النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠٠
CONExs
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(وَالنَّفَاقِ)، أي: إظهار الإسلام وإبطان الكفر. قال في ((اللمعات)): النفاق في
الدين أن يستر الكفر ويظهر الإيمان، ولعلَّ المراد هنا أعم من ذلك مما يشمل الرياء
وعلامات النفاق. وقال الطيبي: أي: أن تظهر لصاحبك خلاف ما تضمره. وقيل:
المراد النفاق في العمل بكثرة كذبه وخيانة أمانته وخلف وعده، والفجور في
مخاصمته، والأظهر أن اللام للجنس فيشمل جميع أفراده. (وَسُوءِ الْأَخْلَاقِ) من
عطف العام على الخاص، وفيه: إشعار بأن المذكورين أولًا أعظم الأخلاق
السيئة؛ لأنه يسري ضررهما إلى الغير، ذكره الطيبي، وقال في ((اللمعات)): هو
تعميم بعد تخصيص؛ لأن الأخلاق هي الصفات الباطنة، أو المراد منه: ضد
بشاشة الوجه والسماحة، وقال ابن الملك: هو إيذاء أهل الحق وإيذاء الأهل
والأقارب، وتغليظ الكلام عليهم بالباطل وعدم التحمل عنهم وعدم العفو عنهم إذا
صدرت خطيئة منهم.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) في الاستعاذة كلاهما من رواية بقية بن الوليد حدثنا
ضبارة بن عبد الله بن أبي السليك، عن دويد بن نافع عن أبي صالح السمان عن أبي
هريرة، وسكت عنه أبو داود وضعفه النووي في ((الأذكار)). وقال المنذري (ج٢ :
ص١٥٩): في إسناده بقية بن الوليد، ودويد بن نافع وفيهما مقال، انتهى. قلت:
بقية هذا صدوق كثير التدليس. قال ابن معين، ويعقوب وابن سعد، والعجلي، وأبو
زرعة، والنسائي، والجوزجاني، وأبو أحمد الحاكم: ثقة في حديثه إذا حدث عن
((الثقات)) والمعروفين، فأمَّا إذا حدث عن الضعفاء والمجهولين فليس بشيء. قال
ابن عدي: إذا روى عن أهل الشام فهو ثبت، وإذا روى عن غيرهم خلط. وإذا روی
عن المجهولين فالعهدة منهم لا منه.
وقال ابن المديني: صالح فيما روى عن أهل الشام، وضبارة بن عبد الله بن أبي
السليك، أبو شريح الحضرمي الحمصي مجهول، قاله الحافظ في ((التقريب))،
وابن القطان، كما في ((تهذيب التهذيب))، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) على ما
اصطلح أن من لم يعرف بجرح ولا تعديل فهو عدل عنده. وقال: يعتبر حديثه من
رواية الثقات عنه انتهى. ودويد بن نافع الشامي مقبول، وقال ابن حبان: مستقيم
الحديث إذا كان دونه ثقة. قال الحافظ: وذكر ابن خلفون أن الذهلي والعجلي
وثقاه .

كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الاسْتِعَادَة
٢٠١
٢٤٩٣ - [١٣] وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَل ◌َ كَانَ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ
بَِكَ مِنَ الْجُوعِ، فَإِنَّهُ بِتْسَ الصَّجِيعُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخِيَانَةِ، فَإِنَّهَا بِتْسَتِ
الْبِطَانَةُ)) .
[رَوَاهُ أَبُو دَاودَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ]
الشرح
٢٤٩٣- قوله: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُوعِ)، أي: الألم الذي ينال
الحيوان من خلو المعدة عن الغذاء، استعاذ منه لظهور أثره في بدن الإنسان وقواه
الظاهرة والباطنة، ومنعه من الطاعات والخيرات. (فَإِنَّهُ بِئْسَ الضَّجِيعُ) بفتح
فكسر، وهو من ينام معك في فراشك، أي: المضاجع، سماه ضجيعًا للزومه
الإنسان في النوم واليقظة، وفيه: إشارة إلى أن الجوع المذموم الذي يلزم الإنسان
ويتضرر به، أي: بئس الصاحب الجوع الذي يمنع الإنسان من وظائف العبادات
ويشوش الدماغ، ويثير الأفكار الفاسدة، والخيالات الباطلة.
قال الطيبي: الجوع يضعف القوى، ويشوش الدماغ، فيثير أفكارًا ردية،
وخيالات فاسدة، فيخل بوظائف العبادات والمراقبات، ولذلك خص بالضجيع
الذي يلازمه ليلًا ومن ثم حرم الوصال، انتهى. وقال التوربشتي: استعاذ من
الجوع الذي يشغله عن ذكر الله، ويثبطه عن طاعته لمكان الضعف وتحليل المواد
لا إلى بدل، وأشار بالضجيع إلى الجوع الذي يمنع عن الهجوع - النوم بالليل -
لأنه جعل القسم المستعاذ منهما يلازم صاحبه في المضجع وذلك بلليل، وإلى
التفريق الواقع بينه وبين ما شرع له من التعبد بالجوع المبرح في نهار الصوم.
(وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخِيَانَةِ) هي ضد الأمانة. قال الطيبي: هي مخالفة الحق بنقض
العهد في السر، والأظهر أنها شاملة لجميع التكاليف الشرعية، كما يدل عليه قوله
تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ الآية [الأحزاب: ٧٢]، وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا
تَّخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَنَتِكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٧] شامل لجميعها. (فَإِنَّهَا بِئْسَتِ
الْبِطَانَةُ)، أي: الخصلة الباطنة بكسر الباء الموحدة، خلاف الظهارة من الثوب،
(٢٤٩٣) أَبُو دَاوُد (١٥٤٧)، وَالنَّسَائِي (٢٦٣/٨) فِيهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

٢٠٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ثم استعيرت لمن يخصه الرجل بالاطلاع على باطن أمره، والتبطن الدخول في
باطن الأمر فلما كانت الخيانة أمر يبطنه الإنسان ويستره، ولا يظهره سماها بطانة.
قال الطيبي: البطانة ضد الظهارة وأصلها في الثوب، فاستعير لما يستبطنه الإنسان
من أمره فيجعله بطانة حاله.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) في الاستعاذة وأخرجه أيضًا ابن حبان في (صحيحه))
كلهم من حديث محمد بن عجلان عن المقبري عن أبي هريرة، وقد سكت عنه أبو
داود، وقال المنذري: في سنده محمد بن عجلان وفيه مقال، انتهى. قلت: خرج
له مسلم في ((صحيحه)) ثلاثة عشر حديثًا، كلها في الشواهد؛ ولذا صحح النووي
إسناد هذا الحديث في ((الأذكار)) و((الرياض)). (وَابْنُ مَاجَهْ)، في باب: التعوذ من
الجوع من أبواب الأطعمة، من طريق ليث بن أبي سليم، عن كعب عن أبي هريرة،
وليث هذا صدوق اختلط أخيرًا، ولم يتميز حديثه فترك، قاله الحافظ، وأخرجه
البغوي (ج٥: ص ١٧٠) من رواية ليث عن رجل عن أبي هريرة، ثم أشار إلى طريق
المقبري عن أبي هريرة.
٢٤٩٤ - [١٤] وَعَنْ أَنَس أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَهَ كَانَ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي
أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبَرَصِ، وَالْجُذَامَ، وَالْجُنُونِ، وَمِنْ سَيِّيِّ الْأَسْقَام)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوَدَ وَالنَّسَائِيُّ]
الشرح
٢٤٩٤ - قوله: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبَرَصِ) بفتحتين: بياض رديء يظهر
في ظاهر البدن لفساد مزاج. (وَالْجُذَام) بضم الجيم: علة رديئة تحدث من انتشار
المرة السوداء في البدن كله فيفسد مزاج الأعضاء وهيئتها وشكلها، وربما فسد في
آخره أوصالها حتى تتأكل الأعضاء وتسقط. قال في ((القاموس)): الجذام كغراب
علة تحدث من انتشار السوداء في البدن كله، فيفسد مزاج الأعضاء وهيئتها، وربما
انتهى إلى تآكل الأعضاء وسقوطها عن تقرح. (وَالْجُنُونِ)، أي: زوال العقل الذي
(٢٤٩٤) أَبُو دَاوُد (١٥٥٤)، وَالنَّسَائِي (٢٧٠/٨) فِيهِمَا عَنْ أَنَسٍ تَ شْتَهُ.

كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الاسْتِعَادَة
eva
٢٠٣
هو منشأ الخيرات العلمية والعملية. (وَمِنْ سَيِّئِ الأَسْقَام)، الإضافة ليست بمعنى
((مِنْ)) كقولك: خاتم فضة، بل هي من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي: الأسقام
السيئة، يعني: الأمراض القبيحة الفاحشة الرديئة تكون سببًا لعيب ينفر منه الخلق،
أو فساد أعضائه كالاستسقاء والسل والفالج، والمرض المزمن الطويل، وهو
تعميم بعد تخصيص نص على تلك الثلاثة مع دخولها في سيئ الأسقام؛ لكونها
أبغض شيء إلى العرب، بل إلى جميع الناس، ولهم عنها نفرة عظيمة، ولهذا عدوا
من شروط الرسالة السلامة من كل ما ينفر الخلق ويشوه الخلق.
قال صاحب ((الفتح الرباني)): اعلم أن الأمراض المنفرة لا تجوز على الأنبياء بل
يشترط في النبي سلامته من كل منفر، وإنما ذكرها وَ لَه تعليمًا للأمة كيف تدعو.
قال الطيبي: وإنما لم يتعوذ من الأسقام مطلقًا، أي: سائر الأسقام بل قيد بالسيئ
فإن بعضها مما يخف مؤنته وتكثر مثوبته عند الصبر عليه، مع عدم إزمانه كالحمى
والصداع والرمد، يعني: أن من الأمراض ما إذا تحامل الإنسان فيه على نفسه
بالصبر خفت مؤنته وعظمت مثوبته، قال: وإنما استعاذ من السقم المزمن، فينتهي
بصاحبه إلى حالة ينفر منها الحميم، ويقل دونها المؤانس والمداوي مع ما يورث
من الشين، فمنها: الجنون الذي يزيل العقل، فلا يأمن صاحبه القتل، ومنها:
البرص والجذام، وهما العلتان المزمنتان مع ما فيهما من القذارة والبشاعة، وتغيير
الصورة، انتهى.
وقال ابن مالك: الحاصل: أن كل مرض يحترز الناس من صاحب ذلك المرض
ولا ينتفعون منه، ولا ينتفع منهم ويعجز بسبب ذلك المرض عن حقوق الله،
وحقوق عباده يستحب الاستعاذة من ذلك.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) في الاستعاذة، وأخرجه أيضًا أحمد (ح: ص)،
والطيالسي (ج١: ص٢٥٨) وابن أبي شيبة، وسكت عنه أبو داود والمنذري،
وصحح النووي سنده في ((الرياض)) و((الأذكار)).

٢٠٤
ese
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٤٩٥ - [١٥] وَعَنْ قُطْبَةَ بْنِ مَالِكِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ
إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ مُنْكَرَاتِ الْأَخْلَاقِ، وَالْأَعْمَالِ، وَالأَهْوَاءِ)). [رَوَاهُ التَّْمِذِيُّ]
الشرح
٢٤٩٥ - قوله (وَعَنْ قُطْبَةَ) بضم القاف وسكون الطاء المهملة وفتح الباء
الموحدة. (بْنِ مَالِك) الثعلبي بمثلثة، ومهملة من بني ثعلبة بن ذبيان، ولذلك يقال
له: الذبياني، وهو عم زياد بن علاقة الذي روى هذا الحديث عنه، صحابي سكن
الكوفة. (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ مُنْكَرَاتِ الْأَخْلَاقِ)، المنكر ما لا يعرف حسنه من
جهة الشرع، أو ما عرف قبحه من جهته، والمراد بالأخلاق: الأعمال الباطنة كحقد
وبخل وحسد وجبن ونحوها، واستعاذ من منكرات الأخلاق؛ لأنها تكون سببًا
لجلب کل شر، ودفع كل خير.
(وَالْأَعْمَالِ) أي: الأفعال الظاهرة وهي تعم الصغائر والكبائر من نحو قتل وزنًا
وشرب خمر وسرقة ونحوها. (وَالْأَهْوَاءِ) جمع الهوى مصدر هواه إذا أحبه، ثم
سمي بالهوى المشتهَى محمودًا كان أو مذمومًا، ثم غلب على غير المحمود،
فقيل: فلان اتبع هواه إذا أريد ذمه، وفي التنزيل: ﴿وَلَا تَنَّعِ اُلْهَوَى﴾ [ص: ٢٦] منه :
فلان من أهل الأهواء. لمن زاغ عن الشرع من أهل القبلة كالجبرية، والقدرية،
والحشوية، والخوارج، والروافض، ومن سار سيرتهم، كذا في ((المغرب)). قال
الطيبي: الإضافة في القرينتين الأوليين من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف وفي
الثالثة بيانية؛ لأن الأهواء كلها منكرة، انتهى.
قال القاري: والأظهر أن الإضافات كلها من باب واحد، ويحمل الهوى على
المعنى اللغوي، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اُتَّعَ هَوَهُ بِغَيْرِ هُدَى مِنَ
اُللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠]، أو يحمل على ما تختاره النفس من العقائد ومنه قوله تعالى:
﴿أَفََّيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَمُ هَوَنُهُ﴾ [الجاثية: ٢٣]، فالمراد بالأهواء مطلقًا: الاعتقادات،
وبالمنكرات: الأهوية الفاسدة التي غير مأخوذة من الكتاب والسنة، وقيل:
(٢٤٩٥) التِّرْ مِذِي (٣٥٩١) فِي الدَّعَوَاتِ عَنْ قُطْبَةَ بْنِ مَالِك.

كِتّابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الاسْتِعَادَة
٢٠٥
منكرات الأهواء: هي الزيغ والانهماك في الشهوات جمع هوى مقصور هوى
النفس، وهو ميلها إلى المستلذات والمستحسنات عندها واستعاذ منه؛ لأنه يشغل
عن الطاعة ويؤدي إلى الأشر والبطر، وزاد في رواية الحاكم: و((الأدواء))، أي:
من منكرات الأدواء، وهي بمعنى سيئ الأسقام، وذكر هذا الدعاء مع عصمته
تعلیمًا لأمته كما سبق.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في الدعوات، وأخرجه أيضًا الحاكم (ج١: ص٥٣٢)،
والطبراني في ((الكبير))، ورواه ابن حبان في ((صحيحه)) مختصرًا بلفظ: ((اللَّهُمَّ
جَنِّبْنِي مُنْكَرَاتِ الْأَهْوَاءِ وَالْأَدْوَاءِ))، والحديث حسنه الترمذي، وصححه الحاكم
على شرط مسلم ووافقه الذهبي.
٢٤٩٦ - [١٦] وَعَنْ شُتَيْرِ بْنِ شَكَلِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا
نَبِيَّ اللَّهِ عَلَّمْنِي تَعْوِيذًا أَتَعَوَّذُ بِهِ، قَالَ: (قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ
سَمْعِي، وَشَرِّ بَصَرِي، وَشَرِّ لِسَانِي، وَشَرِّ قَلْبِي، وَشَرِّ مَنِّي)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاودَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ ]
الشرح
٢٤٩٦ - قوله: (وَعَنْ شُتَيْرٍ)، أوله شين معجمة، ثم تاء مثناة وآخرة راء
مصغرًا. (بْنِ شَكَلٍ) بفتح المعجمة والكاف، العبسي الكوفي، يقال: إنَّه أدرك
الجاهلية، ثقة من الطبقة الوسطى من التابعين، مات في ولاية ابن الزبير، وقيل:
توفي زمن مصعب. (عَنْ أَبِيهِ)، أي: شكل، وهو من رهط حذيفة بن اليمان،
صحابي سكن الكوفة لم يرو عنه غير ابنه شتير، وذكر له أبو القاسم البغوي هذا
الحديث، وقال: لا أعلم له غيره، كذا في ((مختصر السنن)) (ج٢: ص١٦١)
للمنذري، وقال الحافظ في ((الإصابة)) (ج٢: ص١٥٤) بعد ذكر هذا الحديث من
رواية السنن. قلت: وله رواية عن عليٍّ. (عَلَّمْنِي تَعْوِيذًا) أي: ما يتعوذ به.
(٢٤٩٦) أَبُو دَاوُد (١٥٥١)، والتِّرْمِذِي (٣٤٩٢)، والنَّسَائِي (٢٥٥/٨) عَنْ شُتَيْرِ بْنِ شَكْلٍ عَنْ أَبِيهِ فِي
الكُتُبِ الثَّلاثةِ السَّابِقَةِ ذِكْرُهَا.

٢٠٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال الجوهري في ((الصحاح)) (ج٢: ص٥٦٧): العوذة والمعاذ والتعويذ كله
بمعنى. وقال المجد في ((القاموس)): العوذة بالهاء الرقية كالمعاذة والتعويذ.
قلت: قوله: ((تَعْوِيذًا))، كذا في جميع النسخ من ((المشكاة)) و((المصابيح))، وهكذا
وقع عند البخاري في ((تاريخه)) (٢ - ٢ - ٢٦٦)، وفي ((شرح السنة)) للبغوي (ج٥ :
١٦٩)، والترمذي: تعوُّذًا. بتشديد الواو المضمومة، وهكذا وقع في أسد الغابة
(ج٣: ص٣)، وجامع الأصول (ج٥: ص١٣٢)، وجمع الفوائد (ج ٢ : ص ٦٦٧)
والإِصابة والمستدرك للحاكم، وفي رواية أبي داود: عَلَّمْنِي دعاءً، فقال: وأخرج
النسائي الروايتين إلا أنه قال: عَلَّمْنِي دعاءً أنتفع به، وهكذا وقع عند أحمد في
المسند والبخاري في التاريخ والأدب المفرد (ج٢: ص١١٧).
(أَتَعَوَّذُ بِهِ)، أي: لخاصة نفسي، وفي الترمذي بعده: قال: فأخذ بكفي،
وللنسائي والبخاري في التاريخ والبغوي: فأخذ بيدي. وكان أَخْذه ◌َلَ كفه؛ لمزيد
الاعتناء والاهتمام بالتعليم. (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ سَمْعِي)، أي: حتى لا
أسمع شيئًا تكرهه. وقال في الحرز الثمين: قوله: (مِنْ شَرِّ سَمْعِي)، بأن أسمع كلام
الزور والبهتان والغيبة، وسائر أسباب العصيان، أو بأن لا أسمع كلمة الحق، وأن
لا أقبل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. (وَشَرِّ بَصَرِي)، أي: حتى لا أرى شئيًا
تكرهه، وقيل: أي: خائنة الأعين وغيرها من معاصي النظر، وقيل: بأن أنظر إلى
مُحَرَّم، أو أرى إلى أحد بعين الاحتقار، وأن لا أتفكر في خلق السماء والأرض بنظر
الفكرّ والاعتبار.
(وَشَرِّ لِسَانِي)، أي: حتى لا أتكلم بما لا يعنيني، وقيل: أي: من شر نطقي فإن
أكثر الخطايا منه، وهو الذي يورد المرء في المهالك، وخص هذه الجوارح؛ لما
أنها مناط الشهوة ومثار اللذة. (وَشَرِّ قَلْبِي)، أي: حتى لا أعتقد اعتقادًا فاسدًا، ولا
يكون فيه نحو حقد وحسد وتصميم فعل مذموم أبدًا، وقيل: أي: بأن أشتغل بغير
أمر ربي، وقيل: أي: من شر نفسي، والنفس مجمع الشهوات والمفاسد بحب
الدنيا والرهبة من الخلق وخوف فوت الرزق، والأمراض القلبية من نحو حسد
وحقد وطلب رفعه وغير ذلك.
(وَشَرِّ مَنِّي)، هو المَنِيُّ المشهور، بمعنى الماء المعروف مضاف إلى ياء

7:
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الاسْتِعَادَة
٢٠٧
المتكلم، أي: بأن أوقعه في غير محله، أو يوقعني في مقدمات الزنا من النظر
واللمس والتقبيل والمشي والعزم وأمثال ذلك. وقيل: هو أن يغلب عليه حتى يقع
في الزنا أو مقدماته، وقيل: أي: من شرشدة الغلمة، وسطوة الشهوة إلى الجماع
الذي إذا أفرط ربما أوقع في الزنا أو مقدماته لا محالة، فهو حقيق بالاستعاذة من
شره، وخص هذه الأشياء بالاستعاذة؛ لأنها أصل كل شر وقاعدته ومنبعه، وزاد في
رواية للنسائي والبغوي: ((قال: حتى حفظتها)). قال سعد - أحد رواة الحديث:
والمني ماؤه. وفي رواية للنسائي أيضًا: ((يعني: ذكره))، وللترمذي: ((يعني:
فرجه)). وقوله: ((مَنِّي))، كذا في جميع النسخ من ((المشكاة)) و((المصابيح))،
وهكذا وقع في النسخ الموجودة عندنا للترمذي، وكذا عند أحمد، والبخاري،
وأبي داود، والنسائي، والحاكم، والبغوي، والجزري في ((أسد الغابة))، وذكره
في ((جامع الأصول)) بلفظ: ((وَمِنْ شَرِّ هَنِّي))، يعني: الفرج. وقال: هذه رواية
الترمذي، وكذا نقله في ((جمع الفوائد)) وعزاه لأصحاب السنن.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في آخر الصلاة. (وَالتِّرْمِذِيُّ) في الدعوات. (وَالنَّسَائِيُّ) في
الاستعاذة، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٣: ص٤٢٩)، والبخاري في ((الأدب المفرد))
(ج٢: ص١١٧، ١١٨)، وفي ((التاريخ الكبير)) (٢٦٦/٢/٢)، والحاكم
(ج١ ص٥٣٢، ٥٣٣) والبغوي (ج٥: ص١٦٨، ١٦٩) وسكت عنه أبو داود
وحسنه الترمذي ونقل المنذري تحسينه وأقره. وقال الحاكم: حديث صحيح
الإسناد، ووافقه الذهبي.

٢٠٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٤٩٧ - [١٧] وَعَنْ أَبِي الْيَسَرِ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَلَ كَانَ يَدْعُو: ((اللَّهُمَّ
إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِن الْهَدْمِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنِ الثَّرَدِّي، وَمِنَ الْغَرَقِ، وَالْحَرَقِ،
وَالْهَرَمِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ يَتَخَبَّطَنِي الشَّيْطَانُ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ
أَمُوتَ فِي سَبِيلِكَ مُدْبِرًا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أَمُوتَ لَدِيفًا)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاودَ وَالنَّسَائِيُّ]
- وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: ((وَالْغَمِّ))
الشرح
٢٤٩٧ - قوله: (وَعَنْ أَبِي الْيَسَرِ) بفتح التحتية والسين المهملة آخره راء،
اسمه كعب بن عمرو بن عباد السَّلَمي - بفتحتين - الأنصاري، مشهور باسمه
وكنيته، صحابي شهد العقبة وبدرًا، وله فيها آثار كثيرة، وكان عظيم الفناء يوم بدر
وغيره، وهو الذي أسر العباس، وهو الذي انتزع راية المشركين من يد أبي عزيز بن
عمير، ثم شهد المشاهد مع رسول اللّه وَل، ثم شهد صفين مع علي بن أبي طالب.
مات بالمدينة سنة خمس وخمسين، وقد زاد على المائة وهو آخر من مات من أهل
بدر .
(اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَدْم) بسكون الدال، وهو سقوط البناء ووقوعه على
الشيء، يعني: انهدام البناء عليه، وروي بالفتح، وهو اسم ما انهدم منه. وفي
((النهاية)): ((الهَدم)) محركًا: البناء المهدوم، وبالسكون الفعل نفسه، وقال
السندي: ((الْهَدْم)) بفتح فسكون مصدر هدم البناء نقضه، والمراد: من أن يهدم على
البناء على أنه مصدر مبني للمفعول، أو من أن أهدم البناء على أحد على أنه مصدر
مبني للفاعل. (وَأَعُوذُ بَِكَ مِنَ التَّرَدِّي)، أي: السقوط من موضع عالٍ، كالوقوع
من شاهق جبل وسطح مرتفع، أو الوقوع في مكان سفلي كالبئر، تفعل من الردى
وهو الهلاك. قال الجزري: بفتح التاء المثناة من فوق وفتح الراء المهملة، وتشديد
الدال المكسورة، من تردى يتردى إذا سقط في بئر، أو تهور من جبل.
(٢٤٩٧) أَبُو دَاوُد (١٥٥٢)، وَالنَّسَائِي (٢٨٣/٨) فِيهِمَا عَنْ أَبِي اليَسَرِ كَعْبٍ بْنِ عَمْرٍو.

٢٠٩
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الاسْتِعَادَة
(وَمِنَ الْغَرَقِ)، بفتحتين مصدر غرق في الماء من باب تعب، أي: سقط فيه.
(وَالْحَرَقِ) بالتحريك مصدر حرق بالنار، إنما استعاذ ◌َّ من الهدم، والتردي،
والغرق، والحرق؛ لأن ذلك يكون بغتة، وقد يكون الإنسان في ذلك الوقت غير
مقرر أموره بالوصية فيما يكون محتاج الوصية فيه، وبإخراج ما يجب إخراجه
ركونًّا منه على ما هو فيه من الصحة والعافية، وقد لا يتمكن عند حدوث هذه
الأمور من أن يتكلم بكلمة الشهادة لما يفجأه من الفزع ويدهمه من الخوف.
قال التوربشتي: إنما استعاذ من هذه البليات مع ما وعد عليها من الشهادة؛ لأنها
مِحَنٌ مجهدة مقلقة، لا يكاد واحد يصبر عليها ويثبت عندها، أو يذكر عند حلولها
شيئًا مما يجب عليه في وقته ذلك، وربما ينتهض الشيطان عنه فرصة لم يكن لينال
منه في غيرها من الأحوال، أي: فيحمله على ما يضر بدينه، ثم إنها تفجأ عليه
فتتضمن الأسباب التي ذكرناها في موت الفجاءة. وقال الطيبي: استعاذ منها مع ما
فيها من نيل الشهادة؛ لأنها في الظاهر مصائب ومحن وبلايا كالأمراض السابقة
المستعاذ منها، وأمَّا ترتب ثواب الشهادة عليها فللبناء على أن الله تعالى يثيب
المؤمن على المصائب كلها حتى الشوكة يشاكها، ومع ذلك فالعافية أوسع؛ ولأن
الفرق بين الشهادة الحقيقية وبين هذه الشهادة أن الشهادة الحقيقية متمنى كل مؤمن
ومطلوبه، وقد يجب عليه توخي الشهادة والتحري لها، والتجرؤ فيها بخلاف
التردي والحرق والغرق ونحوها؛ فإنه يجب التحرز عنها ولو سعى فيها عصى.
وقيل: في الحقيقة الاستعاذة ترجع إلى وقوعها من حيث الإخلال بالدين،
والاستعاذة من المحن والمصائب كلها إنما هي من حيث احتمال الجزع والشكوى
مع كونها سبًا للكفارة من الذنوب، ورفع الدرجات. (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ يَتَخَبَّطَنِي
الشَّيْطَانُ)، أي: يَصْرعني، ويلعب بي، ويفسد ديني وعقلي. (عِنْدَ الْمَوْتِ) بنزغاته
التي تزل الأقدام وتصارع العقول والأحلام، والأصل في التخبط أن يضرب البعير
الشيء بخف يده فيسقط، وقال الجزري: من تخبطه الشيطان إذا صرعه ولعب به،
والخبط باليدين كالرمح بالرجلين. وقال الشوكاني: أي: يفتنه ويغلبه على أمره
ويحسن له ما هو قبيح، ويقبح له ما هو حسن، ويناله بشيء من المس كالصرع
والجنون، ولما قيده بالتخبط عند الموت كان أظهر المعاني فيه هو أن يغويه
ويوسوس له، ويلهيه عن التثبت بالشهادة والإقرار بالتوحيد.

٢١٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال الخطابي: هو أن يستولي عليه الشيطان عند مفارقته الدنيا فيضله، ويحول
بينه وبين التوبة، أو يعوقه عن إصلاح شأنه والخروج من مظلمة تكون قِبَلَهُ، أو
يؤيسه من رحمة الله، أو يكره الموت ويؤسفه على حياة الدنيا، فلا يرضى بما
قضاه اللَّه عليه من الفناء والنقلة إلى الدار الآخرة، فيختم له بالسوء ويلقى الله وهو
ساخط عليه .
(وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أَمُوتَ فِي سَبِيلِكَ مُدْبِرًا)، أي: عن الحق، أو عن قتال الكفار
حيث حرم الفرار، وقال في ((الحرز)): أي: فارًّا من الزحف أو تاركًا للطاعة مرتكبًا
للمعصية، أو رجوعًا إلى الدنيا بعد الإقبال على العقبى، أو اختيارًا للغفلة والهوى
إلى سوى حضور المولى. قيل: هذا وأمثال ذلك تعليم للأمة وإلا فرسول اللّه وَله
لا يجوز عليه الخبط والفرار من الزحف ونحوهما. والأظهر أن هذا كله تحدث
بنعمة الله، وطلب الثبات عليها، والتلذذ بذكرها المتضمن بشكرها الموجب
لمزيد النعمة المقتضي لإزالة النقمة، انتهى. قلت: وقع عند أحمد، وكذا في
رواية للنسائي: ((وَأَنْ أَقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ مُدْبِرًا))، وهذا يرجح بل يعين المراد من
الإدبار في رواية الكتاب، وهو الفرار من الزحف في قتال الكفار.
(وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أَمُوتَ لَدِيغًا) فعيل بمعنى مفعول من اللدغ، وهو يستعمل في
ذوات السم من الحية والعقرب ونحوهما، والاستعاذة مختصة بأن يموت عقيب
اللدغ، فيكون من قبيل فجاءة الموت. قال الشوكاني: استعاذ النبي وَّ من أن
يموت لديغًا؛ لأنه قد يموت بذلك فجاءة فلا يقدر على التثبت، وقد يتراخى موته
فيشتغل بهذا الألم الشديد عن أن يتخلص بما يجب عليه التخلص عنه. وقال
التوربشتي: موت اللديغ مشابه في المعنى لأسباب الهلاك التي ذكرناها قبل.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في أواخر الصلاة. (وَالنَّسَائِيُّ) في الاستعاذة، وأخرجه أيضًا
أحمد (ج٣: ص٤٢٧)، والحاكم (ج١: ص ٥٣٠). (وَزَادَ)، أي: النسائي. (فِي
رِوَايَةٍ أُخْرَى: وَالْغَمِّ)، أي: كلمة الغم، وكذا زادها أحمد والحاكم، والحديث
سكت عنه أبو داود والمنذري، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الاسْتِعَادَة
٢١١
٢٤٩٨ - [١٨] وَعَنْ مُعَاذٍ عَنِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: ((اسْتَعِيذُوا بِاللهِ مِنْ
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ] {ضعيف}
طَمَعِ يَهْدِي إِلَى طَبَعِ)).
الشرح
٢٤٩٨ - قوله: (اسْتَعِيذُوا بِاللهِ مِنْ طَمَع) بفتح الطاء المهملة والميم، أي:
حرص شديد. وقال القاري: هو نزوع النفسَّ إلى الشيء شهوة له. (يَهْدِي) بفتح
أوله، أي: يدل أو يؤدي أو يدني ويقرب ويوصل أو يجر. قال الطيبي: الهداية:
الإرشاد إلى الشيء والدلالة إليه، ثم اتسع فيه، فاستعمل بمعنى الإدناء من الشيء
والإيصال إليه، قال القاري: الأظهر أن الهداية هنا بمعنى الدلالة، وهي متعد تارة
[الفاتحة: ٦]، وتارة باللام كقوله: ﴿إِنَّ هَذَا
بنفسه ك﴿ أَهْدِنَا الصِّرَطَ أَلْمُسْتَقِيمَ
اُلْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] وتارة بإلى كقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَاطٍ
مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] فلا حاجة إلى استعمالها بمعنى الإدناء والإيصال.
(إِلَى طَبَع) بفتح الطاء والموحدة، أي: عیب وشین، وأصله الدنس الذي يعرض
السيف، وكانوا يرون أن الطبع هو الرين، قال مجاهد: الرين أيسر من الطبع،
والطبع أيسر من الإقفال. ثم استعمل الطبع فيما يشبه الوسخ في الدنس من الآثام
والأوزار، وغير ذلك من العيوب والمقابح المعنوية، والمعنى: تعوذوا بالله من
طمع يسوقكم ويدلكم إلى ما يشينكم في الدين، ويزري بكم في المروءة من
المقابح كالمذلة للسفلة، والتواضع لأرباب الدنيا، وإظهار السمعة والرياء وغير
ذلك مما يترتب على الطمع؛ لذا قيل: الطمع فساد الدين والورع صلاحه.
وللحديث عند أحمد والطبراني تتمة وهي: ((وَمِنْ طَمَعِ يَهْدِي إِلَى غَيْرِ مَطْمَع))، أي:
إلى تأميل ما يبعد حصوله والتعلق به، قال في ((المصَّباح)): ومن كلامهَمَ: فلان
طمع في غير مطمع، إذا أمل ما يبعد حصوله.
((وَمِنْ طَمَعْ حَيْثُ لَا مَطْمَعَ))، أي: ومن طمع شيء لا مطمع فيه بالكلية لتعذره
(٢٤٩٨) أَحْمَد (٢٣٢/٥) مِنْ رِوَايَةٍ جُبَيْرِ بْنِ نُفَير عَنْ مُعَاذٍ.

ESTHE
٢١٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
XesexEs
حسًّا أو شرعًا، وهذه الثالثة أحط مراتب الدناءة في مطمع وأقبحها، فإن ((حيث))
للتعميم في الأمكنة والأزمنة والأحوال، أي: حيث لا يمكن حصوله في مكان
أصلًا، ولا في زمان أصلًا، ولا في حال أصلًا فهو محال، فهو أشد ذمًّا ودناءة مما
قبله .
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٥ : ص ٢٣٢، ٢٤٧)، (وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ)، وذكره
الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (ج ١٠: ص١٤٤) مطولًا وقال: رواه الطبراني. ((فِي
الْكَبِيرِ))، وأحمد والبزار بنحوه، وفيه عبد الله بن عامر الأسلمي وهو ضعيف.
قلت: وأخرجه أيضًا الحاكم (ج١ : ص٥٣٣) بنحوه وفي إسناده عبد الله بن عامر
الأسلمي.
وقال الحاكم: هذا حديث مستقيم الإسناد ووافقه الذهبي. قلت: عبد الله بن
عامر هذا من رجال ابن ماجه، قال الحافظ عنه في ((التقريب)): ضعيف. قلت: قد
ضعفه أحمد، وأبو زرعة، والنسائي، وأبو داود، وابن معين، والدار قطني. وقال
أبو حاتم: متروك. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوى عندهم.
وقال البخاري: يتكلمون في حفظه. وقال أيضًا: ذاهب الحديث. وقال ابن
سعد: كان قارئًا للقران، وكان يقوم بأهل المدينة في رمضان، وكان كثير
الحديث، استضعف .
وقال ابن عدي: کان عزیز الحدیث، لا يتابع في بعض حديثه، وهو ممن یکتب
حديثه. وذكره البرقي في باب من غلب عليه الضعف.

كِتّابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الاسْتِعَادَة
٢١٣
٢٤٩٩ - [١٩] وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ وَجَهَ نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ، فَقَالَ: ((يَا
عَائِشَةُ، اسْتَعِيدِي بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ هَذَا، فَإِنْ هَذَا هُوَ الْغَاسِقُ إِذَا وَقَّبَ)).
[ْرَوَاهُ الثِّرْمِذِيُّ]
الشرح
٢٤٩٩ - قوله: (اسْتَعِيذِي بِاللهِ مِنْ شَرِّ هَذَا)، أي: هذا القمر. (فَإِنَّ هَذَا هُوَ
الْغَاسِقُ إِذَا وَقَبَ)، قال المجد في ((القاموس)): الغَسَقُ، محركة: ظلمة أول الليل،
وغسق الليل كضرب، غسقًا اشتدت ظلمته، والغاسق: القمر، أو الليل إذا غاب
الشفق، وقال في مادة: ((وَقَبَ)) وقب الظلام: دخل، والشمس وقبًا ووقوبًا:
* [الفلق: ٣]، انتهى.
غابت، والقمر دخل في الخسوف، ومنه ﴿غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ
وقال القاضي: الغاسق: الليل إذا غاب الشفق واعتكر ظلامه من غسق يغسق إذا
أظلم، وأطلق ها هنا على القمر؛ لأنه يظلم، ووقوبه دخوله في الكسوف واسوداده.
قال الطيبي: وإنما استعاذ من كسوفه؛ لأنه من آيات الله الدالة على حدوث
بلية، ونزول نازلة، كما قال عليه الصلاة والسلام: ((وَلَكِنْ يُخَوِفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ))؛
ولأن اسم الإشارة في الحديث كوضع اليد في التعيين، وتوسيط ضمير الفصل بينه
وبين الخبر المعروف يدل على أن المشار إليه هو القمر لا غير، وتفسير الغاسق
بالليل يأباه سياق الحديث كل الإباء؛ ولأن دخول الليل نعمة من نعم الله تعالى،
ومَنَّ اللَّه تعالى على عباده في كثير من الآيات، قال تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ
لِتَسْكُنُواْ فِيهِ﴾ [يونس: ٦٧]، قال القاري: قد يرد مثل هذا ادعاء وإرادة للمبالغة وقصدًا
للتخصيص؛ إيماء إلى أنه أعظم أفراد نوعه، وبه يدفع قوله وتفسير الغاسق بالليل
يأباه سياق الحديث. قال: ولا يشك أحد أن دخول الليل نعمة، ولكن لا يلزم من
كونه نعمة أنه لا يتضمن نقمة؛ ولذا قال تعالى في صدر السورة: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ
[الغلق: ١، ٢] تعميمًا ثم قال: ﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ
اُلْفَلَقِ ﴿ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ
﴾ [الفلق: ٣] ... إلخ؛ تخصيصًا، انتهى كلام القاري مختصرًا.
٣
(٢٤٩٩) التِّرْ مِذِي (٣٣٦) فِي التَّفْسِيرِ، وَالنَّسَائِي في ((الكُبرى)) (١٠١٣٧) فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ.

٢١٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال الخازن في ((تفسيره)) بعد ذكر حديث عائشة هذا ما لفظه: فعلى هذا
الحديث المراد به: القمر إذا خسف واسْوَدَّ. ومعنى وقب: دخل في الخسوف، أو
أخذ في الغيبوبة. وقيل: سمي؛ لأنه إذا خسف اسود وذهب ضَوْؤه. وقيل: إذا
وقب: دخل في المحاق، وهو آخر الشهر وفي ذلك الوقت يتم السحر المورث
للتمريض، وهذا مناسب لسبب نزول هذه السورة. وقال ابن عباس: وإليه ذهب
جمهور المفسرين، الغاسق الليل إذا وقب، أي: أقبل بظلمته من المشرق، وقيل :
سمي الليل غاسقًّا؛ لأنه أبرد من النهار، والغسق البرد، وإنما أمر بالتعوذ من
الليل؛ لأن فيها تنتشر الآفات، ويقل الغوث، وفيه يتم السحر. وقيل: الغاسق
الثريا إذا سقطت وغابت، وقيل: إن الأسقام تكثر عند وقوعها وترتفع عند طلوعها،
فلهذا أمر بالتعوذ من الثريا عند سقوطها، انتهى.
وقال ابن جرير في ((تفسيره)): أولى الأقوال في ذلك عندي أن يقال: إن الله أمر
نبيه وَلّ أن يستعيذ من شر غاسق، وهو الذي يظلم، يقال: قد غسق الليل يغسق
غسوقًا إذا أظلم، إذا وقب يعني: إذا دخل في ظلامه، والليل إذا دخل في ظلامه
غاسق، والنجم إذا أفل غاسق والقمر غاسق إذا وقب، ولم يخصص بعد ذلك بل
عم الأمر بذلك فكل غاسق فإنه وَ لَ كان يؤمر بالاستعاذة من شره إذا وقب، انتهى.
وارجع لمزيد الكلام في ذلك إلى (التفسير القيم)) (ص ٥٥٧، ٥٦٠).
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ)، في تفسير سورة المعوذتين، وقال: هذا حديث حسن صحيح،
وأخرجه أيضًا أحمد (ج٦: ص ٦١، ٢٠٦، ٢١٥، ٢٣٧، ٢٥٢)، والنسائي في
التفسير من ((سننه الكبرى)) وفي ((عمل اليوم والليلة))، والبغوي (ج٥: ص١٦٧)،
وابن جرير في ((تفسيره))، وابن المنذر، وأبو الشيخ في ((العظمة))، والحاكم (ج٢ :
ص٥٤٠، ٥٤١)، وابن مردويه، وابن السني (ص٢٠٩)، وحسنه الحافظ وتعجب
من تضعیف النووي له في «فتاویه)) مع قول التر مذي فيه : إنه حديث حسن صحيح،
وكذا صححه الحاكم ووافقه الذهبي، ورجاله رجال الصحيح، إلا الحارث بن عبد
الرحمن الراوي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة، فقال علي بن المديني
فيه: مجهول، ما روى عنه إلا ابن أبي ذئب، وخالفه يحيى بن معين، فقال:
مشهور. وقواه أحمد والنسائي فقالا: لا بأس به، وقد روى عنه أيضًا محمد بن
إسحاق حديثًا آخر، وأقل درجاته أن يكون حديثًا حسنًا، كذا في هامش ((شرح
السنة)) .

كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
EXTEE
٢١٥
بَابُ الاسْتِعَادَة
٢٥٠٠ - [٢٠] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ النَِّيُّ وَّه لِأَبِي: (يَا
حُصَيْنُ، كَمْ تَعْبُدُ الْيَوْمَ إِلَهَا؟» قَالَ أَبِي: سَبْعَةً: سِنَّا فِي الأَرْضِ، وَوَاحِدًا فِي
السَّمَاءِ، قَالَ: ((فَأَيُّهُمْ تَعُدُّ لِرَغْبَتِكَ، وَرَهْبَتِكَ؟)) قَالَ: الَّذِي فِي السَّمَاءِ قَالَ:
(يَا حُصَيْنُ ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَسْلَمْتَ عَلَّمْتُكَ كَلِمَتَيْنِ تَنْفَعَانِكَ))، قَالَ: فَلَمَّا أَسْلَمَ
حُصَيْنٌ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي الْكَلِمَتَيْنِ اللَّتَيْنِ وَعَدْتَنِي، فَقَالَ: ((قُلِ:
[ْرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]
اللَّهُمَّ أَلْهِمْنِي رُشْدِي، وَأَعِذْنِي مِنْ شَرِّ نَفْسِي)).
الشرح
٢٥٠٠ - قوله: (وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) بالتصغير ابن عبيد بن خلف
الخزاعي. (لِأبِي)، أي: لوالدي حصين حال كفره. قلت: واختلف في إسلام
حصين، كما قال الحافظ في ((الإصابة))، وابن الأثير في ((أسد الغابة))،
والصحيح: أنه أسلم، فحديث عمران هذا نص في إسلامه، وكذا ما رواه أحمد،
والنسائي. قال الحافظ بإسناد صحيح والحاكم وصححه وأقره الذهبي عن ربعي
عن عمران بن حصين: أن حصينًا أتى النبي وَّ قبل أن يسلم ... الحديث. وفيه:
((ثم إن حصينًا أسلم)). ورواه النسائي من وجه آخر عن ربعي، وفيه: ((فانطلق ولم
يكن أسلم ثم أسلم))، فقال: يا رسول الله فما أقول الآن حين أسلمت
... الحديث.
وفي رواية للنسائي: ((فما أقول الآن وأنا مسلم؟)) قال الحافظ: وسنده صحيح
من الطريقين، ثم ذكر من حديث عمران بن حصين أيضًا عند ابن السكن والطبراني
أنه قال: أتى أبي حصين بن عبيد إلى النبي وَّ فقال: يا محمد ... الحديث.
وفيه: قال: فما مضت عشرون ليلة حتى مات مشركًا. قال الطبراني بعد ذكره:
الصحيح أن حصينًا أسلم. ثم ذكر الحافظ من رواية ابن خزيمة عن عمران قصة
طويلة وفيها: فلم يقم، أي: حصين حتى أسلم فقام إليه عمران فقبل رأسه
... إلخ.
(٢٥٠٠) التِّرْ مِذِي (٣٤٨٣) فِي الدَّعَوَاتِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي قِصَّةٍ أَبِهِ.

٢١٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(يَا حُصَيْنُ، كَمْ تَعْبُدُ الْيَوْمَ) اللام للمعهود الحاضري نحو قوله تعالى: ﴿ اَلْيَوْمَ
أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]. (إلهًا؟) قال ابن حجر المكي الهيتمي: هو تمييز لـ((كم))
الاستفهامية ولا يضره الفصل؛ لأنه غير أجنبي. (قَالَ أَبِي: سَبْعَةً)، أي: أعبد سبعة
من الآلهة. (سِتًّا)، كذا في جميع النسخ، والذي عند الترمذي ستة وهكذا ذكره
الجزري في ((جامع الأصول)) (ج٥: ص١١٦) وفي ((أسد الغابة)) (ج٦ ص٢٥)
بسنده إلى الترمذي، وهكذا نقله في ((جمع الفوائد)) (ج٢: ص٦٦١). (فِي الأَرْضِ
وَوَاحِدًا فِي السَّمَاءِ)، أي: ستة آلهة في الأرض وإلهًا واحدًا في السماء.
(فَأَيُّهُمْ) بضم الياء. (تَعُدُّ) بفتح التاء وضم العين، أي: تعده إلهًا. (لِرَغْبَتِكَ
وَرَهْبَتِكَ)، قال القاري: وفي نسخة - يعني من ((المشكاة)) - بضم أوله وكسر ثانيه،
أي: تهيئه لنفعك حين ترجو وتخاف. قال الطيبي: الفاء جزاء شرط محذوف، أي:
إذا كان كذلك فأيهم تخصه وتلتجئ إليه إذا أنابتك نائبة. (أَمَا) بالتخفيف للتنبيه.
(إِنَّكَ) بكسر الهمزة. (لَوْ أَسْلَمْتَ عَلَّمْتُكَ كَلِمَتَيْنِ)، أي: دعوتين. (تَنْفَعَانِكَ)،
أي: في الدارين، قال ابن جحر: هذا من باب الإغراء على الشيء بذكر ما يحمل
علیه .
(عَلَّمْنِي الْكَلِمَتَيْنِ اللَّتَيْنِ وَعَدْتَنِي)، أي: بتعليمهما. (اللَّهُمَّ أَلْهِمْنِي رُشْدِي) بضم
فسكون وبفتحتين وهما لغتان، وقرئ بهما ﴿مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦]، وقال في
(القاموس)): رَشَدَ كنصر وفرح رشدًا ورشدًا ورشاد اهتدى، والرشد الاستقامة على
طريق الحق مع تصلب فيه، انتهى. قال القاري: أي: وفقني إلى الرشد وهو
الاهتداء إلى الصلاح.
(وَأَعِذْنِي مِنْ شَرِّ نَفْسِي) بفتح فكسر عين، أمر من الإعاذة، أي: أجرني
واحفظني من شرها فإنها منبع الفساد. قال الشوكاني: وهذا الحديث من جوامع
الكلم النبوية؛ لأن طلب إلهام الرشد يكون به السلامة من كل ضلال والاستعاذة
من شر النفس يكون بالسلامة من غالب معاصي الله سبحانه، فإن أكثرها من جهة
النفس الأمارة بالسوء.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في الدعوات، وقال: هذا حديث حسن غريب، وقد روي هذا
الحديث عن عمران بن حصين من غير هذا الوجه. قلت: وأخرجه البخاري في

كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الاسْتِعَادَة
٢١٧
((التاريخ)) (٢/٢/١) مختصرًا، ورواه ابن الأثير الجزري في ((أسد الغابة)) بسنده
إلى الترمذي مطولًا، وفي سنده شيب بن شيبة بن عبد الله المنقري التميمي
البصري الخطيب البليغ. قال الحافظ: صدوق يهم في الحديث، وأخرج أحمد،
والنسائي، وابن حبان، والحاكم وصححا من حديث حصين والد عمران في قصة
إسلامه وتعليمه النبي ◌َِّ الدعاء بلفظ: ((اللَّهُمَّ قِي شَرَّ نَفْسِي وَاعْزِمْ لِي عَلَى أَرْشَدِ
أَمْرِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ وَمَا أَخْطَأْتُ وَمَا عَمَدْتُ وَمَا عَلِمْتُ وَمَا
جَهْتُ)).
٢٥٠١ - [٢١] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ وَ لَ قَالَ: ((إِذَا فَزِعَ أَحَدُكُمْ فِي النَّوْمَّ فَلْيَقُلْ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ
التَّامَّةِ مِنْ غَضَبِهِ وَعِقَابِهِ، وَشَرِّ عِبَادِهِ، وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ، وَأَنْ يَحْضُرُونَ،
فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ))، وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو يُعَلِّمُهَا مَنْ بَلَغَ مِنْ وَلَدِهِ، وَمَنْ لَمْ
يَبْلُغْ مِنْهُمْ كَتَبَهَا فِي صَكَ ثُمَّ عَلَّقَهَا فِ عُنُقِهِ. [رَوَاهُ أَبُو دَاوَدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَهَذَا لَفْظُهُ]
الشرح
٢٥٠١ - قوله: (إِذَا فَزِعَ) بِكسر الزاي، أي: خاف. (فِي النَّوْم)، أي: في
حال النوم، أو عند إرادته. (أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ)، كذا في بعض النسخ بلفظ
الإفراد، والمراد به: الجماعة، وهكذا وقع عند الترمذي وأبي داود، وكذا نقله في
((الأذكار))، و((الحصن))، و((تحفة الذاكرين))، ووقع في بعض نسخ ((المشكاة)):
((التَّامَّاتِ)) بلفظ الجمع، وهكذا وقع عند الحاكم، وكذا نقله في ((الترغيب))،
و(مختصر السنن))، والمراد من التامة: الكاملة الشاملة الفاضلة، وهي أسماؤه
وصفاته وآيات كتبه. (وَعِقَابِهِ)، أي: عذابه.
(وَشَرِّ عِبَادِهِ) من الظلم والمعصية ونحوهما، وهو أخص من شر خلقه. (وَمِنْ
هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ) جمع همزة، وهي النخس والغمز وكل شيء دفعته فقد همزته،
(٢٥٠١) عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِهِ عَنْ جَدِّهِ، وَفِيهِ قِصَّة، وأَبُو دَاوُد (٣٨٩٣) فِي الطِّبِّ، والتِّرْمِذِي
(٣٥٢٨) فِي الدَّعَوَاتِ، والنَّسَائِي في ((الكُبرى)) (١٠٦٠١) فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ.

٢١٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أي: نزغاتهم وخطراتهم ودسائسهم وإلقائهم الفتنة والعقائد الفاسدة في القلب،
وهو تخصيص بعد تعميم. (وَأَنْ يَحْضُرُونَ) بحذف الياء وإبقاء الكسرة دليلًا عليها،
قاله القاري. وقال الشوكاني: بكسر النون وأصله يحضرونني، فحذفت النون
الأولى لدخول الناصب عليها، وحذفت الياء تخفيفًا وبقيت نون الوقاية مكسورة
لتدل على الياء المحذوفة، أي: ومن أن يحضروني في أموري كالصلاة وقراءة
القرآن وغير ذلك؛ لأنهم إنما يحضرون بسوء.
(فَإِنَّهَا)، أي: الهمزات. (لَنْ تَضُرَّهُ)، أي: إذا دعا بهذا الدعاء، وفيه: دليل على
أن الفزع إنما هو من الشيطان. (وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو) بالواو. (يُعَلَّمُهَا)، أي:
هذه الكلمات، وفي بعض نسخ الترمذي: ((يلقنها)) من التلقين. (مَنْ بَلَغَ مِنْ
وَلَدِهِ)، أي: ليتعوذ به. (فِي صَك) الصك بفتح الصاد وتشديد الكاف، ما يكتب فيه
من الورقة ونحوها.
(ثُمَّ عَلَّقَهَا)، أي: علق الورقة التي هي فيها. (فِي عُنُقِهِ)، أي: في رقبة ولده
الذي لم يبلغ، وفي رواية أبي داود: وكان عبد الله بن عمرو يعلمهن من عقل من
بنيه، ومن لم يعقل كتبه فأعلقه عليه. وفي رواية أحمد: فكان يعلمها من بلغ من
ولده أن يقولها عند نومه، ومن كان منهم صغيرًا لا يعقل أن يحفظها كتبها له فعلقها
في عنقه. ولابن السني: كان يعلمها من أطاق الكلام من ولده ومن لم يطِق كتبها
فعلقها عليه. وفيه: دليل على جواز تعليق التعويذات التي فيها أسماء الله تعالى
على الصغار.
قال في ((اللمعات)): هذا هو السند فيما يعلق في أعناق الصبيان من التعويذات،
وفيه كلام. وأمَّا تعليق الحرز والتمائم مما كان من رسوم الجاهلية فحرام بلا
خلاف، انتهى. قلت: اختلف العلماء في تعليق التمائم التي فيها أسماء الله وصفاته
وآيات القرآن والأدعية المأثورة، قال العلامة الشيخ عبد الرحمن بن حسن ابن
الشيخ محمد بن عبد الوهاب في ((فتح المجيد شرح كتاب التوحيد)) (ص١٢٧):
اعلم: أن العلماء من الصحابة والتابعين، فمن بعدهم اختلفوا في جواز تعليق
التمائم التي من القرآن وأسماء الله تعالى وصفاته، فقالت طائفة: يجوز ذلك، وهو
قول عبد الله بن عمرو بن العاص وهو ظاهر ما روي عن عائشة، وبه قال أبو جعفر

كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
ge
بَابُ الاسْتِعَادَة
٢١٩
الباقر وأحمد في رواية وحملوا الحديث - يعني: حديث ابن مسعود قال: سمعت
رسول اللّه وَ لَه يقول: ((إِنَّ الرُّقَى وَالتَّوَلَةَ وَالتَّمَائِمَ شِرْك))، رواه أبو داود، وابن
ماجه، وابن حبان، والحاكم، وقال: صحيح وأقره الذهبي - على التمائم التي فيها
شرك - والقرينة على هذا الحمل اقتران التمائم بالرقى، ومن المعلوم أن المراد من
الرقى ها هنا: هي التي فيها شرك - وقالت طائفة: لا يجوز ذلك، وبه قال ابن
مسعود وابن عباس وهو ظاهر قول حذيفة وعقبة بن عامر وابن عكيم، وبه قال
جماعة من التابعين منهم أصحاب ابن مسعود وأحمد في رواية اختارها كثير من
أصحابه وجزم بها المتأخرون، واحتجوا بهذا الحديث وما في معناه؛ كحديث
عقبة بن عامر عن ابن حبان، وحديث عبد الله بن عكيم عند أحمد والترمذي وأبي
داود والحاكم قلت - قائله الشيخ عبد الرحمن بن حسن مؤلف ((فتح المجيد)): هذا
هو الصحيح لوجوه ثلاثة تظهر للمتأمل: الأول: عموم النهي، ولا مخصص
للعموم، الثاني: سد الزريعة؛ فإنه يفضي إلى تعليق ما ليس كذلك، الثالث: أنه
إذا علق فلا بد أن يمتهنه المعلق بحمله معه في حال قضاء الحاجة والاستنجاء ونحو
ذلك، انتھی.
قلت: وزاد بعضهم وجهًا رابعًا، وهو: إن فعل ذلك استهزاء بآيات الله ومناقضة
لما جاءت به؛ فإن الله أنزل القرآن هدى للناس، وبينات من الهدى والفرقان وشفاء
لما في الصدور، ولا يزيد الظالمين إلا خسارًا، وإنه لتذكرة للمتقين ولم ينزل
القرآن ليتخذ حجبًا وتمائم، ولا ليتلاعب به المتأكلون به الذين يشترون به ثمنًا
قليلًا، والذين يقرؤونه على المقابر، وأمثال ذلك مما ذهب بحرمة القرآن وجرأ
رؤساء المسلمين على ترك الحكم به.
وأجاب هؤلاء عن حديث عبد الله بن عمرو:
أولًا: بأنه ضعيف وإن حسنه الترمذي، وصححه الحاكم وذلك؛ لأن في سنده
محمد بن إسحاق وهو مدلس وقد عنعن .
وثانيًا: بأنه لو فرضنا صحته فليس فيه أيضًا حجة؛ لأنه ليس فيه أن الرسول
صَلَى الّه
وَسلم
رأى ذلك وأقره.
وثالثًا: بأنه عمل فردي من عبد الله بن عمرو، لا يترك به حديث رسول اللّه وَله