النص المفهرس
صفحات 1-20
مُعَاءُ الْقارة
شَرَّحُ
مِشَكَاةِ المصانع
2
لِلعَلَامَةِ المَحَدِّث
أَبِيِّ الْحَسِنْ عُبَيْدِ اللَّهِنْ الْعَلَّمَةِ محَدٍ عَبْدِ السَّلَامُ للِبُّارَ كَفُورِيّ
مُحمَّهُهَا اللّئََّالى
تَقْديم تَفِيَة الشّيخ
الدّكتور وَضِيَّ اللَّهِ بْ مُحَمَّدٌ عَبَّاسِ حَفِظَهُ الله
المدس بالسّجِالرَّمَ وَالأسْنَاذ المُتَارِك ◌َجَامِعَةِ أُمّالقُرى - بمكّةُ الَكرََّة
حقّقه وخرج أحاديثه
الشَّيِّخْ مُحَمَّدْ سُلَيْمَانْ بِزْ مُحَمَّدْ أَمِّيْنَ
غَمَّ اللّه لَه وَكَوَالدَيْهِ
المَجَلَّهُ الْعَاشِرُ
تَتِمَّةُّ كِتَابِ الدَّعَوَات - كِتَابُ المنَّاسِك
حَديث (٢٤٠٤ - ٢٥٨٤)
غداُ القَبِ النَّشر والتّوزيع
مراعاة المقالة
شِرُ
مِشْكَاةِ المِصَابِع
المُجَلَُّ العَاشِرُ
محمد سليمان أمين، ١٤٣٨هـ
ح
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
المباركفوري، عبيد الله محمد
مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح. / عبيد الله محمد المباركفوري؛
محمد سليمان أمين - الرياض، ١٤٣٨ هـ
١٤ مج
ردمك ٢ -٨٧٦٥-٠١-٦٠٣-٩٧٨ (مجموعة)
١-٨٧٧٥-٠١-٦٠٣-٩٧٨ (ج١٠)
١- الحديث - شرح أ- أمين، محمد سليمان (محقق) ب- العنوان
١٤٣٦/٧١٢٣
دیوي ٢٣٧،٢
رقم الإيداع: ١٤٣٦/٧١٢٣
ردمك: ٢-٨٧٦٥-٠١-٦٠٣-٩٧٨ (مجموعة)
١-٨٧٧٥-٠١-٦٠٣-٩٧٨ (ج١٠)
جميع الحقوق محفوظة للحُحقّقْ وللنّاشِرْ
الطَّبْعَةُ الأولى
١٤٣٨ هـ - ٢٠١٧م
حقوق الطبع محفوظة ٥ ١٤٣٨ هـ، لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب
أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام
ميكانيكي أو إلكتروني يمكّن من استرجاع الكتاب أو ترجمته إلى أي
لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من المحقق والناشر.
صَفْ وَتَصِمِيحَ وَإِخِرَاجُ
مَابُ القَبِسَ الَشروالتَّوَيِّ
الرياض - المملكة العربية السعودية
شارع الأمير سطام بن عبدالعزيز
ت: ٢٦٨١٠٤٥ - ف: ٤٣٥١٣٩٥
جوال: ٠٠٩٦٦٥٥٢٢٩٣٩٣٨
darulqabas@yahoo.com
شِرْعَاء الْمَقَامُ
شَرَّحُ
مِشَكَاةِ المِصَاح
لِلَعَلَامَةِ المُحدِّث
أَبِيْ الِحَسَنْ عُبَيَدِ اللهِبْنْ الْعَلَّمَةِ مَد عَبْدِ السَّلَامُ المُّارَ كَفُورِيّ
رَحَهُمَا اللّه تَّعَالى
تَقْيِم نَفِيَ الشّيخ
الدّكتور وَضِيَّ اللّهِ بْنْ مُحَمَّدْ عَبَّاسِ حَفِظَةُ اللّه
المدّس بالِجِالحَمِ وَالأَسْتَذ المُشَارِ بَجَامِعَة أُمّالُرى- بِمَّة المكرّتة
حقّقه وخرّج أحاديثه
الشَّيِّخْ مُحَمَّدْ سُلَيْمَانْ بَزْ مُحَمَّدْ أَمِّيْنَ
غَفَّ اللّه ◌َ وَكَالدَيْهِ
الْجَلُّ الْعَاشِرُ
تَتِمَّةُ كِتَابِ الدَّعَوَات - كِتَابُ المنَّاسِك
حَديث (٢٤٠٤ - ٢٥٨٤)
قَدْاُ القَبَسَّ النّشْرِ وَالتَّوَيُ
5
٥
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
EX
٦ - بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ الصَّبَاحِ وَالْمُسَاءِ وَالْمِنَامِ
(بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ)، قال الراغب: الصبح والصباح أول النهار
وهو وقت ما احمر الأفق بحَاجب الشمس، قال: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: ٨١]،
﴿فَسَآءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات: ١٧٧]، وقال في ((القاموس)): الصبح: الفجر أو أول
النهار وهو الصبيحة والصباح، والإصباح والمصبح. كمكرم، والمساء والإمساء
ضد الصباح والإصباح.
قلت: الظاهر المتبادر من بعض الأحاديث الواردة في الباب أنَّ المساء أول
الليل، ويمكن حمل كلام صاحب ((القاموس)) عليه كما لا يخفى، وقال في هامش
((تحفة الذاكرين)): الصباح من طلوع الفجر، أي: إلى طلوع الشمس، والمساء من
غروب الشمس كما يدل له ما أخرجه عبد الرزاق، والفريابي، وابن جرير، وابن
المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم، وصححه عن أبي رزين. قال:
جاء نافع بن الأزرق إلى ابن عباس فقال: هل تجد الصلوات الخمس في القرآن؟
قال: نعم، فقرأ ﴿فَسُبْحَنَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ قال: صلاة المغرب والعشاء ﴿وَحِينَ
تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] قال: صلاة الصبح، ﴿وَعَشِيًّا﴾، صلاة العصر، ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾
[الروم: ١٨] صلاة الظهر. فهذا تفسير الصحابي اللغوي الصباح والمساء ومثله عن
مجاهد. فالمساء لا يكون إلا من بعد غروب الشمس، فأذكاره من ذلك الوقت
نحو: أمسينا وأمسى الملك لله ... إلخ، انتهى. قلت: فمن قال: إن المساء
يدخل وقته بالزوال، والصباح يدخل وقته بانتصاف الليل، وإنه تدخل أوراد
الصباح من نصف الليل الأخير والمساء من الزوال، فقد أبعد جدًّا.
قال النووي في ((الأذكار)) تحت باب ما يقال عند الصباح وعند المساء: اعلم أن
هذا الباب واسع جدًّا ليس في الكتاب باب أوسع منه، وأنا أذكر إن شاء الله تعالى
فيه جملاً من مختصراته، فمن وفق للعمل بكلها فهي نعمة، وفضل من الله تعالى
عليه، وطوبى له، ومن عجز عن جميعها فليقتصر من مختصراتها على ما شاء ولو
كان ذكرًا واحدًا، ثم ذكر النووي آيات من القرآن العزيز ورد فيها الأمر بالذكر أو
٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
التسبيح أو الدعاء في العشيِّ والإبكار والإشراق والغدو والآصال وقبل طلوع
الشمس وقبل غروبها، أو ورد فيها مدح القائمين بذلك، ثم سرد جملاً من
الأحاديث أورد المصنف أكثرها في ((المشكاة)). (وَالْمَنَام)، أي: زمان النوم، أو
هو مصدر ميمي، أي: عند إرادة النوم، والظاهر: أن المراد به: نوم الليل فلا
يشمل القيلولة .
الفصل الأول
٢٤٠٤ - [١] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ إِذَا أَمْسَى قَالَ:
((أَمْسَيْنَا وَأَمْسَى الْمُلْكُ لِلَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَّهُ، لَهُ
الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ
اللَّيْلَةِ، وَخَيْرِ مَا فِيهَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا، وَشَرِّ مَا فِيهَا، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ
مِنَ الْكَسَلِ ، وَالْهَرَمِ وَسُوءِ الْكِبَرِ، وَفِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وَإِذَا أَصْبَحَ قَالَ
ذَلِكَ أَيْضًا: ((أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ اَلْمُلْلُكُ لِلَّهِ)).
- وَفِي رِوَايَةٍ: ((رَبٍ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ وَعَذَابٍ فِي
الْقَبْرِ)) (*).
[رَوَاهُ مُسْلِمُ] {صحيح}
الشرح
٢٤٠٤ - قوله (أَمْسَيْنَا وَأَمْسَى الْمُلْكُ للهِ)، أي: دخلنا في المساء، ودخل
الملك فيه كائنًا لله ومختصا به، أو الجملة حالية بتقدير: قد، أو بدونه، أي:
أمسینا، وقد صار بمعنی کان ودام الملك لله.
(وَالْحَمْدُ للهِ) قال الطيبي: عطف على ((أَمْسَيْنَا وَأَمْسَى الْمُلْكُ))، أي: صرنا نحن
(٢٤٠٤) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ مُسْلِم (٢٧٢٣)، والتِّرْمِذِي (٣٣٩٠) فِي الدَّعَوَاتِ، وأَبُو دَاوُد (٥٠٧١) فِي
الأَدَبِ، والنَّسَائِي في الكُبرى (١٠٤٠٨) فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ.
(*) هِيَ لِمُسْلِم فِيهِ.
٧
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
THEN
بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ الصَّبَاحِ وَالُسَاءِ وَالْمُنَامِ
وجميع الملك وجميع الحمد لله، انتهى. قال القاري: أي: عرفنا فيه أن الملك
لله، وأن الحمد لله لا لغيره، ويمكن أن يكون جملة ((الْحَمْدُ اللهِ)) مستقلة
والتقدير: وَالْحَمْدُ للهِ عَلَى ذَلِكَ، وقيل: ويجوز أن يكون قوله: (وَالْحَمْدُ للهِ))
معطوفًا على قوله: ((الْمُلْلُكُ للهِ))، فيكون هذا أيضًا اسمًا لـ((أصبح)).
(وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)، كذا في جميع نسخ ((المشكاة)) بزيادة الواو، وهكذا وقع في
((المصابيح)) و((جامع الأصول)) وكذا وقع عند ابن السني. قال الطيبي: عطف على
((الْحَمْدُ للهِ)) على تأويل وأمسى الفردانية والوحدانية مختصين بالله، انتهى.
والذي في ((صحيح مسلم)) ((لَا إِلَّهَ إِلَّا اللـهُ))، أي: بدون الواو، وهكذا وقع عند
الترمذي وأبي داود، وكذا نقله النووي في ((الأذكار)) وابن الجزري في ((الحصن))،
والظاهر: أن ما وقع في ((المشكاة)) تبعًا (للمصابيح)) و((جامع الأصول)) خطأ
والصواب بحذف الواو. (وَحْدَهُ) حال مؤكدة. أي: منفردًا بالألوهية.
(اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ)، أي: نصيبًا وافرًا وحظًّا وافيًا. (مِنْ خَيْرِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ)، أي:
ذاتها وعينها. (وَخَيْرِ مَا فِيهَا)، قال الطيبي: أي: من خير ما ينشأ أي: يقع ويحدث
فيها وخير ما يسكن فيها، قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِ اَلَيْلِ﴾ [الأنعام: ١٣]، وقال ابن
حجر: أي: مما أردت وقوعه فيها لخواص خلقك من الكمالات الظاهرة
والباطنة، وخير ما يقع فيها من العبادات التي أمرنا بها فيها، أو المراد: خير
الموجودات التي قارن وجودها تلك الليلة، وخير كل موجود الآن. وقيل: الأظهر
أن يراد بخيرها: ما يعمل فيها بنفسه وبخير ما فيها ما يقع ويحدث فيها من الكوائن
والحوادث. (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا)، وفي رواية لمسلم: ((رَبِّ أَسْأَلُكَ
خَيْرَ مَا فِي هذه اللَّيْلَةِ وَخَيْرَ مَا بَعْدَهَا أي: من الليالي أو مطلقًا وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ هَذِهِ
اللَّيْلَةِ وَشَرِّ مَا بَعْدَهَا))، (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ) بفتحتين، أي: التثاقل في
الطاعة مع الاستطاعة. قال الطيبي: الكسل: التثاقل عمَّا لا ينبغي التثاقل عنه،
ويكون ذلك؛ لعدم انبعاث النفس للخير مع ظهور الاستطاعة. (وَالْهَرَم) بفتحتین،
أي: كبر السن المؤدي إلى تساقط بعض القوى وضعفها وهو الرد إلى أرذل العمر؛
لأنه يفوت فيه المقصود بالحياة من العلم والعمل؛ ولذا قال تعالى: ﴿لِكَّنْ لَا يَعْلَمَ
بَعْدَ عِلْمِ شَيْئًا﴾ [الحاقة: ٧٠].
DONE
٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
(وَسُوءِ الْكِبَرِ) بكسر الكاف وفتح الباء بمعنى الهرم والخرف، وروي بإسكان
الباء بمعنى البطر، أي: الطغيان عند النعمة والتعاظم على الناس. والأول أصح
رواية ودراية وتعضده رواية النسائي: ((وَسُوءِ الْعُمُرٍ))، والمراد بسوء الكبر: ما
يورثه كبر السن من ذهاب العقل، واختلاط الرأي، والتخبط فيه، والقصور عن
القيام بالطاعة وغير ذلك مما يسوء به الحال. وقال في ((اللمعات)): في الفقرات
كلها ترق من الأدنى إلى الأعلى؛ استعاذ أولًا من الكسل، أي: من التثاقل في
الطاعة مع الاستطاعة، ثم من الهرم الذي فيه سقوط بعض الاستطاعة فيفوت به
بعض وظائف العبادات، ثم من سوء الكبر الذي يصير فيه كالحلس الملقى على
الأرض لا يصدر منه شيء من الخيرات.
(وَفِتْنَةِ الدُّنْيَا)، أي: الافتتان بها ومحبتها، أو الابتلاء بفتنة فيها. (وَعَذَابٍ
الْقَبْرِ)، أي: من نفس عذابه، أو مما يوجبه. (وَإِذَا أَصْبَحَ)، أي: دخل ◌َّر في
الصباح. (قَالَ ذَلِكَ)، أي: ما يقول في المساء. (أَيْضًا)، أي: لكن يقول بدل:
(أَمْسَيْنَا وَأَمْسَى الْمُلُْكُ للهِ)) ((أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ للهِ)) ويبدل اليوم بالليلة،
فيقول: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ هَذَا الْيَوْم))، ويذكر الضمائر بعده.
(وَفِي رِوَايَةٍ)، أي: لمسلم وغيره يقول بعد قوله: ((سُوءِ الْكِبَرِ))، (رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ
بِك)، كذا في جميع النسخ الموجودة عندنا، والذي في ((صحيح مسلم)): ((رَبِّ
أَعُوذُ بِكَ))، أي: بسقوط ((إِنِّي))، وكذا وقع عند الترمذي وأبي داود، وهكذا في
((المصابيح)) و((جامع الأصول)) و((الحصن)). (مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ وَعَذَابٍ فِي
الْقَبْرِ)، التنكير فيهما للتقليل لا للتفخيم، كما وهم ابن حجر. وفي الحديث:
إظهار العبودية والافتقار إلى تصرفات الربوبية، وأن الأمر كله خيره وشره بید الله،
وأن العبد ليس له من الأمر شيء، وفيه: تعليم للأمة ليتعلموا آداب الدعوة.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ)، وكذا الترمذي في ((الدعوات))، وأبو داود في ((الأدب))، وابن
السني (ص١٣)، والنسائي، وابن أبي شيبة كما في ((الحصن))، ورواه أحمد (ج١ :
ص٤٤٠) مختصرًا جدًّا. وفي الباب عن أنس، أخرجه البخاري في ((الأدب
المفرد))، والترمذي، وأبو داود، وابن السني، والبغوي في ((شرح السنة)) (ج٥ :
ص١٣٢).
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ الصَّبَاحِ وَالْمُسَاءِ وَالْمُنَامِ
٩
٢٤٠٥ - [٢] وعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنَ
اللَّيْلِ وَضَعَ يَدَهُ تَحْتَ خَدِّهِ ثُمَّ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ أَمُوتُ وَأَحْيَا)). وَإِذَا
اسْتَيْقَظَ قَالَ: ((الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا، وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)).
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ] {صحيح}
الشرح
٢٤٠٥ - قوله: (إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ)، بفتح الجيم، أي: أتى فراشه ومرقده.
(مِنَ اللَّيْلِ)، أي: في بعض أجزاء الليل، فالمضجع كمقعد موضع الضجع، وفي
رواية للبخاري: ((إذا أوى إلى فراشه))، أي: دخل فيه، وقال الطيبي: قوله: (مِنَ
اللَّيْلِ) صلة لـ((أخذ)) على طريق الاستعارة، كأنه قيل: إذا أخذ حظه من الليل، أي:
أراد أن ينام؛ لأن لكل أحد حظًّا منه وهو السكون والنوم والراحة، فكأنه يأخذ منه
نصيبه، وحظه بالسكون والنوم، قال تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ اَلَيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ﴾ [يونس:
٦٧] والمضجع مصدر، انتهى.
(وَضَعَ يَدَهُ)، أي: كفه اليمنى. (تَحْتَ خَدِّهِ)، وعند أحمد (ج٥: ص ٣٨٧):
((وضع يده اليمنى تحت خده اليمنى)). (اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ) بوصل الهمزة، أي: بذكر
اسمك جادًّا لا بكف اللسان عن ذكرك ولا بقلب غافل. (أَمُوتُ) قدم الموت؛ لأن
النوم أخوه، وهذا وقت النوم. (وَأَحْيَا) بفتح الهمزة، أي: أنام وأستيقظ، يعني:
بذكر اسمك أحيا ما حييت، وعليه أموت. ويسقط بهذا سؤال من يقول: بالله
الحياة والموت لا باسمه، ويحتمل أن يكون لفظ الاسم هنا زائدًا، كما في قول
الشاعر :
إِلَى الْخَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلَامِ عَلَيْكُمَّا
(الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا)، ولأحمد في الرواية المذكورة: ((أَحْيَانِي
(٢٤٠٥) الْبُخَارِي (٦٣١٤) فِي الدَّعَوَاتِ، وأَبُو دَاوُد (٥٠٤٩) فِي الأَدَبِ،، والتِّرْمِذي (٣٤١٧)، وابن
مَاجَهْ (٣٨٨٠) فِي الدَّعَوَاتِ، والنَّسَائِي في ((الكُبرى)) (١٠٥٨٣) فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، كُلُّهُمْ عَنْ
حُذَيْفَةَ.
١٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
EX
بَعْدَ مَا أَمَاتَنِي)) قيل: هذا ليس إحياء ولا إماتة بل إيقاظ وإنامة.
وأجيب: بأن الموت عبارة عن انقطاع تعلق الروح بالبدن، وذلك قد يكون
ظاهرًا فقط وهو النوم، ولهذا يقال: النوم أخو الموت، أو ظاهرًا وباطنًا وهو
الموت المتعارف، فإطلاق الموت على النوم يكون مجازًا لاشتراكهما في انقطاع
تعلق الروح بالبدن، وقيل: سمي النوم بالموت؛ لأنَّ الصفات السبع من الحياة
والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام، كما تزول بالموت بتة تبقى بالنوم بحيث
لم تكن. فالنوم يعطل هذه الصفات بحيث نستطيع أن نقول: إنها بطلت كلها سوى
الحياة حتى يستيقظ، والحياة وإن كانت باقية للنائم لكن النائم لا يدر بها ففي حقه
لا يبعد أن يقال: زالت عنه تلك الصفات السبع كلها فيدخل في سلك الموتى.
وقال أبو إسحاق الزجاج: النفس التي تفارق الإنسان عند النوم هي التي للتمييز،
والتي تفارقه عند الموت هي التي للحياة، وهي التي يزول معها التنفس، وسمي
النوم موتًّا؛ لأنه يزول معه العقل والحركة تمثيلاً وتشبيهًا لا تحقيقًا.
وقال الخطابي: هذا مجاز؛ لأن الحياة غير زائلة عند النوم لكن جعل السكون
عن الحركات، وزوال القدرة عند النوم بمنزلة الموت، فقال: ((بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا))،
أي: رَدَّ علينا القوة والحركة بعدما أن أزالهما منا بعد النوم.
(وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)، أي: البعث يوم القيامة والإحياء بعد الإماتة. يقال: نشر اللَّه
الموتى فنشروا، أي: أحياهم فحيوا، قاله الحافظ.
وقال في ((النهاية)): نشر الميت نشورًا، إذا عاش بعد الموت، وأنشره الله، أي:
أحياه .
قيل: ما سبب الشكر على الانتباه من النوم؟ وأجاب الطيبي مبينًا لحكمة إطلاق
الموت على النوم، بأن انتفاع الإنسان بالحياة إنما هو بتحري رضا الله عنه،
وتوخي طاعته، والاجتناب عن سخطه وعقابه، فمن نام زال عنه هذا الانتفاع
بالكلية ولم يأخذ نصيب حياته وكان كالميت، فكان قوله: ((الْحَمْدُ للهِ))؛ شكرًا
لنيل هذه النعمة وزوال ذلك المانع، وقال الطيبي: وهذا التأويل موافق للحديث
الآخر الذي فيه: ((وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ))، وينتظم
معه قوله: (وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)، أي: وإليه المرجع في نيل الثواب بما يكتسب في
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
****** *
بَابٌ مَا يَقُولُ عِنْدَ الصَّبَاحِ وَالُسَاءِ وَالُنَامِ
١١
الحياة. قيل: الذكر في بدء نومه والحمد بعد يقظته مشعر بأنه ينبغي أن يكون
السالك عند نومه ذاكرًا الله تعالى متهيئًا للموت؛ لأنه خاتمة أمره وعمله، وعند
تنبهه حامدًا لله وشاكرًا على فضله، ويتذكر باليقظة بعد النوم البعث بعد الموت،
وأن يعلم أن مرجع الخلق كله إلى مولاه.
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ)، في الدعوات والتوحيد، أي: عن حذيفة، وكذا رواه عنه
أحمد (ج٥: ص٣٨٥، ٣٨٧، ٣٩٧، ٣٩٩، ٤٠٧)، والترمذي في الدعوات،
وأبو داود في الأدب، وابن ماجه في الدعاء، والنسائي، وابن السنى (ص٢٢٥)،
وابن أبي شيبة، والبخاري في ((الأدب المفرد))، والدارمي في الاستيذان، والبغوي
في ((شرح السنة)) (ج٥: ص ٩٨، ٩٩).
٢٤٠٦ - [٣] وَمُسْلِمٌ عَنِ الْبَرَاءِ.
[صحيح]
الشرح
٢٤٠٦ - قوله: (وَمُسْلِمٌ عَنِ الْبَرَاءِ)، قال القاري: فالحديث مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ،
والخلاف في الصحابي.
قلت: ليس هذا الحديث متفقًا عليه في عرف المحدثين، إذا شرطوا فيه اتحاد
الصحابي. والحديث رواه أحمد أيضًا عن البراء (ج٤: ص٢٩٤، ٣٠٢).
(٢٤٠٦) مسلم (٢٧١١/٥٩).
aPex
١٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
٢٤٠٧ - [٤] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ: ((إِذَا أَوَى
أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ فَلْيَنْفُضْ فِرَاشَهُ بِدَاخِلَةِ إِزَارِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا خَلَفَهُ عَلَيْهِ
ثُمَّ يَقُولُ: بِاسْمِكَ رَبِّي وَضَعْتُ جَنْبِيٍ وَبِكَ أَرْفَعُهُ، إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي
فَارْحَمْهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ)). وَفِي رِوَايَةٍ :
[مُثَّفَقٌ عَلَيْهِ]
(ثُمَّ لِيَضْطَجِعْ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ لِيَقُلْ: بِاسْمِكَ)).
- وَفِي رِوَايَةٍ: ((فَلْيَنْفُضْهُ بِصَنِفَةِ ثَوْبِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَإِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي
فَاغْفِرْ لَهَا)»(*).
الشرح
٢٤٠٧ - قوله: (إِذَا أَوَى) بقصر الهمزة، أي: نزل. (إِلَى فِرَاشِهِ) بكسر الفاء،
أي: أتى إليه لينام عليه. وفي رواية البخاري في التوحيد: ((إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى
فِرَاشِهِ))، ولابن ماجه: ((إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَضْطَجِعَ عَلَى فِرَاشِهِ))، وللترمذي: ((إِذَا
قَامَ أَحَدُكُمْ عَنْ فِرَاشِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ))، ولأحمد (ج٢: ص٢٨٣): ((إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ
اللَّيْلِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَی فِرَاشِهِ)).
(فَلْيَنْفُضْ) بضم الفاء من باب نصر من النفض بالنون والفاء والضاد المعجمة،
وهو تحريك الشيء ليسقط ويزول ما عليه من غبار ونحوه، ومعناه بالفارسية:
بيفشاند. (فِرَاشَهُ) قبل أن يدخل إليه. (بِدَاخِلَةِ إِزَارِهِ)، ولا بن ماجه: ((فَلْيَنْزَعْ دَاخِلَةَ
إِزَارِهِ ثُمَّ لِيَنْفُضْ بِهَا فِرَاشَهُ)). وللبخاري في ((الأدب المفرد)): (فَلْيَحِلَّ))، وله أيضًا
ولمسلم: ((فَلْيَأْخُذْ))، قال الحافظ: قوله: ((بِدَاخِلَةِ إِزَارِهِ»، كذا للأكثر، وفي رواية
أبي زيد المروزي: ((بِدَاخِلٍ)) بلا هاء. وداخلة الإزار: حاشيته التي تلي الجسد
وتماسه، وقيل: هي طرفه مطلقًا، وفي القاموس: طرفه الذي يلي الجسد ويلي
الجانب الأيمن.
(٢٤٠٧) مُتَّفَقٌ عليه: البُخَارِي (٦٣٢٠)، ومُسْلِم (٦٤ / ٢٧١٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رََِّتَهُ، فِي الدَّعَوَاتِ،
وأبو داود (٥٠٥٠) فِي ((الأَدَبِ))، والنَّسَائِي في ((الكُبرى)) (١٠٦٢٧) فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ.
(*) هِيَ فِي التِّرْمِذِي (٣٤٠١) عنه.
١٣
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
** E
بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ الصَّبَاحِ وَالْمُسَاءِ وَالُنَامِ
BRIBE
قال القرطبي: حكمة هذا النفض قد ذكرت في الحديث، وأمَّا اختصاص النفض
بداخلة الإزار فلم يظهر لنا، ويقع لي أن في ذلك خاصية طبية تمنع من قرب بعض
الحيوانات كما أمر بذلك العائن، ويؤيده ما وقع في بعض طرقه ((فَلْيَنْفُضْ بِهَا ثَلَانًا))
فحذا بها حذو الرُّقَى في التكرير، انتهى. وأشار الداودي إلى أن الحكمة في ذلك:
أن الإزار يستر بالثياب، فيتوارى بما يناله من الوسخ، فلو نال ذلك بكمه صار غير
لدن الثوب، والله يحب إذا عمل العبد عملًا أن يحسنه. وقال صاحب ((النهاية))
(ج٢: ص١٧): داخلة الإزار: طرفه وحاشيته من داخل، وإنما أمر بداخلته دون
خارجته؛ لأن المؤتزر يأخذ إزاره بيمينه وشماله فيلزق ما بشماله على جسده وهي
داخلة إزاره - يعني: أن المؤتزر إذا ائتزر يأخذ أحد طرفي إزاره بيمينه والآخر
بشماله فيرد ما أمسكه بشماله عل جسده - ثم يضع ما بيمينه فوق داخلته، فمتى
عاجله أمر و خشی سقوط إزاره أمسكه بشماله، ودفع عن نفسه بیمینه، فإذا صار إلى
فراشه فحل إزاره فإنما يحل بيمينه خارجة الإزار وتبقى الداخلة معلقة، وبها يقع
النفض؛ لأنها غير مشغولة باليد، انتهى. وأشار الكرماني إلى أن الحكمة فيه: أن
يكون يده حين النقض مستورة؛ لئلا يكون هناك شيء، فيحصل في يده ما يكره.
قال الحافظ: وهي حكمة النفض بطرف الثوب دون اليد لا خصوص الداخلة. وقال
القاري: قيد النفض بإزاره؛ لأن الغالب في العرب أنه لم يكن لهم ثوب غير ما هو
عليهم من إزار ورداء، وقيد بداخل الإزار؛ ليبقى الخارج نظيفًا، ولأن هذا أيسر
ولكشف العورة أقل وأستر. وإنما قال: هذا؛ لأن رسم العرب ترك الفراش في
موضعه ليلاً ونهارًا، ولذا علله وقال: (فَإِنَّهُ)، أي: الشأن أو المريد للنوم. (لَا
يَدْرِي مَا خَلَفَهُ) بالفتحات والتخفيف. (عَلَيْهِ)، أي: جاء عقبه على الفراش.
قال البغوي: يريد لعل هامة دبت فصارت فيه بعده. ولمسلم وكذا للبخاري في
((الأدب المفرد)) ((وَلْيُسَمِّ اللَّهَ، فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَا خَلَفَهُ بَعْدَهُ عَلَى فِرَاشِهِ))، أي: ما صار
بعده خلفًا وبدلًا عنه إذا غاب، خلف فلان فلانًا إذا قام مقامه، والمراد: ما يكون
قد دَبَّ على فراشه بعد مفار قته. قال الطيبي: معناه: لا يدري ما وقع في فراشه بعد ما
خرج منه من تراب أو قذاة أو هوام. وقال النووي: معناه: أنه يستحب أن ينفض
فراشه قبل أن يدخل فيه؛ لئلا يكون قد دخل فيه حية أو عقرب أو غيرهما من
المؤذيات، وهو لا يشعر ولينفض ويده مستورة بطرف إزاره؛ لئلا يحصل في يده
مکروه إن كان شيء هناك.
١٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(ثُمَّ يَقُولُ)، أي: بعد النفض ووضع الجنب كما يدل عليه الرواية الآتية: ((ثُمَّ
لِيَضْطَجِعْ ثُمَّ لِيَقُلْ))، (بِاسْمِكَ رَبِّي وَضَعْتُ جَنْبِي)، أي: مستعينًا باسمك يا ربي،
وفي ((الأدب المفردِ)): ((وَلْيَقُلْ: سُبْحَانَكَ رَبِّي بِكَ وَضَعْتُ جَنْبِي))، ولمسلم:
((وَلْيَقُلْ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبِّي بِكَ وَضَعْتُ جَنْبِي))، (وَبِكَ أَرْفَعُهُ)، أي: باسمك، أو
بحولك وقوتك أرفعه حين أرفعه، فلا أستغني عنك بحال.
(إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي)، وفي رواية: ((احْتَبَسْتَ نَفْسِي))، أي: قبضت روحي في
النوم توفيتها. (فَارْحَمْهَا)، أي: بالمغفرة والتجاوز عنها. (وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا)، بأن
رددت الحياة إليَّ، وأيقظتني من النوم. (فَاحْفَظْهَا)، أي: من المعصية والمخالفة.
(بِمَا تَحْفَظُ بِهِ)، أي: من التوفيق والعصمة والأمانة. (عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ)، أي:
القائمين بحقوق اللَّه وعباده. والباء في ((بِمَا تَحْفَظُ)) مثلها في كتبت بالقلم، و((مَا))
موصولة مبهمة، وبيانها ما دل عليه صلتها؛ لأن الله تعالى إنما يحفظ عباده
الصالحين من المعاصي ومن أن لا يتهاونوا في طاعته وعبادته بتوفيقه ولطفه
ورعايته، والحديث موافق لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَنَّ الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَأَلَّتِى لَمْ
تَمُتْ فِ مَنَامِهَاً فَيُمْسِكُ الَّتِى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَبُرْسِلُ الْأُخْرَىَ إِلَى أَجَلِ تُسَمََّ﴾ [الزمر:
٤٢] جمع النفسين في حكم التوفي ثم فرق بين جهتي التوفي بالحكم بالإمساك وهو
قبض الروح، وبالإرسال وهو رد الحياة، أي: الله يتوفى الأنفس التي تقبض،
والتي لا تقبض فيمسك الأولى ويرسل الأخرى، وزاد في رواية الترمذي في آخر
هذا الحديث شيئًا لم أره عند غيره وهو قوله: ((وَإِذَا اسْتَيْقَظَ فَلْيَقُلِ: الْحَمْدُ للهِ الَّذِي
عَافَانِي فِي جَسَدِي وَرَدَّ عَلَيَّ رُوحِي - أي: روحي المميزة برد تميزها الزائل عنها
بنومها - وَأَذِنَ لِي بِذِكْرِهِ))، وهو يشير إلى ما ذكره الكرماني أن الإمساك كناية عن
الموت، فالرحمة أو المغفرة تناسبه والإرسال كناية عن استمرار البقاء والحفظ
يناسبه، وقد تقدم قول الزجاج في الكلام على حديث حذيفة، وكذلك كلام
الطيبي .
قال ابن بطال: في هذا الحديث أدب عظيم، وقد ذكر حكمته في الخبر، وهو
خشية أن يأوي إلى فراشه بعض الهوام الضارة فتؤذيه. وقال القرطبي: يؤخذ من
هذا الحديث أنه ينبغي لمن أراد المنام أن يمسح فراشه لاحتمال أن يكون فيه شيء
يخفى من رطوبة أو غيرها، وقال ابن العربي: هذا من الحذر، ومن النظر في
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
HERICE X
١٥
بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ الصَّبَاحِ وَالمَسَاءِ وَالمُنَامِ
أسباب دفع سوء القدر، أو هو من الحديث الآخر: ((اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ)). قلت: الظاهر
هو الأول، ففيه حث على الحزم والاحتراس من مظان الضر والأذى وقد ورد فيما
يقال عند النوم أحاديث أخرى ذكر أكثرها في هذا الباب.
(وَفِي رِوَايَةٍ) لمسلم وغيره. (ثُمَّ لْيَضْطَجِعْ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ)، فيه ندب اليمين
في النوم؛ لأنه أسرع إلى الانتباه لعدم استقرار القلب حينئذ؛ لأنه معلق بالجانب
الأيسر فيعلق فلا يستغرق في النوم بخلاف النوم على الأيسر، فإن القلب ليستقر
فتكون الاستراحة له بطاً للانتباه، ثم هذا إنما هو بالنسبة إلينا دونه ◌َّلة؛ لأنه لا ينام
قلبه فلا فرق في حقه عليه الصلاة والسلام بين النوم على شقه الأيمن والأيسر،
وإنما كان يؤثر الأيمن؛ لأنه كان يحب التيامن في شأنه كله ولتعليم أمته .
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، أخرجه البخاري في الدعوات وفي التوحيد، ومسلم في الدعاء،
وأخرجه أيضًا أحمد (ج٢: ص٢٤٦، ٢٨٣، ٢٩٥) والبخاري في ((الأدب المفرد))
في موضعين، والترمذي في الدعوات، وأبو داود في ((الأدب))، والنسائي في
((عمل اليوم والليلة))، وابن ماجه في الدعاء، والدارمي في الاستيذان (ص ٣٦٠)،
والدار قطني في ((غرائب مالك))، وابن السني (ص٢٢٦)، والطبراني في الدعاء،
وابن أبي شيبة، والبغوي في ((شرح السنة)) (ج٥: ص٩٩، ١٠٠).
(وَفِي رِوَايَةٍ) للبخاري في التوحيد، وكذا للترمذي والطبراني. (فَلْيَنْفُضْهُ)،
قيل: لأن البيوت إذ ذاك كانت مظلمة لم يكن فيها المصابيح، فأمر بالنفض من قبل
التلبس به حتى لا يؤذيه ما دخله من المؤذيات.
(بِصَنِفَةِ ثَوْبِهِ)، وللترمذي: ((بِصَنِفَةِ إِزَارِهِ) بباء الجر بعدها صاد مهملة مفتوحة
فنون مكسورة ففاء فهاء تأنيث. أي: بطرف ثوبه. وقال الطيبي: أي: بحاشية إزاره
التي تلي الجسد. فكأنه أراد الجمع بين الروايتين؛ وإلا ففي ((النهاية)): صنفة
الإزار بكسر النون: طرفه مما يلي طرته. وفي ((القاموس)): صَنِفة الثوب كفرحة،
وصِنْفُه وصِنْفته بكسرهما حاشيته، أي جانب كان أو جانبه الذي لا هدب له، أو
الذي فيه الهدب، انتهى.
(ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) ؛ حذرًا من وجود مؤذية وهو لا يشعر، وقيد بالثلاثة مبالغة في
النظافة. (فَاغْفِرْ لَهَا)، أي: بدل قوله: ((فَارْحَمْهَا))، وهذا اللفظ للبخاري،
ومسلم، والدارمي، وأحمد (ج٢: ص٢٨٣، ٢٩٥).
١٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٤٠٨ - [٥] وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ إِذَا أَوَى
إِلَى فِرَاشِهِ نَامَ عَلَى شِقُّهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ قَالَ: ((اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ،
وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِيٍ إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ رَغْبَةً
وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ،
وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ)). وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((مَنْ قَالَهُنَّ ثُمَّ مَاتَ تَحْتَ لَيْلَتِهِ
مَاتَ عَلَى الْفِطْرَةِ».
- وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ الرَّجُل: (يَا فُلَانُ، إِذَا أَوَيْتَ إِلَى
فِرَاشِكَ فَتَوَضَّأُ وُضُوءَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَّلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ قُلِ:
اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ. إِلَى قَوْلِهِ: ((أَرْسَلْتَ))، وَقَالَ: ((فَإِنْ مُتَّ مِنْ
لَيْلَتِكَ مُتَّ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَإِنْ أَصْبَحْتَ أَصَبْتَ خَيْرًا))(*).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٤٠٨ - قوله: (كَانَ رَسُولُ اللهِ نَِّلَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ ... ) إلخ. هكذا وقع
في رواية العلاء بن المسيب عن أبيه عن البراء من فعل النبي وَّ، وهي عند
البخاري في باب: النوم على الشق الأيمن من كتاب الدعوات، وكذا رواه في
((الأدب المفرد))، وهكذا وقع في رواية للنسائي في ((عمل اليوم والليلة))، والبغوي
في ((شرح السنة)). ووقع في رواية سعد بن عبيدة وأبي إسحاق عن البراء من قوله
وتعليمه كما سيأتي، وهي عند الشيخين وأصحاب السنن وغيرهم، فيستفاد
مشروعية هذا الذكر من قوله وَ لجه، ومن فعله. (نَامَ عَلَى شِقِّهِ) بكسر المعجمة
وتشديد القاف، أي: جانبه.
(٢٤٠٨) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: البخاري (٦٣١٥)، مسلم (٢٧١٠) فِي الدَّعَوَاتِ عَنِ البَرَاءِ، وَاللَّفْظُ لِإِحْدَى
رِوَايَاتِ البُخَارِي .
(*) البُخَارِي (٧٤٨٨) (٢٤٧)، ومُسْلِم (٢٧١٠/٥٨٥٦) عَنِ الْبَرَاءِ، والتِّرْمِذِي (٣١٢٠) فِي
الدَّعَوَاتِ، وَأَبُو دَاوُد (٤٧٥٠) فِي ((الأَدَبِ))، والنَّسَائِي في ((الكُبرى)) (١٠٦١٢) فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ،
وَاللَّفْظُ الَّذِي سَاقَهُ لِ(المَصَابِيحِ)).
١٧
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابٌ مَا يَقُولُ عِنْدَ الصَّبَاحِ وَالُسَاءِ وَالْمُنَامِ
(الأَيْمَنِ)؛ لأنه كان يحب التيامن في شأنه كله. (ثُمَّ قَالَ: اللّهُمَّ)، وفي رواية
للنسائي: ((كان النبي ◌َّ إذا أوى إلى فراشه توسد يمنيه))، - أي: جعل يده اليمنى
تحت رأسه من التوسد، وهو اتخاذ النائم تحت رأسه وسادة وهي المخدة - ثم
قال: ((بِسْمِ اللَّهِ))، (أَسْلَمْتُ)، أي: سلمت. وقيل: أي: أخلصت. (نَفْسِي)، أي:
ذاتي. (إِلَيَّكَ)، أي: مائلة إلى حكمك، وقيل: أسلمت نفسي إليك، أي:
استسلمت وانقدت. والمعنى: جعلت ذاتي منقادة لك طائعة لحكمك إذ لا قدرة
لي على تدبيرها، ولا على جلب ما ينفعها إليها، ولا دفع ما يضرها عنها فأمرها
مفوض إليك تفعل بها ما تريد واستسلمت لما تفعل، فلا اعتراض عليك فيه.
(وَوَجَّهْتُ وَجْهِي)، أي: وجهتي وتوجهي وقصد قلبي. (إِلَيْكَ)، وقيل: الوجه
هنا بمعنى الذات والشخص كالنفس؛ وفيه نظر؛ لأن الجمع بينهما يدل على
تغايرهما، فالمراد بالنفس: الذات وبالوجه القصد. (وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ) من
التفويض، وهو تسليم الأمر إلى الله تعالى أي: رددت أمري إليك، والمعنى:
توكلت عليك في أمري كله لتكفيني همه وتتولى صلاحه. (وَأَلْجَأْتُ)، أي:
أسندت. (ظَهْرِي إِلَيْكَ)، أي: اعتمدت في أموري - ومنها: القيام لصلاة التهجد
ولصلاة الفجر - عليك لتعينني على ما ينفعني؛ لأن من استند إلى شيء تقوَّى به
واستعان به تشبيهًا للاستناد المعنوي بالاستناد الحسي بجامع الراحة في كلٍّ،
وخصه بالظهر؛ لأن العادة جرت أن الإنسان يعتمد بظهره إلى ما يستند إليه.
وقال الطيبي: في هذا النظم عجائب وغرائب لا يعرفها إلا النقاد من أهل البيان
فقوله: ((أَسْلَمْتُ نَفْسِي)) إشارة إلى أن جوارحه منقادة لله - تعالى - في أوامره
ونواهيه، وقوله: ((وَجَّهْتُ وَجْهِي)) إلى أن ذاته وحقيقته مخلصة له تعالى بريئة من
النفاق، وقوله: (فَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْك) إلى أن أموره الخارجة والداخلة مفوضة إليه
لا مدبر لها غيره. وقوله: ((أَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ)) بعد قوله: (فَوَّضْتُ أَمْرِي) ؛ إشارة
إلى أنه بعد تفويض أموره التي هو مفتقر إليها وبها معاشه وعليها مدار أمره يلتجئ
إليه مما يضره ويؤذيه من الأسباب الداخلة والخارجة.
(رَغْبَةً وَرَهْبَةً) علة لكل من المذكورات، أي: طمعًا في رفدك وثوابك، وخوفًا
من غضبك ومن عذابك. وقال الطيبي: منصوبان على العلة بطريق اللف والنشر،
١٨
GEX
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أي: فوضت أموري إليك رغبة، أي: طمعًا في ثوابك، وألجأت ظهري من
المكاره والشدائد إليك رهبة منك، أي: مخافة من عذابك. وقيل: مفعول لهما
((أَلْجَأْتُ)).
وقال القاري: الأظهر أن نصبهما على الحالية، أي: راغبًا وراهبًا أو الظرفية،
أي: في حال الطمع والخوف يتنازع فيهما الأفعال المتقدمة كلها، ((إِلَيْكَ)) متعلق
بـ((رَغْبَةً)) ومتعلق الرهبة محذوف، أي: منك، يدل عليه أنه وقع في الرواية الآتية
عند أحمد (ج٤: ص٢٩٦)، والنسائي: ((رَهْبَةً مِنْكَ وَرَغْبَةً إِلَيْكَ))، وقيل: ((إِلَيْكَ))
متعلق بـ((رَغْبَةً)) و((رَهْبَةً))، وإن تعدى الثاني بمن لكنه أجرى مجرى رغب تغليبًا،
يعني: أعطى للرهبة حكم الرغبة، والعرب تفعل ذلك كثيرًا كقوله:
وَرَأْيتُ بَعْلَكَ فِي الْوَغَى
مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحًا
والرمح لا يتقلد. ونحوه:
عَلَفْتُهَا تِبْنَا وَمَاءَ بَارِدًا
والماء لا يعلف. وقال الجزري في ((النهاية))، و((جامع الأصول)): قد عطف
الرهبة على الرغبة، ثم أعمل لفظ الرغبة وحدها ولو أعمل الكلمتين معًا لقال:
رغبة إليك ورهبة منك، ولكن هذا سائغ في العربية أن يجمع بين الكلمتين في
النظم، ويحمل إحداهما على الأخرى في اللفظ، كقول الشاعر:
إِذَا مَا الْغَانِيَاتُ بَرَزْنَ يَوْمًا وَزَجَجْنَ الْخَوَاجِبَ وَالْعُيونَا
والعيون لا تزجج وإنما تكحل، انتهى بتوضيح. وكذلك قال البغوي، وابن
الجوزي، والطيبي: ((لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ))، أي: لا مهرب ولا ملاذ ولا
مخلص من عقوبتك إلا إلى رحمتك. قال الحافظ: أصل ((مَلْجَأَ)) بالهمزة و(مَنْجًا)
بغير همزة، ولكن لما جمعا جاز أن يهمزا للازدواج وأن يترك الهمز فيهما، وأن
يهمز المهموز ويترك الآخر فهذه ثلاثة أوجه، ويجوز التنوين مع القصر فتصير
خمسة. قال العيني: إعرابهما مثل إعراب عصا، وفي هذا التركيب خمسة أوجه؛
لأنه مثل لا حول ولا قوة إلا بالله، أي: فتجري فيه الأوجه الخمسة المشهورة وهي
فتح الأول والثاني، وفتح الأول ونصب الثاني، وفتح الأول ورفع الثاني، ورفع
الأول وفتح الثاني، ورفع الأول والثاني. قال العيني: والفرق بين نصبه وفتحه
١٩
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
NEXTE
بَابٌ مَا يَقُولُ عِنْدَ الصَّبَاحِ وَالمُسَاءِ وَالُنَامِ
بالتنوين وعدمه، وعند التنوين تسقط الألف، ثم إنهما إن كانا مصدرين يتنازعان
في ((مِنْكَ))، وإن كانا مكانين فلا؛ إذ اسم المكان لا يعمل، وتقديره: لا ملجأ منك
إلى أحد إلا إليك ولا منجأ إلا إليك.
(آمَنْتُ بِكِتَابِك)، أي: صدقت أنه كتابك، وهو يحتمل أن يريد به القرآن
ويحتمل أن يريد اسم الجنس فيشمل كل كتاب سماوي أنزل. (الَّذِي أَنْزَلْتَ)، أي:
أنزلته. (وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ)، وقع في رواية: ((أَرْسَلْتَهُ وَأَنْزَلْتَهُ)) في الأول بزيادة
الضمير المنصوب فيهما. (مَنْ قَالَهُنَّ)، أي: الكلمات المذكورة. (ثُمَّ مَاتَ تَحْتَ
لَيْلَتِهِ)، قال الطيبي: معنى (تَحْتَ لَيْلَتِهِ)): أنه لم يتجاوز عنه إلى النهار؛ لأن الليل
يسلخ منه النهار فهو تحته، يعني : أنه يقع ذلك قبل أن ينسلخ النهار من الليل وهو
تحته، قال: أو يكون بمعنى مات تحت نازلة تنزل عليه في ليلته، وكذا معنى ((مَنْ))
في الرواية الأخرى، أي: من أجل ما يحدث في ليلته، وقال ابن حجر: سبب
التعبير بالتحت أن اللَّه جعل الليل لباسًا فالناس مغمورون ومستورون تحته
کالمستور تحت ثيابه ولباسه .
(مَاتَ عَلَى الْفِطْرَةِ)، أي: على الدين القويم ملة إبراهيم فَلَُّ، فإن إبراهيم
أسلم واستسلم، قال الله تعالى عنه: ﴿جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٤] وقال عنه:
﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] وقال: ﴿فَلَمَّ أَسْلَمَا﴾ [الصافات: ١٠٣]، وقال ابن بطال
وجماعة: المراد بالفطرة هنا: دين الإسلام وهو بمعنى الحديث الآخر: ((مَنْ كَانَ
آخِرُ كَلَامِهِ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ))، قال القرطبي في ((المفهم)): كذا قال الشيوخ
وفيه نظر؛ لأنه إذا كان قائل هذه الكلمات المقتضية للمعاني التي ذكرت من
التوحيد والتسليم والرضا إلى أن يموت كمن يقول: لا إله إلا الله ممن لم يخطر له
شيء من هذه الأمور، فأين فائدة هذه الكلمات العظيمة وتلك المقامات الشريفة،
ويمكن أن يكون الجواب أن كلًّا منهما وإن مات على الفطرة فبين الفطرتين ما بين
الحالتين، ففطرة الأول فطرة المقربين، وفطرة الثاني فطرة أصحاب اليمين.
قلت: وقع في حديث رافع بن خديج عند الترمذي وقد حسنه: ((فَإِنْ مَاتَ مِنْ
لَيْلَتِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ))، ووقع في رواية حصين بن عبد الرحمن عن سعد بن عبيدة عند
أحمد بدل قوله: «مَاتَ عَلَى الْفِطْرَةِ)) ((بُنِى لَهُ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ))، قال الحافظ: وهذا