النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الحيوان: البلد، وإن لم تكن مسكونة ولا ذات أبنية، أي: وإن لم يكن فيها بناء
ومنازل، قال الله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ [الأعراف: ٥٨] ولو حمل
على كليهما لكان وجهًا، ووقع في بعض النسخ ((ساكني البلد)) بصيغة الجمع
مضافًا، وكذا اختلف فيه نسخ أبي داود. ((وَمِنْ وَالِدٍ)) ولأحمد، والحاكم: ((وَمِنْ
شَرِّ وَالِدٍ))، أي: آدم أو إبليس. (وَمَا وَلَدَ)، أي: ذريتهما. وقيل: هما عامان لجميع
ما يوجد بالتوالد من الحيوانات أصولها وفروعها، قال في ((اللمعات)): والحمل
على العموم أولى؛ ليعم الكل.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في الجهاد من طريق بقية بن الوليد حدثني صفوان، حدثني
شريح بن عبيد عن الزبير بن الوليد عن عبد الله بن عمر. وأخرجه أيضًا أحمد (ج٢ :
ص١٣٢)، والبغوي (ج٥: ص ١٤٧)، والنسائي، والحاكم (ج ١: ص ٤٤٧)، و
(ج٢: ص ١٠٠) وصححه ووافقه الذهبي، وحسنه الحافظ، كما في حاشية
((الأذكار)) وسكت عنه أبو داود. وقال المنذري: وأخرجه النسائي وفي إسناده بقية
ابن الوليد وفيه مقال وهو تعليل من المنذري غير سديد: أولًا؛ لأن المقال في بقية
ابن الوليد: أنه يدلس وهو صرح عند أبي داود، والبغوي بالتحديث فانتفت تهمة
التدلیس، وثانيًا: لم ينفرد بقية بروايته عن صفوان حتی یکون ذلك علة له فقد رواه
عند أحمد، والحاكم أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج عن صفوان أيضًا، ورواه
أحمد مرة أخرى بهذا الإسناد من حديث عبد الله بن عمر أثناء مسند أنس.
٢٤٦٤ - [٢٦] وَعَنْ أَنَس رَْتَهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ وَةِ إِذَا غَزَا
قَالَ: ((اللَّهُمَّ أَنْتَ عَضُدِي وَنَصِيرِي، بِكَ أَحُولُ، وَبِكَ أَصُولُ، وَبِكَ أُقَاتِلُ)).
[ْرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ]
الشرح
٢٤٦٤ - قوله: (كَانَ رَسُولُ اللهِ نِّإِذَا غَزَا)، أي: خرج للغزو (اللَّهُمَّ أَنْتَ
عَضُدِي) بفتح المهملة وضم معجمة، أي: معتمدي في جميع الأمور سيما في
(٢٤٦٤) عَنْ أَنَسٍ؛ أَبُو دَاوُد (٢٦٢٣) فِي الجِهَادِ، والتِّرْمِذِي (٣٥٨٤) فِي الدَّعَوَاتِ، والنَّسَائِي في
الكُبرى (٨٦٣٠) فِي السِّيَرِ .

١٤١
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الدَّعَوَاتِ فِي الْأَوْقَاتِ
الحرب فلا أعتمد على غيرك، أو أنت قوتي أتقوى، وأعتضد بك، كما يتقوى
الشخص بعضده. قال القاضي: العضد ما يعتمد عليه ويثق به المرء في الحرب
وغيره من الأمور، وقال الطيبي: العضد كناية عما يعتمد عليه، ويثق المرء به في
الخير وغيره من القوة، أو أنت ناصري ومعيني، ففي ((القاموس)) العضد بالفتح
وبالضم وبالكسر ككتف وندس وعنق، ما بين المرفق إلى الكتف، والعضد
الناصر والمعين، وهم عضدي وأعضادي. (وَنَصِيرِي)، أي: ناصري ومعيني فهو
عطف تفسير على التفسير الثاني لـ(عَضُدِي)، (بِكَ أَحُولُ) بحاء مهملة من الحول
وهو الحيلة. قال الزمخشري: من حال يحول حيلة، بمعنى احتال، أي: بك أحتال
لدفع مكر الأعداء وكيدهم. وقيل: معناه: أتحرك وأتحول من حال إلى حال، أو
أحول من المعصية إلى الطاعة، والحول: الحركة، يقال: حال الشخص إذا
تحرك. وقيل: معناه المنع والدفع من قولك حال بين الشيئين إذا منع أحدهما عن
الأخر، فمعناه: لا أمنع ولا أدفع إلا بك. وقيل: الحول الفرق بين الشيئين، أي:
بقوتك ونصرتك إياي أفرق بين الحق والباطل. وقيل: الحَوْلُ: التردد أي: بك
أتردد، ويروى ((وَبِكَ أُحَاوِلُ))، أي: أطالب. (وَبِكَ أَصُولُ) بصاد مهملة، أي:
أحمل على العدو حتى أغلبه، وأستأصله، ومنه الصولة: بمعنى الحملة، والحمل
والصائل بمعنى الحامل. (وَبِكَ)، أي: بحولك وقوتك وعونك ونصرتك.
(أُقَاتِلُ)، أي: أعداءك حتى لا يبقى إلا مسلم أو مسالم. وفي الحديث: دليل على
أنه يشرع له أن يدعو عند غزوه بهذا الدعاء ومثله. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في الدعوات.
(وَأَبُو دَاوُدَ) في الجهاد وأخرجه أيضًا أحمد، والنسائي في ((اليوم والليلة))، وابن
حبان في ((صحيحه))، والضياء في ((المختارة))، وأبو عوانة، وابن أبي شيبة وذكره
البغوي (ج٥: ص١٥٣) معلقًا وقد حسنه الترمذي وسكت عنه أبو داود. ونقل
المنذري تحسين الترمذي وأقره.

١٤٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٤٦٥ - [٢٧] وَعَنْ أَبِي مُوسَى: أَنَّ النَّبِيَّ نَ لَ كَانَ إِذَا خَافَ قَوْمًا
قَالَ: ((اللَّهُمَّ إِنَّا نَجْعَلُكَ فِي نُخُورِهِمْ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شُرُورِهِمْ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ]
الشرح
٢٤٦٥ - قوله: (كَانَ إِذَا خَافَ قَوْمًا)، أي: شر قوم. (قَالَ) في دعائه. (اللَّهُمَّ
إِنَّا نَجْعَلُكَ فِي نُحُورِهِمْ)، بضمتين جمع النحر وهو الصدر، أي: في إزاء صدورهم
لتدفع عَنَّا صدورهم وتحول بيننا وبينهم، تقول: جعلت فلانًا في نحر العدو، إذا
جعلته قبالته وحذاءه؛ ليقاتل عنك ويحول بينك وبينه، وخص النحر بالذكر؛ لأنه
أسرع وأقوى في الدفع والتمكن من المدفوع والعدو، إنما يستقبل بنحره عند
المناهضة للقتال، أو للتفاؤل بنحرهم، أي: قتلهم. (وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شُرُورِهِمْ)،
والمعنى: نسألك أن تصد صدورهم وتدفع شرورهم، وتكفي أمورهم وتحول بيننا
وبينهم، وقيل: المعنى نسألك أن تتولانا في الجهة التي يريدون أن يأتونا منها،
وقيل: نجعلك في إزاء أعدائنا حتى تدفعهم عَنَّا، فإنه لا حول ولا قوة لنا بل القوة
والقدرة لك، وفي الحديث: دليل على مشروعية الدعاء عند الخوف من قوم بهذا
الدعاء .
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٤: ص٤١٤، ٤١٥). (وَأَبُو دَاوُدَ) في الصلاة، وأخرجه
النسائي في ((اليوم والليلة))، والحاكم (ج٢: ص١٤٢)، وابن حبان في
(صحيحه))، وابن السنى (ص١٠٨)، وأبو عوانة، وسكت عنه أبو داود،
والمنذري، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وقال النووي في ((الأذكار))،
و ((الرياض))، والعراقي: سنده صحيح.
(٢٤٦٥) أَبُو دَاوُد (١٥٣٧) فِي الصَّلَاةِ، وَالنَّسَائِي في ((الكبرى)) (٨٦٣١) فِي السِّيَرِ عَنْ أَبِي مُوسَى.

١٤٣
بَابُ الدَّعَوَاتِ فِي الْأَوْقَاتِ
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
٢٤٦٦ - [٢٨] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وِّ أَنَّ النَّبِيَّ وَ كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ
قَالَ: ((بِسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ نَزِلَّ أَوْ نَضِلَّ، أَوْ
نَظْلِمَ أَوْ نُظْلَمَ، أَوْ نَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيْنَا)»
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَقَالَ التِّْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ] {صحيح}
- وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي دَاوُدَ وَابْنِ مَاجَهْ قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: مَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ وَه
مِنْ بَيْتِي قَطَّ إِلَّا رَفَعَ طَرْفَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أَوْ
أُضَلَّ، أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ، أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عليَّ))(*).
الشرح
٢٤٦٦ - قوله: (قَالَ: بِسْم اللهِ)، أي: خرجت مستعينًا بذكر اسم الله.
(تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ)، أي: اعتمدتَ عليه في جميع أموري. (اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ
أَنْ نَزِلَّ)، أي: من أن نقع في ذنب ومعصية، من الزلل، يقال: زلت رجله إذا
زلفت والزلة الزلقة، وهي هنا كناية عن وقوع الذنب من غير قصد. وقال القاري:
نزل، أي: عن الحق، وهو بفتح النون وكسر الضاد من الضلالة، وهو ضد الرشاد
والهداية، أي: نَضِل عن الحق، وقال القاري: أي: عن الهدى.
(أَوْ نَظْلِمَ) بفتح النون وكسر اللام على بناء المعلوم، أي: أنفسنا أو أحدًا. (أَوْ
نُظْلَمَ) بضم النون وفتح اللام على بناء المجهول، أي: من أحد والأفعال الثلاثة من
باب ضرب. (أَوْ نَجْهَلَ) بفتح النون على بناء المعروف، أي: أمور الدين، أو
حقوق الله، أو حقوق الناس، أو في المعاشرة، أو في المخالطة مع الأصحاب،
أو أن نفعل بالناس فعل الجهال من الإيذاء وإيصال الضرر إليهم. (أَوْ يُجْهَلَ عَلَيْنَا)
بضم الياء على صيغة المجهول، أي: يفعل الناس بنا أفعال الجهال من إيصال
الضرر إلينا.
(٢٤٦٦) التِّرْ مِذِي (٣٤٢٧) فِي الدَّعَوَاتِ، وَالنَّسَائِي (٧٩٢٢) فِ الاسْتِعَاذَةِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ.
( *) أَبُو دَاوُد (٥٠٩٤) فِي الأَدَبِ عَنْهَا.

EACH
١٤٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال الطيبي: الزلة: السيئة بلا قصد، استعاذ من أن يصدر عنه ذنب بغير قصد أو
قصد، ومن أن يظلم الناس في المعاملات أو يؤذيهم في المخالطات. (أَوْ يُجْهَلَ)،
أي: يفعل بالناس فعل الجهال من الإيذاء، قال: ومن خرج من منزله لا بد أن
يعاشر الناس ويزاول الأمور، فيخاف أن يعدل عن الصراط المستقيم، فإمّا أن
يكون في أمر الدين، فلا يخلو من أن يضل أو يضل، وإمَّا أن يكون في أمر الدنيا،
فإما بسبب جريان المعاملة معهم بأن يظلم أو يظلم، وإما بسبب الاختلاط
والمصاحبة، فإما أن يجهل أو يجهل عليه، فاستعيذ من هذه الأحوال كلها بلفظ
سلس وجسر ومتن رشيق وروعي المطابقة المعنوية والمشاكلة اللفظية كقول
الشاعر :
فَتَجْهَلُ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلِينَا
أَلَا لَا يَجْهَلَنَّ أَحَدٌ عَلَيْنَا
والقصد من ذلك: تعليم الأمة، وإلا فهو ◌َّ معصوم من الظلم والجهل. (رَوَاهُ
أَحْمَدُ، وَالتِّرْ مِذِيُّ) في الدعوات. (وَالنَّسَائِيُّ) في الاستعاذة واللفظ لأحمد (ج٤ :
ص٣٠٦)، والترمذي وبهذا اللفظ، رواه ابن السني (ص٦١)، ولفظ النسائي:
كان إذا خرج من بيته قال: ((بِسْمِ اللهِ، رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أَزِلَّ، أَوْ أَضِلَّ، أَوْ أَظْلِمَ أَوْ
أُظْلَمَ، أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيّ))، وهكذا رواه الحاكم (ج١: ص٥١٩) ونحوه رواه
أحمد (ج٤: ص٣١٨، ٣٣٢)، ولابن ماجه، كان إذا خرج من منزله قال: ((اللَّهُمَّ
إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ، أَوْ أَزِلَّ، أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ، أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ)) .
(وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ)، وقال البغوي: حديث صحيح
ونقل النووي، والمنذري كلام الترمذي وأقَرَّاهُ، وقال الحاكم: حديث صحيح
على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. (وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي دَاوُدَ، وَابْنِ مَاجَهْ)، أي: في
الحديث السابق، وأخرجه أبو داود في الأدب، وابن ماجه في الدعاء. واللفظ
الآتي لأبي داود. وأمَّا ابن ماجه فقد تقدم سياقه ولا موافقة بين روايتهما إلا في لفظ
التوحيد، ففي إطلاق المصنف نظر لا يخفى.
(مَا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ نَ ◌ّلْ مِنْ بَيْتِي)، لا ينافي هذا رواية من بيته؛ لأن بيت أم سلمة
رواية هذا الحديث هو بيته وَليّة؛ لكونها من أمهات المؤمنين. وظاهر الحديث:
يدل على المواظبة والمداومة والمعنى أبدًا. (قَطَّ إِلَّا رَفَعَ طَرْفَهُ) بفتح فسكون أي :

١٤٥
بَابُ الدَّعَوَاتِ فِي الْأَوْقَاتِ
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
*
بصره. (أَنْ أَضِلَّ) بصيغة المتكلم المعلوم من الضلالة، أو بصيغة المتكلم المعلوم
من الإضلال. (أَوْ أَضِلَّ) بصيغة المتكلم المجهول من الإضلال أو المعلوم، إذا
كان الأول من الضلالة، ووقع في ((سنن أبي داود)) بعد هذا: ((أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ))،
وهكذا نقل في (جامع الأصول)) وسقط ذلك من نسخ ((المشكاة)) و((المصابيح))
والظاهر أن المصنف تبع في ذلك البغوي، وغفل عن هذا السقوط. قال السندي
بعد نقل هذه الرواية: الأول فيهما مبني على الفاعل، والثاني للمفعول، وهو
المناسب بقوله بعده: (أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ، أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ)، فإن الأول فيهما
مبني للفاعل والثاني للمفعول ويقدر في: (أَجْهَلَ) على أحد ليوازن قوله في الثاني
عَلَيَّ. (أَوْ أَظْلِمَ) على بناء المعلوم، أي: أحدًا. (أَوْ أَظْلَمَ) على بناء المجهول،
أي: يظلمني أحد. (أَوْ أَجْهَلَ) على بناء المعلوم، ومعناه سبق. (أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ)
على بناء المجهول. والحديث سكت عنه أبو داود، والمنذري. وقال النووي،
والبغوي: حديث صحيح.
٢٤٦٧ - [٢٩] وَعَنْ أَنَس، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((إِذَا خَرَجَ
الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ، فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهَ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللّهِ
يُقَالُ لَهُ حِينَئِذٍ: هُدِيتَ، وَكُفِيتَ، وَوُقِيتَ، فَيَتَنَخَّى لَهُ الشَّيْطَانُ، وَيَقُولُ شَّيَطَانٌ
آخَرُ: كَيْفَ لَكَ بِرَجُلِ قَدْ هُدِيَ، وَكُفِيَ، وَوُقِيَ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاودَ، وَرَوَى التّرْمِذِيُّ إِلَى قَوْلِهِ: ((لَهُ الشَّيْطَانُ))]
الشرح
٢٤٦٧ - قوله: (إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ)، المراد به: الجنس. (يُقَالُ لَهُ حِينَئِذٍ)،
أي: يناديه ملك، يا عبد الله، ولا بن حبان: ((فَيُقَالُ لَهُ: حَسْبُكَ))، (هُدِيتَ) بصيغة
المجهول، أي: طريق المجهول، أي: طريق الحق. (وَكُفِيتَ) بضم الكاف وكسر
الفاء على بناء المجهول، أي: مهماتك. (وَوُقِيتَ) بضم الواو وكسر القاف من
الوقاية، أي: حفظت من شر أعدائك. وأشار الطيبي إلى أن في الكلام لفًّا ونشرًا
(٢٤٦٧) أَبُو دَاوُد (٥٠٩٥) فِي الأَدَبِ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَالتِّرْ مِذِي (٣٤٢٦) فِي الدَّعَوَاتِ عَنْ أَنَسٍ .

١٤٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
مرتبًا حيث قال: هُدِيَ بواسطة التبرك باسم الله، وكُفِيَ مهماته بواسطة التوكل،
وَوُقِيَ بواسطة قول: لا حول ولا قوة إلا بالله. وهو معنى حسن، أي: إذا استعان
العبد باللّه وباسمه المبارك هداه الله، وأرشده وأعانه في الأمور الدينية والدنيوية،
وإذا توكل على الله كفاه الله تعالى فيكون حسبه ﴿وَمَن يَتَوَّكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾
[الطلاق: ٣]، ومن قال: لا حول ولا قوة إلا بالله وقاه الله من شر الشيطان فلا يسلط
عليه. (فَيَتَنَخَّى لَهُ الشَّيْطَانُ)، أي: يبتعد عنه إبليس أو شيطانه الموكل عليه فيتنحى
له الطريق. قاله القاري. وقيل: يتنحى لأجل القائل عن طريق إضلاله متحسرًا.
(وَيَقُولُ)، أي: للمتنحي. (شَيْطَانٌ أَخَرُ)، أي: مسليًّا له، ولابن السني: ((فَيُلَاقِيهِ
شَيْطَانٌ آخَرُ فَيَقُولُ لَهُ))، (كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ)، أي: إضلال رجل. (قَدْ هُدِيَ وَكُفِيَ
وَوُقِيَ)، أي: من الشياطين أجمعين ببركة هذه الكلمات فإنك لا تقدر عليه. قال
الطيبي: هذه تسلية، أي: كيف يتيسر لك الإغواء متلبسًا برجل، إلخ. أي: أنت
معذور في ترك إغوائه والتنحي عنه، فقوله لك متعلق بيتيسر وبرجل حال، انتهى.
فإن قلت: بم علم الشيطان أنه هدي وكفي ووقي؟ قلت: قال ابن حجر: علم من
الأمر العام، أن كل من دعا بهذا الدعاء المرغب من حضرته وَ ل استجيب له.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في ((الأدب))، أي: بتمامه وكذا رواه النسائي، وابن حبان، وابن
السني (ص٦٢). (وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ) في الدعوات. (إِلَى قَوْلِهِ: لَهُ) في الترمذي
عنه. (الشَّيْطَانُ) والحديث سكت عنه أبو داود، وقال المنذري: وأخرجه الترمذي
والنسائي. وقال الترمذي: حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، انتهى.
قلت: وفي نسخ الترمذي الموجودة عندنا: حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه
إلا من هذا الوجه، ويؤيد الأول أنه وقع في ((الأذكار)) لفظ: حسن غريب فقط.

١٤٧
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الدَّعَوَاتِ فِي الْأَوْقَاتِ
٢٤٦٨ - [٣٠] وَعَنْ أَبِي مَالِكِ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ يَّةٍ:
(إِذَا وَلَجَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ الْمَوْلِجِ، وَخَيْرَ الْمَخْرَجِ،
بِسْمِ اللّهِ وَلَجْنَا، وَعَلَى اللَّهِ رَبِّنَا تَوَكَّلْنَا، ثُمَّ لِيُسَلَّمْ عَلَى أَهْلِهِ)). [رَوَاهُ أَبُو دَاودَ]
الشرح
٢٤٦٨ - قوله: (إِذَا وَلَجَ الرَّجُلُ)، أي: دخل أو أراد أن يدخل وهو من باب
ضرب. (بَيْتَهُ) قيد واقعي للغلبة. (خَيْرَ الْمَوْلِج) بفتح الميم وكسر اللام كالموعد
ويفتح. (وَخَيْرَ الْمَخْرَج) بفتح الميم والراءَ المهملة بينهما خاء معجمة. قال
الطيبي: على ما في الخلاصة ((المولج)): بكسر اللام ومن الرواة من فتحها،
والمراد: المصدر، أي: الولوج والخروج، أو الموضع، أي: خير الموضع الذي
یولج فيه ويخرج منه.
قال ميرك: (الْمَوْلِج) بفتح الميم وإسكان الواو وكسر اللام؛ لأن ما كان فاؤه
واوًّا ساقطة في المستقبل نحو يعد ويهب ويلد ويزن فالمفعل منه مكسور العين في
الاسم والمصدر جميعًا أي: ولا يفتح مفتوحًا كان يفعل منه أو مكسورًا بعد أن
تكون الواو منه ذاهبة إلا أحرفًا جاءت نوادر ومن فتح ها هنا، فإمّا أنه سها أو قصد
مزاوجته للمخرج وإرادة المصدر بهما أتم. وأولى من إرادة الزمان والمكان؛ لأن
المراد: الخير الذي يأتي من قبل الولوج والخروج، انتهى. وضبط السيوطي في
((مرقاة الصعود)) بضم الميم فيهما، وفيه: إيماء إلى قوله تعالى تعليمًا له: ﴿وَقُل رَّبِّ
أَدْخِلِى مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِ مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ [الاسراء: ٨٠]، وهو يشمل كل دخول وخروج،
وإن نزل القرآن في فتح مكة؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. (بِسْم
اللهِ وَلَجَنَا)، أي: دَخَلْنَا، ووقع في ((سنن أبي داود)) بعد هذا: ((وَبِسْمِ اللهِ خَرَجْنَا»،
وهكذا وقع في ((الحصن)) و((جامع الأصول)) و((الأذكار)) و((المصابيح)) والظاهر أن
السقوط في ((المشكاة)) من الناسخ. (وَعَلَى اللهِ رَبِّنَا) بالجر بدل أو بيان، أي:
وعلى ربنا الذي ربانا بنعمه، ومنها نعمة الإيجاد والإمداد، وكأن هذه حكمة
(٢٤٦٨) أَبُو دَاوُد (٥٠٩٦) فِي الأَدَبِ عَنْ أَبِي مَالِك الأَشْعَرِيِّ.

١٤٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الإتيان به بعد الاسم الجامع. (تَوَكَّلْنَا)، أي: اعتمدنا، وقيل: أي: فوضنا أمورنا
كلها ورضينا بتصرفه كيفما شاء. (ثُمَّ لِيُسَلَّمْ عَلَى أَهْلِهِ)، أي: على أهل بيته، أي:
على سبيل الاستحباب المتأكد.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في ((الأدب)) وسكت عليه، قال النووي في ((الأذكار)) بعد ذكر
الحديث: لم يضعفه أبو داود، أي: فهو عنده حسن أو صحيح. وقال المنذري:
في إسناده محمد بن إسماعيل بن عياش، رواه عن أبيه، وهو وأبوه فيهما مقال،
انتهى. قلت: قال الحافظ: عابوا على محمد بن إسماعيل أنه حدث عن أبيه بغير
سماع، وقد أخرج أبو داود عن محمد بن عوف عنه عن أبيه عدة أحاديث، منها
حديث أبي مالك هذا؛ لكن يروونها بأن محمد بن عوف رآها في أصل إسماعيل،
أي: كتابه وقد وقع ذلك مصرحًا في إسناد هذا الحديث، وأمّا أبوه إسماعيل
الحمصي، فقال الحافظ: هو صدوق في روايته عن أهل بلده مخلط في غيرهم.
قلت: ورُوي هذا الحديث عن ضمضم بن زرعة الحمصي، فالحديث لا ينزل عن
درجة الحسن .
٢٤٦٩ - [٣١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيِّ نَ لَ كَانَ إِذَا رَفََّ الْإِنْسَانَ إِذَا
تَزَوَّجَ قَالَ: (بَارََكَ اللَّهُ لَكَ، وَبَارَكَ عَلَيْكُمُا، وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرٍ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ] {صحيح}
الشرح
٢٤٦٩ - قوله: (كَانَ إِذَا رَفََّ الْإِنْسَانَ) بفتح الراء وتشديد الفاء بعدها همزة وقد
تقلب ألفًا، أي: أراد الدعاء للمتزوج من الترفئة بهمز بمعنى التهنئة، وإذا شرطية
وقوله: (إِذَا تَزَوَّجَ) ظرفيه محضة، وقوله: (قَالَ: بَارَكَ اللهُ) جزاء الشرط، أي: إذا
هنأه ودعا له حين تَزَوُّجِهِ، قال: (بَارََكَ اللهُ ... ) إلخ. بدل قولهم في تهنئة المتزوج،
(٢٤٦٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ النَّسَائِي في ((الكبرى)) (١٠٠٨٩) فِي الْيَوْمِ واللَّيْلَةِ، وَالبَاقُونَ فِي النَّكَاحِ، وأَبُو
دَاوُد (٢١٣٠)، والترمِذِي (١٠٩١)، وابن ماجه (١٩٠٥).

١٤٩
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الدَّعَوَاتِ فِي الْأَوْقَاتِ
والدعاء له: ((بالرِّفَاءِ والبنينِ)). وكانت كلمة تقولها أهل الجاهلية، فورد النهي عنها
كما روى بقي بن مخلد من طريق غالب عن الحسن عن رجل من بني تميم، قال :
كنا نقول في الجاهلية: بالرَّفَاءِ والبنينِ، فلما جاء الإسلام علمنا نبينا، قال: قولوا:
((بَارََكَ اللهُ لَكُمْ، وَبَارَلَكَ فِيكُمْ، وَبَارَلَكَ عَلَيْكُمْ))، وأخرجه النسائي والطبراني، وابن
السني من طريق أخرى عن الحسن عن عقيل بن أبي طالب أنه قدم البصرة، فتزوج
امرأة فقالوا له: بالرَّفَاءِ والبنينِ، فقال: لا تقولوا هكذا، وقولوا كما قال رسول الله
وَثَه: ((اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ، وَبَارِكْ عَلَيْهِمْ))، ورجاله ثقات إلا أن الحسن لم يسمع من
عقيل فيما يقال. قاله الحافظ في ((الفتح)). قال الزمخشري: معنى الحديث: أنه
كان يضع الدعاء له بالبركة موضع الترفئة المنهي عنها. والترفئة في الأصل أن يقول
للمتزوج: بالرَّفَاءِ والبنينٍ، والرفاء بكسر الراء والمد الالتئام والاجتماع والتوافق
من رفأت الثوب، إذا أصلحته ولأمت خرقه، وضممت بعضه إلى بعض، أو
السكون والطمأنينة من رفوت الرجل إذا سكنته من الرعب والروع وعلى هذا يكون
همزتها غير أصلية والباء متعلقة بمحذوف دل عليه المعنى، أي: أَعْرَسْتَ، ثم
استعير للدعاء للمتزوج وإن لم يكن بهذا اللفظ.
قال الحافظ: دل حديث أبي هريرة على أن اللفظ كان مشهورًا عندهم غالبًا حتى
سمي كل دعاء للمتزوج ترفية واختلف في علة النهي عن ذلك؛ فقيل: لأنه لا حمد
فيه ولا ثناء ولا ذكر الله. وقيل: لما فيه من الإشارة إلى بغض البنات لتخصيص
البنين بالذكر وقيل غير ذلك. (بَارََكَ اللهُ لَكَ)، قال القاري: أي: بالخصوص،
أي: كثر لك الخير في هذا الأمر المحتاج إلى الإمداد، والبركة النماء والزيادة
والسعادة. (وَبَارََ عَلَيْكُمَا) بنزول الخير والرحمة والرزق والبركة في الذرية.
(وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرٍ)، أي: في طاعة وصحة وعافية وسلامة وملاءمة وحسن
معاشرة وتكثير ذرية صالحة. قيل: قال أولًا: بارك الله لك؛ لأنه المدعو له
أصالة، أي: بارك لك في هذا الأمر، ثم ترقى منه ودعا لهما، وعداه بعلى بمعنى
بارك عليه بالذراري والنسل؛ لأنه المطلوب من التزوج، وأخر حسن المعاشرة
والمرافقة والاستمتاع؛ تنبيهًا على أن المطلوب الأول هو النسل، وهذا تابع، وكذا
في ((المرقاة)».

١٥٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قلت: قوله: (وَبَارََكَ عَلَيْكُمَا)، كذا وقع في جميع النسخ من ((المشكاة))،
والذي في الترمذي وأبي داود: ((وَبَارََكَ عَلَيْك))، وهكذا وقع عند ابن حبان، وابن
السني، والحاكم، وكذا ذكر في ((المصابيح)) و((الأذكار))، و(المنتقى))، و((جامع
الأصول)) الصغير، و((الحصن))، و((تحفة الذكرين))، وفي ابن ماجه: ((بَارََكَ اللهُ
لَكُمْ، وَبَارََكَ عَلَيْكُمْ، وَجَمْعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرٍ))، قال السندي: البركة لكونها نافعة
تتعدى باللام ولكونها نازلة من السماء تتعدى بعلى فجاءت في الحديث بالوجهين
للتأكيد والتفنن والدعاء محل للتأكيد، انتهى. وروى الشيخان عن أنس، أن
النبيِ وَّ قال لعبد الرحمن بن عوف حين أخبره أنه تزوج: ((بَارَكَ اللهُ لَكَ)) وروي
في الصحيح أيضًا أنه وَّ قال لجابر حين أخبره أنه تزوج: ((بَارََ اللهُ لَكَ))،
والأحاديث في ذلك معروفة، وهي تدل على أن الدعاء للمتزوج بالبركة هو
المشروع، ولا شك أنها لفظة جامعة يدخل فيها كل مقصود من ولد وغيره.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج: ص). (وَالتِّرْ مِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) في النكاح وأخرجه
أيضًا النسائي في الكبرى، وابن حبان، والحاكم (ج٢: ص١٨٣) وابن السني
(ص١٩٤). قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وسكت عنه أبو داود، ونقل
المندري كلام الترمذي وأقره. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. وأقره
الذهبي. وقال النووي في ((الأذكار)): وقد عزاه للأربعة: أسانيده صحيحة.

١٥١
بَابُ الدَّعَوَاتِ فِي الْأَوْقَاتِ
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
٢٤٧٠ - [٣٢] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ◌َه
قَالَ: ((إِذَا تَزَوَّجَ أَحَدُكُمُ امْرَأَةً أَوِ اشْتَرَى خَادِمًا فَلَّيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ
خَيْرَهَا، وَخَيْرَ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا، وَشَرِّ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ، وَإِذَا
اشْتَرَى بَعِيرًا، فَلْيَأْخُذْ بِذِرْوَةِ سَنَامِهِ وَلْيَقُلْ: مِثْلَ ذَلِكَ)).
وَفِي رِوَايَةٍ: (فِي الْمَرْأَةِ وَالْخَادِمِ))، ((ثُمَّ لِيَأْخُذْ بِنَاصِيَتِهَا، وَلْيَدْعُ
بِالْبَرَكَةِ))(*).
[رَوَاهُ أَبُو دَاودَ وَابْنُ مَاجَهْ] {حسن}
الشرح
٢٤٧٠ - قوله: (إِذَا تَزَوَّجَ أَحَدُكُمُ امْرَأَةً أَوِ اشْتَرَى خَادِمًا)، أي: جارية كما في
رواية الحاكم، وكأنه ترك حال العبد مقايسة، وقيل: هو على إطلاقه، فيكون
تأنيث الضمير فيما سيأتي باعتبار النفس أو النسمة، وزاد في رواية ابن ماجه، وابن
السني، والحاكم: ((أَوْ دَابَّةً))، (فَلْيَقُلْ)، وفي رواية الثلاثة المذكورين: ((فَلْيَأْخُذْ
بِنَاصِيَتِهَا))، وهي الشعر الكائن في مقدم الرأس، كما في ((الصحاح))، والظاهر: أن
المراد هنا: مقدم الرأس سواء كان فيه شعر أم لا. قال القاري: ويمكن أن يراد بها
مطلق الرأس، ثم ليقل: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا)، كذا في رواية أبي داود
والحاكم، وابن السني، أي: خير ذاتها. ولابن ماجه، وأبي يعلى: ((مِنْ خَيْرِهَا))،
وهو الملائم لما سيأتي من مقابله في قوله: (مِنْ شَرِّهَا)، لكن يفيد التبعيض
والمطلوب كل خيرها. (وَخَيْرَ مَا جَبَلْتَهَا)، أي: خلقتها وطبعتها. (عَلَيْهِ)، أي: من
الأخلاق البهية والصفات الحميدة، قيل: الأول عام، والثاني خاص. وقال
الشوكاني: أي: ما خلقتها عليه وطبعتها عليه وحببته إليها. (وَشَرِّ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ)
من الأفعال المردية والأوصاف القبيحة والأخلاق الذميمة. (وَإِذَا اشْتَرَى بَعِيرًا
فَلْيَأَخُذْ بِذِرْوَةِ سَنَامِهِ) بكسر الذال المعجمة، أي: بأعلاه، وقيل: إنه يجوز في
(٢٤٧٠) أَبُو دَاوُد (٢١٦٠)، وَالنَّسَائِي في ((الكبرى)) (١٠٠٩٣)، وَابن مَاجَهْ (١٩١٨) عَنْ عَمْرِو بْنِ
شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ جَدِّهِ؛ كَالَّذِي قَبْلَهُ.
(*) أَبُو دَاوُد (٢١٦٠) فِيهِ عَنْهُ.

١٥٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الذال الحركات الثلاث، وذروة الشيء: أعلاه، والسنام بفتح السين ما ارتفع من
ظهر الجمل. (وَلْيَقُلْ مِثْلَ ذَلِكَ)، أي: مثل ما ذكر من الدعاء. (وَفِي رِوَايَةٍ: فِي
الْمَرْأَةِ وْالْخَادِمِ)، وكذلك في الدابة كما تقدم. (ثُمَّ لِيَأْخُذْ بِنَاصِيَتِهَا وَلْيَدْعُ
بِالْبَرَكَةِ)، أي: بالدعاء المذكور السابق، قال أبو داود بعد قوله: (بِذِرْوَةِ سَنَامِهِ) زاد
أبو سعيد، يعني: سعيد بن عبد الله أحد شيخيه في رواية هذا الحديث ((ثُمَّ لِيَأْخُذْ
بِنَاصِيَتِهَا وَلْيَدْعُ بِالْبَرَكَةِ فِي الْمَرْأَةِ وَالْخَادِمِ))، وفي الحديث: مشروعية هذا الدعاء
عند التزوج واشتراء الخادم والدابة. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) في النكاح لكن
الشرطية الثانية لأبي داود فقط، والحديث رواه أيضًا بتمامه النسائي في ((الكبرى))،
والحاكم (ج٢: ص ١٨٥)، وابن السني (ص١٩٣)، وأبو يعلى، والبيهقي (ج٧:
ص١٤٨) والبخاري في ((أفعال العباد)) (ص٢٧) وسكت عنه أبو داود. وصححه
الحاكم. ووافقه الذهبي، وصححه أيضًا النووي في ((الأذكار)) وجود الحافظ
العراقي إسناده في ((تخريج أحاديث الإحياء))، وفي الباب عن زيد بن أسلم مرسلاً
مرفوعًا أخرجه مالك في ((الموطأ)).
٢٤٧١ - [٣٣] وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((دَعَوَاتُ
الْمَكْرُوبِ: اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو، فَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنِ، وَأَصْلِحْ
لِي شَأْنِيَ كُلَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاودَ]
الشرح
٢٤٧١ - قوله: (وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ) بفتح الباء وسكون الكاف آخره تاء. (دَعَوَاتُ
الْمَكْرُوبِ)، أي: الواقع في الكرب، يعني: المغموم المحزون، والكرب ما
يدهم المرء مما يأخذ بنفسه وبغمه ويحزنه، أي: الدعوات النافعة له المزيلة
لكربه؛ وسماه دعوات لاشتماله على معان جمة، قال في ((اللمعات)): جمعها
لاشتمال المذكور على معان جمة ودعوات متعددة؛ لأن قوله: (رَحْمَتَكَ أَرْجُو)،
بمعنى: ارحمني، ففيه ثلاث دعوات مع أن قوله: (وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ) يشتمل
(٢٤٧١) أَبُو دَاوُد (٥٠٩٠) فِي الأَدَبِ عَنْ أَبِي بَكْرَةً.

كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الدَّعَوَاتِ فِي الْأَوْقَاتِ
١٥٣
على ما لا يعد ولا يحصى، انتهى. وفي رواية الطبراني، وابن السني: ((كَلِمَاتُ
الْمَكْرُونِ))، ولابن حبان: ((دَعْوَةُ الْمَكْرُوبِ))، بلفظ الإفراد.
(اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو) التقديم للحصر، أي: لا أرجو إلا رحمتك. (فَلَا تَكِلْنِ)
بفتح التاء وكسر الكاف من باب ضرب، أي: لا تتركني ولا تفوضني، وأصله:
جعل الغير وكيلاً لإنجاح أموره. (إِلَى نَفْسِي)، فإنها أعدى لي من جميع أعدائي،
وإنها عاجزة لا تقدر على قضاء حوائجي. (طَرْفَةَ عَيْنٍ) بفتح الطاء وسكون الراء،
أي: مقدار إطباق أحد الجفنين على الآخر، يعني: لا تفوض أمري إلى نفسي
لحظة قليلة قدر ما يتحرك البصر. قال الطيبي: الفاء في (فَلَا تَكِلّنِي) مرتب على
قوله: (رَحْمَتَكَ أَرْجُو)، فقدم المفعول؛ ليفيد الاختصاص والرحمة عامة، فيلزم
تفويض الأمور كلها إلى الله، كأنه قيل: فإذا فوضت أمري إليك، فلا تكلني إلا
نفسي؛ لأني لا أدري ما صلاح أمري وما فساده وربما زاولت أمرًا واعتقدت أن فيه
صلاح أمري، فانقلب فسادًا وبالعكس؛ ولما فرغ عن خاصة نفسه وأراد أن ينفي
تفويض أمره إلى الغير ويثبته لله قال: (وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي)، أي: أمري. (كُلَّهُ)،
أي: جميعه تأكيد لإفادة العموم. وقال الشوكاني: الشأن يطلق على الأمر والحال
والخطب، وجمعه شئون، والمراد هنا: إصلاح حاله وما يحتاج إليه من أمره في
حياته وبعد موته. (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ)، قال القاري: هذه فذلكة المقصود؛ لأنها تفيد
وحدة المعبود. وقال المناوي: ختمه بهذه الكلمة الحضورية الشهودية؛ إشارة إلى
أن الدعاء، إنما ينفع المکروب ویزیل کربه، إذا كان مع حضور وشهود ومن شهد
بالتوحيد والجلال مع جمع الهمة، وحضور البال، فهو حري بزوال الكرب في
الدنيا والرحمة، ورفع الدرجات في العقبى.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في الأدب في حديث طويل تقدم أوله في الفصل الثالث من باب
الدعاء في الصباح والمساء وأخرجه أيضًا أحمد (ج٥: ص٤٢) والنسائي في
الكبرى والبخاري في ((الأدب المفرد)) وابن حبان في (صحيحه)) وابن السني
(ص١١١) وابن أبي شيبة، والطبراني إلا أنه انتهت روايته إلى قوله: ((كُلَّهُ))،
وسكت عنه أبو داود. وقال الهيثمي (ج ١٠: ص ١٣٧) : رواه الطبراني وإسناده
حسن. قلت: في سنده عندهم جعفر بن ميمون وتقدم الكلام فيه في شرح حديث
أبي بكرة السابق.

SDE
١٥٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٤٧٢ - [٣٤] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: هُمُومٌ
لَزِمَتْنِي وَدُيُونٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالُ: ((أَفَلَا أُعَلِّمُكَ كَلَامًا إِذَا قُلْتَهُ أَذْهَبَ اللهُ
هَمَّكَ، وَقَضَى عَنْكَ دَيْنَكَ)) ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَي، قَالَ: ((قُلْ إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا
أَمْسَيْتَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ، وَالْحُزْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ
وَالْكَسَلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ وَالْجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ، وَقَهْرِ
الْرِّجَالِ)). قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ، فَأَذْهَبَ اللَّهُ هَمِّي، وَقَضَى عَنِّي دَيْنِي.
[ رَوَاهُ أَبُو دَاوِدَ]
الشرح
٢٤٧٢ - قوله: (هُمُومٌ) جمع الهم. (وَدُيُونٌ) عطف على هموم، أي: وديون
لزمتني. قال الطيبي: هموم لزمتني مبتدأ وخبر كما في قولهم: شرٌّ أهرَّ ذَا نابٍ،
أي: همومه عظيمة لا يقادر قدرها وديون جمة نهضتني وأثقلتني، انتهى. قلت:
الظاهر أن قوله: (هُمُومٌ ... ) إلخ. خبر مبتدأ محذوف يدل عليه أول الحديث، وهو
أن أبا سعيد قال: دخل رسول اللَّه وَ ل ذات يوم في المسجد، فإذا هو برجل من
الأنصار يقال له: أبو أمامة، فقال: ((يَا أَبَا أُمَامَةَ، مَالِي أَرَاَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ فِي
غَيْرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ»، قال: هموم لزمتني وديون، أي: سبب جلوسي في المسجد في
غير وقت الصلاة هموم وديون لزمتني، فالتجأت إلى ربي في بيته، فلزمتني صفة
لهموم لا خبر له .
(أَفَلَا أُعَلِّمُكَ) عطف على محذوف، أي: ألا أرشدك فلا أعلمك (ولا)) الثانية
مزيدة للتأكيد، وقيل: أصله فألا أعلمك ثم قدمت الهمزة؛ لأن لها صدر الكلام
وهو أظهر لبعده عن التكلف بل التعسف، فإنه لا يبقى للفاء فائدة. كذا في
((المرقاة)). (كَلَامًا)، أي: دعاءً. (قَالَ)، أي: الرجل المذكور وهو أبو أمامة.
(قُلْتُ بَلَى)، هذا صريح في أن الحديث من رواية الرجل، أي: أبي أمامة، وكذا
قوله: (قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ، فَأَذْهَبَ اللهُ هَمِّي، وَقَضَى عَنِّي دَيْنِي)، وظاهر سياقه في
(٢٤٧٢) أَبُو دَاوُد (١٥٥٥) فِي الصَّلَاةِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَوَهُ .

١٥٥
بَابُ الدَّعَوَاتِ فِي الْأَوْقَاتِ
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
أوله كما تقدم، أنه من حديث أبي سعيد. قال الطيبي: الظاهر أن يقال: قال: قال
بلى، أي: بدل قوله: (قَالَ: قُلْتُ بَلَى) ؛ لأن أبا سعيد لم يرو عن ذلك الرجل بل
شاهد الحال كما دل عليه أول الكلام، اللَّهُمَّ إلا أن يأول، ويقال تقديره: قال أبو
سعيد: قال لي رجل: قلت لرسول اللّه ◌َله: هموم لزمتني.
(قُلْ إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ)، أي: دخلت في الصباح والمساء. (اللَّهُمَّ إِنِّي
أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحُزْنِ) بضم الحاء وإسكان الزاي وبفتحهما ضد السرور،
وقيل: الهم والحزن بمعنى واحد، وقيل: الهم ما يتصور من المكروه الحالي،
والحزن لما في الماضي، وقيل: الهَمُّ فيما يتوقع، أي: في الخوف من أمرٍ في
المستقبل، والحزن فيما قد وقع وفات. أي: بفوات أمر حصل في الماضي،
كموت ولد، أو الهم هو الحزن الذي يذيب الجسم، يقال: همني الأمر، بمعنى:
أذابني وسُمَِّ به ما يعتري الإنسان من شدائد الغم؛ لأنه يذيبه فهو أشد وأبلغ من
الحزن الذي أصله الخشونة، وقال ميرك: الهم الكرب الذي ينشأ عند ذكر ما يتوقع
حصوله مما يتأذى به، والغم: ما يحدث للقلب بسبب ما حصل والحزن ما يحصل
لفقد ما يشق على المرء فقده .
(وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ) بفتح العين، وسكون الجيم وهو ضد القدرة، وأصله
التأخر عن الشيء مأخوذ من العجز، وهو مؤخر الشيء وللزومه الضعف والقصور
عن الإتيان بالشيء استعمل في مقابلة القدرة واشتهر فيها، والمرادهنا: فقد القدرة
على أداء الطاعة والعبادة ودفع الفساد وتحمل المصيبة والمحنة. (وَالْكَسَل)
بفتحتين وهو التثاقل عن الشيء مع وجود القدرة والداعية إليه، وقيل: التواني عن
الطاعة والتثاقل عن الأمر المحمود، وعدم انبعاث النفس في الخير وقلة الرغبة فيه
مع وجود القدرة علیه .
(وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ وَالْجُبْنِ)، كذا في جميع النسخ من ((المشكاة))، وهكذا
وقع في (جامع الأصول))، والذي في ((سنن أبي داود)): ((مِنَ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ))،
وهكذا في ((المصابيح)) و((الجامع الصغير)) و((الحصن))، و(الْجُبْنِ) بضم الجيم
وسكون الموحدة وبضمها. ضد الشجاعة وهو الخوف عند القتال، ومنه عدم
الجرأة عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقيل: هو ضعف القلب الناشئ

١٥٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
عنه عدم الإقدام على المخاوف، و(الْبُخْلِ) بضم الباء وكجبل ونجم وعنق ضد
الكرم. (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ)، أي: استيلائه وكثرته وهي أن يفدحه الدين
ويثقله وفي معناه: ضلع الدين كما في رواية، أي: ثقله الذي يميل صاحبه عن
الاستواء والضلع بالتحريك: الاعوجاج، والمراد به ها هنا: ثقل الدين، وذلك
حيث لا يجد من عليه الدين وفاءه ولا يسامح الدائن مع المطالبة الشديدة.
(قَهْرِ الرِّجَالِ)، أي: غلبتهم كما في رواية وهو شدة تسلطهم بغير حق تغلبًا
وجدلًا، وقيل: الإضافة إلى الفاعل أو المفعول فكأنه إشارة إلى التعوذ من أن
يكون مظلومًا أو ظالمًا، وفيه: إيماء إلى العوذ من الجاه المفرط والذل المهين،
وقيل غير ذلك. ويأتي مزيد الكلام في معاني القرائن المذكورة في شرح حديث
أنس ثاني أحاديث باب الاستعاذة. (قَالَ): أي: الرجل وهو أبو أمامة. (فَفَعَلْتُ
ذَلِك)، أي: ما ذكر من الدعاء عند الصباح والمساء. (فَأَذْهَبَ اللهُ) ببركة هذا
الدعاء. (هَمِّي)، أي: وحزني.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ)، في آخر الصلاة وسكت عنه. وقال المنذري: في إسناده غسان
ابن عوف وهو بصري وقد ضعف، انتهى. وفي تهذيب الحافظ قال الآجري:
سألت أبا داود عن غسان بن عوف الذي يحدث عنه الجريري بحديث الدعاء،
يعني: حديث أبي سعيد هذا، فقال: شيخ بصري، وهذا حديث غريب، قلت -
قائله الحافظ -: ضعفه الساجي والأزدي، وقال العقيلي: لا يتابع على كثير من
حديثه، انتهى. وقال في ((التقريب)) عنه: لين الحديث.

كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الدَّعَوَاتِ فِي الْأَوْقَاتِ
Besex
١٥٧
٢٤٧٣ - [٣٥] وَعَنْ عَلِيٍّ: أَنَّهُ جَاءَهُ مُكَاتَبٌ فَقَالَ: إِنِّي عَجَزْتُ عَنْ
كِتَابَتِي فَأَعِنِّي، قَالَ: أَا أُعَلِّمُكْ كَلِمَاتٍ، عَلَّمَنِيهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَوْ كَانَ
عَلَيْكَ مِثْلُ جَبَلِ كَبِيْرِ دَيْنَا أَدَّاهُ اللَّهُ عَنْكَ، قُلِ: ((اللَّهُمَّ اكْفِي بِحَلَالِكَ عَنْ
حَرَامِكَ، وَأَغْنِي بِفَضَّلِكَ عَمَّنْ سِوَاَكَ)).
[رَوَاهُ التِّْمِذِيُّ والبَيْهَقِيُّ فِي الْدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ]
وَسَنَذْكُرُ حَدِيْثَ جَابِرِ: ((إِذَا سَمِعْتُمْ نُبَاحَ الْكِلَابِ)) فِي بَابِ (تَغْطِيَةِ
الْأَوَانِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَّ.
الشرح
٢٤٧٣ - قوله: (جَاءَهُ مُكَاتَبٌ)، أي: لغيره، والمكاتب بفتح التاء عبد علق
سيده عتقه على إعطائه كذا من المال. (إِنِّي عَجَزْتُ عَنْ كِتَابَتِي) بكسر الكاف، أي :
عند بدلها وهو المال الذي كاتب به العبد سيده، يعني: بلغ وقت أداء مال الكتابة
وليس لي مال، واختلف في تعريف الكتابة، فقيل: هي تعليق عتق بصفة على
معاوضة مخصوصة. وقال ابن قدامة: الكتابة إعتاق السيد عبده على مال في ذمته
يؤدى مؤجلاً، وقيل: هي عتق على مال مؤجل من العبد، موقوف على أدائه،
وقيل: هي تحرير المملوك يدًا - أي: تصرفًا في البيع والشراء ونحوهما ورقبة مالًا
أي: عند أداء البدل.
(فَأَعِنِّي)، أي: بالمال أو بالدعاء بسعة المال. (قَالَ: أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ
عَلَّمَنِيهِنَّ رَسُولُ اللهِ وَ ﴿)، قال الطيبي: طلب المكاتب المال، فعلمه الدعاء، إمَّا
لأنه لم يكن عنده من المال ليعينه، فرده أحسن رد، عملًا بقوله تعالى: ﴿قَوْلٌ
مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةُ خَيْرٌ مِّنْ صَدَقَةٍ﴾ [البقرة: ٢٦٣] أو أرشده إشارة إلى أن الأولى والأصلح له
أن يستعين بالله لأدائها، ولا يتكل على الغير، وينصر هذا الوجه قوله: (وَأَغْنِي
بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاَ)، (لَوْ كَانَ عَلَيْكَ مِثْلُ جَبَل کَبِيْرِ دَيْنًا) بفتح الدال والنصب علی
التمييز. قال الطيبي: قوله: ((دَيْنًا)) يحتمل أن يكونَّ تمييزًا عن اسم كان الذي هو
(مِثْلُ) لما فيه من الإبهام، و (عَلَيْكَ) خبره مقدمًا عليه، وأن يكون (دَیْنًا) خبر كان و
(٢٤٧٣) التِّرْ مِذِي (٣٥٦٣) فِي الدَّعَوَاتِ عَنْ عَلِيٍّ رَوَّهُ.

١٥٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ee
(عَلَيْكَ) حالاً من المستتر في الخبر، والعامل هو الفعل المقدر في الخبر ومن جوز
إعمال كان في الحال، فظاهر على مذهبه، انتهى.
وقوله: (مِثْلُ جَبَلٍ كَبِيرٍ)، كذا في نسخ ((المشكاة)) تبعًا ((للمصابيح))، والذي في
((جامع الترمذي)) ((مِثْلُ جَبَّلِ صِيرٍ))، بكسر الصاد المهملة بعدها ياء تحتية ساكنة ثم
راء وهو جبل ببلاد طيء، وهكذاً وقع في زيادات المسند لعبد الله ابن أحمد، ووقع
في ((جامع الأصول)): ((صَبِيرٍ)) بفتح الصاد وكسر الباء الموحدة وسكون التحتية،
وكذا في رواية الحاكم (ج١: ص٥٣٨) قال الجزري في ((جامع الأصول)) (ج٥:
ص٢٢٢): ((صبير)) جبل باليمن، وقال بعضهم: الذي جاء في حديث علي: ((مثل
جبل صير)) بإسقاط الباء الموحدة، وهو جبل بطيئ وجبل على الساحل بين عمان
وسيراف. قال: فأما صبير فإنما جاء في حديث معاذ، انتهى.
(أَدَّاهُ اللهُ عَنْكَ)، أي: أعانكِ على أدائه إلى مستحقه وأنقذك من مذلته. (قُلْ)،
في الترمذي: قال: ((قُلْ))، (اللَّهُمَّ اكْفِنِي) بهمزة وصل وكسر الفاء من كفى كفاية
تثبت الهمزة في الابتداء مكسورة وتسقط في الدرج. (بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ)، أي :
متجاوزًّا ومستغنيًا عنه، يعني: قني واحفظني بالحلال عن الوقوع في الحرام.
(وَأَغْنِي) بهمزة قطع من الإغناء. (بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ)، من الخلق فمن قاله
بصدق نية وجد أثر الإجابة.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في الدعوات. (وَالْبَيْهَِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ)، وأخرجه أيضًا
عبد الله بن أحمد في زيادات المسند (ج١: ص١٥٣) والحاكم (ج ١: ص٥٣٨)،
قال الترمذي: حديث حسن غريب، وقال الحاكم: صحيح وأقره الذهبي. قلت:
في سنده عندهم عبد الرحمن بن إسحاق القرشي الواسطي أبو شيبة الكوفي وهو
ضعيف، ففي تحسين الترمذي وتصحيح الحاكم والذهبي نظر. قال الشيخ أحمد
شاكر في شرح المسند (ج٢: ص ٣٣٢) : إسناده ضعيف؛ لضعف عبد الرحمن بن
إسحاق .
قوله: (وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ جَابِرِ: إِذَا سَمِعْتُمْ نُبَاحَ الْكِلَابِ) بضم النون بعِدِها
موحدة، أي: صياحها، وتمامه على ما في ((المصابيح)): ((وَنَهِيقَ الْحِمَارِ بِاللَّيْلِ
فَتَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُنَ - أي: الكلاب والحمير - يَرَيْنَ مَا لَا تَرَوْنَ)).
(فِي بَابٍ تَغْطِيةِ الأَوَانِي)؛ لأنه أنسب لذلك الباب من هذا الباب بالنسبة إلى

١٥٩
بَابُ الدَّعَوَاتِ فِي الْأَوْقَاتِ
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
تتمته على ما ذكرها المصنف هناك وهي: ((وَأَقِلُّوا الْخُرُوجَ إِذَا هَدَأَتِ الْأَرْجُلُ فَإِنَّ
اللهَ وَّنْ يَبْثُّ مِنْ خَلْقِهِ فِي لَيْلَتِهِ مَا يَشَاءُ، وَأَجِيفُوا الْأَبْوَابٍَ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ فَإِنَّ
الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا إِذَا أُجِيفَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ، وَغَطَّوا الْجِرَارَ، وَأَكْفِئُوا الْآَنِيَةً،
وَأَوْكُوا الْقِرَبَ)).