضًا الطبراني كما
تقدم، وأبو عبد الله المقدسي، كما في ((التوسل والوسيلة)) (ص٨١) وفي
تصحيحهم للحديث عندي نظر، والراجح أنه حديث ضعيف لا يبلغ درجة
الحسن؛ فضلاً أن يكون صحيحًا، فإن إسناد هذا الحديث في جميع طرقه عند
جميع رواته قد انفرد به راوٍ واحد، هذا الراوي هو أبو جعفر الذي رواه عنه شعبة
٢٦٥
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ جَامِعِ الدُّعَاءِ
عند أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم (ج١ ص ٣١٣، ٥١٩)،
والبيهقي، وابن أبي خيثمة، والذي رواه عند هؤلاء السبعة عن عمارة بن خزيمة بن
ثابت .
وقد قال الترمذي كما تقدم بعد رواية الحديث: غريب لا نعرفه إلا من حديث
أبي جعفر، أمَّا الذين رووه عن أبي جعفر هذا، فشعبة عند هؤلاء السبعة، وروح بن
القاسم عند ابن السني (ص٢٠٢)، والحاكم (ج١ ص٥٢٦)، والبيهقي أيضًا،
والطبراني في ((الصغير)) (ص ١٠٣)، وحماد بن سلمة عند ابن أبي خيثمة، وهشام
الدستوائي عند ابن السني على ما ذكر الإمام ابن تيمية في رسالته (ص ٧٨)
والحديث إلى أبي جعفر هذا صحيح السند لا بأس به وهذا ظاهر لمن تفحص عن
رجاله بين أبي جعفر وبين من أخرج هذا الحديث، فلا كلام للناقد في إسناده حتى
يصل أبا جعفر الذي قيل أنه الخطمي.
وقيل: أنه غير الخطمي، وروى أبو جعفر هذا عند السبعة عن عمارة بن خزيمة
عن عثمان بن حنيف الصحابي شاهد القصة. وعمارة هذا ثقة لا كلام فيه وعثمان
ابن حنيف صحابي جليل لا كلام فيه أيضًا، وقد تابع عمارة بن خزيمة في روايته عن
ابن حنيف أبو أمامة، واسمه أسعد بن سهل بن حنيف - ابن أخي عثمان بن حنيف
- رواه عن عمه عثمان عند البيهقي وابن السني والحاكم والطبراني، فيكون أبو
جعفر هذا رواه عن عمارة بن خزيمة وعن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، فالحديث
إذًا لا يكون غريبًا إلا عند أبي جعفر المذكور، ولا ينفرد به سواه وسوى الصحابي
عثمان بن حنيف، أمَّا ما بين ذلك، فالرواة متعددون وانفراد عثمان بن حنيف لا
يضير الخبر؛ لأنه صحابي جليل، فالكلام هنا يجب أن يقصر على أبي جعفر هذا،
والترمذي كما تقدم يقول: إنه غير الخطمي. وسائر العلماء يقولون: إنه الخطمي،
والغريب أن اسمه لم يقع مصرحًا به في واحدة من الروايات، فمن الخطمي إذا
كان هو إياه؟ ومن هو إذا كان سواه؟ أمَّا أبو جعفر الخطمي، فهو عمير بن يزيد بن
عمير بن حبيب الأنصاري المدني ثم البصري، وهو ثقة من رجال الأربعة، روى
عن أبيه وعمارة بن خزيمة وآخرين، وعنه هشام الدستوائي وشعبة وروح بن القاسم
وحماد بن سلمة ويحيى القطان وآخرون.
٢٦٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)): وثقه ابن معين والنسائي، وابن نمير
والعجلي والطبراني، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) وأثنى عليه ابن مهدي. وقال
الحافظ وقال أبو الحسن المديني: وهو مدني، قدم البصرة وليس لأهل المدنية عنه
أثر ولا يعرفونه، انتهى. فأبو جعفر هذا إن كان هو الخطمي كما ظنه غير الترمذي
فالحديث في درجة متوسطة في الصحة والجودة لا يبلغ مكانة أحاديث
الصحيحين، ولا ينزل إلى أن يكون ضعيفًا باطلًا مردودًا، وإنما هو كالأحاديث
التي يصححها أمثال الترمذي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم ونحوهم ممن
عندهم نحو تساهل في التصحيح، ونقد الأخبار، هذا إن كان أبو جعفر هذا هو
الخطمي، ولكن وقع اختلاف كما تقدم، فالترمذي يقول في ((جامعه)): إنه غير
الخطمي، والحافظ ابن حجر يميل في ((التقريب)) إلى أنه غير الخطمي كالترمذي
ويرجح أنه أبو جعفر عيسى بن ماهان الرازي التميمي.
قال الحافظ في الكنى من ((التقريب)): أبو جعفر عن عمارة بن خزيمة. قال
الترمذي: ليس هو الخطمي فلعله الذي بعده يريد به أبا جعفر عيسى بن ماهان
الرازي التميمي، الذي قال الحافظ فيه: إنه صدوق سيئ الحفظ. وفي ((تهذيب
التهذيب)) أيضًا ما يدل على أنه يرجح كونه غير الخطمي، وذلك أنه قال في الكنى
من التهذيب (ج١٢ ص٥٨): أبو جعفر عن عمارة بن خزيمة وعنه شعبة، قال
الترمذي: ليس هو الخطمي ولم يزد على ذلك ولم ينكر على الترمذي ما حكاه عنه
فكأنه يميل إلى الأخذ بقوله وعندما ذكر ترجمة الخطمي من ((التهذيب)) لم يتعرض
لذلك الخلاف ولم يقل: إنه الذي روى ذلك الخبر عن عمارة مع أنه معروف
التنقيب على ما يراه يستحق ذلك، فالظاهر من مجموع ذلك أنه يميل إلى موافقة
الترمذي في القول بأنه غير الخطمي. هذا قول الترمذي ومن في جانبه.
وأمَّا الأكثرون فقد ذكروا أنه الخطمي بعينه وقد وقع ذلك في كثير من الكتب
التي رُوي الحديث فيها، وقد رجح شيخ الإسلام ابن تيمية ذلك الرأي الأخير، إذًا
فالخلاف قائم بين أهل الحديث في أبي جعفر راوي الحديث، وقد يقول قائل: إنه
يجب إسقاط خلاف الترمذي ومن معه في هذا الخلاف؛ لأنه قائم على الظن
والتوهم فلا حجة فيه، وإنما الحجة في قول سواهم، وهم الذين صرحوا بأنه هو
الخطمي كما وقع مصرحًا به عند ابن أبي خيثمة في التاريخ وعند الطبراني في
٢٦٧
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ جَامِع الدَّعَاءِ
((المعجم الصغير)) وعند الحاكم في ((المستدرك))، وعند ابن السني في ((عمل اليوم
والليلة))، فإن هؤلاء قد صرحوا: بأن راوي الحديث هو الخطمي عينه، وهم ما
قالوا ذلك إلا لأنهم علموا أو حدثوا أنه هو نصًّا لا توهمًا، وذلك يقتضي ترجيح
رأيهم على رأي الترمذي، فيجب المصير إليه علمًا وبحثًا وتحقيقًا.
قيل في الجواب: كلا إنه لا يجب بل لا يجوز إطراح قول الترمذي اعتباطًا، ولا
الذهاب إلى تخطئته جزافًا؛ إذ لو صح لنا أن نقول: إنه ظن محض بلا دليل لصح لنا
أن نقول: إن هؤلاء الذين صرحوا في كتبهم أنه هو الخطمي نفسه ليس لهم دليل
أيضًا سوى التوهم والظن، وهذا قريب جدًّا، وذلك أنهم وجدوا أبا جعفر في
الإسناد مجردًا مطلقًا مما يمكن أن يعينه، فوثب إلى توهمهم وأوهامهم أنه
الخطمي فصرحوا بما توهموه لا بما علموه. وهذا يحتمل في الترمذي كما يحتمل
في الآخرين المخالفين له، وإن كان يبدو للمتأمل جيِّدًا تقديم ما ذهب إليه الترمذي
وترجيحه، وذلك أنه يبعد جدًّا أن يصرح عالم بالحديث مثله، بأن هذا ليس هو
الخطمي بمجرد الظن المحض؛ لأنه إذا لم يكن لديه سوى التوهم كانت منطقة
السكوت أرحب وأوسع، وما أبعد أن يقع اسم أو كنية بين يدي ناقد بصير مثل
الترمذي، فيقول مبادرًا: إن صاحب ذلك الاسم أو تلك الكنية ليس هو فلانًا ممن
يسمون ذلك الاسم بلا حجة ولا برهان سوى الظن البحت، أمَّا من قالوا: إنه
الخطمي فمن القريب للغاية أن يسمعوا الراوي يقول: حدثني أبو جعفر فينساق
بسرعة إلى أذهانهم أنه هو الخطمي، أو غيره ممن يكنون تلك الكنية، وإذا لا يسوغ
لنا شد المعرفة والحقيقة أن يبادر إلى الحكم بتخطئة الترمذي زاعمًا أنه الخطمي
قولًا واحدًا، بل يجب على الأقل التريث والتوقف ما لم ينبثق له في تلك الظلمة
شعاع من نور، ولا سيّما أن ذلك الراوي المختلف فيه لم يتابعه أحد على روايته
الحديث عن عمارة بن خزيمة، وعن أبي أمامة بن سهل بن حنيف بل انفرد به في
جميع الأسانيد والروايات، وهذا ما يزيد الباحث الحريص على الحقيقة والمعرفة
توقفًّا وتريئًا. ولا سيَّما والحديث وارد في مسألة كهذه لها من الخطورة ما لها، وإذ
وصلنا إلى ذلك الدور من التحقيق وجدنا أمامنا أمرين لا مندوحة لنا من اختيار
أحدهما :
الأول: أن نذهب قولًا واحدًا إلى أن ذلك الراوي ليس هو الخطمي، كما قال
٢٦٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الترمذي وكما رجح الحافظ ابن حجر على ما سبق.
الثاني: أن نلتزم التوقف وتجويز كلا الاحتمالين والقولين ريثما يقدر لنا قبس
من نور في تلك الدجنة، نتلمس به حقيقة ما غم علينا وعلى الباحثين، وعلى
الاحتمالين والقولين لا يصح لنا أن نبادر إلى القول بصحة الحديث، وإلى الأخذ به
حتى نأمن من أن يكون ذلك الراوي راويًا ضعيفًا متروكًا، أو ممن لا يحتج به إذا
انفرد برواية الحديث، وما دمنا جوزنا أن يكون الخطمي وأن يكون سواه فلا سبيل
إلى الضمان من أن يكون ضعيفًا حتى نعلم أن جميع من يكنون تلك الكنية ممن هم
في تلك الطبقة ثقات أثبات، أمَّا إذا ذهبنا إلى القطع بأنه غير الخطمي فقد يحتمل أن
يكون راويًّا ضعيفًا، وكذلك إذا جوزنا أن يكون إياه، وأن يكون سواه؛ لأنه لا سبيل
إلى القطع بأنه هو قولًا واحدًا إلا لمن كان متسرعًا إلى ما يجب التأني والبطء فيه،
ومادام ذلك الاحتمال موجودًا فلا شك أن العمل بالحديث غير جائز، ومن ثم
ذهب المحدثون إلى أن رواية المجهول مردودة لاحتمال أن يكون ضعيفًا،
وأجمعوا على أنه إذا جاءت رواية باسم مشترك بين ثقات وضعفاء، فاحتمل أن
تكون الرواية رواية ضعيف، واحتمل أن تكون رواية ثقة وجب طرح تلك الرواية
والتوقف في العمل بها، ثم نقول: إن أبا جعفر هذا إذا لم يكن الخطمي، فيحتمل
أن يكون هو أبا جعفر عيسى بن ما هان الرازي التميمي، وقد تقدم أنه سيئ الحفظ،
وقد تفرد برواية هذا الحديث لم يتابعه أحد ولا شاهد له، فلا يصح الاحتجاج
بروايته، واعترض على هذا التجويز والاحتمال بأنه وقع في بعض الروايات نسبة
أبي جعفر هذا إلى المدينة، فجاء في ((سنن ابن ماجه)) عن أبي جعفر المدني، وكذا
جاء في ((مسند أحمد)) وعند البيهقي والحاكم والطبراني، وابن السني وهذا في
الظاهر يأبى احتمال أن يكون أبو جعفر هذا هو عيسى بن ماهان الرازي؛ لأنه ليس
مدنيًّا بل مروزي الأصل سكن الري، وقيل: أصله من البصرة ومتجره إلى الري
فنسب إليها كذا في (تهذيب التهذيب))، وهناك رواة آخرون يكنون تلك الكنية،
منهم الثقات ومنهم الضعفاء ويجوز أن يكون أبو جعفر الذي في الخبر أحدهم،
ويجوز العكس وأن يكون رجلًا مجهولًا ليس له إلا ذلك الحديث، ولم يرو عنه
شعبة وروح بن القاسم سواه، ولم يروه عن عمارة غيره، وقد يفهم هذا من صنع
الحافظ ابن حجر، وذلك أنه قال فيمن يكنون بأبي جعفر: أبو جعفر عن عمارة بن
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ جَامِع الدُّعَاءِ
٢٦٩
خزيمة وعنه شعبة .
قال الترمذي: ليس هو الخطمي، انتهى. وقد يشهد لهذا أيضًا قول الترمذي أنه
غير الخطمي ولم يزد على ذلك القول شيئًا فلم يسمه ولم يصفه ولم ينسبه، فكأنه ما
يعرف عنه شيئًا وإنما صححٍ حديثه؛ اعتمادًا على رواية شعبة عنه؛ لأن شعبة لا
يروي إلا عن الثقات غالبًا وإلّا فقد روى عن غير الثقات على أنَّ الترمذي معروف
بالتساهل واللين في التحسين والتصحيح، وقد اتضح بهذا البيان للمنصف أن
حديث الأعمى ليس من الصحاح ولا الحسان، وأنه لا يسوغ لمن لا يرضى لنفسه
وعقيدته إلا الصحة واليقين أن يعمل به. أو إلزام الناس به، فإن أبا جعفر المنفرد
بروايته رجل مجهول لا نعرف حاله ولا يدرى مكانه من الصحة والقوة والضعف
على وجه اليقين، فيجب التوقف في روايته بل يجب ردها، وأمَّا تصحيح من
صححوه فليس بحجة وفي سنده ما ذكرناه من النقد والقدح، والذين صححوه
كلهم من المتساهلين في التصحيح، أمثال الترمذي والحاكم.
وأمَّا رواية ابن خزيمة في ((صحيحه)) فلا تقتضي الصحة مطلقًا، كما بينه الأمير
اليماني في ((توضيح الأفكار)) (ج١ ص٦٤)، ويحتمل أن يكون الذين صححوه
اعتمدوا في ذلك على رواية شعبة بن الحجاج له عن أبي جعفر المختلف فيه،
وذلك أن شعبة قد عهد منه كثيرًا اجتناب الضعفاء واجتناب حديثهم والرواية عنهم
ولكن هذا ليس بلازم، فقد روى شعبة عن قوم ضعفاء، ولعلهم أيضًا صححوه
حاسبين، أن أبا جعفر الراوي هو الخطمي؛ لأن الخطمي ثقة ولم يعلموا أنه سواه
كما علم الترمذي، فكأن التصحيح قائم على هذا الوهم الذي فطن إليه الترمذي
فرده، ومنشأ هذا الوهم والظن اتفاق الكنى وتحصل من هذا كله أن حديث الأعمى
هذا ضعيف لا يحل الاحتجاج به.
أمَّا أولًا: فلجهالة أبي جعفر المنفرد به عن عمارة بن خزيمة وعن أبي أمامة بن
سهل، واختلاف الناس فيه؛ إذ زعم فريق أنه الخطمي، وزعم فريق آخر أنه سواه،
ولم يظهر لنا أصح القولين، فوجدنا أن التوقف في ذلك هو المصير الصحيح.
وأماَّ ثانيًا: فلتفرد ذلك الراوي المجهول المختلف فيه به دون غيره من أقرانه
وممن هم أكثر منه حديثًا وتحديثًا، وأكثر اجتماعًا بعمارة وبأبي أمامة، وقد كان
٢٧٠
ge
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
المظنون أن يرويه سواه إذا كان صحيحًا.
وأمَّا ثالثًا: فلغرابة معنى الحديث وشذوذه عمَّا عرفه الخاص والعام من أصول
الإسلام وفروعه، وعمّا علم بالضرورة منه، فإن سؤال الله بخلقه، كأن يقال:
يا الله أسألك بفلان أو أتوجه إليك بعبدك فلان، أو نبيك فلان ونحو ذلك لم يعهد
مثله في كتاب الله أو سنة رسوله وَله ولا عن أحد من الصحابة أو الأئمة، وما نقل
شيء من هذا النوع إلا ما جاء في الأخبار الواهية الباطلة، ومثل تلك الروايات لا
يحل بها حكم من أحكام المياه والوضوء والطهارة، فضلًا عن أن يثبت بها قاعدة
من قواعد الإسلام ومناجاة اللَّه وسؤاله، أمَّا الروايات الصحيحة فلم يجئ في شيء
منها شيء من ذلك.
وأمَّا الكلام على الحديث من جهة المعنى على افتراض كونه حسنًا أو صحيحًا،
فيقال: إنه دليل جلي على بطلان ما ذهب إليه المجوزون، وذلك أن المراد بقوله:
أتوجه إليك بنبيك التوجه بدعاء الرسول وَ له لا بذاته ولا بشخصه، والدليل على
ذلك: أن أصل المسألة كان في الدعاء، وفي طلبه من النبي وّ ولم يكن أصلها في
سؤال الله بجاهه، أو بذاته حتى يصح ما زعمه المجوزون. ومن الدليل عليه أيضًا
قوله في خاتمة الحديث: (اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ) فالأمر إذًا أمر شفاعة. ومن الدليل
عليه قوله أيضًا: (وإِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ)، وقد شاء بلا خلاف، ولا شك فقد دعا أيضًا
بلا خلاف، ولا شك قد علق الدعاء بالمشيئة، والمشيئة قد وقعت، فالدعاء كذلك
قد وقع وهو مثل حديث الاستسقاء بالعباس. ومثل قول الفاروق رَضِفقته: اللَّهُمَّ كنَّا
نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإِنَّا نتوسل إليك بِعَمِّ نبينا فاسقنا. وهم كانوا يتوسلون
بدعاء النبي ◌ّل﴾ وشفاعته لا بذاته وشخصه، وهذا ظاهر في الشرع وفي اللسان إلا
عمن حجب الله بصيرته فإن قيل: إن هذا عدول عن ظاهر الخبر وهو لا يجوز
الذهاب إليه إلا بدليل ملجئ، ولا دليل على هذا العدول، قلنا: إن من الكذب
القول بأن ما ذهب إليه المجوزون هو ظاهر الخبر، بل الظاهر هو ما ذهب إليه
المانعون، وهو مقتضى اللغة العربية، فإنه لا يفهم من قوله عليه الصلاة والسلام
في تعليمه الدعاء: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِّكَ))، وقوله: ((تَوَجَّهْتُ بِكَ))
إلا التوجه بالعمل لا بالذات والعمل، هنا هو الدعاء والشفاعة بلا ريب.
٢٧١
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ جَامِعِ الدُّعَاءِ
فإن قيل: إن هذا يقضي بأن يكون في الحديث كلمة محذوفة، وهي كلمة الدعاء
والشفاعة التي تزعمون أن التوجه والسؤال بها لا بالذات، فيقدر في قوله: ((أَتَوَجَّهُ
إِلَيْكَ بِنَبِيَّكَ)) بدعاء نبيك، وفي قوله: ((تَوَجَّهْتُ بِك)) بدعائك، وهذا تقدير وادعاء
في الحديث لا دليل عليه ولا ملجأ إليه، أجيب: أن التقدير في الحديث يجب على
قول المجوزين، وقول المانعين وعلى كل قول، فالمجوزون يقولون: التقدير:
اللَّهُمَّ إني أسالك وأتوجه إليك بذات نبيك أو بحرمته أو بجاهه أو بكرامته عليك،
أو مكانته لديك ونحو ذلك من المحذوفات، ولا دليل في الحديث على واحد
منها، وأمَّا المانعون فهم يقدرون الدعاء فقط، والدعاء مذکور فيه مدلول عليه بأول
الخبر وآخره فكان تقديره سائغًا بل واجبًا بل هو في حكم المذكور المنصوص
عليه، فالعلم به لا يحتاج إلى تفكير ولا إلى دلالة ولا إلى شيء غير الفهم
والإنصاف، بل هذا ما يتبادر إلى فهم كل قارئ له ما عدا أهل الهوى والجدل
والعناد، وإننا نتحدى المجوزين، ونطلب إليهم جميعًا أن يذكروا كلمة واحدة في
الشرع وفي اللسان جاء استعمالها كاستعمال الحديث، وكان التفسير لها كما
ذكروا، فإن جاؤوا بشيء من ذلك قلنا: صدقوا وإلا فلا مهرب لهم من اقتحام
الحقيقة والرضاء بالأمر الوقع والحق الذي لا غضاضة على قابله.
قال الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالته (ص ٥٠): حديث الأعمى لا حجة
لهم، أي: لمجوزي التوسل بالنبي وَّ فيه، فإنه صريح في أنه إنما توسل بدعاء
النبي ◌َّهَ وشفاعته وهو طلب من النبي وَله الدعاء، وقد أمره النبي ◌َّل أن يقول:
(اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ)، ولهذا رد اللّه عليه بصره لما دعا له النبي ◌َّ وكان ذلك يعد من
آيات النبي وَلّ ودعاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في الاستسقاء المشهور بين
المهاجرين والأنصار، وقوله: اللَّهُمَّ إنَّا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنَّا
نتوسل إليك بعم نبينا. يدل على أن التوسل المشروع عندهم هو التوسل بدعائه
وشفاعته لا السؤال بذاته؛ إذ لو كان هذا مشروعًا لم يعدل عمر والمهاجرون
والأنصار عن السؤال بالرسول إلى السؤال بالعباس، انتهى.
وأمّا رواية الطبراني التي استدلوا بها على جواز التوسل به وبَ له بعد مماته،
فيجاب عنها بما قال أيضًا شيخ الإسلام (ص٨٣): من أنه لا حجة فيها؛ إذ الاعتبار
بما رواه الصحابي لا بما فهمه، إذا كان اللفظ الذي رواه لا يدل على ما فهمه بل
٢٧٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
على خلافه، ومعلوم أن الواحد بعد موته إذا قال: ((اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ وَشَفِّعْنِي فِيهِ))،
مع أن النبي ◌ُّ لم يَدْعُ له كان هذا كلامًا باطلًا مع أن عثمان بن حنيف لم يأمره أن
يسأل النبي وَّ شيئًا، ولا أن يقول: ((فشفِّعه فيَّ))، ولم يأمره بالدعاء على وجهه،
وإنما أمره ببعضه، وليس هناك من النبي وَّ شفاعة ولا ما يظن أنه شفاعة، فلو قال
بعد موته: ((فشفعه فيَّ))؛ لكان كلامًّا لا معنى له، ولهذا لم يأمر به عثمان، والدعاء
المأثور عن النبي ◌َّ لم يأمر به، والذي أمر به ليس مأثور عن النبي ◌َّ، ومثل هذا
لا تثبت به شريعة كسائر ما ينقل عن آحاد الصحابة في حسن العبادات، أو
الإباحات، أو الايجابات، أو التحريمات إذا لم يوافقه غيره من الصحابة عليه،
وكان ما ثبت عن النبي ◌ُّ يخالفه لا يوافقه لم يكن فعله سنة يجب على المسلمين
إتباعها، بل غايته أن يكون ذلك مما يسوغ فيه الاجتهاد، ومما تنازعت فيه الأمة،
فيجب رده إلى الله والرسول، ولهذا نظائر كثيرة ثم ذكرها، ثم قال (ص٨٦):
يجب فيما تنازعٍ فيه الصحابة الرد إلى الله والرسول، فلا يكون شريعة للأمة إلا ما
شرعه رسول اللَّه وَل .
ومن قال من العلماء: إنَّ قول الصحابي حجة، فإنما قاله إذا لم يخالفه غيره من
الصحابة ولا عرف نص يخالفه، ثم إذا اشتهر ولم ينكروه كان إقرارًا على القول،
فقد يقال: هذا إجماع إقراري إذا عرف أنهم أقروه ولم ينكره أحد منهم، وهم لا
يقرون على باطل، وأمَّا إذا لم يشتهر، فهذا إن عرف أن غيره لم يخالفه، فقد يقال:
هو حجة، وأمَّا إذا عرف أنه خالفه فليس بحجة بالاتفاق، وأمَّا إذا لم يعرف هل
وافقه غيره أو خالفه لم يجزم بأحدهما، ومتى كانت السنة تدل على خلافه كانت
الحجة في سنة رسول اللّه ◌َ لّو لا فيما يخالفها بلا ريب عند أهل العلم، وإذا كان
كذلك، فمعلوم أنه إذا ثبت عن عثمان بن حنيف أو غيره أنه جعل من المشروع
المستحب أن يتوسل بالنبي وَل بعد موته من غير أن يكون النبي وَ ل داعيًّا له ولا
شافعًا فيه، فقد علمنا أن عمر وأكابر الصحابة لم يَرَوْ هذا مشروعًا بعد مماته كما
كان يشرع في حياته بل كانوا في الاستسقاء في حياته يتوسلون به فلما مات لم
يتوسلوا به، بل قال عمر في دعائه الصحيح المشهور الثابت باتفاق أهل العلم،
بمحضر من المهاجرين والأنصار في عام الرمادة المشهورة، لما اشتدت بهم
الجدب، حتى حلف عمر لا يأكل سمنًا حتى يخصب الناس، ثم لما استسقى
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
pricees*
بَابُ جَامِع الدَّعَاءِ
٢٧٣
بالناس قال: اللَّهُمَّ إنَّا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنَّا نتوسل إليك
بعم نبينا فاسقنا. فيسقون، وهذا دعاء أقره عليه جمع الصحابة، لم ينكره أحد مع
شهرته، وهو من أظهر الإجماعات الإقرارية، ودعا بمثله معاوية بن أبي سفيان في
خلافته لما استسقى بالناس، فلو كان توسلهم بالنبي وّ بعد مماته كتوسلهم في
حياته؛ لقالوا: كيف نتوسل بمثل العباس ويزيد بن الأسود ونحوهما؟ ونعدل عن
النبي ◌ّ الذي هو أفضل الخلائق وهو أفضل الوسائل وأعظمها عند الله، فلما لم
يقل ذلك أحد منهم وقد علم أنهم في حياته إنما توسلوا بدعائه وشفاعته، وبعد
مماته توسلوا بدعاء غيره وشفاعة غيره علم أن المشروع عندهم التوسل بدعاء
المتوسل به لا بذاته، وحديث الأعمى حجة لعمر وعامة الصحابة - رضوان الله
عليهم أجمعين - فإنه إنما أمر الأعمى أن يتوسل إلى اللَّه بشفاعة النبي وَ ل ودعائه لا
بذاته، وقال له في الدعاء: قل: (اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ)، وإذا قدر أن بعض الصحابة أمر
غيره أن يتوسل بذاته لا بشفاعته يأمر بالدعاء المشروع بل ببعضه، وترك سائره
المتضمن التوسل بشفاعته كان ما فعله عمر بن الخطاب هو الموافق لسنة
رسول اللَّه وَله وكان المخالف محجوجًا بسنة رسول اللّه وَ له، وكان الحديث
الذي رواه عن النبي ◌َّ حجة عليه لا له، والله أعلم.
وقال في (ص٧٤): وليس مجرد كون الدعاء حصل به المقصود ما يدل على أنه
سائغ في الشريعة؛ فإن كثيرًا من الناس يدعون من دون الله من الكواكب
والمخلوقين ويحصل ما يحصل من غرضهم، وبعض الناس يقصد الدعاء عند
الأوثان والكنائس وغير ذلك، ويدعو التماثيل التي في الكنائس، ويحصل ما
يحصل من غرضه، وبعض الناس يدعو بأدعية محرمة باتفاق المسلمين ويحصل ما
يحصل من غرضه.
وقال في (ص١٠٩): حديث الأعمى فيه التوسل بالنبي وَلَه إلى اللّه في الدعاء
فمن الناس من يقول: هذا يقتضي جواز التوسل به مطلقًا حيًّا وميتًا، وهذا يحتج به
من يتوسل بذاته بعد موته، وفي مغيبه ويظن هؤلاء أن توسل الأعمى والصحابة في
حياته كان بمعنى الإقسام به على الله، أو بمعنى: أنهم سألوا الله بذاته أن يقضي
حوائجهم، ويظنون أن التوسل به لا يحتاج إلى أن يدعو هو لهم، ولا إلى أن يطيعوه
فسواء عند هؤلاء دعا الرسول لهم أو لم يَدْعُ، الجميع عندهم توسل به، وسواء
٢٧٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
أطاعوه أو لم يطيعوه، ويظنون أن اللَّه تعالى يقضي حاجة هذا الذي توسل به
بزعمهم ولم يَدْعُ له الرسول كما يقضي حاجة هذا الذي توسل بدعائه، ودعا له
الرسول وسلم؛ إذ كلاهما متوسل به عندهم ويظنون أن كل من سأل الله بالنبي ◌َّ-
فقد توسل به كما توسل به ذلك الأعمى، وأن ما أمر به الأعمى مشروع لهم وقول
هؤلاء باطل شرعًا وقدرًا، فلا هم موافقون لشرع الله ولا ما يقولون مطابق لخلق
الله. ومن الناس من يقولون: هذه قضية عين يثبت الحكم في نظائرها التي تشبهها
في مناط الحكم لا يثبت الحكم بها فيما هو مخالف لها لا مماثل لها. والفرق ثابت
شرعًا وقدرًا بين من دعا له النبي وَّه وبين من لم يدع له، ولا يجوز أن يجعل
أحدهما كالآخر، وهذا الأعمى شفع له النبي ◌ُّرَ فلهذا قال في دعائه: ((اللَّهُمَّ
فَشَفِّعْهُ فِي)) فعلم أنه شفيع فيه ولفظه: ((إِنْ شِئْتَ صَبَرْتَ)) و((إِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ لَكَ))،
((فَقَالَ: ادْعُ لِي))، فهو طلب من النبي ◌َّ أن يدعو له، فأمره النبي ◌ِّل أن يصلي،
وأن يدعو هو أيضًا لنفسه ويقول في دعائه: ((اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ))، فدلَّ ذلك على أن
معنى قوله: ((أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِّكَ مُحَمَّدٍ))، أي: بدعائه وشفاعته كما قال
عمر: اللَّهُمَّ إنَّا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، فالحديثان معناهما واحد،
فهو ◌َّه علم رجلًا أن يتوسل به في حياته، كما ذكر عمر أنهم كانوا يتوسلون به إذا
أجدبوا، ثم إنهم بعد موته إنما كانوا يتوسلون بغيره بدلًا عنه، فلو كان التوسل به
حيًّا وميتًا سواء، والمتوسل به الذي دعا له الرسول كمن لم يدع له الرسول لم
يعدلوا عن التوسل به، وهو أفضل الخلق وأكرمهم على ربه، وأقربهم إليه وسيلة
إلى أن يتوسلوا بغيره ممن ليس مثله، وكذلك لو كان أعمى توسل به ولم يدع له
الرسول بمنزلة ذلك الأعمى لكان عميان الصحابة، أو بعضهم يفعلون مثل ما فعل
الأعمى، فعدولهم عن هذا إلى هذا مع أنهم السابقون المهاجرون والأنصار والذين
اتبعوهم بإحسان، فإنهم أعلم مِنَّا بالله ورسوله وبحقوق الله ورسوله، وما يشرع
من الدعاء وينفع وما لم يشرع ولا ينفع، وما يكون أنفع من غيره وهم في وقت
ضرورة ومخمصة وجدب يطلبون تفريج الكربات وتيسير العسير، وإنزال الغيث
بكل طريق ممكن دليل على أن المشروع ما سألوه دون ما تركوه، وذلك أن التوسل
به حيًّا هو من جنس مسألته أن يدعو لهم وهذا مشروع، فما زال المسلمون يسألون
رسول اللَّه وَل في حياته أن يدعو لهم، وأمَّا بعد موته فلم يكن الصحابة يطلبون منه
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ جَامِعِ الدُّعَاءِ
٢٧٥
الدعاء لا عند قبره، ولا عند غير قبره كما يفعله كثير من الناس عند قبور الصالحين،
يسأل أحدهم حاجته، أو يقسم على الله به ونحو ذلك، وإن كان روي في ذلك
حكايات عن بعض المتأخرين، انتهى.
وأمّا ما استدل بالحديث على جواز دعاء غير الله وندائه من الأموات والغائبين،
فيجاب عنه: بعد افتراض كون الحديث حسنًا بما قال الطيبي من أن قوله: ((إِنِّي
تَوَجَّهْتُ بِكَ إِلَى رَبِّي)) بعد قوله: ((أَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ))، فيه: معنى قوله تعالى:
﴿مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ،﴾ [البقرة: ٢٥٥] فيكون خطابًا لحاضر معاين في قلبه
مرتبطًا بما توجه به عند ربه من سؤال نبيه عليه الصلاة السلام، الذي هو عين
شفاعته، ولذلك أتى بالصيغة الماضوية بعد الصيغة المضارعية المفيد كل ذلك أن
هذا الداعي، قد توسل بشفاعة نبيه عليه الصلاة والسلام فكأنه استحضر وقت ندائه
ومثل ذلك كثير في المقامات الخطابية والقرائن الاعتبارية، كما يقول المصلي في
تشهده: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.
ونقل السويدي عن ((اقتضاء الصراط المستقيم)) لشيخ الإسلام ابن تيمية: أن
الإنسان يفعل مثل هذا كثيرًا يخاطب من يتصوره في نفسه، وإن لم يكن في الخارج
من یسمع الخطاب، وقد تقدم بسط ذلك في شرح حديث ابن مسعود (ج٢ ص
٤٧٢، ٤٧٣) فتذكر، وقد علم بما ذكرنا أن النداء المذكور ليس مما يدعیه ويفعله
أهل البدع من دعاء الأنبياء وندائهم وخطابهم معتقدين حضورهم في الخارج
للاستعانة والاستغاثة بهم في تفريج الكرب وقضاء الحوائج، وهذا ظاهر جلي إلا
لأهل الجدل والعناد.
٢٧٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
Bee
٢٥٢٠ - [١٥] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ كَانَ مِنْ
دُعَاءِ دَاوُدَ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَالْعَمَلَ الَّذِي
يُبَلَّغُنِي حُبَّكَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ حُبَّكَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي وَمَالِي وَأَهْلِي، وَمِنَ
الْمَاءِ الْبَارِهِ)). قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ سِهِ إِذَا ذَكَرَ دَاوُدَ يُحَدِّثُ عَنْهُ يَقُولُ:
((كَانَ أَعْبَدَ الْبَشَرِ)).
[رَوَاهُ التِّْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ]
الشرح
٢٥٢٠ - قوله: (يَقُولُ) اسم كان بحذف ((أن))، أي: قوله: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ
حُبَّك) من إضافة المصدر إلى الفاعل أو المفعول، أي: حبك إياي أو حبي إياك
والأول أظهر إذ فيه تلميح إلى قوله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] قاله القاري.
(وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ) كما سبق، أمّا الإضافة إلى المفعول فهو ظاهر، كمحبتك
للعلماء والصلحاء، وأمَّا الإضافة إلى الفاعل فهو مطلوب أيضًا كما ورد في
الدعاء: ((حَبِّنَا إِلَى أَهْلِهَا وَحَبِّبْ صَالِحِي أَهْلِهَا إِلَيْنَا)).
(وَالْعَمَلَ) بالنصب عطف على المفعول الثاني، ويحتمل الجر عطفًا على ((مَنْ
يُحِبُّك))، أي: وحب العمل من إضافة المصدر إلى مفعوله فقط، ويؤيده حديث
معاذ بن جبل عند الترمذي في تفسير ((ص)) بلفظ: ((وَأَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ
وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُ إِلَى حُبَِّكَ)).
(الَّذِي يُبَلِّغُنِي) بتشديد اللام، أي: يوصلني ويحصل لي. (حُبَّكَ) يحتمل
لاحتمالين. (اللَّهُمَّ اجْعَلْ حُبَّك)، أي: حبي إياك.
(أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي وَمَالِي)، أي: من حبهما حتى أوثره عليهما (وَأَهْلِي)، كذا
وقع في نسخ ((المشكاة)) الحاضرة عندنا: (مِنْ نَفْسِي وَمَالِي وَأَهْلِي)، وهكذا في
((جامع الأصول)) (ج ٥ ص ١١٠) و((جمع الفوائد)) (ج ٢ ص٦٥٨)، وفي الترمذي:
((مِنْ نَفْسِي وَأَهْلِي))، أي: بدون لفظة ((وَمَالِي))، وهكذا عند الحاكم (ج٢
(٢٥٢٠) التِّرْ مِذِي (٣٤٩٠) في الدعوات وقال: حسن غريب.
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ جَامِعِ الدُّعَاءِ
٢٧٧
ص٤٣٣)، وكذا ذكر ابن الجزري في الحصن.
قال في ((اللمعات)): قوله: ((مِنْ نَفْسِي))، أي: من حب نفسي، والمراد: اجعل
حب نفسك أحب إليَّ من نفسي؛ لكنه لم يقل كذلك، وإن جاز إطلاقه عليه مشاكلة
الغاية التأدب، انتهى. قلت: وقع إطلاقه عليه في الحديث من غير مشاكلة أيضًا:
((أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ))، (وَمِنَ الْمَاءِ الْبَارِدِ) أعاد ((مِنْ)) ها هنا ليدل على
استقلال الماء البارد في كونه محبوبًا، وذلك في بعض الأحيان؛ فإنه يعدل
بالروح.
قال في ((اللمعات)): فيه مبالغة؛ لأن حب الماء البارد طبيعي لا اختيار فيه، ففيه :
إشارة إلى سراية المحبة إلى الطبيعة أيضًا وذلك أكمل مراتب المحبة. (قَالَ)،
أي: أبو الدرداء. (إِذَا ذَكَرَ)، أي: هو. (دَاوُدَ يُحَدِّثُ عَنْهُ)، أي: يحكي. (يَقُولُ)
بدل من (يُحَدِّثُ) ذكره الطيبي. قال القاري: والأظهر أنه حال من الضمير في
(يُحَدِّثُ)، وفي التر مذي: ((قَالَ))، مكان ((يَقُولُ))، وفي ((المستدرك)): وكان إذا ذكر
داود وحدث عنه قال. وهذا يدل على أن قوله: يُحَدِّثُ في رواية الترمذي حال من
الضمير في ((ذَكَرَ)) وقوله: ((يَقُولُ)) أَوْ ((قَالَ)) جزاء للشرط، وعلى قول الطيبي
والقاري يكون يُحَدِّثُ جزاء للشرط ولا يخفي ما فيه.
(كَانَ)، أي: داود. (أَعْبَدَ الْبَشَرِ)، أي: أكثرهم عبادة في زمانه كذا قيد الطيبي.
قال القاري: وعلى تقدير الإطلاق لا محذور فيه؛ إذ لا يلزم من الأعبدية الأعلمية
فضلًا عن الأفضلية. وقيل: أي: أشكر شكرًا، قال تعالى: ﴿أَعْمَلُوْ ءَلَ دَاوُودَ
شُكْرًا﴾ [سي: ١٣]، أي: بالغ في شكر وابذل وسعك فيه كذا ذكره الطيبي، وتعقبه
القاري .
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في جامع الدعوات، وأخرجه أيضًا الحاكم في تفسير سورة ص
(ج٢ ص ٤٣٣) كلاهما من رواية محمد بن سعد الأنصاري عن عبد الله بن ربيعة
الدمشقي عن عائذ الله أبي إدريس الخولاني عن أبي الدرداء.
(وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ)، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه
فرده الذهبي بأن عبد اللَّه هذا، قال أحمد: أحاديثه موضوعة، انتهى.
وقال الحافظ في ((التقريب)): عبد الله بن ربيعة بن يزيد الدمشقي، وقيل: ابن
٢٧٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
يزيد بن ربيعة مجهول، وروى البخاري قوله: كان النبي ◌َلول إذا ذكر داود قال:
((كَانَ أَعْبَدَ الْبَشَرِ))، من هذا الطريق في ((التاريخ الكبير)) (٢٢٨/٣/١)، في ترجمة
عبد الله بن يزيد بن ربيعة الدمشقي ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعدياًا، وذكره ابن
حبان في ((الثقات))، كما يظهر من ((التهذيب)) (ج٥ ص٢٠٨) وعلى كل حال لا
يخلو تحسين الترمذي وتصحيح الحاكم لهذا الحديث عن النظر.
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ جَامِع الدَّعَاءِ
Besex
٢٧٩
٢٥٢١ - [١٦] وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: صَلَّى بِنَا عَمَّارُ
ابْنُ يَاسِرِ صَلَةً فَأَوْجَزَ فِيهَا، فَقَالَ لَّهُ بَعْضُ الْقَوْمِ: لَقَدْ خَقَّفْتَ، وَأَوْجَزْتَ
الْصَّلَاةَ،َ فَقَالَ: أَمَا عَلَيَّ ذَلِكَ، لَقَدْ دَعَوْتُ فِيهَا بِدَعَوَاتٍ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ
رَسُولِ اللَّهِ وَيِّ فَلَمَّا قَامَ تَّبِعَهُ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، هُوَ أَبِي، غَيْرَ أَنَّهُ كَنَّى عَنْ نَفْسِهِ،
فَسَأَلَهُ عَنِ الدُّعَاءِ، ثُمَّ جَاءَ فَأَخْبَرَ بِهِ الْقَوْمَ: ((اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ، وَقُدْرَتِكَ
عَلَى الْخَلَّقِ، أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْرًا
لِي، اللَّهُمَّ وَأَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي
الْرِّضَا وَالْغَضَبِ، وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَأَسْأَلُكَ نَعِيمًا لَا يَنْفَدُ،
وَأَسْأَلُكَ قُرَّةَ عَيْنِ لَا تَنْقَطِعُ، وَأَسْأَلُكَ الْرَّضَاءَ بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَأَسْأَلُكَ بَرْدَ
الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْنِّ، وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ، فِي
غَيْرِ ضَّرَّاءَ مُضِرَّةٍ وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زَيَِّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً
مُهْتَدِينَ)).
[رَوَاهُ النَّسَائِيُّ] {صحيح}
الشرح
٢٥٢١ - قوله: (وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ) الثقفي الكوفي يكنى أبا محمد،
وقيل: أبا السائب. قال الحافظ في ((التقريب)): صدوق اختلط، مات سنة ست
وثلاثين ومائة. قلت: من سمع منه قديمًا فهو صحيح الحديث، منهم الثوري
وشعبة وزائدة وحماد بن زيد، فأمَّا من سمع منه بآخرة ففي حديثهم نظر، ومنهم
جرير وهشيم وابن علية، واختلف حماد بن سلمة، فقيل: سمع منه قبل الاختلاط،
وقيل: بعده .
وقال الحافظ في تهذيب التهذيب (ج ٧ ص٢٠٧): بعد ذكر أقوال أئمة الجرح
والتعديل في ذلك فيحصل لنا من مجموع كلامهم أن سفيان الثوري وشعبة وزهيرًا
وزائدة وحماد بن زيد وأيوب عنه صحيح، ومن عداهم يتوقف فيه إلا حماد بن
سلمة فاختلف قولهم، والظاهر: أنه سمع منه مرتين مرة مع أيوب كما يومئ إليه
(٢٥٢١) النَّسَائِي في ((الكبرى)) (١٢٢٨) في اليوم والليلة عنه.