النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
وأجاب الحافظ عن هذا الاختلاف: بأن سفيان كان إذا حدث ميزها، ثم طال
الأمر فطرأ عليه النسيان وطرقه السهو عن تعيينها فحفظ بعض من سمع تعيينها منه
قبل أن يطرأ عليه النسيان ويطرقه السهو، ثم كان بعد أن خفي عليه تعيينها يذكر
كونها مزيدة مع إبهامها ثم بعد ذلك، إما أن يحمل الحال حيث لم يقع تمييزها لا
تعيينًا ولا إبهامًا أن يكون ذهل عن ذلك أو عين أو ميز فذهل عنه بعض من سمع
ويترجح كون الخصلة المذكورة، أي: شماتة الأعداء هي المزيدة بأنها تدخل في
عموم كل واحدة من الثلاثة، انتهى.
قلت: وجنح بعضهم إلى ترجيح رواية مسدد ومن وافقه؛ لأنها فيها زيادة ثقة،
وزيادة الثقة مقبولة وإليه يشير صنيع البغوي والمؤلف إذ اقتصرا على إيراد الحديث
القولي الذي ورد فيه الخصال الأربعة بغير تمييز وفصل ولم ينبها على رواية الشك
والتردد والزيادة، ولا يخفى ما في ذلك. نعم الأحوط لنا أن نذكر عند الدعاء بهذه
الاستعاذة الجمل الأربع، ونستعيذ من الخصال الأربعة جميعًا.
٢٤٨٢ - [٢] وَعَنْ أَنَس قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ
بَِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِّ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ،
وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٤٨٢ - قوله: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ،
وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ) الحزن بفتحتين وبضم فسكون مثل رَشَد ورشُد، قيل: الفرق بينه
وبين الهم أن الحزن إنما يكون في أمر قد وقع والهم إنما هو في ما يتوقع وكثير من
الناس لا يفرقون بينهما، ويجعلونه من باب التكرير والتأكيد وكثيرًا ما يجيء مثل
هذا التأكيد بالعطف مراعاة لتغاير اللفظ والعجز بسكون الجيم، قال النووي: هو
عدم القدرة على الخير.
(٢٤٨٢) البُخَارِي (٦٣٦٩)، وَالتِّرْ مِذِي (٣٤٨٤) فِي الدَّعَوَاتِ، وَأَبُو دَاوُد (١٥٤١) فِي الصَّلَاةِ،
وَالشَّسَائِي (٢٥٧/٨) فِي الاسْتِعَاذَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً.
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الاسْتِعَاذَة
١٨١
وقيل: هو ترك ما يجب فعله والتسويف به، وأما الكسل وهو بفتحتين: فهو
عدم انبعاث النفس للخير وقلة الرغبة فيه مع إمكانه، وقيل: (الْعَجْزِ) سلب القوة
وتخلف التوفيق إذ صفة العبد العجز، وإنما يقوى بقوة يحدثها الله فيه فكأنه استعاذ
به أن يكله إلى أوصافه فإن كل من رد إليها فقد خذل والكسل التثاقل والتراخي مما
ينبغي مع القدرة والاستطاعة والقوة، فالعاجز معذور والكسلان لا، ومع ذلك هو
حالة ردية ولو مع عذر، فلذا تعوذ منه والجبن ضد الشجاعة التي فيها فضيلة قوة
الغضب وانقيادها للعقل، وقيل: هو الخور عن تعاطي الحرب خوفًا على المهجة،
وإمساك النفس والضن بها عن إتيان واجب الحق والبخل ضد الكرم، وفي كلام
العرب: منع الإحسان أو منع السائل المحتاج عما يفضل عن الحاجة، وفي
الشرع: منع ما وجب، قيل: (الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ)، قد يكونان غريزة، وقد يعرض كل
منها لمن ليس هو غريزة له، وذلك بحسب قوة الدواعي والموانع، ومن قوي
إيمانه لم يكد يظهر منه أثر بخل أو جبن في سبيل الله، وإن كان سجية له اللَّهُمَّ إلا
أن يغفل عن استحضار مقتضى إيمانه، فإنه حينئذٍ يظهر منه أثرهما فالاستعاذة من
الجبن والبخل؛ لئلا يظهر من أثرهما ما قد يخل بطاعة الله رقم ولا يكون ذلك إلا
بقوة الإيمان واليقين لا بتبديل الغريزة، إلا أن فيه خرقًا للعادة، والمقصود لا
يتوقف عليه، كذا في ((شرح الأدب المفرد)).
قال النووي: إنما استعاذ النبي وَلّ من الجبن والبخل لما فيهما من التقصير عن
أداء الواجبات والقيام بحقوق الله تعالى وإزالة المنكر، والإغلاظ على العصاة؛
ولأنه بشجاعة النفس وقوتها المعتدلة تتم العبادات، ويقوم بنصر المظلوم والجهاد
وبالسلامة من البخل يقوم بحقوق المال وينبعث للإنفاق والجود ولمكارم
الأخلاق، ويمتنع من طمع النفس فيما ليس له.
(وَضَلَعِ الدَّيْنِ) بفتح المعجمة واللام، قال الحافظ: أصل الضلع: الاعوجاج،
يقال: ضلَع بفتح اللام يضلع، أي: مال، والمراد به هنا: ثقل الدين وشدته وذلك
حيث لا يجد من عليه الدين وفاء ولا سيما مع المطالبة. وقال بعض السلف: ما
دخل هم الدين قلبًا إلا أذهب من العقل ما لا يعود إليه. (وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ)، أي : شدة
تسلطهم كاستيلاء العوام والرعاع سفلة الناس هرجًا ومرجًّا.
١٨٢
* *
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال ابن القيم: كل اثنتين منها قرينتان، فالهم والحزن قرينتان؛ إذ المكروه
الوارد على القلب إن كان من مستقبل يتوقعه أحدث الهم أو من ماض أحدث
الحزن، والعجز والكسل قرينتان فإن تخلف العبد عن أسباب الخير إن كان لعدم
قدرته فالعجز، أو لعدم إرادته فالكسل، والجبن والبخل قرينتان، فإن عدم النفع إن
كان ببدنه فالجبن أو بماله فالبخل، وضلع الدين وقهر الرجال قرينتان، فإن استيلاء
الغير عليه إن كان بحق فضلع الدين أو بباطل فقهر الرجال. قال الكرماني: هذا
الدعاء من جوامع الكلم؛ لأن أنواع الرذائل ثلاثة: نفسانية، وبدنية، وخارجية.
فالأولى: بحسب القوى التي للإنسان وهي ثلاثة: العقلية، والغضبية،
والشهوانية. فالهم والحزن يتعلق بالعقلية، والجبن بالغضبية، والبخل
بالشهوانية. والعجز والكسل بالبدنية. والثاني: يكون عند سلامة الأعضاء
وتمام الآلات والقوى، والأول: عند نقصان عضو ونحوه، والضلع والغلبة
بالخارجية فالأول مالي، والثاني جاهي. والدعاء مشتمل على جميع ذلك. (مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الدعوات هكذا مختصرًا، وفي جملة حديث طويل أيضًا
من رواية عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب عن أنس،
وأخرجه مسلم في الدعاء مختصرًا باختلاف يسير من طريق آخر، وكذا البخاري
في الجهاد، وأخرجه أيضًا أحمد، والترمذي في الدعوات، وأبو داود في أواخر
الصلاة، والنسائي في الاستعاذة والبغوي (ج٥: ص١٥٥).
كِتّابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الاسْتِعَادَة
١٨٣
٢٤٨٣ - [٣] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌ِ يهِ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي
أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ وَالْهَرَمِ، وَالْمَغْرَمِ وَالْمَأْثُم، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ
عَذَابِ النَّارِ وَفِتْنَةِ النَّارِ، وَفِتْنَةِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى، وَمِنْ
شَرِّ فِتْنَةِ الْفَقْرِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ،َ اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِمَاءٍ
الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّ قَلْبِي كَمَا يُنَقَّيِ الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، وَبَاعِدْ بَيْنِي
وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبٍ)».
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٤٨٣ - قوله: (وَالْهَرَم) بفتحتين، والمراد به: الردُّ إلى أرذل العمر، كما
جاء في رواية: وهو صيرورة الرجل خرفًا من كبر السن، وسبب الاستعاذة من ذلك
ما فيه من الخرف، واختلال العقل والحواس والضبط والفهم، وتشويه بعض
المنظر، والعجز عن كثير من الطاعات والتساهل في بعضها. قال الشوكاني: الهرم
هو البلوغ في العمر إلى سن تضعف فيه الحواس والقوى، ويضطرب فيه الفهم
والعقل وهو أرذل العمر، وأمَّا مجرد طول العمر مع سلامة الحواس وصحة
الإدراك، فذلك مما ينبغي الدعاء به؛ لأن بقاء المؤمن متمتعًا بحواسه قائمًا بما
يجب عليه متجنبًا لما لا يحل فيه حصول الثواب وزيادة الخير.
(وَالْمَغْرَم) مصدر وضع موضع الاسم، وقد تقدم تفسيره في باب الدعاء في
التشهد. قالَ النووي: أمَّا استعاذته بَّهَ من المغرم وهو الدَّيْنُ فقد فسره وَّل أن
الرجل إذا غرم حدث فكذب، ووعد فأخلف؛ ولأنه قد يمطل المدين صاحب
الدين؛ ولأنه قد يشتغل به قلبه، وربما مات قبل وفائه فبقيت ذمته مرتهنة به.
(وَالْمَأْثُم) مصدر وضع موضع الاسم وقد قدم بيانه وتفسيره أيضًا.
(اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ النَّارِ)، أي: بعد فتنتها. قال القاري: أي: من أن
أكون من أهل النار، وهم الكفار؛ فإنهم هم المعذبون. وأمَّا الموحدون فإنهم
(٢٤٨٣) الْبُخَارِي (٦٢٧٥)، ومُسْلِم (٥٨٩/٤٩) عَنْ عَائِشَةَ ﴿يَا؛ يَزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، والترمذيُّ
(٣٤٩٥) فِي الدَّعَوَاتِ، وأَبُو دَاوُد (١٥٤٣) فِي الصَّلَاةِ، والنَّسَائِي (٢٦٢/٨) فِي الاسْتِعَاذَةِ.
١٨٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
مؤدبون ومهذبون بالنار لا معذبون بها. (وَفِتْنَةِ الثَّارِ)، أي: فتنة تؤدي إلى عذاب
النار؛ لئلا يتكرر. ويحتمل أن يراد بفتنة النار سؤال الخزنة على سبيل التوبيخ،
وإليه الإِشارة بقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْفِىَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَنَُهَا أَلَمْ يَأْتِّكُمْ نَذِيرٌ ﴾ [الملك: ٨]،
وأصل الفتنة الامتحان والاختبار واستعملت في الشرع في اختبار كشف ما يكره،
ويقال: فتنت الذهب إذا اختبرته بالنار لتنظر جودته، وفي الغفلة عن المطلوب،
كقوله: ﴿ إِنَّمَآ أَمَوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] وتستعمل في الإكراه على الرجوع
من الدين كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَنُواْ الْمُؤْمِنِينَ وَاُلْمِنَتِ﴾ [البروج: ١٠].
قال الحافظ: واستعملت أيضًا في الضلال والإثم والكفر والعذاب والفضيحة،
ويعرف المراد حيث ما ورد بالسياق والقرائن. (وَفِتْنَةِ الْقَبْرِ)، أي: التحير في
جواب الملكين. قال الشوكاني: هي ما ورد أن الشيطان يوسوس للميت في قبره،
ويحاول إغوائه وخذلانه عند سؤال الملكين له. (وَعَذَابِ الْقَبْرِ) هو ما يترتب بعد
فتنته على المجرمين، فالأول كالمقدمة للثاني وعلامة عليه. (وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى)
هي البطر والأشر والطغيان وتحصيل المال من الحرام، وصرفه في العصيان
والتفاخر بالمال والجاه والشح بما يجب إخراجه من واجبات المال ومندوباته.
(وَشَرِّ فِتْنَةِ الْفَقْرِ) كالتسخط وقلة الصبر والوقوع في الحرام، أو شبهته للحاجة.
وقال القاري: هي الحسد على الأغنياء، والطمع في أموالهم، والتذلل بما
يدنس العرض ويثلم الدين، وعدم الرضاء بما قسم الله له وغير ذلك مما لا تحمد
عاقبته. وقيل: الفتنة هنا الامتحان والبلاء، أي: ومن بلاء الغنى وبلاء الفقر، أي:
ومن الغنى والفقر الذي يكون بلاء ومشقة من أن يحصل مِنَّا شر إذا امتحن الله إيانا
بالغنا وبالفقر، بأن لا نؤدي حقوق الأموال ونتكبر بسبب الغنا، وبأن لا نصبر على
الفقر. وقال الطيبي: إن فسرت الفتنة بالمحنة والمصيبة فشرها أن لا يصبر الرجل
على لَأوَائِهَا ويجزع منها، وإن فسرت بالامتحان والاختبار فشرها أن لا يحمد في
السراء ولا يصبر في الضراء.
قال بعض المحققين: قيد فيهما بالشر؛ لأن كلَّ منهما فيه خير باعتبار وشر
باعتبار، فالتقييد بالاستعاذة منه بالشر يخرج ما فيه من الخير سواء قل أو كثر. قلت:
جاء في هذه الرواية لفظ الشر في الفقرتين، وذكر في رواية للبخاري في الفقرة
١٨٥
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الاسْتِعَادَة
الأولى دون الثانية. قال الكرماني في ((الكواكب)): فإن قلت: لم زاد لفظ الشر في
الغنى ولم يذكره في الفقر ونحوه، وأجاب: بأنه تصريح بما فيه من الشر، وأن
مضرته أكثر من مضرة غيره، أو تغليظًا على الأغنياء حتى لا يغتروا بغناهم ولا
يغفلوا عن مفاسده، أو إيماء إلى أن صورته لا يكون فيها خير بخلاف صورة الفقر،
فإنها قد تكون خيرًا، انتهى. وتعقبه الحافظ في ((الفتح)): بأن هذا كله غفلة عن
الواقع؛ فإن الذي ظهر لي أن لفظة شر في الأصل ثابتة في الموضعين، وإنما
اختصره بعض الرواة فسيأتي بعد قليل في باب الاستعاذة من أرذل العمر في هذه
الرواية من طريق آخر بلفظ: ((وَشَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى وَشَرِّ فِتْنَةِ الْفَقْرِ)) ويأتي بعد أبواب
أيضًا من طريق أخرى بإسقاط شر في الموضعين، والتقييد في الغنى والفقر بالشر لا
بد منه؛ لأن كلَّا منهما فيه خير باعتبار، فالتقييد بالاستعاذة منه بالشر يخرج ما فيه
من الخير، سواء قل أم كثر، انتهى.
وتعقبه العيني فقال: هذا غفلة منه حيث يدعي اختصار بعض الرواة بغير دليل
على ذلك، قال: وأمَّا قوله وسيأتي بعد بلفظ: ((شَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى وَشَرِّ فِتْنَةِ الْفَقْرِ)) فلا
يساعده فيما قاله؛ لأن للكرماني أن يقول: يحتمل أن يكون لفظ شر في فتنة الفقر
مدرجًا من بعض الرواة على أنه لم ينف مجيء لفظ شر في غير الغنى، ولا يلزمه
هذا؛ لأنه في بيان هذا الموضع الذي وقع هنا خاصة، انتهى. قال الحافظ في
((انتقاض الاعتراض)): حكاية هذا الكلام - أي: الذي قاله العيني - تغني العارف
عن التشاغل بالرد عليه، انتهى.
قال الغزالي: ((فِتْنَةِ الغِنَى)) الحرص على جمع المال والحب على أن يكسبه من
غير حله، ويمنعه من واجبات إنفاقه وحقوقه، و((فِتْنَةِ الفَقْرِ)) يراد به: الفقر الذي لا
يصحبه صبر ولا ورع حتى يتورط صاحبه بسببه فيما لا يليق بأهل الدين والمروءة،
ولا يبالي بسبب فاقته على أي حرام وثب، ولا في أي حالة تورط. وقيل: المراد:
فقر النفس الذي لا يرده مُلْك الدنيا بحذافيرها، وليس فيه ما يدل على تفضيل الفقر
على الغنى ولا عكسه. (وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ)، تقدم شرحه في باب الدعاء
في التشهد. (اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ)، أي: أَزْلها عني. (بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ) بفتحتين
حب الغمام، أي: بأنواع الألطاف والرحمة، كأن كل نوع من الماء بمنزلة نوع من
الرحمة والتطهير، وحكمة العدول عن الماء الحار إلى الثلج والبرد - مع أن الحار
١٨٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
في العادة أبلغ في إزالة الوسخ - الإشارة إلى أن الثلج والبرد ماءان طاهران لم
تمسهما الأيدي ولم يمتهنهما الاستعمال، فكان ذكرهما آكد في هذا المقام، أشار
إلى هذا الخطابي. وقد سبق كلامه في شرح حديث أبي هريرة في أول باب ما يقرأ
بعد التكبير .
وقال الكرماني: وله توجيه آخر وهو أنه جعل الخطايا بمنزلة النار؛ لكونها تؤدي
إليها، فعبر عن إطفاء حرارتها بالغسل؛ تأكدًا في إطفائها، وبالغ فيه باستعمال
المياه الباردة غاية البرودة. (وَنَقِّ) بفتح النون وتشديد القاف من التنقية. (قَلْبِي)
الذي هو بمنزلة ملك الأعضاء واستقامتها باستقامته. وقوله: ((نَقِّ قَلْبِي)» هكذا في
جميع نسخ ((المشكاة) و((المصابيح))، و((شرح السنة))، والذي في ((الصحيحين)):
(وَنَقِّ قَلْبِي مِنَ الْخَطَايَا)) والعجب أنه لم يتنبه لذلك المؤلف، والمراد: الخطايا
الباطنية وهي الأخلاق الذميمة والشمائل الردية.
(كَمَا يُنَقَّي) بصيغة المجهول الغائب، وفي رواية: (نَقَّيْتَ)) بصيغة المعلوم
المخاطب. (الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ) بفتحتين، أي: الدرن والوسخ، وفيه:
إيماء إلى أن القلب بمقتضى أصل الفطرة سليم ونظيف وأبيض، وإنما يتسود
بارتكاب الذنوب والتخلق بالعيوب. (وَبَاعِدْ)، أي: بَعِّدْ، وعبر بالمفاعلة
للمبالغة. (بَيْنِ وَبَيْنَ خَطَايَايَ) كرر بين، هنا دون ما بعده؛ لأن العطف على
الضمير المجرور يعاد فيه الخافض. (كَمَا بَاعَدْتَ) ((ما)) مصدرية والكاف للتشبيه،
أي: كتبعيدك. (بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبٍ) تقدم بيان موقع التشبيه، والمراد من
المباعدة في شرح حديث أبي هريرة في باب ما يقرأ بعد التكبير، واستعاذته بَ ل من
الأشياء المذكورة في هذا الحديث وغيره لتكمل صفاته في كل أحواله، أو تعليمًا
لأمته، أو المراد: إظهار الافتقار والعبودية نظرًا إلى استغنائه وكبريائه تعالى.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجاه في الدعوات وأخرجه أيضًا الترمذي، وابن ماجه في
الدعاء، والنسائي في الاستعاذة، والبغوي (ج٥: ص١٥٧، ١٥٨) غير أنه قدم
بعضهم وأخر بعض الألفاظ، وأخرجه أبو داود مختصرًا في أواخر الصلاة،
والحاكم مطولًا (ج١: ص٥٤١).
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الاسْتِعَادَة
eB
١٨٧
٢٤٨٤ - [٤] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ يَقُولُ:
((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَالْهَرَم وَعَذَابٍ
الْقَبْرِ، اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَّكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا
وَمَوْلَّاهَا، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مَنْ عِلْم لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ
نَفْسِ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابَُّ لَهَا)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشرح
٢٤٨٤ - قوله: (وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ)، قيل: من خاف فأحجم عن أن يطلب
الأمور العظيمة المرضية في الشرع، مثل: أن يجتهد في تحصيل العلم حتى يبلغه
الله تعالى درجة الإرشاد والفتوى، فهو جبان إلا أن يكون له عذر من قلة الفهم،
وسوء الحفظ واشتغاله بتحصيل القوت وغير ذلك، ومن منع العلم إذا طلب الناس
منه ما يحتاجون إليه في دينهم فهو بخيل. (وَعَذَابِ الْقَبْرِ) من الضيق والظلمة
والوحشة وضرب المقمعة، ولدغ العقرب والحية وأمثالهما، أو مما يوجب عذابه
من النميمة وعدم التطهير ونحوهما.
(اللَّهُمَّ آتِ) أمر من الإيتاء، أي: أعط. (نَفْسِي تَقْوَاهَا)، أي: صيانتها عن
المحظورات، وقيل: أي: ارزقها الاحتراز عما يضرها ويهلكها في الآخرة. قال
الطيبي: ينبغي أن تفسر التقوى بما يقابل الفجور في قوله تعالى: ﴿فَأَهَمَهَا لُجُورَهَا
وَتَقْوَنُهَا
[الشمس: ٨] وهي الاحتراز عن متابعة الهوى وارتكاب الفجور
والفواحش؛ لأن الحديث كالتفسير والبيان للآية، فدل قوله: ((آتٍ)) على أن الإلهام
في الآية هو خلق الداعية الباعث على الاجتناب عن المذكورات وقوله: (وَزَكِّهَا)،
أي: وطهرها من الذنوب ونقها من العيوب، واجعلها زاكية كاملة في الإيمان.
(أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا) دل على أن إسناد التزكية إلى من في الآية هو نسبة الكسب
إلى العبد لا خلق الفعل له كما زعمت المعتزلة؛ لأن الخيرية تقتضي المشاركة بين
(٢٤٨٤) مُسْلِم (٢٧١٦/٧٣)، وَالتِّرْ مِذِي (٣٥٧٢) فِي الدَّعَوَاتِ، وَالنَّسَائِي (٢٦٠/٨) فِي الاسْتِعَاذَةِ
عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ.
١٨٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
كسب العبد وخلق القدرة فيه يعني قوله: ((مَنْ زَكَّاهَا)) إيماء إلى قوله تعالى: ﴿قَدْ
أَفَحَ مَنْ زَّكْنِهَا ﴾﴾ [الشمس: ٩] وإشارة إلى أن ضمير الفاعل في زكاها راجع إلى ((من))؛
ليستقيم ((أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا))، وأما إذا كان راجعًا إلى اللَّه تعالى فيتعين، فإنه
المزكي لا غير على ما هو في الحقيقة كذلك، وأن الإسناد إلى غيره مجازي. وقال
النووي: معنى ((زَكِّهَا)) طهرها، ولفظة ((خير)) ليست للتفضيل بل معناه: لا مزكي
لها إلا أنت كما قال: (أَنْتَ وَلِيُّهَا)، أي: المتصرف فيها ومصلحها ومزينها،
وقيل: ناصرها، وهذا راجع إلى قوله: (آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا)، كأنه يقول: انصرها
على فعل ما يكون سببًا لرضاك عنها؛ لأنك ناصرها. (وَمَوْلَاهَا)، أي: ناصرها
وعاصمها. وقيل: عطف تفسيري، وقيل: هذا راجع إلى قوله: ((زَكَّهَا))، يعني:
طهرها بتأديبك إياها كما يؤدب المولى عبده.
وقال الطيبي: ((أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا))، استئناف على بيان الموجب وأن إيتاء
التقوى وتحصيل التزكية فيها إنما كان؛ لأنه هو متولي أمورها ومالكها، فالتزكية
إن حملت على تطهير النفس عن الأفعال والأقوال والأخلاق الذميمة كانت بالنسبة
إلى التقوى مظاهر ما كان مكمنًا في الباطن وإن حملت على الإنماء والإعلاء
بالتقوى كانت تحلية بعد التخلية؛ لأن المتقي شرعًا من اجتنب النواهي وأتى
بالأوامر.
(اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْم لَا يَنْفَعُ)، يعني: من علم لا أعمل به ولا أعلمه
الناس ولا يصل بركته إلى قلبي،ً ولا يبدل أفعالي وأقوالي وأخلاقي المذمومة إلى
المرضية ولا يهذبها، ويحتمل أن يكون مراده من علم ليس مما يحتاج إليه في
الدين، وليس في تعلمه إذن في الشرع. (وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ)، أي: لا يخاف الله،
أو لا يخشع لذكر الله ولا لاستماع كلامه، وهو القلب القاسي الذي هو أبعد
القلوب من حضرة علام الغيوب. وقال القاري: أي: لا يسكن ولا يطمئن بذكر
الله. (وَمِنْ نَفْسِ لَا تَشَبْعُ) بفتح الموحدة، أي: بما آتاها اللّه ولا تقنع بما رزقها
الله، ولا تفتر عن جمع المال لما فيها من شدة الحرص، أو الأشر والبطر، أو من
نفس تأكل كثيرًا؛ لأن كثرة الأكل جالبة لكثرة الأبخرة الموجبة للنوم والكسل
وكثرة الوساوس والخطرات النفسانية المؤدية إلى مضار الدنيا والآخرة.
كِتّابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الاسْتِعَادَة
١٨٩
قال ابن الملك: أي: حريصة على جمع المال وتحصيل المناصب، وقيل على
حقيقته؛ فهو إما لشدة حرصه على الدنيا لا يقدر أن يأكل قدر ما يشبع جوعته، وإمَّا
لاستيلاء الجوع البقري عليه وهو جوع الأعضاء مع شبع المعدة عكس الشهوة
الكلبية. (وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا) لكونها معصية، أو ما لا يرضاه الحق، أو
المراد: التعوذ من عدم استجابة الدعاء مطلقًا. قال الطيبي: الضمير في ((لَهَا)) عاد
إلى الدعوة، واللام زائدة.
قال الشوكاني: استعاذ ◌َ ل﴿ من علم لا ينفع؛ لأنه يكون وبالاً على صاحبه وحجة
عليه، واستعاذ أيضًا من القلب الذي لا يخشع؛ لأنه يكون حينئذٍ قاسيًا لا تؤثر فيه
موعظة ولا نصيحة ولا يرغب في ترغيب، ولا يرهب من ترهيب. واستعاذ من
النفس التي لا تشبع؛ لأنها تكون متكالبة على الحطام، متجرئة على المال الحرام
غير قانعة بما يكفيها من الرزق، فلا تزال في تعب الدنيا وعقوبة في الآخرة،
واستعاذ من الدعوة التي لا يستجاب لها؛ لأن الرب سبحانه هو المعطي المانع
الباسط القابض الضار النافع، فإذا توجه العبد إليه في دعائه ولم يستجب دعوته فقد
خاب الداعي وخسر؛ لأنه طرد من الباب الذي لا يُستجلب الخير إلا منه ولا
يستدفع الضر إلا به، اللَّهُمَّ إنا نعوذ بك مما استعاذ بك رسول اللَّه وَلَه. (رَوَاهُ
مُسْلِمٌ) في الدعوات، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٤: ص٣٧١)، والبغوي (ج٥ :
ص١٥٨، ١٥٩)، وأخرجه الترمذي في الدعوات، والنسائي في الاستعاذة
مختصرًا، ونسبه الشوكاني في ((تحفة الذاكرين)) لعبد بن حميد أيضًا.
٢٤٨٥ - [٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ مِنْ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ
وَهِ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفُجَاءَةٍ
نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِلَكَ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشرح
٢٤٨٥ - قوله: (وَعَنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بلا واو. (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ
نِعْمَتِك)، أي: ذهاب نعمك الدينية والدنيوية النافعة في الأمور الأخروية من غير
(٢٤٨٥) مُسْلِم (٩٦/ ٢٧٣٩) فِي الدَّعَوَاتِ، وَأَبُو دَاوُد (١٥٤٥) فِي الصَّلَاةِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ .
١٩٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بدل، قال في ((فيض القدير)): مفرد في معنى الجمع يعم النعم الظاهرة والباطنة،
والنعمة كل ملائم تحمد عاقبته، ومن ثم قالوا: لا نعمة لله على كافر بل ملاذه
استدراج، والاستعاذة من زوال النعم تتضمن الحفظ عن الوقوع في المعاصي؛
لأنها تزيلها؛ ألا ترى إلى قوله:
فَإِنَّ الْعَاصِيَ تُزِيلُ النِّعَمَ
إِذَا كُنْتَ فِي نِعْمَةٍ فَأَزْعَهَا
وقال الشوكاني: استعاذ رسول اللَّه وَلَه من زوال نعمته؛ لأن ذلك لا يكون إلا
عند عدم شكرها، وعدم مراعاة ما تستحقه النعم وتقتضيه من تأدية ما يجب على
صاحبها من الشكر والمواساة، وإخراج ما يجب إخراجه. (وَتَحَوُّلِ عَافِیَتِك) بضم
الواو المشددة، أي: تبدلها بالبلاء. قال القاري: أي: انتقالها من السمع والبصر
وسائر الأعضاء. فإن قلت: ما الفرق بين الزوال والتحول؟ قلت: الزوال يقال في
شيء كان ثابتًا لشيء ثم فارقه، والتحول تغير الشيء وانفصاله عن غيره. أي: إبدال
الشيء بالشيء، فمعنى النعمة ذهابها من غير بدل وتحول العافية إبدال الصحة
بالمرض والغنى بالفقر، فكأنه سأل دوام العافية وهي السلامة من الآلام والأسقام.
وقال الطيبي: أي: تبدل ما رزقتني من العافية إلى البلاء والداهية، والحديث رواه
أبو داود أيضًا، إلا أن في بعض نسخ ((السنن)): ((وَتَحْوِيلِ عَافِيَتِكَ)) من باب التفعيل
فيكون من باب إضافة المصدر إلى مفعوله، واستعاذ من ذلك؛ لأن من اختصه الله
سبحانه بعافيته فاز بخير الدارين، فإن تحولت عنه فقد أصيب بشر الدارين، فإن
العافية يكون بها صلاح من أمور الدنيا والآخرة. (وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ) بضم الفاء وفتح
الجيم ممدودة بمعنى البغتة مشتقة من فاجأه مفاجأة إذا جاءه بغتة من غير أن يعلم
بذلك، ويروى فجأة بفتح الفاء وإسكان الجيم من غير مد، والنقمة بكسر النون
وسكون القاف، وفي رواية بفتح فكسر ككلمة العقوبة.
وقال القاري: هي المكافأة بالعقوبة والانتقام بالغضب والعذاب، وخص فجاءة
النقمة بالذكر؛ لأنها أشد من أن تصيب تدريجًا، كما ذكره المظهر، واستعاذ ◌َ اخاله
من ذلك من حيث لا يكون له علم به، ولا تكون له فرصة ومهلة للتوبة؛ لأنه إذا
انتقم الله من العبد فقد أحل به من البلاء ما لا يقدر على دفعه، ولا يستدفع بسائر
المخلوقين وإن اجتمعوا جميعًا كما ورد في الحديث الصحيح القدسي: ((أَنَّ الْعِبَادَ
لَوِ اجْتَمَعُوا جَمِيعًا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوا أَحَدًّا لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى نَفْعِهِ، أَوِ اجْتَمَعُوا جِمِيعًا عَلَى
أَنَّ يَضُرُّوا أَحَدًّا لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى ضَرِّهِ)).
كِتّابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الاسْتِعَادَة
١٩١
(وَجَمِيعِ سَخَطِكَ) بالتحريك، أي: ما يؤدي إليه، يعني: سائر الأسباب
الموجبة لذلك، وإذا انتفت أسبابها حصلت أضدادها وهو إجمال بعد تفصيل
وتعميم بعد تخصيص، أو المراد: جميع آثار غضبك، واستعاد وَّل من جميع
سخطه؛ لأنه سبحانه إذا سخط على العبد فقد هلك وخاب وخسر، ولو كان
السخط في أدنى شيء وبأيسر سبب.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الدعاء، وكذا البخاري في ((الأدب المفرد)) (ج٢: ص١٢٦)،
وأبو داود في أواخر الصلاة، والحاكم (ج١: ص٥١٣) ونسبه في ((الحصن))
للنسائي أيضًا ولعله في ((الكبرى)).
٢٤٨٦ - [٦] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ وَلَ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ
إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلْتُ، وَمِنْ شَرِّ مَا لَمْ أَعْمَلْ)) [رَوَاهُ مُسْلِمْ] (صحيح)
الشرح
٢٤٨٦ - قوله: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِك)، قال الطيبي: استعاذ مما عصم منه
ليلتزم خوف اللّه تعالى وإعظامه والافتقار إليه وليقتدى به وليبين صفة الدعاء، وقال
الشوكاني: هذا تعليم منه وَّ لأمته ليقتدوا به، وإلا فجميع أعماله سابقها ولاحقها
كلها خير لا شر فيها. (مِنْ شَرِّ مَا عَمِلْتُ) بتقديم الميم على اللام فيه وفيما يأتي،
أي: فعلت. قال الطيبي: أي: من شر عمل يحتاج فيه إلى العفو والغفران، يعني:
المراد من استعاذته: من شر ما عمل طلب العفو والغفران منه عما عمل.
(وَمِنْ شَرِّ مَا لَمْ أَعْمَلْ) استعاذ من شر أن يعمل في مستقبل الزمان ما لا يرضاه الله
بأن يحفظه منه، فإنه لا يأمن من مكر الله إلا القوم الخاسرون، أو من شر أن يصير
معجبًا بنفسه في ترك القبائح، فإنه يجب أن يرى ذلك من فضل ربه، أو المراد: شر
عمل غيره قال تعالى: ﴿وَأَثَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]،
ويحتمل أنه استعاذ من أن يكون ممن يجب أن يحمد بما لم يفعل، انتهى.
(٢٤٨٦) مُسْلِم (٢٧١٦/٦٥)، وَأَبُو دَاوُد (١٥٥٠)، وَالنَّسَائِي (٥٦/٣)، وَابن مَاجَهْ (٣٨٣٩)، كُلُّهُمْ
فِي الصَّلَاةِ عَنْ عَائِشَةً .
١٩٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقيل: المراد ما ينسب إليه افتراء ولم يعمله. وقال السندي: قوله: ((مِنْ شَرِّ مَا
عَمِلْتُ ... )) إلخ. أي: من شر ما فعلت من السيئات وما تركت من الحسنات، أو
من شر كل شيء مما تعلق به كسبي أو لا والله تعالى أعلم، انتهى.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الدعاء، وأخرجه أيضًا أبو داود في أواخر الصلاة، والنسائي
في الاستعاذة، وابن ماجه في الدعاء.
٢٤٨٧ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَّهَ كَانَ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ
لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تُوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ،
اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَنْ تُضِلَّنِي، أَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لَا
يَمُوتُ، وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ يَمُوتُونَ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٤٨٧ - قوله: (اللَّهُمَّ لَكَ)، أي: لا لغيرك. (أَسْلَمْتُ)، أي: انْقَدْتُ.
(وَبَِكَ آمَنْتُ)، أي: صدَّقْتُ، يعني: انقدت لأمرك ونهيك وصدقت بك، وبما
أنزلت وأرسلت. (وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ)، أي: إليك فوضت أموري كلها، أو عليك لا
على غيرك اعتمدت في تفويض أموري. (وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ)، أي: رجعت مقبلًا بقلبي
عليك، أو أقبلت بهمتي وطاعتي عليك، وأعرضت عما سواك. (وَبِكَ)، أي:
بقوتك ونصرك وإعانتك إياي.
(خَاصَمْتُ) أي: حاربت أعداءك وقاتلتهم، أو بما آتيتني من البراهين والحجج
خاصمت من خاصمني من الكفار. (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ)، أي: بغلبتك، فإن
العزة لله جميعًا. وقيل: أي: بقوة سلطانك. (أَنْ تُضِلَّنِي) بضم التاء من الإضلال،
وهو متعلق بـ(أَعُوذُ))، أي: من أن تضلني وكلمة التوحيد معترضة لتأكيد العزة،
يعني: أن تهلكني بعدم التوفيق للرشاد والهداية والسداد. قال في ((الصحاح)): ضَلَّ
الشيء يضل ضلالاً، ضاع وهلك، والضلال والضلالة ضد الرشاد، وأضله
(٢٤٨٧) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ البُخَارِي (٧٣٨٥) فِي التَّوْحِيدِ، مُسْلِم (٢٧١٧/٦٧) فِي
الدَّعَوَاتِ، والنَّسَائِي في ((الكُبرى)) (٧٦٨٤) فِي النُّعُوتِ.
١٩٣
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الاسْتِعَادَة
وأهلكه. وقال القاري: أي: أعوذ بك من أن تضلني بعد إذ هديتني ووفقتني لانقياد
الظاهر والباطن في حكمك وقضائك، وللإنابة إلى جنابك، والمخاصمة مع
أعدائك والالتجاء في كل حال إلى عزتك ونصرتك، وفيه إيماء إلى قوله تعالى:
﴿رَبَّنَا لَا تُخْ قُوَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨]. (أَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ) بلفظ الغيبة،
وعند أحمد: ((تَمُوتُ)) بالخطاب، أي: الحي الحياة الحقيقية التي لا يجامعها
الموت بحال، وهذا لفظ مسلم، وللبخاري: ((أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ
الَّذِي لَا يَمُوتُ))، واستغنى عن ذكر عائد الموصول في هذه الرواية في قوله:
((بِعِزَّتِكَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ))؛ لأن نفس المخاطب هو المرجوع إليه وبه يحصل
الارتباط و کذلك المتكلم نحو:
أَنَا الَّذِي سَمَّشِي أُمِّي حَيْدَرَةَ
لأن نسق الكلام سَمَّتْهُ أمه. (وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ يَمُوتُونَ) خُصَّا بالذكر؛ لأنهما
المكلفان المقصودان بالتبليغ، فكأنهما الأصل. قال الحافظ: استدل به على أن
الملائكة لا تموت. ولا حجة فيه؛ لأنه مفهوم لقب ولا اعتبار له، وعلى تقديره
فيعارضه ما هو أقوى منه وهو عموم قوله: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَةٌ﴾ [القصص: ٨٨]
مع أنه لا مانع من دخول الملائكة في مسمى الجن لجامع ما بينهم من الاستتار عن
عیون الإنس.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في التوحيد مختصرًا، ومسلم في الدعاء واللفظ
له، وأخرجه أيضًا أحمد (ج١: ص ٣٠٢)، والنسائي في النعوت من (سننه
الکبری)».
١٩٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثاني
٢٤٨٨ - [٨] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ وَ الِهِ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ
إِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْأَرْبَعِ: مَنْ عِلْم لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا
تَشْبَعُ، وَمِنْ دُعَاءٍ لَا يُسْمَعُ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ]
الشرح
٢٤٨٨ - قوله: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الأَرْبَع) اللام للعهد الذهني، بينه
بقوله: (مِنْ عِلْم)، أو هو إجمال تفصيله، قوله: (مِنْ عِلْم لَا يَنْفَعُ) لا لي ولا لغيري
لا في الدنيا بالعمل به، ولا في الآخرة بالثواب عليه، وَهُو علم لا يكون لله تعالى
ولم يقترن به التقوى. (وَمِنْ قَلْبِ لَا يَخْشَعُ) عند ذكر اللَّه تعالى. (وَمِنْ نَفْسِ لَا
تَشْبَعُ)، أي: حريصة على الدنيا لا تشبع منها، أو من كثرة الأكل، وأما الحرص
على العلم والخير فمحمود ومطلوب، قال تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤].
(وَمِنْ دُعَاءٍ لَا يُسْمَعُ) بصيغة المجهول، أي: لا يستجاب. يقال: اسْمع دعائي،
أي: أجب؛ لأن الغرض من السماع هو الإجابة والقبول.
قال البغوي: (مِنْ دُعَاءٍ لَا يُسْمَعُ))، يعني: لا يجاب، ومنه قول المصلي: سمع
الله لمن حمده. استجاب الله دعاء من حمده. قال الطيبي: اعلم أن في كل من
القرائن الأربع ما يشعر بأن وجوده مبني على غايته، وأن الغرض منه تلك الغاية،
وذلك أن تحصيل العلوم إنما هو للانتفاع بها، فإذا لم ينتفع به لم يخلص منه كفافًا
بل يكون وبالا ولذلك استعاذ، وأن القلب إنما خلق؛ لأن يتخشع لبارئه، وينشرح
لذلك الصدر ويقذف النور فيه، فإذا لم يكن كذلك كان قاسيًا، فيجب أن يستعاذ
منه قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْقَسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]. وأن النفس إنما يعتد بها
إذا تجافت عن دار الغرور، وأنابت إلى دار الخلود، وهي إذا كانت منهومة لا تشبع
(٢٤٨٨) أَبُو دَاوُد (١٥٤٨) فِي الصَّلَاةِ، وَالنَّسَائِي (٢٦٣/٨) فِي الاسْتِعَاذَةِ، وَابن مَاجَهْ (٢٥٠) فِي
الدَّعَوَاتِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً.
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الاسْتِعَادَة
١٩٥
حريصة على الدنيا كانت أعدى عدو المرء فأولى الشيء الذي يستعاذ منه هي -
أي: النفس - وعدم استجابة الدعاء دليل على أن الداعي لم ينتفع بعلمه وعمله ولم
يخشع قلبه ولم تشبع نفسه، انتهى. وفي استعاذته وّل من هذه الأمور إظهار
للعبودية، وإعظام للرب تبارك وتعالى، وأن العبد ينبغي له ملازمة الخوف ودوام
الافتقار إلى جنابه تعالى.
وفيه: حث للأمة على ذلك وتعليم لهم، وإلا فهو ◌َّ﴾ معصوم من هذه الأمور.
وفيه: أن الممنوع من السجع ما يكون عن قصد إليه وتكلف في تحصيله، وأمَّا ما
اتفق حصوله بسبب قوة السليقة وفصاحة اللسان فبمعزل عن ذلك. (رَوَاهُ أَحْمَدُ)
(ج٢: ص ٣٤٠، ٣٦٥). (وَأَبُو دَاوُدَ) في الاستعاذة من أواخر الصلاة. (وَابْنُ
مَاجَهْ) في الدعاء وقد سكت عنه أبو داود، والمنذري، والحاكم، وصححه
الذهبي .
٢٤٨٩ - [٩] وَرَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، وَالنَّسَائِيُّ عَنْهُمَا.
الشرح
٢٤٨٩ - قوله: (وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في الدعوات. (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو)
بالواو ابن العاص، قال الترمذي: وهذا حديث حسن صحيح غريب من هذا
الوجه. ونقل المنذري كلام الترمذي هذا وأقره، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٢ :
ص١٦٧، ١٩٨)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (ج٥: ص٩٣)، والحاكم (ج١ :
ص٥٣٤)، وسكت عنه هو والذهبي.
(وَالنَّسَائِيُّ عَنْهُمَا) أي: عن أبي هريرة، وابن عمرو، وكذا أحمد، والحاكم كما
سبق، وفي الباب عن أنس عند أحمد، وابن حبان، والبغوي (ج٥: ص١٥٩) وعن
ابن عباس وجرير عند الطبراني، وابن مسعود عند الحاكم.
(٢٤٨٩) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِي (٣٤٨٢) بِنَحْوِهِ فِيهِ مِنْ حَدِيثٍ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، وَتَقَدَّمَ لِمُسْلِم عَنْ زَيْدِ بْنِ
أَرْقَمَ .
١٩٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٤٩٠ - [١٠] وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ وَالِهِ يَتَعَوَّذُ مِنْ خَمْسٍٍ:
مِنَ الْجُبْنِ، وَالْبُخْلِ، وَسُوءِ الْعُمُرٍ ، وَفِتْنَةِ الصَّدْرِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ.
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ]
الشرح
٢٤٩٠ - قوله: (كَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ يَتَعَوَّذُ مِنْ خَمْسٍ)، هذا لا ينافي الزيادة.
(وَسُوءِ الْعُمُرٍ) بضم الميم وسكونها، أي: أرذله وهو البلوغ إلى حد في الهرم يعود
معه كالطفل في سخف العقل، وقلة الفهم، وضعف القوة، وقال في اللمعات:
يحتمل أن يراد به سوء الكبر، وأن يكون سوء المعيشة وضيقها وفسادها، وقيل:
المراد به عمر غير مرضي لا يعمل فيه عمل صالح، يعني: مضيه فيما لا ينفعه في
العقبى بل يسوءه.
(وَفِتْنَةِ الصَّدْرِ) بفتح الصاد وسكون الدال المهملتين، قال الجزري: يعني: ما
يوسوس به الشيطان في قلبه كما في الحديث من وساوس الصدر، انتهى. وقيل:
هي قساوة القلب وحب الدنيا وأمثال ذلك، وقيل: موته وفساده، وقيل: هي ما
ينطوي عليه من غل وحسد وخلق سيئ وعقيدة باطلة، وقيل: هي ضيقه المانع من
قبول الحق وتحمل البلاء. وقال الطيبي: هي الضيق المشار إليه بقوله تعالى:
﴿وَمَنْ يُرِدُ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجً كَأَنَّمَا يَصَغَّدُ فِ السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٦]
فهي الإنابة إلى دار الغرور، والتجافي عن دار الخلود، وفسرها وكيع في رواية
أحمد: بأن يموت الرجل في فتنة لم يتب منها. والظاهر: العموم.
(وَعَذَابِ الْقَبْرِ)، أي: البرزخ. (رَوَاهُ أَبُو دَوُادَ وَالنَّسَائِيُّ) في الاستعاذة، إلا أن
النسائي لم يذكر. ((سُوءِ الْعُمُرٍ))، وأخرجه أيضًا أحمد (ج١: ص٢٢، ٥٤)، وابن
ماجه في الدعاء، وابن حبان كما في ((موارد الظمآن)) (ص ٦٠٥)، والحاكم (ج١ :
ص٥٣٠)، وقد سکت عنه أبو داود والمنذري (ج٢: ص١٥٨)، وصححه الحاكم
على شرط الشيخين وأقره الذهبي.
(٢٤٩٠) أَبُو دَاوُد (١٥٣٩) فِي الصَّلَاةِ، وَالنَّسَائِي (٢٥٥/٨) فِي الدُّعَاءِ عَنْ عُمَرَ رَهُ.
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الاسْتِعَادَة
١٩٧
٢٤٩١ - [١١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَلَ كَانَ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ
إِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفَقْرِ ، وَالْقِلَّةِ، وَالذِّلَّةِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أَظْلِمَ، أَوْ أُظْلَمَ))
[رَوَاهُ أَبُو دَاودَ وَالنَّسَائِيُّ ] {صحيح}
الشرح
٢٤٩١ - قوله: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفَقْرِ)، الفقر الاحتياج والطلب،
وأراد به ها هنا فقر القلب، وكل قلب يطلب شيئًا ويحتاج إلى شيء ويحرص على
شيء فهو فقير، وإن كان صاحبه كثير المال، يعني: من قلب حريص على جمع
المال، وهذا مثل قوله: ((وَنَفْسِ لَا تَشْبَعُ)) قاله المظهر. وقال التوربشتي: ((الْفَقْرِ))
المستعاذ منه إنما هو فقر النفس وجشعها الذي يفضي بصاحبه إلى كفران نعمة
الله، ونسيان ذكره ويدعوه إلى سد الخلة بما يتدنس به عرضه وينتلم به دينه، وقال
الطيبي: أصل الفقر: كسر فقار الظهر، والفقر يستعمل على أربعة أوجه:
الأول: وجود الحاجة الضروية وذلك عام للإنسان ما دام في الدنيا بل عام في
الموجودات كلها، وعليه قوله تعالى: ﴿يَأَيُهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر: ١٥].
الثاني: عدم المقتنيات وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ
أُحْصِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٣] و﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ﴾ [التوبة: ٦٠].
الثالث: فقر النفس وهو المقابل لقوله: (الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ) والمعني بقولهم:
من عَدَمَ القناعة لم يفده المال غنى.
الرابع: الفقر إلى اللَّه المشار إليه بقولهم: اللَّهُمَّ اغْنِي بالافتقار إليك ولا
تفقرني بالاستغناء عنك، وإياه عني تعالى بقوله: ﴿رَبِّ إِنِّ لِمَآ أَنَزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ
فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤]، أقول: والمستعاذ منه في الحديث هو القسم الثاني، يعني:
عدم المقتنيات وقلة المال، وإنما استعاذ منه عند عدم الصبر وهو فتنة وقلة الرضاء
(٢٤٩١) أَبُو دَاوُد (١٥٤٤)، وَالنَّسَائِي (٢٦١/٨)، وَابن مَاجَهْ (٣٨٤٢) فِي الْكُتُبِ الثَّلَاثَةِ المَذْكُورَةِ قَبْلُ
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً.
١٩٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
به، أو استعاذ من القسم الثالث، أي: من الفقر الذي هو فقر النفس وهو الشره
الذي يقابل غنى النفس الذي هو قناعتها لا قلة المال والفرق بين القول الأول
والرابع: أن الفقر الأول عام اضطراري، والرابع خاص اختياري أو شهود ذلك
الاضطرار، ودوام حضور ذلك الافتقار.
(وَالْقِلَّةِ) بكسر القاف، قال المظهر: أراد به قلة المال بحيث لا يكون له كفاف
من القوت، فيعجز عن وظائف العبادات من أجل الجزع وجوع العيال، وقيل:
المراد: قلة الصبر وقلة الأنصار، أو قلة العَدد، أو العُدد أو الكل. وقال
التوربشتي: المراد منها: القلة في أبواب البر وخصال الخير؛ لأنه عليه الصلاة
والسلام كان يؤثر الإقلال في الدنيا ويكره الاستكثار من الأعراض الفانية، وفي
صحيح ابن حبان: ((الْفَاقَةِ)) بدل: ((الْقِلَّةٍ))، وهي شدة الفقر والحاجة إلى الخلق.
(وَالذَّلَّةِ)، أي: من أن أكون ذليلًا في أعين الناس بحيث يستخفونه ويحقرون شأنه،
وقيل: المراد بها: الذلة الحاصلة من المعصية، أو التذلل للأغنياء على وجه
المسكنة، والمراد بهذه الأدعية: تعليم الأمة ولا ينافي هذا الحديث قوله: ((اللَّهُمَّ
أَحْيِنِي مِسْكِينًا ... )) إلخ. الآتي في فضل الفقراء؛ لأن المراد بالمسكنة: التواضع
وعدم التكبر لا الفقر.
قال المناوي: لم يسأل مسكنة ترجع للقلة بل إلى الإخبات والتواضع ذكره
البيهقي، وجرى على قضيته حجة الإسلام - أي: الغزالي - حيث قال: استعاذته
من الفقر لا تنافي طلب المسكنة؛ لأن الفقر مشترك بين معنيين؛ الأول: الافتقار
إلى الله والاعتراف بالذلة والمسكنة له، والثاني: فقر الاضطرار وهو فقد المال
المضطر إليه كجائع فقد الخبز، فهذا هو الذي استعاذ منه، والأول هو الذي سأله،
انتهى. وسئل الشيخ زكريا عن معنى هذا الحديث، فقال: معناه: طلب التواضع
والخضوع، وأن لا يكون من الجبابرة المتكبرين والأغنياء المترفين، انتهى،
ومنه: أخذ السبكي قوله: المراد استكانة القلب لا المسكنة التي هي نوع من
الفقر، فإنه أغنى الناس بالله. وقال القتيبي: المسكنة حرف مأخوذ من السكون،
يقال: تمسكن، أي: تخشع وتواضع.
وقال الحافظ في ((التلخيص)): إن الذي استعاذ منه وكرهه فقر القلب، والذي
اختاره وارتضاه طرح المال. وقال ابن عبد البر: الذي استعاذ منه هو الذي لا يدرك
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الاسْتِعَادَة
١٩٩
a
معه القوت والكفاف ولا يستقر معه في النفس غنى؛ لأن الغنى عنده وَّل غنى
النفس، وقد قال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى ﴾﴾ [الضحى: ٨] ولم يكن غناه أكثر من
ادخاره قوت سنة لنفسه وعياله، وكان الغنى محله في قلبه ثقة بربه، وكان يستعيذ
من فقر مُنْسٍ وغنّى مُطْغ، وفيه دليل على أن الفقر والغنى طرفين مذمومين، وبهذا
تجتمع الأخبار في هذا المعنى، انتهى.
(وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أَظْلِمَ) بالبناء للفاعل، أي: أحدًا من المسلمين والمعاهدين
ويدخل فيه ظلم نفسه بمعصية الله، والظلم وضع الشيء في غير محله وموضعه،
أو التعدي في حق غيره. (أَوْ أَظْلَمَ) بالبناء للمفعول، أي: يظلمني ويتعدى عَلَيَّ أحد
وأو للتنويع، وقيل: بمعنى الواو. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) في الاستعاذة وهو عند
أبي داود، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (ج٢: ص١٣١) من رواية سعيد بن يسار
عن أبي هريرة، وأخرجه ابن ماجه من طريق جعفر بن عياض عن أبي هريرة وجعله
حديثًا قوليًّا بلفظ: (تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنَ الْفَقْرِ وَالْقِلَّةِ ... )) إلخ. وأخرجه أحمد (ج٢ :
ص٢٠٥)، والنسائي، وابن حبان، والحاكم (ج١: ص٥٣١ - ٥٤١) من كلا
الوجهين، وقد سكت عنه أبو داود ولم يعترضه المنذري، وصححه الحاكم وأقره
الذهبي .
٢٤٩٢ - [١٢] وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَ كَانَ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ
بِكَ مِنَ الشِّقَاقِ، وَالنِّفَاقِ، وَسُوءِ الْأَخْلَاقِ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاودَ وَالنَّسَائِيُّ ]
الشرح
٢٤٩٢ - قوله: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشِّقَاقِ) بكسر الشين ككتاب التنازع
والخلاف والخصومة أو التعادي؛ لأن كلًّا من المتعاديين يكون في شق - أي:
ناحية - في غير شق صاحبه، أو يريد مشقة الآخر، أو لشق العصا بينهما، واستعاذ
منه ◌َّة؛ لأنه يؤدي إلى المهاجرة والمقاطعة. قال القاري: أي: من مخالفة الحق
ومنه قوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى عِزَِّ وَشِفَاقٍ ﴾﴾ [ص: )
(٢٤٩٢) أَبُو دَاوُد (١٥٤٦)، وَالنَّسَائِي (٢٦٤/٨) فِيهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً.